النظام العالمي - الإصدار 0. 2:
الملخّص
رئيس مجلس العلاقات الخارجية، الولايات المتحدة.* *President, Council on Foreign Relations, USA. ** باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. * * Researcher at the Arab Center for Research and Policy Studies. *** هذا النص ترجمة لدراسة:
حالة التزامات السيادة ***
World Order 2. 0: The Case for Sovereign Obligation
يقترح هذا المقال مدخل ا لإعادة تشكيل النظام الدولي، وفق مبدأ جديد، يصطلح عليه الكاتبُ "مبدأ التزامات السيادة"، في مقابل المبدأ المستقر منذ صلح وستفاليا، المعروف ب "حقوق السيادة"، والذي هيمن على العلاقات الدولية على مدى أربعة قرون. و"التزامات السيادة" هي كيفية لمواجهة مخاطر عالمية لم يعد في إمكان مبدأ السيادة التقليدي الحد منها؛ فاحتكار الدولة شأن ا ما يجري ضمن حدودها لا يضمن بحال الحد من الانتشار النووي، ولا مواجهة ظاهرة تغيّر المناخ، أو تفش ي الأوبئة على نطاق عابر للحدود، فضل ا عن وقف المخاطر التي تهدد الفضاء السيبراني والاقتصاد العالمي. ومن ثم، يدافع المقال عن ضرورة مراجعة تصورنا عن النظام العالمي، في لحظة الارتباك واللايقين الراهنة، بحسها الشعبوي، وما يثيره بذاته من مخاطر. كلمات مفتاحية: النظام العالمي، التزامات السيادة، الولايات المتحدة، الفضاء السيبراني. This article, originally written by Richard N. Hass has been translated into Arabic by Abdou Moussa. It proposes an alternative to the current world order, based on a new principle centered on what the author defines as the principle of the “obligations of sovereignty”. This differs markedly from the established and long dominant Westphalian notion of sovereignty. "Sovereign obligations" offer a guideline to confront global risks that can no longer be managed by the traditional principle of sovereignty. A state’s putative monopoly on activity within its borders, as per the Westphalian order, does not provide any guarantee against nuclear proliferation, climate change or cross-border pandemics, nor does it protect against cyber-attacks and threats to the global economy. The article advocates the need to review our perception of the world order as it now stands at this moment of confusion and uncertainty, particularly given the waves of populism currently rippling through the globe. Keywords: World Order, Obligations of Sovereignty, USA, Cyber Space.
منذ صُلح وستفاليا، وعلى مدى أربعة قرون، احتل مفهوم "السيادة" - الذي يعني حق الأمم في الوجود المستقل والمتفرد - جوهرَ ما كان يمثل حينها النظام العالمي. وطوال تلك القرون، بما فيها القرن الحالي، لم يوصف العالم بأنه غير مستقر ومتصارع، إلا حينما تُنتهك فيه الحدود بالقوة. لم يعد كافيًا أن نقارب النظام الدولي استنادًا إلى مبدأ "احترام السيادة"، وحفظ توازن القوى الضروري لتأمينه فحسب. لقد صيغ نظام التشغيل التقليدي للكرة الأرضية، والذي يمكننا تسميته "النظام العالمي: الإصدار 0"1.، وفق مبدأ الحماية الموكول إلى الدولة القيام بها واحتكار مزاياها. غير أننا بدأنا ننظر، أكثر فأكثر، إلى هذا الأمر على أنه غير ملائم لعالم اليوم المعولم؛ فلم يبقَ مما هو "محلي" إلا القليل. فأي شخص وأي شيء، من السياح، إلى الإرهابيين، إلى اللاجئين، إلى الرسائل الإلكترونية، والأمراض، والدولارات، وانبعاثات البيت الزجاجي، في مقدوره الوصول إلى كل مكان تقريبًا. ونتيجة لهذا، لم يعد ممكنًا أن ننظر إلى ما يقع في بلد ما، بوصفه مشكلً يخص ذلك البلد وحده. إن الظروف الراهنة تدفعنا إلى تبني نظام محدّث للتشغيل، لنسمه "النظام العالمي، الإصدار 0"2.