الاقتصاد السياسي للأزمة الليبية
الملخّص
تم إخضاع الأزمة الليبية لعديد الأدوات التحليلية لفهم ديناميكية التصعيد وسبل التهدئة. ولكن عادة ما تركز الأدبيات ذات الصلة على متغيرات سياسية وأمنية. يحاول هذا البحث استشفاف التبصرات التي يمكن الحصول عليها لدى مقاربة الأزمة الليبية، من منظور الاقتصاد السياسي. ويستعرض عددًا من المتغيرات ذات الطابع الاقتصادي التي تمنح قوة تفسيرية للفهوم المستمدة من الجشع والحاجة، ما يؤكد أنها لا تقل أهمية عن تلك المستمدة من المظلمة، وأن فهمً ا أفضل للحالة الليبية يوجب إلقاء الضوء على التفسيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على حد سواء. وقد ركز الاقتصاد السياسي للتصعيد في ليبيا على علاقة تكاليف عقد الصفقات بتنامي دور القبيلة والولاء القبلي، ودور التجارة غير الشرعية في مساندة العنف، وكذلك تراجع الدخل الفردي وتنامي شعبية عرابي العنف الإثنو-سياسي. ويخلص البحث إلى أنه يمكن الاستفادة من فهوم الاقتصاد السياسي في مساعي التهدئة عبر حزمة من التدابير. كلمات مفتاحية: الاقتصاد السياسي، ليبيا، الاقتصاد الريعي، داعش. Libyan crisis has been scrutinized through many analytical tools in order to understand its dynamics of escalation and ways to de-escalation, however, literature on the topic often focus on purely political and security variables. This study aims at tracing insights the political economy may provide to the crisis in Libya. First, some economic variables that give analytical significance to "Need" and "Greed" understandings has been presented, which confirms that they are not less important as compared to those brought from "Creed" and that a better understanding of the Libyan case as most of internal crises and conflicts requires that light being shed on political, social and economic interpretations alike. The study concludes that political economy understandings could be useful to de-escalation efforts through a package of measures. Keywords: Political Economy, Libya, Renter Economy, ISIL.
The Political Economy of Libyan Crisis
مقدمة
لطالما تفاوتت تفسيرات الأزمات الدولية بين البحث في النزعة التبريرية ل "المظالم" التي تغذي الأحقاد أو الوقوف على دوافع "الجشع" الإنساني المتأصل ونهاياتها التصادمية، بحسب وليام زارتمان Zartman William، والذي حاول من خلال تصوره هذا فحص أسباب اللجوء إلى العنف المسلح بين المجموعات المتخاصمة، سوسيولوجيًا كان أم اقتصاديًا. وبتعبير آخر؛ إن كان الأمر يتعلق بمظالم تغذي حالة السخط، وتولد الاحتقان، ومن ثَمّ تساهم في تفجير أعمال العنف؛ أم أن النهج العدائي يبطن مصالح مادية بحتة، بحكم أن الضغط المتزايد على الموارد المستنزفة، النادرة أو الآفلة، فإن ذلك يقود إلى سيادة جو من الاحتكاك السلبي بين المتخاصمين1، ما ينتج منه التصادم في مرحلة من المراحل. وعلى الرغم من صعوبة ترجيح أي من العاملين، فإن الحالة الليبية تقدم لنا نموذجًا متميزًا لأزمة تسندها هذه الاعتبارات – وخاصةًالاقتصادية منها - وتساهم في إطالة عمرها. وعلاوة على الأسباب الاقتصادية، فإن الأزمة الليبية تعود إلى عوامل سياسية، واعتبارات خارجية.
