لم نعد وحدنا في العالم: 'النظام الدولي' من منظور مغاير
عنوان الكتاب: لم نعد وحدنا في العالم: 'النظام الدولي' من منظور مغاير المؤلف: برتران بادي Bertrand Badie المترجم: جان ماجد جبور سنة النشر: 2016 الناشر: مؤسسة الفكر العربي عدد الصفحات: 072 صفحات
"We Are No Longer Alone in the World: a Varying Perspective on the International Order"
Non ne sommes plus seules au monde- Un autre regard sur l’ ordre international عنوان الكتاب في لغته:
مقدمة
تثير التحولات المتسارعة في النظام الدولي اهتمام الأوساط السياسية والأكاديمية في العالم؛ فقد ركز عدد كبير من الباحثين في العلاقات الدولية على دراسة أبعاد هذه التحولات وانعكاساتها على صعود القوى الدولية وتراجعها. يدور الجدل اليوم حول كينونة النظام الدولي والتغيرات التي تطرأ عليه وعلى شكل الفاعلين الأساسيين ودورهم فيه. لذا يحاول برتران بادي1 في كتابه لم نعد وحدنا في العالم: النظام الدولي من منظور مغاير، الإجابة عن سؤالين مركزيين: هل النظام الدولي متغير؟ وهل نعيش وحدنا في هذا العالم؟ ينطلق بادي من افتراض أساسي يتمثّل بأنّ التغيرات في النظام الدولي متسارعة ومضطربة، بخاصة بعد الحرب الباردة، إذ أخذت أبعادًا جيوسياسية تهدد بحالة من الفوضى، وذلك مع تراجع التزامات الولايات المتحدة الأميركية الأمنية في مناطق عديدة من العالم، وصعود قوى اقتصادية وعسكرية (روسيا، والصين) تحاول أن تستعيد مناطق نفوذ قديمة، أو البحث عن موطئ قدم لها في مواقع إستراتيجية في العالم الآخذ في التغير والتحول بنسق متسارع. تزامن ذلك مع ظهور عدد من الدول غير قانع (مثل إيران، وفنزويلا، والبرازيل وغيرها) بدوره وبطبيعة النظام الدولي، ولا يرغب في الخضوع لتحكّم نادٍ صغير من الأوليغارشيين الذين يستعبدون الضعفاء، ويسعى إلى مقاومة الضغوط النظامية التي تفرضها القوى الدولية الأساسية. كما أنّ ظهور المنظمات الإرهابية الخارجة عن السيطرة قد زاد المشهد الدولي اضطرابًا وتعقيدًا. يحاول بادي في هذا الكتاب الذي يقع في ستة فصول، التخلي عن التفسيرات السهلة أو التي تَوافق عليها منظرو العلاقات الدولية، بأنّ التغير في النظام الدولي يكون من خلال انسحاب أحد أطرافه الرئيسة أو بعضها نتيجة انهيار النظام القائم سلمً أو حربًا مما يمهد لظهور أطراف رئيسة جديدة تعكس مفرداتٍ وقيمً وأنماطًا سلوكيةً جديدةً، مؤكدًا أنّ العالم قد تغير ولم يعد مقتصرًا على الصور النمطية للنظام الدولي القائم على هيمنة مجموعة من القوى الغربية ترسم السياسات الدولية لباقي دول العالم، أي التخلي عن التقسيمات القائمة على شمالٍ متقدم ومتحضر وجنوبٍ متخلف.
من "توازن القوى" إلى النادي الأوليغارشي
يركّز الكاتب في هذا الفصل على دراسة طبيعة النظام الدولي وطريقة تشكّل العلاقات بين الدول في فترة الحداثة، لا سيما أنّ هناك ديناميتين غير مسبوقتين، برزتا في عصر النهضة ساهمتا في نشوء مفهوم النظام الدولي فيما بعد، وهما: التعامل مع النظام الدولي بطريقة جماعية: لأول مرة في تاريخ البشرية تم التعامل مع النظام الدولي بطريقة جماعية. التعايش مع الآخر: لم تكن مسألة التعايش مع الآخر تطرح على هذا النحو، أو على الأقل لم تكن تطرح إلّ داخل المدينة أو المملكة، كانت العلاقات مع الدول المجاورة ومع الخصوم أو المنافسين موجودةً بالتأكيد، إلا أنّه كان يعتم عليها من الناحية السياسية والقانونية. واستمر الوضع حتى توقيع معاهدتين كان لهما الأثر البارز في ظهور نظام دولي جديد؛ هما معاهدتا مونستر وأوسنابروك اللتان وضعتا حدًا عام 6481 لحرب الثلاثين عامًا، وأسستا لما سوف يُعرف ب "صلح وستفاليا"؛ فقد أرست الدول الأوروبية فيما بينها نوعًا من النظام الذي لم يُطلق عليه اسم، إلا أنّه بدا بالفعل أشبه بالصيغة الأولى لنظام دولي. في ظل هذا المشهد الدولي الجديد ظهرت بحسب بادي مجموعة من القواعد الجديدة، أولها مبدأ السيادة الذي أقر وفقًا لما كان قد نظّر له جان بودان، أنّ ما من دولة تخضع لدولة أخرى سواء أكانت أكبر منها أم أصغر أم مساوية لها، ومن ثم مبدأ احترام النطاق الجغرافي وما يستتبع ذلك، من تحديد واضح لا لبس فيه لمفهوم "الحدود" وواقعه، لا بل أكثر من ذلك، لفكرة أنّ الفعل السياسي لا يكون واقعًا إلّ من خلال ممارسة الدولة سلطتها على أرض معينة. لقد كرّس ذلك نوعًا من توازن القوى وصفه المفكر الواقعي هانس مورغنثاو بالمضطرب، لأنّه تأسس عقب حرب، ومن هنا، اتصف بعدم العدالة، لأنّ رجال الدولة والساسة ينجرفون مع النصر إلى تكريس نتائج مجحفة بحق المهزوم عادةً. وهو ما حدث عندما قمع تطلعات فرنسا وكرّس مكاسب إمبراطورية آل هابسبورغ في الولايات الإيطالية، كما أنّ قادة التوازن أغفلوا النتائج التي أحدثتها الثورة الفرنسية على الصعيد الفكري. وهي نتائج كان لها بالغ الأثر في دفع الشعوب الأوروبية نحو الثورات الاجتماعية2. مارست القوى الأوروبية الكبرى في القرون اللاحقة هيمنتها، بخاصة في القرن التاسع عشر من خلال الاستعمار الذي مثّل مفارقةً هائلةً، بحيث
