سياسة قطر الخارجية: النخبة في مواجهة الجغرافيا

Marwan Kabalan مروان قبلان |

الملخّص

تمثل السياسة الخارجية لدولة قطر وعلاقاتها الإقليمية والدولية تحديا كبيرًا للنظريات الرئيسة في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية، التي تؤكد في غالبها الدور المركزي للعوامل البنيوية، خاصة معطى القدرات والإمكانات النسبية التي تتمتع بها الدولة في مقابل الدول الأخرى في نظامها الإقليمي والدولي. تتناول هذه الدراسة العلاقة بين القيود والمحددات البنيوية Structures، وفي القلب منها الجغرافيا، في تحديد سياسة قطر الخارجية وإستراتيجيات النخبة Strategies للتخفيف منها. وتخلص الدراسة إلى أن الإستراتيجيات التي استخدمتها النخبة القطرية منذ عام 1995، خاصة خ لاا فترة الربيع العربي القصير (2011 - 2013) قد حدّت كثيرًا من تأثير القيود والعوامل البنيوية. ومن جهة أخرى، يتبين أن الجغرافيا وبنية النظام الإقليمي والقدرات النسبية، الصلبة خاصة Hard Power، التي تتمتع بها الدولة تبقى أساسية في استدامة القدرة على القيام بالدور أو استمرار الفاعلية، خاصة في منطقة ما زال يسيطر على تفكير نخبها "الريال بولتيك". Realpolitik كلمات مفتاحية: سياسة قطر الخارجية، الأزمة الخليجية، النخبة. Qatari foreign policy presents a challenge for students of international relations. Whereas major theories within the field tend to privilege structural factors in explaining the action of states, and particularly small states, in the case of Qatar, the quality of leadership and the strategies that leadership employs to navigate through the structural constraints—primarily geography—are equally important. One of the main findings of this paper is that the strategies adopted by the Qatari elite since 1995 did alleviate many of the structural constraints which the country would otherwise have faced. Moreover, during the short-lived Arab Spring of 2011-2013, Qatar tried to reshape the political landscape in the Middle East to its favor, challenging the two regional hegemons Saudi Arabia and Iran, in Egypt and Syria respectively. Yet, the paper concludes, geopolitical factors and the relative capabilities of states remain instrumental in assuring a state’s sustained capacity to continue playing a key role. This is particularly true in a region where elite thinking continues to be defined by realpolitik. Keywords: Qatar Foreign Policy, the Gulf Crisis, Elite.

Elite v. Geography: Actors, Structures and Qatar Foreign policy

مقدمة

تستأثر دولة قطر، وسياساتها الخارجية، وعلاقاتها الإقليمية باهتمام كبير في وسائل الإعلام العربية والعالمية على السواء، ويجري تناول الدور القطري عادةً في أزمات المنطقة والإقليم بالنقد تارةً والإطراء تارةً أخرى، اعتمادًا على موقف الشخص من القضية التي يتناولها ودور قطر فيها. أما على المستوى الأكاديمي فيدور نقاش أعمق بكثير حول دور قطر الإقليمي وسياساتها الخارجية، يتجاوز التحيزات السياسية والمواقف الأيديولوجية والكتابات الإعلامية. هنا تمثّل قطر حالة قائمة بذاتها تغري بالبحث والدراسة، نظرًا إلى ما تمثله من تحدٍ لأبرز مقولات نظرية السياسة الدولية وقدراتها التفسيرية للعلاقات بين الدول وسياساتها الخارجية. فنظريات السياسة الدولية (الواقعية تحديدًا بنسخها المختلفة) تنطلق من فكرة أساسية مفادها أنّ النظام الدولي هو نظام القوى الكبرى، وأن الدول الصغيرة غير مهمة، لا في وجودها ولا في سياساتها الخارجية، لأنها تخضع بالمطلق لقوى النظام ومعادلات القوة التي تسود فيه1، وأن هذه الدول حتى تتمكن من الحفاظ على بقائها في بيئة عامة سمتها الفوضى، ويحكمها مبدأ المصلحة والاعتماد على الذات Self-Help، تعمد بالضرورة إلى طريقين لا ثالث لهما: إمّا الانضواء تحت جناح قوة كبرى، في إطار علاقة تبعية Bandwagoning لحماية نفسها من قوى أخرى تمثّل تهديدًا لها في منطقتها، وإما الدخول في تحالفات مع 2قوى أخرى لمواجهة تهديدات قوة أكبر منها.Balancing وفي الحقيقة، فعلت قطر الأمرين معًا في الفترة 1971 - 0112، عندما دخلت في علاقة تبعية مع السعودية لحماية نفسها من إيران، خاصة بعد سقوط نظام الشاه، ثم عندما دخلت في علاقة حمائية مع الولايات المتحدة الأميركية بتوقيعها اتفاقية دفاعية عام 9921، واستضافتها قوات أميركية في قاعدة العديد بعد عام 0022، لتأمين نفسها من تهديدات السعودية وضغوطاتها، ثم عندما تحولت لتصبح "عضوًا غير رسمي" في تحالف "محور المقاومة" في الفترة 2006 - 0112 لموازنة الضغط السعودي أيضًا الذي اشتد عليها بعد الغزو الأميركي للعراق عام.2003 خلال العقدين الأخيرين، ظلت قطر تستأثر باهتمام إعلامي كثيف نظرًا إلى فاعلية سياساتها الخارجية ودورها الإقليمي الكبير الذي لا يتلاءم مع حجمها. لكنها بقيت مع ذلك تعمل ضمن الأطر والهوامش المعروفة في السياسات الخارجية للدول الصغيرة؛ الالتحاق أو التوازن or Balancing Bandwagoning3. ظهر التحدي الحقيقي الذي مثلته قطر لدارسي العلاقات الدولية مع الربيع العربي، عندما فاجأت الحكومة القطرية بسلوكها المراقبين وتحدّت بسياساتها أهم المنظرين في حقل العلاقات الدولية والسياسة الخارجية في قدرتهم على تفسير سلوك الدول الصغيرة في أوقات الأزمات؛ إذ في حين تنحو الدول الصغيرة، خاصة في فترات الاضطراب وعدم اليقين Uncertainty، إلى تفادي أي أدوار أو سياسات تخلّ بالوضع القائم مغبّة انعكاس ذلك على أمنها ووجودها، كانت قطر تذهب في الاتجاه المعاكس تمامًا، وتتصدى للقيام بدور قيادي، محاولةً تعظيم مكاسبها ونفوذها إلى أقصى مدى، عبر الدفع بموجة التغيير التي اجتاحت المنطقة، وتشجيع التحول الديمقراطي، على الرغم من أن قطر نفسها لا تنتمي إلى النادي الديمقراطي. أدى هذا الموقف إلى تعقد علاقات قطر بجاريها الكبيرين في نظامها الإقليمي، فدخلت في مواجهة مع المملكة العربية السعودية نتيجة دعمها ثورة يناير 0112 في مصر ضد نظام الرئيس حسني مبارك، ودخلت في مواجهة مع إيران نتيجة وقوفها إلى جانب المعارضة السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد، جرى ذلك في وقت كانت الولايات المتحدة تنكفئ فيه عن المنطقة وتبدي درجة أقل من الالتزام بأمن أنظمة حلفائها، مع تغير أولوياتها ومصالحها في المنطقة. بعبارة أخرى، دخلت قطر في علاقة معقدة مع أكبر دولتين مجاورتين لها في إقليمها وهما إيران والسعودية في وقت لم يكن لديها ما يكفي من ضمانات حماية من الولايات المتحدة. في هذه المرحلة بدت قطر كأنها تخلّت في الآن نفسه عن الإستراتيجيات التي طالما استخدمتها للحفاظ على بقائها واستقلالها، الالتحاق والتوازن، وتبنت إستراتيجية هجومية في محاولة لبناء نظام إقليمي جديد، تتبوأ فيه مكانًا قياديًا، ويتعارض مع إرادة القوى الكبرى الأخرى في الإقليم ومصالحها. مثلت الفترة بين عامي 0110132 و 2 ذروة النشاط السياسي القطري كما مثّلت ذروة التحدي للأطر النظرية في تفسير سياستها الخارجية؛ بحيث رفضت قطر الوقوف في ظل حلفائها، طلبًا لحماية لم تجد نفسها في حاجة إليها في ظل فورة الشارع العربي الذي مثلت انتفاضته فرصة حاولت قطر الاستفادة منها لتغيير الوضع السياسي العربي القائم منذ عقود Quo Status. كما رفضت القبول بوصاية خصومها مقابل امتناعهم عن تهديدها، إذ باتت تعتقد أنها من يملك اليد العليا في صراع كبير على امتداد المنطقة بين إرادة التغيير وإرادة الجمود. وبناءً عليه، اتبعت قطر سياسة خارجية مستقلة فاعلة ونشطة إقليميًا ودوليًا إلى درجة التدخل عسكريًا في ليبيا، وتقديم كل أشكال الدعم لفصائل المعارضة في سورية، وتقديم الدعم السياسي والمالي لنظام الرئيس محمد مرسي في مصر. خلال هذه الفترة لم تقرر قطر دعم التحول الديمقراطي في العالم العربي فحسب بل هيمنت

  1. Kenneth Waltz, “Reductionist and Systemic Theories,” in: Robert. O. Keohane (ed.), Neorealism and its Critics (New York: Columbia University Press, 1986), p. 63; Kenneth Waltz, Theory of International Politics (Boston: Addison-Wesley Publishing Company, 1979).
  2. Stephen Walt, The Origins of Alliances (London: Cornell University Press, 1990).
  3. Stephen Walt, “Alliance Formation and the Balance of World Power,” International Security , vol. 9, no. 4 (1985), pp. 3 - 43.

على الخطاب السياسي العربي المعارض في دول الثورات، وقامت بدور رئيس في تحديد خياراته، متحولةً بذلك إلى فاعل رئيس في ساحات مركزية في العالم العربي، من سورية إلى مصر وليبيا، فضلً عن ساحة الصراع العربي - الإسرائيلي. لقد استغلت قطر حالة الخوف والانكفاء التي عاشتها نظم الحكم العربية التقليدية للمضي في القيام بدور أساسي على الساحة الإقليمية من دون الاهتمام بردود أفعال أنظمة كانت في حالة دفاع عن النفس، وتناضل من أجل بقائها. لقد تحدت قطر بهذا السلوك أكثر فرضيات نظريات العلاقات الدولية والسياسة الخارجية قبولً، وعلى رأسها إذعان القوى الصغرى للقوى الأكبر مقابل الحماية، أو الدخول في تحالفات تساعدها على البقاء والحفاظ على استقلالها. كما تحدّت الفرضية السائدة المتمثلة بأنّ الغنى المادي يدفع الدول، خاصة الصغيرة، بعيدًا عن تبني سياسات خارجية نشطة، وأنّ دور النخب الحاكمة يتضاءل في صنع السياسات الخارجية للدول الصغيرة، في مقابل تعاظم دور العوامل النظامية الإقليمية والدولية والقيود التي تفرضها. ذهبت قطر خلال الربيع العربي إلى تبني سياسة هجومية سعيًا وراء أهداف بدت غير ممكنة، وغير منطقية لدولة صغيرة في حجمها. ومن خلال الاستفادة من قوتها الناعمة (الإعلام، والمال)، قامت باستغلال فرصة انتفاض المجتمعات العربية ضد نظم حكمها الاستبدادية للمساعدة في إعادة بناء نظام إقليمي عربي تتبوأ فيه دورًا مركزيًا من جهة، ويمكنها من جهة أخرى من مواجهة معضلتها الأمنية تجاه جاريها الكبيرين: السعودية عبر المساهمة في قيام نظام صديق لقطر في مصر؛ وإيران من خلال دعم قيام نظام حليف لقطر في سورية. لقد سعت قطر خلال هذه المرحلة إلى القيام بدور المهندس في نظام إقليمي قيد التشكل على أنقاض نظام قديم بدا أنه يتحلل وينهار، وهذا الدور (منظم الموازين الإقليمية) لا نجد له مثيلً في تاريخ العلاقات الدولية والدبلوماسية لدولةٍ في موقع قطر ومواصفاتها4. تتناول هذه الدراسة دور قطر وسياساتها الخارجية وتحاول إبراز الإستراتيجيات التي اتبعتها النخبة الحاكمة القطرية خلال العقدين الأخيرين للتعامل مع التحديات البنيوية التي واجهتها، والتوصل إلى تحقيق أعلى درجة من الاستقلالية في سياستها الخارجية في بيئة إقليمية لا تسمح بهوامش حركة كبيرة. ومن خلال ذلك نحاول اختبار أبرز مقولات نظرية العلاقات الدولية والسياسة الخارجية في تفسير علاقة الفاعل بالبنية، ودور الإستراتيجيات التي تستخدمها النخبة والمهارات التي تمتلكها في تخفيف قيود البيئة والجغرافيا وتطويعها لتحقيق أهدافها.