، لا يتضمن حقوق الدولة ذات السيادة فحسب، بل يحدد كذلك ما عليها من واجبات إزاء الآخرين، وهو ما أسمّيه مبدأ "التزامات السيادة" Obligation of Right، والذي يختلف عن مبدأ "السيادة بوصفها مسؤولية"، ويقع في صلب المذهب القانوني المعروف باسم "مسؤولية الحماية" Protection to.Right يشير مذهب مسؤولية الحماية إلى الالتزامات التي تقع على عاتق حكومة ما إزاء مواطنيها، والتعهدات التي إن تجاهلتها الدولة، يمكن افتراضًا أن تقوم دول أخرى بتنفيذها قسرًا، من خلال إجراءات تتدرج حتى التدخل العسكري وتشتمل عليه. وفي الحقيقة، يحمل هذا المذهبُ في طياته جرحًا محتملً لمعنى السيادة "الوستفالي"، يتلقاه بعضهم بحماسة لهذا السبب خاصةً، ويعارضه آخرون للسبب ذاته، إلا أن مبدأ التزامات السيادة، على النقيض من ذلك، يشير إلى ما تدين به الدولة لغيرها من الدول. ولذلك، فهو يكشف الحاجة الماسة إلى توسيع المبادئ التقليدية للنظام الدولي، وإعادة تكييفها لتتواءم وعالمًا بات يتصل بعضه ببعض أكثر. من هنا، يُبقي مبدأ التزامات السيادة على احترام الحدود رافضًا أيّ تغيير لها بالإرغام والقوة، ويدعم إنفاذ قواعد لمجابهة العدوان، في وقائع كالتي مثّلها اجتياح العراق للكويت، أو اجتياح روسيا للقرم. كما يحتفظ باحترام حق الحكومات في التصرف وفق ما تشاء داخل حدودها، شريطة أن يتم ذلك في ضوء محددات القانون الدولي التي حظيت بتوافق عريض حولها، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية الأمم المتحدة لمنع الإبادة الجماعية. وبكلمة، لا يرفض مبدأ التزامات السيادة المقاربةَ التقليدية للنظام الدولي التي وإن كان بقاؤها ضروريًا، فإنها لم تعد كافيةً بذاتها. ومن ثمّ، لا يستبدل هذا المبدأ هذه المقاربةَ بغيرها، وإنما يبني عليها.
من حالة الدولة إلى الإرهاب والقنابل
سيتطلب إنشاء نظام دولي جديد حزمةً مزيدةً من القواعد والترتيبات، مبتدؤها هو وضع أسس متفق عليها لحالة الدولة Statehood؛ فلم يعد ممكنًا وجود حق مطلق لأي مجتمع منفرد في تقرير مصيره السياسي، من دون مراعاة الجميع. وعلى الرغم من أن التوافق على الكيفية التي يتم فيها تقليص هذا الحق ليس أمرًا هينًا، فإنه يظل ضروريًا؛ فالتفرد بهذا الحق هو جذر الصراعات. ولربما يكون من الجيّد أن نبدأ بتعديل المفهوم، على نحو يرى الحق في تقرير المصير أمرًا لا يتكرس وجوده، وحسب، بالتشديد اللفظي على أهميته، وإنما بإيجاد الضمانات الكافلة له.
بهذه المقاربة، سيقل الدعم الآلي لحق تقرير المصير عما كان عليه الحال في عهد النضال ضد الاستعمار. ولن تولي الحكومات القائمة أي تطلع ل "تكوين" دولة الاعتبارَ، إلا في الحالات التي يعززها مبرر تاريخي، ومنطق رشيد، ودعم شعبي، وجدوى لهذا الكيان الجديد المقترح. وكذلك، يجب تقدير أثر هذا التحول في مستوى النظر إلى جدوى الدولة من التخلي عن الأرض والسكان لها، وأن تنزع الحكومات إلى التشاور فيما بينها قبل أيّ تحرك دبلوماسي. وهنا، يتأسس عنصر جوهري لمبدأ التزامات السيادة في الإطار الجديد للنظام الدولي، قوامه تحريم أي صورة من صور ممارسة الإرهاب أو دعمه. ويُعرّف الإرهاب بأنه استخدام متعمد للعنف المسلح ضد المدنيين والعزّل، تمارسه كيانات دون الدولة، في معرض سعيها لتحقيق غايات سياسية. نأى العالم في العقود الأخيرة عن التسامح مع الإرهابيين، حتى لو بدت قضيتهم عادلة. كما أن الإدانة الدولية للإرهاب صارت دأبًا، وكذا الاتفاق على العمل الجماعي في مواجهة هذه الظاهرة. وصارت