اختزن نظام الدولة الوستفالي في ذاكرته النموذج الإمبراطوري السابق الذي بقي يخيّم على الأمم الأوروبية، وراح يجد نفسه في التوسع ما وراء البحار. وعلى الرغم من أنه يقع على عاتق النظام المنبثق من صلح وستفاليا على وجه التحديد تهميش هذا الشكل من النظام المتجسد في الإمبراطورية الرومانية الجرمانية وما صاحبها من تفتيت جغرافي وحرمان من الحكم الذاتي، ويدفعه إلى الأفول، فإنّ "إغراء النهج الإمبراطوري" استمر، سواء في شكله الأوروبي التقليدي بحسب ما تم إحياؤه أكثر من مرة في فرنسا مع مغامرة نابليون، أم من خلال نسخته الخارجية المنبثقة من بناء الإمبراطوريات الاستعمارية التي حملت لواءها فرنسا وبريطانيا العظمى والبرتغال وإسبانيا. وإذا كانت هذه الذاكرة الإمبراطورية لم تغادر الساحة الأوروبية مغادرةً كليةً، فذلك لأنّ معضلةً لم ندركها كامنة تعشش في خلفية عقل وستفاليا، حتى إننا نتجه أحيانًا إلى التعمية عليها كليًا في الوقت الحاضر. في أساس هذه المعضلة تكمن غرائب مبدأ السيادة؛ فالنظام الدولي يتكوّن من دول متجاورة ذات سيادة تتنافس فيما بينها. وتكشف هذه المنافسة بالفعل الطبيعة المتناقضة للفكر القانوني الذي كان في طور النشوء؛ فمن ناحية هناك سعي لإنتاج قاعدة دولية تهدف إلى ضبط هذا النظام المشترك بين الدول الذي يُراد بناؤه. ومن ناحية أخرى، تقوم السيادة على الاعتراف لكلّ دولة بالحرية المطلقة التي تتيح لها الإفلات من أيّ قاعدة تتجاوز سلطتها. من هنا انبثقت فكرة الحرب بالذات التي تلوح في الأفق من حيث أنّها أمر طبيعي وضروري وشامل. وهي فكرة قديمة وجدت القوى الغربية صعوبةً في التخلص منها. ومن هنا أيضًا يبرز هذا الجذر القديم إزاء القانون الدولي، وهو ارتياب لا يزال قائمًا إلى اليوم، لا سيما في الولايات المتحدة. وحين نقول منافسة، بغض النظر عن درجة تحررها من القواعد القانونية، فإننا نوحي في الوقت ذاته بأنّ المبدأ الأساسي لهذا النظام الدولي الجديد لا يزال القوة، أي تلك القدرة المتاحة لإخضاع الغير، بخاصة الدول المجاورة، مهما كانت الوسيلة المستخدمة. أي إنّ القوة تقوم بدور الحكم الطبيعي في التنافس بين الدول، ما يؤدي حتمً إلى موقفين ثابتين في دينامية العالم الغربي؛ فإمّا أن يتبيّ أنّ واحدةً من هذه الدول هي أقوى بكثير من سائر الدول، وفي هذه الحال نعود إلى التقليد الإمبراطوري الذي اجتذب الملك لويس الرابع عشر في زمانه، ونابليون الأول، أو إنكلترا في القرن التاسع عشر، وإمّا أن تكون القوى الأساسية بالمستوى نفسه تقريبًا، ما يجعل إحياء الإمبراطوريات غير ممكن، فتشرف حينها على إدارة شؤون العالم مجموعة أوليغارشية؛ أي نادي الأقوياء. إنّ هذا التأرجح بين الهيمنة الإمبراطورية والأوليغارشية المستقرة إلى حد ما، واكب كل التاريخ الأوروبي حتى يومنا الحاضر. فحين يسود المنطق الإمبراطوري، تكون الكلمة الفصل لعلاقات الخضوع شبه التام بالنسبة إلى كل الفاعلين الذين عليهم القبول بسيادة هذا المنطق. في المقابل، في الحالة الأوليغارشية، لا بد من التفاوض باستمرار، لكي تكون هذه الحالة مقبولةً ومستدامةً. من هنا برز مفهوم "توازن القوى"، وهي الصيغة الأساسية التي طبعت بعمق تاريخ العلاقات الدولية بدءًا من مطلع القرن التاسع عشر. كان المطلوب أن تسود المساواة بين القوى الأساسية لئلا تجتذب أيّ واحدة منها المغامرة الإمبراطورية. لذا)181 على ركيزتين أساسيتين3قام مؤتمر فيينا 5-1814(: توازن القوى Balance of Power • التعويضات Compensation • وهما ركيزتان أساسيتان في الدبلوماسية الأوروبية في القرن الثامن عشر. وأضاف مؤتمر فيينا عاملً آخر هو ضرورة الاطمئنان لعدم تكدير السلام من ناحية فرنسا واتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة. وقد قاد العمل بمبدأ توازن القوى إلى نتائج مهمة؛ بحيث كان الأساس لنظام دولي جديد بين مجموعة من القوى الأساسية في بنية النظام الدولي آنذاك، وهي فرنسا وإنكلترا وروسيا والنمسا وبروسيا، وحال هذا النظام دون سيطرة واحدة من تلك القوى على أوروبا أو المغامرة بحرب منفردة تُخلّ بتوازن القوى. يرى الكاتب أنّ نظام "الكونسرت الأوروبي" منذ نشأته شابته شائبتان لم يتمكن من التخلص منهما. وهما تمثلان عيبين أساسيين يعكسان تجذّر تركيبته المحافظة؛ يكمن العيب الأول في استبعاده المجتمعات، لا بل تجاهلها. فهذا المنطق تحكمه القوة البحتة وتوازن القوة، ولا يكاد يقيم أيّ وزن للمجتمعات. أما العيب الثاني فيرتبط بطبيعة الحاكمية الأوليغارشية بالذات، إذ إنّها من حيث تعريفها تخلق مُبعدِين، يمكن القول، بلغة حديثة، يتكون خارج إطار هذه الحاكمية نوع من "بروليتاريا" الدول والأمم، فينجم عن تعاملها مع أعضاء النادي تركيبات معقدة ومقوّضة الاستقرار. لقد وُصف المستبعدون عن النظام بأنّهم "بروليتاريا الدول والأمم."