من منظور سياسي، يمكن ترجيح فرضية تآكّل أسس شرعية حكم القذافي، والمتمثلة في أربع ركائز أساسية؛ الثورية القومية، والمساواة والعدالة الاجتماعية، وشرعية الكرامة والهوية الوطنية، وأخيرًا القيمة الرمزية للقذافي بوصفه مناضلً ضد الإمبريالية الدولية. ومن المعلوم أن إحدى ركائز النظام الليبي التي أكدها القذافي مرارًا، هي أنه يمثل امتدادًا للثورة الناصرية المصرية، وأنه أمين الوحدة العربية بعد رحيل الرئيس جمال عبد الناصر، وهو أمر كانت له انعكاساته على التوجهات الداخلية والخارجية للسياسة الليبية، أدت بدورها إلى سلسلة من المغامرات على الساحتين الإقليمية العربية والأفريقية وعلى الساحة الدولية. قبل عودة النظام لمحاولة التكيف مع متغيرات ما بعد الحرب الباردة، وما بعد أحداث 11 سبتمبر 001.2 فتقلبات السياسة الخارجية الليبية بين السعي للوحدة العربية تارة، والأفريقية تارة أخرى، وما بين مشاريع وحدوية وثنائية حينًا، ومشروعات اتحادية جماعية حينًا آخر، ومغامرات النظام في دعم ومساندة العديد من منظمات وحركات التمرد في أركان المعمورة المختلفة، رسخت شعورًا بالمرارة لدى شرائح كبيرة من المواطنين الليبيين بسبب تبديد ثروات بلادهم في تلك المغامرات والسياسات والتعويضات2. أما سوسيو-اقتصاديًا، فيعاني الكثير من الليبيين الفقر والحرمان النسبي في مجالات التعليم والصحة والمرافق العامة والبنية التحتية، على الرغم من ثراء بلدهم؛ فالمجتمع الليبي مجتمع شاب وراغب في العمل، لكن نسب البطالة التي عاشها خلال حكم القذافي تقدر بنحو 03 في المئة، وهي أكبر نسبة بطالة في كل دول المغرب العربي. وبالموازاة يعدّ الاقتصاد الليبي اقتصادًا ريعيًا؛ إذ يرتكز على 90 في المئة من عائدات النفط. أما نسب الفقر التي تعيشها العائلات الليبية فهي مرتفعة جدًا نتيجة عدم حصولها على مدخولات شهرية ثابتة. ذلك أن العائدات النفطية الليبية كانت تستفيد منها – على نحو أكبر - فئات محدودة تلتف حول سلطة معمر القذافي، وهذا ما زاد من سخط الشعب وأدى إلى ثورانه. وإضافة إلى كل هذه الأسباب الداخلية، ساهمت التحولات الإقليمية والمتمثلة أساسًا بما اصطُلح على تسميته ب "ظاهرة الدومينو" effect domino التي نالت تونس ومصر، في استمالة الأزمة إلى الانفجار في ليبيا3. بناء على ما تقدم، سيحاول هذا المقال الإجابة عن الإشكالية الآتية: فيم تكمن التصورات التي تقدمها مقاربة الاقتصاد السياسي للسلم والحرب في توضيح المسار التصاعدي المأساوي للأزمة الليبية، منذ إطاحة نظام معمر القذافي؟ تندرج تحت هذه الإشكالية الرئيسة مجموعة من التساؤلات الفرعية أهمها: كيف يمكن مقاربة الاقتصاد السياسي للسلم والحرب أن تقدر فهومًا واضحة لمسار الأزمة الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي؟
كيف يتم استخدام مقاربة الاقتصاد السياسي للسلم والحرب في رسم خريطة لحلحلة الأزمة بليبيا؟ وللقيام بتحليل موضوعي ومنطقي، وللإجابة عن إشكالية الدراسة وكذا التساؤلات الفرعية سننطلق من الفرضيات الآتية: تعدّ التصورات التي تمدها مقاربة الاقتصاد السياسي من أهم الأدوات التحليلية التي تفسر المسار التصاعدي للأزمة الليبية منذ سقوط نظام معمر القذافي.
أولا: الاقتصاد السياسي للتصعيد في ليبيا بعد 2011
أصبح معظم الدول العربية - وليبيا على وجه الخصوص - منذ سنة 0112، مسرحًا لظاهرة أطلق عليها بيري أندرسون Anderson Perry،Concaténation de soulèvements"اسم "الانتفاضات المتراصة كانت هذه الانتفاضات نتيجة احتقان سياسي، يسنده وضع اقتصادي يتسم بتفاوت واضح في مستويات المعيشة بين فئات العديد من شعوب المنطقة، ازدادت حدةً مع تأزم الأوضاع السوسيو-اقتصادية للمنطقة العربية، إثر تداعيات الأزمة المالية لسنة 0082، والتأثيرات التي خلفتها اللبرلة المفرطة والاقتصاد الرأسمالي في خلق حالة من اللااستقرار المجتمعي4، وهو ما يدفع إلى الاهتمام بالارتباطات المحتملة بين المتغيرات المستمدة من الاقتصاد السياسي وديناميكية التصعيد والتهدئة في البلدان التي شهدت انتفاضات أهلية، حيث تكون ليبيا الحالة التي نحاول من خلالها استشفاف هذه الارتباطات.
