حروب إيران: ألاعيب المخابرات، والصراعات على المصارف، والمقايضات السرية التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط
the Middle East عنوان الكتاب: حروب إيران المؤلف: جاي سولومون Jay Solomon سنة النشر: 2016 الناشر: راندوم هاوس Random House عدد الصفحات: 633 صفحة
The Iran Wars: Spy Games, Bank Battles, and the Secret Deals That Reshaped the Middle East
The Iran Wars: Spy Games, Bank Battles, and the Secret Deals That Reshaped عنوان الكتاب في لغته:
من خلال عنوان مثير، يقدّم لنا صحافي أميركي مخضرم عدّة دروس في الكتابة السياسية، من بابٍ يستهجنه الأكاديميون في أغلب الأحيان، وهو متمثّل في التغطية المباشرة التي لا تترافق مع استشهادات ومصادر ومراجع معتمَدة، من دون أن يكون ذلك انتقاصًا من أهميتها. والواقع أنّ قراءة كتاب حروب إيران تجعل القارئ الذي ينطلق من أحكام مسبقة يغيّ رأيه. فسرعان ما يكتشف أنّ صاحب الكتاب يتعامل باحترام كبير مع المادة التي يتناولها، واضعًا فاصلً نقديًا دائمًا بينه وبينها. فهو يشتغل كأيّ باحث جامعي رصين مع فارق لوجستي، إنْ صحّ التعبير، يعود إلى أنّه يقف في الميدان ويتابع انطلاقًا منه رسم المشهد السياسي، علمً أنّ هذا الرسم يأتي في شكل ترسيم سياسي متردِّد وطويل لا يُفصح عن مجمل الصورة سوى بعد عدّة فصول. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ جاي سولومون هو كبير المراسلين الخارجيين في صحيفة وال ستريت جورنال The Wall Street Journal الأميركية، وإلى أنّه قد غطّى على مدى أربع سنوات متتالية مجريات المفاوضات حول الاتفاق النووي بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة أخرى. وفي هذه المراجعة، سنتابع الجانب الفنّي من الكتاب؛ بالنظر إلى ما فيه من مكامن قوّةٍ تفيد المؤلفين، مع ترْك متابعة الجانب السياسي منه لغيرنا.
بناء الموضوع
ينطلق المؤلف من ملاحظة سوسيو-سياسية تفيد أنّه ما من قوة غربية عظمى، حتى اليوم، قامت بما قامت به الولايات المتحدة في مواجهتها للجمهورية الاسلامية الإيرانية؛ إذ لجأت إلى عدّة إجراءات واسعة ومتناسقة ضمّت أعمال التجسّس والمعارك المصرفية، وشلّ حركة المواصلات وتطويق شركات التأمين، وصولً إلى السلاح الأمضى المتمثّل في تجفيف الصادرات النفطية الإيرانية. ثم يعود المؤلف، على مدى أحد عشر فصلً، إلى تحليل المعطيات التي جمعها، معطى إثر معطى، في كل ميدان من الميادين التي يستكشفها، إذ تنكشف بالتدريج الصورة أمام القارئ. غير أنّ "أقوى" ما في أسلوب المؤلف يقوم على اعتماده بوصلةً تفسيريةً واحدةً، في وقت ينتهج فيه عدّة مسالك مختلفة. فهو يأخذنا إلى الحقل السياسي عندما يتكلّم عن "محور المقاومة" في الفصل الرابع. ثمّ ينتقل بنا إلى الحقل الفيزيائي عندما يثير مسألة مراكز الأبحاث النووية في الفصل الخامس. وبعد ذلك، نذهب إلى حقل المعاملات البنكية ودهاليزها في الفصل السادس، لنعود في الفصل الذي يليه إلى مصائر النفط الإيراني وتعثراته. ثمّ إنّه يسلك مجددًا الحقل السياسي مع تجارب الربيع العربي ذات الصلة، في الفصل التاسع، قبل أن يعود ويسلك دروبًا نغوص خلالها في الحقل الديبلوماسي، مع مفاوضات فيينا، في الفصل العاشر. وعبْ جميع هذه المسالك المتشابكة والمتنوّعة، يبقى المؤلف مشدودًا إلى هدف معرفي واحد؛ هو فهم المعنى الإستراتيجي الأبعد لحروب إيران، وهي حروب تُبيِّ له أنها حروب على إيران بقدر ما هي حروب لإيران. وهذا الأسلوب التركيبي الذي يعتمده سولومون في بناء موضوعه، وبناء تحليله، هو الأسلوب نفسه الذي يعتمده المؤلفون الجامعيون عندما يقومون بمقاربة متعدِّدة الاختصاصات.