القطبية (أحادية، ثنائية، متعددة) والمجتمعات ودبلوماسيتها
يبدأ الكاتب الفصل الثاني بالتمييز بين "قطبية القوة" و"قطبية التجمع" بوصفهما حقيقتين رئيستين غالبًا ما يتم الخلط بينهما؛ فالأولى بحسب رأيه، تصف التنافس بين الدول التي بوسعها ادّعاء وضعية القوة، أي إنّها تمتلك الموارد الموضوعية التي تمكّنها من هذا
الادعاء، وينظر إليها الآخرون على هذا الأساس. إذًا ما نفعُ أن تكون في الواقع قويًا إذا لم يعترف لك الآخرون بهذه القدرة؟ يدور التساؤل عن قطبية القوة حول إذا ما كنّا نواجه نظام "هيمنة" أم نظامًا "أوليغارشيًا." لا نجد إلا أمثلة قليلة في التاريخ عن أنظمة الهيمنة؛ فقد جرى الكلام عن "باكس بريتانيكا" (نظام السلم البريطاني) الذي ساد منذ عام 5181 حتى صعود القوة الألمانية، وتدخل الهيمنة الأميركية في فترة الحرب الباردة بطبيعة الحال ضمن هذه الفئة. لكن موسكو كانت تشارك في الأمور الأساسية، ما خلق نوعًا من حكم ثنائي أميركي - سوفياتي. وعشنا فترةً قصيرةً جدًا من الأحادية القطبية الأميركية بعد سقوط جدار برلين، لكنها سرعان ما تبددت. بعبارة أخرى، فترة الهيمنة الواضحة التي لا لبس فيها، هي في الحقيقة نادرة نسبيًا، والقاعدة هي الأوليغارشية التي تعكس أوضاعًا تظهر فيها قوى متعددة تكون إلى حدٍ ما في تنافس مفتوح فيما بينها. أمّا قطبية التجمع من ناحيتها، فتتطابق مع فترات تضع فيها القوى حدًا لتشتتها وتذهب في اتجاهات تتسم ب "العسكرة" ترتكز على تجمع عدد من الدول حول زعيم، يمكن لهذه المعسكرات أن تتعدد، حتى وإن كانت اللعبة الدولية تشجع بصورة عامة على الثنائية، وفقًا للانقسام الثابت، صديق .- عدو كما يذهب الكاتب إلى التمييز بين "القطبية" و"الاستقطاب"؛ فالقطبية تعني "تجاور" قوى من دون أن نحدد العلاقات بينها. في حين أنّ الاستقطاب يتضمن "المواجهة" المحتملة أو الفعلية. إنّ الثنائية القطبية التي سادت من عام 9471 إلى عام 9891 لم تكن قطبيةً فحسب، وإنما "استقطابية" وقد ترجم ذلك بمنطق المواجهة بين الأقطاب. فضلً عن ذلك، ترافقت تلك الثنائية القطبية مع منطق التجمع، بحيث لم توجد قوتان متواجهتان فحسب، وإنما كان يلتف حولهما عدد من الدول الصغيرة أو الأكبر حجمً. أخيرًا كان كلّ واحد من هذين المعسكرين محكومًا ب "قوة عظمى" كما كان يقال في حينها، يحدوها هاجس المنافسة مع "شبيهها" و"غريمها" وفي الوقت نفسه الرغبة غير المعلنة في تقاسم العالم، وإرساء الحكم الثنائي. ويرى الكاتب أنّ "لحظة الثنائية القطبية" كانت عابرةً واستثنائيةً، ومن السهل في وقت لاحق أن نجد التفسيرات التي تتيح لنا التنظير حول ظاهرة هي في أساسها حادث محدد في الزمن "ثنائية القطبية"، وهنا يتساءل لماذا تطبع رؤيتنا للعالم بعمق في وجداننا؟ بحيث يرجع ذلك إلى الواقع النووي وطابعه الغريب؛ ففي أعقاب هيروشيما وناكا زاكي تنبَّه الناس لوجود السلاح غير المسبوق الذي لا يتيح بالضرورة إحراز النصر، لكنّه يقود إلى تدمير الآخر. ومع احتكار الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي السلاح النووي لم يتح فرصة البقاء للدول إلا بانضوائها تحت مظلة إحدى هاتين القوتين العظميين. للمرة الأولى في التاريخ، أصبحت الحماية هي القاعدة المطلقة في اللعبة الدولية، وللمرة الأولى لم يعد باستطاعة أحدٍ أن يتخيل موقعه في النظام الدولي خارج منطق الحماية هذا الذي يتضمن كذلك منطق المعسكر ووجود زعيم للمعسكر. العامل الآخر هو استقطاب العالم بين أيديولوجيتين؛ فالمنتصران على النازية كانا بالفعل ينتميان إلى فلسفتين سياسيتين مختلفتين تمامًا؛ إحداهما تدين باشتراكية الدولة الماركسية المركزية المتشددة، والأخرى بالليبرالية التي تروّج لفضائل الفردية والسوق الحرة والديمقراطية. للمرة الأولى تداخلت الأيديولوجيا بعمق وانتظام في اللعبة الدولية. وأخيرًا، أبعد من هذين النظامين الأيديولوجيين اللذين كانا يتواجهان، تنافس شكلان من أشكال التنظيم الاجتماعي - الاقتصادي والسياسي، وهنا أيضًا بصورة غير مسبوقة، تمثّلت قوة هذا التعارض بفرادةٍ قلّ نظيرها؛ بحيث كان لكلٍ من هذين النظامين نوع من الامتداد في