الإسلام السياسي الشيعي في العراق والديمقراطية التوافقية: إشكاليات الخطاب وتحديات التنوع
Consociationalism and Shia Political Islam in Iraq: Problems in Discourse and Challenges to Diversity.
الملخّص
تتناول الدراسة تجربة الديمقراطية التوافقية في العراق بعد عام 2003، وأسباب عجز هذه التجربة عن إنتاج ترتيبات حكم معقولة ومتماسكة في وسط سياسي وشعبي عراقي منقسم دينيًا وعرقيًا، ويسوده الارتياب والمخاوف المتبادلة. وتحاجج الدراسة بأن الأطراف الأساسية التي تشاركت في تجربة الديمقراطية التوافقية (نخب سياسية شيعية وسنية وكردية)، بسبب تركيزها على سياسات الهوية بدل ا من تقديم تنازلات متبادلة لبناء مؤسسات دولة رصينة، فشلت في فهم تعقيد آلية الديمقراطية التوافقية والاستفادة منها عراقيًا. وتركز الدراسة على الدور المحوري الذي أدّاه السلوك السياسي الشيعي في صناعة هذا الفشل، من خلال تبني خطاب فئوي ذي مضامين مذهبية، والسعي لتحويله إلى هوية وطنية عامة، وتقترح خطابًا مغايرًا ذا ملامح عراقية يستوعب التنوع الديني والإثني في البلد.
Abstract
This article deals with the post-2003 consociationalist experiment in Iraq. It examines the reasons why this experiment has failed in producing a reasonably coherent governing formula. It argues that, because of their emphasis on identity politics and not on making mutual concessions in the interest of serious statebuilding, the main players in this experiment (Shia, Sunni and Kurdish political elites) failed to appreciate the complexity of the consociationalist arrangement, let alone use it for public interest. The article focuses on the central role that the Shia Islamist parties played in making this failure happen, highlighting, as reasons, their insistence on an essentially sectarian rhetoric and their attempt to enforce it as a national identity. The article finally proposes a different rhetoric that can accommodate Iraq's ethnic and religious diversity.
- الديمقراطية التوافقية
- العراق
- الإسلام السياسي الشيعي
- Consociational Democracy
- Iraq
- Shia Political Islam
مقدمة
على امتداد تاريخ دولة العراق الحديث، منذ تكوّنها بعد الحرب العالمية الأولى، أصبحت الطائفة والانتماء إليها سرًا مفتوحًا من أسرار البلد الكثيرة؛ إذ إن هناك إدراكًا واضحًا بوجودها، يقابله تردد لا يقل وضوحًا عن الخوض علنًا فيها وفي معنى الانتماء إليها ودلالاته. بعيدًا عن السياقات الدينية والجدالات المذهبية المألوفة التي غالبًا ما كانت تتحرك في حيّز خاصٍّ ومعزول نسبيًا، تكاد كلمات مثل "الشيعة" و"السنة" تكون غائبة في السياق العراقي العام قبل عام 2003، لتبدو الإشارة إليها ضربًا من الجرأة والخروج على المعتاد. فمثلً تخلو الأغلبية الساحقة من مذكرات الساسة العراقيين وكتاباتهم الأخرى، سواء أكانت في العهد الملكي أو الجمهوري، من أي إشارة إلى الطوائف أو تسمية طائفة ما، وإن تطلَّب الأمر ذكر طائفة ما بسبب ارتباط الانتماء إلى الطائفة بحدث ما، يأتي هذا الذكر عاديًا، وعادةً ما يكون وصفيًا وسريعًا. كما يبدو اتهام الخصوم السياسيين بالطائفية أمرًا أشدّ ندرة.
وقد كانت التصنيفات السائدة في الكتابات السياسية العراقية في العهد الملكي، كما تظهر في كثير من وثائق تلك الفترة وكتاباتها، إما جغرافية (وسط، جنوب، الفرات الأوسط، شمال، المنطقة الكردية)، وإما إدارية (محافظات، أقضية، نواح)، وإما اجتماعية - اقتصادية (أهل المدن، مناطق العشائر، المناطق الريفية). كما تخلو الكتابة السياسية العراقية، عمومًا، من الإشارات إلى أن الطائفية تمثل مشكلة كبرى في البلد، باستثناء بضع وثائق طابعها مطلبي إصلاحي، تتلخص في تحسين أوضاع الشيعة ورفع نسب تمثيلهم في مؤسسات الدولة واستيعاب المذهب الشيعي مؤسساتيًا، فضل عن مطالب عامة أخرى متفرقة1. لا أعتقد أن هذا التردد السياسي عن الخوض في الطوائف وحديثها منفصلٌ عن التردد الاجتماعي العراقي على مستوى الشارع عن الخوض في الموضوع ذاته، ربما باستثناء أحاديث المجالس الخاصة مع من "يُوثق به" و"لا يسيء التفسير". هل كانت هذه الحساسية العالية، سياسيًا واجتماعيًا، إزاء التناول العلني للطوائف، صحية ومفيدة؟ الافتراض الذي تقوم عليه هذه الدراسة هو أن غياب خطاب حساس وواعٍ بخصوص الطائفة وصلتها بالطائفية في سياق الوطنية العراقية فسح المجال لبروز خطاب آخر "هوياتي"، يتمحور حول الانتماء إلى الطائفة، نما في الظل، باستثناء لحظات علنية نادرة له، كما في "ميثاق الشعب" 1935، ومذكرة الشبيبي 1965، وإعلان شيعة العراق.2002 تحاول الصفحات الآتية استنطاق مضامين هذا الخطاب الآخر وتتبع تمظهراته السياسية والمؤسساتية في عراق ما بعد 2003، وخصوصًا عبر آلية الديمقراطية التوافقية.
المحاصصة الطائفية - العرقية:
بين صراع السرديات وتطمين المجاميع
وجد هذا الخطاب "الهوياتي" الآخر لحظته المناسبة لأن يصبح تدريجيًا التعريف الرسمي والسياسي للدولة العراقية بعد النهاية المدوية لنظام صدام حسين في نيسان/ أبريل 2003. كان الانتصار الرسمي الأول لهذه الهوياتية الجديدة، وربما الحاسم في تمهيده لتطورات لاحقة تؤكده وتعمقه، هو إعلان تأليف مجلس الحكم في 13 تموز/ يوليو 2003. لجهة الخطاب السياسي، مثّل تأليف المجلس بتوزيعه الطائفي - العرقي (ثلاثة عشر عضوًا شيعيًا، وخمسة أكراد وخمسة من العرب السنة وعضو تركماني وآخر مسيحي) كسرًا رسميًا للتردد العراقي التاريخي بخصوص الخوض العلني في حديث الطوائف منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة. لم تعد الطائفة سرًا مفتوحًا على نحو يجعل كثيرين يتردّدون في التصريح به علنًا، بل أصبحت، في غضون أقل من أربعة أشهر سريعة وحافلة بين نيسان/ أبريل وتموز/ يوليو 2003، أمرًا علنيًا وأساسًا للتفاوض ومصدرًا للحقوق وسبيل لفهم التاريخ وتكوين الحاضر. كانت هذه نقطة فارقة ومهمة في قصة صناعة العراق الجديد خلال إثارته علنًا إشكالية الانتماء في بلد ملتبس في تاريخه كما في لحظته الحاضرة المفصلية: "لأول مرة في تاريخهم الحديث، وجد العراقيون أنفسهم بعد سقوط النظام في مواجهة سؤال يتعلق بأين تكمن ولاءاتهم وهوياتهم الحقيقية. كان الحديث علنًا عن الاختلافات بين المجاميع ومظالمها أمرًا محرمًا في السابق، فأي ذكر لها، أو الإيحاء أن الدولة كانت مؤسساتيًا منحازة ضد مجاميع معينة، كان يُواجه بسيل من الإدانة الشديدة، إلى حد اعتباره ضربًا من الحديث الخياني الذي يهدف إلى تقويض الوحدة