1. تكاليف عقد الصفقات: المدخل العقلاني لتنامي دور القبيلة
جنبًا إلى جنب، مع المقاربات الماركسية؛ تستمد الليبرالية من المعطى الاقتصادي جزءًا معتبرًا من افتراضاتها الصلبة5، بل إنه يمكن الباحثَ أن يستقي من بنائها التصوري هذا بعضًا من أفضل التفسيرات للحرب والسلم، وهي تفسيرات تندرج ضمن الاقتصاد السياسي للحروب الذي يهتم بالمتغيرات العقلانية ذات الطابع الاقتصادي في استشفاف ديناميكية التصعيد والتهدئة للأزمات والنزاعات الدولية، وتعدّ نظرية تكاليف عقد الصفقات6 إحدى الأدوات المساعدة التي تلقف عناصر هذه الديناميكية. وبحسبها فإن مجمل التفاعلات المواطنية هي في النهاية صفقات7، فالمواطن يدفع الضرائب للحكومة مقابل حصوله على الخدمات المختلفة (من توفير الحماية الأمنية والقضائية إلى البنية التحتية والتأمين على البطالة والتقاعد.) ومن الناحية النظرية؛ انفرط عقد أكثر من صفقةٍ بسقوط النظام الزبائني للقذافي، وتعسُّ مسعى إرساء بديل جاهز، حتى لو توافر التوافق السياسي بهذا الشأن بين الفرقاء الليبيين، وذلك بسبب حالة الترهل الهيكلي السياسي الذي توجد عليه الدولة الليبية، وغياب تقاليد مؤسساتية في الحكم. إذًا، ومن وجهة نظر تكاليف عقد الصفقات، فإنه لدى عجز أحد طرفي العقد – وهو الحكومة في هذه الحالة - عن الوفاء بالتزاماته؛ بتوفير الحماية للأفراد عبر المنظومة القانونية التي تسندها أدوات القهر المشروع، فهو سيبحث لا محالة عن بدائل تمنحه ذلك، وهذا بالنظر إلى ارتفاع تكاليف الصفقة القديمة؛ فلا يمكن ضمان استمرار ولاء الفرد للدولة في غياب حكومة مركزية (الطرف الآخر للعقد) أو في ظل عجزها عن استحقاق ما يترتب على التزاماتها. وفي حالة ليبيا؛ توجد العشائر والقبائل في رواق جيد لاستمالة الولاءات المواطنية التائهة، فهي الكيان الذي يحصل من خلاله على صفقة مربحة قابلة للتنفيذ والحماية، غير أن هذه العشائر والقبائل لا تملك اقتصاد دولة، ولا بنية اقتصادية مشرعنة، بل تعتمد على نشاطات يدخل جزء مهم منها ضمن "المنطقة الرمادية" (بين المشروع وغير المشروع)، بل وحتى في الدائرة "الإجرامية" كتهريب السلع والاتجار غير الشرعي
بمواد لا تخضع للضريبة، كل ذلك للحفاظ على ولاء المنضوين تحتها (دائمًا في إطار المنطق الزبائني) وصيانة بقائها، بل وأحيانًا، بهدف تعزيز مستوى تسليحها في مواجهة التهديدات المتأتية من المجموعات الأخرى. ولدى انخراطها في مثل هذه النشاطات ينزلق بعضها بعيدًا للاتجار بالمواد الأكثر ربحية؛ كالأسلحة والمخدرات، لتجد نفسها في النهاية متورطة في علاقات وشراكات حتمية مع جماعات إجرامية دولية و/أو شبكات إرهابية تشتغل في خطوط الإمداد والتموين ذاتها. لا يتسبب ذلك في تقاطع المصالح مع هذه الشبكات أو تضاربها وحسب، بل وفي إيجاد بيئة من العنف المتساند الذي يتطلب مرافقة دولية طويلة المدى لضبطه.