المعسكر المواجه (في الجانب الأميركي الأحزاب الاشتراكية والشيوعية في دول جنوب أوروبا، وفي الجانب السوفياتي الانشقاقات التي توالت تدريجيًا في الاندماج داخله.) الجدير بالذكر أنّ الثنائية القطبية لم تكن في أي يوم من الأيام ظاهرةً متحجرةً إذ تطورت باستمرار خلال تاريخها القصير؛ ففي المدة 1947 - 9671 تميزت بصلابة مفرطة، والميل المحدود للتواصل ما وراء "الستار الحديدي" الذي كان يفصل بين أطراف النزاع، أما في المدة 1967 - 9891 فتكيفت الثنائية القطبية، ودخلنا زمن "التعايش السلمي"، ومن ثم الاسترخاء الذي اهتز قليلً بسبب الغزو السوفياتي لأفغانستان عام 979.1 إنّ الثنائية القطبية التي أرست قواعدها عام 9471 قامت على أساس فكرة الحماية؛ إذ كان لا بد من الالتحاق بأحد الحليفين لتأمين الحماية من التهديد الذي تمثّله الجهة المقابلة. ولكن مع انهيار الاتحاد السوفياتي حدث تحوّل في النظام الدولي، ذلك أنّ عالم 9891 يختلف تمامًا عن عالم 9471؛ لقد اكتملت عملية تصفية الاستعمار، وانتقلت أرض المعركة من الشمال إلى الجنوب، كما أنّ مختلف الوحدات المكونة لهذا الجنوب، سواء أكانت دولً أم شعوبًا أم فئاتٍ اجتماعيةً أم جماعاتٍ دينيةً أم ثقافيةً، اكتسبت استقلاليةً لافتةً، حتى إنّ سقوط جدار برلين أمّن الحجج التي تعزز مطالبها بالتحرر، والاعتراض، بل الانحراف. وبناءً عليه، لا يمكن فهم طبيعة العلاقات الدولية في الوقت الحاضر إذا اكتفينا بالنظر إلى الخرائط الكلاسيكية للجغرافيا السياسية، أو اعتمدنا على التحليلات الإستراتيجية. يجب أن نتعلم كيف نخطو
خطوةً إضافيةً، لنأخذ في الحسبان بروز المجتمعات في المجالات التي بقيت حتى هذا الوقت حكرًا على العمل الدبلوماسي وحده. من هذا المنظور، فإنّ ثورة الاتصالات التي حصلت في الثمانينيات من القرن الماضي مع تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، قامت بدور أساسي في تقنيات المعلومات والوسائط المتعددة، والوسائل السمعية والبصرية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، أي الصوت والصورة والمعلومات. في الواقع شملت جميع الناس، لقد زعزعت ثورة التكنولوجيا "أثر المسافة" الذي يقع في قلب اللعبة الدولية بالذات، فهذا المعيار القديم والتأسيسي سمح بأن يكون للإقليمية معنى، ويُبنى أول تصور للنظام الدولي، كما ساعد في تشكّل الأمة والقوميات، وفي تمايز كل وحدة سياسية ومسارها التاريخي على خريطة العالم. كان للثورة الهادئة في مجال الاتصالات تأثير أكثر عمقًا من تعطيل "أثر المسافات"، فهي تجاوزت العلاقات الدولية الكلاسيكية التي يجب بالأحرى أن نسميها "العلاقات بين الدول" إلى شبكة من العلاقات "بين المجتمعات." وبقدر ما كانت هيئات المجتمع المدني تتحرر من عبء الضغوط الحكومية، وتتمتع الجهات الفاعلة باستقلالية أكثر، بما في ذلك إزاء مجتمعاتها الوطنية، فإنّ اللعبة الدولية راحت تتسم بغلبة أكبر للتداخل المجتمعي على الطابع الدولي. لذا تمثّل مقولة "صراع الحضارات" الشهيرة أحد الإطارات التحليلية الأك رر دلالةً على هذه التحولات. ونحن ندين بهذه الصورة التبسيطية، والمريحة فكريًا في آن، لصموئيل هنتنغتون، بما أننا لم نعد وحدنا، فمن الواضح أنّه ليس بإمكان أيّ ثقافة أن تدير شؤون العالم وتتجاهل الثقافات الأخرى، وما تحمل من سلوكيات، وطرق الرؤية والتفكير والنظر إلى الذات، فالعولمة تؤدي لا محالة، بفعل التبادلات المتنامية، إلى تلاقح يتطور من دون توقف بين ثقافات كانت تعيش منفصلةً ومتباعدةً. وبناءً عليه، ربما ينتقل صراع الحضارات إلى داخل المجتمعات الغربية. في هذا الصدد يذهب المفكر عزمي بشارة إلى أنّ الصراع الدائر في البلدان الغربية ربما يتحول إلى صراع بين ثقافتين تشتملان على مكونات طبقية وثقافية وسياسية وقيمية، ويمكن أن يتحول إلى صراع هويات، كما أنّ القوى الصاعدة في النظام الدولي (روسيا، والصين) تتبنى عقيدة صراع الحضارات ضد انتشار الديمقراطية والليبرالية بوصفهما تنتميان إلى الثقافة الغربية، وأداة للهيمنة، هذا يعني باختصار أنّ صراع الحضارات قد أصبح مذهبًا روسيًا وصينيًا في العلاقات الدولية4.
