هل العلاقات الدولية علم قائم بذاته؟
الملخّص
تسلط هذه الدراسة الضوء على أطروحات الفصل والارتباط بين العلاقات الدولية وعلم السياسة. وهو نقاش محتدم لمّ ا ينته بعد، ويتجدد في مناسبات مختلفة، لا سيما بعد حوادث عالمية تفرض وقعها على بنية النظام الدولي، وتتجاوز في دينامياتها وتفاعلاتها ما تقدّمه نظريات العلاقات الدولية الوضعية منها أو ما بعد الوضعية. وبعد مقارنة الأطروحات في حقل الاختبار العلمي بمرتكزاته الثلاثة: التراكم، والتنبؤ، والتفسير، تخلص الدراسة إلى تعق د الظاهرة الدولية من جهة، وتداخل موضوعاتها وتشابكها من جهة أخرى، وترسم شكوك ا حول حجج المطالبين بوصف العلاقات الدولية علمًا قائمًا بحد ذاته. كلمات مفتاحية: العلاقات الدولية، علم السياسة، التراكم، التفسير، التنبؤ. With every major shift in the world order, when political theory stops being able to account for realities of the day, the debate about the limits and intersections of international relations and political science is resurrected. Beginning with a comparison of the fields in terms of their stances on matters of accumulation, interpretation, and prediction, the study goes on to discuss how useful a separation of disciplines is at this juncture. It concludes that the complexity of international relations and the mixed and entangled nature of its subject matter raises doubts as to whether it is indeed an independent discipline. Keywords: International Relations, Political Science, Political Theory.
دراسة مقارنة في أطروحات الفصل/ الارتباط بين العلاقات الدولية وعلم السياسة
An Independent Discipline? On the Separation/Connection between International Relations and Political Science
مقدمة
تشبه حال الباحث في العلاقات الدولية حال السائح الذي يركب عوّامةً تتحرك كالمكوك ذهابًا وإيابًا بين جزرٍ منفصلة من النظريات، والعامل المشترك بينها أنّها تنتمي إلى محيط كبير من السلوك الدولي؛ يقيم بعض الباحثين على إحدى الجزر إقامةً دائمةً، ويستمر الآخر في التحرك المكوكي، ويحاول عدد قليل بناء الجسور بينها1. يلخّص هذا القول لجلين سنايدر Snyder G. واقع حقل العلاقات الدولية؛ فحتى وقتنا الراهن يفتقر منظّرو هذا الحقل إلى "الإجماع" على هويته، وماهية نظريته؛ فبينما يدافع بعضهم عن "استقلاليته" بوصفه "علمً قائمًا بذاته"، يرفض آخرون هذا الطرح بدعوى عدم حرمانه من روافد تطوره، أو على الأقل من رافده الرئيس؛ علم السياسة، والنظرية السياسية الكلاسيكية2.
توجد تعاريف عدة لمصطلح العلاقات الدولية International Relation تختلف باختلاف المدارس والمنظّرين، والمرحلة الزمنية أيضًا؛ ففي الماضي القريب كان المصطلح يشير إلى تفاعلات الوحدات الدولية (الدول القومية) مع بعضها على مستوى النظام الدولي، وغدا في الراهن يشير إلى "الأشكال المتنوعة من التفاعلات كافةًالتي تجري في محيطٍ يتجاوز حدود الدولة القومية المعروفة ونطاقها، بين الفاعلين من وحدات المجتمع الدولي، دولً كانت أم منظمات دولية أو إقليمية أو عابرة للحدود، ومنظمات للمجتمع المدني العالم أم حركات سياسية أو قومية