السلفية في تركيا: تحديات الانتشار في مجتمع متصوّف

Emad Y. Kaddorah عماد قدورة |

الملخّص

يصعب تصوّر حضورٍ مؤثرٍ للسلفية في تركيا على الرغم من الحديث عن "انتشار" السلفية في البلاد. فالحديث عن هذا الحضور لا بد من أن يترادف مع أسئلةٍ منهجيةٍ تعبّر عن تحديات متعلقة بالبيئة الفكرية للمجتمع التركي، كما تتعلق بالسياق التاريخي والتنافس السياسي بين أهل السنة. ومن هذه الأسئلة: كيف يمكن للسلفية أن تحقق انتشارًا في مجتمعٍ متصوفٍ تبنت دولته الإمبراطورية منهج أبي حنيفة والماتريدية في التأويل والرأي، وتبنت جمهوريته الحديثة فلسفة الغرب والعلمانية؛ وكلاهما نقيض للمنهج السلفي القائم على الاتباع والنقل؛ والمتمسك حرفيًا بما جاء في القرآن الكريم والسُ نة وما نقل عن "السلف الصالح"؟ وكيف يمكن للسلفية أن تتجاوز الحاجز التاريخي والنفسي في تركيا الذي نشأ إثر خلافات عثمانية - سعودية في بدايات القرن التاسع عشر واستمرت آثاره الفكرية حتى وقت قريب؟ كلمات مفتاحية: تركيا، السلفية، التصوف، الماتريدية، النقشبندية. It is difficult to imagine an influential presence for Salafism in Turkey despite the talk of the "spread" of Salafism there. This must be accompanied by methodological questions that articulate the challenges related to the intellectual environment of the Turkish society. It also relates to the historical context and political competition amongst the Sunni community. One question is "How could Salafism have such a powerful presence in a Sufi society, whose empire had adopted the 'opinion approach' of Abu Hanifa and Maturidi and whose modern republic had adopted the philosophy of the West and secularism?" Both are contrary to the Salafi approach based on tradition and the literal commitment to the texts of the Quran, Hadith and the sayings of 'al-Salaf a-Saleh'. Another question is "How can Salafism overcome the historical and psychological barrier in Turkey that formed as a result of Ottoman-Saudi disputes at the beginning of the nineteenth century and whose intellectual effects have continued until a recent time?" Keywords: Turkey, Salafism, Sufism, Maturidism, Naqshbandi.

Salafism in Turkey: The Challenges of Spreading in a Sufi Society

مقدمة

استطاعت السلفية خلال العقود الثلاثة الماضية تحقيق انتشار وحضور نسبي لها في تركيا، وتمثل هذا الحضور رسميًا، ولأول مرة، في الاعتراف بالسلفية من قبل مؤسسة الشؤون الدينية التركية "ديانت" بوصفها أحد المدارس السنية جنبًا إلى جنب مع الحنفية والماتريدية، وذلك نتيجةً لحاجات الانقلاب العسكري في بداية الثمانينيات من القرن العشرين لتعزيز حضور الإسلام الرسمي الذي ترعاه الدولة، وتقويض جهود الإسلام السياسي لحركة نجم الدين أربكان. كما بدأت منذ بداية التسعينيات حركة نشر نشطة في إسطنبول من خلال جهود الشيخ عبد الله يولجو، ذي الأصول التركمانية العراقية، والمعروف في العالم العربي باسم عبد الله بن عبد الحميد الأثري، الذي أسس مكتبة الغرباء في منطقة السلطان أحمد، ونشر كثيرًا من كتب السلفية مثل كتب ابن تيمية وكتاب "التوحيد" للشيخ محمد بن عبد الوهاب وكتب الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد بن العثيمين والمحدّث ناصر الدين الألباني والشيخ صالح الفوزان، والتي حققت انتشارًا واسعًا على عكس ما كان متوقعًا. وفضلً عن ذلك، استخدمت الدعوة السلفية وسائل عديدة مثل مواقع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي باللغة التركية، وتمكنت من عقد مؤتمرات جمعت رموز السلفية في العالم الإسلامي في إسطنبول. وعلى الرغم من هذا الحضور، بقي انتشار السلفية محدودًا للأسباب نفسها التي فرضت حواجز فكرية وتاريخية بينها وبين المجتمع التركي، ولأسباب أخرى تتعلق بالسياسة التي يتبعها السلفيون في عدم الرغبة في الظهور اللافت والسريع الذي قد يثير ردود فعل تركية مجتمعية حادة تجاههم، كما تتعلق بالتحدي الكبير الذي بات يواجه هذه الدعوة مؤخرًا بعد وقوع هجمات كبرى في المدن التركية على يد جماعات جهادية سلفية ضمن إطار تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"؛ مما أعاد الأتراك للربط بين هذا العنف وما يسمونها "الحركة الوهابية" بعامة، من دون فصلٍ بين شقيها الدعوي والجهادي. وفضلً عن ذلك، بدأت أوساط أكاديمية وإعلامية تركية تنبه إلى خطر الحضور السلفي في تركيا وانعكاساته على الإرث الصوفي والحنفي المنفتح، وعلى النظام الديمقراطي والعلماني، فيما يتهم بعض المعارضين حكومات حزب العدالة والتنمية بتشجيع هذا الحضور وتوظيفه إقليميًا ومذهبيًا في سياق توسع النفوذ الإيراني والشيعي في المنطقة. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف الحضور السلفي الحالي في تركيا وخطابه ومنهجه، ووسائل انتشاره، ورموزه وشخصياته الدعوية، وانعكاسات السلفية الجهادية على الحضور السلفي الدعوي، وبعض ردود الفعل التركية تجاههما. كما تهدف إلى تبيُّ مدى تأثير الاختلاف الفكري والانقسام التاريخي بين السلفية والأتراك، في الحضور السلفي في تركيا ماضيًا وحاضرًا. وتحلل أسباب هذا الحضور مؤخرًا ونتائجه ومآلاته. وتعتمد الدراسة في ذلك على المنهجين التاريخي والتحليلي. وتسعى الدراسة إلى تحقيق أهدافها من خلال أربعة محاور؛ يناقش الأول تحديات السلفية في مجتمع متصوف، ويتناول الثاني حضور السلفية ومدى انتشارها في تركيا حاليًا، ويدرس الثالث انعكاسات ظهور السلفية الجهادية في تركيا على السلفية الدعوية، ويتناول الرابع ردود الأفعال التركية إزاء حضور السلفية، لنستنتج في الخاتمة مدى الطموح السلفي ومستقبله وحدوده في تركيا.

أولا: تحديات السلفية في مجتمع متصوف

تعد كلٌ من السلفية التي انتشرت في العالم العربي وبخاصة في شبه الجزيرة العربية، والطريقة النقشبندية الصوفية التي انتشرت في العالم الإسلامي وبخاصة في تركيا، منهجين ضمن نطاق "أهل السُنة." لكنّ ثمة خلافًا جوهريًا بينهما بقي محصورًا في إطار فكري لعدة قرون إلى أن وصل إلى اختلاف سياسي وحرب بين الطرفين إثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لإحياء فكر "السالف الصالح" ومحاربة البدع والانحرافات وبخاصة لدى الصوفية، ثم تحالفه مع الأمير عبد الله بن سعود في نجد لتأسيس دولة مستقلة عن السلطنة العثمانية. وبهذا شكل العاملان الفكري والتاريخي تحديين أمام قبول السلفية في تركيا أو انتشارها. ويمكن مناقشة هذين التحديين من خلال التعرف أولً إلى الفرق بين المنهجين النقشبندي والسلفي، ثمّ التعرف إلى السياق التاريخي الحديث الذي نشأت فيه تلك الحواجز بين الطرفين.

