كركوك في سرديات المظلومية والظالِميّة العراقية
الملخّص
تُعدّ سرديات المظلومية عنصرًا أساسيًا من عناصر صناعة الهويات الفرعية في المجتمعات التي تعصف بها انقسامات مجتمعية ونزاعات بين جماعاتها الفرعية. فلا غرابة أن تزدهر سرديات المظلومية في محافظة كركوك التي تحتل موقع القلب من مشكلة "المناطق المتنازع عليها" في العراق. تنطلق هذه الورقة من تحليل ماهية سرديات المظلومية وطرق توظيفها للماضي في خدمة مشاريع سياسية تتصدرها نُخبٌ سياسية. ثم تقوم باستعراض وتفكيك للسرديات المتنافسة التي تروّج لها نَُخ ب الجماعات الأقوامية في كركوك حول مظلومية، حقيقية كانت أو مُت خ يَّلة، تعانيها المكونات السكانية في المحافظة: الكرد، والتركمان، والعرب والمسيحيون. وتسعى الورقة، عبر استعراضها التحليلي لسرديات مظلومية هذه الجماعات الأربع، لتبيّن آليات عمل هذه السرديات حتى تخلص إلى توضيح الدور الذي تؤديه في تعقيد، إن لم يكن استحالة، فرص التوصل إلى حلول للمشكلات المستعصية المتراكمة في المحافظة وفي انتعاش وتيرة التنازع الأهلي وتصاعدها. كلمات مفتاحية: العراق، كركوك، الكرد، التركمان، المسيحيون، السنة العرب. Victimization narratives compose a principle element in creating of sub-national identities in societies afflicted by divisions and communal disputes. Little wonder then that narratives of victimization abound in Kirkuk province, which lies at the heart of Iraq’s “disputed internal areas” problem. This paper starts of by analyzing the nature of victimization narratives and how they make use of the past to serve political projects spearheaded by political elites. It then turns to surveying and deconstructing the contending narratives propagated by communal elites in Kirkuk regarding the victimization, whether real or imagined, endured by the province’s demographic components – Kurds, Turkmens, Arabs and Christians. By analytically surveying the narratives of victimization of these four communities, this paper seeks to ascertain the workings of these narratives and to explicate the role they play. Keywords: Iraq, Kirkuk, Iraqi Kurds, Iraqi Turkmens, Iraqi Christians, Sunni Arabs.
Kirkuk in Iraqi Narratives of Victimization and the Victimizer
مقدمة1
يجري الحديث عن التركيبة السكانية في كركوك من جهة أنّها قد خضعت لسلسلة متوالية من التغييرات الديموغرافية التي ظلّت تقوم بها أيدي السياسيين ومشاريعهم القومية. ولعل تواشج التغيير الديموغرافي في كركوك في كثير من جوانبه وأبعاده ومسبباته مع السياسة يجعل الحديث عنه مشوبًا بمشاعر المظلومية والأذى والمرارة. ولهذا فغالبًا ما يختلط الحديث عن التحولات الديموغرافية في كركوك بالرغبة في استعادة خريطة سكانية ماضية، واقعية كانت أم مُتَخَيَّلَة، أو البرهنة على مركزية كركوك في سياق مظلومية جماعية أو في الأنا الجمعية. ومن هنا، يصبح من المهم أن نفصل في سياق تعقب مسارات التغيير الديموغرافي في كركوك بين ما هو من نصاب المعرفة التاريخية وما هو من سرديات المظلومية. ولئن كان تقصي وقائع التاريخ وأحداثه مهمً لأغراض الأمانة التاريخية، فإن استقصاء سرديات المظلومية لا يقل أهمية لأغراض فهم رؤى مختلف مكونات كركوك المتباينة عن أزمة محافظة، بما في ذلك وضعها النهائي، والمشاريع التي تقترحها القوى السياسية الممثلة لمختلف المكونات لحل الأزمة، أو جوانب منها، ومواقفها من كيفية إجراء انتخابات لاختيار أعضاء مجلس المحافظة.
سرديات المظلومية وصناعة الهويات
ليست سرديات المظلومية بالضرورة ثَبْتًا أو عَرْضًا موضوعيًا أو أمينًا لوقائع التاريخ. صحيح أنها قد لا تكون قتلً للتاريخ أو افتئاتًا على حقائقه، ولكنها لا تغادر كونها تأطيرًا لنظرة أصحابها للتاريخ وأحداثه في قوالب غائية. ولأن الغايات تتنوع، فإن سرديات الحدث الواحد تتعدد بعدد الغايات. ففي سرديات المظلومية يغدو التاريخ كتلة من طين، يشكّلها الساردون وفقًا لأنساق تسوّغ صياغة هويات جمعية. وهي إذ تقدم لأعضاء الجماعات منظومة وبنية لفهم العالم من حولهم وقصصًا تؤطر ذاكرتهم الجمعية، فإنها تتحول إلى آلية لصياغة هوياتهم ووعيهم بذاتهم؛ فهي بذلك تُعدّ من قوام الجماعات البشرية2. ولما كانت السرديات مصنعًا للهويات، انبرى بعض علماء الاجتماع إلى سك مفهوم "الهوية السردية"3. ويوضح ياسين الحاج صالح دور سرديات المظلومية في صناعة الهوية قائلً: "سرديات المظلومية من أوجه بناء الجماعات، وضمِّ أعضائها إلى صدرها ولَ مِ شقوقها في سياق من تنافسها على السلطة والنفوذ والموارد، والأرض، وعلى خلفية تراجع مؤسسات الحداثة السياسية، الدولة والحزب والمجموعات الطوعية والفرد، وفشل تكوّن شرعية دولية بأدنى درجة من الجدية لهذا المفهوم. ولأن السرديات بانيةٌ للجماعات، فليسَ هناك جماعاتٌ غير مظلومةٍ في عين نفسها، أو بالأحرى في عين نُخَبِها القائدة"4. وعمومًا، لا يُعدّ توافر حالات نزاع جماعي شرطًا ضروريًا وكافيًا وحده لظهور سرديات المظلومية، بل لا بدّ من أن يُضاف إلى حالات النزاع الجماعي وجود نخب تسعى من خلال صياغة سرديات حول مظلومية جماعاتها ليس للدفاع عن حقوق تلك الجماعات المهضومة فحسب، وإنما - ولعل ذلك هو الأهم بالنسبة إلى شرائح واسعة من تلك النخب - لتعزيز موقعها في حلبة "التنافس على الموارد المادية والرمزية والسياسية ضمن الجماعات وفي تنافسها مع بعضها"6. ففي سعيها لبث وعي بذات جمعية وجماعة مُتَخَيَّلة، تمارس تلك النخب سلطة على المعرفة، وتضفي عليها صبغتها وانحيازاتها الأيديولوجية. ودأبُ النخب، كما يكتب حسام مطر، أن "تعيد إنتاج الهويات لتوطيد سلطتها داخل الجماعة ومصالحها، ولتعزز التماسك الاجتماعي حول مشروع سياسي/ أيديولوجي، ولتمتِّ الولاء، لخلق كيان أحادي لا يُعرّف فقط من داخله، بل من خارجه عبر خلق "آخر" نقيض وشيطنته"7. ولا يصدر اعتناء سرديات المظلومية بالماضي عن نزعة ماضوية، وإنما عن رغبة في توظيف الماضي، أو نتف منه، لخدمة أغراض الزمن الراهن. تعتصم سرديات المظلومية بالماضي والتاريخ؛ تلبية لنداء الحاضر، ولإضفاء لون من المشروعية على مشروع راهن. وتستحضر سرديات المظلومية مظالم الماضي لتصوغ ذاكرة الجماعات وخيالها ورغباتها وعواطفها وانفعالاتها وأحلامها وطموحاتها وتطلعاتها وهويتها، وحتى قدرها أيضًا. بيد أن سرديات المظلومية ليست نسيج وحدها في توظيف الماضي لبناء الجماعات. فالسرديات لطالما استُخدِمَت لصياغة ذاكرة جمعية، تُوظَّف في إنتاج أشكال من التضامن، في سياق مشاريع بناء هويات وطنية أو قومية.