عابرة للحدود، وكذلك نشاطات الأفراد وأفعالهم التي من شأنها أن تحدث تأثيرًا يتجاوز نطاق الفرد"3. ومع أنّ دراسة الظاهرة الدولية ترتبط عادةً بمعاهدة وستفاليا لعام 6481، فإنّ نشأة حقل العلاقات الدولية تعود إلى بداية القرن العشرين، وتحديدًا بعد صدمة الحرب العالمية الأولى ونتائجها الكارثية. فالرغبة في نزع فتيل الحروب، وتعزيز التعاون وإدامة السلام بين الأمم، دفعت الرئيس الأميركي وودرو ويلسون بمبادئه الأربعة عشر4 إلى التفكير جديًا في إخضاع العلاقات الدولية إلى معايير علمية؛ نظرية ومنهجية تكون قادرةً على التفسير والتنبؤ، واجتراح مقترحات وآليات نشئ عام لإرساء الاستقرار في النظام الدولي. ولتحقيق ذلك، أ 9191 أول كرسي للعلاقات الدولية في كلية ويلز الجامعية في أبيريسويث قبل أن يتوسع تدريسها في الجامعات الأميركية والأوروبية5. ومنذ ذلك الوقت، لا تصنَّف العلاقات الدولية في خانة "الفن" أو "المهارة"، ولا يُنظر إليها من منظور ضيق ومحدود ارتبطت به سابقًا؛ مثل الدبلوماسية، والتاريخ الدبلوماسي، والقانون الدولي، بل هي اختصاص أكاديمي له تقاليد منهجية رصينة، وحقل من حقول المعرفة الإنسانية6. وجاء اعتراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" عام 9481 ب "علم السياسة" بدلً من "العلوم السياسية" علمً مستقلً بذاته، وتحديد أربعة فروع رئيسة له، هي: النظرية السياسية، والنظم السياسية، والإدارة العامة، والعلاقات الدولية، ليحسم رسميًا "علمية" حقل العلاقات الدولية، فرعًا رئيسًا من فروع علم السياسة7. وبناءً عليه، لا تعير هذه الدراسة الطروحات التي تحرمه من هذه الصفة، اهتمامًا؛ إذ لا يخفى على متابع الطفرة العلمية والمنهجية ضمن هذا الحقل المعرفي، بخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت دراسة العلاقات الدولية تنحو مسارًا أكثر عمقًا ودقةً ومنهجيّةً في دراسة الظواهر الدولية مستندةً إلى نتاجٍ فكري غزير سعى إلى استقراء العوامل المختلفة التي تحدد سلوك الدول، والمنظمات الدولية، والأفراد، وتفاعلاتهم ضمن بنية النظام الدولي8. تأسيسًا على ما سبق، تحاول
| موضوع النقاش والجدل | النقاش والجدل | المدة الزمنية |
|---|---|---|
| م طبيعة القوة والنظام | المثالية/ الواقعية | من 9301 إلى 1950 |
| مناهج البحث العلمي | التقليدية/ العلمية | من 9501 إلى 1970 |
| دور المؤسسات | الواقعية الجديدة/ الليبرالية الجديدة | من 9701 إلى 1990 |
| خلق المعرفة | العقلانية/ البنائية | من 9901 إلى 2015 |
ﻋﻠﻢ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ اﻟﻌﻼﻗﺎت اﻟﺪوﻟﻴﺔ
الدراسة الإجابة عن تساؤل مركزي يسلّط الضوء على جدل ونقاش فكري لمّا ينته؛ هل العلاقات الدولية علم قائم بذاته مستقل عن علم السياسة؟ أم ثمة ارتباط وثيق لا فكاك منه بينهما؟ ومن خلال سعينا لتقديم إجابة متماسكة علميًّا ومضبوطة منهجيًا نقارن بين طروحات تيارين رئيسين متباينين حول هذه الإشكاليّة؛ هما: التيار الأول، وأغلب رواده من الأميركيين ممّن طوروا النقاشات النظرية والمنهجية في هذا الحقل، وخاضوا مناظراته الكبرى حول بنية النظام الدولي وطبيعة القوة، والمنهج العلمي، ودور المؤسسات (انظر الجدول.) يتسلح أنصار هذا الطرح، بأنّ التنظير الرئيس في حقل العلاقات الدولية كان في الولايات المتحدة الأميركية9، ومن هنا، لديهم القدرة المعرفية والأدوات المنهجية على جعله يلامس معايير فلسفة العلم10. وقد عكفوا، على الأقل منذ عام 9661 تاريخ احتدام النقاش على المنهج العلمي لدراسة الظاهرة الدولية، على جعل العلاقات الدولية حقلً معرفيًا مستقلً بذاته عن علم السياسة (انظر الشكل)1، وتمييز النظرية الدولية عن النظرية السياسية (هانز مورغنثاو، وكينث والتز، وديفيد إيستون.) واستطاع بعضهم، وممن سار على هديهم من الباحثين والمختصين، خلق خطاب خاص بالعلاقات الدولية للمدة ما بين 9749911 و 1، واعتماد منهج بحثي مستقل عن علم السياسة11. التيار الثاني: حرص رواده، ولا يزالون، على تأكيد استمرارية العلاقة بين علم السياسة والعلاقات الدولية بوصفها فرعًا من أصل (انظر الشكل)2؛ فعلى سبيل المثال يتهكم أوله ويفر، وهو أستاذ العلاقات الدولية في قسم العلوم السياسية في جامعة كوبنهاغن، من دعاة الفصل وفقًا للآتي: "عند سؤال دارس العلاقات الدولية أن يتحدث لمدة خمس عشرة دقيقة عن ماهية العلاقات الدولية، فإنّه على الغالب سيخبرنا عن تاريخ المناقشات والمواجهات النظرية والمنهجية التي تطرّق لها علم السياسة، ونقاشاته المنهجية"12. تأسيسًا على ما سبق، ونظرًا إلى شمولية الموضوع واتساعه، فإنّ بحثنا سيركز في عملية المقارنة على ثلاث مسائل مترابطة ومتشابكة تعدّ مرتكزاتٍ رئيسةً في فلسفة العلم، هي: التراكم المعرفي، والنظرية، والتنبؤ.
التراكم
يرى دعاة الاستقلالية أنّ التنظير في العلاقات الدولية يعود إلى فترة تاريخية بعيدة تمتد إلى العصور القديمة في الهند والصين واليونان؛ فالواقعيون في شعاراتهم "المصلحة أولً "، و"الفوضى في النظام الدولي" يستندون إلى نتاج فكري لمؤرخين ومفكرين، مثل المؤرخ اليوناني ثيوسيديدس Thucydides الذي تناول الحروب البلوبونزية، ويعدّونه أول منظر في هذا الحقل، ويرجعون له فضل التنظير لما 13يطلق عليه المعضلة الأمنية Dilemma Security The. أضف إلى ذلك، فإنّ كتاب الأمير لميكافيللي يمثّل بالنسبة إليهم طليعة البحوث في تحليل القوة والنظام الحكومي بأسلوب معاصر، إذ أكّد جعل القيم السياسية تعلو على أيّ قيم أخرى في عملية صناعة القرار السياسي داخليًا وخارجيًا؛ فعلى سبيل المثال، يعتقد ستيفن فورد صاحب كتاب الواقعية الكلاسيكية أنّ ميكافيللي أشد الواقعية تطرفًا، وأنّه يؤيد الإمبريالية المتمثلة بإخضاع الأمم الضعيفة دون مبرر أو تحفّظ14. أمّا تنظير توماس هوبس صاحب كتاب اللفياثان Leviathan بخاصة في ما يتعلق بالطبيعة البشرية "العدوانية"، فإنّه يعدّ مرجعًا رئيسًا في فهم الفوضى في النظام الدولي، وعلاقات القوة بين وحداته. ويرى بعض المنظرين أنّ هوبس كان سبّاقًا في "المنفعية" الواقعية، وأنّ كلّ ما قاله حول حياة الأفراد في حال الفطرة الطبيعية يمكن قراءته