1. التحدي الفكري العقدي: الصوفية مقابل السلفية

أ. التصوّف في تركيا ودوره العقدي والسياسي

أدت الطرق والجماعات الصوفية دورًا مهمً في السياسة والمجتمع التركي منذ الحقبة العثمانية. وتتحدر هذه الطرق والجماعات من التصوف وتراثه الذي يعود إلى القرن الثالث الهجري، والذي بدأ بوصفه نزعات فردية تدعو إلى الزهد وكثرة العبادة، لتكون منهجًا أو طريقًا للوصول إلى الله تعالى؛ أي الوصول إلى معرفته والعلم به. وهو لا يعد مذهبًا وإنما طريقًا تروم تزكية النفس وتطهير القلب والتزام الأخلاق الحسنة انطلاقًا من الركن الثالث للدين وهو الإحسان؛ الذي يُعرَّف في الحديث

الشريف بأنه: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك." ومن أهم علماء الدين الذين عُرفوا بالتصوف أبو حامد الغزالي والحلاج ورابعة العدوية ومحي الدين بن العربي وجلال الدين الرومي1. وقد تحولت هذه النزعات الفردية إلى طرق عديدة عمت بلاد المسلمين، واتخذت مناهج وطرقًا مختلفة، منها من التزم القرآن والسنة، واجتهد في التأويل على أساسهما، ومنها من ذهب بعيدًا في تبني عبادات أو عادات مُحدَثة، وهي التي يُصنّفها الدعاة السلفيون بدعًا وانحرافات قد تُخرِج أحيانًا أصحابها عن الدين. وأما في تركيا، فيعود التصوف فيها إلى الشيخ محمد بهاء الدين نقشبند 9-1318(138 م)، وإليه تُنسب الطريقة النقشبندية، وهي واحدة من أكبر الطرق الصوفية في العالم. وقد أدت على مر التاريخ دورًا مهمً في انتشار الإسلام. تعتمد النقشبندية في منهجها على الإرشاد الروحي عبر تلقّي "المريد" العلوم الشرعية من الشيخ أو "المرشد"، ويُشكّل هؤلاء المرشدون سلسلةً متواترةً ممتدةً تعود إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم2. وترجع هذه الطريقة إلى المذهب الحنفي الذي يُثل منهج أهل الرأي والعقل في فهم القرآن والسُنة وتأويل نصوصهما. وقد ساد هذا المنهج قرونًا طويلة لدى المسلمين بسبب قبوله لدى الأمويين والعباسيين والعثمانيين الذين وضعوا الأحناف في مركز مؤسسات الدولة ونظام القضاء؛ ما أدى إلى انتشاره على نطاق واسع3. كما تستند النقشبندية، ومن ثم الأتراك، إلى علم الكلام والبرهان الذي تمثله "الماتريدية"، التي تُنسب إلى أبي منصور محمد الماتريدي الذي نشأ في القرن الرابع الهجري في سمرقند (ت. 332 ه.) واعتمدت الماتريدية في أسسها ونشأتها على المذهب الحنفي فقهًا وكلامًا، حتى كانت آراء أبي حنيفة هي الأصل الذي تفرعت منه آراء الماتريدي. وتدعو الماتريدية إلى مذهب أهل الحديث والسنة بتعديلٍ يجمع بين الحديث النبوي واستخدام البرهان، فقامت على استخدام البراهين والدلائل العقلية والكلامية وتوسيع دائرة التفكير والاستنتاج في محاجَّة خصومها لإثبات حقائق الدين والعقيدة الإسلامية. ومن أبرز ما يميزها عن غيرها أنها تقول إن مصدر التلقي في النبوات هو العقل، وأن المعرفة واجبة بالعقل قبل ورود السمع. ولا يرى الماتريدي مسوغًا للتقليد، بل ذمّه وأورد الأدلة العقلية والشرعية على فساده وعلى وجوب النظر والاستدلال. وقد توسعت الماتريدية وانتشرت منذ القرن الثامن الهجري بسبب مناصرة الخلفاء العثمانيين لها، فانتشرت على امتداد الدولة العثمانية4. تعتبر النقشبندية نفسها مختلفة عن الطرق الصوفية الأخرى من حيث عودة سلسلة الانتقال الروحي في تلك الطرق إلى النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، من خلال ابن عمه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، الذي يعد الإمام الأول بالنسبة إلى الشيعة. وعلى العكس من ذلك، تعد النقشبندية الطريقة الصوفية الوحيدة التي تعود سلسلة الانتقال الروحي فيها إلى أبي بكر الصديق5. ومن هنا، تتميز بأنها طريقة تعترف بالخلفاء الراشدين الأربعة وتحترمهم، وهي بعيدة عن الفرق الشيعية والعلوية. وتُعد الشخصية المركزية في تطور الطريقة النقشبندية هو الشيخ أحمد السرهندي 624-1524()1، الذي عزّز الالتزام بالطريقة في سياق مواجهة التشيّع الصفوي، وعمل على تنظيم "الاجتهاد" وقيّده بضرورة أن يكون "ضمن حدود القرآن والسنة." كما عمل على تشجيع التصوف الإيجابي المنخرط في الحياة العامة وليس الاقتصار على الممارسات التقليدية الطقوسية للتصوف الذي ينسحب من الشؤون العامة. وفي القرن التاسع عشر، جدّد هذا التفكير وطوره الشيخ خالد البغدادي، وهو كردي يتحدر من شمال العراق، دخل النقشبندية عام 09.18 وقد طور فرعًا جديدًا من الطريقة عُرفت باسم الفرع الخالدي أو "النقشبندية – الخالدية"، التي أكّدت على أفكار السرهندي، وعُرفت برفضها القوي للحكم الأجنبي أو الأفكار غير الإسلامية، متأثرة بحركة

  1. في تعريف الصوفية والتصوف، قال القشيري قديمًا: "المسلمون بعد رسول الله لم يتسم أفاضلهم في عصرهم – بتسمية علم – سوى صحبة رسول الله فقيل لهم الصحابة، ولما أدرك أهل العصر الثاني سمي من صحب الصحابة التابعين... ثم قيل لمن بعدهم أتباع التابعين. ثم اختلف الناس وتباينت المراتب، فقيل لخواصِ الناسِ ممن لهم شدةُ عنايةٍ بأمر الدين الزهادِ والعبادِ. ثم ظهرت البدع وحصل التداعي بين الفرق فكل فريق ادعوا أن فيهم زهادًا، فانفرد خواص أهل السنة، المراعون أنفاسهم مع الله تعالى، الحافظون قلوبهم عن طوارق الغفلة باسم التصوف، واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر قبل المائتين من الهجرة"، انظر: رينولد الصوفية في الإسلام (بيروت: المركز العلمي للأبحاث نيكلسون،، 016)2، ص -911؛ وعرّف الجُنيد التصوّف بأنه: "تصفية القلب عن موافقة البرية، ومفارقة الأخلاق الطبيعية، وإخماد الصفات البشرية، ومجانبة الدواعي النفسانية، ومنازلة الصفات الروحانية، والتعلق بالعلوم الحقيقية، والنصح لجميع الأمة، والوفاء لله على الحقيقة، وابتاع الرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة." أبو بكر محمد الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف (بيروت: دار صادر، 001)2، ص 6.1 وأما حديثًا، فعُرّف التصوف بأنه "الأخذ بالحقائق" لأن الصوفية مولعون بتسمية أنفسهم "أهل الحق"؛ وأنه "نهج كامل للحياة التي يتنازعها محوران: الأول المحور الصوفي الذوقي الذي يخص تجربة القرب بين الصوفي وربه، والثاني هو الديني الأخلاقي الذي ينطلق من القرآن والشريعة الإسلامية ويرى في نهج حياة محمد صلى الله عليه وسلم التجلي الأسمى لمفهوم الإنسان الكامل"، انظر: سارة سويري (جمع وتقديم وتعليق)، الصوفية في الإسلام (بيروت: منشورات الجمل، 016)2، ص 13؛ وانظر كذلك في المرجعين التاليين: http://bit.ly/2nr8MIq; http://bit.ly/2mqF8kQ
  2. 4 مروة حمود خرمة، "المنهج العقدي للإمام أبي منصور الماتريدي بين النقل المجلة الأردنية في الدراسات القرآنية، العدد والعقل"، 3 013()2، ص -1112؛ وانظر أيضًا: "الماتردية"، موسوعة الفرق، الدرر السنية، شوهد في:016/12/222، في http://bit.ly/2njmLmx 5  Cornell & Kaya.
  3. Hilmi Demir, "Selefiler Kimdir, Selefilik Nedir?" Teostrateji Arastirmalari
  4. 2  Svante E. Cornell & M. K. Kaya, "The Naqshbandi-Khalidi Order and Political Islam in Turkey," Hudson Institute, September 3, 2015, accessed on 9/11/2016, at: http://bit.ly/2b5PGol
  5. Merkezi, June 30, 2014, accessed on 9/11/2016, at: http://bit.ly/2htXSyI

الاستعمار الأوروبي الممتدة في العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى شمال القوقاز، وطالبت بتطبيق الشريعة الإسلامية وجعل الإسلام مبدأ توجيهيًا للإصلاح6.