أولا: المقاربات النظرية في شرح السياسة الخارجية: جدل الفاعل والبنية

السياسة الخارجية لبلدٍ ما هي حاصل التفاعل بين مجموعة من العوامل والبنى الداخلية والخارجية التي ينتج منها مجموعة من الخيارات والسياسات والقرارات التي يتخذها صانع القرار، وتتسم بالعقلانية، وتهدف في حدها الأدنى إلى ضمان بقاء الدولة والحفاظ على استقلالها، في حين تسعى في حدها الأعلى إلى الهيمنة في إطار نظام إقليمي أو دولي معين. ويتوقف تحقيق أهداف الدولة بين هذين الحدين على الإمكانات والقدرات النسبية المتوافرة لها في مقابل الفاعلين الآخرين في نظامها الإقليمي، لكن أيضًا على الإستراتيجيات والسياسات والمهارات التي يمتلكها صانع القرار والظروف والسياقات الداخلية والخارجية التي تمكنه من استثمارها لتحقيق الأهداف التي يتوخاها. وفي أي معطى مكاني أو زماني معين، يحاول صانع القرار أن يختار بديلً أو سياسة من بين مجموعة بدائل أو سياسات مع الأخذ في الحسبان البيئة المحيطة بأبعادها المختلفة؛ سياسية كانت أو عسكرية، أو اجتماعية أو اقتصادية، داخلية أو إقليمية أو دولية، تكنولوجية أو بيئية أو جغرافية. وتعدّ دراسة السياسة الخارجية بوصفها حقلً من حقول المعرفة فرعًا حديثًا نسبيًا في العلوم السياسية، ظهر في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أي في الفترة نفسها التي تصدرت فيها آراء هانز مارغنثاو الواقعية نظرية العلاقات الدولية بنسختها الكلاسيكية التي كان لها أكبر الأثر في الفكر السياسي الأميركي في أثناء فترة الحرب الباردة، وحاول من خلالها تقديم تفسير شامل للسلوك الخارجي للدولة رابطًا مفهوم القوة بالمصلحة القومية Power and Interest مؤكدًا دور البيئة الخارجية في تحديد خيارات الدولة وفق العلاقة التي تربطها بالفاعلين الآخرين في نظامها الإقليمي والدولي، ومقدار القوة التي تملكها مقارنةً بهم5. خلال الفترة نفسها تقريبًا، ظهرت المدرسة السلوكية التي حاولت أن تعطي العلوم الاجتماعية بعدًا علميًا أكبر من خلال تقليد المناهج

  1. على الرغم من وجود عدد من الدراسات التي تتناول السياسة الخارجية للدول الصغرى، فلا يطرح أي منها تحديًا بمستوى التحدي الذي تقدمه قطر، انظر على سبيل المثال: Miriam Fendius Elman, “The Foreign Policies of Small States: Challenging Neorealism in its Own Backyard,” British Journal of Political Science , vol. 25, no. 2 (April 1995), pp. 171-217; Peter R. Baehr, “Small States: A Tool for Analysis?” World Politics , no. 3 (1975), pp. 456-466; Robert O. Keohane, “Lilliputians' Dilemmas: Small States in International Politics,” International Organization , no. 23 (1969), pp. 291-310; Robert L. Rothstein, Alliances and Small Powers (New York: Columbia University Press, 1968); Annette Baker Fox, “The Small States in the International System, 1919-1969,”
  2. International Journal , no. 24 (1969), pp. 751-764; Eric J. Labs, “Do Weak States Bandwagon?” Security Studies , no. 1 (1992), pp. 383 - 416. 5  Hans Morgenthau, Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace , 6 th ed. (New York: Knopf, 1985).

التجريبية المستخدمة في العلوم الطبيعية، ما يسمح بالانتقال من دراسة حالات خاصة في السياسة العامة (ومنها السياسة الخارجية) إلى اختبار فرضيات بعينها، يصبح ممكنًا معها تطوير تعميمات نظرية من خلال عمل تراكمي واستنتاجات. رأت المدرسة السلوكية أن الدولة مهما كانت ذات طبيعة مؤسساتية، إذا تغيرت نخبتها فإن ذلك يؤدي في أغلب الأحيان إلى تغيير في سياساتها، إذ لكل نخبة فلسفتها ورؤيتها. لكن كان هناك دائمًا خلاف على مقدار الدور الذي تؤديه النخبة في تحديد خيارات الدولة وسياساتها الخارجية6.

وبناءً عليه، يمكن تمييز مدرستين رئيستين في دراسة السياسة الخارجية هما المدرسة البنيوية، بنظرياتها المختلفة التي تقوم على أن الدولة هي الفاعل المستقل الوحيد في السياسة الخارجية Sole Independent Actor والمدرسة السلوكية التي تنظر إلى السياسة الخارجية بوصفها جزءًا من الوظائف الداخلية للدولة؛ أي إنّ القرارات تصنعها نخبة من السياسيين الذين يتخذونها نيابة عن الدولة. هنا لا تملك الدولة أن تكون صانع قرار لأنها تعبير مجرد غير مادي، ومن ثم فإنها لا تعدّ فاعلً. الفاعل هم الأفراد الذين يتخذون القرارات باسم الدولة ونيابة عنها وفق رؤاهم وفلسفتهم، مع الأخذ في الحسبان البنى المحيطة بهم التي تدفعهم إلى تفضيل سياسة على أخرى7. وتعدّ دراسة غراهام إليسون التي نشرت أول مرة عام 9711 النص الكلاسيكي الأشهر في تناول اتخاذ القرار في السياسة الخارجية في القرن العشرين. قامت الدراسة على توثيق 31 يومًا من تشرين الأول/ أكتوبر 1962 2 تشرين الأول/ أكتوبر) 8-16(لأزمة الصواريخ الكوبية؛ أي من اللحظة التي أبلغ فيها الرئيس جون كينيدي أن الاتحاد السوفياتي في طريقه إلى نصب صواريخ باليستية متوسطة المدى في كوبا، حتى انتهاء الأزمة، بسحب السوفيات سفنهم مقابل موافقة الأميركيين على سحب صواريخ جوبتير من تركيا. رأى إليسون أن الحكومة الأميركية كان أمامها ثلاثة خيارات إزاء الأزمة: غزو كوبا والاستيلاء عليها قبل وصول الصواريخ السوفياتية إليها ومن ثم الحيلولة دون نشرها؛ أو توجيه ضربات صاروخية إلى مواقع الصواريخ بعد نصبها؛ أو فرض حصار على كوبا لمنع وصول السفن السوفياتية المحملة بالصواريخ إليها. وقد قرر كينيدي تبنِّي الخيار الأخير. يرى إليسون أنّ شخصية كينيدي قامت بدور مركزي في اختيار سياسة معينة، ولو كان القرار بيد رئيس آخر لربما تبنّى خيارًا آخر، ومن ثم لكانت الأزمة اتخذت مسارًا مختلفًا8. في التركيز في دور النخبة في صنع السياسة الخارجية، يرى أكثر الباحثين أن السؤال المركزي هنا يكمن في تفسير سبب اتخاذ قرار دون آخر أو تبني سياسة دون أخرى؛ لماذا قرر الاتحاد السوفياتي مثلً نصب صواريخ في كوبا عام 9621؟ أو لماذا قرر هتلر غزو بولندا عام 9391؟ ولماذا دخل صدام حسين إلى الكويت عام 9901؟ وما دور الصفات الشخصية لمتخذ القرار؟ وما مدى تأثّرها بظروف الأزمة؟ وهل دفعت هذه الظروف صانع القرار إلى اتخاذ قرارات ما كان ليتخذها في ظروف أخرى9؟ من جهة ثانية، ينبغي هنا التمييز بين السياسة الخارجية التي تتبناها الدولة أو تختارها وعملية صنعها، بوصفها سيرورة Process قد تأخذ نماذج مختلفة حيال الكيفية التي يتم بها اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة أو في أوساط النخبة (اتخاذ القرار فردي، جماعي، مؤسسي، بيروقراطي ... إلخ) إضافةً إلى النقاشات والمداولات وتقييم الخيارات واتخاذ القرارات وتنفيذها. لا تعنينا في هذه الدراسة عملية صنع القرار في السياسة الخارجية القطرية (أي كيف تصنع داخل دوائر النخبة؟ ومن يصنعها؟) إنما محدداتها والأسباب التي دفعت بقطر إلى اتباع سياسة معينة، دون غيرها، وكيفية تمكنها من إنفاذها، وكيفية تعاملها مع التحديات البنيوية المحيطة بها. فما الإستراتيجيات التي استخدمها صانع القرار القطري لتفادي مواطن الضعف واستثمار نقاط القوة التي يملكها؟ وكيف تعامل مع المخاطر واستثمر الفرص المتاحة في بيئته؟ وكيف وظف الإمكانات المتوافرة له لتحقيق أغراضه المتمثلة بانتهاج سياسة خارجية مستقلة عن الدولتين الكبيرتين المجاورتين (السعودية وإيران) وفوق ذلك القيام بدور إقليمي يوصف في

  1. Walter Carlsnaes, “Actors, Structures and Foreign Policy Analysis,” in: Steve Smith, Amelia Hadfield & Timothy Dunne, Foreign Policy: Theories,
  2. Hudson, V. M., Foreign Policy Analysis: Classic and Contemporary
  3. Actors, Cases (Oxford: Oxford University Press, 2012), p. 115.
  4. Theory (Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2007), p. 6. 8  G.T. Allison & P. Zelikow, Essence of Decision: Explaining the Cuban Missile Crisis , 2 nd ed. (New York: Longman, 1999). 9  Ibid., pp. 2 - 3.

الأكاديميا والإعلام الغربيين بأنه أكبر من حجم قطر وإمكاناتها؟10 Punching above its weight في محاولتنا تفسير سياسة قطر الخارجية ودور نخبة صنع القرار في التخفيف من حدة القيود التي تفرضها بنية النظام الإقليمي والدولي؛ لا بد من أن نصطدم بحالة التوتر القائمة بخصوص تقدير الأهمية النسبية لدور الفاعل والبنية في دراسة السياسة الخارجية للدولة، والتي تجعل من الإجابة عن سؤال لماذا تتبنى دولة ما سياسة دون أخرى، تمرينًا ذهنيًا وفلسفيًا شديد التعقيد. سنستعرض في هذا القسم أهم النظريات التي تقول بأولوية البنية على الفاعل، وتلك التي تنحو إلى تقديم دور الفاعل (النخبة.) ثم سنقوم في القسم الذي يليه باختبار هذه المقولات إزاء السياسة الخارجية القطرية، لتبيان أي منها تملك القوة التفسيرية الأفضل لسلوك قطر وخياراتها الإقليمية وعلاقاتها الدولية11.

11 نظريات البنية

تميل نظريات البنية Perspectives Structural-based إلى التقليل من أهمية دور الأفراد والنخب في صنع السياسة الخارجية للدولة، وتذهب بدلً من ذلك إلى التركيز في دور البناء سواء أكان ماديًا أم اجتماعيًا في تحديد سلوك الدول وسياساتها الخارجية، وأهم هذه النظريات:

. أ الواقعية

يعدّ هانز مارغنثاو من رواد دراسة السياسة الخارجية في القرن العشرين، ويعدّ كتابه السياسة بين الأمم Politics among Nations من أمهات الكتب في هذا الحقل، لكن كينث والتز أعطى لهذه الدراسة بعدًا آخر، على الرغم من أنه يرى أن نظرية العلاقات الدولية غير معنية بتفسير السياسة الخارجية، وذلك بسبب الانتقادات التي وُجهت لنظريته لإفراطها في التركيز في البنية ونفي أي أهمية عن دور الفاعل. فالسياسة الخارجية للدول وسلوكها، بالنسبة إلى والتز، يخضعان كليًا لقوى النظام الدولي وبنيته، ووفق توزع القدرات12. وبناءً عليه، فإن النظام الدولي، هو نظام القوى الكبرى التي تضع القواعد وترسم الحدود للآخرين13. لكن أنصار الواقعية الكلاسيكية الجديدة Realism Neo-Classical من تلامذة مارغنثاو يرون أن هدف نظرية العلاقات الدولية الرئيس هو، وينبغي أن يكون، شرح السياسة الخارجية للدولة وتفسيرها14. ويمكن في إطار الواقعية الجديدة Neo-Realism الحديث عن تيارين دفاعي وهجومي15؛ أما الواقعية الهجومية Offensive Realism فيمثلها جون ميرشايمر الذي يرى أن النظام الدولي ما دام يفتقر إلى سلطة عليا وقانون ووسائل لفرضه، ويشجع على الصراع والحرب، فإن الدول ستستمر في البحث عن أمنها بطريقة هجومية بغض النظر عن النخب التي تحكمها16. وأما الواقعية الدفاعية Defensive Realism التي يمثلها من بين آخرين ستيفن والت، فلا تقر بهذه القراءة الهوبزية للنظام الدولي. بل ترى أنّ بنية النظام الدولي لا تستطيع وحدها تفسير سلوك الدولة وسياستها الخارجية، على الرغم من أن هذه البنية تؤدي دورًا كبيرًا في تحديد سلوك الدول وسياساتها الخارجية. وبدلً من التركيز في توزيع القدرات بين الدول داخل النظام، يذهب الدفاعيون إلى تأكيد أهمية المصدر والمستوى والاتجاه الذي يأتي منه التهديد الذي تواجهه الدول وفق محددات تقوم فيها التكنولوجيا والجغرافيا والقدرات الهجومية والنيات بدور رئيس في تحديد ردود أفعال الدول وسياستها الخارجية17. وعلى الرغم من أن الواقعيين الكلاسيكيين الجدد يقرون بما يذهب إليه الواقعيون الجدد من أن السياسة الخارجية للدولة تتحدد أساسًا بموقع الدولة في النظام الدولي، وبمقدار القوة والإمكانات التي تمتلكها، فإنهم يؤكدون أنّ تأثير العوامل المتصلة ببنية النظام الدولي في سلوك الدول يكون أقل مباشرة وأكثر تعقيدًا مما يذهب إليه الواقعيون الجدد، بوصف هذه العوامل تؤثّر في السياسة الخارجية بمقدار ما تعكس حاجات الدولة الداخلية ومصالح القوى المختلفة فيها والتي تعكسها قرارات النخب التي تسعى إلى تحقيق مصالح الدولة وأهدافها18.

  1. Joost Hiltermann, “Qatar Punched Above Its Weight. Now It’s Paying
  2. 16  John J. Mearsheimer, “Back to the Future: Instability in Europe after the Cold War,” in: Michael E. Brown et al. (eds.), The Perils of Anarchy: Contemporary Realism and International Security (Cambridge, MA: MIT Press, 1995), pp. 78 - 129.
  3. 17  J. Taliaferro, “Security Seeking Under Anarchy, Defensive Realism Revisited,” International Security , vol. 25, no. 3 (2000), pp. 128-161, accessed on 2/7/2017, at:https://goo.gl/oPyic7 18  Rose, p. 146.
  4. Kenneth N. Waltz, Man, the State and War: A Theoretical Analysis
  5. Carlsnaes, “Actors, Structures, and Foreign Policy Analysis,” p. 119; Jack Snyder, Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambitions (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1991), p. 20. 15  Gideon Rose, “Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy,” World Politics , vol. 51, no. 1 (October 1998), pp. 144 - 172.
  6. the Price,” The New York Times (June 18, 2017), accessed on 2/8/2017, at: https://goo.gl/xMBb8G
  7. 11 في حين تنحو الدراسات التي تتناول عملية صنع السياسة الخارجية إلى الإقرار بأهمية العامليَن الفاعل والبنية معًا، من دون تفضيل أحدهما على الآخر طريقة للهروب من معضلة الإجابة عن هذا السؤال، انظر: Carlsnaes, “Actors, Structures and foreign policy Analysis,” p. 118.
  8. 12  Kenneth N. Waltz, “Structural Realism after the Cold War,” International Security, vol. 25, no. 1 (Summer 2000), pp. 5–41.
  9. (New York: Columbia University Press, 1959).