الوطنية [...] كان من الصعب القبول بتهمة الطائفية التي غالبًا ما كانت تُستخدم لوأد إمكانية أي نقاش بشأن القضية الطائفية في العراق. ولذلك كان الخطاب السياسي في العراق ينحو في اتجاهات متعددة بينها القومية العربية الاشتراكية والحداثة، لكن ليس على الاطلاق في اتجاه تناول الأصل الطائفي للسلطة. كان إنكار الطائفية عميقًا وقويًا جدًا إلى حد أنه جعل أي نقاش بشأن هذه المشكلة يقع ضمن حدود الحديث غير المقبول2. بمرور الزمن خلق هذا الإنكار واقعه الخاص به، ليصبح أمرًا مسلمً به".3يمكن عدّ تأليف مجلس الحكم بتوليفته الطائفية - العرقية المعروفة انتصارًا لفكرتين متشابهتين بخصوص معنى الهوية. مصادر هاتين الفكرتين مختلفة، وكان لتحالفهما الناجح بعد نيسان/ أبريل 2003 أثر حاسم ومتناقض في الوقت نفسه في تكوين العراق الجديد، بعيدًا عن تراث الدكتاتورية، وكذلك في صناعة أزمته الحالية؛ برزت الفكرة الأولى من أرشيف التفكير الاستشراقي الغربي، وتركزت في تأكيد أولوية المجموعة على الفرد. أصر العقل السياسي الأميركي (بتأثيرات واضحة من مستشرقين مؤثرين مثل برنارد لويس، أو عرب انطلقوا من رؤى استشراقية، مثل فؤاد عجمي وكنعان مكية) على التعامل مع العراق والعراقيين، على أساس أنهم أعضاء طوائف ومجاميع (شيعة، وسنة، وعرب، وأكراد) وفهم الصراع في العراق الحديث على أنه صراع مجاميع دينية وعرقية. وفي الحصيلة يتطلب حل هذا الصراع، المرور بممثلي هذه المجاميع والاعتماد على ترتيبات وتفاهمات بينها لتحقيق السلام والاستقرار، ومن ثم الرخاء مستقبلً. أما الفكرة الثانية فكانت عراقية شيعية مفادها الأغلبية المظلومة التي حان الوقت لحصولها على استحقاقها الطبيعي في إدارة دفة الحياة والحكم في بلد أغلبيته السكانية تنتمي إلى التشيع. كانت الإعلانات الأميركية في هذا الصدد واضحة وجاءت متناغمةً إلى حدٍ بعيد مع إعلانات شيعية وكردية عكست فهمً مشابهًا، ليأتي تأليف مجلس الحكم بعد نحو أربعة أشهر من إطاحة نظام صدام حسين تأكيدًا لهذا الفهم المشترك للمشكلة العراقية. لكن في الوقت ذاته، لم يكن هذان الافتراضان بعيدين تمامًا عن الواقع العراقي بحلول 2003، خصوصًا بعد أن أدت الاحتقانات والأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العميقة التي عاشها عراق الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، إلى حصول عملية فرز "جماعاتي" ظل مكتومًا بفعل شدة المحرم الثقافي على السرديات الخاصة بالمجاميع التي غذت هذا الفرز، وشراسة المنع الأمني ضد أي إعلان سردي مخالف لسردية السلطة. شيعيًا، كان الحس بالفرز أشد وأوضح، خصوصًا من ناحية استناده إلى سردية تاريخية معارضة، ذات جذر ديني و"هوياتي"، مرت محطاتها الأساسية عبر "ميثاق الشعب" و"مذكرة الشبيبي" وصولً إلى "إعلان الشيعة" 2002. أدى رفع المحرم الثقافي ونهاية القبضة الأمنية المصاحبة له في نيسان/ أبريل 2003 إلى أول تأكيد علني وواسع للسرديات الخفية التي سادت على مستوى المجاميع على امتداد الثمانين عامًا الماضية منذ تأسيس الدولة العراقية4. على المستوى الشيعي الشعبي، جاء تأكيد السردية الشيعية واسعًا ومنظمً، وفي أحيان كثيرة انفعاليًا، من خلال الطابع المشهدي الضخم للطقوس والشعائر الدينية والتنوع الواسع في الإعلانات الفردية للهوية الشيعية الجامعة. ولأن سياق هذا التأكيد لم يكن منفصلً عن رسالة واضحة بخصوص أغلبية سياسية وحاكمة مقبلة، كان هذا التأكيد مقلقًا للمجاميع الأخرى التي كانت في حاجة إلى تطمينات إلى أن الترتيبة "الديمقراطية" العراقية المقبلة لن تكون على أساس هيمنة الأغلبية وانصياع الأقلية. جاء مجلس الحكم ليحل جزءًا مهمً من هذا القلق خلال ترسيخ آليتَي التوافق والتحاصص بدلً من حكم الأغلبية.
مجلس الحكم والمأسسة
الطائفية - العرقية للخلافات والحلول
صحيح أن مجلس الحكم كان ترتيبًا فوقيًا كرّس على نحو خالٍ من الحكمة مفهوم المجاميع في تفسير مشكلات البلد وسبل حلها، ومثّل بذلك لبنة أساسية مبكرة في تشييد صرح المحاصصة الطائفية - العرقية الذي أخذ يترسخ ويتسع على مدى السنوات الآتية، لكنه لم يكن اللحظة المؤسِّسة لما صار يُعرف ب "الطائفية السياسية" في البلد. كان تأليف المجلس انعكاسًا لانقسامات مجتمعية تعود بذورها الأولى إلى عهد تأسيس العراق بوصفه دولة في العشرينيات. نمت هذه الانقسامات كثيرًا في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، حتى أصبحت واقعًا محسوسًا في حاجة إلى تأطير سياسي بعد سقوط نظام البعث. لا يعني هذا أن مجلس الحكم، بترتيبات المحاصصة الطائفية - العرقية التي بدأت رسميًا به، وترسخت بعده على أساسه، كان حتم سياسيًا والطريق الوحيدة للمضي إلى الأمام نحو صوغ عقد اجتماعي - سياسي جديد على أساس تفاهم المجاميع، فلم تكن المحاصصة احتفاءً بالتنوع العراقي وإقرارًا عمليًا به كما حاول دعاتها تصويرها، وكان صعبًا القبول بها كخصيصة دائمة في هذا العقد الجديد. من هنا كان التأكيد المبكر الذي ظهر مزيفًا فيما بعد أو على الأقل غير واقعي، من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا ومعظم اللاعبين السياسيين العراقيين؛ أن المحاصصة إجراء وقتي، وطابعه استثنائي، والغرض منه بناء الثقة بين شركاء وجماعات يرتاب بعضها ببعض، للوصول إلى ديمقراطية "عادية" ومستقرة مستقبلً لا تقوم على التحاصص والتوافق بين المجاميع، بل على المواطنة وحكم الأغلبية التي تحترم الأقلية وتصون حقوقها. بهذا المعنى، كانت تخريجة مجلس الحكم الآلية "السهلة" والمتيسرة لإدارة الريبة المتبادلة بين المجاميع على أساس تجاوز هذه الريبة مستقبلً. لكن في نهاية المطاف لم تنته الريبة، بل تعمقت وازدادت، وامتدت إلى ترتيبات ما بعد مجلس الحكم لتهيمن على المحطات الآتية في بناء الدولة الجديدة بدءًا من قانون الدولة الانتقالي، وإجراء الانتخابات، وكتابة الدستور، إلى تأليف الحكومات وتوزيع المناصب وإدارة الدولة واتخاذ القرارات فيها. وهكذا أصبحت الريبة خصيصة دائمة ومولدة للأزمات في عراق ما بعد نيسان/ أبريل.2003 الجانب الآخر في الريبة العراقية - العراقية هو طابعها الشخصي والانتهازي أيضًا؛ إذ امتدت ريبة الساسة إلى الجمهور لتضيف بُعدًا آخر لصراع الجماعات وتُعمق سوء الفهم السائد بينها. جزء من امتداد الريبة هذا مرتبط بضمان دور حاسم ومهم لممثلي المجاميع في الحياة السياسية للعراق "الجديد"، من خلال ترسيخ حس مظلومية الجماعة إزاء الجماعات الأخرى؛ الأمر الذي يترجم إلى فوائد سياسية وشخصية لممثلي هذه المظلوميات، وتعطيل أي حوار جدي ضمن كل مجموعة بخصوص خياراتها السياسية وأداء ساستها وحتمية المظلومية بوصفها إطارًا "وحيدًا" لنيل الحقوق. يتوقف ديفيد غانم، في تقييمه أداء الساسة الشيعة والأكراد، عند ظاهرة التنافس السياسي لاحتكار المظلومية: "يقترن التعاطي النخبوي مع المظلومية بالسعي لاحتكار مصادر الثروة والنفوذ، إذ لا تكتفي النخب المهيمنة ضمن الجماعات التي تعاني من المظلومية بتسييس حس المظلومية هذا فحسب، بل هي أيضًا تستثمر هذا التسييس. لا يقود تسييس المظلومية فقط إلى مطالبات مبالغ فيها على أساس حقيقة الظلم الذي تعرضت له المجاميع، بل أيضًا إلى صراع على احتكار حس المظلومية. محفزين بمصالحهم للحصول على الثروة والنفوذ، يصر الساسة الحاكمون على ترويج أسطورة احتكار المعاناة. على هذا الأساس، يصبحون هم الذين عانوا بسبب النظام السابق، كما أنهم يروجون أيضًا أفكار الأشخاص الأشد تعرضًا للظلم ضمن مجاميعهم، أو أفكار أولئك الذين عانوا أكثر من غيرهم. يبدو العراق الجديد 'مزادًا علنيًا' للادعاءات بشأن أعلى درجات المعاناة في العراق القديم، الأمر الذي يترجم إلى المزيد من المزايا والفوائد لأصحاب هذه الادعاءات"5. من النتائج المنطقية والمؤسفة لأسلوب التعامل مع مظالم العهد السابق ذلك التخادم المتبادل بين ريبة بعض المجاميع من بعضها، والمطامح الشخصية للزعماء ممثلي هذه المجاميع، بوصفهم المؤتمنين على الحصول على أعلى مردود سياسي، وفي الحصيلة شخصي، لمظلومية الجماعة الممثلة. ساهم هذا التخادم في تعميق الريبة ومنحها حجم أكبر من وجودها الحقيقي على الأرض، ومن ثم منع بناء الثقة المرتجاة وصولً إلى التطبيع الديمقراطي المتمنّى، والقائم على أولوية المواطنة الفردية المتساوية بدلً من مظلومية الجماعة والامتيازات الناشئة عنها: "في ذات الوقت الذي عانى فيه جميع العراقيين من العراق السابق، خصوصًا من السياسات الحمقاء والعنيفة للنظام السابق، يصر الشيعة والأكراد على أنهم أبطال المظلومية. من أنه لا يمكن لأحد أن ينكر أن هاتين المجموعتين عانتا كثيرًا في السابق، يبقى السؤال عن السبب الداعيِ لاستمرار سياسات الانتفاع من المظلومية على حساب المجاميع الأخرى وبقية العراقيين الذين عانوا على نحو مساوٍ. ينبغي أن تكون المعاناة السابقة لجميع العراقيين عامل إلهام لتوحيدهم في بناء تجربة جديدة تتراجع فيها المعاناة كثيرًا أو حتى