وهذه المشاريع لطالما توسلت التاريخ، من حيث هو "مخزون رمزي"8، في سبيل بث أحاسيس وروابط تضامنية جماعاتية، تستوي على نصاب صلة، حقيقية كانت أم مفترضة، بأزمنة سحيقة9. وفي سعيها الهادف إلى لتقديم مادة تماسك لتشكيل هوية الجماعات وحاضرها، تنظم السرديات الذاكرة الجمعية وفق تراتبية هرمية، "بحيث إنها تنتقي من الذاكرة ما هو مهم، وتحيل ما هو غير مهم إلى هوامش الوعي أو إلى اللاوعي"10. ويستدعي هذا إلى الأذهان أطروحة "الوعي الجمعي" لعالِم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم الذي عرّفه بأنه "مجموعة المعتقدات والمشاعر المشتركة لدى الأعضاء العاديين في المجتمع والتي تشكل نسقًا محددًا له حياته الخاصة به"11. والسرديات في أبسط معانيها هي قصص تروي أحداثًا ووقائع، ولا فرق بين تداولها مكتوبة أو محكية. وبما أنّ أهميتها لا تكمن في استخدام الأفراد لها لفهم العالم من حولهم فحسب، وإنما أيضًا بوصفها أداةً عقلية أو إدراكية لاتخاذ موقف وتحديد موقع لهم في نسيج العلائق والتفاعلات المجتمعية، فإن ذلك يحيلنا على ما نبّه له عالم النفس الأميركي الراحل جيرومي برونر من جهة أن الوظيفة الأساسية للعقل هي "صناعة العالم"12. في ضوء هذا، تتجلى لنا السرديات على أنها أساطير هذا الزمان. فعبرها يصنع الأفراد أو يخترعون عالمهم، أو على الأقل يخترعون رؤيتهم لهذا العالم التي يرونها على أنها هي العالم من حولهم بالفعل. وهكذا يغدو النقاش حول كون المظلومية حقيقة من عدمها نافلً. ففي عالم غارق بسرديات المظلومية، "لا يوجد فرق بين من هو مظلوم حقًا، وبين الذي يتخيل أنه مظلوم، وبين من كان مظلومًا في السابق (ولكنه ليس مظلومًا الآن)، وبين الذي لم يعرف المظلومية البتة في قرونٍ مضت ولكنه يرى نفسه مظلومًا أزليًا"13. وبما أنه لا مظلوم بلا ظالم، فإن سردية المظلومية لا تسعى لتسليط الضوء على معاناة المظلوم من الظلم فحسب، وإنما تسعى أيضًا لوضع الظالم في قفص الاتهام. وعلى حد قول ياسين الحاج صالح: "لا توجد سردية المظلومية الخاصة بأي جماعة منفصلة عن سردية ظالمية موجهة ضد جماعة مقابلة، يُفتَ ض أنها موحدةٌ ومتجانسة"14. وإذ تدّعي سرديات المظلومية وصلً لا تنفك عُراه بليلى الحق الذي تراه متماهيًا مع الجماعة المظلومة، فإنها ترى الشر ماثلً في الجماعة المقابلة. من هنا، فإن الهوية الجمعية التي تصوغها سرديات المظلومية ليست هوية حوارية، وإنما هي هوية سجالية قوامها التمايز السلبي عن الجماعة التي تراها ظالمة لها والاشتباك معها. فسرديات المظلومية هي، في الحصيلة، كالأسوار، إنها عامل وحدة وتمايز ودفاع عن الذات الجمعية في آن معًا. فهي ليست عنصرًا أساسيًا يدخل في صياغة لُحمة جماعة ما وتعاضدها فحسب، وإنما هي ترسم تخوم تمايز الجماعة وتباعدها وتفاضلها أيضًا. وعلى الرغم مما تبثه سرديات المظلومية من ألم وشكوى، فإنها لا تنفك تعلي شأن المظلومية، أخلاقيًا ومعنويًا. فالمظلومية لا تكتسي في هذه السرديات أردية الذل والهوان، وإنما ترفل في أثواب الرفعة والسمو الأخلاقيين. فلا غرو أن تطالعنا من خلال سرديات المظلومية جملة من العِبَ، لعل من أبرزها ما تطلق عليه عالمة الاجتماع الدانماركية، صوفي دانسكيولد سامسو، اسم "أخلاقية المعاناة"15. فالمظلوم في سردياته يتعالى عن جراح مظلوميته، ويستل مكسبًا أخلاقيًا من قلب المعاناة ومن بين أنياب وجعها. وكلما بدا الظالم في سرديات المظلومية أشد خسة ودناءة وقسوة ووحشية، أطل علينا المظلوم أعلى مكانة وإنسانية وأعز وأرحم. إذًا، في سرديات المظلومية بعد درامي؛ فهي في جوهرها قصة صراع بين الخير والشر: بين الرفض والمقاومة من جهة، وبين السيطرة والإخضاع، من جهة أخرى. "وهكذا يمكن للسرديات أن تؤدي دورًا كمرتكزات للمقاومة وأن تضفي عنصر تحريك جمعي"16. ولكن سرديات المظلومية تُبلِّد، إن لم تصادر كليًا، الإحساس أو الوعي بالظلم الواقع على الجماعة المقابلة، سواء كان الظلم صادرًا عن رافعي راية الجماعة المظلومة أو عن غيرها. أصلً، تسدّ سرديات المظلومية الآفاق أمام إمكانية تصور صدور الظلم عن الجماعة المظلومة. وبقدر ما تحجب سرديات المظلومية الظلم الواقع على الجماعة المقابلة، تُوَظَّف أيضًا لحجب الظلم الواقع داخل الجماعة17.
ثمة نزعة خلاصية مضمرة ثاوية في سرديات المظلومية. فهي إذ لا تترك لنا مجالً للشك في ما يتمتع به المظلوم من تفوق أخلاقي، تفتح الباب على مصراعيه أمام تخيلّات يوم المظلوم على الظالم، يوم الجماعة التي ترى في نفسها تجسيدًا للخير على الجماعة التي ترى فيها رمزًا للشر. وفي مشهد صراعي يضج بسرديات متناقضة، كمشهد كركوك العابق بسرديات المظلومية والظالمية من كل حدب عِرقي وأَقْوامي وصوب، تساهم هذه السرديات في تأبيد الصراع وإعادة إنتاجه على قدر أكبر من التعقيد كلما طال الزمن. فإذ تُراكِمُ سرديات المظلومية مشاعر الهم والغم الجمعية، وتدغدغ شهوة الثأر والانتقام لدى المظلومين، فإنها لا تكتفي بأن تستولد لديهم توقًا جارفًا لأن يُرِيَهم الله في ظالميهم يومًا، ولكنها تحرض أعضاء الجماعة أيضًا على ركوب مركب خشن هو مركب المواجهة ضد الوضع القائم على المظلومية، مظلوميتها هي أو ما تراه كذلك18. فمشاعر الانكسار والإذلال والمهانة والغضب والحقد التي تبعثها سرديات المظلومية قمينة بأن تُعبّئ أعضاء الجماعة في سبيل العمل الجماعي الذي لا يشطب العنف من سلة خياراته19. في ضوء هذا، نحاول تعقب موقع كركوك في بعض سرديات المظلومية التي تعج بها بلاد الرافدين.
اصطراع سرديات المظلومية الكركوكية
11 السردية الكردية
تحتل كركوك مكانة خاصة في سردية المظلومية الكردية المُتَدَاوَلة والخطاب السياسي الكردي. وهي تطالعنا في هذه السردية بأنها "قلب كردستان" و"قدس الأكراد." وبقدر ما تضفي مفردات خطاب كهذه هالة من الخصوصية والتضخيم والتفخيم، بل القدسية أيضًا، على مكانة كركوك، تعمد إلى أن تُسقِطَ على صورتها في الوجدان الجمعي الكردي فيضًا غامرًا من المشاعر الجياشة، أبرزها الحنين إلى ماضٍ غابر، بغضّ النظر عن كونه حقيقيًا أو مُفترضًا أو مُتَخَيَّلً، والتوق إلى مستقبل منشود. وهذه المفردات تستدعي ما يحيط بصورة القدس من مشاعر لطالما ألهبت الوجدان الجمعي للعرب والمسلمين الذين ينظر معظمهم إلى القدس عاصمةً لدولة فلسطينية مستقبلية ومدينة مقدسة لا يمكن التخلي أو التنازل عنها. لا يعني هذا أن السردية الكردية لا تُقِرُّ تنوع التركيبة العرقية لكركوك، ولكنها إذ تُقِرُّ التنوع سمةً وخصيصة كركوكية بامتياز، فإنها تركز على عمق الوجود الكردي تاريخيًّا في كركوك وتُروِّج من خلال هذا التركيز لدعوى الحركة القومية الكردية بأنّ كركوك هي جزء لا يتجزأ من كردستان التاريخية. وتتوسل السردية الكردية التاريخ، ويشحذ المروجون لها من المفكرين والأكاديميين وأرباب القلم والسياسيين وكتّاب الأدبيات الحزبية الكردية أدواتهم البحثية للتأسيس لدعوى أن شعوبًا من أسلاف الكرد، وتحديدًا شعبَا اللولو والحوريين، هم الذين بنوا كركوك، وليركزوا على المراحل التاريخية المتأخرة التي كانت فيها كركوك جزءًا من إماراتي أردلان وبابان الكرديتين، وأن العثمانيين جعلوها عاصمة لولاية شهرزور من القرن السادس عشر حتى عام 8791 عندما نُقِلَت العاصمة إلى مدينة الموصل20. وتتسلح السردية الكردية بالأرقام لتؤكد أن الكرد كانوا دومًا يشكلون أكبر جماعة عرقية، إن لم يكونوا أغلبية، في محافظة كركوك. وفي هذا السياق، لا مصدر يحلو لهذه السردية أن تستشهد به أكثر من العمل قاموس الأعلام، والمنشور عام الموسوعي الموسوم 315/1 ه 8981 م لكاتبه المؤرخ العثماني المتحدر من أصل ألباني شمس الدين سامي، ويذكر فيه أن ثلاثة أرباع سكان مدينة كركوك في زمانه كانوا من الكرد، في حين أن الربع الباقي تشكل من العرب والتركمان وجماعات أخرى21. وبات هذا التأكيد، على ما يكتنفه من تشكيك الباحثين، من المُسَلَمّات اليقينية في سردية المظلومية الكردية في كركوك، وأساسًا لتأكيدات مشابهة في شأن التركيبة الديموغرافية لكركوك في المراحل اللاحقة. ويتبنى هذا الموقف الرئيس العراقي السابق وزعيم الاتحاد الوطني الكردستاني جلال طالباني، مؤكدًا أن الكرد يشكلون أغلبية في المحافظة، في حين أن التركمان يشكلون نسبة مئوية كبيرة من سكان المدينة. أمّا العرب، فهم أقلية لا تتعدى ال 01 في المئة من