توصيفًا لحالة الدول في علاقتها ببعضها15. من جهة أخرى، يستحضر المثاليون في أدبياتهم دراسة الحكومة العالمية لدانتي التي تدعو إلى فرض منظمة عالمية قادرة على فرض السلام العالمي، وكذلك طروحات منظرين آخرين دعوا إلى إقامة كونفدرالية عالمية أو عصبة أمم؛ مثل بيير دبوا، وهو محامٍ فرنسي وكاتبٌ سياسي عاش أواخر القرن الرابع عشر، والراهب الفرنسي اميريك غروسيه الذي عاش في نهاية القرن السادس عشر، إلى جانب آخرين مثل جون لوك، وجيرمي بنثام، وكانط16. ضمن هذا السياق، يحدد ألكسندر ويندت Wendet Alexander ثلاثة أسماء (هوبز، ولوك، وكانط) كانت مساهماتهم بمنزلة تقاليد أساسية في مجال نظريات العلاقات الدولية، بحيث أصبحت الهوبزية رمزًا للنظريات التي تعتمد القوة، واللوكية رمزًا للتنافس، والكانطية رمزًا للتعاون17. وهو ما أوجد، على ما يقول دايفد باوتشر "علم التصنيف"؛ إذ ظهرت مصطلحات مثل "هوبزي"، و"غروتيوسي"، وكانطي"، وكانت رديفًا لمواقف محددة لا لنقاشات فلسفية18. وفي السياق نفسه، تمثّل المدة التاريخية بين الأعوام 6489141 و 1 إرثًا معرفيًا تراكميًا لدعاة الاستقلالية في دراسة الدبلوماسية، والتاريخ الدبلوماسي، وتوازن القوى، والقانون الدولي. وتحضر في النقاشات الفلسفية بين المثاليين والواقعيين دراسة إدوارد هالت كار Edward. Carr H. المنشورة عام 9391 التي يستند إليها أغلب الباحثين الذين جاؤوا من بعده، إذ ينتقد إدوارد كار التحليل المثالي المستند إلى مبدأ التناسق والتناغم في المصالح القومية، وفي الوقت عينه يأخذ على الواقعيين نظرتهم التشاؤمية للتاريخ، وتجاهل الدروس المستفادة من مخبره19. في المقابل، يجادل رافضو الفصل بحجج تدحض ما سبق. وبرأيهم إنّ حقلي العلوم السياسية، والعلاقات الدولية انبثقا من كنف القانون والتاريخ، والتراكم المعرفي السابق هو تراكم يستند إليه مختلف العلوم (الفلسفة، والاقتصاد، والاجتماع، والتاريخ) التي تتاخم حقل العلاقات الدولية، وبالأخص علم السياسة، وليس تراكمً خاصًا بهذا الحقل. وبناءً عليه، فإنّ اندفاع بعض منظري الحقل لاحتكار هذا التراكم هدفه تأكيد الصدقية الفلسفية لهذا الحقل الحديث بأثر رجعي؛ أي إنّ حقل العلاقات الدولية يعرف نفسه حديثا انطلاقًا من ماضٍ (متخيل.) أضف إلى ذلك، يجادل أنصار هذا التيار، كما رأينا سابقًا مع أوله ويفر بأنّ التنظير في علاقات الأمم والدول كان بالأصل تنظيرًا للدولة، والحكم، والسلوك البشري وهي تمثّل قضايا رئيسة اشتغل عليها علم السياسة20. وعلى الرغم من وجود تراكم كمي قوامه دراسات كلاسيكية تناولت الظاهرة الدولية، فإنّ دراسة هذه الظاهرة لم تعرف تطورًا منتظمً قبل الحرب العالمية الأولى على عكس الدراسات التي تناولت النظرية السياسية أو السياسة الداخلية في الدول. وفي هذا الصدد، يصف عميد المدرسة الإنكليزية مارتن وايت (وهو من أبرز المفكرين الذين تهجموا على النظرية السياسية كما سيتبين) دراسات العلاقات الدولية في الماضي بأنّها "مبعثرة وغير منهجية، وغالبًا ما كانت عسيرة الفهم على القارئ العادي، كما أنّها (يستثني ثيوسيديدس) غير متسقة ويصعب متابعتها21. وبناءً عليه، يرى فريد هاليداي أنّ التطور في حقل العلاقات الدولية ناتج من تأثير ثلاث دوائر متحدة المركز، هي: المناقشات حول الموضوع نفسه؛ وتأثير التطورات الحاصلة في العالم؛ وتأثير الأفكار الجديدة في ميادين العلوم الاجتماعية الأخرى22. وبهذا المعنى، فإنّ العلاقة تمتلك معرفة ذاتية knowledge Self محدودة جدًا، الأمر الذي فتح المجال أمام الفروع المعرفية الأخرى لممارسة التأثير فيها مع أنّ العلاقات الدولية تحاول أن تخفي بعضًا من تلك الارتباطات، خوفًا من فقدان المكانة الفكرية والمعرفية23.
