هل أخفق دستور 2011 في تحقيق تحول ديمقراطي في المغرب؟

Yassine Yahyaoui ياسين اليحياوي |

قراءة في كتاب"تجربة الإصلاح الدستوري في المغرب"

عنوان الكتاب: تجربة الإصلاح الدستوري في المغرب. المؤلف: مجموعة باحثين. المحرر: سعد الدين العثماني. سنة النشر: 2.015 الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة. عدد الصفحات: 322 صفحة.

Has the 2011 Constitution Stalled the Democratic Transition of

Morocco? Critique of "Moroccan Experience of Constitutional Reform"

تكتسي مساءلة التجربة السياسية بالمغرب، بعد الإصلاح الدستوري الذي تلا الحراك المغربي عام 0112، أهميةً خاصةً، ولا سيما بعد انتهاء مرحلة حكومة عبد الإله بنكيران، بوصفها أول تجربة في ظل الدستور الجديد، وهو أمرٌ يسمح بتقديم حصيلة العمل السياسي لمُختلف الفاعلين، وعلاقته بنص الدستور الجديد وروحه. وداخل هذا السياق، تكمن أهمية كتاب تجربة الإصلاح الدستوري في المغرب الذي صدر في نهاية سنة 0152، أي قبل سنة من إسدال الستارة على أول حكومة مغربية أعقبت حراك 0"2 فبراير" الذي يُقدم قراءةً للدستور، تسمح بفهم المُستجدات الحديثة التي رافقت تشكّل الحكومة الثانية بعد اقتراع تشرين الأول/ أكتوبر.2016 لهذا الكتاب الجماعي، إذن، أهمية أكيدة اليوم؛ ولا سيما بالنظر إلى أنّ من أشرف عليه وقدّم له سعد الدين العثماني، رئيس الوزراء 2 1المغربي الذي جرى تنصيبه في نيسان/ أبريل 017، بعد إعفاء خلفه عبد الإله بنكيران في عقب أشهر من حالةٍ ل "الانسداد السياسي"، تلَت تصدّر حزب العدالة والتنمية للانتخابات التشريعية في تشرين الأول/ أكتوبر 0162 في مجال الفقه الدستوري والقانوني؛ ذلك أنّه من النادر أن نجد في البلاد العربية قادةً يجمعون بين الممارسة السياسية الفعلية وتملّك خلفية فكرية أو علمية قوية. وإلى جانب العثماني، يُشارك في هذا الكتاب ستة باحثين في الفقه الدستوري والعلوم السياسية؛ إضافةً إلى تذييله بالخطاب الملكي في 9 آذار/ مارس 0112 الذي أُعلن فيه الاستفتاء حول الإصلاح الدستوري، ثمّ النص الكامل للدستور الجديد للمملكة المغربية.

من ملكية رئاسية إلى ملكية برلمانية

إنَّ أول ما يتبادر إلى الذهن بصدد موضوع الكتاب هو التساؤل عن التغيير الذي جاءت بها وثيقة الدستور في ما يخص العلاقة بين الملك ورئيس الحكومة، وهو ما تطرَّق إليه عبد العالي حامي الدين في أول فصول الكتاب. فبعد مُقدمة عرض فيها دواعي خروج "حركة 02 فبراير" الاحتجاجية، أكد حامي الدين أنّ الذين رفعوا شعار الملكية البرلمانية كانوا يُريدون الحفاظ على هيبة المؤسسة الملكية على نحوٍ حقيقي. وسيُؤثث هذا الخطاب جلّ ما قدّمه في الفصل من دون إقناع كبير. فهو يرى أنَّ "تضخم مظاهر الفساد في الحياة العامة، وخاصة منه الفساد الذي يتحصن بالمؤسسة الملكية التي يُكنّ لها المغاربة كل الاحترام والتقدير، هو الذي دفع بالشباب إلى رفع شعار الملكية البرلمانية"2، كما يتبنَّى الموقف نفسه عند الحديث عن حزب الأصالة والمعاصرة الذي أنشأه المُستشار الملكي فؤاد عالي الهمة. ولا يختلف هذا الخطاب عن خطاب حزب العدالة والتنمية الذي ينتمي إليه حامي الدين، ويشغل فيه منصب عضو الأمانة العامة. فالفساد لا يرتبط بالمؤسسة الملكية التي يرأسها الملك، ولكنه يرتبط بالوثيقة الدستورية القديمة التي جعلت من نظام الحكم في المغرب ملكيةً تنفيذيةً تتمركز فيها جميع السلط بيد الملك، وهو ما يسمح بوجود وسائط تمارس سلطات حقيقيةً باسم الملك خارج المؤسسات، من دون أن تخضع للمراقبة والمُحاسبة.