الحال أن الحكومات حين تشن ضربات مكافحة الإرهاب على الأفراد والمجموعات ذات الجوهر الإرهابي الخالص، لا تواجَه بإدانة كبيرة، طالما أنها صممت هجماتها وفق المعايير القانونية والأخلاقية التي تتضمن اتخاذ خطوات لحماية المدنيين الأبرياء. ويثير تكريس قاعدة العمل على الحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل المزيدَ من الجدل. فثمة مسعىً دولي ظاهر (تعززه اتفاقية منع الانتشار النووي) للوقاية من الانتشار النووي، بتقليص إمكانية الدول في الحصول على التكنولوجيا والمواد التي تُيسّ امتلاك القدرات النووية. لذا فإن المعارضة الكبيرة من القوى الرئيسة في العالم لحصول إيران على قدرات نووية تبيّ كيف يمكن لهذه المقاربة أن تخدم التقدم على المسار الدبلوماسي. بيْد أن التوافق على هذه القاعدة ينكسر في العادة، حينما يتعلق الأمر بتفاصيل ما يجب التمسك به، وأي حوافز أو عقوبات يجب فرضها. وفي هذا، برهنت حكومات عدة على قدرتها على تطوير السلاح النووي أو الحصول عليه - مع أنه توجد معارضة دولية - بأن عاندت بما يكفي، جاعلةً ذلك الأمر أولوية بالنسبة إليها. وفي الحقيقة، دائمًا ما تتفجر الخلافات على ما يلزم عمله بمجرد الخوض في مسألة الانتشار النووي. ومع أن ثمة خيارًا بقبول التعايش مع سلاح نووي في بعض البلدان، مثلما كان عليه الحال في حالات إسرائيل والهند وباكستان، وكوريا الشمالية حتى الآن، فإن هذا الخيار هو أشبه بالرضوخ للواقع. وهو يمثل خطرًا، لسببين: أحدهما أن هذا القبول سيفتح الباب أمام انتهاج سلوكيات خطِرة، والسبب الآخر هو أنه قد يفتح البابَ أمام المزيد من تمييع قواعد الحد من الانتشار النووي؛ ما يشجع، بالنتيجة، على المزيد من هذا الانتشار. ولذلك، أرى أن البديل من قبول الانتشار النووي هو بذل المزيد من الجهد الدبلوماسي المعزَّز بعقوبات، كبحًا للساعين لتملك تلك القدرة النووية. وإذا ما فشل هذا الجهد (كما يحصل ذلك في العادة)، فإننا سنضطر إلى التعايش مع مسعى الحصول على القدرة النووية، إلى حين تؤشر التقارير الاستخبارية على أن السلاح النووي قد أصبح وشيك الاستخدام، أو أنه يكاد يصل إلى أيدي مجموعة إرهابية، وهي النقطة التي يتحرك فيها احتمال القيام بضربة عسكرية استباقية ضد خطر محيق. وستتطلب مثل هذه الضربات دقةً في توقيتها، ودقةً في تنفيذها، وعملًاستخباريًا أشدّ موثوقية، فضلً عن إرادة ووسائل لإنفاذها. وعلى الرغم من أن القانون الدولي فيه ما يعزز مثل هذا الموقف، فإن ثمة من يرى ضرورة السعي لكسب الدعم الدولي لشرعنة أيّ عمل وقائي يستهدف وقف الانتشار النووي. وتشمل التحركات الاستباقية التي تستهدف المخاطر المحيقة، ويجب أن تكون كل التحركات الوقائية لمجابهة هذه المخاطر مبكرةً، في وقت لم يزل الساعي لامتلاك القدرة النووية يسير في مرحلة تجميع هذه القدرات. إن من شأن الأعمال الوقائية وقفَ البرنامج النووي لدولة ما قبل أن تنتج سلاحًا نوويًا، أو تدمير هذه الأسلحة لاحقًا. والحال، أن الحصول على الدعم الدولي لهذا الموقف سيظل محدودًا مع ذلك؛ إذ ستعارضه حكومات ترى في القبول به تفويضًا للولايات المتحدة بشن هجمات على دول مثل كوريا الشمالية أو إيران. وهذا ليس مرغوبًا فيه بالضرورة؛ إذ سيستحيل عالمنا، حين تكثر فيه الهجمات الاستباقية والوقائية، عالمًا عنيفًا وخطرًا. ثمة دعم عريض لمعارضة الانتشار النووي، لكن الدعم لن يكون كذلك إذا ما التُجئ إليه للوقاية منه بعمل عسكري، قبل ظهوره أو أثناءه. وسيرتهن دعم العمل الاستباقي في مواجهة المخاطر المحيقة بإبراز تفاصيل تخص أحوالً محددة، وسيزداد ذلك لدى استعراض ما يفيد وشك الاضطرار إلى هذه الخطوات الاستباقية. إن حالة كوريا الشمالية التي تطوِّر قدراتها لتحميل رؤوس نووية على صواريخ باليستية بمقدورها الوصول إلى الولايات المتحدة، هي حالة للنظر يمكن اعتمادها في هذا الإطار. وقد بات دارجًا إدراج الموضوع على جداول أعمال الاجتماعات الثنائية والمتعددة الأطراف، ليس لأنه سيفضي إلى اتفاق رسمي وحسب، لكن لقدرته على تركيز انتباهنا على نوعية الأوضاع التي قد يتم فيها تبني عمل وقائي أو استباقي، وهو ما في إمكانه في المقابل أن يضعف احتمالية نشوء هذه الأوضاع.