وبحسب ستيفن والت تؤدي السياسات الداخلية للدولة دور المتغير الوسيط بين توزيع القدرات في النظام الدولي والسياسة الخارجية المستهدفة19. ونتيجة تأكيد دور المتغيرات النظامية والمتغيرات الداخلية، ينظر إلى الواقعية الكلاسيكية الجديدة بوصفها الإطار النظري الأقدر على تتبع آثار عناصر المستويين الداخلي والدولي ودمجها في تفسير السياسات الخارجية للدول20. لكن في العموم، وعلى الرغم من التباينات بينها، يمكن القول إن الواقعية بنسخها المختلفة تميل إلى تفضيل عوامل البنية أو النظام على دور الأفراد أو النخب في تفسير السياسة الخارجية للدولة، لأن منطق القوة (الدولة) يمثّل جوهرها. والبنية هنا هي بنية النظام الدولي، كما ترى الواقعية الجديدة، أو مزيج من البنى الداخلية والبنى النظامية الدولية Domestic Power Resources and Structures International كما ترى الواقعية الكلاسيكية الجديدة. وفي كلتا الحالتين تعدّ الدولة الفاعل الرئيس، وتتحدد قدرتها على الحركة بالعوامل المادية وتغيراتها سواء أكانت داخل الدولة أم خارجها.

. ب الليبرالية

على الرغم من أن النظرية الليبرالية Institutionalism Neo-liberal كالواقعية هي نظرية بنيوية، نظامية Systemic، وذات نظرة مماثلة فوقية Top-Down في قراءتها للنظام الدولي، فهي ترى دورًا أكبر للنخب الحاكمة في صنع السياسة الخارجية والأمنية للدولة. تنظر الليبرالية إلى الدولة بوصفها الفاعل الرئيس في النظام الدولي، وهي تتصرف بطريقة عقلانية، بحيث تسعى لتعظيم مكاسبها في نظام دولي صفته العامة الفوضى. ومثل الواقعية، تنظر الليبرالية إلى السياسة الخارجية بوصفها خيارات مقيدة أمام دولة تتصرف بطريقة إستراتيجية لخدمة مصالحها، لكن الليبرالية لا تنظر إلى هذه القيود في إطار توزع القدرات في النظام الدولي، كما ترى الواقعية، بل في إطار حالة الفوضى التي تعدّ جوهر النظام ومن صميم بنيته، والتي بينما ينتج منها حالة من عدم اليقين وعدم الإحساس بالأمن Security Dilemma، فهي من جهة أخرى يمكن (أي الفوضى) أن تؤدي إلى إنتاج نظام Regime من القواعد والتقاليد والقوانين والقيم والأعراف التي يمكن أن تخلق درجة من الانسجام والتعاون على المستوى الدولي21. تقوم هذه النواظم بدور مهم في تحديد سلوك الدول وفي تخفيف النزعة الفوضوية للنظام الدولي22. كما أن نزوع الدول إلى الدفاع عن نفسها والسعي وراء مصالحها يجري تلطيفهما من خلال المؤسسات الدولية International Institutions التي تعني القواعد والتقاليد والنواظم والقوانين والأعراف التي تؤدي دورًا مهمً في تهذيب سياسات الدول وتصرفاتها23. وكلما كانت النخب الحاكمة أكثر تعلمً وثقافة مالت أكثر إلى احترام هذه القواعد والأعراف24.

. ج البنائية

ترى البنائية Constructivism أن الواقع بناء أو بنية اجتماعية، يتجسد في قواعد ومعانٍ اجتماعية متداخلة تؤثر في معارفنا وفهمنا لهذا الواقع؛ كيف نرى العالم؟ وكيف نرى أنفسنا فيه؟ وكيف نحدد مصالحنا وما نعدّه السلوك الملائم لتحقيقها25؟ تمثل الأفكار والقيم أركان البناء الاجتماعي الذي تجري ترجمته في شكل سلوك مقصود للفاعلين في مجتمع معين، كما أنها تؤدي دورًا رئيسًا في تشكيل هويات الفاعلين وأفعالهم26. وبتحدّيهم الفرضيات الأساسية التي يقوم عليها النظام الدولي، يرى البنائيون أن الأفكار المشتركة أو المتفق عليها حول السلوك المقبول للدولة تترك أثرًا عميقًا في طبيعة السياسة الدولية وعملها27. ومن خلال الإشارة إلى نمط معين من السياسة الخارجية، يتمثل الهدف هنا في معرفة كيفية تشجيع سلوك معين أو تثبيطه بواسطة عوامل متصلة بالأفكار السائدة؛ أي كيفية تأثير هذه الأفكار في فهم الدولة العالم المادي المحيط بها. وبحسب البنائية يتوافر عامل آخر يحكم سلوك الدولة وسياستها الخارجية، مرتبط بالأول (الأفكار السائدة) ارتباطًا وثيقًا، وهو الهوية التي تؤدي دورًا مهمً في شرح الطبيعة المبنية اجتماعيًا للدولة ومصالحها "بحيث تتيح الهويات الإطار المرجعي الذي يقوم من خلاله السياسيون والقادة بإقامة علاقاتهم مع الدول الأخرى وبنائها في النظام الدولي"28. وواقع الأمر أن معظم الدراسات التي تتبنى النظرية البنائية في تفسير السياسة الخارجية تميل إلى التركيز في عنصر هوية الدولة.

  1. 26  Matthew J. Hoffmann, “Norms and Social Constructivism in International Relations,” in: Robert A. Denemark (ed.), The International Studies Encyclopedia (Oxford: Blackwell Publishing, 2010), p. 2.
  2. 27  Ibid.
  3. 28  B. Cronin, Cooperation under Anarchy: Transnational Identity and the Evolution of Cooperation (New York: Columbia University Press, 1999), p. 18.
  4. Arthur A. Stein, Neoliberal Institutionalism in the Oxford Handbook on International Relations , Christian Reus-Smit & Duncan Snidal (eds.), (New York: Oxford University Press, 2008), pp. 201–221.
  5. K. J. Holsti, Taming the Sovereigns: Institutional Change in International Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 2004).
  6. هذا جوهر نظرية كانط في كتابه المعروف 24 السلام الدائم.
  7. Adler E. “Constructivism and International Relations,” in: W. Carlsnaes, T. Risse & B. A. Simmmons (eds.), Handbook of International Relations (London: Sage, 2002), pp. 95 - 118.
  8. 19  Stephen Walt, “The Enduring Relevance of the Realist Tradition,” in: Ira Katznelson & Helen Milner (eds.), Political Science: State of the Discipline III (New York: W.W. Norton and Co., 2002) p. 211.
  9. 20  Rose, p. 153.
  10. 21  Robert Keohane, Ideas and Foreign Policy: Beliefs, Institutions, and Political Change (Ithaca: Cornell University Press, 1993).

وعلى الرغم من أن العلاقات والتفاعلات الإنسانية والاجتماعية تعد أساسية في عملية إنتاج القيم والأفكار والهويات وإدامتها، فالبنائية مثلها مثل الواقعية والليبرالية تعدّ من النظريات التي تعطي الأفضلية للبنية على الفاعل في شرح السياسة الخارجية للدول لأنها تركز في البناء الاجتماعي الذي يعيش فيه صانع القرار أكثر من تركيزها في صفات هذا الصانع ومهاراته وأفكاره. في الحصيلة، تجمع نظريات البنية على أفضلية العوامل البنيوية على دور الفاعل أو النخبة بوصفها العامل الرئيس في تحديد سلوك الدولة وسياستها الخارجية، على الرغم من أنها لا تستبعد كليًا دور الفاعل من تحليلها للسياسة الخارجية.

22 نظريات الفاعل

بعكس نظريات البنية، تميل نظريات الفاعل Actor-based Perspectives إلى إعطاء دور أكبر للنخبة في تحديد خيارات الدولة في السياسة الخارجية من خلال تركيزها في المهارات والقدرات والإستراتيجيات التي يستخدمها صانع القرار للتغلب على بعض المعوقات البنيوية التي تعرقل الوصول إلى أهداف معينة، أو تحقيق مصالح محددة. وأهم النظريات التي تعطي الفاعل دورًا أكبر في تحديد سياسات الدول الخارجية هي:

. أ النظرية الإدراكية والسيكولوجية

في مقابل فرضية الفاعل العاقل التي تقوم عليها نظريات البنية، خاصة الواقعية والليبرالية، والتي ترى أن القادة يميلون إلى التعوّد على القيود التي يفرضها النظام System، والتأقلم معها، تقوم النظرية السيكولوجية Cognitive and psychological Approaches على افتراض معاكس؛ إذ ترى أنّ الأفراد لديهم سلوك مقاوم Impervious لهذه القيود والمؤثرات ناتج من تمسكهم بآرائهم ومعتقداتهم وطريقة معالجتهم المعلومات فضلً عن صفات شخصية وإدراكية أخرى. ومن خلال التركيز في دراسة السلوك وتغيراته، التي مثّلت محور اهتمام دراسات التحليل السيكولوجي خلال العقود الأخيرة، بدأت النظرة إلى الفرد تتغير من عدّه فاعلً "سلبيًا" Agent Malleable كما ظلت عليه الحال فترة طويلة، إلى عدّه فاعلً مبادرًا وإيجابيًا وحلّ ل مشاكل Problem Solver بطبيعته29. وتبين أيضًا أنّ صفات القيادة وأفكارها ومعتقداتها ودوافعها ونظرتها إلى العالم وطريقة إدارتها واتخاذها القرار تؤثّر بقوة في اختيار البدائل واتخاذ القرارات في السياسة الخارجية. ويمكن القيادة هنا أن تكون فردًا أو مجموعة من الأفراد30.

. ب الليبرالية الجديدة

تقوم نظرية الليبرالية الجديدة New Liberalism على ثلاث نقاط ارتكاز أساسية في نقدها الواقعية الجديدة Neo-Realism والليبرالية، وهي: أولً، تعطي Neo-liberal Institutionalism المؤسساتية أولوية الفاعل المجتمعي Actors Societal على المؤسسات السياسية، ومن ثم ترتكز إلى النموذج الصاعد Bottom-up للنظام السياسي بدلً من النموذج الهابط أو النازل Top-down؛ أي إن الأفراد والجماعات الاجتماعية تتقدم بأهميتها على العوامل السياسية في اتخاذ القرارات والتأثير فيها لأنها تحدد مصالحها بمعزل عن هذه العوامل، وتسعى إلى تحقيق مصالحها عبر المقايضات السياسية والفعل الجماعي. ثانيًا، تمثل خيارات الدولة وسلوكها مصالح جماعات معينة في المجتمع، أي إن القادة والسياسيين هم من يحددون مصالح الدولة وخياراتها، وهم بدورهم يمثلون مصالح قوى وجماعات داخل الدولة ويعملون في إطار السياسة الدولية لتحقيق هذه المصالح كما يحددونها هم ويرونها. ثالثًا، يتحدد سلوك الدولة في النظام الدولي من خلال تداخل مصالحها وخياراتها مع مصالح الدول الأخرى وخياراتها التي يحددها بدورها قادتها ونخبها31. وتختلف هذه النظرية عن سابقتها في أنها تركز في دور الجماعات الاجتماعية، بدلً من الأفراد الذين يقبعون في هرم السلطة، وهي لذلك تدعو إلى فهم السياسة الخارجية في سياق اجتماعي - سياسي أوسع من بقية النظريات.

. ج نظرية الفاعل التأويلي

تدعو نظرية الفاعل التأويلي Interpretative Actor Perspective (مثل البنائية) إلى فهم الفاعل بوصفه كيانًا متفاعل Reflexive Entity في عالم متداخل من المعاني. لكن بعكس البنائية التي تقوم على تفسير أفعال الأفراد في إطار القواعد والمعاني والسياقات الجماعية، تركز هذه النظرية في فهم السياسة الخارجية من خلال التركيز في تفكير الأفراد من صناع القرار وسلوكهم. هنا يجري التركيز في فهم القرارات السياسية من وجهة نظر صانعيها عبر تفكيك الأسباب

  1. Jerel A. Rosati, “A Cognitive Approach to the Study of Foreign Policy,”
  2. Margaret G. Hermann, “Assessing Leadership Style: A Trait Analysis,” Social Science Automation (November 1999), accessed on 2/6/2017, at: https://goo.gl/PB2MwJ 31  Andrew Moravcsik, “The New Liberalism,” in: Christain Reus-Smit & Duncan Snidal, The Oxford Handbook of International Relations (Oxford: Oxford University Press, 2008), pp. 234 - 254.
  3. in: Laura Neack et al., Foreign Policy Analysis: Continuity and Change in its Second Generation (Englewood Cliffs, N.J.: Prentice Hall, c1995), pp.

والدوافع التي دعتهم إلى اتخاذها، "تعتمد السياسة الخارجية للدولة على كيفية تحليل الأفراد الذين يملكون القوة لوضعٍ ما أو موقف معين وكيف يتصرفون حياله"32. وفي دراستهما سلوك صناع القرار من المستوى الأول في الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وألمانيا الغربية والشرقية وبريطانيا وفرنسا خلال عملية توحيد ألمانيا، استنتجت كونداليزا رايس وفيليب زاليكو أنه لو لم يفكر صناع القرار المعنيون بطريقة معينة ولو لم يتخذوا قراراتهم كما فعلوا في الواقع، فإن تاريخ تلك الفترة سيكون مختلفًا جدًا33. بعكس نظريات البنية، تقرّ نظريات الفاعل بأهمية الدور الذي تؤديه نخبة صنع القرار في تحديد السياسة الخارجية للدولة؛ إذ تؤثر في أفكارها ومواقفها الأيديولوجية ونظرتها إلى العالم بقوة في اختيار البدائل واتخاذ القرارات، كما أنّ المهارات السياسية والدبلوماسية وصفات صانع القرار القيادية تؤدي دورًا غاية في الأهمية لجهة التخفيف من حدة القيود التي تفرضها البنية والعوامل النظامية على القرارات التي تخدم مصالح الدولة كما يراها هو.