تختفي"6. إذا كان لا بد أن يكون للمعاناة السابقة ثمن، فينبغي أن يكون هذا الثمن تجربة جديدة لبناء عراق ديمقراطي وجديد، "على أي حال، ينبغي ألّ تصبح المعاناة السابقة أساسًا للمفاضلة ومنح الامتيازات"7. يكشف هذا الارتياب والتنازع على شدة المظلومية، عن انقسام اجتماعي حاد وضعف الأساس المشترك للممارسة السياسية خلال الجماعات المختلفة. إنّ ما يمنح هذه العوامل السلبية قدرة تأثير أشدّ في مستقبل السياسة في البلد هو أن تكريس الارتياب ومفهوم المكونات على مستوى الخطاب السياسي والترتيبات المؤسساتية ما بعد نيسان/ أبريل 2003 ساهم في صناعة المزيد من المسافات العازلة، نفسيًا وسياسيًا، بين المجاميع العراقية، كجمهور وأفراد عاديين، وفي الحصيلة أضعف كثيرًا من الأواصر العراقية - العراقية العابرة للطوائف والأعراق التي تألفت تدريجيًا على مدى السبعين عامًا السابقة من حياة الدولة العراقية، أو ما يطلق عليه عالم الاجتماع السياسي الأميركي مارتن سيمور ليبست تسمية "التشابك الانتمائي" الذي يؤدي وجوده إلى ربط الأفراد والمجاميع إيجابيًا بحزمة مصالح وانتماءات، لتقوم هذه، بدورها، بتخفيف حس التطرف الذي ينشأ عن انعزال بعض المجاميع عن بعض8. يقول ليبست: "عندما تعمل البنية الاجتماعية على نحو يعزل المجاميع أو الأفراد الذين يحملون رؤية سياسية واحدة عن الاتصال بأولئك الذين يحملون رؤى سياسية مختلفة، يميل الأفراد أو الجماعات المعزولة إلى دعم المتطرفين السياسيين"9. ويضيف أن قوة "التشابك الانتمائي" تؤدي دورًا مهمً في تخفيف النزاعات في الأنظمة الديمقراطية وتعميق السلم الأهلي: "تشير الأدلة المتوافرة إلى أن فرص بناء ديمقراطية مستقرة تزداد طرديًا بازدياد التداخل والتنوع في الانتماءات السياسية للجماعات والأفراد. أن إدراك نسبة كبيرة من السكان أن ولاءاتها تتوزع بين قوى متصارعة ينعكس إيجابًا على إحساس أعضاء هذه النسبة السكانية أن لهم مصلحة في تخفيف حدة الصراع السياسي"10.
الديمقراطية التوافقية وتوازن "المكونات"
إذًا، ساهمت حزمة عوامل أميركية وعراقية في إضعاف أواصر "التشابك الانتمائي" العراقي وإبراز العراق كدولة مكونات، وذلك في انتصار واضح للسرديات الأحادية التي استثمرت زخمها الأيديولوجي والنفسي في تأكيد أولوية المجموعة وتناسقها المفترض على فردية المواطنة وتنوعها. كان "مجلس الحكم" الخطوة الأولى في مأسسة "تفاهم الجماعات" في حكم البلد، علاوة على ذلك، أدى الفهم الأميركي الاستشراقي لمشكلة الحكم في العراق، مدعومًا بالسرديات الأحادية التي روجتها على نحو رئيس أحزاب الإسلام السياسي في الجانب العربي والأحزاب القومية في الجانب الكردي، إلى تبني الديمقراطية التوافقيةConsociational Democracy أسلوبًا للحكم. تعني الديمقراطية التوافقية طبقًا للمشهد الأبرز لهذا النوع من الأنظمة، بحسب رأي الأستاذ في علم السياسة المقارن، الهولندي آرند ليبهارت: "حكومة المجاميع النخبوية المصممة من أجل تحويل الديمقراطية في المجتمعات المنقسمة إلى ديمقراطية مستقرة"11. وبعد أن يعدد الدول التي يعدّ تطبيقها هذا النظام ناجحًا؛ كما في سويسرا وبلجيكا ولبنان، والدول التي فشل فيها؛ كما في قبرص ونيجيريا، يشرح ليبهارت أن هذا النجاح يتطلب وجود أربعة شروط مترابطة: "أولً، أن يكون لدى النخب القدرة على استيعاب المصالح والمطالب المختلفة للمجموعات. ثانيًا، تحتاج النخب، لكي تصبح قادرة على تحقيق ذلك، إلى القدرة على تجاوز الانقسامات وتوحيد جهودها مع النخب من المجاميع
المنافسة. ثالثًا، يعتمد النجاح في توحيد الجهود على التزام النخب بالحفاظ على النظام [أي الديمقراطية التوافقية] وتحسين تماسكه واستقراره. رابعًا وأخيرًا، ينبغي أن تكون الشروط الثلاثة أعلاه قائمة على الافتراض أن النخب تفهم مخاطر التفتت السياسي"12. ليس صعبًا بالطبع استنتاج أن النخب العراقية على مدى عقد ونصف العقد تقريبًا، بعد سقوط نظام صدام لم تُظهر في سلوكها السياسي أيًا من شروط النجاح الأربعة هذه، كما يشهد على ذلك أداؤها الذي افتقر إلى التعاون الذي يؤكده ليبهارت كثيرًا؛ فيقول: "تقوم الديمقراطية التوافقية على افتراض أولي وأساسي لنجاحها لا يرتبط برغبة النخب في التعاون فحسب، بل أيضًا بقدرتها على حل المشكلات السياسية في بلدانها. لدى المجتمعات المفتتة ميل نحو الجمود الذي تكون السياسات التوافقية مصممة لتجنبه. مع ذلك، فإن صناعة القرار التي تتطلب استيعاب بعض المجاميع لبعض هي عملية صعبة، ولذلك فالديمقراطيات التوافقية مهددة دائمًا بقدر معين من الجمود"13.
في ضوء النقاط المذكورة سابقًا، يصبح واضحًا أن النظام الديمقراطي التوافقي العراقي فشل فشلً ذريعًا؛ إذ يبدو هذا النظام عاجزًا تمامًا عن اتخاذ القرارات المهمة التي ترسخ الآليات المفضية إلى حل المشكلات وامتصاص الأزمات، كما في العجز البرلماني مثلً، عن تشريع قوانين مهمة نصّ عليها الدستور، توفر مثل هذه الآليات كتلك المتعلقة بتأليف المحكمة الاتحادية ومجلس الاتحاد وقانون النفط والغاز، وغيرها كثير. ليس هذا العجز مرتبطًا، بالضرورة، بالديمقراطية التوافقية نفسها بوصفها آلية، حتى على الرغم من صعوبة هذه الآلية وتعقيدها عند تطبيقها بنمطها الصحيح بوجود الشروط الأساسية الأربعة المشار إليها، فكيف الأمر وهذه الشروط غائبة تقريبًا عن السياق العراقي؟
التشيع العراقي والديمقراطية الانتخابية
من العوامل التي سَهّلت ولوج العراق في تجربة الديمقراطية التوافقية، هو التبني الشيعي المبكر للانتخابات التي كان من المؤكد حينها أن نتائجها ستكشف حقيقة الانقسام السياسي والاجتماعي على أساس الانتماء للمجاميع، وتراجع التشابك الانتمائي وتساهم في تعميقهما. فعلى نحو مبكر بعد إسقاط نظام صدام، توحّد الموقف الشيعي سريعًا على مستوى المؤسسة الدينية والأحزاب السياسية والجمهور الشيعي في المطالبة بنسخة محددة من الديمقراطية، تتمحور حول حدث الاق اررع الانتخابي نفسه، وعدّ هذا الحدث والنتائج التي تتمخض عنه أساسًا للشرعية السياسية والقانونية. أطلق على هذه تسمية "الديمقراطية الانتخابية" حيث يتركز الاهتمام على الجانب "الآلياتي" والتقني المباشر لعملية الاقتراع نفسها؛ بقصد ضمان نزاهة فعل الانتخاب نفسه وحرية الناخب في التصويت، وفي الحصيلة التأكد من أنّ الانتخابات أو العملية الانتخابية برمتها تمثل تعبيرًا أمينًا عن إرادة الناخبين في نمط الحكم ومن يتولاه. في هذا الفهم للديمقراطية، تتراجع كثيرًا أهمية البنى المدنية والمؤسساتية التي تمهد للديمقراطية وتحميها بوصفها تجربة اجتماعية وسياسية وفكرية أوسع وأبعد مدى من فعل الانتخاب نفسه، تجربة مهمتها صيانة التنوع وإدارة الخلاف وتداول السلطة، وهي البنى التي تقوم عليها الديمقراطيات الليبرالية