وقد مر دور الطرق الصوفية والمدارس الشرعية في تركيا في العصر الحديث بعدة مراحل؛ فقبل تنظيمات وإصلاحات القرن التاسع عشر، كانت هذه الطرق مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبيروقراطية العثمانية، لكنها لم تؤدِ دورًا سياسيًا مباشرًا. وفي أواخر العهد العثماني، بدأت تضعف تدريجيًا مع إدخال التعليم العلماني الغربي في تركيا. وفي السنوات الأولى للجمهورية، تم قمع هذه الطرق بشكل منهجي ومُنعت من العمل العلني، فلجأت إلى العمل في المناطق البعيدة عن مركز السلطة وكذلك في المدن بشكل سري. لكن الطريقة كانت قد انتشرت في إسطنبول وأوجدت مقرًا مهمً لها مع وصول تلامذة البغدادي إلى إسطنبول مثل أحمد سليمان الأروادي ثم أحمد ضياء الدين غوموشاهنوي، فقد أسس الأخير مقرًا للدراويش في حي إسكندر باشا في إسطنبول، وتزايد عدد مريديه. وكان أحد خلفائه محمد زاهد كوتكو، الذي تولى مسجد إسكندر باشا في عام 9581، وبقي فيه حتى وفاته عام 9801، وكان منذ الخمسينيات وحتى نهاية السبعينيات، زعيم الإسلام السياسي في تركيا بشكل غير الرسمي، فقد روج أفكار الطريقة الخالدية في البيئة السياسية الجديدة متعددة الأحزاب. وبشكل مباشر، شجع كوتكو نجم الدين أربكان على تشكيل حزب النظام الوطني عام 969.1 لكن علاقة أربكان توترت مع جماعة إسكندر باشا، وأدت لانسحاب الأخيرة من السياسة. ومع تأسيس حزب العدالة والتنمية، شارك بعض أعضاء هذه الجماعة بفاعلية فيه؛ مثل بشير أتالاي وعبد القادر أكصو. كما كانت هناك فروع أخرى للطريقة النقشبندية - الخالدية انخرطت بقوة في المجال العام مثل حركة النور وفروعها، وحركة فتح الله غولن، والسيلمانية7. ومن ثمّ، كان تأثير النقشبندية في البيئة التركية دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا.

ب. السلفية: نهجها وخطابها

على العكس من الحنفية والماتريدية والنقشبندية السائدة في تركيا، تُركّز السلفية على التمسك حرفيًا بما جاء في القرآن والسنة وما نُقل متواترًا عن "السلف الصالح." ويعني مصطلح "السلف الصالح" الصحابة والتابعين وتابعيهم، وذلك حسب الحديث الشريف: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي من بعد ذلك أناس يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون ويكون فيهم الكذب." وعماد المنهج السلفي لزوم الطريقة التي كان عليها الصحابة من التمسك بالكتاب والسنة، وتشتهر بدعوتها إلى تنقية مفهوم التوحيد، ومحاربة الشرك ووسائله ودعاته، وتتصدى لشطحات الطرق الصوفية، وتسعى للقضاء على البدع والخرافات8. وتُفسّ خيرية المسلمين في القرون الأولى (أي من منطلق حديث "خير القرون قرني)" ب "أنهم يشكلون الحلقات القريبة من السلسلة الموصولة بالنبوة، فالحلقة الأولى هم الصحابة، والحلقة الثانية هم التابعون، والثالثة هم تابعو التابعين إيذانًا بنهاية مرحلة الصفاء الفكري وخلوص الفطرة من الشوائب الدخيلة، حيث بدأ في هذا الوقت ظهور البدع وتتابعت الفرق الضالة، وهو ما يدعو إلى أنّ ربط العقول والسلوك برابطة الولاء للسلف والاقتداء بهم والانضباط بقواعد فهمهم للنصوص والتقيّد بكل ما اتفق عليهم جميعهم أو جلهم من المبادئ الاعتقادية والأحكام السلوكية، ونبذ كل ما يخالف ذلك من البدع"9. وبحسب ابن تيمية "صار المخالفون يبنون دين الإسلام على مقدمات يظنون صحتها، إما في دلالة الألفاظ، وإما في المعاني المعقولة، ولا يتأملون بيان الله ورسوله صلى الله عليه وسلم [...]وكل مقدمات تخالف بيان الله ورسوله فإنها تكون ضلال "10. يعد الإمام أحمد بن حنبل أول من سعى إلى الحفاظ على الالتزام بما جاء في القرآن والسنة من غير تأويل أو ابتداع، فقد "كان أشد العلماء معارضة لأقوال الفلاسفة في ذلك الوقت الذين تأثروا بالمفكرين الإغريق مثل أرسطو. ومع أن هذا التأثير اليوناني جعل مدارس مثل المعتزلة أكثر اعتمادًا على الحجج العقلانية في الوصول إلى الإيمان، فقد اعتبر أحمد بن حنبل أعمالهم قريبة من الهرطقة"11. وفي القرن الثامن الهجري

  1. Ibid.
  2. Ibid.
  3. السلفية تعريفها ومنهجها"، إسلام ويب، 003/10/272، شوهد في 016/12/15:2، في http://bit.ly/2mFp2p7
  4. محمد سعيد رمضان البوطي، 9 السلفية: مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي (دمشق: دار الفكر المعاصر، 998)1، ص .11-10
  5. مصطفى حلمي، السلفية: بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية (بيروت: دار كتاب الإيمان الكتب العلمية، 006)2، ص 51-50، ص، نقلً عن ابن تيمية،.168-154
  6. Mustafa Akyol, "A Salafi Assault on Turkish Theology?" Al-Monitor, September 10, 2013, accessed on 17/12/2016, at: http://bit.ly/2hC3dY0

أحيا الإمام أحمد بن تيمية هذا النهج في الرد على المتكلمين والمعتزلة. وفي القرن التاسع عشر، عمل الشيخ محمد بن عبد الوهاب على إحياء مصطلح "السلف الصالح"، واتخذ منحى معارضًا للدولة العثمانية، التي اعتبرها مخالفة لنهج الإسلام الصحيح، بسبب انتشار التصوف فيها واعتمادها التأويل وعلم الكلام12. ولذلك، تخالف السلفية تفسير الدين وتأويله بناء على إعمال العقل والاستدلال به على نصوص القرآن والسنة، أو ما يسمى بالرأي والتأويل الذي يمثله أبو حنيفة، والماتريدي من بعده، وطريقة النقشبندية السائدة في تركيا13.

وتُ ثل السلفية في العصر الحديث مدرسةً من المدارس الفكرية السنية التي تستهدف إصلاح أنظمة الحكم والمجتمع والحياة عمومًا بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية. وقد ركز الخطاب السلفي في هذا السياق على التزام العقيدة الصحيحة، وإصلاح الخلل في المعتقدات والممارسات أو البدع التي ترافق بعض الطرق الصوفية، ومنها: بناء الأضرحة أو المساجد على القبور، والاعتقاد بالمنجمين والسحرة، والتوسل إلى الله تعالى بذوات الأنبياء والصالحين، والاعتقاد بوحدة الوجود أو الوصول إلى وحدة الحال مع الله تعالى، والاحتفال بالمولد النبوي أو رأس السنة الهجرية أو الإسراء والمعراج وغيرها، والابتهالات الصوفية التي يرافقها قرع الطبول والرقصات، والاعتقاد بالمذاهب الوضعية واتخاذها وسيلة للحياة مثل الإلحاد والشيوعية والاشتراكية والقومية والعلمانية والفصل بين الدين والدولة14. تقف "السلفية الدعوية" عند هذا الحد تقريبًا، وتعمل على "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" لتصحيح المعتقدات والسلوك في نطاق سلمي؛ أي بالقلب واللسان، ومن خلال وسائل تثقيفية وإرشادية مثل المحاضرات والخطب ونشر الكتب وغيرها. وتتجنب التغيير بالقوة، وتعتبر طاعة ولي الأمر واجبة؛ أي أنها تعمل ضمن السلطة القائمة. وبهذا تختلف عن "السلفية الجهادية" التي تتخذ القوة والتغيير الجذري وسيلةً لتنفيذ مضامين خطابها، كما سيأتي لاحقًا.