جولة صغيرة في العالم الجديد
إنّ الساحة الدولية جزء لا يتجزأ عن الفاعلين الاجتماعيين، وسلوكهم وثقافتهم وانتظاراتهم، إذ إنّ مسافةً كبيرةً باتت تفصلنا عن الكونسرت الأوروبي الذي ضم أمراء وحكامًا تجمعهم ذهنية واحدة وثقافة واحدة. في يومنا هذا، أصبحت اللعبة الدبلوماسية الرهينة الدائمة لكثافة عمليات العولمة وتعقد القصص التي تتشابك فيها، بل تتصادم. غذّت نهاية الثنائية القطبية الوهم بأنّ الولايات المتحدة ستكون متربعةً وحدها على عرش الهيمنة. وهو موقف تبين أنّه من أندر المواقف في التاريخ، بينما طموحها حتى عام 9891 لم يتحقق إلّ على قاعدة الحكم الثنائي في مواجهة الاتحاد السوفياتي وفي شراكة معه. رأينا كذلك غداة سقوط جدار برلين، أنّ وهم الأحادية القطبية لم يدم أكثر من ثلاث أو أربع سنوات. على الرغم من الحفاظ على منظمة حلف شمال الأطلسي، والإبقاء على فكرة "المجموعة الغربية"، فإنّ وضع حدٍ ل "العسكرة" وتراجع منطق الحماية أسهما إلى حدٍ كبير في إضعاف الروابط بين الحلفاء الأطلسيين، وبين عرّابي الشمال وأتباعهم في الجنوب. في الواقع، كما يرى الكاتب في هذا الفصل أنّ الوهم التأسيسي للحظة الأحادية القطبية ارتبط بحدث لا علاقة له بانهيار الاتحاد السوفياتي، وهو غزو صدام حسين الكويت، وتشكيل ائتلاف واسع أوكلت إليه مهمة طرد القوات العراقية، إنفاذًا للقرار 678 الصادر عن مجلس الأمن. بحيث صوّت الاتحاد السوفياتي المحتضر لمصلحة القرار، في حين أنّ الصين التي كانت تحرص على جعل المجتمع الدولي ينسى حوادث تيانانمن التي جرت قبل عام، وتصبح مقبولةً ضمن النظام الدولي، سلكت طريق الاعتدال وامتنعت عن التصويت. بذلك بدت الولايات المتحدة الأميركية بلا منافس. ترافق ذلك مع ازدهار "القوة الناعمة" الأميركية المتمثلة بالسيطرة الناعمة والجاذبة التي تمر عبر أنماط الاستهلاك (الثقافية على وجه الخصوص) والمؤثرات الخيالية المستوردة من الولايات المتحدة. فالنصر المدعوم من الجميع في الخليج، والإبقاء على منظمة حلف شمال الأطلسي، وإطلاق مبادرات دبلوماسية على غرار مبادرة مدريد حول الشرق الأوسط، كلّها حوادث كبرى غذّت لدى بعضهم أملً يتمثّل بأنّ القوة العظمى بإمكانها أن تسوي جميع نزاعات العالم بفضل قدراتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية. ويركّز الباحث في هذا الفصل على القوى الصاعدة في النظام الدولي، كما يلي:
روسيا الإمبراطورية المحبطة: إنّ مقاربة مسألة الموقع الذي تحتله القارة العجوز في النظام الدولي في الوقت الحاضر لا يمكن أن تتم دون النظر إلى علاقتها بروسيا؛ بحيث تتصف العلاقات الروسية الأوروبية بالمعقدة؛ إذ يتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتعدّ روسيا اليوم أحد الشركاء الأساسيين في القضايا الأمنية الأوروبية، ولا يمكن الحديث عن الأمن الأوروبي دون التطرق إلى الدور والتأثير الروسييَن في المنظومة الأمنية الأوروبية. وهي أيضًا أكبر مورد للطاقة والشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي بوصفه أكبر مستهلك للطاقة الروسية. وترتبط دول الاتحاد الأوروبي بعلاقات تجارية مهمة مع روسيا5. إنّ روسيا تحجز لنفسها تدريجيًا مكانًا مميزًا في العالم الجديد للبلدان التي تُعرف ب "الناهضة" من خلال مشاركتها إلى جانب الصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا في تجمع جديد يُعرف ب "البريكس" BRICS، كما هي الحال في الشرق الأوسط حيث مخاطر الانزلاق ليست بقليلة، لا يخلو النشاط الدبلوماسي الروسي من مخاطر محتملة. هناك العديد من نقاط التضارب الممكنة بين المصالح الروسية والصينية؛ تقليديًا كانت وجهة الصين دومًا نحو الشرق والجنوب. كان شيء من الحذر إزاء القوة الروسية يدفعها إلى تجنّب أي مغامرة توسعية لجهة الغرب و"إعادة فتح طريق الحرير" مع التأكيد أنّ روسيا لا تنظر بعين الرضا إلى الجمهوريات السوفياتية السابقة التي تنزاح في اتجاه الصين، لكن لا بد لها من الاعتراف بأنّها لم تعد تمتلك الإمكانيات التي تخوّلها ممارسة الوصاية الحصرية عليها. إنّها تتأقلم مع هذا التأكّل في نفوذها، وتعوّضه على الأرجح بما تجنيه من فوائد