ثانيًا: ظاهرة قطر

يعترف عدد من الأكاديميين المهتمين بدراسة قطر وسياساتها الخارجية، بصعوبة تفسير خياراتها الدبلوماسية في إطار النظريات المركزية في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية34، في حين يذهب آخرون إلى القول بأن هذه السياسة "تتحدى كل تفسير"35. دفع هذا الارتباك البعض إلى قلب الصورة من خلال القول إن سياسة قطر الخارجية هي التي تفتقر إلى التماسك، ما يجعل فهمها صعبًا36. بينما رأى البعض الآخر أن قطر لا تقوم بأكثر من استخدام قدراتها المالية الكبيرة من أجل الحفاظ على أمنها وانتزاع اعتراف دولي وإقليمي بدورها37. وفي حين يمثّل السعي إلى استقلال القرار الدافع الرئيس وراء سياسة قطر الخارجية38، تتحول هذه السياسة إلى "إستراتيجية أمنية" Strategy Survival تهدف إلى البقاء، وفق هذا المنظور39. وبين السعي إلى البقاء وتحقيق الاستقلال في بيئة مضطربة سياسيًا وأمنيًا، والسعي إلى الاعتراف بتأثيرها والقيام بدور إقليمي وازن، تبدو أكثر الدراسات التي تتناول سياسة قطر الخارجية وخياراتها الدبلوماسية متحفظة في تقديم تفسير شامل لهذه السياسة في إطار ثنائية الإستراتيجيا والجغرافيا، الفاعل والبيئة، بنية النظام الإقليمي والدولي ومهارات صانع القرار وقدرته على مواجهة التحديات، ما يعكس بوضوح ارتباك الأسس النظرية لدى تناول حالة استثنائية كتلك التي تفرضها قطر في السياسة الدولية ولم تلاحظها أكثر النظريات السياسية، إما لأنها لا تعترف بدور الدول الصغيرة أصلً ولا ترى من ثم لسياستها أهمية في بنية النظام الدولي وتركيبته، وإما لأن حالة مماثلة لم تطرأ من قبل تستدعي الاهتمام بفهمها ودراستها40. وعلى عكس المألوف في سلوك الدول الصغرى، تبنّت قطر، خصوصًا بين عامَي 0110132 و 2، سياسة خارجية هجومية إستراتيجية لحفظ أمنها والدفاع عن نفسها في بيئة فيها لاعبون أكبر حجمً وأعظم قدرات. ويمثّل هذا الفعل في حد ذاته تحديًا لنظريات العلاقات الدولية والسياسة الخارجية من منظور البنية والفاعل على السواء؛ إذ تنظر هذه النظريات إلى السياسات الخارجية للدول الصغرى، كما أشرنا سابقًا، وفق منظورين أساسيين تنحو هذه الدول إلى استخدامهما سعيًا إلى الحفاظ على أمنها وبقائها إذا عجزت عن الوقوف على الحياد بين قوى جارة كبيرة، كما فعلت سويسرا الواقعة بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا على امتداد القرنين الماضيين. وهذان المنظوران هما: إما تكوين تحالفات مع قوى أخرى في نظامها الإقليمي لمواجهة قوة أكبر، كما تفعل دول جنوب شرق آسيا في مواجهة الصين مثلً، وإما الالتحاق بقوة أكبر تتولى الدفاع عنها مقابل تبعية مطلقة لها كما تفعل البحرين، على سبيل المثال، في علاقتها بالسعودية لمواجهة أطماع إيران في أراضيها41. لم تملك قطر خيار الوقوف على الحياد في ضوء حالة التنافس والصراع التي شهدها الإقليم، خاصة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، كما أن الثقافة السياسية السائدة، حيث يهيمن "الريال بولتيك" على تفكير

  1. M. Hollis & S. Smith, Explaining and Understanding International Relations (Oxford: Clarendon Press, 1990), p. 74.
  2. P. Zelikow & Condoleezza Rice, Germany Unified and Europe Transformed: A Study in Statecraft with A New Preface (Harvard University Press, 1997).
  3. Andrew F. Cooper & Bessma Momani, “Qatar and Expanded Contours of Small State Diplomacy,” The International Spectator: Italian Journal of International Affairs , vol. 46, no. 3 (2011), p. 114.
  4. Turan Kayaoglu, “Thinking Islam in Foreign Policy: The Case of Qatar,” paper presented at the annual Convention International Studies Association (ISA), California: San Francisco, April 3-6, 2006, p. 2.
  5. Lina Khatib, “Qatar’s Foreign Policy: The Limits of Pragmatism,” International Affairs , vol. 89, no. 2 (2013), pp. 417 - 418.
  6. Mehran Kamrava, “Mediation and Qatari Foreign Policy,” Middle East Journal , vol. 65, no. 4 (Autumn 2011), pp. 539 - 544.
  7. Christa Case Bryant, “Behind Qatar’s bet on the Muslim Brotherhood,” The Christian Science Monitor (April 18, 2014).
  8. David B. Roberts, “Understanding Qatar’s Foreign Policy Objectives,” Mediterranean Politics , vol. 17, no. 2 (July 2012), p. 234.
  9. هذه وجهة نظر الواقعيين عمومًا، انظر: Matthias Maass, “Small Enough to Fail: The Structural Irrelevance of the Small State as Cause of its Elimination and Proliferation since Westphalia,” Cambridge Review of International Affairs (January 2017).
  10. Jean-Marc Rickli, “European Small States Military Policies after the Cold War: From Territorial to Niche Strategies,” Cambridge Review of International Affairs , vol. 21, no. 3 (September 2008), pp. 307 - 325.

نخب المنطقة الحاكمة وسلوكها، لا تسمح هي الأخرى بعدم الانحياز؛ فالشرق الأوسط ومنطقة الخليج ما زالا يعملان وفق معايير الصراع الأوروبية في القرن التاسع عشر، والقائمة على مفهوم القوة والهيمنة، وما زالت غير قادرة على تجاوزها إلى الحالة الليبرالية التي سادت أوروبا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والقائمة على مبادئ الأمن الجماعي والاعتمادية المتبادلة Interdependency والمصالح المشتركة، وحيث غدت الدول الصغيرة تأمن على نفسها من نزعات الهيمنة، نتيجة سيطرة منظومة حقوقية وقانونية تحكم علاقات الدول ببعضها. إضافةً إلى عدم قدرتها على الحياد، سعت قطر منذ عام 9951 إلى التخلص من الهيمنة السعودية على سياساتها الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تدهور علاقتها بالرياض وتخلّيها عن إستراتيجية الالتحاق أو الخضوع في العلاقة بها. وحتى عند استضافتها القاعدة العسكرية الأميركية في العديد عام 0022 كانت قطر مكشوفة أمام الضغوط السعودية، بما فيها العسكرية. وعلى الرغم من أن قطر اتبعت على فترات سياسة موازنة النفوذ السعودي42 للحفاظ على استقلالها، من بينها التقارب مع ما كان يسمى حينها محور المقاومة (إيران، وسورية، وحزب الله، وحماس) خلال الفترة 2006 - 0112، لم تلبث قطر أن تخلت عن هذه السياسة مع اندلاع ثورات الربيع العربي 011()2، فدخلت في صراع مع إيران في سورية ومع السعودية في مصر، في وقت كانت واشنطن تنسحب من المنطقة بعد حربين فاشلتين في أفغانستان والعراق، وغير مهتمة بالعودة إلى التدخل فيها. في الفترة 2011 - 0132، يمكن القول، إن قطر لم يتوافر لها أي من الخيارات التقليدية للدول الصغرى للحفاظ على بقائها واستقلالها، ليس هذا فحسب، بل تبنّت سياسة هجومية وضعت خلالها خصومها الكبار في حالة دفاع عن النفس، مستخدمةً قوة الشارع والرغبة الجامحة نحو التغيير، للتقدم وتأدية دور قيادي في اتجاه بناء نظام إقليمي يكون لها دور مركزي فيه، ممثّلةً بذلك حالة فريدة في حقل الممارسة السياسية والدراسات النظرية الخاصة بالسياسات الخارجية للدول الصغرى.

ثًالث ا: مأزق الجغرافيا ومعضلة قطر الأمنية

يُنسب إلى نابليون بونابرت قوله: "إن معرفة جغرافيا الدولة تعني معرفة سياستها الخارجية"43. من هنا تأتي أهمية الإضاءة على جغرافيا قطر (المحدد الأساسي لسلوك الدولة من منظور نظريات البنية) لفهم مدى تأثيرها في سياسة قطر الخارجية والدور الذي تطمح قطر إلى تأديته على المستوى الإقليمي، والانطلاق من ذلك لتفحص مقولات أبرز نظريات العلاقات الدولية التي تتمثل بأن الدولة وسياساتها الخارجية هي رهينة البيئة التي تعيش فيها. فأي بيئة تلك التي تعيش فيها قطر؟ قطر بلد صغير، حتى بمقاييس منطقة الخليج والشرق الأوسط؛ فهي تقع في ذيل قائمة دول العالم من حيث المساحة (ترتيبها)16544، 11 كم 2 إذ تبلغ مساحتها 586، وهي شبه جزيرة على الساحل الشرقي لجزيرة العرب، يبلغ طولها 601 كم تقريبًا من الشمال إلى الجنوب وعرضها 80 كم من الشرق إلى الغرب. يقطنها 32. مليون نسمة، منهم نحو 802 ألفًا من القطريين 12(في المئة من السكان) وترتيبها 431 عالميًا على هذا الصعيد45. تأتي قطر في المرتبة 91 من حيث قوتها العسكرية على مستوى العالم، وبعدد قوات مسلحة لا يتجاوز 12 ألف عنصر موزعين على مختلف صنوف الأسلحة. وقد بلغ الإنفاق العسكري فيها 91. مليار دولار عام 2016 47. وبلغ حجم الاقتصاد القطري نحو 561 مليار دولار، ما يجعلها في المرتبة 56 على مستوى العالم. تقع قطر بين جارين كبيرين، السعودية (ترتيبها 31 في العالم من حيث المساحة البالغة 492.1 مليون كم 248 و 47 من حيث عدد السكان المقدر ب 92 مليون نسمة49 وتستأثر كليًا بجوارها برًا (طول حدود قطر البرية مع السعودية 60 كم تقريبًا وهي حدود قطر البرية الوحيدة مع العالم.) تزيد السعودية على قطر بنحو 002 مرة من حيث المساحة وتكبرها 001 مرة من حيث عدد السكان، في حين يبلغ الاقتصاد السعودي أكثر من ثلاثة أضعاف الاقتصاد القطري بناتج إجمالي قدره 646 مليار دولار وفق أرقام البنك الدولي لعام 0162، ما يضع السعودية في المرتبة 02 على مستوى العالم50. وبحسب غلوبال فاير باور تأتي السعودية في المرتبة 42 من حيث القوة العسكرية على مستوى العالم، ويبلغ عدد القوات المسلحة السعودية 562 ألف عنصر، موزعين على مختلف صنوف الأسلحة51. وقد بلغ حجم الإنفاق العسكري

  1. Emma Soubrier, “Evolving Foreign and Security Policies: A
  2. Robert D. Kaplan, The Revenge of Geography: What the Map Tells Us About Coming Conflicts and the Battle Against Fate (Random House, 2012), p. 60.
  3. The World Fact Book, CIA, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/Lgys
  4. The World Fact Book, CIA, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/jYszR
  5. The World Fact Book, CIA, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/Lgys
  6. The World Fact Book, CIA, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/jYszR 49  The World Bank, GDP Ranking, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/djdAXO
  7. Comparative Study of Qatar and the UAE,” paper presented at the 5 th Gulf Research Meeting, Cambridge, August 2014, p. 4.
  8. 2017 Saudi Arabia Military Strength, Global Fire Power, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/x22dtS

للسعودية 87 مليار دولار بحسب أرقام عام 2015 53. وانخفض إلى 57 مليار عام 2017 54 (انظر الجدول.)1 أما إيران، جارة قطر الأخرى على الطرف الآخر من الخليج، فتقع في المرتبة 81 في العالم من حيث المساحة البالغة 6481. مليون كم (5( 255، وترتيبها 71 من حيث عدد السكان المقدر ب 82 مليون نسمة56. وتستأثر كليًا بجوار قطر من ناحية البحر (إذا استثنينا من ذلك كم 2 البحرين الصغيرة جدًا بمساحتها البالغة 765.3.) وتكبر إيران قطر ب 701 مرة، في حين يزيد عدد سكانها عليها بنحو 400 مرة. ويبلغ الاقتصاد الإيراني ضعفين ونصف الضعف في حجم الاقتصاد القطري بناتج إجمالي قدره 393 مليار دولار لعام 0162، ما يضع إيران في المرتبة 72 على مستوى العالم من حيث حجم اقتصادها57. وتأتي إيران في المرتبة 21 من حيث القوة العسكرية على مستوى العالم، ويبلغ عدد القوات المسلحة الإيرانية 934 ألفًا بين قوات عاملة 534(ألفًا) واحتياط 400(ألف) وقد بلغ الإنفاق العسكري لإيران عام 0162 نحو 6.3 مليارات من الدولارات58 (انظر الجدول.)2 إضافةً إلى هذه الفوارق الكبيرة في مقومات القوة التقليدية بينها وبين جيرانها، تحظى قطر بمناخ صحراوي جاف، ومياهها الجوفية قليلة، والسطحية معدومة، وهو أمر لا يساعدها في نشوء زراعة ولا في قيام صناعة. يعني هذا الوضع الجغرافي والسياسي الصعب ببساطة أن قطر لا تعدم فقط مقومات القوة التقليدية المعروفة في نظام الدول (المساحة الشاسعة، وعدد السكان الكبير، والقاعدة الزراعية والصناعية المتقدمة) بل تقع في قلب التنافس بين قوتين كبيرتين تتنافسان على السيطرة في نظام إقليمي يعيش حالة من الاضطراب الواسع، وتتواجهان عبر حروب وكالة أو مباشرة في أكثر من مكان على امتداد المنطقة. منذ عام 9791 دخلت إيران والسعودية، جارتا قطر الكبيرتان، في صراع شديد على النموذج والنفوذ والسيادة الإقليمية في منطقة الخليج؛ إذ تمت إطاحة شاه إيران الذي كانت له علاقة جيدة نسبيًا بالسعودية في إطار اصطفافات الحرب الباردة، ووجود نظامي حكم ملكيين في البلدين يتطلعان إلى الغرب بوصفه نموذجًا وحاميًا. مع سقوط الشاه تم الإعلان عن قيام جمهورية إسلامية ثورية تتبنى سياسة تصدير نموذجها إلى الخارج. وجدت السعودية ذات النظام الملكي المحافظ القريب إلى الغرب في النموذج الثوري الجمهوري الإسلامي في إيران تهديدًا كبيرًا لأمنها وشرعية نظامها، ونموذجها، وقيادتها للعالم الإسلامي النابعة بدرجة أساسية من احتضانها الأماكن المقدسة الإسلامية. شارك السعودية هذه المخاوف من إيران جميع الدول العربية الأخرى المطلة على الخليج التي تداعت بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية إلى تشكيل ائتلاف إقليمي أطلق عليه اسم مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وتم الإعلان عنه في أيار/ مايو 9811 ليضم دول الخليج العربية الستّ في إطار مشروع طموح لبناء قدرات دفاعية مشتركة، وتحقيق تكامل اقتصادي وتنسيق سياسي، بناءً على المشتركات الكثيرة بين هذه الدول، وإحساسها بالخطر الداهم القادم من الطرف الآخر من الخليج. ولم تشذّ قطر عن إجماع دول المجلس في الموقف من إيران وتأييد العراق في حرب الثماني سنوات59. يمكن القول إن قطر لم يكن لها حتى مطلع التسعينيات سياسة خارجية خاصة بها، بل كانت تتبع السعودية، وتعتمد عليها كليًا في حمايتها من القوى الأكبر في النظام الإقليمي (إيران والعراق.) وبناءً عليه، حتى مطلع التسعينيات، اختارت قطر أن تنتهج نهج التبعية أو الالتحاق بالسعودية في سياساتها الخارجية، من خلال مجلس التعاون الخليجي الذي كان هدفه الأساسي عند إنشائه مواجهة التهديد الذي مثلته إيران بعد الثورة لدول الخليج المحافظة (انظر الرسم البياني.)1 لكن الغزو العراقي للكويت عام 9901 أصاب كل دول الخليج الصغيرة، وعلى رأسها قطر، بالصدمة، وكشف عن هشاشة نهج الالتحاق في علاقتها بالسعودية التي طالبت بمزايا القيادة من دون أن تكون قادرة على تأمين متطلبات الحماية للدول الصغيرة المرتبطة بها في النظام الإقليمي الخليجي. ليس هذا فحسب، بل أدى الغزو العراقي للكويت إلى كسر المحظور في السياسة العربية؛ أي قيام بلد عربي بمهاجمة بلد عربي آخر وضمّه. فتخوّف قطر من أن تنحو السعودية منحى العراق في غزو الكويت بعد الخلاف الحدودي الذي استعر بين البلدين عام 9921، جعلها تشعر بخطر، ليس على نظام الحكم فيها فحسب بل على بقائها دولة أيضًا. وكانت السعودية التي تحكمها عقيدة توسعية شملت كل الدول الخليجية التي تحاذيها إضافةً إلى اليمن، قامت عام 9921 بمهاجمة مركز الخفوس الحدودي القطري واستولت عليه، ما عمّق المخاوف القطرية من جارها البري الكبير.