2. دور التجارة غير الشرعية في تساند العنف
حالة ترهل السلطة المركزية وانهيارها، ومن ورائها الدولة في ليبيا، جعل من إقليمها الشاسع فضاء لممارسات اقتصادية غير شرعية8، إذ إنه أصبح ملاذًا آمنًا، ليس فقط للجماعات المتمردة أو المجموعات الإرهابية، بل للمهربين أيضًا، لأنها تمكن عناصرها من مورد مالي مستقر يساعدها على البقاء والاستمرار في تنفيذ مخططاتها وتجنيد منخرطين جدد، كما أن الأقاليم التي تعدّ مناطق عبور ضرورية لهذه الموارد الممنوعة يمكن أن تنالها أعمال العنف؛ فالمجموعات المسلحة ستعمل على تأمين الطرق لتجارتها، ما يجعلها مصدرًا لاستمالة متعاونين محليين لهذا الغرض. وفي النتيجة؛ سيدخلها الفساد المستشري على طول الحدود ومسالك التهريب في الأقاليم المجاورة، في حلقة العنف بدرجات متفاوتة بظهور فئة مستفيدة من استمرار عمليات التهريب9. ومن بين أهم مظاهر تساند العنف الناتج عن توسع نشاطات التهريب والنشاطات الاقتصادية غير الشرعية وضرورات حمايتها؛ انتشار الأسلحة الخفيفة على نحو مريب، فغياب آلية فعالة لضبط تداول الأسلحة الخفيفة ضمن الأطر القانونية والمعقلنة، يعدُّ أحد المؤشرات التي تحظى بثقل كبير نسبيًا ضمن مصفوفة التأزم المستعصي عن الضبط. وحتى في دولة ديمقراطية مثل الولايات المتحدة الأميركية فإن عدد ضحايا حوادث إطلاق النار من أسلحة خفيفة، لسنة 0132 وحدها، يبلغ 69331 قتيلً، وهو ما يقترب من المعدل السنوي، ليبلغ مجموع عدد الضحايا الذين أحصاهم مكتب التحقيقات الفدرالي 4.1711.38 مليون قتيل أي أن الرقم يفوق بكثير عدد قتلى المعارك الأميركيين منذ القرن الثامن عشر، أي باحتساب قتلى حرب الاستقلال، إذ يبلغ عددهم 71.1771.1 مليون قتيل معركة، إلى غاية كتابة بيتر بليت تقريره10. أما الأزمة الليبية التي يتزامن فيها تداول هذا النوع من الأسلحة مع صعوبة استمالة الخصوم نحو التسويات التوافقية، فإن دورها لا ينتهي عند إذكاء العنف، بل وعرقلة التسويات المحتملة لصعوبة ضبط سلوكيات عشرات الآلاف من المنخرطين ضمن العصب المتحاربة، والذين يحتفظون برغبة كبيرة في الانتقام والانتقام المتبادل.
3. الدعائم الاقتصادية للولاء القبلي/ العشائري
إن مستويات التنسيق العالية داخل القبيلة/ العشيرة تعود إلى وجود دعائم رمزية متماسكة تسند ذلك، وهي من ضمن مكونات الهوية المشتركة11. فمع ترهل الولاء المواطني، تقوم إعادة النظر في التصور الهوياتي عبر تحديد الأنا قياسًا على الآخر، على اعتبارات إثنية12. وعندما تعتمد مقومات التصور الهوياتي المستجد على الدين والعادات والتقاليد الراسخة، فإن قوتها الإلزامية تكون حاسمة؛ ما يجعل تكاليف عقد الصفقات متدنية جدًّا، وبذلك تكون بمنزلة الصفقة الأشدّ ملاءمة13. تعدّ الصفقات ذات الطابع الاقتصادي حاضرة في هذا المضمار، إذ إن شبكة العلاقات التي يتم إرساؤها على مستوى الأجهزة البيروقراطية، ذات الخلفية الإثنية، تسند المصالح الاقتصادية لأعضاء الإثنية المعنية14. ويفسر ذلك جوانب كثيرة من الحركية السياسية في ليبيا بعد الأزمة؛ كالتنافس القبلي للتموقع السلطوي على كل المستويات، فالسلطة هي المخولة بتوزيع القيم المادية وعائدات المحروقات على نحو خاص؛ ويفسر ذلك أيضًا الاستقطاب الحاصل بين طرابلس وطبرق، والذي تسنده مواقف سياسية تنطوي في جوهرها على تمايزات قبلية/عشائرية.