اندماجها بكتلة شرقية غير تصادمية. فرص الاتحاد الأوروبي الضائعة: كان بإمكان الاتحاد الأوروبي الإفادة من نهاية الحرب الباردة والثنائية القطبية التي كانت تحاصره في الخانة الأطلسية وتحدّ من هامش تحرّكه. للمرة الأولى في التاريخ منذ فجر العصر الحديث، ليست أوروبا ساحة معركة العالم، وهي لا تشهد توتراتٍ عسكريةً داخليةً، كما كانت الحال لمدة طويلة من الزمن، امتدت من حرب المئة عام إلى الحرب العالمية الثانية. ليست المواجهة مع الكتلة السوفياتية. مع ذلك، لم تستثمر المواجهة مع الكتلة السوفياتية بل على العكس كشفت أوروبا مكامن ضعفها بعد انهيار جدار برلين. وفي هذا الصدد يذهب المفكر الواقعي جون مارشهايمر إلى أنّ مغادرة القوى العالمية وسط أوروبا في إشارة إلى انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع التزامات الولايات المتحدة الأمنية فيها، ستقود إلى تحوّل النظام في القارة الأوروبية من نظام ثنائي القطبية إلى نظام متعدد الأقطاب، فربما يقوم كلٌ من ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وإيطاليا بدور جديد في بنية النظام الدولي6. ولعل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رسميًا يعزز من هذه الفرضية. الصين بين الحذر وتأكيد الذات: كبرهان على الطبيعة المركبة لفئة "البلدان الناهضة"، تتمايز الصين في عدة مستويات؛ فهي ليست قوةً عاديةً في طريقها إلى النهوض؛ إذ تطمح إلى المرتبة "الأولى بالتساوي" مع الولايات المتحدة الأميركية في تصنيفات الاقتصاد العالمي. ويقدّر بعضهم أنّ الناتج المحلي اليوم يقارب 51 ألف مليار دولار، ومع ذلك يجب ألّ يعترف بالصين كونها تنتمي إلى نادي الكبار. وهذا أمر لا يخلو من الغرابة. أما الاستثناء الآخر فهو ذو طابع ثقافي؛ فالصين ليست أمةً تبشيريةً، لكونها ليست لها طموحات كونية، فقد بنت جزءًا كبيرًا من سياستها الخارجية، منذ أن أصبح لديها الإمكانات لكي توجد ضمن اللعبة الدولية، على مبدأ الطاوية القائم على "اللافعل." من هنا، فإنّ الطريقة الفضلى التي اختارتها لمواجهة الحوادث تكمن في السلبية والحذر والانسحاب. وهي أساليب أكثر فاعليةً ووظيفيةً من نشاط يتوزع في كل اتجاه من الصراعات الحالية الكبرى (سورية، والعراق، وفلسطين، والساحل الأفريقي، وأفغانستان) لنلحظ ثبات هذا الموقف القائم على الانسحاب والحذر، بل الصمت.
القوى الكبرى في اتجاه معاكس للتاريخ
إنّ عالم اليوم هو رهينة عملية إنهاء الاستعمار التي اتسمت بالفشل؛ فالعالم القديم لم يعرف كيف يستقبل العالم الجديد ضمن مجتمع الأمم التي يقال عنها "متحضرة." تم بناء نظام ما بعد الاستعمار على أساس وضع الدول "المتحررة" حديثًا تحت الوصاية. ذلك كان القصد من "الكومنولث" البريطاني، أو "الجماعة الفرنسية" التي أطلقها الجنرال ديغول عام 9581 وصولً إلى "فرانس أفريك" المشؤومة. لقد تناسى الجميع أنّ لهذه الدول تاريخًا خاصًا بها، وأنّه لا يمكنها الانخراط دون ضرر في المسار الغربي لبناء الدولة القومية. لا ترتبط الصراعات الجديدة كثيرًا بالتنافس بين الدول كما هي الحال في التاريخ الأوروبي. وإنما ترتبط على العكس من ذلك، بعدم
وجود دولة، وعجز المؤسسات، والتحلل البطيء للمجتمعات. راحت هذه الدينامية المنحرفة تسلك طريقها تدريجيًا في أفريقيا حيث تتالت الصراعات منذ فجر الاستقلال. لذا غالبًا ما سهّلت القوى الاستعمارية السابقة مهمة الحكام المستبدين من خلال التغاضي عن مساوئهم، بل من خلال تشجيعهم على شخصنة السلطة وتحويلها إلى حكم إمبراطوري (على غرار جمهورية أفريقيا الوسطى)، وأحيانًا شجّعت ديناميات التفتيت، كما فعلت بلجيكا في كاتانغا وفرنسا في بيافرا. كما أنّ العلاقة بين القوى الغربية والشرق الأوسط تستحق أن نتوقف عندها بعض الشيء، لكون هذه المنطقة تعاني أمراضًا مماثلةً أساسًا تلك التي تضرب أفريقيا. هنا يمكن الكلام عن "إنهاء استعمار فاشل"، حتى وإن لم تكن لأغلب بلدان الشرق الأوسط صفة "المستعمرة" بصورة رسمية. مع ذلك، بتسمية النظام الذي أُرسي ب "الانتداب" وقعت شعوب المنطقة ضحية نظام وصاية له القدر نفسه من الجور وغير ملائم لبناء مجتمعات سياسية قابلة للحياة. وتفسّ حدة المصائب التي عاناها الشرق الأوسط من خلال سلسلة من عوامل فريدة لم تكن موجودة في أي مكان آخر في العالم، وهي: في حين كانت القبضة الاستعمارية تتراخى في عدد من بلدان المنطقة، عادت إلى التشدد بسبب الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. النفط، وهو الذي فاقم الأزمات؛ إذ يوجد ثلثا الاحتياطي العالمي من النفط في الشرق الأوسط، حتى وإن كان الوضع قد تطور في السنوات الأخيرة، وذلك بفضل الصخر الزيتي وإعادة التوازن للسوق العالمية على وجه الخصوص، فباطن الأرض في منطقة الشرق الأوسط يحتوي على النفط الخام الأقل تكلفةً من حيث الاستخراج والأكثر فائدةً للاقتصادات الغربية. من هنا، فإنّ الخيارات الإستراتيجية للقوى الغربية، والصين أيضًا، محكومة بهذا العامل. التشوه الأصلي للنظم السياسية، فهذه اللعنة لم تنتج في الشرق الأوسط أنظمةً ديكتاتوريةً قائمةً على أساس مفهوم توريث السلطة فقط، وإنما فتحت الطريق كذلك أمام الإفراط في التنمية وتأييد مؤسسات المراقبة القمعية إلى أقصى الحدود، أي "أجهزة المخابرات" الشهيرة المتضخمة الحجم التي مثّلت سلطةً حكوميةً حقيقيةً قائمةً بذاتها. وانضوت هذه الأنظمة المدججة بالسلاح ضد مواطنيها طويلً إلى محاور موزعة إلى معسكرات عدة، ما غذّى لعبة التنافس والعداء الحادّ. التعبئة السياسية ذات المنحى الإسلامي، ليس فقط تلك التي تهدف إلى خدمة السلطة، وإنما تلك التي تقوم على الاعتراض الشامل على كل السلطات القائمة. وفي حال استمرت القوى الغربية في استخدام قوتها العسكرية والاقتصادية لفرض الهيمنة على الدول والمجتمعات الأخرى، فإنّها، بحسب بادي، ستصل إلى مرحلة تكون فيها غير قادرة على إدارة شؤون العالم، وستكون عاجزةً عن السيطرة على سلوك القوى "غير القانعة" في النظام الدولي، ما يدفع هذه القوى إلى إفشال مشاريع القوى الغربية أو على الأقل تقدير تعطيلها. ومن الأمثلة على ذلك عدم قدرة القوى الغربية على تحقيق انتصارات حاسمة في كلٍ من أفغانستان والعراق وسورية والعراق ومالي، ولم تستطع حسم الصراع على الرغم من تفوّقها الاقتصادي والعسكري.
فرنسا: طموحات محبطة أمام تحديات الغيرية
غداة الحرب العالمية الأولى، بدأت الأمور تأخذ منحى مختلفًا، لأنّ فرنسا خرجت منها منهكةً، وكان عليها أن تتحمل تدريجيًا الصدمات الأولى لعملية العولمة التي لم تعرف كيف تسيطر عليها حقًا، والتي تتزامن مع أولى عمليات عدم الاستقرار لإمبراطوريتها الاستعمارية. لكن الضربة الأكثر إيلامًا كانت مع الحرب العالمية الثانية. وهذا ما استشعره الجنرال ديغول الذي فهم بسرعة أنّ فرنسا المهزومة لم تعد قوةً من الصف الأول، كما أدرك أنّ هذه القطيعة حصلت في وقت تبدّل فيه مفهوم القوة بالذات. وحاول ديغول أن يتلمس هذه المتغيرات، ويحوّل هذه القوة المتهالكة إلى "عظمة" تتمظهر على الصعيد النوعي أكثر من الكمي. من هنا، فإنّ السياسة الخارجية التي انتهجها مع الجمهورية الخامسة تبرز تمامًا هذا التوجه الجديد الذي حمل عناوين رئيسة؛ كالإصرار على التباهي بالسيادة الوطنية، واعتماد سياسة خارجية مستقلة، لا سيما في مجالي الدفاع والأمن، والابتعاد عن الكتلتين بخاصة عن الأخ الأكبر الأميركي. إنّ التمركز الدولي للجمهورية الخامسة، بدءًا من عام 9561، استند إلى إستراتيجية تقوم على استعادة جزئية لمكانتها من خلال بناء سياسة نفوذ وتعاون مع الجنوب، والسعي لاحتلال موقع "الزعامة" الدبلوماسية لأوروبا التي هي في طور التشكّل. كان بإمكان أوروبا الصغيرة هذه أن تمثّل قاعدةً ل "الزعامة" الفرنسية. ومن دون شك، قام توسّع الاتحاد الأوروبي بدور المسرّع في فقدان الهوية الدولية. وشهد عام 0042 دخول بلدان جديدة إلى الاتحاد، معظمها من الديمقراطيات الشعبية القديمة. لم يستوعب هؤلاء الأعضاء الجدد فكرة "الزعامة" الدبلوماسية الفرنسية. عندها، انتقلنا بهدوء، من دون إضفاء أي طابع رسمي، من أوروبا تهيمن عليها فرنسا