المستقرة. تركز الديمقراطية الانتخابية في حدث (الانتخاب)، في حين تركز الديمقراطية الليبرالية في السياق الذي يفضي إلى الحدث (المؤسسات). برز هذا التمسك الشيعي بالديمقراطية الانتخابية في صيف 2004 في خضم الصراع السياسي الذي دار بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والمرجعية والنخب السياسية ومعظم الجمهور الشيعي من جهة أخرى بخصوص كيفية كتابة الدستور، إزاء القرار الأميركي حينها أن تكتب الدستور لجنة خبراء عراقية بمساعدة أميركية ودولية، برز سريعًا إصرار شيعي ضد القرار، يطالب أن تكتب الدستور هيئة منتخبة من العراقيين. انتهت المواجهة بين الطرفين بانتصار الرؤية الشيعية ب "الديمقراطية الانتخابية"؛ الأمر الذي تُوِّج في أول انتخابات عراقية حرة، انتخابات الجمعية الوطنية في كانون الثاني/ يناير.2005 يناقش الباحث الأميركي المختص بالتشيع، خوان كول، المؤثرات التي قادت الزعماء الدينيين والسياسيين الشيعة العراقيين إلى تبني موقف ديمقراطي انتخابي، عازيًا إياه إلى تقليد تكوّن لديهم على مدى فترة طويلة يتلخص في معارضتهم الحكم الفردي، أيًا كان شكله، سواء باسم الدولة الدينية في إيران في ظل ولاية الفقيه أو باسم القومية
العربية في ظل الدولة البعثية "العلمانية" التي تزعّمها صدام حسين في العراق. وبعد أن يتتبع الكاتب أنواع المعارضات والاختلاف الممكنة التي أبداها هؤلاء الزعماء منذ الثمانينيات نحو الحكم الفردي، يحاجج أن تجربة الحكم الأميركي في العراق بعد سقوط النظام في ظل سلطة الائتلاف الموقّتة بين أيار/ مايو 2003 وحزيران/ يونيو 2004 التي تزعمها بول بريمر كانت مثالً آخر للحكم الفردي الذي كان هؤلاء الزعماء يرفضونه مبدئيًا وتقليديًا. مثلت تجربة الحكم الفردي بزعامة بريمر دافعًا إضافيًا لهؤلاء الزعماء لتبني الديمقراطية الانتخابية في أسرع وقت ممكن. يقول كول: "أصبح الحكم الفردي لبول بريمر هدفًا سهلً للنقد عندما عبّ رجال الدين الشيعة عن التزامهم الجديد بحكم الشعب. لقد أثار الأميركيون ردة فعل سلبية عندما أوقفت سلطة الائتلاف بزعامة بريمر الانتخابات المحلية، وسعت من خلال اتفاقية الخامس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر إلى أن تحول، على مدى سنوات مقبلة، دون إجراء انتخابات مفتوحة على أساس صوت واحد لشخص واحد"14. لا يخلو هذا التبني للديمقراطية الانتخابية، بالطبع، من حسابات واقعية مرتبطة بوجود أغلبية سكانية شيعية سيقود تصويتها على أساس انتمائها المذهبي إلى صعود أحزاب شيعية دينية، تتشارك قيميًا مع رجال الدين ومعظم الجمهور الشيعي في رؤيتها شكل العراق المقبل الذي ينبغي أن يتصدر الساسة الشيعة المحافظون مشهد الحكم فيه، في ذات الوقت الذي ينبغي أن تتصدر القيم الدينية الشيعية مشهد الحياة العامة فيه أيضًا. يتسق هذا التبني للديمقراطية الانتخابية أيضًا، مع مفهوم الأغلبية المظلومة الذي ساد السردية الشيعية تاريخيًا والذي عبّ عن نفسه من خلال وثائق علنية ك "ميثاق الشعب" و"مذكرة الشبيبي" و"إعلان شيعة العراق"، وتَ ثل مؤسساتيًا في عراق ما بعد صدام عبر ترتيبة "مجلس الحكم" وإبراز البلد على أنه دولة مكونات أساسية ثلاثة. كما يقدم هذا التبني حل حضاريًا وقانونيًا لإشكالية التهميش التي تستند عليها هذه السردية، وتثيرها، بوضوح، هذه الوثائق وتدعمها الترتيبات السياسية بعد نيسان/ أبريل 2003. ومن هنا تبدو الديمقراطية التوافقية مخرجًا مثاليًا لأزمة تصارع المكونات المحتملة، ومنعًا معقولً لاضطرابات المستقبل التي تغذيها مصادر ريبة كثيرة. لكن التجربة العراقية في هذا الصدد فشلت في احتواء الصراعات أو منع الاضطرابات، بل في أحيان كثيرة، ساهمت في الانزلاق فيها وتحويلها إلى معضلات، وفي الحصيلة، تكريس حس الأزمة الدائم، خصوصًا منذ خريف 2010 وأجواء الاحتقان الأمني والسياسي التي سادت حينها موسم الانتخابات البرلمانية، في إطار التنافس المحموم بين كتلتي نوري المالكي وإياد علاوي. ليس صعبًا الاستنتاج أن الديمقراطية التوافقية العراقية، بترتيبتها الحالية، أنتجت عجزًا بنيويًا عن حل الأزمات.
التناق ض الهوياتي ومعضلة العراق التوافقي
يرتبط جزء كبير من هذا العجز بما أسميه "التناقض الهوياتي" بين المجاميع العراقية، والذي يغذي الريبة ويجعل المساومات صعبة جدًا إن لم تكن مستحيلة. إنه التناقض بخصوص هوية الدولة إلى حد تحوله إلى صراع مفتوح بين الفئات الاجتماعية المختلفة. في عراق ما بعد نيسان/ أبريل 2003 الذي يُفترض أن يكون توافقيًا ومنفتحًا أيديولوجيًا، نشهد مثل هذا التناقض الهوياتي على أساس الإيمان المذهبي. إلى جانب صعود الأحزاب الدينية وتوليها زمام الحكم وقيادة الحياة في البلد، وما عناه هذا من تعريف العراقيين أنفسهم بحسب انتماءاتهم المذهبية، وربط السياسة وترتيباتها بهذا التعريف القبلي، ما قبل الحداثوي للهوية، أخذ هذا الصراع نمطًا طائفيًا واضحًا بين سنة وشيعة يحملون سرديات متصارعة بخصوص التاريخ والبلد وفهم الدين. في هذا الصدد، تبدو السردية الشيعية، من خلال خطابها المذهبي، هي الأشد بروزًا وتأثيرًا في حياة البلد السياسية والاجتماعية.
ترسخ القيم الشيعية التي يجري تأكيدها علنًا في حيز العراق العام التناقض الهوياتي، بسبب تأكيدها نفي قيم الآخر العراقي، الشريك المفترض في الوطن وفي ترتيبة الديمقراطية التوافقية، من خلال توظيف جزء من الموروث الشيعي، خصوصًا ذلك المرتبط بالشخصيات التاريخية المُؤسِسة للتشيع التي تحظى باحترام إسلامي عابر للطوائف، لنزع الشرعية الدينية والتاريخية عن هذا الآخر. أمثلة ذلك كثيرة على مستوى الممارسات والخطاب، بينها الاحتفاء الرسمي
بعيد غدير خم والسعي إلى تحويله إلى لحظة عراقية عامة15. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أعلن البرلمان العراقي (مجلس النواب) مثلً في صفحته الرسمية عن إقامته "الاحتفال السنوي بمناسبة عيد الغدير الأغر"16. فضلً عن ذلك، كانت الأحزاب والمؤسسات الشيعية المشاركة في السلطة والمؤيدة للعملية السياسية تحتفل علنًا بهذه المناسبة وتصنع جوًا احتفاليًا عامًا بخصوصها، علاوةً على عد بعض المحافظات العراقية هذا اليوم عطلة رسمية17. بعيدًا عن السجال الذي أثاره الاحتفال الرسمي في حينه بخصوص الحق في ممارسة شعيرة دينية على أساس الخصوصية المذهبية أو الابتعاد عن ترويج الأنشطة الخلافية التي تعمق الانقسام المجتمعي العراقي، واضح أن الإصرار على إبراز "عيد الغدير" كأنه لحظة عراقية عامة ورسمية تدور في الحيز العام، بدلً من كونها مناسبة شيعية تدور في الحيز الخاص، يحمل في طياته نفيًا قاطعًا للسردية السنية للتاريخ وانتصارًا لمنافِستها الشيعية في سياق عراقي متنوع دينيًا ومذهبيًا. "غدير خم" وتفسيراته المختلفة بخصوص الخلافة أسست تاريخيًا للحظة الانقسام الإسلامي إلى سنة وشيعة، وإعادة إحيائها في السياق العراقي العام والرسمي لا يحمل سعيًا مريبًا لإضفاء طابع شيعي مذهبي على معنى الدولة فحسب، بل لإعادة تأكيد ذلك الانقسام التاريخي وتجديده بين مواطني دولة تعاني اليوم صراعًا دمويًا على أساس طائفي. في خضم عراق يسعى بصعوبة شديدة لترسيخ المفهوم التوافقي للحكم وتحقيق المصالحة الوطنية التي ما تزال بعيدة المنال، يبدو افتقار الحكمة السياسية والوطنية في جعل "غدير خم" مناسبة عراقية عامة صارخًا وموجعًا ليس لأنه، سياسيًا، يجعل الوصول إلى التوافق والمصالحة عسيرًا وطويلً فحسب، بل أيضًا لأنه ثقافيًا