2. التحدي التاريخي والنفسي: الاختلاف – "الوهابي العثماني "

أدى الاختلاف بين العثمانيين وبين السلفية أو "الوهابية" - بحسب تسمية الأتراك - إلى صراعات فكرية وحروب، بقيت آثارها حاضرة حتى وقت قريب؛ أهمها ما حدث بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحليفه سياسيًا الأمير عبد الله بن سعود من جهة، وبين الدولة العثمانية. فقد اعتبر العثمانيون قيام الدولة السعودية الأولى بقيادة الأمير عبد الله بن سعود انطلاقًا من الدرعية في نجد، وسيطرتها على مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثم مهاجمة العراق والوصول إلى كربلاء، بمنزلة خروج عن طاعة الخليفة العثماني وتمردًا يجب قمعه. وبالفعل امتد الصراع بين الطرفين خلال الفترة 0518 إلى 1818، فقد وجه السلطان مراد الرابع واليه على مصر محمد علي باشا "بقمع التمرد واسترداد السيطرة العثمانية على الحرمين الشريفين." وقد سار إبراهيم بن محمد علي إلى الجزيرة العربية واستطاع في عام 1811 استعادة الحرمين، كما وصل الجيش العثماني إلى الدرعية عام 1818 واعتقل الأمير عبد الله بن سعود وأنهى دولته15. وبهذا، نشأت تصورات نمطية سلبية متبادلة بين الأتراك والسلفيين؛ فالأتراك يرون السلفيين "عصاة" خرجوا على العثمانيين وأعلنوا حربًا عليهم، بينما يرى السلفيون الأتراك "مبتدعين"16. كما يعتقد الأتراك أن "ثورة الوهابيين" أدت إلى إضعاف أهل السنة17، وأن السلفية حاربت الصوفية والانفتاح ومحاولات التكيّف مع العصر. ويرى بعض الأتراك أن حركة "الإخوان" السلفية لم تنته بالقضاء على دولتها الأولى، فقد ظلت هناك رغبة عميقة في العودة والتمرد على الأتراك، وتمثّل

  1. السيد العربي بن ك لاا، "السلفية"، واحة العقيدة، 011/4/192، شوهد في 016/12/13، في http://bit.ly/2mncCRX:2
  2. Demir.
  3. Alexander Knysh, "Contextualizing the Salafi-Sufi Conflict (From the Northern Caucasus to Hadramawt)," Middle Eastern Studies , vol. 43, no. 4
  4. Cole Bunzel, "The Kingdom and the Caliphate: Duel of the Islamic States," Carnegie Endowment for International Peace, February 18, 2016, accessed on 15/3/2016, at: http://ceip.org/2eoF3fg; and Selim Koru, "Turkey's 200-Year War against 'ISIS'," The National Interest , July 24, 2015, accessed on 9/12/2016, at: http://bit.ly/2gIfUyL
  5. تركيا ونجد.. الصوفية في مواجهة السلفية"، ميدل إيست أونلاين، 016/5/32، شوهد في 017/1/9، في http://bit.ly/2gIrmKC:2 17  Demir.
  6. (July 2007), pp. 503-505.

ذلك في الحرب العالمية الأولى، حيث يرون أن بريطانيا دعمت الثورات العربية ضد الإمبراطورية العثمانية وساعدتها على تأسيس دول جديدة مستقلة18. لذا، أنتجت هذه المواجهة حاجزًا نفسيًا بين الطرفين.

ثانيًا: حضور السلفية ومدى انتشارها في تركيا

ساهم الاختلاف المنهجي والفكري بين المجتمع التركي عامة وبين السلفية، في بقاء تركيا بعيدة عن أي تأثير للخطاب السلفي، وكادت أن تخلو تمامًا من أي حضور سلفي. ولكن الخطاب السلفي وجد طريقه خلال العقود الأخيرة في تركيا؛ فعلى الرغم من أن الانقلاب العسكري عام 9801 قام به حمُاة العلمانية، فإنّ حكم الوصاية العسكرية عزز علاقات تركيا بالمملكة العربية السعودية؛ إذ رأى فيها قوةً محافظةً مهتمةً بالحفاظ على النظام السياسي الإقليمي والاستقرار. واستهدفت الدولة التركية من هذه العلاقات تعزيز ما يسمى "الإسلام الرسمي" الذي ترعاه، وذلك لتقويض "الإسلام السياسي" لحركة نجم الدين أربكان. وقد أتاح ذلك الطريق للتعاون بين رابطة العالم الإسلامي وبين إدارة الشؤون الدينية التركية "ديانت" بشأن مواد التعليم الديني، ولكن بعيدًا عن السياق السلفي الذي ترفضه الدولة التركية19.

ومع ذلك، بدأت مفردة "السلفية" تدخل في أعمال بعض المفكرين الأتراك، فعلى الرغم من أن البروفسور علي بولاج، مثلً، لم يناقش مفردة السلفية أبدًا في أعماله المختلفة طوال السبعينيات، فإنه بدأ في عام 9941 بالإشارة بوضوح إلى هذا المصطلح بصيغ عديدة، وذلك في كتابه العلاقة بين الدين والفلسفة: الوحي والعقل في الفكر الإسلامي. فقد شمل مسرد الكتاب ذكر السلفية عشرات المرات ما بين "السلف" و"السلفية" و"المذهب السلفي" و"الاتجاه السلفي" وغيرها، وعرّفها هذه المرة بأنها "مدرسة شرعية ضمن الإسلام السني." أما حلمي ديمير، وهو أستاذ الإلهيات، فقد أشار أيضًا إلى دخول "السلفية" بوصفها تقليدًا سنيًا له احترامه وتم قبولها من الدولة التركية. كما اعترفت مؤسسة "ديانت" في عام 9991 بالسلفية بوصفها مدرسة دينية سنية إلى جانب النهج المعترف به تقليديًا في تركيا، وهو الماتريدية20. وبهذا، حدثت تغيرات نسبية تجاه الموقف العام من السلفية؛ ففي العقدين الأخيرين تقريبًا، بدأ دعاة سلفيون يأخذون طريقهم إلى المجتمع التركي، وأصبح هناك شيوخ بارزون يظهرون بوضوح، وينشطون تحت مسمى الدعوة السلفية، وتتمركز أنشطتهم حول دور النشر ومكتبات بيع الكتب، وينشطون أيضًا على مواقع "يوتيوب" و"تويتر" و"فيسبوك" باللغة التركية. وتشكّل أعمال علماء السلفية المعاصرين مثل الشيخ عبد العزيز بن باز، والمحدّث ناصر الدين الألباني، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ محمد بن العثيمين، محور منشوراتهم، فضلً عن كتب ابن تيمية، وكتاب "العقيدة الطحاوية: بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة"، و"كتاب التوحيد" للشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه، الذي كان مصدر الخلاف مع العثمانيين. وتُنشر هذه الأعمال باللغة التركية؛ ما يعني أن ثمة هدفًا بنقل الخطاب السلفي إلى البيئة التركية المتصوّفة من خلال الترجمة. تعد الشخصية المركزية المعبّة عن الاتجاه السلفي في تركيا، عبد الله يولجو Yolcu Abdullah، وأصله من تركمان العراق، ويُعرف في العالم العربي وينشر أعماله باسم عبد الله بن عبد الحميد الأثري. أما أهم الأنشطة التي ترعى أعمال السلفيين وتنشر فكرهم فهي دار الغرباء للنشر في منطقة السلطان أحمد في إسطنبول، التي أسسها 1 21يولجو عام 992. ويمكن التعرّف إلى أهداف السلفيين حاليًا في تركيا، والمشاكل التي يرون ضرورة إصلاحها، وطرق عرض أفكارهم والوسائل التي يتبعونها، من خلال يولجو نفسه، ومن خلال أنشطة دار الغرباء؛ مركز نشاط السلفيين فكرًا واستقطابًا، وربما إدارةً. يتمركز هدف عبد الله يولجو بشكل واضح حول أُس الاختلاف السلفي – الصوفي والعلماني؛ إذ يصف مشكلة تركيا بأن دولتها "قامت على المذهبية"، ويقول: "نجد فيها المذهب الحنفي والعقيدة

  1. Koru.
  2. Andrew Hammond, "Salafism Infiltrates Turkish Religious Discourse," Middle East Institute, July 22, 2015, accessed on 12/1/2016, at: http://bit.
  3. Ibid. 21  Ibid.
  4. ly/2gF2uF9