دبلوماسيًا، إلى فرنسا المتراجعة إلى وضعية عضو عادي. هكذا بدأنا نشهد تعثّ باريس في مبادراتها الدبلوماسية مع انطلاق محادثات بروكسل. كما أنّ التحول الهادئ في دور فرنسا وتراجعه تمثّل بالتطور الذي شهده الطاقم الدبلوماسي الفرنسي؛ فحتى هذا التاريخ، كانت وزارة الخارجية الفرنسية تقودها نخبة منبثقة مباشرةً، إما من حقبة الحرب العالمية الثانية، بالنسبة إلى الطاقم الأكبر سنًا، وإما تلك النخبة التي تم إدماجها في سياق السياسة الخارجية ذات التوجه الديغولي، بالنسبة إلى من هم أكثر شبابًا؛ فما إن بدأ هؤلاء الموظفون يغادرون الكي دورسيه، حتى حل على رأس الدوائر الأساسية في وزارة الخارجية جيل جديد من الدبلوماسيين ليس من الذين لم يعايشوا تجربة الحرب فحسب، وإنما لم يكونوا أيضًا متآلفين مع المفاهيم والتفاعلات التي رسخت الحقبة الديغولية. إننا أمام تكوين ذهني جديد متأثر بطغيان النموذج الأميركي أكثر من تأثّره بالماضي الديغولي والسيادي لفرنسا. لذا بدأت ترتسم طلائع تيار محافظين جدد على الطريقة الفرنسية. لم يكن مرتكزه الأساسي بالتأكيد وزارة الخارجية، لكنه أثّر بقوة في تحرّك فرنسا في العالم. وشملت هذه الظاهرة أجواء المفكرين وفرضت نفسها سريعًا بوصفها نقطة تحوّل لدى من كانوا يُعرفون في ما مضى باسم "الفلاسفة الجدد"؛ وأبرز هؤلاء إعلاميًا برنار هنري ليفي الذي استطاع سريعًا في الواقع أن يقوم بدور وزير خارجية نيكولا ساركوزي عن طريق حثّه على التدخل العسكري في ليبيا. سعى هذا التيار الذي يمثله برنار ليفي لتمرير رسالة جديدة مفادها أنّ الولايات المتحدة الأميركية ليست تلك "القوة المهيمنة" التي يجب محاربتها، أو على الأقل العمل على احتوائها، وأصبح الدفاع عن إسرائيل أولويةً وضعت مسألة دعم القضية الفلسطينية التي غالبًا ما تم تجاهلها، في آخر سلم الاهتمامات. بصورة أعم، أصبحت الإشارة إلى النموذج الغربي، بل إلى الهوية الغربية، منطلق سياسة خارجية جديدة: ليس لأنّ الغيرية لا يحسب لها حساب، بل يجب إعادة تموضع الآخر، من خلال إخضاعه إلى نموذج معولم يعدّ متفوقًا على النماذج الأخرى. وقد سلكت هذه المقولة الخطيرة طريقها رافعةً شعار: "إنهم يهاجموننا لأننا الأفضل."
خاتمة
يرى بادي في ختام الكتاب أنّ العالم قد تغيّ. وفي مواجهة التقلبات والتحولات، تقوم ردة الفعل الأكثر شيوعًا على الإنكار؛ فالتعامي عن الواقع هو الطريقة المريحة للتعامل مع المخاوف والشكوك، وإعطاء أنفسنا راحة قصيرة، وإنما مكلفة. يحنّ بعضهم إلى الحرب الباردة. ويتكل آخرون على انتفاضة يقوم بها "الزعيم" الأميركي. بينما يتمسك العديد بشدة بفكرة الغرب الذي من المفترض أن يجسّد كرامة العالم. بحسب بادي، يحتاج العالم اليوم إلى قبول الآخر المختلف ثقافيًا ومعرفيًا واجتماعيًا، وذلك السبيل لإحداث تغيرات جوهرية في بنية النظام الدولي. ويقود هذا القبول بالضرورة إلى إعادة تفكيك مفاهيم عديدة تنتمي إلى الحقبة الوستفالية التي أسست نظامًا دوليًا يسيطر عليه نادٍ أوليغارشي؛ "نادي الكبار"، ومنها مفاهيم السيادة وتوازن القوى والدولة - الأمة، والحاجة إلى إعادة تعريفها في ظل العولمة. وهذا يتطلب زيادة إسهام جميع الدول في النظام الدولي من خلال تفعيل دورها في إيجاد حلول اجتماعية للأزمات ذات الطابع الدولي التي تنتج عادةً من التفكك الاجتماعي والمؤسساتي أكثر من الصراع القائم على تعظيم القوة، بحيث تعجز الأدوات العسكرية الكلاسيكية عن التأثير في مساراته.
المراجع
العربية
أبو خزام، إبراهيم. الحروب وتوازن القوى: دراسة شاملة لنظرية توازن القوى وعلاقتها الجدلية بالحرب والسلام. عمان: الأهلية للنشر والتوزيع،.1999 بشارة، عزمي. "صعود اليمين واستيراد صراع الحضارات إلى الداخل: حينما تنجب الديمقراطية نقائض الليبرالية." سياسات عربية. العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2016 حسين، أحمد قاسم. "العلاقات الأوروبية الروسية في مجال الطاقة: ضغوط التعاون وصراع المصالح." سياسات عربية. العدد 23 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2016 عمر عبد العزيز، جمال عمر. صور من تاريخ العلاقات الدولية في العصر الحديث. الإسكندرية، دار المعرفة الجامعية،.2004
الأجنبية
Mearsheimer, J. "Back to the Future: Instability in Europe after the Cold War." International Security. vol. 15, no. 4 (1990).