تقنية جمع المعلومات
يعتمد المؤلف في تعامله مع الموضوع على تقنية تُسمّى التقرير المعمَّق reporting In-depth، وهي تقنية تقوم على التعمّق في التحقيق الصحافي الذي يغدو بعد ذلك بمنزلة تحقيق بحثي؛ بالنظر إلى عودته، مرّات عديدةً، إلى الموضوع - من جوانب كثيرة ومن زوايا مختلفة - حتى يتبيّ فيه الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وتُوائِم هذه التقنية في منهجها المقابلة المعمَّقة interview In-depth التي يعتمدها علماء الاجتماع في البحث السوسيولوجي، ذلك أنّهم كثيرًا ما يعودون إلى مقابلة صاحب التجربة حتى إشباع الموضوع حقّه، وحتى تكوين الصورة العميقة للظاهرة المدروسة؛ أي حتى بلوغ معنى الظاهرة. ومن ثمّ، فإنّ سولومون (الصحافي) يبحث عن معنى الموقف السياسي، في حين يبحث عالم الاجتماع عن معنى الظاهرة الاجتماعية. بيد أنّها يلتقيان منهجيًا من حيث لا يدريان. فمن خلال الاعتماد على هذه التقنية، يتمكّن المؤلف، من كشْف ارتباط عدم تدخّل الولايات المتحدة الأميركية في سورية لحرصها على عدم إفشال مفاوضاتها مع إيران في الملف النووي، على الرغم من تجاوز النظام السوري الخطوط الحمراء التي كان قد وضعها الرئيس أوباما نفسُه في هذا الصدد؛ إذ إنّ التحقيقات التي قادها سولومون مع الوزير كيري، على مدى عدّة سنوات، على غرار التحقيقات التي كان يجريها مع أعضاء فريق العمل لوزير الخارجية الأميركية، أوصلته إلى كشف الحقيقة التي كانت تقف عليها مواقف واشنطن السياسية على المستوى الإستراتيجي. وكذلك الحال بالنسبة إلى المواقف المتشدِّدة للقوى الأوروبية المشاركة في المفاوضات، وبخاصة الموقف الفرنسي الذي لم يأخذه
الوزير الأميركي في الحسبان السياسي من الناحية الإستراتيجية. فقد كان مساعدو الوزير كيري يردّدون أنّ الفرنسيين سيكونون أول الأطراف المتوجهة إلى طهران لإبرام صفقات اقتصادية ما إن يتمّ التوصل إلى اتفاق نووي.
ذلك يعني أنّ الصحافي لم يكتفِ باستنطاق صاحب العلاقة المباشرة (الوزير)، فهو قد كان حريصًا أيضًا على سبْ آراء المستشارين السياسيين المشاركين في صنع مواقف المسؤول، وهو ما يدلّ على مهنيّة سولومون العالية، وعلى حسٍّ علمي سوسيولوجي جعله لا يهمل المصادر الثانوية للمعرفة، عند صغار الأعوان؛ ذلك أنّ كل المعرفة الموضوعية لا تقوم على ما يصرَّح به بعضهم في البنية الفوقية فحسب، بل تقوم أيضًا، وأساسًا، على ما يُنسج في البنية التحتية ويدور فيها.
بين الاستقصائي والسردي
إنّ ميزة الأسلوب الصحافي الذي يعتمده سولومون في كتابه هي ثنائيّته التي تمنحه قسطًا كبيرًا من التشويق. ولا يتفق هذا التقليد الصحافي مع التقليد البحثي الأكاديمي النابذ للسرد في عموم أعماله. غير أنّه لا يسعنا سوى الإقرار بأنّ هذا الأسلوب مربحٌ في نهاية المطاف. فعندما يتابع المؤلف "حرب الريال"، في الفصل السادس، فإنّه لا يكتفي بالتعليق الفوقي على أزمة العملة الأجنبية في إيران وما تسببت به من مشكلات اجتماعية، بل إنّه يذهب إلى وقائع ميدانية عديدة في جميع أنحاء البلاد (إغلاق عدّة مصانع، والعجز عن تأمين مواد أولية، وصرف العديد من العمال والموظفين... إلخ)، وهي وقائع مستقاة من سِيَ نقلتها مصادر محلّية أو نقَلها مراسلون أجانب، أو هي مشاهدات عينيّة، ساهمت كلّها في سرد الانعكاسات والتحقيق في أسبابها الحقيقية. إنّ الأمر الذي ساهم في دفْع النظام الإيراني إلى القبول بالتفاوض في مشروعه النووي، بحسب المؤلف، هو أنّ تحقيق هذا المشروع كان يشكّل، استنادًا إلى ما كان يكرره الإيرانيون، حلمهم الأكبر الذي يُشبه حلم الهبوط الأميركي على سطح القمر في السبعينات من القرن الماضي. وفي هذا السياق، لا بدّ من الإقرار أنّ هذا الأسلوب ال درري/ الاستقصائي يجعل المادة الفكرية المنقولة مادةً حيّةً. فإذا كان الأكاديمي يقدّم للقارئ مادةً جافةً، بعيدةً عنه نسبيًّا، في شكل وجبة غذائية باردة، فإنّ الصحافي يقوم بتقديم مادة حيّة لقرّائه، مُخاطبًا فيها عقولهم ومشاعرهم على حدّ سواء. ما أريد أن أتوصّل إليه هو أنّ المادة السردية/ الاستقصائية لا تقلّ أهميةً علميةً عن أيّ مادة بحثية أكاديمية معروفة، إذ يقترب صاحبها (الصحافي) من أن يكون عالم أنثروبولوجيا وسوسيولوجيا في آنٍ واحدٍ، من دون أن يُخضع نفسه لقواعد البحث السوسيولوجي أو الأنثروبولوجي.