سكان المحافظة22. وعلى المنوال نفسه ينسج الكثير من الكتاب والسياسيين الكرد الذين لا يفتأون يؤكدون أن محافظة كركوك كانت دومًا، قبل بدء عمليات التغيير الديموغرافي الممنهج، ذات أغلبية سكانية كردية.23 أن يتحدث المرء إلى السياسيين الكرد في كركوك عن تركيبة المحافظة العرقية، فإنه يستنهض مباهاة بأغلبية يرفعون لواءها كما لو كانت مُسَلَّمَة إيمانية. ويتدفق هذا التباهي بالتفوق العددي على لسان رزكار علي، رئيس مجلس محافظة كركوك الأسبق وعضو المكتب السياسي في الاتحاد الوطني الكردستاني، إذ يقول: "الأكراد يشكلون الأكثرية، يأتي بعدهم العرب ثم التركمان وبعدهم الكلدوآشوريون." لا يقدم رزكار علي أي وثائق تثبت دعواه، مكتفيًا بالإشارة إلى إحصاءات دقيقة لعدد سكان المحافظة قبل أن ينبري للتأكيد: "إذا اعتبرنا أن نسبة الأكراد في مجلس المحافظة هو المقياس فسوف نعرف أن عددهم 21 عضوًا، مقابل 11 من التركمان و 7 من العرب موزعين على عدة قوائم"24. وهكذا يتوسل رزكار علي نتائج انتخابات مجلس المحافظة عام 0052 في تقييمه الأوزان العددية لمكونات كركوك. فالنتائج التي أفرزتها هذه الانتخابات أظهرت فوز كتلة كركوك المتآخية التي تتصدرها الأحزاب الكردية ب 62 مقعدًا، مقابل 9 مقاعد لجبهة تركمان العراق، القائمة التي خاض فيها ائتلاف من عدة أحزاب تركمانية الانتخابات، و 6 مقاعد للقائمة العربية التي خاضت السباق الانتخابي تحت مظلتي التجمع الجمهوري العراقي والتجمع الوطني العراقي25. ولكن الحجة التي يدفع بها رزكار علي لا تستقيم مع المنطق الذي يسوّغ به تأكيداته. فلو كانت نتائج الانتخابات معيارًا للأوزان العددية للمكونات، للزم أن يكون التركمان وليس العرب، كما يؤكد هو، هم المكون الثاني من حيث العدد. وتنسب سردية المظلومية الكردية لكركوك موقعًا مركزيًا في كفاح الحركة القومية الكردية، عبر استحضار وقوف معضلة كركوك عقبة كأداء في كل المفاوضات التي جرت بين بغداد والكرد بين عامي 9631 و 991.1 ويشير السياسي الكردي المخضرم والنائب السابق في البرلمان العراقي محمود عثمان إلى أن اتفاقية الحكم الذاتي التي أبرمتها الحكومة العراقية مع الزعيم الكردي الراحل الملا مصطفى بارزاني في 11 آذار/ مارس 9701 "أقرت على تطبيع الأوضاع في كركوك وإجراء إحصائية سكانية لسكان المحافظة لغرض اتباعها إلى ما كان يسمى بمنطقة الحكم الذاتي (إقليم كردستان حاليًّا)، لكن سجلات تسجيل نفوس المحافظة تم نقلها إلى بغداد والتلاعب بها، ثم ساءت العلاقات بعد عام بين الأكراد والحكومة"26. وتعج سردية المظلومية الكردية بإحالات على ما اتخذته الحكومة العراقية من إجراءات أدّت إلى تناقص نسبة السكان الكرد في كركوك. وتروّج هذه السردية لروايات حول الإجراءات القمعية والتعسفية التي اتخذها نظام حكم حزب البعث في حق الأكراد، وخصوصًا عمليات الترحيل القسري والتعريب والقتل الجماعي التي بلغت ذروة وحشيتها في حملة الأنفال عام 988.1 وهي وإن لم تخلُ من إشارات إلى ما لحق التركمان من ظلم إبان حكم النظام السابق، فإن هذه الإشارات لا تعدو غالبًا أن تكون من زخرف القول ولزوميات تأكيد البعد الطغياني الشامل لنظام صدام حسين، من دون أن ترقى بأي حال من الأحوال إلى المساواة بين مظلومية الآخر التركماني ومظلومية ال "نحن" الكرد. فلا مظلومية تضاهي مظلومية الكرد في هذه السردية، ومن ثمّ فلا يوجد مَنْ هو أرفع شأنًا أخلاقيًا من ضحايا هذه المظلومية. وفي حديثها عن حملة الأنفال، لا تفتأ سردية المظلومية الكردية تذرف الدموع خوابيَ. وحملة الأنفال تتراءى لنا في سردية المظلومية الكردية طقسَ عبور بالنسبة إلى الكرد نحو فرادة في فضاء التاريخ المفتوح والمشبع بالمظلومية والتوحش. ف "وحشية هذه الحملات والجينوسايد التي قام بها النظام المقبور ضد الكورد لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإنساني الطويل"28. وجريمة كهذه تختزل ذاكرة متورمة من الجرائم المُرتَكَبَة في حق الكرد؛ ذلك أن "حملات الأنفال لم تكن صدفة، ولم تكن أول عمل وحشي ضد الشعب الكوردي، بل سبقتها جرائم أخرى"29. لا تكتفي سردية المظلومية الكردية ببث "لواعج" الحزن والأسى والغضب، بل تنبري متطلعة إلى إزالة آثار عمليات التعريب. وتجاهر بهدف استعادة التوازن السكاني في كركوك الذي سبق عمليات التغيير الديموغرافي التي قادتها أجهزة الدولة العراقية قبل عام 003.2 وتؤكد هذه السردية، في هذا السياق، ضرورة إعادة الوافدين إلى مناطقهم الأصلية، وعودة سكان كركوك الأصليين الذين أ خرِجوا
من ديارهم وهُجِّروا إبان عمليات التعريب، والسواد الأعظم منهم من الكرد. وتبدو صورة الوافدين في كركوك، بصفتهم مستوطنين شجَّعتهم الحكومة العراقية السابقة على الانتقال إلى كركوك والإقامة فيها، من أجل تغيير التركيبة السكانية للمحافظة. لا مجال في هذه السردية لانتقال عرب من مناطق أخرى من العراق إلى كركوك؛ سعيًا وراء أسباب الرزق أو لقمة العيش أو أي غرض آخر. وعين سردية المظلومية الكردية كليلة عن أي ممارسات قسرية ترتكبها أطراف كردية، من قبيل المضايقات أو الاعتقالات أو التهديدات أو ما شابه ذلك، لإكراه الوافدين على العودة إلى مناطقهم الأصلية. فكما في سرديات المظلومية عمومًا، نرى أن ال "نحن" المظلومين في عُرف سردية المظلومية الكردية لا يمكن أن يكونوا ظالمين. وهكذا تسعى هذه السردية لتصوير الوافدين على أنهم راغبون من تلقاء أنفسهم في مغادرة كركوك والعودة إلى مناطقهم الأصلية لقاء الحصول على ما تقدمه الحكومة من حوافز. ويُشَدِّد دلير درماني، المدير السابق لإعلام محافظة كركوك، على "أن هناك عددًا كبيرًا من العوائل العربية التي جاءت إلى المدينة في عهد صدام حسين ضمن خطة تعريب المدينة، تريد العودة إلى محافظاتها الأصلية مقابل منحة من الحكومة تبلغ 02 مليون دينار لكل عائلة وقطعة أرض سكنية في محافظتهم الأصلية"30. تتوخى سردية المظلومية الكردية إسدال الستار على مسألة كركوك والمناطق المتنازع عليها، فتطرح ضمها إلى إقليم كردستان مشروعًا للوضع النهائي للمحافظة. وهي لا تسوّغ هذا المشروع عبر تصويره بأنه امتياز أو استحقاق للكرد بسبب مظلوميتهم التاريخية فحسب، وإنما تشفع ذلك باستدعاء منطق عودة الابن الضال إلى حضن الأم. يطالعنا هذا التسويغ من خلال سطور مقالة لنجيرفان بارزاني، رئيس الوزراء في حكومة إقليم كردستان، ورد فيها: "يجب أن يكون لدينا تعويض عن المظالم التي ارتُكِبَت في حق شعبنا"31، ويكتب: "في كركوك، وهي جزء لا يتجزأ من كردستان، تاريخيًا وجغرافيًا، تعرَّض شعبنا إلى الطرد، وجرى التلاعب بحدود المحافظة. يجب أن يكون هناك استفتاء مُجَدْوَل، في اقتراع عادل وبالحدود الصحيحة، لتمكين محافظة كركوك من الانضمام إلى بقية كردستان"32. والمقصود بالتلاعب بحدود المحافظة هو الإجراءات التي اتُّخ ذَت إبان حكم حزب البعث لتغيير الحدود الإدارية لكركوك عبر سلخ أقضية ومساحات ذات أغلبية كردية عنها وضم أخرى ذات أغلبية عربية إليها. ولئن دأبت سردية المظلومية الكردية في تكرار الدعوة إلى تطبيق المادة 401 من الدستور العراقي الدائم، والتي تتضمن خريطة طريق لحل مشكلة المناطق المتنازع عليها ومن ضمنها كركوك، فإنها لم تتزحزح عن رفضها القول إن هذه المادة قد باتت في عِداد الأموات بسبب تجاوز السقف الزمني لتطبيقها، والذي نَصَّت عليه، وهو 31 كانون الأول/ ديسمبر 007.2 وهي في إصرارها هذا تصدُر عن إيمان راسخ بوجوب إعادة كركوك إلى حضنها الكردستاني. فكركوك التي تقرع في الوجدان الجمعي الكردي أجراس الخيبة والأمل في آن تظل تبثّ الوجع في سردية المظلومية الكردية طالما ظلت خارج حدود إقليم كردستان.