من المناخ إلى الفضاء السيبراني وأبعد
يُعدّ التغير المناخي البيان الأمثل للعولمة؛ إذ يعكس جملة ما يجري من حولنا؛ فثمة دول تتعرض لمشكلة تؤثر فيها على نحو متفاوت، لا يتناسب وإسهامها في إحداث هذه المشكلة. والحدود لم تعد تحد من شيء. وثمة توافق عريض، إن لم يكن شاملً، على أن التغير المناخي أمر حقيقي؛ إذ تسببت النشاطات البشرية في جانبه الأكبر، وبات يمثّل خطرًا على مستقبل هذا الكوكب وساكنيه. إلا أن هذا التوافق لم يزل ينكسر على صخرة الجدال حول ما يلزم عمله لمجابهة هذا الخطر، وتحديد من يضطلع بمسؤولية ذلك. من حيث المبدأ، يجب أن يتموضع التغير المناخي في مكانه الصحيح على مقياس مبدأ التزامات السيادة. فما تنتجه دولة ما داخل حدودها من انبعاثات كربونية إنما تنعكس آثاره على العالم كله، أو لنقل، إن التغير المناخي هو تابع تراكمي عالمي سببته نشاطات محلية، ولذلك، يختلف اختلافًا جذريًا عن تلوث الهواء والمياه مثلً الذي يمثل توابع محلية لنشاط محلي غالبًا. تكمن المشكلة في تقدير ذلك النصيب من الأعباء الذي ينبغي للدول تحمله، كلّ على حدة، سواء بخفض نواتجها الكربونية، أو بمعاونة الآخرين على خفض نواتجهم. وقد عورضت المحاولات التي
تستهدف وضع سقوف عالمية للانبعاثات، أو توزيع الحصص المحلية من الالتزامات، أو تعيين ثمن يجب دفعه مقابل الانبعاث الكربوني. ومع ذلك، أظهر مؤتمر باريس للتغيرات المناخية الذي عُقد عام 0152 منحىً يتسم ببعض الواقعية في تناول هذا الإشكال، بل وإبداعًا في العلاج، وذلك بسلوك مقاربة مختلفة؛ إذ وَضع هدفًا عامًا للحد من تغيرات المناخ، فيما لم تُعط الدول تعليماتٍ محددةً حول ما يلزم عمله لتحقيق هذا الهدف. فكان الأمر طوعيًا أكثر منه مفروضًا، بل طوعيًا بالكامل ومُلهمً. وكان أن توافقت الدول على أن تحدد كلٌّ منها لنفسها أهدافًا طموحة وممكنة في مجال الحد من الكربون، ومن ثمّ تفي بما يحقق وعودها.