النظرية والتنبؤ
تعنى فلسفة العلوم الاجتماعية عمومًا بمسألتين رئيستين؛ الأولى طبيعة العالم (أنطولوجيا العالم)، والثانية طبيعة التفسير؛ أي ما هي المناهج الواجب اتّباعها للوصول إلى التفسير24؟ لذلك، تعدّ النظرية بمنزلة العنصر الرئيس في الوصول إلى العلم كونها تزوّد الباحث بالحقائق لتحويلها إلى معلومات وبيانات تساعده على تحليل الظواهر موضوع
الدراسة والتنبؤ بمسارها. وقد حاولت العلوم الاجتماعية اقتفاء أثر العلوم الطبيعية من ناحية الوصول إلى نظريات ومناهج علمية لكنّها لم تنجح بوصف موضوعها (الإنسان) لا يخضع للملاحظة الدقيقة والبحث التجريبي الصارم25. لكن لا ينفي ذلك وجود نظريات في العلوم الاجتماعية وفي فروعها المعرفية، مع التسليم بأنّ الظواهر الاجتماعية معقدة جدًا، فهناك أسباب ومؤثرات مختلفة تجعل معرفتنا بالظواهر المعقدة غير كافية، والقوانين التي نمتلكها بشأنها محدودة جدًا26. وهذا ما يفسر الصعوبة التي يواجهها الباحثون في حقل العلوم الاجتماعية، بخاصة في ما يتعلق بالتنبؤ بكيفية تطور ظاهرة معينة. وبناءً عليه، وكما يبين كلٌ من مارتن هوليس وستيف سميث فإنّ هناك منهجين عقليين أسهما في تطوير العلوم الاجتماعية ومن بينها العلاقات الدولية؛ يستمد الأول أصله من العلوم الطبيعية، ويبحث في تفسيرات الظاهرة التي يتناولها ويوصف بالعلمية Scientific؛ ويمكن إرجاع الثاني إلى دراسة التاريخ والبحث عن معاني الظاهرة ويسمّى بالتأويل Hermeneutic 27. إذا كانت العلاقات الدولية بصورة عامة تتناول ثلاثة عناصر أساسية، وهي: العلاقات ما بين الدول، والعلاقات فوق القومية التي تتجاوز الحدود، وتفاعلات النظام الدولي، وتشمل هذه العناصر الثلاثة حقولً جانبيةً كثيرةً، فإنّ النظرية الدولية تُعنى بالتنظير لتلك العناصر الثلاثة وما يدخل في نطاقها، ومن ضمنها الدراسات الإستراتيجية، ودراسات الصراع والسلام، وتحليل السياسة الخارجية، والاقتصاد الدولي، والمنظمات الدولية، ومجموع القضايا القانونية المتعلقة بالحرب مثل الالتزام والسيادة والحقوق. وبناءً عليه، فإنّ الوظيفة الجوهرية للنظرية الدولية هي تمكيننا من تحسين معرفتنا المتعلقة بالواقع الدولي وتقويمها، إمّا في البحث عن فهمٍ أوضح لغرض تغيير ذلك الواقع، وإمّا التنبؤ بمساراته28. انطلق البحث عن نظريات صلبة ومتماسكة في حقل العلاقات الدولية، بصورة رئيسة، بعد الحرب العالمية الأولى. وقد انتظم أغلب المساهمات النظرية في مدرستين: المدرسة الأولى، بدأت في عشرينيات القرن الماضي ومثّلها البرفسور تشارلز مريام Merriam E. Charlesمع زملائه في جامعة شيكاغو، ونظّرت لعالمٍ أفضل خالٍ من المشكلات والصراعات. جدير بالذكر أنّ هذه المدرسة سعت إلى وضع أسس علمية تربط حقل العلاقات الدولية بعلم السياسة، والعلوم الأخرى؛ علم النفس، والأنثروبولوجيا، والاجتماع، والاقتصاد. وبهذا المعنى، كانت نظرية العلاقات الدولية جزءًا من النظرية السياسية، والحقل جزء من علم السياسة وتحكمه الأفكار الليبرالية المثالية29. المدرسة الثانية، الواقعية التقليدية (الكلاسيكية) اهتمت بتفسير ما هو قائم لا ما يجب أن يكون، وانتقدت نزوع المثاليين إلى افتراض العقلانية في بنية النظام الدولي من خلال الربط بين التقدم المعرفي والسلام الدائم30. مع نهاية الحرب العالمية الثانية، برز هانس مورغنثاو أحد أساتذة جامعة شيكاغو، ليُحدث تحولً جوهريًا في التنظير للعلاقات الدولية؛ إذ نشر ثلاثة كتب في غضون خمس سنوات، هي: Scientific Politics Among 1؛ و 946 في عام Man Versus Power Politics Defence of the National Interests 1؛ و 948 في عام