داخل هذا السياق، يذهب حامي الدين إلى أنّ حراك 02 فبراير كان بمنزلة المُحفر لدخول المغرب لأول مرة في تاريخه المُعاصر في إصلاحٍ دستوري حقيقي3؛ إذ جرت دسترة مجلس الحكومة بما يعنيه ذلك من تقوية دورها، وتعزيز مكانتها في البناء الدستوري. وفي المقابل، تتحمل مسؤوليتها الكاملة أمام البرلمان، انسجامًا مع قاعدة الربط بين تعيين رئيس الحكومة ونتائج الانتخابات التشريعية لمجلس النواب، ومع تقوية سلطة رئيس الحكومة على الوزراء بصفته رئيسًا للسلطة التنفيذية، ما يضع حدًا للازدواجية بين سلطة الدولة وسلطة الحكومة. وهكذا أصبح رئيس الحكومة، بحسب النص الدستوري، صاحب سلطة تنفيذية، يتولى بموجبها المسؤولية الكاملة عن الحكومة وعن الإدارة العمومية. ويؤكد حامي الدين أنّ مكانة رئيس الحكومة، كما جاءت في دستور 0112، تجعل منه الرئيس الفعلي للسلطة التنفيذية، لكنه لا يغفل عن ربط هذا التقدم في النص الدستوري بمدى حرص رئيس الحكومة على ممارسة مهماته الكاملة، كما هو منصوص عليها دستوريًا4. فهل تحمل هذه العبارة انتقادًا لسياسية بنكيران في علاقته بالملك،

  1. تجدر الإشارة إلى أنّ سعد الدين العثماني شغل منصب وزير الشؤون الخارجية والتعاون في حكومة عبد الإله بنكيران الأولى 013-2012()2، كما أنه شغل منصب الأمين العامّ لحزب العدالة والتنمية في المدة 008-20042؛ أي في مرحلةٍ سياسية دقيقة جدًّا، كادت السلطات المغربية خلالها تحلّ حزب العدالة والتنمية، على إثر الهجمات الإرهابية
  2. عبد العالي حامي الدين، "السياق السياسي لدستور 011:2 من ملكية رئاسية إلى ملكية تجربة الإصلاح الدستوري في المغرب (الدوحة ذات طبيعة برلمانية"، في: مجموعة باحثين،: منتدى العلاقات العربية والدولية، 015)2، ص.15
  3. المرجع نفسه، ص 2.0 4 المرجع نفسه، ص.24
  4. في 61 أيار/ مايو.2003

خصوصًا بعد أن منحه الدستور لأول مرة في تاريخ المغرب العديد من الصلاحيات التي تسمح بقطع شوط كبير في مسار التحول الديمقراطي؟ مهما يكن الجواب، فإنّ ما خلص إليه حامي الدين هو أنّ حراك 02 فبراير وما واكبه من تعديلات دستورية قد نقل المغرب من ملكية رئاسية تنفيذية إلى ملكية شبه برلمانية، وسيكون على عاتق النخب السياسية أن تؤمن بالإصلاح في إطار النظام السياسي القائم، من أجل ترسيخ قواعد الملكية البرلمانية.