22 السردية التركمانية
لعل من أبرز ملامح سردية المظلومية التركمانية هو اهتمامها الوثيق بمدينة كركوك. فهي إذ تتصدى للدفاع عمّ تراه مظلومية التركمان وأحقيتهم في محافظة كركوك، فإنها تجيش عاطفة ومشاعر تعبّ عن مركزية هذه المدينة في وجدان تركمان العراق، ومن ثمّ عما تكتنزه من رمزية عالية بالنسبة إلى الحضور التركماني في أرض الرافدين. وتأتي سردية المظلومية التركمانية مشحونة بهيمنة التاريخ. فهي إذ لا تنكر وجود مكونات أخرى غير المكون التركماني فيها، فإنها تؤكد أن كركوك مدينة تركمانية تاريخًا ولغةً وثقافةً. ومع ذلك، تلوذ سردية المظلومية التركمانية بالأرقام لتؤكد أن التركمان شكلوا أكبر جماعة عرقية في مدينة كركوك حتى عام 003.2 ويستشهد النائب في البرلمان العراقي ورئيس مجلس محافظة كركوك السابق حسن توران بوثيقة غير منشورة صادرة عن أحد أجهزة المخابرات العراقية عام 9971 تشير إلى أن "عدد التركمان في كركوك كان 360 ألف نسمة ونسبتهم هي 45 في المائة، ونسبة وجود العرب تشكل 30 في المائة، والأكراد 02 في المائة"33. ولكن إذ تبدو ملامح هذه الثقة بالتفوق العددي للتركمان في أحاديثهم، نُخبًا وقواعد، وحواراتهم وخطابهم، فإنها تشفّ في الوقت ذاته عن بُرحاء ألم على وقع تراجيديا تراجع هذا الوزن تحت وطأة ما طرأ على المدينة من تغييرات سكانية، قبل سقوط نظام البعث عام 0032 أو بعده. وكما في كل سردية تفتل عضلات الأوزان، يكون الوجه الآخر للتباهي بكثرة ال "نحن" هو الإحالة على الضمور العددي لل "هم." فيطالعنا من ثنايا الاعتداد بالتفوق العددي التاريخي للتركمان في المدينة، والمشوب بمواجع الشعور الأقلوي المستجد، إشارات وإيماءات إلى أن المكونات الأخرى، من الكرد والعرب والكلدو - آشوريين، شكلت دومًا أقليات عددية في المدينة لم يشهد حضورها نموًا يُعتدُّ به
سوى في أعقاب اكتشاف النفط في كركوك عام 927.1 وفي القراءة التاريخية التي يقدمها الضابط السابق في الجيش العراقي والقيادي في الجبهة التركمانية العراقية، صبحي ناظم توفيق، عن تغير الملامح الديموغرافية لمدينة كركوك في الحقبة المتأخرة، تعبير لا يقبل التأويل عن ذلك. ففي عقب اكتشاف النفط في كركوك، "تهافت عليها الآلاف من أهالي شماليّ العراق بشكل خاص، ضمّت مسيحيين آشوريين وكِلدانيين وأرمَنيين بأسبقية أولى، وأكرادًا وعربًا وغيرهم بأسبقية لاحقة، فيما توافد إليها عراقيون آخرون لينشئوا في بعض بقاعها مصالح تجارية واقتصادية ما لبثت أن تطورت وسط هذه المدينة الغنية التي رُبِطت مع 'بغداد وأربيل' بسكة حديد وطرق مبلّطة عديدة مع خمسة ألوية/ محافظات في أوانه، فيما تأسست 'القيادة العسكرية للمنطقة الشمالية' 927()1 وبُنِيَ العديد من المعسكرات الكبيرة في ضواحيها وانخرط في تشكيلاتها الآلاف من الشباب الأكراد وغيرهم من سكنة ألوية 'كركوك، السليمانية، أربيل، والموصل"34. ولئن اقتصر صبحي ناظم توفيق على التطرق إلى تحولات الصورة الديموغرافية لمدينة كركوك، فإن سردية المظلومية التركمانية لا تعدم ساردين يسحبون ملامح هذه الصورة على معظم محافظة كركوك وما حولها من المناطق. فالكثير من السياسيين وأرباب القلم التركمان يُظهِرون شغفًا بتسليط الضوء على الوجود التركماني التاريخي في مناطق شاسعة ليس من أراضي محافظة كركوك الحالية فحسب، بل في أجزاء واسعة من الشمال العراقي أيضًا35. وهذه المساحات، ومن بينها مناطق ذات ثقل سكاني كردي حاليًا مثل أربيل، والممتدة على شكل هلال من الحدود العراقية - السورية إلى الحدود العراقية - الإيرانية اختزنتها الأيديولوجيا القومية التركمانية بعمق وحنين على أنها "وطن التركمان"، أو "توركمن إيلي" بالتركمانية. ولعل في ربط هذه المناطق بإحكام برباط الأيديولوجيا القومية التركمانية، فضلً عما يلقاه هذا الربط من صدى يتردد في الوجدان الشعبي التركماني، ما يجعل من مشاعر الخسارة والانكسار والخوف من المستقبل في سردية المظلومية التركمانية أفدح وأعمق. تتصدى سردية المظلومية التركمانية لذاكرة مدينة كركوك، بكل ما مر عليها من رخاء وعمران وتقلبات ومحن وخراب تواطأت على إنتاجه خيراتُ باطن الأرض وتنافسُ الدول وأدواتُ القمع وويلاتُ الحروب والحصار، ولكنها تظل مسكونة بهاجس إثبات حضور تاريخي وثقافي تركماني ضارب في عمق التاريخ في المدينة. ولئن عمدت السردية التركمانية إلى تأصيل وجود التركمان في العراق عبر تتبُّع بدايات حضورهم في بلاد الرافدين إلى القرن الهجري الأول وأفردت حيزًا واسعًا للهجرات التركمانية المتعاقبة إليها والإمارات التركمانية التي حكمت أجزاءً واسعة منها36، فإنها لا تكلّ ولا تملّ من التوقف طويلً عند الأثر التركماني البالغ في الحياة الثقافية للمدينة. والسردية التركمانية في هاجسها هذا تنم عن وعي حاد بالدور المحوري للغة في تشكيل الهوية وإضفاء وعاء حاضن لها. فلا يكلّ السياسيون والكتّاب والمثقفون والناشطون التركمان من التذكير بأنّ اللغة التركمانية كانت هي السائدة في كركوك في السنوات الأولى للدولة العراقية الحديثة، ويستشهدون بإشارات إلى ذلك أوردها مؤرخون عراقيون وأجانب. لا تنظر سردية المظلومية التركمانية إلى هوية كركوك من عيون اللغة فحسب، وإنما تنظر إليها أيضًا من منظور الإرث الثقافي التركماني بتجلياته المتعددة، بدءًا بالأساطير والحكايات الشعبية، مرورًا بأسماء المحلات والحارات والأمكنة، وليس انتهاءً بالنتاج الأدبي والفكري والصحافة37.
ولا تشذ السردية التركمانية عن غيرها من سرديات المظلومية في أن ترى، على نحو يتاخم حدود التفاخر، ملامح خاصة تتفرد بها مظلوميتها عن غيرها من المظلوميات التي تتنافس لاحتلال موقع الصدارة في فضاء سرديات المظلومية الكركوكي. وكما في سائر سرديات المظلومية عمومًا، لا صوت يُعبِّ عن المظلومية التركمانية هنا أقوى
من صوت الدم المسفوك ظلمً وعدوانًا. تتلو سردية المظلومية التركمانية مزامير أحزانها وأتراحها المثقلة بالحضور الطاغي لعدد من المذابح التي تعرّض لها التركمان في كركوك في العراق الحديث، بدءًا بإقدام ثلة من الجنود الآشوريين المُلحَقين بالقوات البريطانية والمعروفين باسم "التياريين" أو "الليفي" على قتل عدد من المواطنين التركمان إثر مشاجرة في سوق كركوك الكبيرة في 4 أيار/ مايو 9241، مرورًا بإطلاق الشرطة العراقية النار على عمال معتصمين في حديقة كاورباغي في حي قورية في مدينة كركوك للمطالبة برفع أجورهم في 12 تموز/ يوليو 9461، وليس انتهاءً بمجزرة 41 تموز/ يوليو 9591 التي ارتكبتها عناصر مسلحة من الحزب الشيوعي العراقي والحزب الديمقراطي الكردستاني (البارتي) في حق التركمان في المدينة38. بهذه المذابح نالت مظلومية التركمان معمودية فرادتها. ففي مذكرة رفعوها إلى الزعيم عبد الكريم قاسم في تموز/ يوليو 9591، قال مواطنون تركمان من كركوك: "لقد ظهرت في سماء كركوك الكئيبة موجة من الإرهاب والاضطهاد لم يشهد مثلها بلد آخر حتى في أحلك أيام العهد البائد، وكانت هذه الموجة موجهة إلينا نحن التركمان وحدنا"40. وفي معرض سعي سردية المظلومية التركمانية لأن تحتفظ لمظلومية التركمان بصفة الفرادة تؤكد ما واجهه التركمان في العراق، وفي كركوك خاصة، من انتهاك لحقوقهم الثقافية واللغوية على مر العقود في ظل الدولة العراقية الحديثة، مثل التفاف سلطات النظام السابق على قرارها السماح بالدراسة باللغة التركمانية في أوائل السبعينيات41. كما تنحو هذه السردية إلى تأكيد أن حملة "تصحيح القومية" التي جَرَّدَها النظام السابق على أعتاب التعداد السكاني لعام 9971 في سياق مساعيه الهادفة إلى "تعريب" كركوك قد لحقت التركمان دون سواهم من المكونات الأقوامية في المحافظة. ويقول تحسين كهية، عضو مجلس محافظة كركوك وعضو "لجنة تنفيذ المادة 401 من دستور جمهورية العراق" وعضو المكتب السياسي للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق، أحد أكبر الأحزاب السياسية التركمانية الشيعية، إن قرار "تصحيح القومية" قد "شمل القومية التركمانية فقط دون غيرها"؛ فقد عمد النظام السابق في سياق تنفيذ هذا القرار إلى "ممارسة الضغوطات وإجبار المواطنين التركمان على تصحيح قوميتهم وبدونها [كذا] يتعرضون إلى سلب للحقوق وغصب للممتلكات ونقل للوظائف أو حرمانهم من حقوق المواطنة." ولئن تتصدى السردية التركمانية لتسليط الضوء على ما لحق بالتركمان من حيف إبان حكم النظام السابق، فإنها تطرح في الوقت ذاته ضرورة رفع هذا الحيف عبر "العمل على إيجاد آلية وحل سريع بإلغاء قرارات الاستملاك والمصادرة وإصدار قرارات جديدة لحل وإعادة حقوق المواطنين"42.