  1. Trends in World Military Expenditure, 2015, SIPRI Fact Sheet, Sam Perlo-Freeman, Aude Fleurant, Pieter Wezeman and Siemon Wezeman, April 2016, p. 2, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/Ux94aT
  2. The World Fact Book, CIA, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/Lgys
  3. Countries in the world by population (2017), accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/Ls0L6A
  4. The World Bank, GDP Ranking, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/djdAXO
  5. 2017 Iran Military Strength, Global Fire Power, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/hLqDK1
  6. Anoushiravan Ehteshami, “GCC Foreign Policy: From the Iran-Iraq War to the Arab Awakening, in the New Politics of Intervention of Gulf Arab States,” LSE, Middle East Center, Collected Papers, vol. 1 (April 2015), p. 13. ﻣﺴﺘﻮى اﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﻣﻦ إﻳﺮان ﻣﺴﺘﻮى اﻻﻟﺘﺤﺎق ﺑﺎﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ المصدر: من إعداد الباحث، يوضح الرسم أنه كلما ارتفع معدل التهديد من إيران اقتربت قطر أكثر من السعودية. ﻣﺴﺘﻮى اﻟﺘﻬﺪﻳﺪ ﻣﻦ اﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﺘﻮازن ﻣﻊ إﻳﺮان المصدر: من إعداد الباحث. يوضح الرسم أنّ قطر تتبع نهج التوازن، وليس الالتحاق، في العلاقة بإيران عندما تكون السعودية مصدر التهديد. ﻣﺴﺘﻮى اﻻﻧﻜﻔﺎء اﻟﺬي ﺗﺘﻌﺮض ﻟﻪ إﻳﺮان واﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ ﻣﺴﺘﻮى اﻻﻧﺪﻓﺎع ﻟﺪوﻟﺔ ﻗﻄﺮ ﰲ اﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﺈﻳﺮان واﻟﺴﻌﻮدﻳﺔ المصدر: من إعداد الباحث. يوضح الرسم أنه كلما كانت السعودية أو إيران أو كلتاهما في حالة انكفاء ارتفع معدل اندفاع السياسة القطرية.
  7. 52 2017 Saudi Arabia Military Strength, Global Fire Power, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/x22dtS
إيرانالسعوديةقطرالموضوع
6481. مليون كم 2492.1 مليون كم 2586 11 كم 2المساحة
1813156الترتيب العالمي بحسب المساحة
8229.23عدد السكان/ مليون نسمة
1747143الترتيب العالمي بحسب عدد السكان
393646156حجم الاقتصاد وفق الناتج المحلي الإجمالي/ مليار دولار
272056الترتيب العالمي بحسب الاقتصاد

الجدول)2(مقارنة حجم قوة قطر العسكرية بالسعودية وإيران

إيرانالسعوديةقطرالموضوع
6.357.19حجم الإنفاق العسكري/ مليار دولار
93425621عدد القوات المسلحة/ ألف عنصر
212491ترتيب القوة العسكرية على مستوى
العالم

الرسم)1(طبيعة السياسة (الدفاعية) التي تنتهجها قطر عندما تكون إيران مصدر التهديد الجدول)1(مقارنة حجم القوة الديموغرافية والاقتصادية لقطر بجارتيها الكبيرتين السعودية وإيران

الرسم)2(طبيعة السياسة (الدفاعية) التي تنتهجها قطر عندما تكون السعوديةمصدر التهديد

الرسم)3(طبيعة السياسة (الاندفاع) التي تنتهجها قطر عندما تكون السعودية أو إيران أو كلتاهما في حال انكفاء

ومع خروج العراق من المعادلة الإقليمية بعد حرب تحرير الكويت عام 9911، أخذت قطر تفكر في نهج خارجي مستقل وتحاول أن تتبع نهج التوازن في علاقتها بجاريها الكبيرين السعودية وإيران لتحقيق أمنها. وفي واقع الحال، بعد الغزو العراقي للكويت، لم تعد السعودية ضمانة أمنية غير كافية بالنسبة إلى قطر فقط، بل تحولت النظرة إليها بوصفها تمثّل تهديدًا أيضًا بعد أن كسر العراق قاعدة عدم مهاجمة دولة عربية دولة عربية أخرى. لكن إيران مثلت عامل قلق آخر أيضًا؛ فعلى الرغم من أنها لم تدّع أيّ حقوق لها في قطر كما تفعل في البحرين التي تقطنها أغلبية شيعية تستخدمها إيران لتقويض نظام الحكم فيها، فإن قطر تشعر بقلق مستمر من سياسات إيران التي تتشارك معها في واحد من أكبر حقول الغاز في العالم (حقل الشمال/ بارس الجنوبي)؛ إذ تسعى إيران إلى الهيمنة في إطار مشروع إقليمي، وتعمل على تصدير نموذجها وفرض نوع من الحماية والتبعية على الأقليات الشيعية الموجودة في دول الخليج العربية. وعلى الرغم من أن قطر لا تقطنها سوى أقلية شيعية صغيرة تحظى بالحقوق والواجبات التي يحظى بها بقية المواطنين، فسياسات إيران واتجاهاتها إلى تصدير الثورة وزعزعة أمن الدول المحافظة والحليفة للغرب على الطرف الآخر من الخليج تظل مصدر قلق لقطر (انظر الرسم البياني.)2

في الحصيلة، تجد قطر نفسها بحكم الجغرافيا واقعة بين قوتين إقليميتين كبيرتين تتنافسان على الهيمنة على المنطقة، ولا تقبل الدولتان كلاهما من قطر أقل من موقف مؤيد لسياساتها في المنطقة؛ السعودية دولة الوضع القائم Power Quo Status وإيران الدولة الساعية إلى التغيير المتوافق مع مشروعها ونهجها الإقليمي Power Revisionist. وكان على قطر التي تبحث بدورها عن دور إقليمي بعيدًا عن هيمنة العملاقين الإقليميين، أن تتبنى إستراتيجيات للتغلب على هذا الوضع الجيوسياسي الصعب، بحيث تحافظ على بقائها واستقلالية قرارها في الحد الأدنى، وتحاول انتزاع دور إقليمي يلبّي طموحها في الحد الأعلى من دون أن تعرّض وجودها للخطر، لأن كلا الجارين الكبيرين يرى أنّ الدور الذي تسعى إليه قطر محسوم من نفوذه ويهدد مصالحه، فضلً عن أن حجم قطر الصغير لا يسمح لها أصلً، وفق هذه النظرة، بالفوز بأي دور أو نفوذ، في نظام إقليمي يحكمه منطق القوة والتغلب (انظر الرسم البياني.)3

رابعًا: النخبة في مواجهة البنية

كما بيّنا سابقًا، احتل موضوع النخبة ودورها في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية موقعًا أساسيًا في النقاش النظري لهذا الحقل، بحيث مال أكثر الباحثين الذين يقولون بأهمية دور القيادة في رسم السياسة الخارجية إلى القول بأن حرية الاختيار لدى صانع القرار تجاه البدائل والسياسات تعتمد اعتمادًا كبيرًا على قدرته على إخضاع المحيط الخارجي، أو على الأقل الحد من القيود التي يفرضها على حريته في اختيار البدائل المتاحة أمامه60. ويرى روبرت جارفيس أن الفرق بين صناع القرار الذين يتمتعون بمهارات خاصة وأولئك الذين يفتقدونها لا يكمن في مضمون سياساتهم، بل في قدرتهم على بلوغ أهدافهم من خلال القراءة الدقيقة للمتغيرات الإقليمية والدولية وكسب تأييد الرأي العام المحلي لسياساتهم، وبناء التحالفات التي تخدم أهدافهم ومصالحهم61. إنّ امتلاك هذه المهارات السياسية يمكن بعض صناع القرار من الوصول إلى أهدافهم بطريقة أفضل من غيرهم، مستفيدين من الإمكانات والمعلومات المتوافرة لديهم62. إضافةً إلى ذلك، لم يعد ممكنًا إنكار مدى الأثر الذي يتركه القادة بآرائهم وأفكارهم ومعتقداتهم وأساليبهم في صنع القرار في سلوك الدولة وسياستها الخارجية63. مع ذلك، عندما يطرح السؤال حول أهمية القيادة في تحديد السياسة الخارجية للدول الصغرى في النظام الدولي ورسمها، نجد أن المداخل النظرية التي تتمحور حول مفاهيم القوة والنفوذ توحي بأنها ليست ذات تأثير كبير؛ إذ غالبًا ما ينظر إلى السياسات الخارجية للدول الصغرى على أنها حاصل تفاعل الضغوط

  1. Robert Jervis, “Do Leaders Matter and How Would We Know?” Security Studies , vol. 22, no. 2 (2013), p. 156.
  2. Ibid., p. 162.
  3. Ibid.
  4. Vaughn P. Shannon & Johnathan W. Keller, “Leadership Style and International Norm Violation: The Case of the Iraq War,” Foreign Policy Analysis , vol. 3, no. 1 (January 2007), pp. 79 - 104.

التي تمارسها عليها الدول الأكبر في النظام الإقليمي والدولي مع محاولتها حماية استقلالها وهويتها الوطنية64. من هنا تجد أكثر الدول الصغيرة نفسها في حالة دفاع دائم عن النفس يبررها شعورها بانعدام الأمن في نظام دولي سمته العامة الفوضى، ما يدفعها إلى بناء تحالفات مع قوى أكبر منها لتأمين الحماية لنفسها، أو ربما تذهب نحو تبنّي سياسات خارجية ذات طبيعة دفاعية بالتنسيق مع قوى صغيرة مثلها لتحقيق نوع من التوازن مع قوى أكبر65. لكن المعضلة الأمنية ليست شأنًا خاصًا بالدول الصغيرة فقط، بل تواجهه أيضًا كل الدول في النظام الدولي، بما فيها القوى العظمى، لكن بدرجات متفاوتة من الحدّة. وإذا كان الأمر كذلك، يجب أن يقودنا هذا إلى الاستنتاج في المقابل أن مقدار القوة والنفوذ الذي تتمتع به دولة ما لا يتناسب بالضرورة طردًا مع حجمها الجغرافي أو قوتها العسكرية، وإلا كيف يمكن أن نفسر أن دولة في حجم قطر تسعى إلى التأثير في دولة في حجم مصر. واقع الحال أن الدراسات التي تتناول السياسة الخارجية للدول الصغيرة في إطار مفهوم القوة والنفوذ في العلاقات الدولية بصورة عامة تذهب بنا إلى ما هو أبعد من المفاهيم الواقعية الكلاسيكية التي نعرفها. فقد بينت دراسة تبحث في عوامل بناء التحالفات بين الدول الصغيرة أن هذه التحالفات إنما تكشف في جوهرها عن "قدرة هذه الدول على تحقيق التأثيرات المطلوبة" في السياسة الخارجية، ما يدفع إلى تأكيد عوامل إضافية أبعد من "العوامل الأساسية للقوة"، ومن ثم يُؤخذ في الحسبان "المقوّمات الأشمل لقوة الدولة" بدلً من ذلك، بما في ذلك نوعية القيادة والمهارات التي تتوافر لديها66. من هنا، نجد أنّ "الدول الصغرى قد تحقّق أهدافها على الرغم من افتقارها الموضوعي إلى النفوذ المادي المطلوب لهذه الغاية، وأن هذا النوع من النجاحات يجب أن يؤخذ في الحسبان عند النظر إلى سياسة الدولة الخارجية. لقد بينت الدراسات التي تناولت سلوك الدول الصغرى خلال الحرب الباردة أنّ "أفكار النخبة ومعتقداتها وتفضيلاتها ومصالحها" أدت في بعض الأحيان دورًا أكبر في تحديد شكل العلاقة بالغرب وروسيا مم أدته العوامل المتصلة ببنية النظام الإقليمي والدولي67. بالمثل، يمكن القول إن النخبة أدت دورًا كبيرًا في تحديد سياسة قطر الخارجية، وتمكنت من خلال المهارات التي اكتسبتها والإستراتيجيات التي استخدمتها، من التقليل من أهمية العوامل البنيوية التي لو جرى الاستسلام لها لكانت قطر تتبع سياسة خارجية أقل استقلالية وأهمية في نظامها الإقليمي. فما هذه الإستراتيجيات التي استخدمتها النخبة القطرية لتحقيق أهدافها في السياسة الخارجية؟