دستور 2011 وإعادة إنتاج تبعية رئيس الحكومة للملك

يتناول أحمد بوز الإشكالية ذاتها للعلاقة بين الملك ورئيس الحكومة، لكنه تناولٌ من زاوية مُختلفة. فقد أَولى الجُزء الأكبر منه للحديث عن أوجه الضعف في منصب رئيس الحكومة، في ضوء الإصلاح الدستوري. وقد استفتح، في البداية، بعرض علاقة الملك بالوزير الأول في الدساتير السابقة، ليخلص إلى خمس مُحددات تُشير كلّها إلى ضعف الوزير الأول، بدءًا بعدم ربط تعيينه بصناديق الاقتراع، وضعف سلطته على الوزراء، وازدواجية الحكومة الرسمية والحكومة الفعلية المشكّلة من الملك ومُستشاريه، وشكلية البرنامج الحكومي الذي يتحكم في خطوطه العامة المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك، ثمّ – أخيرًا - غياب أيّ دور للوزير الأول في المجلس الوزاري. فهل أدّى التعديل الدستوري لسنة 0112 إلى تجاوز هذا الواقع؟ يبدو من المُناسب أن نعرض جواب أحمد بوز لننتقل، بعد ذلك، إلى التفصيل الذي قدّمه. فهو يؤكد أنّ تجربة الإصلاح الدستوري لم تؤسس تحولً جوهريًا في طبيعة العلاقة الناظمة بين رئيس الحكومة ورئيس الدولة، إذ بقي الملك يحظى بصلاحيات واضحة، تسمح له بأن يتحكم في عمل الحكومة، وفي السلطة التنفيذية، بل التصرُّف كرئيسها الفعلي أيضًا5. يتحدد ضعف الحكومة، بحسب القراءة للنص الدستوري التي قدمها بوز، في عدد من النقاط. فالنقطة الأولى تتمثّل في تحكّم الملك في تعيين الوزراء وإعفائهم، مع إعطاء رئيس الحكومة حقّ الاقتراح فحسب، وهو أمرٌ يظلّ غير مُلزمٍ بالنسبة إلى الملك، إضافةً إلى أولوية تنصيب الحكومة من الملك، قبل أن يمنحها البرلمان الثقة، على الرغم من أنّ الدستور ينصّ في الفصل 88 على أنّ الحكومة تُعدّ منصّبةً بعد حصولها على ثقة مجلس النواب. ويرى بوز أنّ هذا اللّبس يُكرّس فكرة أحادية التنصيب من الملك. وهي ممُارسة رافقت تنصيب حكومة بنكيران، كما هو الشأن، أيضًا، بالنسبة إلى حكومة سعد الدين العثماني6. أمّا النقطة الثانية، فتبرز في عمومية الصلاحيات الملكية واستمرار قابليتها للتأويل، خصوصًا الصلاحيات التي يصفها الدستور بأنها "إستراتيجية"، من دون تحديد دقيق لهذا المعنى، وهو ما يجعلها أمرًا قابلً للتأويل، بحسب مصلحة المؤسسة الملكية. ويُقابل عمومية الصلاحيات التي منحها الدستور للملك تجريد الحكومة من صلاحيات حيوية، وهي النقطة الثالثة التي تطرّق إليها بوز، والتي حددها في عدم قدرة رئيس الحكومة على التعيين في المناصب العليا، وعدم قدرته على التحكم في عمل الأجهزة الأمنية أيضًا. وأمّا النقطة الرابعة، فتتجلى في توقف صلاحيات الحكومة على إرادة الملك، ويتحدد ذلك وفق بوز في تبعية المجلس الحكومي (يرأسه رئيس الحكومة) للمجلس الوزاري (يرأسه الملك.) فعلى الرغم من التعديل الدستوري الجديد، استمرت وظيفة المجلس الوزاري معبرًا ضروريًا لأهم النصوص والقضايا التي تعرض على الحكومة، ما يجعل هذا المجلس هو الجهاز الحقيقي لصنع السياسات العاملة للدولة. أمّا النقطة الخامسة، فهي حصيلة النقاط السالفة. على الرغم من التعديل الدستوري، استمرت الازدواجية بين البرنامج الحكومي والبرنامج الملكي، بل إنّ الحكومة لا تتولى في الواقع، في كثير من القضايا الإستراتيجية والسياسات العامة، سوى تنفيذ ما يصدر عن المجلس الوزاري. إنّ ما خلص إليه بوز في دراسته للعلاقة بين الملك ورئيس الحكومة في ظل الدستور الجديد هو فشل الرهان المعقود على مبادرة الإصلاح الدستوري في أن تكون مؤسِّسةً لنظام سياسي يُصبح فيه للمغرب، أوّل مرة، رئيس حكومة يضطلع بدور القيادة.