ينسف معنى التعددية لمصلحة واحدية صارمة ومضرة18. تنطبق كلمات المفكر الإيراني داريوش شايغان بخصوص كنه التجربة الدينية: "من أجل إنقاذ الروحانية ينبغي استخصاص (جعل الشيء شأنًا خاصًا) الدين، وتزمين المجتمع، وإخلاء الحيز العام من سلطان الصور - المعتقدات التي لا وطن لها، والتي لهذا السبب، لا يمكن إلا أن تكون مؤذية للإنسان، في هذا الإطار المكسور الذي تفرضه علينا بيئة الكون المنفتحة"19. المثال الآخر والأكثر شيوعًا وخطورةً على تعميق التناقض الهوياتي خلال استخدام الدين وطقوسه هو إخراج الشعائر الحسينية من نطاق الحزن الجمعي التطهري المألوف، والوعد الإصلاحي الذي تختصره كلمات الحسين الشهيد "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" لمصلحة تأطيرها كصراع سياسي و"هوياتي"، ضمن سياق دعوة عمومية لثأر مفتوح من أعداء مفترضين عابرين للزمان والمكان (وعادة ما تكون الإشارة الضمنية هنا إلى الذين يختلفون مع التشيع أو مع زعمائه السياسيين أو الدينيين، وليس مع الحسين)20. في سياق الصراع المذهبي في العراق، جرى تجيير المعنى التاريخي لخروج الحسين ضد يزيد لربطه بهذا الصراع المحلي، وإظهار هذا الصراع على أنه امتداد منطقي وأخلاقي وتاريخي لهذا الخروج. في ظل هذا التجيير، تتكرر اليوم على أرض العراق ثنائية الخير والشر المتمثلة بصراع الحسين ويزيد بلاعبين مختلفين، ولكن بأدوار متشابهة (الخير الحسيني مقابل الشر اليزيدي). كلمات رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، في 25 كانون الأول/ ديسمبر 2013، تختصر على نحو دقيق
طريقة التفكير هذه التي تحول التاريخ إلى لغم دائم في جسد الحاضر: "الذين قتلوا الحسين لم ينتهوا بعد. هاهم اليوم موجودين [كذا في الأصل]. والحسين بلون آخر لا يزال موجودًا، هو الذي يُستهدف من قبل هؤلاء الطغاة. إذًا أنصار يزيد وأنصار الحسين مرة أخرى وعلى طول الخط يصطدمون في مواجهة شرسة عنيدة، وهذا يعطينا رؤية بأن الجريمة التي ارتكبت بحق الحسين لم تنتهِ وإنما لا زالت فصولها التي نعيشها اليوم من الإرهابيين والطائفيين والحاقدين على الإسلام وأهل البيت عليهم السلام وما يقومون به اليوم من أعمال إجرامية واستهداف للأبرياء، وبالذات لقد أعدوا العدة لاستهداف زوار الإمام الحسين وتخريب أجواء الزيارة"21. لا يعكس إعلان المالكي هذا وجهة نظر فردية أو معزولة وإنما طريقة تفكير سائدة في أوساط شيعية كثيرة بسبب ترويجها الكثيف الذي يختزل على نحو فج تعقيدات الوضع العراقي ما بعد نيسان/ أبريل 2003، هاربًا من مواجهة هذه التعقيدات نحو مشهد تاريخي بعيد لا يمتّ إلى هذه التعقيدات بصلة، ولا يشرحها ولا يوفر حلول للمشكلات الناتجة منها. توفر هذه الإحالة التاريخية المتعسفة تبسيطًا سرديًا وأخلاقيًا مريحًا لجمهور المتلقين، يعفيهم من الخوض في تعقيدات المشهد العراقي الحالي لفهمه، ومن مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية في دعم التوجهات الصائبة المفضية إلى حلول معقولة22. فضلً عن ذلك، تساهم هذه الإحالة التاريخية، بالشحنة العاطفية الهائلة التي تحملها، في تكريس عقل جمعي يائس وعاجز عن إنتاج الحلول مع الأخذ في الحسبان أن المشكلة الأصلية هي صراع قديم وأزلي بين الخير والشر، طرفاه الحسين ويزيد، يتكرر اليوم بالضراوة القديمة ذاتها، ولا تنفع معه الحلول إلا بانتصار أحد الطرفين على الآخر. وفي آخر المطاف، كيف يمكن الجلوس والتفاوض وإيجاد حل ما مع "مغتصبي الخلافة" أو مع يزيد أو مع من يمثل امتدادًا له23؟ تستبطن هذه الثنائية الأخلاقية الجانب الأخطر في التناقض الهوياتي من خلال شيطنة الآخر العراقي وجعله شريرًا على نحو لا يمكن إصلاحه. مثل هذه التصنيفات الأخلاقية المتضادة والحادة تساهم كثيرًا في إفشال أي مسعى جدي للمساومات السياسية والتوصل إلى الحلول وإيجاد المخارج من الأزمات. وأخيرًا، ليست مفارقة في هذا السياق أن اللقب الذي أطلقه أنصار المالكي عليه، ويبدو أنه حاز على رضاه، هو "مختار العصر" في إحالة تاريخية أخرى تربط وظيفة رئيس وزراء العراق بتصفية "ثارات" تاريخية تعود إلى قبل 1300 عام، بدلً من إيجاد الحلول لمشكلات الحاضر. هنا تحتل "الماضوية" دورًا مركزيًا في تعريف الذات وفهم الحاضر على نحو مشوه ومتعسف كي يبدو أقرب ما يمكن إلى الصورة المتخيلة للماضي الذي تمثّل خلاله التشيع، وكي يمنح ساسة شيعة فاشلين أدوارًا شبيهة، متخيلة هي الأخرى، بمؤسسي التشيع وشخصياته المهمة سعيًا وراء شرعية سياسية ومكاسب انتخابية لا يؤهلهم سجل أدائهم السياسي على مدى العقد الماضي لنيلها. الماضي هنا هو عكاز الحاضر والدرب إلى المستقبل. يقوض هذا الاستثمار السياسي في الماضي الحاضرَ؛ لأنه يحيله إلى صراع دائم بين الحق والباطل. في خضمّ هذا كلّه تضيع شروط ليبهارت لنجاح الديمقراطية التوافقية المتعلقة بقدرة النخب "على استيعاب المصالح والمطالب المختلفة للمجموعات" و"تجاوز الانقسامات وتوحيد جهودها مع النخب من المجاميع المنافسة" على أساس أن هذه النخب "تفهم مخاطر التفتت السياسي."
نحو خطاب شيعي سياسي جديد
إن المشكلة الأساس التي يقوم عليها الخطاب السياسي الشيعي في عراق اليوم هي أنّه امتداد مباشر للخطاب الديني الشيعي الذي تألّف تاريخيًا حول مفاهيم المغايرة والاختلاف مع الفهم السني للتاريخ والدين. هذا يعني أن الخلافات الدينية والتاريخية التي مثّلت الهموم المعرفية لهذا الخطاب الديني، تنسحب تلقائيًا على السياسة لتساهم في تحويلها إلى صراع هوية دائم يرتبط بالماضي والتصورات المحيطة به أكثر من ارتباطه بالحاضر ومشكلاته الحقيقية. في النتيجة، ساهم ضياع المسافة بين الخطابين الديني والسياسي الشيعي العراقي في إفشال مشروع بناء الدولة بعد نيسان/ أبريل 2003، خصوصًا من خلال ترتيبات الديمقراطية التوافقية التي أفرغت من محتواها تمامًا في السنوات الست الأخيرة. لا يعني ذلكُ أن هذا الخطاب هو السبب الوحيد في هذا الفشل، فهناك عوامل أخرى كثيرة كالفساد والعنف وغياب رؤية لبناء الدولة وغيرها. لكن الخطاب يحتل أهمية خاصة وخطرة في مشروع بناء الدولة الوطنية، أيّ دولة وطنية، لأنه يمثل الأفق العام (أو حزمة المعاني)، الذي تتحرك ضمنه كل الأفكار والقرارات والتوجهات والأفعال المرتبطة بالدولة، وعبره تتألف المواطنة وتتعمق وتتشابك أواصرها؛ لتؤدي إلى بروز "الشعب" كقوة جامعة ومحسوسة وشعورية. خطاب الدولة الوطنية ينشأ من اتفاق ضمني، من قبول بمحتوى عام يؤمن به الجميع ويحفزهم على العيش معًا كشعب في إطار وطن، أو كما يقول أرنست رينان إن: "الدولة الوطنية هي روح، هي مبدأ روحي. شيئان اثنان، وهما في الحقيقة شيء واحد، يشكلان هذه الروح أو المبدأ الروحي. أحدهما يكمن في الماضي والآخر في الحاضر. أحدهما هو امتلاك إرث غني مشترك من الذكريات والآخر هو الاتفاق أو القبول في الزمن الحاضر، الرغبة في العيش معًا، إرادة تخليد قيمة التراث الذي يتلقاه المرء على نحو غير منقسم. الإنسان، أيها السادة، لا يخترع الأشياء على التو. الدولة الوطنية، مثل الإنسان، هي حصيلة ماضٍ طويل من الجهود والتضحية والإخلاص [...] ماض بطولي، رجال عظماء، مجد (والذي أقصد به المجد الحقيقي)، هذا هو الرأسمال الاجتماعي الذي على أساسه يمكن بناء فكرة وطن. أن يكون لديكم أمجاد مشتركة في الماضي وأن تكون لديكم إرادة مشتركة في الحاضر، وأن تكونوا أنجزتم أعمالً عظيمة في الماضي، وأن ترغبوا في إنجاز المزيد منها، فهذه كلها الشروط الأساسية