هذه خطوة على طريق مبدأ التزامات السيادة. وعلى الحكومات الأغنى أن تمنح حوافز تعين الدول الأخرى على بلوغ أهدافها، وأن تتبنى كذلك عقوبات، لتطبَّق في حق من لا يلتزمها. كذلك، يجب بذل ما يفوق ذلك الجهد، لمعاونة الدول على التكيف وآثار التغير المناخي المتنامية. ونظرًا إلى كون الدول المتقدمة، ولعقود، قد كانت المتسبب الرئيس في هذه المشكلة، فمن المعقول أن تلتزم سداد تكلفة التزامات الآخرين في مواجهة ذلك الخطر ومعاونة تكيّفهم مع آثاره، بصفته جزءًا من الالتزامات السيادية للدول المتقدمة. يعدّ الفضاء السيبراني المجال الأحدث للنشاطات الدولية التي توصف بأنها مجالات تعاون و/ أو صراع. إذ إن بعض النشاطات التي تجري في هذا الفضاء نشاطات نافعة غير مؤذية، لا تضر بالأمن القومي، خلافًا لنشاطات أخرى تتصل بالسياسة الخارجية اتصالً وثيقًا، والمخابرات، والتنافسية الدولية. ولذلك، يكون الهدف المطلوب في هذا المجال هو إيجاد ترتيبات دولية تشجع الاستخدام النافع، وتُقيّد الاستخدام المؤذي. وفي إطار التزاماتها السيادية، ينبغي للدول أن تُقرَّ عندئذ هذا النظام، وأن تعمل بتناغم ضمن إطاره. فماذا يحوي مثل هذا النظام؟ إنه يعزز شبكة عالمية واحدة ومتكاملة تعزيزًا مثاليًا، ويحُد من التحركات التي قد تقوم بها الحكومات لإعاقة التدفق الحر للمعلومات والاتصالات على هذه الشبكة، كما يمنع التجسس التجاري، وسرقة حقوق الملكية الفكرية، ويحد من النشاطات المعطِّلة للفضاء السيبراني في وقت السلم ويُنّفر منها. أما الحالات الاستثنائية، فيجب أن يصرَّح بها وحسب، وذلك في سياق شن هجمات إلكترونية غايتها إحباط مساعي الانتشار النووي والإرهاب. وفي النهاية، ربما يكون من الضروري تطوير ملحق بالفضاء السيبراني، خاص بقوانين الحرب، يحدِّد أيَّ الأفعال في هذا المضمار يمكن أن يُعدّ القيام بها مسموحًا وأيها محظورًا. وبالمثل، ينسحب هذا بدوره على الفضاء السيبراني في ما يتعلق بالإرهاب، بحيث تتحمل الدول التزاماتها ليس فقط بالامتناع عن الانخراط في نشاطات محظورة، وإنما أيضًا ببذل ما في وسعها لمنع الأطراف الأخرى من القيام بنشاطات كتلك، انطلاقًا من أراضيها، وأن توقف من يقومون بها، وتجرّم تلك الأفعال. إن إنجاز اتفاق على هذه المبادئ وتعزيزها، ولو كان محدودًا، سيتطلب جهدًا كبيرًا. لكن، وبالنظر إلى كون هذه المشكلات مستحدثةً نسبيًا، يجب التركيز في الوقت الراهن على استحداث دليل عمل ملائم، يتيح للدول اتباع قواعده في هذا الخصوص. يقدم مجال الصحة العالمي نوعًا آخر من التحديات. ففي عالم معولم، قد يتسبب تفشي مرض مُعدٍ في بلد في تعاظم خطر جدّي على الصحة في أماكن أخرى. وكان هذا هو الحال في السنوات الماضية مع أمراض من قبيل سارس وإيبولا وزيكا. إن مبدأ التزامات السيادة قد يُقدَّم بصورة جيدة في هذا المجال، إذ بتنا نفترض أن الأمم تسعى لاكتشاف تفشي الأمراض المعدية، وأن تنبئ الآخرين حول العالم بالأمر، وأن تتعامل تعاملً ملائمًا عند مواجهة أزمة من هذا النوع. وفي كل الأحوال، قد يكون قول هذا أسهل من فعله، ففي بعض الأحوال، لا تملك الحكومات ولا منظمة الصحة العالمية القدرة (وفي أحوال بعينها لا تملك الإرادة السياسية) على الوفاء بالتزاماتها. وأصبح الدعم الفني والمالي مطلوبًا أكثر في هذا المنحى، وربما بعضًا من توجيه الإدانة للمقصرين لحثهم على تحسين سلوكهم في هذا الجانب. وحين يتعلق الأمر باللاجئين، ليس ثمة بديل من الإجراءات المحلية الفاعلة، كي لا تظهر أوضاع تتسبب في تدفقات ضخمة للاجئين. وفي الحقيقة، إن هذه الحجة تدعم من حيث المبدأ التدخل الإنساني استنادًا إلى مذهب الحق في الحماية. لكن ثبت استحالة ترجمة هذا المبدأ إلى ممارسة، ففي الغالب، سيتعثر تطبيق هذا المبدأ، في ظل تحولات الأجندات السياسية (وليس هناك إلا أحوال قليلة جدًا، هي أحوال لا سياسية أو إنسانية خالصة.) وفي الوقت نفسه، يصعب تحمل التكلفة العالية المطلوبة لتدخل فاعل، حتى عندما تتقاطع الأهداف. الحجة الأخيرة الباقية، حتى مع غياب التوافق، والتي يمكن أن تدعم رفع سقوف التمويل لمواجهة مشكلة اللاجئين، وضمان معاملتهم معاملةً إنسانية، وتخصيص حصة عادلة لإعادة توطينهم،
هي مبدأ التزامات السيادة، فجميع هذه الأمور يجب الوفاء بها تحت هذا المبدأ. في عالم الاقتصاد، يتّشح مبدأ التزامات السيادة بلون مغاير، إذ تحفِّز الحكوماتِ أساسًا حوافزُ نابعة من مصالحها في التحرك تحركًا مسؤولً لدعم وجود عملة قوية، وضمان أن تحتفظ المؤسسات المالية بأرصدة مناسبة، وأن تلتزم إجراءات محاسبية نزيهة، وأن تكافح الفساد، وأن تضمن إنفاذ العقود، وتوسيع نطاق التجارة، وأن تخلق بيئةً جاذبةً للاستثمار. بمعنى آخر، يُعدّ اتباع أفضل الممارسات الاقتصادية أمرًا مهمً، ينبغي للأمم تلمسّه. إلا أنه ثمة جوانب تستأهل النظر فيها أيضًا في النشاط الاقتصادي، وتقع ضمن مقياس مبدأ التزامات السيادة. فعلى سبيل المثال، ينظر إلى اتفاقات التجارة، في أصلها، على أنها اتفاقات لتبادل التزامات السيادة فيما يخص الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وعندما يرى أحد الأطراف أن هذه الالتزامات لم يوفَ بها، يلجأ إلى التحكيم. وبالطبع، يمثل استحداثُ آلية ثابتة، للتعامل مع الخلافات التي تتعلق بممارسات التجارة وإيجاد تسويات لها، التحولَ الأكبر لمنظمة التجارة العالمية. إلا أن الأمور أقل وضوحًا في مناحٍ أخرى في مجال النشاط الاقتصادي، من قبيل تخصيص الدعم، أو تلاعب الحكومة بالعملة لخلق مزايا لصادرات دولتها وحرمان الواردات من أيّ امتياز. وهنا، يكمن التحدي في تحديد التزامات السيادة الملائمة لهذه المجالات في نصوص اتفاقات التجارة في المستقبل، وخلق آليات لإلزام الحكومات بمسؤولياتها.
من النظرية إلى التطبيق
من الصعب الوصول إلى اتفاق، ولو أوليّ، يتعلق بماهيّة التزامات السيادة على الدولة، وكيفية فرضها، وسيتطلب تعزيز هذا المبدأ، كي يصبح عمودًا للنظام الدولي، سنواتٍ أو ربما عقودًا من التشاور والتفاوض. وإلى ذلك الحين، سيظل تعزيز هذا المبدأ غير متكافئ مع الآثار التي يخلّفها. ولذلك، وبدلً من إيجاد أعذار لتجاهل المشروع، لا بد من البحث عن أسباب للبدء في هذا التعزيز على نحو جدي وعاجل؛ إذ إن عصر العولمة سيستمر في التطور، على نحو سيزداد معه عجز الإجراءات الموجودة عن التعامل مع التحديات الراهنة. وفي خطوة أولى، على واشنطن أن تحدد أيّ الالتزامات التي يمكن أن تقبلها، وما الذي ستطلبه من الآخرين، وأن تسعى لصوغ دليل ذي طبيعة عامة يحدد المسلك الملائم الذي عليها أن تتبعه هي والبلدان الأخرى، ويمكِّن من تعيين بوصلة للسياسة الخارجية الأميركية، من خلال إبحارها في ما يبدو أنه عهد جيوبوليتيكي معقد، يتصف بضخامة التحديات التي تواجه الاستقرار على المستويين الإقليمي والعالمي