البرلمان والحكومة في ظل الدستور الجديد

بالنسبة إلى مستجدات دستور 0112؛ بشأن البرلمان وعلاقته بالحكومة، جرى تخصيص الفصل الثالث الذي حاول فيه عبد الرحيم المصلوحي، رئيس الجمعية المغربية للعلوم السياسية، مقاربة وضع البرلمان في

  1. أحمد بوز، "الملك ورئيس الحكومة: حدود التغيير في الدستور الجديد"، في: مجموعة، تجربة الإصلاح، ص باحثين.49
  2. جرى تنصيب حكومة سعد الدين العثماني من قِبل الملك في 5 نيسان/ أبريل 2017، في حين كان تصديق البرلمان للبرنامج الحكومي في 62 نيسان/ أبريل 0172 ومنحه الثقة للحكومة، وهو ما يطرح التساؤل عن مدى دستورية الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال هذه الفترة. انظر: "جلالة الملك يعيّ أعضاء الحكومة الجديدة"، البوابة الوطنية، المملكة المغربية، 017/4/52، شوهد في: 017/5/16:2، في http://bit.ly/2svDW3I؛ وانظر: "مجلس النواب يُصادق على البرنامج الحكومي"، مجلس النواب، المملكة المغربية، 017/4/28، شوهد في 017/05/16:2، في http://bit.ly/2sIYMMt:2

النظام السياسي المغربي تأليفًا واختصاصًا، مع الإشارة إلى الأنظمة الداخلية لكل من مجلس المُستشارين ومجلس النواب. وقد هدف من خلال هذه المقاربة إلى رصد الصلاحيات التي أعطاها الدستور للبرلمان، وتحديدًا إدراج مفهوم المراقبة البرلمانية، وحدودها، وتطورها، ومدى مُساهمتها في تقليص هيمنة الحكومة، واستئثارها بتدبير الشأن العام7. ويبدو من التناقض الدستوري، في ما يخص العلاقة بين البرلمان والمجلسين الوزاري والحكومي، أنّ البرلمان يُراقب الأداء الحكومي في السياسات العامة التي يُوافق عليها، بل يفرضها المجلس الوزاري أيضًا؛ وهو اختلال في النظرية والتطبيق لم ينتبه له المصلوحي أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس، بالنظر إلى أنّ ما يُ ليه المجلس الوزاري على الحكومة هو أمرٌ فوق الدستوري، لكنه يُصبح دُستوريًا بعد أن توافق الحكومة على تنفيذه. كما يُشير واقع التجربة السياسية، في أول حكومة بعد دستور 0112، إلى أنّ البرلمان لم يسبق له أن استخدم الصلاحيات المُخولة له من الدستور من أجل مراقبة إملاءات المجلس الوزاري على الحكومة، خصوصًا في ما يتعلق بالسياسة الإستراتيجية التي يُحددها رئيس الدولة، وليس رئيس الحكومة. ولعل أبرز مثالٍ دالّ على ذلك هو ملفّ الصحراء. وقد كان هذا الاستطراد، من أجل بيان ثغرة جوهرية في ما قدّمه المصلوحي حول علاقة البرلمان بالحكومة بعد دستور 011.2 في حين تتجلى أبرز إضافة في جعل البرلمان الممثل الأسمى للدولة، بعد أن كانت هذه الصفة خاصة بالملك في الدساتير السابقة. ثمّ ينتقل المصلوحي إلى عرض هيكلة مجلسَ النواب والمُستشارين، والصلاحيات التي مُنحت لهما، إضافةً إلى تطرّقه إلى الحديث عن الفرق والمجموعات السياسية داخل البرلمان وما يتشكّل منها من لجان برلمانية. جدير بالإشارة أنّ دستور 0112 حدّد آليات اشتغال البرلمان واختصاصاته على نحوٍ متقدم جدًّا على ما كان معمولً به في الدساتير السابقة. وقد أبرزها المصلوحي في مُحددين، يتعلق أولهما بالتشريع، وثانيهما بالمُراقبة. أمّا بالنسبة إلى التشريع، فقد نصّ الفصل 70 من الدستور على أنّ البرلمان يُ ارس السلطة التشريعية، إذ هو الجهة المُختصة بإنتاج القوانين ووضعها. وأمّا المراقبة، فهي تتجلى في الأدوات والأساليب التي منحها الدستور للبرلمان، من خلال جلسات الأسئلة المُوجهة إلى الحكومة، ولجان تقصّ الحقائق، وسلطة المراقبة البرلمانية للقانون المالي، إضافةً إلى مساعدة المؤسسات الاستشارية للبرلمان في تقييم السياسات العامة. كما خصص الدستور حيزًا مُهمً للحديث عن المعارض البرلمانية، بوصفها مبادئ عامةً يقوم عليها البرلمان المغربي، ومُكونًا أساسيًا في مجلسَ النواب والمستشارين، تُشارك في وظيفتَي التشريع والمراقبة.