4. الزبائنية وتدخيل المنطق الاقتصادي في الممارسة السياسية
في الدول التي يسودها المنطق "الزبائني" مثل ليبيا زمن القذافي، إذ تتم مقايضة الولاء المواطني للنظام القائم، بحزمة من أشكال الدعم [الاجتماعي] عبر مخرجات القرار السياسي15، فإنه من الطبيعي أن تتزايد احتمالات قيام الفرد/ المواطن بمراجعة ولائه عندما تتوقف الحكومة المركزية عن الإنفاق، لا سيما وهو متعود على نمط "الدولة الراعية" التي تسجل حضورها في جميع مناحي الحياة لتعزيز منطق الرفاه، ف "الدولة الحارسة" (التي تقدم الحد الأدنى من الوظائف الدولاتية) بالنسبة إلى الفرد، ليست بالفضاء الذي يسمح بتحصيل الاحتياجات الأساسية للفرد.
5. تراجع الدخل الفردي وتنامي شعبية عرابي العنف الإثنو- سياسي
إن تحرير الاقتصاديات الموجهة و"لبرلتها" قصدَ زيادة تنافسيتها، وإدماجها في السوق العالمية يؤدي، على الصعيد الاجتماعي، إلى رفع سياسات الدعم والحمائية التي كانت تحظى بها فئات واسعة من المواطنين البسطاء، أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أو رجال الأعمال، وينتج من ذلك تراجع مدخولات الأفراد والأسر والمؤسسات، بل وإفلاس الكثير منهم، ما يساهم في تراجع مستوى المعيشة، ويولد ذلك سخطا متزايدًا تجاه الحكومة المركزية، يعمد عرابو [العنف] الإثنو - سياسي إلى الاستثمار فيه وإعادة توجيهه ضمن دوائر إثنية خالصة16. غير أن قدرة عرابي العنف الإثنو - سياسي على التعبئة تتزايد سريعًا مع انتشار مظاهر الحرمان؛ إذ إن أفول مظاهر السلطة المركزية بل والدولة ككل يحرم الأفراد من "الاعتماد" على "الزبائنية" لتلبية متطلبات الحياة، وفي مقابل ذلك فإن الإثنية/ القبيلة توفر إطارًا مناسبًا وفعالً لتحصيل الخدمات في مقابل إظهار الولاء للإثنية17، ويظهر التمثيل البياني أدناه أفول المدخولات الليبية من النفط خلال السنوات الخمس الأخيرة، ولا سيما سنة 0112 والمدة بين منتصف 0122 إلى 0152، ويوافق ذلك على نحو غير مفاجئ مُدَدَ التصعيد واشتداد العنف بين العصب المسندة قبليًا. وإذا كان تزايد حدة الاستقطاب بين الإثنيات/ العشائر/ العُصَب المختلفة بتراجع الموارد المالية للنظام الزبائني مبررًا، فإن السقوط في مدة لاحقة ضمن أسوار المعضلة الأمنية المجتمعية Societal
Dilemma Security يرفع من شأن الإثنية/ العشيرة، ويزيد جاذبيتها بوصفها بديلً لتوفير الحاجات الإنسانية الأساسية وعلى رأسها البقاء، وليس أقل أهمية منها السعي لتحقيق امتيازات اقتصادية (والحفاظ عليها) بالنسبة إلى الأفراد والأسر، سواء قبل نزوع الأزمات نحو التصعيد أو خلال/ بعد مُدَد التصعيد وحتى بعد التسويات.
ثانيًا: مقاربات لتخفيف حدة الأزمة
الليبية من منظور الاقتصاد السياسي
للسلم والحرب
قدم لنا منظور الاقتصاد السياسي للسلم والحرب العديد من المقاربات؛ قصدَ تخفيف شدة الأزمات والانتكاسات سواء أكانت اقتصادية/ مجتمعية أم اقتصادية/ أمنية. وسنقوم باستخدام أبرز هذه المقاربات من أجل تقديم خريطة لتخفيف حدة الأزمة الليبية.