الماتريدية وأفكار صوفية، وقد نشرتها في جميع أرجائها، وفي المقابل لم نجد في تركيا خلال الخمسمئة أو الستمئة سنة إبان الدولة العثمانية أي مُصلح على طريقة أهل السنة والجماعة. وبطبيعة الحال يوجد مصلحون كثر، إلا أن هؤلاء كانوا يقومون بالدعوة على طريقتهم الخاصة، حيث يدعون للعودة إلى الدين والشريعة، إلا أنهم ليسوا على طريقة أهل السنة المحضة. لذلك اشتد الجهل بين الناس من هذا الجانب، وتأصّل التعصب المذهبي والأفكار الصوفية والعقيدة الماتريدية وما لحقت بها. وبعد سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا، وبسبب قربها من أوروبا، شهدت تلك البلاد أول تجربة لدولة علمانية تمت إقامتها على أنقاض دولة مسلمة كانت تعتبر مظلة لأهل السنة أو للإسلام عامة." كما يقول: إنّ نحو 99 في المئة من تيار المثقفين الإسلاميين في الجامعات الإسلامية، أو ما يسمى كليات الإلهيات، متأثرون بفكر الاعتزال، ويقدمون العقل على النقل، وهم يؤصّلون هذا المذهب بشكل كبير في الإذاعات والإعلام وغيرها، بل إن بعضهم ذهب أبعد من ذلك، بالتطاول على شيخ أهل السنة الإمام أحمد بن حنبل، حيث يقول البعض منهم: إنه رأس البلية في العالم الإسلامي، لأنه عارض التقدم العقلي"22. وبناءً عليه، يعود يولجو إلى أصول الخلافات التاريخية العقيدية والفكرية بين الطرفين، ويعتبر نفسه بأنه أول مصلح داخل تركيا نفسها سيعمل على إصلاح أفكار المجتمع الدينية على المنهج الصحيح لأهل السنة والجماعة؛ إذ يؤكد أن: "مشكلة الدعوة السلفية في تركيا أنها دعوة كانت ولادتها غير طبيعية، بمعنى أن الدولة العثمانية لم تشهد ظهور مصلحين سُنيين... أما في تركيا الحديثة فإنها لم تشهد ظهور أي من هؤلاء الدعاة المبتعدين عن الدعوة إلى الصوفية أو الماتريدية أو غيرها، فكانت ولادة الدعوة بنا، بأن دخلنا بالدعوة السلفية والحمد لله بين الناس"23. ومع ذلك، لا تتبع الدعوة السلفية في تركيا نهجًا صداميًا على الرغم من إصرارها على تغيير قناعات الأتراك إزاء الماتريدية؛ لأنها تعي حجم المعارضة الفكرية التاريخية والنفسية وحساسية هذا المصطلح والنظر بريبة لمن يقف خلفه، كما تعي طبيعة المجتمع والشخصية التركية. وفي هذا الصدد، يقول يولجو: "إن التركي لديه ردة فعل مبالغ فيها، فضلً عن نظرته المتعالية، لذلك يجب علينا أن نعرف كيف ندخل إلى نفوسهم ونعرض المسألة بحكمة." ولذلك، اتبع السلفيون نهجًا يقوم على: "عرض ما ليس فيه مواجهات أو اختلاف... أي أننا على سبيل المثال لا نقول إن العقيدة الماتريدية هي عقيدة خاطئة وغير صحيحة، بل نروج لكتاب يحوي العقيدة الصحيحة، ونقول فيه إن هذه العقيدة هي عقيدة أبي حنيفة، فالقارئ التركي يقرأ هذا الكتاب ويبدأ يشعر أن العقيدة الماتريدية غير صحيحة"24.

وتتجنب كتب يولجو مناقشة القضايا السياسية الإقليمية مثل غزو العراق أو الحرب في سورية أو حتى التدخل المباشر في المناظرات المحلية حول الإسلام، والعلمانية، والوصاية العسكرية للدولة في تركيا. ويتجنب مناقشة الجهاد25. ويركز في كتاباته على المعاني المتداولة في الخطاب السلفي حول الممارسات الخاطئة للمسلمين ومسائل الشرك. أما وسائل السلفيين في تركيا فهي متنوعة، وتتركز في الآتي26: الدروس التي يقدمها يولجو عادة في دار الغرباء، أو في بعض البيوت؛ إذ تستهدف الدعوة السلفية أتراكًا من المجتمع المحلي، ليقوم هؤلاء الأشخاص بنشر فكرها. الاعتماد على سلفيين وافدين وزائرين من عدة دول إسلامية، وبخاصة من الخليج العربي، ويعد بعضهم رمزًا من رموز الدعوة والسلفية. الاعتماد على بعض الأتراك الذين عادوا من الخارج بعد الدراسة مثل من درسوا في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، أو في الأزهر، ومن قاموا بأعمال جهادية في الثمانينيات والتسعينيات في أفغانستان أو البوسنة والهرسك والتقوا هناك مع عرب سلفيين، ثم نقلوا تلك الأفكار، أو من عملوا في ألمانيا خصوصًا أو في أوروبا عمومًا واحتكوا مع سلفيين. الاعتماد على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ ينشط دعاة السلفية عليها، ويقومون بنشر أعمالهم وخطاباتهم باللغة التركية.

  1. حوار مع الشيخ عبد الله الأثري، "الشيخ الأثري: العقيدة الصحيحة تنتشر في تركيا... وكتب ابن تيمية الأكثر مبيعًا"، موقع المسلم، 428/2/181، شوهد في 016/11/16:2، في
  2. 26 حوار مع عبد الله الأثري.
  3. المرجع نفسه. 25  Hammond.
  4. http://almoslim.net/node/86793
  5. 23 المرجع نفسه.

استخدام الوسيلة الأبرز وهي الكتاب الإسلامي من خلال دار الغرباء. وفي هذا الصدد، يقول يولجو "أيقنا بعدم وجود مراجع أصولية في تركيا، فقررنا إنشاء دار نشر، نترجم من خلالها الكتب الصحيحة لنشر مذهب أهل السنة والجماعة." أما أهم الكتب انتشارًا فهي: "مجموعة فتاوى ابن تيمية" وكتب ابن قيم الجوزية ومنها "زاد المعاد في هدي خير العباد"، وكتاب الأدعية الصحيحة "حصن المسلم"، وكتابيْ "العقيدة الطحاوية" و"شرح الطحاوية"، وكتاب يولجو نفسه "الوجيز في عقيدة السلف الصالح"، فضلً عن الكتب المشهورة للسلفيين مثل: "الاحتفال برأس السنة من وجهة نظر إسلامية"، و"الصداقة والعداوة من منظور إسلامي"، و"الأدعية الشرعية وغير الشرعية"، و"الموسيقى والغناء من منظور إسلامي." وعلى الرغم من اعتبار بعض الأتراك هذه الكتب، وبخاصة المراجع التاريخية أعلاه، بأنها كتب السلفيين، فإنها تحظى بالانتشار، وهي مترجمة إلى اللغة التركية. كما أن هناك جهودًا سلفية أخرى تستهدف التأثير في المجتمع التركي، مثل جهود السلفيين القادمين من الكويت، التي أسفرت عن تأسيس "مؤتمر الأمة للتعاون العربي - التركي"، كمظلّة لبعض المشاريع، التي يقوم بها الشيخ حاكم المطيري، وهو سلفي لديه درجة الدكتوراه في علم الحديث، ومؤلف كتاب "الحرية أو الطوفان." ومن أبرز الأنشطة التي يقوم بها المؤتمر دعم القضية الفلسطينية وقضايا العالم الإسلامي من خلال ندوات ولقاءات تجمع أعضاءه بممثلين عن حزب العدالة والتنمية وغيره من الناشطين السياسيين والإعلاميين الأتراك27. كما يعد مؤتمر" السلفيون وآفاق المستقبل" الذي عقد في عام 0102 في إسطنبول علامةً بارزةً على إمكانية ظهور السلفيين بشكل علني في تركيا، في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، وذلك ضمن مؤتمر كبير جمع رموز السلفية في العالم العربي مثل الشيخ ناصر العمر من السعودية والشيخ محمد عبد الكريم الشيخ من السودان والشيخ محمد يسري إبراهيم من مصر28. إن مثل هذه الأنشطة لم يكن من المتصور حدوثها، لولا تزايد الحضور السلفي في تركيا على نحو ملحوظ. لكن الطموح السلفي يبدو بعيدًا حتى الآن عن التحقق، إذ لا يزال السلفيون يصرون على التدرج وعدم تعجل الخطوات، ومن ذلك مثلً عدم تأسيس جمعية أو مؤسسة خاصة بالسلفيين بشكل واضح، وفي هذا السياق يقول عبد الله يولجو: "ربما أستطيع تأسيس الجمعية ماديًا، ولكن من أين لي بالكوادر لتسيير أمورها، وربما أحكم عليها بالفشل إن قمت بذلك الآن... لذلك أرى من الحكمة الآن تأجيل هذا الموضوع، فضلً عن أن التركي لديه حساسية عالية من البروز السريع للبعض وتجاه الدعم الذي يقف وراءهم"29. أما المستقبل أو الطموح السياسي للتيار السلفي في تركيا، فيبدو بعيدًا حتى الآن، فقد تبين مما سبق أن مجرد الظهور السلفي الواضح ما زال يثير بعض الحساسيات في المجتمع التركي المتصوف والمتعلمن؛ ما يجعل أي انخراط سلفي أو مشاركة أو طموح في الحياة السياسية أو التأثير العام في المجتمع والسياسات التركية صعبًا في هذه المرحلة، فضلً عن عدم وجود قاعدة شعبية له حتى الآن. ويضاف إلى ذلك، أن كلمة السلفية و"الوهابية" أصبحت تثير كثيرًا من الهواجس منذ عام 0152، وذلك بسبب ربط كثير من وسائل الإعلام العالمية والتركية بين السلفية الدعوية وبين السلفية الجهادية، ووصفهما بأنهما ينهلان من فكر واحد، على الرغم من اختلاف وسائلهما تمامًا.