القضاء الدستوري المغربي ودستور 2011

في الفصل الرابع، قدّم رشيد المدور، الباحث المتخصص في القضاء الدستوري، دراسةً حول المُستجدَّات التي أتى بها دستور 0112 المتعلِّقة بالمحكمة الدستورية، وبمدى قدرتها على تطوير القضاء الدستوري المغربي، خصوصًا أنّ الإصلاح الدستوري قد عرف تطورًا مُهمً، شمل الجمع بين الرقابة السياسية الوقائية القبْلية، والرقابة القضائية البعدية، فضلً عن مستوى اتساع مجاله ونطاقه، بعد أن أصبح مؤسسةً مستقلةً. وتجدر الإشارة إلى أنّ التاريخ الذي صدر فيه هذا الكتاب، لم يكن قد جرى قبله إنزال النص الدستوري حيّز التنفيذ، خصوصًا في ما يتعلق بالمحكمة الدستورية، وسينتظر الأمر حتى مطلع سنة 0172، ليجري تعيين أعضاء المحكمة الدستورية من لدُن الملك8. ومع ذلك، يبقى الأمر على نحوِ مَا أشار إليه المدور9. فالصورة الكاملة للتطور الذي سيشهد القضاء الدستوري لن تتجلى إلا بعد زمن طويل من ممارسة المحكمة الدستورية لمجمل تلك الصلاحيات، من خلال ما ستخلفه من اجتهادات وقرارات. أمّا بخصوص أهمّ التطورات التي جاء بها النص الدستوري، فقد أجملها المدور في عدد من المُستويات، بدءًا بالبنية المؤسسية؛ إذ انتقل القضاء الدستوري من مجلس دستوري إلى محكمة دستورية، مع تأكيد استقلالية المحكمة الدستورية عن التنظيم القضائي العادي، كما أنّ تشكيل المحكمة الدستورية تراوح بين التعيين الملكي والتعيين بالانتخاب. وقد جرى توسيع مجال الرقابة الدستورية؛ من ذلك السهر على الرقابة القبْلية للأنظمة الداخلية للمجالس البرلمانية، ومختلف المجالس أيضًا، من قبيل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وكذلك المجلس الأعلى للسلطة القضائية. فقد نصّ الدستور على أنّ القوانين التنظيمية، قبل إصدار الأمر بتنفيذها، تُحال على المحكمة الدستورية لتبتّ في مطابقتها للدستور، كما شملت المراقبة الالتزامات الدولية، وذلك قبل تصديقها من المجلس الوزاري أو الحكومي، لتبتّ في مطابقتها لأحكام الدستور. ولم يقتصر هذا الاختصاص على المراقبة القبْلية؛ ذلك أنّ للمحكمة الدستورية صلاحيات للدفع بعدم دستورية القوانين المُثارة أثناء النظر في قضية رائجة أمام المحاكم. وتندرج كذلك ضمن صلاحيات القضاء الدستوري المُخولة له بنص الدستور، البتّ في صحة انتخاب أعضاء البرلمان، وعمليات مراجعة الدستور، وتطبيق القانون البرلماني على أعضاء مجلسَ البرلمان.