على السواء. على صناع السياسة الأميركيين مواجهة حقيقة أن النظام العالمي سيحد من خيارات الولايات المتحدة، وخيارات الآخرين على حد سواء. واستنادًا إلى حقيقة أن الولايات المتحدة تملك، مع كل هذا، دورًا مميزًا في العالم، وعليها مسؤوليات متفردة تستدعي في بعض الأحيان قيامها من طرف واحد بإجراءات صارمة، فإنها عندما تطلب من الآخرين بذل أكثر مما تبذل هي، يبدو هذا نفاقًا يقدح في الثقة بها ويخل بسلطتها. على سبيل المثال، وجّهت واشنطن النقد إلى بكين، بشأن بحر الصين الجنوبي، لعدم التزامها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، مع أن الكونغرس رفض إقرار الاتفاقية ذاتها. نعم، قد تكون ثمة حالات أخرى يمكن تبريرها تبريرًا مغايرًا، فالولايات المتحدة رفضت الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ولكنها يمكن أن تسمح بتشكيل هيئات للمحكمة بغية الفصل في أحداث تاريخية بعينها. وبالمثل، تتضاءل قدرة الولايات المتحدة على إقناع الدول الأخرى بتوفير المزيد من العون للاجئين، بسبب وجود حدود واضحة لما بوسع الولايات المتحدة نفسها أن تفعله في هذا المضمار.
وكذلك، على الولايات المتحدة أيضًا بذل الجهد الكافي حتى توصف بالشفافية؛ فهي لم تبذل الكثير من أجل قضية الحق في الحماية، عندما تحوّل تدخلها في ليبيا عام 0112 سريعًا إلى تدخل لتغيير النظام؛ إذ ينبغي للتدخلات الإنسانية أن تكون في إطار محدود. وفي بعض المجالات الأخرى كالصحة العامة أو التغير المناخي، يكفي أن تضرب واشنطن بسلوكها المثال الجيد، هذا فضلً عن المبادرة بتوفير المزيد من المعونات، بما يحث الدول الأخرى على أن تفي بالتزاماتها. وفي مجالات أخرى مثل مكافحة الإرهاب والحد من الانتشار النووي، قد تكون نية استخدام القوة المسلحة مطلوبة، ولكن حين يكون الالتجاء إلى القوة ضروريًا، فإنه ينبغي حينها لأي عمليات عسكرية أن تتسم بمقبولية عالية، من جهة مبرراتها وسبل القيام بها. مثال آخر، بموجب الدور المنوط بالدولار الذي يمثل واقعيًا احتياطي العملات العالمي، تحتاج الولايات المتحدة إلى أن تقبل تحميلها التزاماتٍ خاصةً في عالم الاقتصاد. ويشمل هذا أخذ رؤى الآخرين في الحسبان، عندما يتعلق الأمر بتقرير أسعار الفائدة، أو شراء الأصول
(المعروف أيضًا بسياسة "التسهيل الكمي.)" لذا يظل التشاور الدوري والجاد بين بنك الاحتياطي الفيدرالي ونظرائه من البنوك المركزية الأخرى حول العالم أمرًا ضروريًا. وعمومًا، يجب أن تُحال الخلافات التجارية على منظمة التجارة العالمية، بدلً من التعامل معها عبر إجراءات من طرف واحد. سيتطلب ترويج النظام العالمي - الإصدار 02. مشاورات مكثفة. ففي بعض المجالات، مثل الصحة العالمية، تقدمت المحادثات تقدمًا واضحًا. ويبقي التحدي الأبرز في بناء المقدرات الوطنية في دول تفتقر إليها. ولكن، في مجالات أخرى، مثل الفضاء السيبراني، لا يزال العالم بمنأى عن الوصول إلى اتفاق على ماهية الالتزامات المطلوبة من الدول. وكذا الحال في مجالات أخرى، مثل الحد من الانتشار النووي الذي جرى التوافق على قواعد له، لكن إنفاذها ظل محلّ جدل واسع. والقاعدة العامة أنه في مقدور الولايات المتحدة، بل ينبغي لها، أن تقدم أفكارًا في كل مجال من هذه المجالات. ولا ينبغي لهذا الأمر أن يكون من موقع فكري أو سياسي، تفرض فيه على الآخرين تصورًا أو تصميمً مسبقًا، وأن عليهم مجرد