Nations في عام 951.1 وسرعان ما تربّع هذا الرجل على هرم الواقعية في دراسة الظواهر الدولية، بل مارس وصايةً على المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية31. يمكن القول إنّ مورغنثاو أول من شرّع الأبواب لاستقلال النظرية الدولية عن النظرية السياسية، لتترسخ أكثر في ستينيات القرن المنصرم. يقول دايفد باوتشر "إنّ العلاقات الدولية أعلنت استقلالها من جانب واحد بغية ترسيخ صدقيتها بوصفها نشاطًا أكاديميًا جديرًا وملائمًا من الناحية العملانية، وساد اعتقاد بأنّ النظرية السياسية، بمفهومها التقليدي، ونظرية العلاقات الدولية تمثلّان عالمين بحثيين متباينين." وقد رصد باوتشر ثلاثة ميول في عملية التمييز أو التفريق التفاضلي32: أوّلها، تهجّم ديفيد إيستون على النظرية السياسية التقليدية، ودعا إلى إعادة تعريف هذا المصطلح لكي يشير إلى صياغة الفرضيات للاختبار التجريبي على العلاقات الدولية أيضًا. ثانيها، كينث والتز الذي لفت إلى أنّ مصطلح "النظرية" يُستخدم على نحوٍ ضعيف وسط المتخصصين بالعلاقات الدولية، ليشير
على الأغلب إلى أيّ عمل يرقى فوق الوصف العادي ويتضمن شيئًا من التحليل. لذلك، يدعو والتز إلى التبسط، ويذكر قضايا أساسية حول النظرية يجب ألّ يتمّ إغفالها، وهي أنّ كلّ نظرية تتضمن على الأقل فرضية نظرية Assumption Theoretical، وتلك الفرضيات ليست بالضرورة حقيقيةً، لذلك لا يمكن للمرء أن يسأل عن صحتها، بل السؤال عن مدى فائدتها. ثم يجب أن يتمّ تقييم النظريات في إطار ما تدّعي هي تفسيره. وأخيرًا، النظرية بوصفها نظامًا تفسيريًا عامًا، لا يمكن أن تقدّم تفسيرًا حول كل الخصوصيات33. ثالثها، مارتن وايت، عميد المدرسة الإنكليزية الذي كان على عكس والتز معارضًا بشدة النزعة السلوكية، لكنّه كان من أنصار التمييز بين النظرية الدولية والنظرية السياسية على أساس أنّ الأخيرة مستغرقة في التحاور فكريًا حول الدولة، في حين أنّ النظرية الدولية تهتم ب "المجتمع الدولي" للأمم. ومنذ ذلك الحين، لوحظ نزوعٌ جارف إلى تمييز النظرية الدولية عن النظرية السياسية امتد إلى أغلب مدارس هذا الحقل، وهو برأي باوتشر "خطأ اقترفه منظرو العلاقات الدولية، لأنّهم حرموا أنفسهم من النظريات ذات الخلفية الغنية التي يمكنها أن تحتضن فكرهم"34. فالنظرية الدولية، برأي الناقمين على التمييز، تعاني تحدياتٍ أمام تعقّد العلاقات الدولية وارتباطها بعوامل اقتصادية وبيئية وتقانية، وفكرية. وهذا ما يجعل التنظير فيها مهمةً صعبةً، خصوصًا على مستوى النظرية العامة التي تريد تفسير الظواهر الدولية. ويخلص عدنان السيد حسين، بعد استعراضه تصنيفات نظرية العلاقات الدولية عند العالم الأميركي ستانلي هوفمن Hoffmann Stanley، وهي: النظرية الفلسفية، والنظرية التجريبية، والنظرية العامة، والنظرية الجزئية، والنظرية الاستقرائية، والنظرية الاستنتاجية، إلى نتيجةٍ مفادها أنّ النظرية إذا كانت تحتاج إلى وجود كمية هائلة من الظواهر أو المعرفة الوصفية في إطار الترابط والانسجام، فإنّ جهدًا شاقًا ينتظر الباحثين عن النظرية في العلاقات الدولية، وهذه مهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة35. وإذا كان هناك صعوبات عدة أمام التحديد النظري، فإنّ صعوباتٍ أكبر تواجه إشكالية التنبؤ بالمستقبل، لأنّه يصعب حصر المتغيرات الدولية، هذا عدا عن أنّ السلوك الإنساني غير خاضع لقواعد حتى يتم الأخذ به36. ولعل الأزمات والحروب الدولية خلال القرن العشرين، والقرن الحالي تعدّ أمثلةً شارحةً على إخفاق نظريات العلاقات الدولية في التنبؤ بها، وغدت مهمتها تقتصر على تفسيرها فقط.