لأن تكونوا شعبًا"24. خلف ما يبدو تناولً رومانسيًا وبسيطًا لفكرة معقدة في كلمات رينان، يكمن كثير من الجدية النظرية. تتألف الدولة الوطنية حول سردية ما بخصوص معنى المكان والقيم والمصالح التي تربط بعض الناس القاطنين فيه ببعضٍ على نحو يُشعرهم بأنهم مجموعة واحدة متميزة من سواها، أي شعب يختلف عن الشعوب الأخرى، على الرغم من كل اختلافات العرق والدين والانتماء والأفكار بين هؤلاء الناس أو أفراد الشعب. إنه الاتفاق على هذه السردية والقبول بافتراضاتها ومعناها الذي يمنحها القوة على صناعة الأشياء ووضع معايير الصواب والصالح الوطني. بكلمات أخرى، تحدد هذه السردية معنى الوطنية وتحميها. حول سرديات من هذا النوع تعكس خصوصيات الشعوب وتجاربها تكونت الدول الوطنية منذ بروز هذه الأخيرة كتنظيم سياسي جديد لنمط الحياة في القرن الثامن عشر. في بلد كالعراق بتاريخ طويل يمتد أكثر من سبعة آلاف عام، فيه كثير من لحظات الإنجاز والمخاطر والتضحيات والمآسي، ليس صعبًا تأليف سردية وطنية تعددية وإنسانية متماسكة من هذه اللحظات، يتحد عليها العراقيون وتستبدل خلالها السردية القومية الضيقة لعراق صدام. على مدى أكثر من عقد من حكم الأحزاب الدينية الشيعية عجزت هذه الأحزاب عن صوغ مثل هذه السردية، وعن أن تنتج عقدًا اجتماعيًا رصينًا ينظم العلاقة بين السلطة والشعب. جزء من هذا العجز بنيوي مرتبط بمنظومة الإسلام السياسي الذي تنتمي إليه هذه الأحزاب. لأن الإسلام السياسي يستمد شرعيته الأخلاقية وأدواته المعرفية وقوته الاجتماعية من الإسلام كدين، فإنه يقع دومًا في تناقض لم يستطع أن يخرج منه إلى الآن يتعلق بالطبيعة الكونية والعامة للدين الذي يطرح نفسه كنهج معرفي وأخلاقي عابر للزمان والمكان، أو كما يشرح بينيدكت أندرسون مصادر قوة الأديان وقابليتها للاستمرار عبر أزمنة وأمكنة مختلفة: "إن الميزة العظمى للرؤى الكونية (worldviews) للأديان التقليدية [...] هي اهتمامها بوضع الإنسان في الكون، الإنسان كنوع من الكائنات، ووقائع الوجود. إن القدرة الاستثنائية على البقاء والاستمرار على مدى آلاف السنوات للبوذية أو المسيحية أو الإسلام في عشرات التشكلات الاجتماعية المختلفة تقدم دليلً على الردود الإبداعية على العبء المرهق الذي تمثله المعاناة الإنسانية كالمرض والتشوه والحزن وتقدم العمر والموت. لماذا وُلدت أنا أعمى؟ لماذا صديقي الأفضل مصاب بالشلل؟ لماذا ابنتي متخلفة عقليًا؟ تحاول الأديان أن تقدم إجابات عن هذه الأسئلة"25. يكمن التناقض هنا في أن الدين كوني ومعياري وجوهراني بطبيعته، والسياسة، كما خطابها، عادةً ما تكون محلية وبراغماتية لأنها ترتبط بمكان ما، هو البلد أو الوطن، ووقائع هذا المكان وحقائقه الديموغرافية والاقتصادية والسياسية والتاريخية. معنى هذا أن
السردية الدينية لا تتمحور حول الدولة الوطنية، وإنما حول الوجود بنمطه العام والمطلق، أي إن مسرحها هو العالم كله والشخصية المحورية في هذه السردية هي المؤمن، في حين أن سردية الدولة الوطنية محلية ومحددة وشخصيتها المحورية هي المواطن. بعد نحو أربعة عشر عامًا على هيمنة الخطاب السياسي الشيعي في عراق الدولة والمجتمع، بات واضحًا أن هذا الخطاب فئوي وتحريضي، وأنه فشل في صناعة نقاط التقاء كثيرة مع المعارضين والشركاء والمنافسين تتطلبها آلية الديمقراطية التوافقية للتوصل إلى إجماعات سياسية على كيفية حل الأزمات، والتعامل بفاعلية مع المشكلات. على العكس، أدت فئوية هذا الخطاب الصارخة إلى خلق المزيد من العداء، وأضافت بعدًا "هوياتيًا" وطائفيًا للأزمات والمشكلات، وساهمت في تعميق التفتت الاجتماعي والسياسي؛ ما يهدد، على المديين المتوسط والطويل، قدرة حركات الإسلام الشيعي على البقاء في السلطة، بل في بقاء العراق بلدًا موحدًا.
انسداد السياسة وانفتاح الخطاب
لا شك في أن أشياء كثيرة تحتاج إلى تغيّ في عراق اليوم؛ من أجل أن يخرج من نفقه الطويل المظلم ويصبح دولة وطنية قابلةً للحياة والنجاح والازدهار. ثمة إدراك للمأزق أخذ يبرز تدريجيًا ضمن الطبقة السياسية الشيعية في أثناء ولاية المالكي الثانية (2014-2010)، التي تميزت بشدة صراعاتها وجمودها السياسي ومخاوف الانفراد بالسلطة، بعد أن ظهرت واضحة هشاشة المؤسسات الدستورية المستقلة وإطاحة ترتيبات الديمقراطية التوافقية، وهزال الفصل بين السلطات الثلاث، ووهم استقلالها لمصلحة هيمنة السلطة التنفيذية على مفاصل الدولة كلّها، واتساع نفوذها خارج إطار الدستور والقانون. تعمق هذا الإدراك بعد الاحتجاجات السنية الواسعة التي بدأت في كانون الأول/ ديسمبر 2012، وانتهاءً بقمعها أمنيًا في كانون الثاني/ يناير 2013. مثلت هذه الاحتجاجات في جوهرها، ردًا سنيًا شعبيًا غاضبًا، ومتشنجًا أحيانًا، ضد مَذهبة الدولة وخطابها الفئوي وسياساتها التهميشية، والنتائج السلبية لهذه السياسات على الأرض. دفع عجز الاحتجاجات عن إيقاف مذهبة الدولة - وفي الحصيلة يأس المحتجين من جدوى الطرق السلمية في إصلاحْ الأخطاء؛ بسبب رفض السلطة حينها الدخول في حوار حقيقي وبنّاء معهم، وإصرارها على شيطنة الاحتجاجات، ومن ثم استخدام القوة المسلحة ضدها وتفكيكها - إلى أن تتحول إلى تمرد مسلح. استفاد تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام (داعش) من كل أجواء المواجهة هذه، مستثمرًا، على الخصوص، السخط واليأس السنيَّي من إمكانية الإصلاح، ليمد سيطرته العسكرية على أجزاء واسعة من البلد ويفرض أسلوب حياة صارمًا وقاسيًا يستند على رؤية ظلامية عدمية للحياة. وفي آخر المطاف، تترجم هذا الإدراك المتأخر بإرادة سياسية عراقية واسعة عابرة للطوائف باستبدال رئيس الوزراء نوري المالكي الذي كرس فئوية الخطاب الشيعي قولً وفعلً، ودفعه إلى مديات قصوى وخطرة في سنواته الثلاث الأخيرة في الحكم. لم يكن استبدال الشخص منفصلً عن استبدال النهج أيضًا والخطاب المرتبط به بحسب إشارات صريحة من أطراف شيعية كثيرة، بينها المرجعية الدينية في النجف. بعيدًا عن الخوض في تفاصيل هذا الإدراك ونتائجه السياسية التي كان واحدًا منها تشكيلُ حكومة حيدر العبادي ووثيقة الإصلاح السياسي التي تبنتها ضمن برنامجها الحكومي الذي صوّت عليه بالقبول مجلس النواب في أيلول/ سبتمبر 2014. ومما يستحق التوقف عنده، نمط الخطاب السياسي الشيعي المفترض، إذا كانت الطبقة السياسية الشيعية ماضية جديًّا نحو الإصلاح على أساس حقيقة هذا الإدراك المهم على الرغم من تأخره. إذا كان لهذا الخطاب أن يتألّف ويصبح فاعلً كخطاب دولة - وطن، فما ملامحه الكبرى يا ترى؟ الأمر الأول هو إبراز "العراقوية" في هذا الخطاب، باستثناء أحداث منتقاة من تاريخ التشيع والخلاف السني – الشيعي. لا يوجد في الخطاب السياسي الشيعي إشارات جدية وحقيقية إلى العراق الحديث أو القديم أو حتى الإسلامي خارج اللحظات الشيعية المنتقاة. وخصوصًا، يبدو تاريخ الدولة العراقية الحديثة منذ تأليفها بعد الحرب العالمية الأولى حتى نيسان/ أبريل 2003 غائبًا تمامًا في خطاب الإسلام السياسي الشيعي، باستثناء انتقاده الدائم والشديد للحقبة البعثية منها، وخصوصًا تجربة حكم صدام حسين. فمثلً، لا توجد آراء معلنة أو معروفة للأحزاب الإسلامية الشيعية بخصوص تأسيس الدولة العراقية بعد الحرب العالمية الأولى والتجربة الملكية فيه وإنجازات هذه التجربة ومواطن فشلها26. هل يمثل قرار تأليف العراق كدولة مثلً بإرادة بريطانية دعمها عراقيون في مؤتمر القاهرة في آذار/ مارس 1921، إثر المأزق البريطاني بمواجهة ثورة العشرين التي فرضت واقعًا آخر مخالفًا للخطط البريطانية قبلها، لحظة إنجاز عراقي تستحق الإبراز؟ وهل قدَّمت الملكية الدستورية، بحيز الحرية الذي فسحته وفصلها النسبي بين السلطات الثلاث والحياة النيابية التي جلبتها ومشروعها ببناء دولة حديثة، وسعيها لترسيخ وطنية عراقية، شيئًا جديدًا وإيجابيًا للبلد يختلف عمّ كان سائدًا خلال