1. زيادة الجاذبية الاقتصادية لولاءات عبر قبلية: التحول عن المكاسب النسبية إلى المطلقة
بالنسبة إلى مناصري الحفاظ على ليبيا موحدة، يمكن إيجاد حوافز سياسية كثيرة وأهمها أن الدفع باتجاه التقسيم، في ظل مجتمع قبلي لن يساهم إلا بمزيد من المطالبات الانفصالية، وفي النتيجة تشظي التراب الليبي، بل إن هذه المطالبات تكتسي طابعًا أخطر إذا أخذنا في الاعتبار المطامع الخارجية. ويعدّ إقليم برقة الغني بالنفط نموذجًا مثاليًا لتنامي النزعة الانفصالية، لكنه يضم فعليًا عددًا قليلً من السكان، قياسًا على شساعة الإقليم؛ الشيء الذي ساهم في توالي ما تم تأويله إلى أنه تلميحات مصرية تنطوي على المطالبة ببعض مناطق الإقليم الشرقي في ليبيا18. وفي هذه الحالة؛ فإن الحفاظ على الوضع القائم (ليبيا موحدة) كفيل بحماية المكتسبات المجموعاتية على المدى الطويل، فمن الواضح أن المغامرات الانفصالية لن تجلب غير بعض المكاسب قصيرة المدى. وهذا الوضع يمكن التعبير عنه بالتحول عن الرؤية الواقعية للصورة المثلى لمكاسب الفاعلين السياسيين، والتي تحاجج بأنه يفترض بها أن تكون نسبية، أي تجعلها دومًا في مواجهة مع مكاسب الخصوم، وبذلك فإن التفاعل الإستراتيجي بين المجموعات المكونة لمعادلة الصراع في ليبيا يماثل مباراة صفرية، يسعى الكل من خلالها لحسم مسألة التفوق والسيطرة على الإقليم والموارد لمصلحة أعضائها، على حساب المجموعات الأخرى؛ بينما تقدم الرؤية الليبرالية بديلً أكثر تساندًا في مثل هذه التفاعلات، إذ إن ما يمكن الحصول عليه بفضل تكريس النزعة التعاونية على المدى الطويل أكبر بكثير مما يمكن جنيه من جراء الاستكانة إلى الإستراتيجيات أحادية الجانب. 2. تجفيف منابع تمويل المجموعات المسلحة ومن ذلك محاصرة عمليات التهريب، فتهريب الوقود مثلً، يوفر مصادر دخل معتبرة للجماعات المتناحرة؛ إذ كشفت تقارير أممية أن سعر الوقود الليبي المدعوم يجعله في حدود 0.4 دولار للغالون 78(3. لترات) بينما تتم إعادة بيع المهرب منه في مالطا بنحو 4.73 دولارات وفي تونس بنحو 2.88 دولار (أي على التوالي، يساوي سعره في ليبيا بمقدار 7 مرات و 11 مرة)، وعلى الرغم من محاولات اعتراض عمليات التهريب التي كللت إحداها بالنجاح مع حجز نحو 0002 طن من وقود الديزل (المازوت) كانت موجهة إلى مالطا، فإن هذه المساعي أبعد ما تكون عن تجفيف منابع تمويل الأزمة المستعصية بين الفرقاء الليبيين؛ إذ يتعين إرساء آلية متعددة الأطراف لوقف عمليات التهريب، ولا سيما على الخطوط البحرية19. لا شك في أن استمرار هذا الوضع يعني حصول المجموعات المسلحة على مزيد من الأموال لشراء الأسلحة، بل إن غياب التحكم في أسواق الوقود يعرقل تطبيع الحياة اليومية لليبيين بسبب عدم توافر محطات الوقود على كميات كافية منه، فضلً عن أن كميات معتبرة منه (مدعومة السعر) تتوجه إلى ملء خزانات المركبات التي تستعمل لأغراض قتالية.
3. البعد الاقتصادي للتجنيد: ضرورة رفع تكاليف الإمداد بالمجندين
توفر البطالة بيئة ملائمة لاستمالة المجندين ضمن المجموعات والعُصَب المسلحة التي تملك موارد مالية، ففي مقارنة بسيطة بين متوسط الدخل الفردي في البلدان المعنية بالعنف السياسي، أو تلك التي تضم مترشحين للالتحاق بالمجموعات المسلحة، وبين ما يحصل عليه المنخرطون في الجماعات الإرهابية والعُصب المسلحة أو المتمردة، يمكن أن نستشف سر جاذبية هذه التنظيمات للمترشحين المحتملين للتجنيد، وهم عادة أفراد يعانون الحرمان والاضطرابات النفسية والاغتراب.