وإذ تختط سردية المظلومية التركمانية نسقها الخاص في بث شكوى المظلومية الواقعة بالتركمان، فإنها تحرص على تأكيد أن إطاحة النظام السابق لم تؤذن باندثار هذه المظلومية، وإنما أرهصت تحولً في هوية ظالمي التركمان. لا يفوّت ناسجو سردية المظلومية التركمانية أي فرصة لتسليط الضوء على ما شهدته كركوك منذ عام 0032 من زيادة كبيرة وغير طبيعية في عدد السكان الأكراد فيها. وهم يوجهون أصابع الاتهام إلى الأحزاب الكردية، وخصوصًا الحزبين الكرديين الرئيسين، الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، وسلطات إقليم كردستان باتخاذ إجراءات وتقديم حوافز منذ عام 0032 تهدف إلى زيادة عدد الأكراد القاطنين في كركوك بغية تغيير تركيبتها الديموغرافية. وتضج السردية التركمانية بشكوى مُرَّة وحزينة مما تصفه ب "تكريد" كركوك يختصرها حسن توران بقوله: "نسبة الأكراد ارتفعت بسبب تهجير الآلاف من الأكراد من مدن إقليم كردستان إلى مدينة كركوك من أجل تكريد المدينة." وإذ يؤكد توران أن التركمان ليس لديهم أي اعتراض على عودة الأكراد الذين هُجِّروا من كركوك إبّان حكم النظام السابق إلى المحافظة، فإنه يسارع إلى القول مستدركًا: "لكننا ضد استجلاب أكراد آخرين ليسوا من سكان كركوك لغرض حسم مسألة الاستفتاء لصالح الأكراد"43. ويزدهر موسم شكوى "تكريد" كركوك في الخطاب السياسي التركماني الذي لا يترك للصدفة أو للظروف أو لِيَدِ القدر شيئًا أو حَدَثًا شهدته
كركوك في عقب عام 0032، فيقتات على نظرية مؤامرة تفترض وجود مخطط مرسوم بدقة وعناية يقودُ تَكَشُّفَ الأحداث نحو مآل "التكريد." وهكذا تحيلنا السردية التركمانية على يد خفية تكمن وراء الكثير من الأحداث التي شهدتها كركوك، إثر سقوط نظام صدام حسين، غايتها "تكريد" المحافظة. ففي كلمة ألقاها في مؤتمر عشائري في بغداد في تموز/ يوليو 0082، رأى رئيس حزب العدالة التركماني العراقي، أنور بيرقدار، أن ما شهدته كركوك من أعمال سلب ونهب وحرق للدوائر الحكومية وإتلاف وسرقة لسجلات النفوس، بعد سقوط المدينة في قبضة القوات الأميركية وقوات البيشمركة الكردية عام 0032، لم تكن سوى أول الغيث في مخطط يهدف إلى "ابتلاع المحافظة واستقطاعها من العراق"، فضلً عن "تهميش وإقصاء" للعرب والتركمان44. وعند ملامستها لما اجترحته عملية صياغة دستور جديد للعراق في حقبة ما بعد 0032 من حلول لمشكلة كركوك والمناطق المتنازع عليها، تختلط الشكوى بالرفض في سردية المظلومية التركمانية التي يعلو صوتها في الاعتراض على المادة 401 من الدستور العراقي. ويغطي ضوضاء الاعتراضات التركمانية المادة 401 على كل صوت تركماني آخر، مثل المواقف التي يطلقها بعض الأحزاب التركمانية الصغيرة المرتبطة بالأحزاب الكردية، ويتناغم موقفها مع الموقف الكردي المؤيد لتطبيق المادة 140 45. قبل انقضاء الموعد النهائي لتطبيق المادة 401 في نهاية عام 0072، دأب السياسيون التركمان في التحذير من عواقب خطِرة في حال تطبيقها46. وما إن انقضى الأوان المنصوص عليه دستوريًا لتنفيذها حتى انبروا، كما ورد على لسان حسن توران، لتأكيد أن "المادة 401 من الدستور العراقي غير صالحة بسبب نفاذ صلاحياتها تاريخيًا"47. ومع كل صرخات الاعتراض التي تطلقها سردية المظلومية التركمانية حيال المادة 401، فإنها تظل مسكونة بهاجس إزالة ما لحق بالتركمان من حيف إبان حقبة حكم حزب البعث، وتطرح في الحصيلة النهائية حلولً تستوحي في جوانب كثيرة منها مضمون المادة.140 فسردية المظلومية التركمانية تؤكد "ضرورة إزالة سياسة النظام البائد وإعادة المدينة إلى وضعها السابق من خلال تطبيع الأوضاع وإعادة الحقوق إلى المتضررين من جراء تلك السياسات وهذا حق طبيعي لكل مواطن في امتلاك حقوقه وممارسة حرياته والسكن في موطنه الأصلي"49. وعلى المنوال نفسه، فإنها تتطلع أيضًا إلى "إيجاد آلية وحل سريع بإلغاء قرارات الاستملاك والمصادرة وإصدار قرارات جديدة لحل وإعادة حقوق المواطنين"50. وهكذا، أمام طوفان الانكسارات والخيبات، تنشد سردية المظلومية التركمانية الفرار من آلام الحاضر ومواجع التاريخ القريب فتنكفئ إلى الحنين إلى زمن غابر سابق لحقبة المظلومية.
33 السردية العربية
أبرز ما يستوقف المرء في سردية المظلومية العربية في كركوك هو جِدتها. فهي تستمد أسباب وجودها من احتلال العراق وما نجم عنه من آثار، وتستوي على نصاب شعور مستجد بالظلم والاضطهاد والتهميش يساور أساسًا السنة العرب في العراق. كان الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق بالنسبة إلى السنة العرب، بصفتهم جماعة، نقطة تحول من مرحلة إلى أخرى، بل إنّه كان طَقْس عبور يؤذن بمولود جديد، أو حتى بمسخ لا تعرفه، وبنظام سياسي خ يطَ من قماشة لم تعتد عليها ولم تجرّبها منذ تأسيس العراق الحديث. وهذا ما يفسر، إلى حد كبير، أن سردية المظلومية العربية في كركوك جاءت مُحَمَّلة بقدر هائل من المرارات تضاهي تلك التي يكابدها من يُقاسي تقلّب الأيام وتداول الدول وطحنته رحى تغير مفاجئ في الأحوال. وتصب في هذه السردية روافد الاعتراض على ما استجد من وقائع في مسرح الحياة السياسية العراقية من دمار وخراب وفوضى واحتراب. فسردية المظلومية العربية في كركوك تتداخل فيها شكوى المظلومية والتهميش مع صرخات الرفض والاعتراض. ولأن المرارات ولاّدة المخاوف؛ تستولد مرارات الحاضر في سردية المظلومية العربية مخاوف مما يحمله قابل الأيام. ولا خوف من المستقبل في هذه السردية يداني الخوف من ضم كركوك إلى إقليم كردستان. وبقدر ما ترفع سردية المظلومية العربية في كركوك صوتها عاليًا ضد كل المشاريع و"المخططات" والتحركات الهادفة إلى ضم المحافظة إلى إقليم كردستان أو إلحاقها به، تضج بالشكوى مما شهدته كركوك من تغيير في تركيبتها الديموغرافية منذ عام 003.2 فهي ترى في هذا التغيير الديموغرافي مقدمة لمشاريع الضم والإلحاق.
وهي إذ لا تحاول أن تضفي على كركوك هويتها الأقوامية، على غرار ما تقوم به السرديتان الكردية والتركمانية، فإنها تؤكد اختلاط الأعراق في المحافظة. وفي الوقت الذي ذهب بعض القدماء إلى أن العراق سُمِّي عراقًا "لتواشج عروق الشجر والنخل فيه"51، تنبري سردية المظلومية العربية لتأكيد تواشج الأعراق والثقافات في كركوك، متخذة من سمة التعددية هذه منطلقًا لاستحضار صورة كركوك عراقًا مصغّرًا تعكس التنوع العرقي والقومي والتعدد الثقافي والديني في العراق الأكبر. واستنادًا إلى هذه الخاصية الفسيفسائية، طفقت سردية المظلومية العربية تؤكد أن كركوك، بصفتها رمزًا لوحدة العراق، ينبغي لها أن تكون لكل العراقيين. وهي بصفتها حضنًا يضم إليه العراقيين على اختلاف هوياتهم الفرعية، لا يمكن إلا أن تستظل بظل إدارة خاضعة للحكومة المركزية في بغداد وتراعي تمثيل كل المكونات فيها. وانحياز سردية المظلومية العربية إلى هذا الحل الذي يتأتى من بحثها عما يُهدِّئ مخاوف عرب كركوك من المستقبل يُعبِّ عنه راكان سعيد الجبوري، نائب محافظ كركوك، المتحدر من عرب قضاء الحويجة، بقوله: "باعتبار أن كركوك مدينة متعددة القوميات فيجب أن يكون لها حلّ خاص وبإدارة مشتركة يتقاسم فيها العرب والأكراد والتركمان السلطة بالتساوي وأن تتبع مباشرة للحكومة ببغداد"52.