ثًالث ا: السلفية الجهادية في تركيا

مع أنه ليس من غايات هذه الدراسة مناقشة الجماعات الجهادية التي ترتبط بالفكر السلفي لأنها تتخذ منهجًا إقصائيًا تمامًا ولا تعترف بالنظام القائم في تركيا، بل تعتبره خارج الدين، فإن ثمة أهمية للإشارة إلى مدى وجود هذا التيار أو ارتباطه بالتيار الدعوي أو تأثير أحدهما في الآخر، أو تأثير السلفية الجهادية وعملياتها داخل تركيا وفي المنطقة في نظرة الأتراك إزاء السلفية بصورة كلية بوصفها استدعاءً ل "الوهابية" ذات التأثير السلبي في مخيالهم الجمعي. فالعديد من الكتّاب الأتراك بدؤوا بربط ما يحدث في تركيا من تفجيرات على يد تنظيم "الدولة الإسلامية" بالسلفية الوهابية، بل إن بعضهم ربط ذلك مباشرة بالسياق التاريخي، فذهب إلى أن ما تشهده تركيا حاليًا هو هجوم ذو صلة بحركة محمد بن عبد الوهاب التي واجهت الدولة العثمانية؛ إذ يرى سليم كورو، مثلً، أن حرب تركيا على "تنظيم داعش" تمتد إلى 002 سنة؛ أي منذ عام 1818، عندما أنهت الدولة العثمانية ثورة الأمير عبد الله بن سعود30. ولكن السلفية الدعوية تنأى بنفسها عما تسميه هي بالفكر "التكفيري" أو "التفجيري"؛ إذ يقول يولجو: "ألفت النظر إلى أننا نشهد

  1. عبد الله الرحمون، "محاولات الحضور السلفي في تركيا"، هافنغتون بوست، 015/9/6، شوهد 016/12/17 2، في http://huff.to/2mnlndO:2
  2. أحمد أبو دقة، "انتشار السلفية في تركيا"، المختصر، 016/2/172، شوهد 2016/12/17،
  3. حوار مع عبد الله الأثري. 30  Kuro.
  4. فh يttp://bit.ly/2mnmYAa:

في تركيا قدوم بعض أنصار الفكر التكفيري أو التفجيري" 31. وما دام يعتبره فكرًا تكفيريًا فهو ينأى بنفسه عنه بوصفه قد حدّد منذ بداية دعوته – كما تقدم – أنه يقوم بإصلاح العقيدة الموجودة في تركيا من دون صدام أو مواجهة، وذلك عبر الوسائل التثقيفية الفكرية. ويميز كتّاب أتراك آخرون، مثل حلمي ديمير، بين السلفية الدعوية و"السلفية الثورية" التي جاء ميلادها نتيجة لحرب أفغانستان، فعندما انتهت الحرب بحث المجاهدون عن ساحات جديدة للقتال مثل البوسنة وطاجكستان والشيشان، ويرى أن هؤلاء "الإرهابيين" استخدموا الإنترنت منذ التسعينيات لنشر هذا التفسير السلفي الجهادي للأجيال الشابة32. وعلى عكس السلفيين العاملين في مجال الدعوة والمتوافقين مع النظام القائم، الذين يقف خطابهم عند تصحيح العقيدة والنهي عن "الشركيات" والبدع، فإن السلفية الجهادية التي خرجت من المجتمعات العربية نفسها تركز على الخطاب نفسه، لكنها تتجاوز ذلك إلى تفعيل المفاهيم الأخرى في الدعوة السلفية، وبخاصة تلك المتعلقة بالجهاد. ومن هذه المفاهيم33: التركيز على مراتب الجهاد والتغيير بناء على الحديث الشريف: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"34، ومن ثمّ تبني القتال داخل المجتمعات، أي التغيير بالقوة على اعتبار أن ذلك أعلى مراتب الإيمان. التركيز على حديث الفرقة الناجية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي" وفي بعض الروايات: "هي الجماعة"35. وعلى الرغم من تفسير هذه الفرقة بأنها سواد المسلمين، فإن الجماعات الجهادية تعتبر أنها هي الفرقة الناجية، وأن بعض الفرق التي تقوم بالبدع والانحرافات، مثل الصوفية، قد فرّقت المسلمين إلى طرق مختلفة. غربة الإسلام والعمل على إصلاح ما أفسد الناس، استنادًا إلى الحديث الشريف: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء[...]الذي يصلحون إذا فسد الناس"36. وبهذا، فهم يعتبرون عزلتهم طبيعية لأنهم على الصواب. حرمة الحكم بناء على مفاهيم غير الشريعة الإسلامية، مثل الإلحاد والشيوعية والاشتراكية والقومية والعلمانية والفصل بين الدين والدولة وموالاة المؤمنين والبراءة من الكفار. وغالبًا ما يركزون على تطبيق الشريعة وتكفير من لم يحكم بها، استنادًا إلى الآية: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِ ا أ نزَلَ اللَّهُ فَأ ولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة:.)44 توجيه نداء إلى أئمة المسلمين (الحكام) لرفض الخضوع للقوى الغربية الكافرة التي تعمل على إضعاف المسلمين. لقد أدت حرب أفغانستان والحروب في الشيشان والبوسنة والهرسك، كما سبق، إلى تغذية هذا التيار، وإلى استقطاب مئات المقاتلين من العالم الإسلامي، ومن بينها تركيا التي ترتبط بصلات دينية وتاريخية وعرقية مع منطقتي القوقاز والبلقان37. وقد أثرت هذه الحروب في الشباب الأتراك وعادوا بمقولات تنتمي بشكل أو بآخر للتيّار السلفي، نتيجة احتكاكهم بالمجاهدين العرب والأدبيات السلفية التي جلبوها من بلادهم. وقد تُرجمت، مثلً، كتب ومقالات أبي قتادة الفلسطيني وأبي محمد المقدسي إلى اللغة التركية، وتم تداولها على مواقع الإنترنت بشكل واسع38. ومع بداية الحرب في سورية وظهور تنظيم "الدولة الإسلامية"، تزايد استهداف تركيا، إذ بدأ هذا الاستهداف برسالة موجهة إلى الأتراك من أبي الوليد الغامدي الذي اعتبر حكام تركيا كفارًا، ومنهم الرئيس رجب طيب أردوغان، ووعد بفتح القسطنطينية من جديد39. كما اعتبر التنظيم أن الأتراك "انحرفوا عن الإسلام مع تزايد التقاليد الصوفية، واعتماد القانون المدني، والتعليم الحديث في أواخر العهد العثماني. ومع تأسيس الجمهورية التركية، بدأ الشعب التركي يمجّد الهوية الوطنية على حساب الإسلام"40.