  1. 9 رشيد المدور، "مستجدات القضاء الدستوري المغربي في نطاق دستور 011"2، في: تجربة الإصلاح، ص مجموعة باحثين،.117
  2. جلالة الملك يستقبل رئيس وأعضاء المحكمة الدستورية ويعينهم في مهامهم الجديدة "، البوابة الوطنية، 017/4/42، شوهد في: 017/05/16:2، في http://bit.ly/2qYafq8
  3. 7 عبد الرحيم المصلوحي، "البرلمان المغربي في ظل دستور 92 يوليو 011:2 دراسة في تجربة الإصلاح، ص التأليف والوظائف"، في: مجموعة باحثين،  .52

الإصلاح الدستوري وعلاقته بالسياسة الخارجية

في ما يخصّ السياسة الخارجية للبلاد في ظلّ دستور 0112، لم يُقدّم محمد السنوسي، الباحث المُتخصص في سوسيولوجيا السلطة السياسية والاقتصادية، أيّ جديد من جهة علاقة الإصلاح الدستوري بالسياسة الخارجية المغربية الجديدة. فقد عرض السنوسي مُجمل علاقات المغرب الإقليمية والدولية، وحاول – من دون أدلة مُقنعة - إبراز تأثّر السياسية الخارجية بحراك 02 فبراير، وربطها بدستور.2011 كان من الضروري أن تُركز مناقشة الإصلاحات التي جاء بها الدستور في هذا الجانب، أساسًا، على نطاق الصلاحيات التي يمنحها النص الدستوري، على نحوٍ يجعل السياسة الخارجية للمغرب تخضع لإرادة الحكومة المُنتخبة والبرلمان المُمثل الأسمى للدولة. في حين أنّ ما قدّمه السنوسي، لا يعدو أن يكون تأكيدًا مفاده أنّ الفاعل الوحيد والحقيقي، في ما يتعلق بالسياسية الخارجية المغربية، هو المؤسسة الملكية؛ ولا يرتبط ذلك بنص دستوري، بقدر ما يرتبط بالقضايا الإستراتيجية التي تبقى مقصورةً على المجلس الوزاري.

الموت البطيء للفكرة البرلمانية

تناول حسن طارق، أستاذ العلوم السياسية، إشكالية الدستور بين مستويَي الممارسة والتأويل، وهو ما عبّ عنه ب "الموت البطيء للفكرة البرلمانية"10، راصدًا إياها منذ حضور فكرة الملكية البرلمانية في الحوار العمومي حول المراجعة الدستورية، إلى أن تبوَّأت مكانةً متواضعةً مع نص دستور 011.2 وتكمن أهمية هذه الدراسة في الكيفية التي بلور بها طارق مقاربته عن موت الفكرة البرلمانية، بدءًا بفشل الحراك المجتمعي في دسترة الملكية البرلمانية، ثمّ فشل الخطاب السياسي في تقديم قراءة تحافظ على المكتسبات القليلة لفكرة الملكية البرلمانية. إنّ حضور الملكية البرلمانية في دستور 0112 داخل النص، لا يعني البتة حضورها في الواقع؛ إذ ظلت الممارسة التي وطنتها الحكومة الأولى بعد الإصلاح الدستوري تكشف باستمرار عن المعالم الرئاسية للنظام الدستوري، سواء تعلق الأمر باستمرارية سموّ المؤسسة الملكية في العلاقة بباقي السلط والمؤسسات، أو بإقرار الإشراف الملكي على السلطة التنفيذية، وبتعزيز الصلاحيات الملكية في السلطة التأسيسية الفرعية للبرلمان. ولئن كان الدستور ينص على أنّ الحكومة ذات سلطة تنفيذية، وصلاحيات ذاتية ومُستقلة، وأنّ لرئيس الحكومة صلاحية الاختيار والتشكيل لوزراء حكومته، فإنّه يمكن ملاحظة أنّ الممارسة السياسية تأتي على النقيض من ذلك؛ إذ تؤكد استمرار تحكّم الملك في توجيه مسار السلطة التنفيذية، واستمرار هيمنة المجلس الوزاري على المجلس الحكومي، ثمّ استمرار تبعية الوزراء للملك، سواء كان ذلك من حيث التعيين، أو من خلال الاقتراح الإجباري. ولعلّ الأحداث الأخيرة بشأن أزمة تشكيل الحكومة بعد اقتراع تشرين الأول/ أكتوبر 0162، وما رافقها من تشكيل حكومة هجينة كان لتكنوقراط نفوذ كبير فيها على الوزارات السيادية، دليل واضح على ما ذهب إليه طارق في مقاربته للعلاقة بين الملك ورئيس أول حكومة بعد الإصلاح الدستوري.