بدل الخاتمة: الارتباط أقل وطأة من الفصل
إنّ استقلالية حقل العلاقات الدولية عن علم السياسة لها ما يبررها، بخاصة أنّ الظاهرة الدولية لا تزال أساسًا تتمحور حول الدولة-الأمة nation-state بوصفها الفاعل الرئيس في النظام الدولي القائم، ومن هنا، نحتاج إلى المزيد من البحث المعمّق واختبار النظريات السابقة والقائمة، واجتراح نظريات جديدة من شأنها أن تسهم في تفسير أكثر شمولية للظاهرة الدولية والتنبّؤ بمساراتها. لكن التحولات التي شهدها النظام الدولي خلال العقود الماضية لا سيما بعد العولمة، والحرب على "الإرهاب" أنتجت أنماطًا جديدةً من الفاعلين في مضمار العلاقات الدولية، وبات السؤال يلحّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى؛ من بالضبط يصنع مخرجات العلاقات الدولية؟ فالدول ليست وحدها ما تسعى العلاقات الدولية لضبطه. ثمة صور من المجموعات إلى جانب الدولة الأمة مثل الشعب، والمناطق، والتحالفات، والاتحادات، والمنظمات الدولية، وحتى المؤسسات الاقتصادية والثقافية، والعقائدية، يجب التعامل معها، إذا ما أردنا تعاملً واقعيًا مع هذه الظاهرة. وبناءً عليه، لا يمكن التغاضي عن حقيقة أنّ هؤلاء الفاعلين، بغض النظر عن ماهيتهم القانونية وهويتهم وطبيعة تكوّن كلٍ منهم، إنما يخلقون مساحة حركة مختلفة ومؤثرة في تشكيل ديناميات النظام الدولي وتفاعلاته، بخاصة في الوقت الراهن، حيث نشهد إنشاء تحالفات عالمية تضمّ دولً ضد تنظيمات جهادية لا يتجاوز عددها الآلاف. هذا عدا عن تأثير المؤسسات المالية العالمية، والشركات المتعددة الجنسيات، وحركات المدافعين عن البيئة، وشبكات الشباب، ومؤسسات الدفاع عن حقوق النساء. بظهور هؤلاء بات على العلاقات الدولية بوصفها فرعًا علميًا، أن تحاول الإجابة عن الأسئلة التي يتحدّون بها التصورات الحاكمة لهذا الفرع. ويلحّ المختصون في الموضوعات المستجدة ضمن نطاق الحقل المعرفي على ضرورة الاعتناء بهذه الدوائر الجديدة، ومنها الاقتصاد السياسي العالمي، والعلاقات الدولية في مجال الحفاظ على البيئة، والسياسات العالمية في المجال الرياضي، والاعتناء بالحوارات التي تشغل حياتنا الاجتماعية وتجد طريقها للتفاعل الدولي، مثل النسوية، والدراسات الثقافية، وأوضاع حقوق الإنسان، وغيرها. فجميعها لديها مدخلات
في سؤال سلوك الدولة ذاته، إذا ما سلّمنا بكونها الفاعل الأساسي الذي لا يزال يحتل مكانةً أولى في العلاقات الدولية. ومن الوجاهة النظر إلى أنّ دخول هذه الموضوعات بنية الحقل المعرفي، يرسم الشكوك حول حجية المطالبة بوصف العلاقات الدولية علمً مستقلً. بات الأمر محلً للشك الكبير؛ فلم تعد موضوعة العلاقات الدولية قاصرةً فحسب على كيفية انتظام الدول ولا ظاهرة الحرب والسلام (التي تقوم فيها الدولة بالدور الرئيس تقليديًا)؛ ففي مقابل هذه المساحة التي تتقلص تبرز تقاطعات موضوعية لا تجسر الهوة المحدثة بين العلاقات الدولية، وعلم السياسة بل مع علوم وحقول معرفية أخرى، وتكسبها طابعًا مغايرًا المألوف حينما نشأت قبل قرن. ثمة تفاعلات في ظواهر دولية تعبر الحدود تتعلق بتوزيع السلطة والنفوذ والمكانة والسوق والهويات والمهن، وحتى الإنتاج الثقافي تؤثّر في مجتمعات مختلفة، وفيها لا تقف الدولة في محل اللاعب المؤثّر فضلً عن أن يكون الوحيد، بل تقف في بعض الأحيان محلً للفعل وليست فاعلً. أضف إلى ذلك، ثمة ضغوط تتعاظم غايتها أن تتنازل الدولة بوصفها فاعلً رئيسًا في النظام الدولي عن بعضٍ من تلك المساحات التي كانت تشغلها تقليديًا، وبعض من السلطات التي كانت تمارسها بامتياز حصري في النطاق الدولي.