وتتردد في سردية المظلومية العربية أصداء شكوى التركمان مما طرأ على كركوك من تغيير ديموغرافي في أعقاب غزو العراق. وتبُرِزُ شكاوى تَعَرُّضِ الكثير من العائلات العربية الوافدة إلى كركوك للترهيب على أيدي عناصر كردية؛ ما دفع العديد منها إلى مغادرة المحافظة منذ عام 003.2 وهذا مسلك سلكه عضو المجلس الاستشاري العربي في كركوك عبد الرزاق العبودي الذي تحدث عام 0072 عن "أكثر من 001 ألف عائلة، اضطرت أمام التهديد والوعيد والتهم الكيدية ومنعهم من مزاولة أعمالهم إلى مغادرة كركوك والعودة إلى مدن الجنوب وغالبيتهم من أهالي البصرة والعمارة والنجف." كما وجه أصبع الاتهام إلى قوات البيشمركة الكردية بأنها "مارست ضغوطًا شديدة على العوائل العربية وصلت إلى حدّ التهديد والطرد ومصادرة حقوقهم"53. والحال أن الإجراءات التي تتخذها أجهزة أمنية كردية في حق الوافدين، والمضايقات والتهديدات التي تعرضوا ويتعرضون لها منذ عام 0032، تمثّل خزينًا من الروايات التي تستدل بها سردية المظلومية العربية لتأكيد فداحة الظلم المُطبِق على عرب كركوك في حقبة ما بعد عام 003.2 فعلى سبيل المثال، أثارت حملة مضايقات تعرض لها العديد من أسر الوافدين والنازحين العرب في كركوك، في أيلول/ سبتمبر وتشرين الأول/ أكتوبر 0102، موجة اعتراضات واستنكارات واسعة في أوساط العرب في المحافظة، فضلً عن دعوات إلى تشكيل قوة حماية عربية ذاتية خاصة في كركوك54. في تلك الأيام، عقد النائب العربي عن محافظة كركوك عمر خلف جواد الجبوري مؤتمرًا صحافيًا في مبنى البرلمان العراقي في بغداد، اتهم فيه القوات الأمنية الكردية وجهاز الأمن الكردي المعروف باسم "آسايش" باستخدام أساليب الترهيب والتهديد بالقتل، لإجبار النازحين والوافدين العرب على مغادرة المحافظة بالقوة56. وكيفما كانت الحال، يبدو في سردية المظلومية العربية قلقٌ من تغير الموازين والأثقال العددية بين المكونات في غير مصلحة العرب، بعد أن كانوا يشكلون النسبة الكبرى من سكان المحافظة قبل سقوط نظام صدام حسين57. وإذ تنحو سردية المظلومية العربية منحى تنزيه الجماعة وتطهيرها، فإنها تنكر أن يكون العرب الذين جاؤوا إلى كركوك قبل عام 0032 قد وفدوا إليها في سياق مشروع يهدف إلى
تغيير الواقع الديموغرافي فيها. ويقول راكان سعيد الجبوري، في هذا الصدد: "العرب في كركوك لا يعترفون بالهجرة ولا بالتغيير الديموغرافي باعتبار أن العرب الذين جاؤوا إلى كركوك في عهد صدام حسين هم عراقيون ومن حقهم السكن في أي مدينة عراقية"58. وفي ثنايا أنين الشكوى، تتعالى الأصوات في سردية المظلومية العربية تعزو التغيير الديموغرافي في محافظة كركوك بعد عام 0032 إلى "هيمنة" الطرف الكردي على دفة القرار السياسي والإداري فيها59. وإذ تردّ السردية العربية أسباب هذا التغيير الديموغرافي إلى عوامل القوة والهيمنة، وهي عوامل قهر وظلم، فإنه يصعب عليها في الوقت ذاته أن تُقِرَّ علنًا أن بعض الذين انتقلوا من الكرد إلى كركوك بعد عام 0032 كانوا من المهجرين الذين اختاروا العودة إلى محافظتهم الأصلية. فهي ترى أن أصول غالبية الكرد الذين تدفقوا على كركوك بعد 0032 لا تعود إلى كركوك، بل إلى محافظات أخرى، بل إنها ترى أن بعضهم ليس عراقيًا أصلً، وإنما من أكراد سورية، وتركيا وإيران60. ومع كل ما تضج به سردية المظلومية العربية في كركوك من شكوى حول التغيير الديموغرافي في المحافظة في عقب عام 0032، يستفزها حديث "التعريب" والتغيير الديموغرافي في كركوك قبل عام 003.2 فنراها تحمل شعورها المُمِضّ بالهزيمة والخسارة، تمتشق حججها وأدلتها وأرقامها، وتهبّ للردّ. فسردية المظلومية العربية لا تأخذ حديث "التعريب" على أنه تقرير لواقع، بل على أنه من ضروب المبالغة ذات الدوافع السياسية، إن لم يكن تهمة باطلة. على هذا المنوال ينسج النائب والوزير السابق محمد علي تميم براهينه وهو ينبري للرد على حديث "التعريب"، فيُعلِن أن العرب الذين وفدوا إلى كركوك في الثمانينيات لم يسكنوا في بيوت الكرد المهجرين، وإنما في أحياء بُنِيَت خصيصًا لإسكانهم قبل أن يطفق مؤكدًا أن العرب الذين جاؤوا في سياق تطبيق سياسات النظام السابق لا تتجاوز نسبتهم 02 في المئة من عرب كركوك61. وتردد صدى هذا الكلام على لسان الشيخ عبد الله سامي العاصي، عضو مجلس محافظة كركوك ورئيس المجموعة العربية في المجلس الذي اغتيل في 21 تموز/ يوليو 0132، في حوار معه عام 0092، أبلغني فيه أن "الوافدين استقروا في أراضٍ مملوكة للدولة وليس لأي شخص"62. وإذ تُقِرُّ سردية المظلومية العربية أن بعض الأحياء قد هُدِمَت إبّان حكم النظام السابق، فإنها تعزو ذلك إلى أسباب تنموية. فالشيخ عبد الله، على سبيل المثال، يستشهد ببناء الجسر الثالث في مدينة كركوك، والذي بحسب ما أخبرني استدعى هدم بيوت تعود ملكيتها إلى عائلات من الكرد، والتركمان وحتى العرب بغية تسهيل انسيابية حركة السير في وسط المدينة63. في ردِّها على حديث "التعريب"، لا تقف سردية المظلومية العربية، ولا تستكين عند حدود مسح دمغة الإقامة في بيوت الكرد المهجرين عن صورة الوافدين العرب. ولكنها تَسُوق مبررات للسياسات الهادفة إلى تغيير الخريطة الديموغرافية في كركوك، اعتمدها النظام السابق فتردّ هذه السياسات إلى أسباب أمنية. هذا المسار السردي تبنّاه الشيخ عبد الله سامي العاصي؛ إذ جادل بأن عملية "التعريب" سعت لخلق "حزام أمني" للحيلولة دون امتداد الثورة الكردية المسلحة إلى حقول النفط في كركوك. وسرعان ما أكد أن العرب الذين استقروا في كركوك ضمن مسعى إقامة "الحزام الأمني" فروا من المحافظة إبّان العمليات العسكرية التي أطاحت نظام حكم حزب البعث عام 2003 64. تقف سردية المظلومية العربية عند حديث "التعريب" مستنهضة مشاعر جرح الكرامة. فمن بين كلمات الاحتجاج بالنِّسَب والأرقام، وحروف المبررات والمُسوِّغات، تنساب من سردية المظلومية العربية في ردّها على حديث "التعريب" هواجسُ الأصالة، ويطل برأسه ذعرُ منظومة قيم عشائرية، ترفع الأرومة والأصول والسلالات إلى مصاف يلامس القداسة، من التشكيك في عمق تاريخ الحضور العربي في كركوك. فلئن كان إثبات "التعريب" يحمل إيحاءات واتهامات مضمرة بأن غالبية العرب في كركوك طارئون على المحافظة، فإن نفي "التعريب" يغدو تأكيدًا لأصالة العرب في نسيج المحافظة الديموغرافي ولِقِدَمِ سُكناهم فيها. فالشيخ علي الحمداني، أمير قبيلة البوحمدان في العراق، المتوفى في شباط/ فبراير 0162، والذي لا يُخفي عن محدثيه أنه كان عضوًا لفرع بحزب البعث في كركوك، يستحضر ادعاء الأصالة الكركوكية لدى تأكيده أن أبناء قبيلة البوحمدان في كركوك هم "كركوكيون أصليون" ومن بين أقدم القبائل العربية التي استوطنت كركوك65. في حين يتوغل محمد علي تميم، الأستاذ الجامعي في مادة التاريخ، قبل أن يخوض غمار العمل السياسي تحت قبة البرلمان وفي أروقة الحكومة العراقية، في حقب التاريخ؛ ليؤكد أن العرب جاؤوا إلى كركوك في سلسلة من موجات الهجرة تزامنت أولاها مع الفتح الإسلامي للمنطقة لتتلوها موجات كان أبرزها قدوم عشائر الجبور
والعبيد وبني طي إلى كركوك بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر الميلاديين66. وفي المقابل، وفي ما يستدعي إلى الأذهان صورة من صور التنابز، يرى تميم أن بداية الحضور العددي الكردي الكثيف في كركوك جاءت مع انطلاق الصناعة النفطية فيها في العشرينيات من القرن السابق، وهي صناعة أطلقت بما وفرته من فرص عمل مجزية العنان لموجة هجرة داخلية من شتى مناطق العراق إلى كركوك67. وبقدر ما تنشغل سردية المظلومية العربية بالتعبير عن مواجع ظلم ترى أنه قد أناخ بِكَلْكَلِه على صدور عرب كركوك منذ عام 0032، نجدها مهمومة في بث مشاعر الخشية من ظلم أكبر تراه آتيًا نحوها على جناح تطبيق المادة 401 من الدستور العراقي. فالتطبيع الذي نصّت عليه المادة 401، والذي يشمل عودة الوافدين إلى مناطقهم الأصلية، يؤذن باستئصال شريحة سكانية ذات وزن عددي مهم من العرب في كركوك. ويعلنها راكان سعيد الجبوري، نائب محافظ كركوك، عاليًا، أن "عرب كركوك كانوا وما زالوا من الرافضين للمادة 401 الدستورية"68. وفي معرض سعيها لأن تنسب الظلم إلى المادة 401، تحيل سردية المظلومية العربية على ما اختزنته ذاكرة الوافدين عن قدومهم إلى كركوك؛ سعيًا لعمل أو هربًا من عسف السلطات. وفي هذه الإحالة، سؤال إنكاري مضمر عما اقترفته أيدي مَنْ وفد مِنَ العرب إلى كركوك من سوء لكي يستحقوا الترحيل. ويستبد بسردية المظلومية العربية في كركوك شعور باليأس من رفع حالة الظلم عن عرب المحافظة في المستقبل المنظور. تمدّ سردية المظلومية العربية في كركوك نظرها إلى الأفق البعيد؛ فلا ترى في عين المستقبل إلا أيامًا كالحة. فالمؤشرات الدالة على تغير وشيك في موازين القوى المائلة إلى مصلحة الكرد شبه معدومة، في ظل الظروف المواتية التي أتيحت للمشروع القومي الكردي في خضم كرة النار التي ما فتئت تلفّ العراق وسورية منذ سنوات. وتضج سردية المظلومية العربية في كركوك بشكواها انعدام الناصر والنصير؛ ما يُعَمِّق محمولها من قناعات بأن العالم كله قد أدار ظهره لجماعتها، وللحق المتماهي في نظرها مع جماعتها. فنراها تطحن الحزن والمرارة والخوف، وهي تترقب الخلاص وانقلابًا في الموازين تجود به يد القدر.