  1. حوار مع عبد الله الأثري.
  2. Demir.
  3. Knysh, p. 505.
  4. رواه مسلم، ورد في ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، الحديث 43 (بيروت: مؤسسة الرسالة، 001)2، ص.243
  5. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، شوهد في 017/2/3، في http://bit.ly/2nA9Oko:2
  6. رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، شوهد في، في 017/2/3:2 http://www.binbaz.org.sa/fatawa/4716
  7. Knysh, p. 508.
  8. الرحمون.
  9. المرجع نفسه.
  10. Hilmi Demir and Selim Koru, "The Islamic State's Plans for Turkey," War on the Rocks, January 18, 2016, accessed on 13/12/2016, at: http://bit. ly/1ON1XGU

ومع أن هذا التنظيم بقي يستهدف تركيا خطابيًا فحسب ويستهدف تجنيد شباب أتراك عن طريق أعضاء في المجتمع المحلي حتى عام 0152، فإنه انتقل منذ صيف تلك السنة إلى نشر دعاية عدائية ضد الحكومة التركية عبر مجلة "القسطنطينية" باللغة التركية. ويبدو أن نقطة التحول كانت خسارة داعش مدينة "تل أبيض" السورية ذات الأغلبية الكردية المحاذية للحدود التركية، والتي كانت تعد مقرًا مهمً لمتابعة العمليات اليومية من قبل التنظيم. فقد نشرت هذه المجلة مقالة تتهم تركيا بالتحالف مع الأكراد والولايات المتحدة ضد "الدولة الإسلامية"41. كما بدأت بنشر مقالات ضد الجيش التركي تعتبره فيها بأنه غير مسلم وأن أعضاءه كفار42. ثم بدأت بعد ذلك بالعمليات الكبرى في المدن التركية المختلفة التي أوقعت كثيرًا من الضحايا. أما مدى انتشار "السلفية الجهادية" في تركيا، فقد تركزت خلاياها في أربع مناطق بارزة، كان المجندون هم أعضاءً أتراكًا في تنظيم الدولة "داعش"؛ ففي إسطنبول، تبين وجود خلية للتنظيم بعد أن ترك مسعود يوناي رسالة إلى أهله يخبرهم فيها بالذهاب إلى سورية، وكان على اتصال بإلياس أيدن المعروف لدى السلطات التركية بانتمائه لداعش. وحسب صحيفة "خبر تورك" فإن أيدن يدعو إلى تطبيق الشريعة في تركيا ويستخدم خطابًا قريبًا من الخطاب السلفي، ويشير إلى تركيا الحالية بأنها "دار حرب" وأن سياسييها "كفار." أما مدينة أديامان، فتوجد فيها الخلية الأكبر للتنظيم في تركيا، ويبلغ عدد العمليات التي لها صلة بها نحو عشر عمليات. وفي قونيا، يعد مصطفى جونيز المسؤول عن خلية هذا التنظيم، إذ كوّن أربع مجموعات في مناطق تركية. وفي أزمير، تزعّم مراد بايصال الجهود المحلية لتجنيد أعضاء في التنظيم43. ولأن الجماعات الجهادية تعمل بشكل سري عادةً نتيجة الملاحقات الأمنية، فإن هذه الخلايا المعروفة للحكومة التركية وفي الإعلام أيضًا، ليست إلا جزءًا ظاهرًا من خلايا أخرى ربما لا تزال تعمل، وقد تستهدف المدن التركية مجددًا، وبخاصة مع تزايد عمليات الجيش التركي في الشمال السوري وطرد تنظيم "داعش" من عدة مناطق، فقد عرف عن هذا التنظيم رده بهجمات انتقامية تستهدف المدنيين عادة في أماكن عديدة. ولذلك، فإن احتمال تزايد انتشاره وتوسعه وردوده الانتقامية قد تساهم في زيادة التركيز على مصطلح السلفية عمومًا بصورة سلبية، وقد تصبح منبوذة تمامًا مع ربط الإعلام في تركيا والعالم بين الهجمات الإرهابية وبين "الوهابية" بصفة عامة، وربما بطريقة متعمدة أيضًا.

رابعًا: ردود أفعال في تركيا إزاء حضور السلفية

عبر إجراء مقارنة بين نهجي "السلفية الدعوية" و"السلفية الجهادية" وخطابهما ووسائل عملهما، كما بيّنا آنفًا، تتضح الفروق الجوهرية بينهما. وفي الحقيقة، تتضح هذه الفروق أكثر في البلدان العربية نفسها، وبخاصة في المملكة العربية السعودية؛ إذ تقف الحكومة السعودية وهيئة كبار العلماء على الطرف النقيض من التيار السلفي الجهادي الذي استهدف المملكة نفسها عدة مرات. ولكن، في الحالة التركية، كثيرًا ما يجري الخلط بين الحالتين، كما أسلفنا؛ فيجري إطلاق تسمية "الوهابية" عليهما من دون تمييز، ولعل ذلك ينبع أصلً من الروح العدائية للمجتمع التركي إزاء السلفية عمومًا، وقد تسهم هجمات تنظيم "داعش" في هدم بعض النجاحات التي حققتها السلفية الدعوية طوال العقود الثلاثة الماضية. لقد أدى الواقع الجديد إلى بروز مخاوف لدى بعض الأتراك، وبخاصة قوى المعارضة، يجري التعبير عنها في الإعلام والوسط الأكاديمي حول مصير إرث الإسلام العثماني – التركي المنفتح والمستند إلى المذهب الحنفي والماتريدية. فقد اعتبر العديد من المفكرين، ممن نظّروا للجمهورية وعلمانيتها، أن الإرث العثماني الحنفي الماتريدي شكّل أساس المنهج الليبرالي والانفتاح الذي ميّز تركيا عن بقية المجتمعات المسلمة؛ فمثلً يخشى غونديز أتكان من حزب الحركة القومية اختراق السلفية لنمط المجتمع التركي، فيرى: "أن الحداثة التركية تعتبر ناجحة أكثر بالمقارنة مع بقية المجتمعات المسلمة، إذ تمثل علمانية الجمهورية الإسلام الصحيح في مقابل السلفية، وذلك من خلال خط الحنفية-الماتريدية. إن الجمهورية هي النموذج الأفضل الذي يناسب الإسلام. ولا يمكن أن يوجد الدين في السلفية ولكن في الحفنية – الماتريدية"44. كما يعتبر بعض الأتراك أن السلفية بمختلف تياراتها تعدّ في تركيا "فكرة دخيلة" على المجتمع، ويخشون من بعض الجهود الحكومية التي قد تؤدي إلى تغليب الطابع السلفي الديني على الطابع الحنفي التأويلي المنفتح على العلوم والفلسفة والمنطق. وفي هذا الصدد ينتقد مصطفى أكيول التغيرات في بعض الجامعات، ويقول: "لفترة طويلة، شملت المناهج الدراسية في كليات الإلهيات كل من العلوم الإسلامية مثل دراسة القرآن والحديث، والتخصصات العلمانية مثل

  1. Aaron Stein, "Islamic State Networks in Turkey: Recruitment for the Caliphate," Atlantic Council, Issue Brief (October 2016), p. 4, accessed on 13/12/2016, at: http://bit.ly/2cR7uzW
  2. Ibid., p. 5.
  3. Ibid., pp. 5-8.
  4. Hammond.