خامسًا: إستراتيجيات النخبة القطرية في مواجهة البنية

تؤدي العوامل البنيوية الخاصة بالنظامين الإقليمي والدولي دورًا مهمً في رسم ملامح السياسة الخارجية القطرية، وهذه سمة عامة تشترك فيها جميع الدول صغيرها وكبيرها، إلا أن هذه السياسة لا يمكن فهمها بعمق من دون الإلمام بطريقة تفكير النخبة القطرية وتصوراتها لهذه العوامل والتحديات، وكيفية التعامل معها، بما يسمح بتحييدها أو التقليل من تأثيرها. لا بل يمكن القول إن السعي نحو تعظيم دور قطر الإقليمي وانتزاع اعتراف به هو نتاج رؤية صانع القرار القطري لموقع بلاده في الإقليم والعالم، بدليل أن سياسة قطر الخارجية تغيرت جذريًا عند تغير النخبة الحاكمة القطرية في عام 1995 68. صحيح أن قطر بدأت تبحث عن حل لمعضلتها الأمنية، تحفظ بقاءها في وجه التهديدات المتفاقمة التي تواجهها في محيطها الإقليمي، خارج إطار مجلس التعاون منذ الغزو العراقي للكويت عام 9901، إلا أن سعيها إلى تأدية دور على مستوى الإقليم والحصول على اعتراف بهذا الدور، وتحوّل هذا الهدف إلى إستراتيجية عليا للدولة في مواجهة التهديدات الخارجية، ووسيلة للحفاظ على استقلالها بعيدًا عن التبعية لأي من جاريها الكبيرين، لم يبدأ إلا مع وصول الشيخ حمد بن خليفة إلى السلطة في حزيران/ يونيو 9951، ما يؤكد أهمية دور النخبة (الفاعل) في تحديد خيارات قطر الخارجية وسياساتها الإقليمية، والأهم من ذلك الاستدلال على أنّ مهارات النخبة وقدراتها السياسية والإستراتيجيات التي استخدمتها أدت دورًا كبيرًا في تحييد عوامل البنية، وقيود الجغرافيا، لمصلحة القيام بدور إقليمي أكبر.

  1. Matthias Maass, “The Elusive Definition of the Small State,” International Politics , vol. 46, no. 1 (2009), p. 73; Annette Baker-Fox, The Power of Small States: Diplomacy in World War Two (Chicago: Chicago University Press, 1959), pp. 114, 180; للتوسع في موضوع تراتبية القوة بين الدول انظر: Jorge I. Domínguez, “Mice That Do Not Roar: Some Aspects of International Politics in the World Peripheries,” International Organization , vol. 25, no. 2 (1971), pp. 175 - 208.
  2. Maurice A. East, “Size and Foreign Policy Behavior: A Test of Two Models,” World Politics , vol. 25, no. 4 (July 1973), p. 576.
  3. للتوسع في موضوع دبلوماسية الدول الصغيرة انظر: Maass, “The Elusive Definition of the Small State,” p. 74; Kevin D. Stringer, “Honorary Consuls in Small State Diplomacy: Through Liechtenstein’s
  4. Giorgi Gvalia et al., “Thinking Outside the Bloc: Explaining the Foreign Policies of Small States,” Security Studies , vol. 22, no. 1 (2013), p. 13. 66  Fatima Ayub, “What Does the Gulf Think about the Arab Awakening?” Gulf Analysis , London, European Council on Foreign Relations (ECFR), (April 2013), p. 3.
  5. Lens,” Discussion papers in Diplomacy, no. 120 (2011), Netherlands Institute of International Relations “Clingendael,” accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/QFcuCK

وبناءً عليه، لا يمكن تحليل سياسة قطر الخارجية وفهم دورها الإقليمي من دون التطرق إلى الجانب الشخصي فيها ومن دون أن نفهم البعد الخاص بتفكير نخبة صنع السياسة الخارجية القطرية. والملاحظ أنه خلال هذه الفترة بدأ أكثر الدراسات المهتمة بالسياسة الخارجية يعطي اهتمامًا متزايدًا لدور النخبة في تحديد الخيارات في السياسة الخارجية، والتي تتضح أكثر مع تغير الإدارات إما في إطار التطور الطبيعي (دورة النخب وتعاقب الأجيال)، وإما في إطار التغيير القسري (ثورة أو انقلاب)، فمع تسلّم إدارة جديدة يتغير طاقم صنع القرار على المستويات العليا والمتوسطة، وفي معظم الأحيان إن لم يكن في جميعها تأتي الإدارة الجديدة بمنظومة فكرية وفلسفية مختلفة عن سابقتها. بدأ التحول الكبير في سياسة قطر الخارجية إذًا مع وصول إدارة جديدة إلى السلطة في حزيران/ يونيو 995.1 ويمكن ملاحظة التغير الذي طرأ على سياسة قطر الخارجية مع تغير صانع القرار بتتبع الأثر في السياسة؛ ففي عهد الشيخ خليفة كانت السياسة الخارجية القطرية محكومة بصورة كلية تقريبًا بعوامل نظامية، تتسق مع بنية النظام الإقليمي، وعلى رأسها المحددات الجغرافية التي تحتل مكانًا مركزيًا فيها. لقد تغير هذا الأمر بعد عام 9951، إذ أخذ صانع القرار القطري يحاول إخضاع العوامل البنيوية، أو الحدّ من قدرتها على عرقلة تحقيق أهدافه وتنفيذ سياساته، من خلال تبنّي إستراتيجيات محددة تعينه على ذلك. تبنّت النخبة الجديدة سياسة خارجية نشطة تؤمّن لها مصالحها السياسية والاقتصادية وتحقق لها طموحها في القيام بدور إقليمي مؤثّر. كانت رؤية القيادة الجديدة ذات منحى تغييري Anti-Status Que، وقد برز هذا في الإعلام، كما في السياسة الخارجية والاقتصادية التي ذهبت في اتجاه الاستفادة القصوى من مقدرات البلاد وثرواتها الطبيعية وتوظيفها لخدمة أجندة السياسة الخارجية. وهكذا، منذ عام 9951 أصبحت سياسة قطر الخارجية تعكس بوضوح مصالحها الوطنية، وطموحات قيادتها الإقليمية وحاجاتها الأمنية. وقبل هذا التاريخ، يمكن القول إن قطر لم يكن لها سياسة خارجية خاصة بها. وفي إطار رؤيتها لدور بلادها وموقعها في السياسة الإقليمية والدولية، وحتى تتمكن من ابتكار الإستراتيجيات الملائمة لتجاوز القيود البنيوية، كان لزامًا على النخبة القطرية الجديدة أن تقوم بإجراء تحليل للبيئة الخارجية المحيطة بها، وسبر نقاط قوتها وضعفها، والفرص والمخاطر التي تحيق بها. تمثَّل التحدي البنيوي الأول الذي يبرزه هذا التحليل في جغرافية قطر الصغيرة في حجمها، القليلة بعدد سكانها والتي تعيش بين قطبين إقليميين كبيرين يسعى كلاهما إلى دفعها للدوران في فلكه، وسط أجواء تنافس شديدة، وبيئة مضطربة، درجة المخاطر فيها مرتفعة ولا تسمح لقطر بتبنّي موقف حيادي. أمام هذا التحدي الكبير كان على صانع القرار القطري أن يجد الإستراتيجية الملائمة التي تعينه على تبنّي سياسة خارجية مستقلة عن نفوذ القطبين الإقليميين، إيران والسعودية. وبوصفه صانعَ قرار عقلانيًا يسعى إلى البقاء مستقلً في الحد الأدنى، ويطمح إلى دور إقليمي مؤثّر في الحد الأعلى في بيئة عامة سمتها الفوضى، حيث لا توجد تراتبية تحكم سلوك الدول ولا سلطة عليا تضبط سياستها الخارجية، إنما كل شيء محكوم بتوزع القوة والقدرات في نظام الفوضى، تبنّى صانع القرار القطري إستراتيجية هجومية غير تقليدية بالنسبة إلى دولة صغيرة محشورة بين عملاقين. تقوم هذه الإستراتيجية على مبدأ سياسة خارجية نشطة لا يمكن أن تحقق لقطر الأمن الذي تنشده فقط ولا تستطيع قدراتها الصلبة تحقيقه، بل يمكن أن تأتي لها بمكاسب اقتصادية وسياسية أيضًا، وفوق ذلك يمكنها إنتاج شرعية سياسية مستمدة من مصادر غير تقليدية بالنسبة إلى مجتمعات قبلية، تتأتى بالدرجة الأولى من إنجازات خارجية تضاف إلى نجاحها في تأمين مستويات عالية من الرفاهية لمواطنيها. لا يمكن تحقيق هذه الإستراتيجية الطموحة من دون توافر الإمكانات الملائمة، لذلك وفي مقابل نقاط الضعف الكثيرة التي تعانيها قطر، كانت هناك نقاط قوة وفرص تنتظر استغلالها ويمكن معها الانتقال بقطر من موقع قوة هامشية صغيرة Small Power إلى قوة متوسطة إقليمية Power Middle. فالجغرافيا التي حرمت قطر المساحة الشاسعة وعدد السكان الكبير والموارد المائية اللازمة لنهضة زراعية وصناعية (مصادر القوة التقليدية) وحشرتها بين عملاقين، أعطتها في المقابل احتياطات هائلة من الطاقة؛ فقطر تملك ثالث أكبر احتياط غاز في العالم بعد روسيا وإيران (أكثر من 42 تريليون متر مكعب) وهي أكبر منتج للغاز المسال في العالم بطاقة إنتاجية تبلغ 77 مليون طن سنويًا مرشحة للزيادة إلى 001 مليون طن69. وتحتل قطر بفضل دخلها من تصدير الغاز المرتبة 56 في العالم لجهة ناتجها الإجمالي القومي، لكنها وبسبب حجمها السكاني الصغير تحتل المرتبة الأولى لجهة حصة الفرد منه بدخل فردي إجمالي قدره 912 ألف دولار سنويًا70. مثّلت هذه الموارد المالية الهائلة التي تأتت نتيجة الاستثمار الكبير في استخراج الغاز المسال وصناعته، مع صعود نخبة تملك مشروع رؤية وإستراتيجية لتحويل قطر من قوة صغيرة تابعة إلى قوة إقليمية متوسطة ذات سياسة خارجية مستقلة ودور إقليمي نشط، نقطة قوة قطر الأكبر في مواجهة بيئة كانت قبل ذلك هي المحدد الأساسي والوحيد لدور قطر الإقليمي وعلاقاتها الدولية وسياستها الخارجية.

  1. “ Qatar Announces Huge Rise in Gas Production Amid Diplomatic Crisis,” CNBC , July 4, 2017, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/n92M3a
  2. Global Finance, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/aqpZD6

لقد مثل استقلال قطر المالي الخطوة الأولى والأهم تجاه استقلال سياستها الخارجية عن السعودية. وحتى تتمكن من انتهاج سياسة مستقلة، بدأت قطر تنحو في اتجاه التوازن في علاقتها بجاريها الكبيرين (السعودية وإيران.) وتطلّب هذا السلوك بطبيعة الحال القطع مع سياسة الالتحاق التي تبنتها قطر تجاه السعودية منذ استقلالها عام 9711، والاقتراب قليلً من إيران. ومع كل خطوة كانت تقترب فيها قطر من إيران كانت تبتعد بالمقدار نفسه عن السعودية، وصولً إلى نقطة التوازن المنشودة في العلاقة بالجارين؛ فقامت بتسوية مسائل الحدود البحرية مع إيران71، كما عقدت اتفاقية أمنية معها عام 2010 72. خلال هذه الفترة، برز ما يمكن تسميته بالقاعدة الذهبية في سياسة قطر الخارجية، ومفادها أن الحالة المثالية تتمثل ببناء علاقة جيدة ومتوازنة مع جاريها الكبيرين، لكن في حال فشلها في بلوغ هذا الهدف يمكنها أن تعيش في ظل علاقات سيئة مع أحدهما، إنما في كل الأحوال ينبغي تجنب علاقة سيئة بالاثنين معًا في الآن نفسه، لأن هذا يمثّل خطرًا كبيرًا عليها. عبّ ت السعودية منذ البداية عن رفضها الوضع الجديد الناشئ من محاولة النخبة القطرية الجديدة تبنّي سياسة أكثر استقلالية عنها. وبناءً عليه، ومنذ وصوله إلى السلطة واجه الشيخ حمد بن خليفة معارضة شديدة لحكمه وسياساته من طرف الرياض التي رأت أنّ الحاكم القطري الجديد يقود تمردًا عليها ويبحر بسياسات بلاده بعيدًا عنها، لهذا السبب دعمت محاولتين انقلابيتين لإطاحة حكمه عام 9961 وعام 2002 73. كما عارضت السعودية إنشاء خطوط أنابيب لنقل الغاز القطري إلى الكويت والبحرين74. وهي خطط كانت تعد جزءًا أساسيًا من إستراتيجية قطر لتطوير صناعة الغاز، وتعزيز موقعها المالي وحصتها في سوق الطاقة العالمية75. دفع الموقف العدائي السعودي الشيخ حمد إلى تبني مزيج من إستراتيجيات دفاعية وهجومية نشطة اشتملت على إنشاء توازنات، وبناء تحالفات، واستخدام أدوات القوة الناعمة المتاحة؛ من وساطة وإعلام وثقافة وفكر ومساعدات مالية وأعمال خيرية وإنسانية ودبلوماسية عامة، ورياضة، وإنشاء شراكات واستثمارات عالمية لجعل قطر جزءًا من النظام الاقتصادي العالمي، وتحويلها إلى مركز لا غنى عنه لصناعة الغاز المسال في العالم76، وإنشاء علاقات بقوى وكيانات محاصرة أو منبوذة دوليًا77، بحيث تغدو قطر والحاجة إلى دورها النشط والفعال السياسي والاقتصادي والفكري والإعلامي من أهم أدوات الحفاظ على استقرارها78. وهي إستراتيجية غير تقليدية تهدف إلى "تكريس علامة الدولة Brand لتحقيق أمنها من خلال جعل القوى الإقليمية والدولية المتصارعة ذات مصلحة أكيدة في الحفاظ على بقائها واستقلالها"79. وجاء عرض قطر عام 0022 استضافة القوات الأميركية التي طلبت منها الرياض مغادرة قاعدة الأمير سلطان في الظهران، بعد أن ساءت العلاقات بين الطرفين بسبب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 0012 في هذا السياق، بوصفه جزءًا من إستراتيجية واسعة تبنّتها النخبة القطرية الجديدة للتغلب على المعضلة الأمنية التي تواجهها في علاقتها بالسعودية. وعلى الرغم من استضافتها القاعدة الأميركية، وتوقيع اتفاقية دفاعية مع واشنطن منذ عام 9921، يصعب القول إن قطر كانت تتبنى سياسة تبعية في علاقتها بواشنطن، فواقع الأمر أن قطر تبنت سياسات خارجية مؤيدة لواشنطن ومتعارضة معها في آن معًا80، خاصة بعد عام 0062، عندما أصبحت قطر عضوًا غير رسمي في محور المقاومة الذي تقوده إيران ويضم سورية وحزب الله وحماس. في الوقت نفسه تقريبًا بدأت قطر تبني علاقات وثيقة مع تركيا، وصلت إلى مستوى إستراتيجي من التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري81. إضافةً إلى ذلك، أخذت قطر التي حرمتها الطبيعة من مصادر القوة الصلبة power Hard، تذهب في اتجاه إستراتيجية تعويضية تقوم على امتلاك وسائل القوة الناعمة Soft power لتحقيق طموحها في