44 السردية المسيحية
تتألف الجماعة المسيحية في كركوك من أربع جماعات عرقية - طائفية هي: الآشوريون، والكلدان، والسريان، والأرمن. وباستثناء الأرمن الذين هاجروا أو رُحّلوا إلى العراق، غالبًا في مراحل متأخرة من عمر الدولة العثمانية، فإن الجماعات الثلاث الأخرى ترجع أصولها في العراق وكركوك إلى عهود غائرة في القِدَم، بعضها يمتد إلى مهد الحضارات الأولى في بلاد الرافدين قبل خمسة آلاف سنة ونيّف. ويُضفي هذا الحضور الضارب في أعماق التاريخ على سردية المظلومية المسيحية في كركوك أهمية خاصة، على الرغم من عزلة المسيحيين عن مجاري التأثير الفاعل في صناعة الحدث السياسي في المحافظة؛ بسبب قلة عددهم وتناقصه المطّرد على مدار العقود القليلة الماضية. وإذ تحتفي سردية المظلومية المسيحية بنيلها قصب السبق في الحضور التاريخي في كركوك، فهي تؤكد أن هذه المدينة، مع كونها مثّلت بوتقة اختلطت فيها الشعوب والأجناس على مر التاريخ، فإنها بدأت مدينة آشورية تعرف باسم "أرابخا"، وهو الاسم الذي عُرِّب لاحقًا إلى "عرفة" ويُطلق حاليًا على أحد الأحياء ذات الأغلبية السكانية المسيحية في مدينة كركوك69.
تأتي سردية المظلومية المسيحية في كركوك مشحونة بمشاعر الخوف الوجودي الذي دَاخَل الوجدان المسيحي في العراق، منذ السنوات الأولى للدولة العراقية الحديثة. ونراها لا تفتأ تعزف ألحان تراتيل الموت والفناء على أوتار نكد الأزمنة، ماضيها وحاضرها، ومآسيهما، ورُهاب المستقبل. في سردية المظلومية المسيحية في كركوك، تحضر بقوة المذابح التي تعرَّض لها الآشوريون على أيدي الجيش العراقي، وبعض أبناء القبائل العربية والكردية، في بلدة سُمّيل في شمال العراق عام 1933 70. ولئن غادر ضحايا مذبحة سُمّيل وسط هدير ما أحاط
بتلك الحقبة من أحداث لاهبة، فلا يزال استحضار اسم هذه البلدة ينطق بالكثير في سردية المظلومية المسيحية التي تُواصِ ل تخليد هذا الاسم في جنّة الرمز والذاكرة والشهادة. يتضح لنا ذلك بوضوح في كتابات آشوريين معاصرين؛ كما في المقتطف التالي من نصٍّ للكاتب تيري بطرس: "سُمّيل صرخة آشورية مدوية، في وجه الكل، العراق وجيشه، العرب والكورد والمؤسسات الدولية كافة، صرخة تقول، شعب لم يلجأ لأي خيار، غير خيار تقديم العرائض والرسائل، للنظر في مظلوميته، ولكنه قوبل بالقتل والسحل والسبي والاغتصاب من قِبَل مؤسسة كان [كذا] موكلة بالدفاع عن الوطن وعن أبناء الوطن". وإذ يبقى شبح سُمّيل دائم الحضور في سردية المظلومية المسيحية، فإن الجماعات التي تُحَمِّلها هذه السردية مسؤولية ما تراه بأنه ظلم لازَم ويلُازِم المسيحيين في العراق تتعدد. فمن جهة، تتعالى فيها أصداء شكوى استهداف المسيحيين في كركوك والمناطق المتنازع عليها في إطار سياسة "التعريب" التي اعتمدها النظام السابق. ومن جهة أخرى، تضج بشكوى تعرّض قرى مسيحية في سهل نينوى للترهيب والاضطهاد على أيدي جماعات كردية منذ عام 1991 . ولا توفر سردية المظلومية المسيحية في بعض تجلياتها حكومة إقليم كردستان وأحزابًا كردية رئيسة من توجيه أصابع الاتهام إليها باعتماد "إجراءات ممنهجة[...] في المناطق الخاضعة للسيطرة الكردية بغية تهميش وقمع الآشوريين عبر السياسات القمعية لحكومة إقليم كردستان". ورفد انبثاق النظام العراقي الجديد في مرحلة ما بعد سقوط نظام حكم حزب البعث سردية المظلومية المسيحية بكَمٍّ هائل من الروايات والحكايات عن أحداث عنف دموي وجرائم لحقت المسيحيين العراقيين ودور عبادتهم وأعمالهم في ظل واقع غارق بالهمجيات. وتفاقم الخوف الوجودي في سردية المظلومية المسيحية، مع تصاعد سيل الهجمات التي استهدفت المسيحيين العراقيين، في شتى مناطق العراق، بما فيها كركوك. وكان من الطبيعي أن تبلغ شحنات الخوف والذعر، والتي كانت تَدَبُّ في أوصال سردية المظلومية المسيحية مع كل عمل من أعمال العنف يلحق المسيحيين، أ وجَها في عقب سقوط الموصل بيد داعش. فما تعرّض له مسيحيو نينوى من قتل واضطهاد وتهجير أفرز خطابًا تتردد فيه مفردات الإبادة والتطهير، كما ورد على لسان رئيس طائفة السريان الأرثوذكس في أربيل، المطران مار نيقوديموس الذي قال: "إذا أردنا أن نعبّ عما يحدث لنا جميعًا، أنا ورعيتي، وجميع المسيحيين بكل طوائفهم الذين كانوا متواجدين في الموصل، نقول كلمتين: إبادة جماعية، نعم أؤكد على كلمة إبادة جماعية، تطهير عرقي". وإذ رأى الكثيرون من المسيحيين العراقيين في الهجرة منفذًا لهم من دوامة الأحداث العاصفة التي ما تزال تتكشف في العراق على مدى عقود، وما صاحبها من توحّش في أعمال العنف، فإن الهجرة ضَ خَّت في سردية المظلومية المسيحية في كركوك خوفًا جديدًا هو الخوف من الاندثار. هذا الخوف الذي يقضُّ مضاجع رؤساء الطوائف والسياسيين المسيحيين في كركوك حدا بهم إلى التحذير مرارًا وتكرارًا من عواقب الهجرة وتأكيد أن المسيحيين هم من "أبناء المدينة". ثمة شعور بالحصار ينبجس من سردية المظلومية المسيحية في كركوك، فهي تعبر عن جماعة تجد نفسها محاصرة بين الخوف من الإبادة والخوف من الاندثار. وفوق هذا الخوف المتراكم خوفًا على خوف، ترزح سردية المظلومية المسيحية في كركوك تحت ثقل الانقسامات السياسية. وهي انقسامات تؤدي إلى تَوَزُّع رؤاها حول مستقبل كركوك، ما بين معارض لانضمامها إلى إقليم كردستان ومؤيد لهذا الانضمام، مع تسويق بعضهم لمشروع الانضمام تحت شعار إقامة حكم ذاتي للمسيحيين ضمن إطار إقليم كردستان، مع وجود حيز كبير للمنادين بمشروع إقامة إقليم خاص بالمسيحيين في نينوى. وهكذا تحمل سردية المظلومية المسيحية في كركوك صليبها لتستوي على نصاب الخوف والقلق والريبة من المحيط، وتنعقد على الضعف والوهن والتشتت، ويدبّ في أوصالها اليأس والقنوط وفقدان الأمل.