علم اجتماع وتاريخ الفلسفة. ومع ذلك، صدر قرار غير متوقع من قبل مجلس التعليم الأعلى في منتصف آب/ أغسطس 0132، يقلص حصص الفلسفة من "إجباري" إلى "اختياري." كما قام بخفض الساعات المعتمدة في علم الاجتماع وعلم النفس. ويمثل هذا اعتداءً على الفلسفة، ومن شأن هذا القرار أن يحدّ من قدرة خريجي الإلهيات على فهم المجتمع العلماني، وقد يفتح الطريق أمامهم للتأثر بالفكر الوهابي/ السلفي. كما أنه يمثل عودة لنظام المدارس الشرعية التي يقتصر التعليم فيها على التفسير والفقه والحديث؛ مما يجعل المناهج ذات آفاق إسلامية ضيقة وسطحية"45. كما يخشى بعض الأتراك أن ينعكس توسع الحضور السلفي في تركيا على ظهور بعض الفئات في المجتمع التركي ممن لا تؤمن بالديمقراطية، لأنهم يرون أن الخطاب السلفي يعتبر الديمقراطية نظامًا مخالفًا للإسلام حيث يجعل هذا النظام سلطة التشريع بيد الشعب أو من ينوب عنهم كأعضاء البرلمان وليس الحكم فيها لله؛ فمن خلال اتفاق الأغلبية يمكن سنّ قوانين مُلزمة للأمة حتى لو كانت مخالفة للفطرة والدين والعقل مثل اعتماد العلمانية، وتشريع شرب الخمر، والإجهاض، والربا، وغير ذلك46. ويعتبر بعض الأتراك المعارضين أيضًا أن حكومات حزب العدالة والتنمية مسؤولة عن فتح المجال أكثر لتوسع أنشطة الجماعات السلفية لأهداف سياسية وإقليمية، ومنها أنها تسعى للاستفادة من عداء السلفية للشيعة، وذلك في سياق مواجهة سياسات إيران المذهبية في المنطقة، كما اتهمت المعارضة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "باحتضان الجماعات السلفية السنية المناهضة لنصيرية بشار الأسد"47. وذهب نائب رئيس حزب الحركة القومية أوميت أوزداغ أبعد من ذلك، فاتهم الرئيس التركي بأن لديه ميولً سلفية، وذلك تعليقًا على تقاربه مع السعودية48. كما تتهم المعارضة أردوغان بأنه فتح أذرع تركيا للإسلاميين السلفيين وغيرهم، حيث أصدرت الحكومة التركية قرارات كثيرة تصب في مصلحة الدعوة السلفية، من بينها مراكز تحفيظ القرآن الكريم وطباعة ونشر الكتب والمؤتمرات والملتقيات الدعوية والدينية التي تجمع الكثير من زعماء ورموز الدعوة السلفية في العالم الإسلامي49.

خاتمة

يبدو أن حضور الأفكار والدعوات، مهما كانت نوعيتها أو اتجاهاتها، أصبح ممكنًا داخل تركيا، بسبب التعددية السياسية والمجتمعية والانفتاح وتوسيع الحريات المترافقة مع محاولات التزام معايير الاتحاد الأوروبي. لذلك، فإن حضور السلفية الدعوية لا يعدّ استثناءً من محاولات الاستفادة من حرية التحرك والتجمع والتعبير والنشر الذي تكفله القوانين التركية. إلا أنّ ما يميز الحضور السلفي هو الدعم الكبير الذي تحظى به أنشطته. وليس بالضرورة أن يكون هذا الدعم رسميًا، فالسلفية تجد بصفة عامة دعمً من علمائها ودعاتها عبر نشر كتبهم ومحاضراتهم أو دعم نشر كتب الأصول الشرعية وترجمتها إلى اللغات المختلفة، ومنها اللغة التركية. ولذلك، لا تجد دار الغرباء، مثلً، صعوبة في نشر ملايين النسخ من كتاب "مجموعة الفتاوى" لابن تيمية على الرغم من حجمه الكبير، ولا نشر مئات الآلاف من كتاب "الوجيز في عقيدة السلف الصالح"، وتوزيعها مجانًا50، فضلً عن رعاية كثير من الأنشطة. ومع ذلك، يظل الحضور السلفي في تركيا محدودًا جدًا حتى الآن، قياسًا بالدعم الذي يتلقاه والفترة التي مضت عليه والجهود المتنوعة التي بُذلت، وبحجم الساحة التركية الواسعة جغرافيًا وسكانيًا. فعدد المنتمين للسلفية لم يتجاوز بضعة آلاف51. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة، منها أن السلفية تعد في نظر المجتمع التركي دعوةً متشددةً، ومن المعروف عن هذا المجتمع عدم انجذابه للتشدد عمومًا؛ فالتفسيرات السلفية للإسلام لم تجد لها صدى أو جذور في القطاع الأوسع من الشعب التركي، فهم يعتبرون أنفسهم أنهم يستندون تاريخيًا إلى مفاهيم معتدلة ومتعددة للإسلام52. ومن جهة أخرى، يرى بعض الأتراك أن اتّباع السلفية يعني القضاء على ما تؤمن به تقاليد الماتريدية التي تقبل التعددية والديمقراطية وحقوق الإنسان والانتخابات، أي التي تلائم مفاهيم العصر والجمهورية53. وتُظهر نتائج الدراسة أنه يصعب على السلفية تحقيق حضور في مجتمعٍ متصوفٍ ما زال يتبنى نهج الرأي والتأويل ويدافع عنه، ويعده إرثًا ميّز الأتراك وجعلهم منفتحين، وذلك في مقابل ما يعدونه منهجًا يقوم على الاتباع والنقل. كما أن الحاجز التاريخي والنفسي

  1. Akyol.
  2. Ibid.
  3. أبو دقة.
  4. 51 المرجع نفسه. وحسب هذا المرجع كان عددهم نحو ألف فقط في عام.2006 52  Angel Rabasa and F. Stephen Larrabee, The Rise of Political Islam in Turkey (Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2008), p. xi.
  5. أبو دقة.
  6. المرجع نفسه.
  7. 48 " MHP accuses President Erdo ğ an of having 'Salafi tendencies',"
  8. Hurriyet Daily News , January 7, 2016, accessed on 13/12/2016, at: http:// bit.ly/2hjbLls
  9. Demir.

الذي نشأ منذ بدايات القرن التاسع عشر، ما زال حاضرًا لدى الأتراك الذين يعدون ذلك أحد أسباب إضعاف الإمبراطورية العثمانية. ومن المرجح أن تعوّق هذه الحواجز الحضور السلفي الفاعل في المجال العام التركي أو أي طموح سياسي محتمل، فما زال مجرد الظهور السلفي الدعوي الواضح يواجه صعوبات. كما ظهر عائقٌ جديدٌ يصعب تجاهل آثاره في مجمل الحركة السلفية في تركيا، وهو ارتباط كلمتي السلفية و"الوهابية" بما يقوم به تنظيم الدولة "داعش" من عمليات لم يشهدها المجتمع التركي من قبل. وتحرص وسائل إعلام تركية معارضة وعالمية على ربط هذه الممارسات المروعة ب "التشدد الإسلامي" والسلفية عمومًا، على الرغم من الاختلافات الجوهرية بين شقّي السلفية في الخطاب والوسائل.

المراجع

العربية

البوطي، محمد سعيد رمضان، السلفية: مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي. دمشق: دار الفكر المعاصر،.1998 حلمي، مصطفى. السلفية: بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية. بيروت: دار الكتب العلمية،.2006 الحنبلي، ابن رجب. جامع العلوم والحكم. ب وررت: مؤسسة الرسالة،.2001 خرمة، مروة حمود. "المنهج العقدي للإمام أبي منصور الماتريدي بين المجلة الأردنية في الدراسات القرآنية. العدد النقل والعقل." 3.)2013(سويري، سارة (جمع وتقديم وتعليق.) الصوفية في الإسلام. بيروت: منشورات الجمل،.2016 الكلاباذي، أبو بكر محمد. التعرف لمذهب أهل التصوف. بيروت: دار صادر،.2001 نيكلسون، رينولد. الصوفية في الإس ماا. ب وررت: المركز العلمي للأبحاث،.2016

الأجنبية

Bunzel, Cole. "The Kingdom and the Caliphate: Duel of the Islamic States." Carnegie Endowment for International Peace. February 18, 2016. at: http://ceip. org/2eoF3fg Cornell, Svante E. & M. K. Kaya. "The Naqshbandi-Khalidi Order and Political Islam in Turkey." Hudson Institute. September 3, 2015, at: http://bit.ly/2b5PGol Demir, Hilmi and Selim Koru. "The Islamic State's Plans for Turkey." War on the Rocks. January 18, 2016. at: http://bit.ly/1ON1XGU Demir, Hilmi. "Selefiler Kimdir, Selefilik Nedir?" Teostrateji Arastirmalari Merkezi. June 2014. at: http:// bit.ly/2htXSyI Hammond, Andrew. "Salafism Infiltrates Turkish Religious Discourse." Middle East Institute. July 22, 2015. at: http://bit.ly/2gF2uF9 Knysh, Alexander. "Contextualizing the Salafi-Sufi Conflict (From the Northern Caucasus to Hadramawt)." Middle Eastern Studies. vol. 43. no. 4 (July 2007). Koru, Selim. "Turkey's 200-Year War against 'ISIS'." The National Interest. July 24, 2015. at: http://bit.ly/2gIfUyL Rabasa, Angel and F. Stephen Larrabee. The Rise of Political Islam in Turkey. Santa Monica, CA: RAND Corporation, 2008. Stein, Aaron. "Islamic State Networks in Turkey: Recruitment for the Caliphate." Atlantic Council. Issue Brief (October 2016).