  1. “ Qatar, Iran to sign Key Agreements,” Gulf News , 2 February 2010, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/D8oQ
  2. “ Iran, Qatar Sign Defense Cooperation Agreement,” Tehran Times , February 25, 2010, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/yA3pw6; “Qatar, Iran Sign Pact to Fight Crime,” Gulf News , March 11, 2010, accessed on
  3. 77  J. E. Peterson, “Qatar and the World: Branding for a Micro – State,” The Middle East Journal , vol. 60, no. 4 (Autumn 2006), pp. 732 - 733.
  4. 78  Shibley Telhami, “Behind the Abdication of Qatar’s Emir,” Reuters , June 26, 2013, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/EuBkp
  5. 79  Bertrand Viala, “Why Are Qatari-Turkish Relations Unique?” Eurasia Review, January 17, 2017, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/H2h7z6
  6. Jim Krane & Steven Wright, “Qatar ‘Rises Above’ Its Region: Geopolitics and the Rejection of the GCC Gas Market,” Research Paper , Kuwait Programme on Development, Governance and Globalisation in the Gulf States, LSE, no. 35 (March 2014), p. 2, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/86rTW2
  7. “ Trump Pushing Afghan President to close Taliban Office in Qatar, Sources Say,” The Guardian , 26 September 2017, accessed on 27/9/2017, at: https://goo.gl/rwT455 76  Krane and Wright, p. 3.
  8. 2/9/2017, at: https://goo.gl/7wvjZE
  9. 71 “ Qatar Coup Plot May Thwart U.S. War Plans,” Stratfor, 25 October 2002, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/KQ4g7A
  10. 72 “ Politics Stymie Gulf's hope of sharing Qatari gas,” Reuters , 7 March 2010, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/hS9C6R
  11. 73  Robin Mills, “Qatar Warms Up to Iran on Natural Gas,” Bloomberg View , July 20, 2017, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/CqmWFG

المنافسة على دور إقليمي بين القوى الأكبر في المنطقة. وكان على رأس هذه الوسائل، الإعلام الذي مثّل بالنسبة إلى قطر أهم أسلحتها في مواجهة التحديات والتهديدات، بحيث ساعد في إنتاج علامة خاصة بها كان لها الدور الأكبر في جعل قطر لاعبًا مهمً في السياسة الإقليمية، ولفت الانتباه إليها على الساحة الدولية. طوال عقود طويلة، افتقر العالم العربي إلى وسائل إعلام غير رسمية تقدّم لجمهورها أخبارًا تتسم بالصدقية؛ وعندما قررت قطر الاستثمار في هذا القطاع، من خلال إطلاقها قناة الجزيرة عام 9961، مثّل ذلك ما يشبه الثورة في العالم العربي الذي لم يعرف إعلامًا من هذا النوع من قبل، بحيث ظل يعتمد على وسائل إعلام غربية ناطقة بالعربية مثل بي بي سي، ومونتي كارلو، وصوت أميركا، وغيرها، للحصول على أخبار ومناقشة قضايا سياسية حساسة بهامش كبير من الحرية82. مثّلت الجزيرة استثمار قطر الأكبر في السياسة الخارجية، فغدت يدها الضاربة لتحقيق طموحها إلى القيام بدور إقليمي، وتحولت الجزيرة لاعبًا أساسيًا لا في السياق الإقليمي فحسب بل في السياسة الدولية أيضًا. وقد تعرضت الجزيرة بسبب ذلك لإغلاقات ومضايقات من جانب أكثر الأنظمة العربية، بل لقصف جوي نفذه الأميركيون على بعثاتها ومكاتبها في أفغانستان والعراق83. خلال هذه الفترة أيضًا نجحت قطر في جعل نفسها وسيطًا مقبولً في مختلف النزاعات في الشرق الأوسط؛ فتوسطت بين "فتح" و"حماس" أكثر من مرة لرأب الصدع في العلاقة بين الطرفين منذ تفجر الخلاف بينهما بعد فوز حماس في انتخابات عام 0062 التشريعية، ثم استئثارها بحكم قطاع غزة منذ حزيران/ يونيو 007.2 كما توسطت قطر في الصراع بين حكومة الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح والحوثيين خلال الحروب الست التي خاضها الطرفان في الفترة 2003 - 009.2 وتوسطت أيضًا في حروب السودان من دارفور إلى الصراع مع الجنوب. وتمثل نجاحها الأكبر في ميدان الوساطة بإنهاء أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان الذي نشأ مع نهاية فترة الرئيس إميل لحود في تشرين الثاني/ نوفمبر 0072، واستمر حتى اجتاح حزب الله بيروت في أيار/ مايو 008.2 كما توسطت قطر بين العقيد معمر القذافي والدول الغربية لحل "أزمة لوكربي" التي اتهمت فيها الدول الغربية نظام العقيد بالمسؤولية عن تفجير طائرة ركاب أميركية فوق إسكتلندا عام 1989 84، وتوسطت بين الولايات المتحدة وطالبان، بحيث أنشأت لهذه الأخيرة مكتبًا في الدوحة لتسهيل التواصل بين الطرفين85. عند اندلاع ثورات الربيع العربي، تخلت قطر عن إستراتيجية التوازن التي اتبعتها في علاقتها بجاريها الكبيرين، خاصة خلال الفترة التي احتد فيها التنافس بين ما كان يسمى ب "محور المقاومة" الذي كانت تقوده إيران و"محور الاعتدال" الذي كانت تقوده السعودية ومصر بعد حرب تموز/ يوليو 0062 في لبنان. في الفترة بين ثورة 52 يناير 0112 والانقلاب العسكري في تموز/ يوليو 0132، قررت قطر دعم المد الثوري العربي ومواجهة الرياض وطهران اللتين وقفتا بقوة ضده. فتدخلت قطر عسكريًا إلى جانب قوات حلف شمال الأطلسي "الناتو" لإطاحة نظام الزعيم الليبي معمر القذافي86، وقدمت الدعم المادي والدبلوماسي والإعلامي للثورة المصرية في تحدٍ كبير للإرادة السعودية التي وقفت بشدة ضد الثورة في مصر وعملت على إجهاض ما نتج منها87، كما وقفت قطر بقوة إلى جانب الثورة السورية ضد نظام الرئيس بشار الأسد وقدّمت للمعارضة السورية كل أشكال الدعم المادي والسياسي والعسكري في تحدٍ آخر للإرادة الإيرانية التي وقفت بقوة إلى جانب نظام بشار الأسد88. استندت قطر خلال هذه الفترة إلى قوة المد الثوري العربي وعلاقتها بالقوى والتيارات الإسلامية الوسطية التي بدت مرشحة أكثر من غيرها للوصول إلى السلطة في دول الثورات العربية؛ بسبب قدراتها التنظيمية الكبيرة وضعف خصومها89، كما استندت إلى علاقتها بتركيا التي شاركتها السياسة نفسها في سورية ومصر تحديدًا، والموقف الأميركي الذي بدا مستعدًا للقبول بحكم الإسلاميين ومسايرة الإرادة الشعبية التي انبثقت من صندوق الاق اررع، بوصف ذلك دليلً على التعايش بين الإسلام والديمقراطية، وبما يفيد عزل التيارات الإسلامية المتشددة90.

  1. Nabil Sultan, “Al Jazeera: Reflections on the Arab Spring,” Journal of Arabian Studies: Arabia, the Gulf, and the Red Sea , vol. 3 (2013).
  2. “ U.S.: Al-Jazeera Bomb Story 'Outlandish',” CNN , November 23, 2005, accessed on 10/8/2017, at: https://goo.gl/K3TwVe
  3. 88 مروان قبلان، "العلاقات السعودية – الأميركية: انفراط عقد التحالف أم إعادة سياسات عربية، العدد تعريفه؟"، 6 (كانون الثاني/ يناير 014)2، ص.12
  4. “' Qatar Hosted Hamas, Taliban Delegations at the Request of US',” Qatar Tribune , July 4, 2017, accessed on 2/9/2017, at: https://goo.gl/pku4JT
  5. Florence Gaub, “From Doha with Love: Gulf Foreign Policy in Libya in The New Politics of Intervention of Gulf Arab States,” LSE, Middle East Center, Collected papers, vol. 1 (April 2015), p. 52.
  6. Madawi Al-Rasheed, “Saudi Arabia’s Foreign Policy: Loss without Gain?” The New Politics of Intervention of Gulf Arab States, LSE, Middle East Center, Collected papers, vol. 1 (April 2015), pp. 32 - 40.
  7. Christopher Philips, “Gulf Actors and the Syria Crisis,” The New Politics of Intervention of Gulf Arab States, LSE, Middle East Center, Collected papers, vol. 1 (April 2015), pp. 41 - 51.
  8. David B. Roberts, “Qatar and the Muslim Brotherhood: Pragmatism or Preference?” Middle East Policy vol. 21, no. 3 (2014); David B. Roberts, “Qatar and the Brotherhood,” Survival , vol. 56, no. 4 (2014).
  9. 82  Kristian Ulrichsen, Qatar and the Arab Spring (Oxford University Press, 2014), p. 122.

لكن العوامل النظامية المتمثلة بوقوف السعودية وإيران في وجه ثورات الربيع العربي وفشل إدارة أوباما في تبني إستراتيجية واضحة لتمكينها والدفاع عنها، إلى جانب أسباب أخرى كثيرة، أدت إلى انحسار الموجة ومن ثم فشل إستراتيجية البناء على إرادة التغيير التي عبّ ت عنها الشعوب العربية في ربيع عام 0112، لتقويض بنية النظام الإقليمي القائمة على حكم نخبوي ضيق غير تمثيلي مستمر منذ نشأة الكيانات العربية الحديثة بعد الحرب العالمية الثانية، والانتقال إلى نظام جديد نابع من إرادة الأمة91. أدى هذا الفشل بقطر إلى إعادة النظر في سياساتها الخارجية وعلاقتها الإقليمية، خاصة مع ازدياد الضغوط السعودية عليها بعد نجاح الانقلاب العسكري في مصر، وبلغت ذروتها في أزمة سحب السفراء مطلع عام 0142، وتنامي النفوذ الإيراني خاصة بعد استيلاء الحوثيين على صنعاء في أيلول/ سبتمبر 0142، وانكفاء العامل الأميركي الذي مال إلى ترك الصراع في المنطقة بين قوى التغيير وقوى الوضع القائم يأخذ مداه من دون تدخل كبير، في وقت انصب اهتمامه أكثر على الحصول على اتفاق حول برنامج إيران النووي92. خلال هذه المرحلة، عادت قطر، مع انتقال السلطة من الشيخ حمد بن خليفة إلى ابنه الشيخ تميم بن حمد، إلى التركيز أكثر في الشأن الداخلي، فخفّت حدة نشاط سياستها الخارجية في أكثر الملفات الإقليمية التي كانت مؤثرة فيها، كما حاولت استعادة دور الوسيط في الأزمات الإقليمية والدولية. في الوقت نفسه، ومع تنامي النفوذ الإيراني، سعت قطر إلى الاقتراب أكثر من السعودية، فانضمت إلى التحالف الذي تقوده في حرب اليمن، وأرسلت قواتها إلى الحدود الجنوبية للسعودية، كما تركت لهذه الأخيرة إدارة دفة الصراع في سورية في مواجهة إيران، وقد برز ذلك في قيام السعودية بدعم قطري بالإشراف على إنشاء الهيئة العليا للمفاوضات التي انبثقت من مؤتمر الرياض للمعارضة السورية الذي عقد في كانون الأول/ ديسمبر 0152، وتولّيها من ثم مهمة إدارة الملف السوري93. في الفترة بين مطلع عام 0152 ومنتصف عام 0172، بدت قطر كأنها عادت إلى اتباع سياسة الالتحاق بالسعودية التي كانت سائدة 1، إلى أن كشفت الأزمة الأخ قبل عام 995 ةرر التي اندلعت في حزيران/ يونيو 0172 عن تمسك قطر باستقلالية سياستها الخارجية على الرغم من الضغوط الشديدة التي تعرضت لها، وبلغت حد فرض حصار بري وبحري وجوي عليها. وقد ردّت قطر على ذلك بالعودة إلى اتباع سياسات توازنية لمواجهة الضغوط السعودية، فقامت بتطوير علاقتها بأقطاب الإقليم الأخرى واختارت هذه المرة التركيز على تركيا التي أرسلت قوات عسكرية إلى قطر في إطار اتفاقية عام 2014 201. أعادت أزمة 0172 إلى الواجهة مرة أخرى معضلة قطر المتمثلة بجغرافيتها السياسية، ومدى صعوبة تجاوز المحددات النظامية المرتبطة بها وببنية النظام الإقليمي لدولة صغيرة تحاول الاحتفاظ باستقلالها عن الدول الكبرى في محيطها الجغرافي. لكن أكدت هذه الأزمة من جديد أيضًا أن المحددات الجغرافية والعوامل النظامية ليست قدرًا محتومًا بالنسبة إلى الدول الصغيرة إذا توافرت لها النخبة القادرة على ابتداع إستراتيجيات مختلفة، للتأقلم مع التحديات التي تفرضها البنية أو البيئة التي ليس في مقدورها تغييرها؛ وذلك للحفاظ على بقائها واستقلالها.