التوقيع عليه. على النقيض، بل يجب أن يشارك الآخرون في إثراء هذا المفهوم، بالقدر ذاته الذي يشاركون في تطبيقه. كما ينبغي لأي تقدم في مسار إنجاز هذه الأجندة أن يحدث نتيجة لعمل طوعي تبادر به الدول نفسها، وليس عبر ضغوط علوية يمارسها كيان أو فاعل دولي له القدرة والسلطة على ذلك. إن إدراك التفاوت الماثل بين طبيعة المشكلات الراهنة وحجمها والقدرات المتوافرة حاليًا لحلها سيُمكن الحكومات أن تقرر مدى استعدادها للتضحية ببعضٍ من سيادتها الذاتية، لقاء الوصول إلى قدرة على العمل الجماعي. لقد أصبح هذا النوعُ من التفكير معتادًا في مجال التجارة (على أنه يتعرض في بلدان عدة اليوم إلى هجوم الشعبويين الغاضبين)، وبدأ يتشكل في مجالي التغير المناخي والفضاء السيبراني، إلا أن توجهاته المستقبلية لا تزال تشهد تداخلً بين عالمي السياسة والعسكرية. ولكن، لم يجرِ إلى الآن تقدير ما يمكن أن تفعله قوة النقاش والإقناع في تحفيز التغيير على المدى البعيد، هذا فضلً عن أن عددًا من القضايا لا يزال غير جاهز للعرض والنقاش في مفاوضات رسمية على نحو يكفل نجاحه. وفي الحقيقة، يمكن المشاورات أن تؤدي دورًا مهمً في تعظيم الفهم والتسامح مع بعض الإجراءات، وإيضاح أيّ سلوك دولي يمكن وصفه بالمعقولية والقبول، وبيان التكلفة المحتملة والتبعات المترتبة على تجاوز هذه الحدود. إن دور وزير الخارجية الأم كيرر، وغيره من كبار المسؤولين الأميركيين، يجب أن يتغير في المستقبل المنظور، بالاتجاه إلى التشديد أكثر على التشاور على طول خطوط النظام الدولي، وأقل على تلك المفاوضات التي بمقدورها حل مشكلات جلية. في هذا المضمار، تشمل أغلبية المشاورات الأولية بالضرورة القوى الرئيسة، بما فيها الصين، وفرنسا، وألمانيا، والهند، واليابان، وروسيا، والمملكة المتحدة. وربما يجب إتمام المحادثات في نطاق ثنائي، وفي منتديات غير رسمية؛ بدلً من التعجل في عرضها في مجموعة العشرين أو في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة محلً لهذه المحادثات. وفي تقديري، إن نقل المحادثات إلى هذه الأطر الدولية العامة سيجعل تطورها مضللً؛ ذلك أن التفضيلات فيها لا تزال محلً للخلاف الواضح، هذا فضلً عن أنها ستخضع لتأثيرات تدهور العلاقات بين القوى الرئيسة في العالم، إلى جانب تأثيرات السلطوية الصاعدة في روسيا والصين، والشعبوية الصاعدة في أماكن أخرى، بما فيها الولايات المتحدة. وعلى نحو عام، صار التغني بعبارة "المجتمع الدولي" معتادًا، في حين تكاد تنعدم أي دلائل لتحققه. وخلاصةً، لا يمكننا القول إن معنا بديلً جيّدًا. العولمة باقية، وستتضح عثرات المقاربة التقليدية للنظام، المبنية على مبدأ السيادة وحده، أكثر فأكثر بمرور الوقت. ويظل التحول نحو نوع جديد من النظام يتشكل وفق مبدأ التزامات السيادة هو السبيل الأفضل للتعامل مع المشكلات، حتى وإن تطلب وقتًا أطول، وخوض محادثات، وبذل جهد. وفق هذا، سيصبح النظام العالمي بعيدًا عن مقولة "الكل أو لا شيء." وسيتحقق هذا من خلال سيرورة، أكثر مما يمكن أن يحققه اتفاق رسمي. سيَظهر في بعض المجالات أشدّ تطورًا مما هو عليه في مجالات أخرى. ولكن، ما نوقن به هنا هو ضرورته لقرن، ستنهض فيه العولمة حقيقةً، رضينا بها أو لم نرض. وختامًا، إن بناء نظام عالمي وفق مبدأ التزامات السيادة مشروع طموح بكل تأكيد، لكنه طموح يتخلق من رحم الواقعية، لا رحم المثالية.