ويمكن الحديث عن مثال بارز في هذا الصدد وهو تنظيم "داعش" في سورية؛ إذ أقر التنظيم الإرهابي راتبًا يقدر ب 400 دولار شهريًا لكل مقاتل، يضاف إليها 50 دولارًا عن كل طفل، و 001 دولار عن كل زوجة، و 400 دولار بدل هجرة للمقاتلين الأجانب21، وإذا أخذنا في الاعتبار مستوى الدخل الفردي الضعيف نسبيًا في دول الجوار، وحالة السخط الاجتماعي لبعض أبناء الجالية العربية والإسلامية في أوروبا، فإن رواتب كهذه تعدّ مغرية جدًّا، حتى إنها ساعدت في استقطاب المجندين ضمن كتائب المجموعات الأخرى المعارضة للنظام السوري، بل حتى بعض الفارين من الجيش النظامي. في ليبيا تعدّ الرواتب أشدّ جاذبية؛ إذ تقدر ب 6000 دولار أميركي شهريًا للمقاتلين/ الإرهابيين في رتبة أمير، فضلً عن 400 دولار عن الزوجة و 002 دولار عن كل ولد، بينما يحصل المقاتلون/ الإرهابيون على رواتب بالدينار الليبي لا تقل عن 0001 دينار 726(دولارًا أميركيًا) للعازبين، وما بين 0002 دينار ليبي 452(1 دولارًا) و 0003 دينار ليبي 79(21 دولارًا) للمتزوجين، وذلك بحسب الأقدمية في التنظيم22. بطبيعة الحال، يمكن هذه الحزمةَ من المغريات المالية أن تستقطب عناصر شابة جديدة، إذا أخذنا في الاعتبار حالات الإحباط واليأس التي تعانيها هذه الفئة، في ليبيا، بفعل انهيار الدولة، أو في الدول المجاورة. بل إن تقريرًا ل دير شبيغل الألمانية حذر من أن 00.0002 مقاتل ناشطين حاليًا في ليبيا ضمن 5001 مجموعة مسلحة متشددة قد ينضمون إلى داعش إن لم تتخذ تدابير تمنع ذلك.
4. الاقتصاد السياسي لضمور تنظيم الدولة "داعش" في ليبيا
يبدو أن مصادر تمويل عدة يصعب تحديدها بدقة ساعدت "داعش" في الحصول على تمويل كاف للانطلاق، غير أن انتشار التنظيم لم يحتفظ بالإيقاع ذاته بسبب الاعتبارات العشائرية، ذلك لأن مناطق انتشارها لا تتوافر فيها حقول نفط أو غاز يمكنها المساعدة في ضمان الحصول على موارد مستقرة لتمويل لوجيستي فاعل للتنظيم، وهو ما تظهره الخريطة. لكن وبما أن القبيلة تؤدي دورًا حاسمً في نحت الاستقطابات السياسية، فهل تؤدي القبلية دورًا في إذكاء العنف المرتبط بالتطرف الديني؟ يمكن للقبلية أن تكون عاملً مساعدًا في انتشار العنف، بفعل التأثير الحاسم للولاءات العائلية وامتداداتها العشائرية، قياسًا على الولاءات المدنية، فضلً عن خاصية التضامن بين أعضاء القبيلة، كل ذلك يجعل سقوط أفراد فاعلين في إحدى القبائل في فخ التطرف وانضمامهم إلى الجماعات المتطرفة عاملً مساعدًا في رفع احتمالات جر عشيرته برمتها إلى الانضمام إلى نهج التطرف، وقد يدفع في هذا الاتجاه ويسنده وجود عداء قديم بين تلك العشيرة وعشائر أخرى تتخندق في صف الحكومة المركزية، أو المجموعات المناوئة للمتطرفين. لكن ذلك يبقى صحيحًا عندما تضعف القيادات التقليدية ممثلة بالشيوخ قياسًا على القيادات المتحمسة الشابة التي لا تمتلك رؤية بعيدة الأمد (قبليًا)، تأخذ في الاعتبار عامل الحفاظ على الولاء العشائري متقدًا. ذلك أن الانسياق وراء الولاءات ذات الطابع الديني يضعف سلطة العشيرة مقابل تدفق للولاءات في كل الاتجاهات داخليًا وخارجيًا، ضمن شبكات الإرهابيين، لينتهي ذلك إلى تقويض سلطة الشيوخ. لكن جل هذه الاحتمالات تبقى ضعيفة في حالة
توافر هذه القبائل على قادة أقوياء، كما هي الحال في معظم القبائل الليبية؛ إذ يجب ألا نغفل عن حقيقة أن قوة الشيوخ مستمدة في جزء كبير منها من قدرتهم على توزيع القيم الرمزية والمادية، ولأن أغلبها انضوت في تحالفات تحوز حقولً نفطية، فإن هذا الاحتمال يتدنى كثيرًا.