قرون السيطرة العثمانية؟ وهل كان نضال العراقيين الناجح على امتداد العشرينيات، حكومةً وشعبًا وحركاتٍ سياسية، لإنهاء الانتداب البريطاني بأسرع ما يمكن، ونيل البلد استقلاله في عام 1932، محطة مهمة جديرة بالاحتفاء بها؟ ألم يكن إدخال التعليم المدني الحديث (إزاء التعليم التقليدي في الكتاتيب والجوامع الذي ساد قرونًا طويلة) ونشره واسعًا في البلد من خلال إنشاء المدارس ومن ثم الكليات، وتكوين كوادر عراقية قادرة تدريجيًا على إدارة مؤسسات البلد، خطوةً كبيرة ومهمة دفعت العراق على طريق الحداثة والتطور؟ ألم يستفد الشيعة كثيرًا من التعليم المدني والتوظف في الدولة بعد أن كانوا محرومين منهما خلال العهد العثماني؟ ألم يكن إنشاء مجلس الإعمار في الخمسينيات والمشاريع المهمة التي خطط لها ونفذها دليلً على حيوية وطنية عراقية تستحق التذكير بها والتعلم منها؟ أسئلة شبيهة يمكن أن تُثار بخصوص العراق الجمهوري، وبالذات الحقبة البعثية في حكم البلد في الفترة 2003‐1968. هل كان تأميم النفط في عام 1973 مثلً، عملً سلبيًا أم إيجابيًا؟ وهل كان توسيع البنية التحتية للبلد (طرق، وجسور، ومستشفيات، ومدارس... إلخ) والرخاء الاقتصادي النسبي وتراجع الفقر في السبعينيات؛ إثر ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية أمرًا سيئًا؟ وهل كان مسعى الدولة لمحو الأمية وتأكيد مجانية التعليم وتوسيعها، ودخول التعليم المدرسي والجامعي كقيمة أساس في التفكير المجتمعي العراقي في هذه الفترة ظاهرة تستحق التوقف عندها؟ وهل يمكن الحديث عن هذه الأشياء على أساس أنها جزء من تاريخ الدولة في البلد، بدل من أن تكون جزءًا من تاريخ السلطة أو الحزب الحاكم فحسب، حتى على الرغم من سعي كل سلطة وحزبها لتجيير كل اللحظات الإيجابية لمصلحة مشروعها السياسي؟ لماذا عند الإشارة إلى تاريخ البلد في الخطاب السياسي الشيعي، يكون التركيز، على نحو شبه دائم، في الجانب الديني فحسب من هذا التاريخ (مثلًالعراق موطن الأئمة والأنبياء، والأضرحة المقدسة... إلخ)؟ ولماذا لا يتم التوقف على نحو حقيقي عند المنجزات الإنسانية والمدنية في البلد عبر تاريخه الطويل على مدى سبعة آلاف عام، بعدّها لحظات تميُّز وفخر عراقيَيّن، حققها بشرٌ غير مقدسين وغير مرسلين من السماء، هم عراقيون في آخر المطاف؟ سيساهم التوقف عند معالم الإنجاز العراقي عبر التاريخ ولحظاته، وهي كثيرة، في جعل هذا الخطاب وطنيًا، وليس فئويًا كما هو الآن. الأمر الثاني، لا بد أن ينفصل الخطاب السياسي الشيعي عن الخطاب الديني الشيعي، فوظائفهما مختلفة وجمهوراهما مختلفان أيضًا. الخطاب الديني جوهراني ومعياري، جمهوره المؤمنون، بينما الخطاب السياسي وصفي وبراغماتي، جمهوره المواطنون، مؤمنين كانوا أو غير مؤمنين. الإشكالية الأولى التي على هذا الخطاب أن يتجاوزها هي العلاقة المرتبكة مع الحداثة عن طريق فك الاشتباك بين الإسلام السياسي الشيعي والحداثة. ينظر الإسلام السياسي الشيعي، ككل مدارس الإسلام التقليدية، الدينية والسياسية، إلى الحداثة بارتياب، ويتعامل معها بانتقائية شديدة، من خلال الفصل بين اكتشافاتها المادية والعلمية التي يتبناها ويستفيد منها وبين قيمها الأخلاقية والمعرفية التي يشكك فيها ويعدّها خطرًا على الدين والمجتمع. مثل، قيم كالفردانية والفضول المعرفي والمساواة الحقيقية غير المشروطة (وليست المُجامِلة) بين الناس، بغض النظر عن الدين والمعتقد واللون والأصل، والقبول بالاختلاف (بدلً من مفهوم التسامح الإشكالي الذي يستبطن الاضطرار إلى تحمل الاختلاف والمختلف بدلً من التصالح معهما) أصبحت قيمً أساسية لا بد منها لنجاح أيّ تجربة ديمقراطية في مجتمع تعددي، حتى مع رفض الإسلام السياسي الشيعي لهذه القيم، فإنها تتغلغل تدريجيًا في البلد عبر وسائل الإعلام والاتصال في العالم الافتراضي والسفر والاختلاط بثقافات أخرى. لم تعد جدران الرقابة التي كانت الأنظمة القمعية تنجح في تشييدها والحفاظ عليها مجدية في وقف تدفق المعلومات والاطلاع على قيم مختلفة. في آخر الأمر، لا تذوب الهوية الدينية والاجتماعية لمجموعة ما أو تتبخر بسبب هذا "التناص" الثقافي والقيمي، والأدلة على ذلك كثيرة؛ من بينها احتفاظ جاليات شيعية عراقية كبيرة في دول غربية كبريطانيا وأميركا والدول الإسكندنافية بهويتها الثقافية، على الرغم من عيشها سنوات طويلة في بيئات مغايرة لها، تؤمن بشدة بهذه القيم وتطبقها. في الحقيقة، إن تأصيل هذه القيم في التراث الإسلامي من خلال قراءات وتفسيرات حديثة لنصوص هذا التراث وتجاربه ليس أمرًا صعبًا. هذا يقودني إلى الملمح الثالث الذي أعدُّه أهمّ من سواه، وهو ذلك المتعلق بموقع الدين في هذا الخطاب. أولً، لا بد من التأكيد أنه في السياق العراقي لا يمكن الحديث عن الدين خارج إطار الطائفة أو المذهب؛ بسبب التعددية المذهبية بين مسلمي العراق وتَ ثُّلِ كل مذهب بنسب سكانية كبيرة نسبيًا، من الصعب القول: إن في العراق ما يمكن تسميته بالإسلام العام الذي حوله إجماع مجتمعي، كما هو الحال في مصر أو تونس أو الأردن أو إيران مثلً، حيث يهيمن مثل هذا الإسلام سواء بنمطه الشيعي أو السني، من دون إحساس الجمهور بمذهبيته، أي بشيعيته أو سنيته، إلا في حالة الأقليات الصغيرة ذات التأثير المحدود في الثقافة العامة في البلد؛ بسبب قلتها العددية أو تركزها في مناطق بعيدة أو معزولة عن الحواضر المدنية الكبرى (مثلًالشيعة في مصر، أو السنة في إيران). لا يوجد في العراق مثل هذا الإسلام العام، بل هناك إسلام مذهبي دائمًا، سني أو شيعي. وصحيح أنه يمكن الحديث عن إسلام عام غير مذهبي
بالمعنى المعرفي والتاريخي، وحتى النصي، للكلمة، فالقرآن الكريم مثلً تحدث عن الإسلام والمسلمين والمؤمنين من دون أن ترد فيه أيّ إشارة إلى السنة والشيعة بوصفهما مذهبين دينيين، مستخدمًا هاتين الكلمتين بمعناهما اللغوي والمعجمي المعتاد، وليس بمعناهما الاصطلاحي و"الهوياتي" السائد اليوم. فالدين في العراق يحمل دائمًا تذكيرًا بالاختلاف المذهبي، وبأن المسلمين العراقيين هم أتباع مذاهب أساسًا. ليس من الحكمة توظيف الدين في الحيز العام إزاء حتمية الطابع المذهبي للدين في العراق، باستثناء تأكيد القيم الأخلاقية الكونية المشتركة التي يدعو إليها الدين، بنمطيه: السني والشيعي، وتؤكدها التجارب الأخلاقية للثقافات وحتى الأديان المختلفة؛ كالصدق والنزاهة والعدل والاحترام والدفاع عن المظلومين ومساعدة الضعفاء والمحرومين وسواها. هنا لا بد من التمييز بين الدين بوصفه تجربة روحية وسلوكية فردية يعيشها الناس في سياقاتهم الخاصة التي يختارونها بملء إرادتهم وحريتهم، والدين بوصفه معيارًا عامًا يجري فرضه أو تطبيقه، جزئيًا أو كليًا، على المجتمع أو ترويجه من خلال الدولة. قد يكون هذا الفصل بين الحيز الخاص والعام هو النقطة الأكثر إشكالية بالنسبة إلى أحزاب الإسلام السياسي التي عادةً ما تُظهر أشد أنواع المعارضة تجاه مثل هذا الفصل، وتنظر إليه على أنه تجزئة للدين وتقويض لمعناه أو رسالته التي لا تتضح أو