لا يزال التأرجح والالتباس بين نظام ملكية برلمانية وأخرى رئاسية يفرض تأويله على النص، ويُعيد توزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية لتكون جلّها بيد الملك. ويرصد طارق عددًا من هذه الالتباسات بدءًا بمطاطية مفهوم السياسة العامة للدولة؛ ذلك أنّ دستور 0112 لم يجعل من تداول مجلس الحكومة في السياسة العامة للدولة سوى خطوة أولى، تليها الخطوة الحاسمة التي يمثّلها المجلس الوزاري. وأمّا الالتباس الثاني، فهو الغموض الذي يلفّ مفهوم الإستراتيجية، على نحوٍ يسمح للملك بتأويله في اتجاه القرارات التي يعتزم اتخاذها، من دون الرجوع إلى المجلس الحكومي. ويُ كن من خلال كلتا النقطتين تأكيد أنّ سياسة الدولة إنّ ا هي من وضع المجلس الوزاري الذي يترأسه الملك، وأنّ أول حكومة مُنتخبة بعد دستور 0112 كانتْ خاضعةً لهذا المجلس، خصوصًا في ما يتعلق بالسياسة العامة للدولة وبالإستراتيجيات الكبُرى؛ وهو خضوع لم يُخفِه رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران في عدد كبير من تصريحاته الإعلامية. ويُحيل هذا الوضع الملتبس في الصلاحيات التنفيذية على إمكان حلول المؤسسة الملكية محلّ الحكومة في ممارسة صلاحياتها؛ إذ لا تبدو هذه الفكرة غريبةً عن السياق السياسي المغربي. فإذا ما عُدنا إلى خطاب عبد الرحمن اليوسفي11 الذي قدّم فيه حصيلة

  1. حسن طارق، "بين الدستور والممارسة والتأويل: في الموت البطيء للفكرة البرلمانية"، في: تجربة الإصلاح، ص مجموعة باحثين،  .135
  2. الخطاب هو محاضرة ألقاها عبد الرحمن اليوسفي في بروكسل سنة 0032، وذلك عفي من مهماته، وحلّ محلّه وزير أول تكنوقراطي هو إدريس جطو، انظر: "وثيقة بعد أن أ: محاضرة بروكسيل 003.2 أو عندما يقيم اليوسفي تجربته بنفسه"، موقع لكم، 016/8/32، شوهد في 017/5/16:، في http://bit.ly/2dw28wP:2