خاتمة
حاول هذا البحث فحص الدور الذي تؤديه المتغيرات الاقتصادية في توفير فهوم للأزمة الأمنية المستعصية في ليبيا، إذ وعلى الرغم من الانسياق المتعاظم للأدبيات نحو ترجيح التفسيرات السياسية، فإن هذه الورقة البحثية خلصت إلى استشفاف مواطن الثقل التحليلي للحوافز الاقتصادية؛ إذ عبر فحص عدد من المتغيرات الاقتصادية، بأخذ سؤال جوهري في الاعتبار: ما إذا كانت الوضعيات النزاعية تتقاذفها دوما تفسيرات تمتد بين الجشع Homo economicus والمظلمة sociologicus Homo أو بتعبير آخر: ما إذا كانت الدوافع المتأتية من المكاسب الاقتصادية، أو تلك المتأتية من الدور الاجتماعي هي الناظم للسلوك وخيارات الأفراد والمجموعات، فإنه يبدو جليًا، من خلال جملة من الأمثلة المقدمة أن استبعاد المتغيرات الاقتصادية في مسعى تفسير ديناميكية التصعيد والتهدئة في الحالة الليبية ليس دقيقًا، بل يمكن إيجاد ما يدحضه من الأسانيد. لقد تبين أيضًا أن الدور الذي يؤديه البعد الاقتصادي للأزمة الليبية ليس ضمن بواعث النزاع وحسب، بل إنه يؤدي إلى استعصائها على جهود التسوية أيضًا، ومن بين تفسيرات هذه الحالة، نجد وقوع النشاط الاقتصادي ضمن الدائرة الإجرامية ما يتسبب في تساند العنف على المدى الطويل. ذلك أن سقوط الاقتصاد الليبي في فخ النشاط غير الرسمي والتهريب، يدفعه نحو تشبيك النشاطات غير الرسمية لأعمالها مع شبكات الجريمة المنظمة لضمان الحماية، وفي الحصيلة تقاطع نشاطاتها مع الجماعات الإجرامية والإرهابية. فضلً عن ظهور جماعات المنتفعين من استمرار الأزمة، ومن ثَمّ تستعصي الأزمة على جهد التسوية. يمكن القول أيضًا إن ضبط الأزمة الليبية وإدارتها نحو التسوية المتساندة، يتطلب، من ضمن عديد التدابير، معالجة اقتصادية متعددة المستويات؛ خلق حوافز للولاءات عبر عشائرية/ قبلية/ إثنية تكفل صنع توافقات قابلة للتنفيذ في مجال توزيع القيم، وتطبيع الحياة الاقتصادية والسياسية، والحيلولة دون توظيف عشائري للتموقع السلطوي، ودون توجيه الخيارات البيروقراطية نحو التنافس على الموارد النادرة، وشرعنة هذا التنافس بقوانين منحازة، ومحاصرة ظاهرة الاتجار بالممنوعات عبر تكثيف التنسيق الأمني والاستخباراتي الإقليمي مع الدول المجاورة، وإعادة تأهيل المسلحين والمجندين ضمن العصب المتناحرة مهنيًا، وإدماجهم في اقتصاد ناشئ ترعاه الدول المانحة.
المراجع
Arnson, Cynthia J. & I. William Zartman (eds.). Rethinking the Economics of War: The Intersection of Need, Creed, and Greed. Washington: Woodrow Wilson Center Press, 2005. Biziouras, Nikolaos. The Political Economy of Ethnic Conflict in Sri Lanka. UK: Routledge, 2014. Collier, Paul. "The Political Economy of Ethnicity." WPS/988- (April 1998). at: http://bit.ly/2nSmDdW Hardin, Russell. One for All: The Logic of Group Conflict. NY: Princeton University Press, 1997. Horowitz, Donald. Ethnic Groups in Conflict. Berkeley: University of California Press, 1985. Kienle, Eberhard & Laurence Louër. "Comprendre les enjeux économiques et sociaux des soulèvement Arabes." Critique internationale , no. 61(Octobre- Décembre 2013). Mongin, Philippe. "Le libéralisme, deux ex machina de l'économie du bien-être." Revue économique. vol. 59. no. 2 (March 2008). Stokes, Susan C. et al. Brokers, Voters, and Clientelism: The Puzzle of Distributive Politics. New York: Cambridge University Press, 2013.