تبرز إلا من خلال عرضه كاملً. ليس الهدف هنا إثارة نقاش حول العلمانية، فهذا موضوع آخر مستقل، وإنما التوقف عند جدوى توظيف الدين في الحيز العام في مجتمع يعاني صراعًا دينيًا - مذهبيًا عميقًا، خصوصًا في ضوء غياب الدين المحايد أو العام، فكل الدين في العراق مذهبي شئنا أم أبينا، وتجربة العقد المنصرم تقدم لنا دليلً واضحًا بخصوص هذا. وفي هذا الصدد، تبدو أطروحة رجل الدين الفرنسي، الأب غليوم توماس رينال، في عصر التنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر، رائدة ومهمة وذات صلة، فعلاوة على تأثيرها الجدي في مفكري عصر الأنوار الأوروبيين في سعيهم لإعادة صوغ العلاقة بين الدين والدولة، تنبع أهميتها الإضافية من كونها تأتي في سياق تجربة هيمنة شديدة للدين، بنمطه المؤسساتي المسيحي الكاثوليكي، على الحياة العامة في فرنسا الملكية ما قبل ثورة 198927. يتناول الأب رينال ما يعدّه ثلاثة مبادئ مهمة بخصوص العلاقة بين الدين والدولة: "المبدأ الأول هو أن الدين في خدمة الدولة وليست الدولة في خدمة الدين. والمبدأ الثاني هو أن المصلحة العامة هي القاعدة التي ينبغي أن تقود كل أفعال الدولة. والمبدأ الثالث هو أن الشعب أو السلطة السيادية التي تمثله وحدها لها الحق في الحكم على مقدار توافق أي مؤسسة مع المصلحة العامة. يبدو لي أن هذه المبادئ الثلاثة منطقية لا سبيل إلى دحضها والاقتراحات التالية ليست إلا نتائج تنشأ عنها"28. في إصراره على تابعية الدين للدولة، لا يقصد الأب رينال الدين كتجربة روحية خاصة أو علاقة الإنسان بربه، إذ يوضح مبكِّرًا أنه لا يناقش الدين في الحيز الخاص، وأن مبادئه الثلاثة وما يترتب عليها تنطبق على الدين قوة منظمة تتحرك مؤسساتيًا في السياق العام للمجتمع فحسب، محاججًا بأن وظيفة الدين في هذا السياق هي خدمة المجتمع، وليس العكس. بعد ذكره المبادئ الثلاثة التي ينبغي أن تنظم العلاقة بين الدولة والدين في إطار المجتمع، يشرح الأب رينال الرقابات التي يحق للدولة، أو ما يسميه السلطة، أن تمارسها على الممارسات الدينية في الحيز العام: "إلى هذه السلطة وحدها وليس غيرها تعود مهمة تفحص عقائد دين ما وسبل ضبطه للتأكد من أن هذه العقائد، إذا كانت تناقض الحس العام المشترك، فإنها لا تُهدد على الإطلاق السلم الأهلي، خصوصًا أن الأمر الأشد خطرًا هو أن الرغبة في تحقيق السعادة المستقبلية تتداخل مع الحماسة لتحقيق مجد الله والخضوع للحقائق التي يعدّها المرء مُنَزّلة من السماء. أما بخصوص سبل الضبط، فهذا من أجل أن نرى أنه [أي الدين] لا يصطدم بالأعراف السائدة، ولا يقتل الروح الوطنية ولا يقلل من الحماسة ولا يؤثر سلبيًا في الصناعة والزواج والشؤون العامة، ولا يسبب الأذى للناس ولا يضر بتفاعل بعضهم مع بعض، ولا يثير التعصب ولا التطرف، ولا يبث الفرقة بين الأقارب من ذات العائلة وبين العوائل من ذات المدينة وبين المدن من ذات المملكة وبين ممالك الأرض، ولا يقلل الاحترام المطلوب تجاه الملك والقائمين على القانون، ولا يدعو إلى قيم التقشف التي تقود إلى البؤس، ولا يقدم نصائح تقود إلى الجنون"29. بعض اشتراطات الأب رينال طابعها تاريخي صرف مرتبط بالكنيسة الكاثوليكية في فرنسا، مثل الدعوات إلى الرهبنة والزهد والانقطاع عن الحياة المادية (قيم التقشف) أو نزع شرعية الحكم، باستخدام الدين (تقليل الاحترام تجاه الملك والقائمين على القانون) لارتباط رجال الدين الكاثوليك بالفاتيكان وتلقيهم الإرشادات منه، ما يخل بالانتماء الوطني الفرنسي. يستبطن الأب رينال، مرة أخرى، في جزء
من هذا الاشتراط، الفصل بين الدين والسياسة، بمعنى ابتعاد رجال الدين عن اتخاذ مواقف سياسية في السياق العام. لكن عمومًا، تقوم هذه الاشتراطات على افتراضين رئيسين: الأول، هو أن المصلحة العامة هي القيمة العليا والأساسية في المجتمع التي ينبغي أن يخضع لها الجميع، وأن الدفاع عنها التزام أخلاقي وقانوني ووطني. الافتراض الثاني، هو أن الدولة، بوصفها ممثلة شرعية عن الشعب وحامية مصالحه، هي المسؤولة عن تقرير المصلحة العامة والحفاظ عليها. لا يمثل هذان الافتراضان في ذاتهما فكرتين رائدتين، والفكرة الرائدة التي يقدمها الأب رينال عبر أطروحته، وتبنتها فيما بعد، تدريجيًا، الديمقراطيات الغربية على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين، هي خضوع الدين في السياق العام لمعايير المصلحة العامة، ووصاية الدولة على هذه المصلحة، وفي الحصيلة، وصايتها على الدين، أو بمعنى أدق، وصايتها على استخدام الدين في الحيز العام. ليس عسيرًا أن يلاحظ المرء - عند تطبيق اشتراطات الأب رينال على السياق العراقي منذ 2003 حتى الآن – أن معظم المحاذير الخطرة التي أشار إليها بخصوص عدم إخضاع الدين في السياق العام لضرورات المصلحة العامة، قد تحققت فعليًا لسوء الحظ. لقد أدت هيمنة الخطاب الديني، سواء الشيعي على مستوى البلد، أو السني على مستوى المناطق التي يقطنها السنة، إلى ازدياد الكراهية والتطرف وإضعاف أواصر التشابك الانتمائي وحس الوطنية العراقية لمصلحة الانتماءات المذهبية والفئوية الأخرى، فضلً عن تهديد السلم الأهلي، من خلال شيطنة الآخر وتمجيد العنف كوسيلة لحل الخلافات تحت مسميات وذرائع دينية مذهبية. من الصعب تخيل خروج العراق من أزمته العميقة الحالية من دون إعادة نظر جدية في علاقة الدولة بالدين، ومن دون قبول أحزاب الإسلام السياسي الشيعي بحقيقة أن تحويل الدين إلى أمر عام، وإن كان يحقق لها مكاسب انتخابية وسياسية على المدى القصير، يضر بها على المديين المتوسط والبعيد، بل يضر بإمكانية استمرار العراق بلدًا موحدًا. يعدُّ الدين، في السياق العراقي العام، نقطة خلاف رئيسة ولحظة تصادم "هوياتي"، وتقويض لمعنى الوطنية العراقية، على نحو مخيف. وفي نهاية الأمر، لا يمكن الديمقراطيةَ التوافقيةَ أن تنجح في العراق ما دام هذا التصادم المذهبي مستمرًا، يغذيه خطاب دولة فئوي يعمق التناقض الهوياتي القائم.
المراجع
العربية
ابن تيمية، أحمد. مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية. ج.4 السعوديّة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف،.2004 داريوش، شايغان. أوهام الهوية. ترجمة محمد علي مقلّد. لندن: دار الساقي،.1993
الأجنبيّة
Allawi, Ali. The Occupation of Iraq: Winning the War. Losing the Peace. New Haven: Yale University Press, 2007. Ami C, Carpenter. Community Resilience to Sectarian Violence in Baghdad. New York: Springer, 2014. Anderson, Benedict. Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London & New York: Verso, 2006. Ghanim, David. Iraq's Dysfunctional Democracy. Santa Barbara, California: Praeger, 2011. Guillaume-Thomas, Raynal et al. Histoire philosophique et politique des établissements et du commerce des Européens dans les deux Indes. Paris: Libraires-Editeurs, 1820. Lijphart, Arend. "Consociational Democracy." World Politics. vol. 21. no. 2 (Jan 1969). R. I Cole, Juan. The Ayatollahs and Democracy in Iraq. Amsterdam: Amsterdam University Press, 2006. Renan, Ernest. "What is a Nation?" Nation and Narration. Homi K. Bhabha (ed.). New York: Routledge, 1990. Seymour Lipset, Martin. Political Man: The Social Bases of Politics. New York: Doubleday & Company, INC, 1960.