المراجع
العربية
باوتشر، دايفد. النظريات السياسية في العلاقات الدولية. ترجمة رائد القاقون. بيروت: المنظمة العربية للترجمة،.2013 ديسوا، جيرار. دراسة العلاقات الدولية. ترجمة قاسم المقداد. دمشق: دار نينوى،.2014 سلامة علي، جمال. تحليل العلاقات الدولية: دراسة في إدارة الصراع الدولي. القاهرة: دار النهضة العربية،.2013 السيد حسين، عدنان. نظرية العلاقات الدولية. ط.3 بيروت: المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع،.2010 الصواني، يوسف. نظريات في العلاقات الدولية. ب وررت: دار المنتدى،.2013 كريب، أيان. النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرمس. ترجمة محمد حسين غلوم. الكويت: سلسلة عالم المعرفة،.1999 يفوت، سالم. فلسفة العلم المعاصرة ومفهومها للواقع. بيروت: دار الطليعة،.1986
الإنكليزية
Belli, Simon. Theories of International Relations. 3 rd ed. Perugia: Guerra Editor, 2002. Crawforo Robert M. A. & Jarvis, Darryl S. L. International Relation- Still an American Social Science? Toward Diversity in International Thought. New York: State university of New York press, 2001. Dougherty James & Pfaltzgraff, Robert. Contending Theories Relations: A Comprehensive Survey. 5 th ed. New York: Longman, 2002. Dunn, Frederick S. "The Present Course of International Relations Research." World Politics , vol. 2, no. 1 (1949). Forde, Steven. "International Realism and the Science of Politics: Thucydides, Machiavelli, and Neorealism," International Studies Quarterly. vol. 39, no. 2 (1995). Guilhot, Nicholas. "The Realist Gambit: Post was American Political Science and the Birth of IR Theory." International Political Sociology. vol. 2, no. 4 (2008). Halliday, Fred. Rethinking International Relations. London: Macmillan Press, 1994. Morgenthau, Hans. "Reflection on the State of Political Science." Review of Politics. vol. 17, no. 4 (1955). Russet Bruce & Starr, Harvey. World Politics: The Menu for Choice. 3 rd ed. New York: W. H. Freeman and Company, 1989. Thornton R. Fox, William. "Pluralism, The Science of politics, and World System." World Politics. vol. 27. no. 4 Waltz, Kenneth N. Theory of International Politics. 3 rd ed. Long Grove, Illinois: Waveland Press, 1979. Waver, Ole. "The Sociology of a Not So International Discipline: American and European Developments in International Relations." International Organization at Fifty: Exploration and Contestation in the Study of World Politics. vol. 52, no. 4 (1998). Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.