ويمكن القول إن قطر، بسبب وضعها الجيوسياسي الحرج، طورت ما يشبه قانون البقاء في سياستها الخارجية Survival Qatar’s Strategy؛ فعندما تتعرض للضغط من إيران تلتحق بالسعودية، وعندما تكون السعودية مصدر الضغط توازنها قطر بالتقارب مع إيران، أما عندما تكون الفرصة مواتية نتيجة انكفاء السعودية وإيران فتتخلى قطر عن الإستراتيجيتين وتتبع سلوكًا هجوميًا لتعظيم مكاسبها، وهو ما حصل خلال الفترة 2011 - .2013

  1. لمواكبة المواقف الإقليمية والدولية من الثورة المصرية والانقلاب العسكري الذي أطاح نتائجها، انظر: عزمي بشارة، ثورة مصر، ج 2، من الثورة إلى الانقلاب (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 016)2، ص 449 - .550
  2. قبلان، ص 1.7
  3. المعارضة السورية تختار قيادتها التفاوضية مع النظام في ختام 'مؤتمر الرياض "'،
  4. الشرق الأوسط، 11 كانون الأول/ ديسمبر جريدة 0152، شوهد في 017/9/5:2، في https://goo.gl/spdC2w 92 “ Turkish Parliament Approves Bill to Deploy Troops in Qatar,” Reuters , June 7, 2017, accessed on 1/9/2017, at: https://goo.gl/DTk58m

خاتمة

على امتداد العقدين الماضيين اصطدمت النخبة القطرية في إطار سعيها إلى تبنّي سياسة خارجية مستقلة وبناء دور إقليمي مؤثر، بواقع جيوسياسي لا تستطيع تغييره أو التحكم فيه، من منطلق أن الدول لا تختار جوارها الجغرافي ولا بنية النظام الإقليمي الذي تعيش فيه. لكنها اكتشفت أيضًا أن في إمكانها ابتداع إستراتيجيات من وحي التقدم الكبير في التكنولوجيا والأفكار (القوة الناعمة) لتعظيم نقاط قوتها وتقليل نقاط ضعفها المتمثلة بوجودها بين قوى إقليمية أكبر منها. كما استفادت النخبة القطرية في إطار سعيها للحفاظ على استقلالها من المزايا التي تتيحها طبيعة النظام الإقليمي الذي تعيش فيه، والمتمثلة بإمكانية الاستفادة من التناقضات الكبرى بين أقطابه، ومن قوة المقاومة الذاتية التي يبديها هذا النظام لهيمنة قوة إقليمية واحدة عليه أو امتلاكها من موارد القوة ما يخل بتوازناته. وقد أدى اجتماع الموارد المالية مع وجود نخبة حاكمة طامحة، تمتلك مشروع رؤية، وتتمتع بدينامية عالية في تنفيذها إلى الحد كثيرًا من تأثير العوامل النظامية في السياسة الخارجية القطرية، وتمكنها من انتزاع دور مؤثر على الساحة الإقليمية. مكن هذا الأمر قطر من التغلب على بعض مكامن ضعفها البنيوية، والاستعاضة عنها بأدوات تأثير ناعمة، وإستراتيجيات موازية، وظفتها في اتجاهين: الأول دفاعي، تمثل بدرء خطر خصومها الساعين إلى الهيمنة على قرارها وإلحاقها بهم؛ والثاني هجومي تجلى في توسيع مساحة تأثيرها إلى ما وراء إقليمها. فأنشأت قطر من جهة شبكة علاقات إقليمية ساهمت في تخفيف حدة معضلتها الأمنية المتمثلة أساسًا برفض السعودية استقلالية سياساتها عنها، فوازنت الضغط السعودي مرة بإيران ومرة بتركيا ومرة بالاثنتين معًا. ومن جهة أخرى قامت قطر ببناء أدوات قوتها الناعمة التي أدت دورًا مهمً في خدمة أهداف سياساتها الخارجية. ومن خلال الاستفادة من غياب إعلام عربي يتمتع بدرجة معقولة من الحرية ومن سقوط حواضر الفكر والثقافة العربية (في القاهرة، ودمشق، وبغداد، وبيروت)، حاولت قطر التحول إلى مركز فكري وإعلامي وثقافي بديل. كما حاولت بدرجات متفاوتة من النجاح بناء سمعة (براند)، بوصفها وسيطًا في حل النزاعات الدولية، ووظفت ملاءتها المالية الكبيرة في خدمة هذا الغرض، وفي إنشاء شبكة واسعة من الجمعيات ومنظمات العمل الإنساني التي نشطت في تخفيف ظروف الفقر والإهمال في مناطق مختلفة من العالم، وتمكنت من خلال ذلك من بناء صورة ذهنية إيجابية عن نفسها، محوّلةً دورها هذا إلى حاجة ومصلحة إقليميتين دوليتين. هذه هي الإستراتيجيات التي اتبعها صانع القرار القطري في التقليل من حدة تأثير العوامل البنيوية والتخفيف من قيودها على قدرته على اتباع سياسة خارجية مستقلة وانتزاع دور إقليمي فعال بين قوى إقليمية أكبر، وقدّم بذلك نموذجًا يدعم نظرية أهمية القيادة في تحديد السياسة الخارجية لدولة صغيرة، على الرغم من التحديات التي تفرضها البيئة سواء في ما يتعلّق بالأهداف الطويلة الأمد للدولة أو بصنع القرار خلال الأزمات.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. ثورة مصر. ج.2 من الثورة إلى الانقلاب. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 قبلان، مروان. "العلاقات السعودية – الأميركية: انفراط عقد التحالف أم سياسات عربية. العدد إعادة تعريفه؟" 6 (كانون الثاني/ يناير.)2014

الأجنبية

Al-Rasheed, Madawi. “Saudi Arabia’s Foreign Policy: Loss without Gain?” The New Politics of Intervention of Gulf Arab States, LSE, Middle East Center. Collected papers. vol. 1 (April 2015). Ayub, Fatima. “What Does the Gulf Think about the Arab Awakening?” Gulf Analysis. London European Council on Foreign Relations (ECFR). (April 2013). Baehr, Peter R. “Small States: A Tool for Analysis?” World Politics. no. 3 (1975). Baker-Fox, Annette. The Power of Small States: Diplomacy in World War Two. Chicago: Chicago University Press, 1959. Brown, Michael E. et al. (eds.). The Perils of Anarchy: Contemporary Realism and International Security. Cambridge, MA: MIT Press, 1995. Cooper, Andrew F. & Bessma Momani. “Qatar and Expanded Contours of Small State Diplomacy.” The International Spectator: Italian Journal of International Affairs. vol. 46, no. 3 (2011). Cronin, Blaise. Cooperation under Anarchy: Transnational Identity and the Evolution of Cooperation. New York: Columbia University Press, 1999. Denemark, Robert A. (ed.) The International Studies Encyclopedia. Oxford: Blackwelll Publishing, 2010.

  1. Maass, “The Elusive Definition of the Small State,” p. 74.

Domínguez, Jorge I. “Mice That Do Not Roar: Some Aspects of International Politics in the World Peripheries.” International Organization. vol. 25. no. 2 (1971). East, Maurice A. “Size and Foreign Policy Behavior: A Test of Two Models.” World Politics. vol. 25. no. 4 (July 1973). Ehteshami, Anoushiravan. “GCC Foreign Policy: From the Iran-Iraq War to the Arab Awakening, in the New Politics of Intervention of Gulf Arab States.” LSE, Middle East Center. Collected Papers. vol. 1 (April 2015). Elman, Miriam Fendius. “The Foreign Policies of Small States: Challenging Neorealism in its Own Backyard.” British Journal of Political Science. vol. 25. no. 2 (April 1995). G.T, Allison & P. Zelikow. Essence of Decision: Explaining the Cuban Missile Crisis. 2 nd ed. New York: Longman, 1999. Gaub, Florence. “From Doha with Love: Gulf Foreign Policy in Libya in The New Politics of Intervention of Gulf Arab States.” LSE, Middle East Center. Collected Papers. vol. 1 (April 2015). Gvalia, Giorgi et al. “Thinking Outside the Bloc: Explaining the Foreign Policies of Small States.” Security Studies. vol. 22. no. 1 (2013). Hermann, Margaret G. “Assessing Leadership Style: A Trait Analysis.” Social Science Automation. (November 1999). Hollis, M. & S Smith. Explaining and Understanding International Relations. Oxford: Clarendon Press, 1990. Holsti, K. J. Taming the Sovereigns: Institutional Change in International Politics. Cambridge University Press, 2004. Jervis, Robert. “Do Leaders Matter and How Would We Know?” Security Studies. vol. 22. no. 2 (2013). Kamrava, Mehran. “Mediation and Qatari Foreign Policy.” Middle East Journal. vol. 65. no. 4 (Autumn 2011). Kaplan, Robert D. The Revenge of Geography: What the Map Tells Us About Coming Conflicts and the Battle Against Fate. New York: Random House, 2012. Katznelson, Ira & Helen Milner (eds.). Political Science: State of the Discipline III. New York: W.W. Norton and Co., 2002. Kayaoglu, Turan. “Thinking Islam in Foreign Policy: The Case of Qatar.” Paper presented at the Annual Convention International Studies Association (ISA). California, San Francisco. April 3-6, 2006. Keohane, Robert O. “Lilliputians' Dilemmas: Small States in International Politics.” International Organization. no. __________. Ideas and Foreign Policy: Beliefs, Institutions, and Political Change. Ithaca: Cornell University Press, 1993. __________. Neorealism and its Critics. New York: Columbia University Press, 1986. Khatib, Lina. “Qatar’s Foreign Policy: The Limits of Pragmatism.” International Affairs. vol. 89. no. 2 (2013). Labs, Eric J. “Do Weak States Bandwagon?” Security Studies. no. 1 (1992). Maass, Matthias. “Small Enough to Fail: The Structural Irrelevance of the Small State as Cause of its Elimination and Proliferation Since Westphalia.” Cambridge Review of International Affairs (January 2017). ­_________. “The Elusive Definition of the Small State.” International Politics. vol. 46. no. 1 (2009). Moravcsik, Andrew. The New Liberalism, in Christain Reus-Smit and Duncan Snidal. The Oxford Handbook of International Relations. Oxford University Press, 2008. Morgenthau, Hans. Politics among Nations: The Struggle for Power and Peace. 6 th  ed. New York: Knopf, 1985. Neack, Laura et al. Foreign policy Analysis: Continuity and Change in Its Second Generation. Englewood Cliffs, N.J.: Prentice Hall, c1995. Peterson, J. E. “Qatar and the World: Branding for a Micro – State.” The Middle East Journal. vol. 60. no. 4 (Autumn 2006). Philips, Christopher. “Gulf Actors and the Syria Crisis, The New Politics of Intervention of Gulf Arab States.” LSE, Middle East Center. Collected papers. vol. 1 (April 2015). Rickli, Jean-Marc. “European Small States’ Military Policies after the Cold War: From Territorial to Niche Strategies.”

Cambridge Review of International Affairs. vol. 21. no. 3 (September 2008). Roberts, David B. “Qatar and the Brotherhood.” Survival. vol. 56. no. 4 (2014). __________. “Qatar and the Muslim Brotherhood: Pragmatism or Preference?” Middle East Policy. vol. 21. no. __________. “Understanding Qatar’s Foreign Policy Objectives.” Mediterranean Politics. vol. 17. no. 2 (July 2012). Rose, Gideon. “Neoclassical Realism and Theories of Foreign Policy.” World Politics. vol. 51. no. 1 (October 1998). Rothstein, Robert L. Alliances and Small Powers. New York: Columbia University Press, 1968. Smith, Steve, Hadfield Amelia & Timothy Dunne. Foreign Policy: Theories, Actors, Cases. Oxford: Oxford University Press, 2012. Snyder, Jack. Myths of Empire: Domestic Politics and International Ambitions. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1991. Soubrier, Emma. “Evolving Foreign and Security Policies: A Comparative Study of Qatar and the UAE.” Paper presented at the 5 th Gulf Research Meeting, Cambridge, August 2014. Stein, Arthur A. Neoliberal Institutionalism in the Oxford Handbook on International Relations. Christian Reus-Smit and Duncan Snidal (eds.). New York: Oxford University Press, 2008. Stringer, Kevin D. “Honorary Consuls in Small State Diplomacy: Through Liechtenstein’s Lens.” Discussion papers in Diplomacy. no. 120 (2011). Netherlands Institute of International Relations “Clingendael.” Sultan, Nabil. “Al Jazeera: Reflections on the Arab Spring.” Journal of Arabian Studies: Arabia, the Gulf, and the Red Sea. vol. 3 (2013). Taliaferro, Adam J. “Security Seeking Under Anarchy, Defensive Realism Revisited.” International Security. vol. 25. no. 3 (2000). Ulrichsen, Kristian. Qatar and the Arab Spring. Oxford University Press, 2014. V. M, Hudson. Foreign Policy Analysis: Classic and Contemporary Theory. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2007. Shannon, Vaughn P. & Johnathan W. Keller. “Leadership Style and International Norm Violation: The Case of the Iraq War.” Foreign Policy Analysis. vol. 3. no. 1 (January 2007). W. Carlsnaes, T. Risse and B. A. Simmmons (eds.). Handbook of International Relations. London: Sage, 2002. Walt, Stephen. “Alliance Formation and the Balance of World Power.” International Security. vol. 9. no. 4 (1985). _________. The Origins of Alliances. Cornell University Press, 1990. Waltz, Kenneth N. “Structural Realism after the Cold War.” International Security. vol. 25. no. 1 (Summer 2000). _________. Man, the State and War: A Theoretical Analysis. New York: Columbia University Press, 1959. _________. Theory of International Politics. Reading, Massachusetts. Boston: Addison-Wesley Publishing Company, 1979. Zelikow, P. & Condoleezza Rice. Germany Unified and Europe Transformed: A Study in Statecraft with A New Preface. US: Harvard University Press, 1997.