تجربته السياسية بعد أن تبوّأ منصب الوزير الأول في حكومة التناوب التوافقي، سنجده يتحدث عن ثنائية الدولة - الحكومة التي تتوسطها قوّة ثالثة كانت بمنزلة الحكومة الفعلية. أمّا إذا ما عُدنا إلى سياق موجة الاحتجاج مع حراك 02 فبراير، فسنجد عددًا من الفاعلين السياسيين، يناصب مستشاري الملك العداء، بوصفهم قوّةً ثالثةً تُ ثل رمز الفساد السياسي في المغرب، ولا سيما بعد الدور الكبير الذي قام به فؤاد عالي الهمة المُستشار الملكي في تأسيس حزب الأصالة والمُعاصرة. وفي الصدد نفسه، لم يتطرق تعديل الدستور إلى ما يُ كن عَدّه تأطيرًا لصلاحيات وعمل مُستشاري الملك. في حين كشفت الممارسة السياسية عن حالات مُتزايدة لولوج العديد من المُستشارين في وسائل الإعلام العمومي، وارتباط حضورهم بمجال العلاقات الخارجية، وهو ما كرّس التراتبية في العلاقة بين المُستشارين ووزراء الحكومة، وأعاد طرح السؤال القديم حول القوة الثالثة، أو حكومة الظل، التي تتولى مراقبة العمل الحكومي. على أنّ الخطاب السياسي لباقي الفاعلين، وقد كان من المُفترض أن يُقاوم ممارسة المؤسسة الملكية، ولا سيما في ظلّ الإمكانات التي يُقدمها له دستور 0112، سنجده يتراجع عن فكرة الملكية البرلمانية، ويُعيد إنتاج الصيغ القديمة نفسها، متمثّلةً في علاقة المرؤوس برئيسه، والرعية بالراعي، وهو أمرٌ عرَّج عليه طارق من خلال تحليل الخطاب السياسي للفاعل الحكومي، ويقصد بذلك عبد الإله بنكيران الذي يعدّه نموذجًا واضحًا لاستبطان المنطق الرئاسي لما قبل عام 0112، وذلك من خلال فكرة محورية أطّرت تصريحاته الإعلامية وممارسته السياسية، تتجلى في سعيه الحثيث لنيل ثقة "جلالة الملك"؛ رابطًا التقدّم في الإصلاح بمدى ثقة مؤسّسة القصر بالحكومة المُنتخبة! لم يكن الخطاب الحكومي وحده هو الذي استبطن هذه العلاقة اللادستورية بين الملك من جهة، والحكومة والبرلمان من جهة ثانية. فقد استعرض طارق، أيضًا، الخطاب السياسي الحزبي، خصوصًا في مرحلة تعديل الحكومة التي تزامنت مع خروج حزب الاستقلال من الحكومة ومناداته بضرورة تدخّل الملك للبتّ في هذه القضية، ما يؤكد من جديد أنّ الأحزاب السياسية غير قادرة على تدبير المجال الحكومي بمنطق برلماني12. نلاحظ إذن - كما نبّه حسن طارق في هذا الكتاب - أنّ تجربة أول حكومة في ظل دستور 0112 شهدت إستراتيجيات من المؤسسة الملكية للاستفادة القصوى من ممكنات التأويل للنص الدستوري، على نحوٍ يُعيده إلى ما قبل الإصلاح الدستوري. وفي الوقت نفسه، شهدت إستراتيجيات من طرف الفاعل السياسي الآخر – الحكومة والبرلمان والأحزاب – يقدّم تنازلات عن صلاحياته الدستورية، معوضًا إيّاها بمفهوم الثقة أو الإعلاء من المؤسسة الملكية، وهو أمرٌ أدّى إلى إضعاف النفس البرلماني للنظام السياسي المغربي. ولا تزال التجربة الثانية، في ظل حكومة سعد الدين العثماني، تؤكد هذا السيناريو نفسه المتمثّل في تأويل النص الدستوري على نحوٍ ينسجم مع نظام ملكي رئاسي. ختامًا، يُقدّم هذا الكتاب، في بعض فصوله، مساءلةً نقديةً متعلّقةً بحقيقة الإصلاح الدستوري في المغرب، وبمدى قدرة دستور 0112 على جعْل المغرب في المسار الصحيح للإصلاح الديمقراطي، بكل ما تحمله كلمة "ديمقراطية" من دلالة على فصل السلط وربطها بالمُراقبة والمُحاسبة. وإن كان من عبارةٍ تُذيّل هذه القراءة، فلن نجد عبارةً أكثر ملاءمةً من قولٍ لليوسفي – في خطابه السالف الذكر – بعد أن أجهد حزبه في خوض غمار تجربة التناوب التوافقي، وساعد – عن غير قصد – المؤسسة الملكية على إعادة ترميم بنى الاستبداد: "نتمنى ألّ نفقد في المستقبل القريب ملَكة الحلم [في انتقال هادئ وسلس نحو الديمقراطية] والقدرة عليه"13.