المصادر المعتمدة
يلجأ سولومون في عملية التوثيق، ضمن قاعدة التوثيق المتعارف عليها، إلى مصادر أوّلية (ما قاله رسميًا الوزير الإيراني محمد جواد ظريف، أو الوزير الأميركي جون كيري)، سواء كانت هذه المصادر له أو لصحافيين آخرين مثله. بيد أنّه يلجأ أيضًا إلى مقابلات مباشرة قام بها هو شخصيًا مع الرئيس السوري، ومع القيادي خالد مشعل، على أنّه ليس ثمّة من لبسٍ في الأسئلة، أو في المادة التي تمّ جمعها؛ ذلك أنّه يُجري مقابلاته بأسئلة واضحة، باحثًا عن إجابات واضحة أيضًا. غير أنّه يُقرّ في النهاية بأنّ الأجوبة التي جناها كانت أيديولوجيةً محضةً، وأنّها كانت بعيدةً عن تطبيقاتها الواقعية. وعندما لا تتوافر لديه مصادر أولية في موضوع شائك، كموضوع الطائفية في العراق، فإنّه يمتنع عن التعليق، متحفظًا عن مقولات شائعة لا تفيد التحليل الموضوعي؛ كمقولة الهلال الشيعي، أو سواها من المقولات حول الأكراد. وفي المقابل، يذكر المؤلف الطموحات الإستراتيجية الإيرانية الكبيرة التي أطلق الاجتياح الأميركي لها العنان، مشيرًا إلى أخطاء إستراتيجية أميركية من "العيار الثقيل" كانت قد بنَتها إدارة الرئيس بوش، انطلاقًا من كتيّب تحليل إستراتيجي جَزَم في حينه أنّ "كسْ ظهر" نظام البعث في العراق سيؤدي إلى تركيع إيران سياسيًا، وهو ما يعني، بحسب سولومون، أنّ الولايات المتحدة هي – موضوعيًا - شريك فاعل في ظهور ما يُعرف أميركيًا ب "حروب إيران."
احترام ذكاء القارئ
لا يعتمد المؤلف بتاتًا على لغة الجزم الفوقية، ولا على لغة الإيحاء "الخبيثة"، بل إنّه يبقى دائمًا ضمن لغة السرد والتحقيق. وتُولِّد هذه اللغة نوعًا من الحيرة بين المؤلف والقارئ. فالمؤلف يسرد طورًا، فيثير فضول القارئ مع مسحةٍ من الحذر. وهو طورًا آخر يستقصي ويتحقَّق، فيرتاح القارئ الذي يجد أنّ الأفكار التي قُدّمت له غير قابلة للتشكيك؛ لكونها مرّت بمصفاة المساءَلة. إنّ المؤلف يحترم ذكاء القارئ، وهذا ما ينعكس إيجابيًّا على مقاربة القارئ للكتاب. وينتج من العملية عَقْد صدقيّة رمزيّة بين الطرفين، على نحوٍ مُريح لكلّ منهما. فعند تناول المؤلف الحصار المالي الذي فرضته الإدارة الأميركية على إيران، يكشف عن أمرين؛ أحدهما يتعلق بفيضٍ من البنوك الغربية (الأميركية والبريطانية والسويسرية والفرنسية واللكسمبورجية) التي كانت تُغطّي تهرّب البنوك الإيرانية من رقابة وزارة الخزينة الأميركية، بالتعاون مع مصرف صغير في دبي، وهو أمرٌ يشير إلى اختراقٍ كبير وعميق للمنظومة المصرفية الغربية التي كان يعمل جزء منها - لا يُستهان به - لمصلحة إيران، في عقر دار البلدان الغربية، لا في جزر الكاريبي فحسب. أمّا الأمر الثاني الذي يكشفه سولومون، فهو دهشة المسؤولين الماليين والسياسيين في واشنطن؛ ذلك أنّه قد تبيّ لهم، من خلال هذا الاختراق المديد، مدى مهارة اللاعب الإيراني في "لعبة الشطرنج." وقد لامست هذه الدهشة أحيانًا حدود الإعجاب الفنّي بالقدرات الإيرانية، مع تحفّظ تامٍّ عن مشروعها السياسي بطبيعة الحال. كلّ ذلك يكشفه لنا هذا الكتاب الذي لا يُشعر القارئ بالملل في أيّ فصل من فصوله، بل إنّه - على العكس من ذلك - يشدّ القارئ فصلً بعد فصل إلى الخاتمة، حيث يستخلص فيها المؤلف أهمّ ما توصَّل إليه في معنى حروب إيران الراهنة، قائلً في السطر الأخير منها على نحو مريب: "قد تكون حروب إيران على وشك الدخول في فصل جديد من فصولها." ولا شكّ في أنّ المستقبل القريب هو وحده الكفيل بتأكيد هذا الاستنتاج المُقلق أو نفيه.