خاتمة: السرديات وانتعاش التنازع الأهلي في كركوك
هكذا، إذًا، تغدو كركوك في سرديات المظلومية التي نسجتها حولها نُخَبُ أقوامها أكثر من مجرّد مكان، فهي تكتسب في هذه السرديات أبعادًا رمزية عميقة. فلئن رفعت السردية الكردية كركوك إلى مصاف القدس، ليس بالمعنى الديني وإنما من حيث كونها قِبلة المشروع القومي الكردي الأولى التي لا تسبقها قِبلة، فإنها تسطع في سردية المظلومية التركمانية نبراسًا لحضور التركمان ودورهم التاريخي المُمَيّز في العراق، وتتجلّ في سردية المظلومية العربية لوحةً للتنوع الثقافي في العراق والمشروع الوطني العراقي الجامع، وتبدو في سردية المظلومية المسيحية عنوانًا رئيسًا من عناوين الخوف الوجودي الذي يساور مسيحيي العراق.
وكما لاحظنا من خلال "إبحارنا" البحثي في هذه السرديات، فإنها وقعت عمومًا في مطبّ إصدار أحكام إطلاقية ويقينية في شأن أحجام جماعاتها الأقوامية أو المكوّناتية. ثمة، بالنسبة إلى سرديات المظلومية الكركوكية، شيء فاتن في الوزن العددي للأقوام، شيء فيه من سحر الأكثريات، وما تزهو به من إحساس بالقوة. ولكن الوَجْهَ الآخر لفتنة التنافخ بالأعداد والأرقام والأحجام التي تسود سرديات المظلومية الكركوكية، باستثناء السردية المسيحية إلى حد ما، ربما هو أنه كلما كَبُ عدد الجماعة المظلومة زادت فداحة الظلم اللاحق بها. وكأن لسان حال هذه السرديات يقول: أنْ تُظلَم أقلية عددية أو جماعة ذات عدد قليل، فتلك مصيبة، ولكن أنْ تُظلَم جماعة أكثرية أو ذات ثقل عددي وازِن أو يُعتَدُّ به، فالمصيبةُ أدهى وأعظم. لقد جاءت سرديات المظلومية الكركوكية مكتنزة بمحمول تاريخي. ولكن كل واحدة منها فسّت، في سياق تسليطها الضوء على مظلومية قومها، صفحات وفصولً من تاريخ المحافظة على نحو مغاير، مع أنها كلها تسبح في فضاء تاريخي مشترك. فهذه السرديات انتقائية في قراءتها للتاريخ، بحيث إنها تنحو إلى الاستشهاد بأحداث مختارة، وأحيانًا جوانب من هذه الأحداث، وتسلط الضوء عليها وتُعرِض عن أخرى قد تُظهِر بعضًا من أبناء قومها في دور الظالم. واللافت للانتباه، في هذا السياق، هو الأهمية التي تحتلها ثيمة المذابح بصفتها عنصرًا أساسيًّا من عناصر المظلومية في بنية هذه السرديات التي نراها تسعى لتصوير مكوناتها، وهي تخوض في معمودية النار والدم والاقتلاع. ويجعلنا إغراء المذابح هذا نرى أن وطأة الماضي ثقيلة على الحاضر في سرديات المظلومية الكركوكية كافة. فهي في استدعائها ما يحمله الماضي في أحشائه من ظلم حاق بمكوّن من المكونات، تستدعي أيضًا تقبيح صورة الجماعة التي اقترفت هذا الظلم، وتوحي برغبة التشفي منها، إن لم يكن الانتقام. من جهة أخرى، تنظر سرديات المظلومية، في سياق قراءتها الانتقائية للماضي، إلى هذا الماضي بعين الحاضر ومشاريعه المستقبلية. التاريخ هنا يُوضَ ع في خدمة الحاضر. فالسرديات تنظر إليه بناءً على صورة نسجتها نُخَبُ الجماعات الأقوامية أو المكوناتية للحاضر والمستقبل. ويتجلى هذا بأوضح صوره في استحواذ همّ إثبات أسبقية الحضور التاريخي لقومية معينة في كركوك على هذه السرديات كافة. فأسبقية الحضور التاريخي في عين السرديات الكركوكية تساوي الأحقية في المحافظة وصياغة حاضرها ورسم مستقبلها. ولعل أخطر ما في غواية قراءة الماضي والحاضر بعيون سرديات المظلومية الكركوكية هو أنها منعشة للضدّية والغَيْ يَّة حيال الجماعة أو الجماعات التي تضعها في خانة الظالمين، بل إنها مغذية للتمايز السلبي عن كل ما عدا الجماعة المظلومة من جماعات. فهذه السرديات عبر تقديمها صورًا متنافرة ومتناقضة في كثير من أوجهها لماضي المحافظة، وتأكيدها مظلومية جماعة بعينها، تقطع الطريق أمام إمكانية التأسيس للتعايش مُجَدَّدًا وانعقاد إجماع عابر للمكونات حول حاضر المحافظة ومستقبلها. فكل سردية منها لا ترى مستقبلً مقبولً، سوى ذاك الذي تظن أنه يمسح الظلم اللاحق بجماعتها هي أو يمحوه، وليس ذاك الذي ترزح تحته غيرها من الجماعات. وأمام تناقض السرديات وتنافس المظلوميات، يتضح لنا إلى حد كبير لماذا ظلّت نُخَبُ مكونات كركوك تعجز عن الاتفاق على أي شيء مهم يخصها سواء تعلّق الأمر بالأرقام الديموغرافية، أو سجلات الناخبين وتنقيحها وتدقيقها، أو المشاركة في السلطة والقرار في المحافظة، أو حل نزاعات الملكية، أو سن قانون انتخابي لمجالس المحافظات يشمل كركوك، أو على الأقل سن قانون انتخابي خاص بها، أو ما سوى ذلك. وإذ تغدو مثل هذه المشكلات أكثر استعصاءً على الحل وتدوير الزوايا والحلول الوسطى، فإنّ سرديات المظلومية الكركوكية تتضح لنا عاملً أساسيًّا من عوامل انتعاش التنازع الأقوامي والمكوناتي في كركوك الغاصّة بالهويات الناهضة من سباتها.
المراجع
العربية
باشي، عطا ترزي. تاريخ الطباعة والصحافة في كركوك. ترجمه إلى العربية مولود طه قاياجي. كركوك: الجبهة التركمانية،.2008 توفيق، صبحي ناظم. "واقع الصراع على كركوك والمناطق المتنازع عليها." ورقة مقدمة في مؤتمر العرب والكرد: المصالح والمخاوف والمشتركات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. الدوحة. 92 نيسان/ أبريل-1 أيار/ مايو.2017 طالباني، جلال. كردستان والحركة القومية الكردية. بيروت: دار الطليعة،.1971 منطقة كركوك ومحاولات تغيير واقعها القومي. ط طالباني، نوري. 3. أربيل: منشورات ئاراس،.2004 مكية، كنعان. هوامش على كتاب "الفِتْنَة." بيروت: منشورات الجمل،.2016 مجموعة مؤلفين. موسوعة كركوك قلب العراق. إشراف سليم مطر. بيروت: دار الكلمة الحرة، د.ت. النووي، أبو زكريا محيي الدين بن شرف. تهذيب الأسماء واللغات، الجزء الثاني من القسم الثاني. القاهرة: إدارة الطباعة المنيرية، 3441 ه. تصوير دار الكتب العلمية في بيروت. الهرمزي، أرشد. التركمان والوطن العراقي. ط.2 كركوك: مؤسسة وقف كركوك،.2003
الأجنبية
Anderson, Liam & Gareth Stansfield. Crisis in Kirkuk: The Ethnopolitics of Conflict and Compromise. Philadelphia: University of Pennsylvania Press, 2009. Bruner, Jerome. “Life as Narrative.” Social Research. vol. 54. no. 1. Reflections on the Self (Spring 1987). Chandoke, Neera. “Narratives of Memory: Narratives of Narcissism.” India International Centre Quarterly. vol. 27. no. 3 (2000). Durkheim, Emile. The Division of Labor in Society. W. D. Halls (Trans.). New York: The Free Press, 1984. Fattah, Khaled & K. M. Fierke. “A Clash of Emotions: The Politics of Humiliation and Political Violence in the Middle East.” European Journal of International Relations. vol. 15. no. 1 (2009). Freeman, Mark. “Why Narrative? Hermeneutics, Historical Understanding, and the Significance of Stories.” Journal of Narrative and Life History. vol. 7. no. 1 - 4 (1997). H. Liu, James & Denis J. Hilton, “How the Past Weighs on the Present: Social Representations of History and their role in Identity Politics.” British Journal of Social Psychology. vol. 44. no. 4 (2005). Hammack, Phillip L. & Andrew Pilecki. “Narrative as a Root Metaphor for Political Psychology.” Political Psychology. vol. 33. no. 1 (February 2012). Husry, Khaldun S. “The Assyrian Affair of 1933 (I).” International Journal of Middle East Studies. vol. 5. no. 2 (April 1974). ________. “The Assyrian Affair of 1933 (II).” International Journal of Middle East Studies. vol. 5. no. 3 (June 1974). Jensen, Steffen & Henrik Ronsbo (eds.). Histories of Victimhood. Philadelphia. PA: University of Pennsylvania Press, 2014. Polletta, Francesca. “Contending Stories: Narrative in Social Movements.” Qualitative Sociology. vol. 21. no. 4 (December 1998). Somers, Margaret R. “The Narrative Constitution of Identity: A Relationship and Network Approach.” Theory and Society. vol. 23. no. 2 (October 1994). Suny, Ronald Grigor. “Constructing Primordialism: Old Histories for New Nations.” The Journal of Modern History. vol. 73. no. 2 (December 2001). Wertsch, James V. “The Narrative Organization of Collective Memory.” Ethos. vol. 36. no. 1 (March 2008).