"الانهيار: الآمال العريضة والفرص الضائعة في العراق"
"The Unravelling: High Hopes and Missed Opportunities in Iraq"
.The Unravelling: High Hopes and Missed Opportunities in Iraq عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: الانهيار: الآمال العريضة والفرص الضائعة في العراق. المؤلف: إيما سكاي.Emma Sky سنة النشر: 2.015.Atlantic Books, London الناشر: عدد الصفحات: 004 صفحة.
قلمّا يقرأ المرء كتابًا يضم بين دفتيه ذكريات حرب، أو مسيرة إعادة البناء، في حقبة ما بعد تلك الحرب بقلم أحد صُنّاع أحداثها، من دون أن تطالعه رؤية من الداخل لكيفية تشكّل تلك الأحداث. ينبش كُتّاب هذه الذكريات في "صناديق الذاكرة" ويسترجعون الأحداث. يسردون تسلسلها ويؤكدون لنا جازمين نُبل دوافعهم. يخبروننا عن آمالهم العريضة وخيباتهم المريرة، وعن التحديات التي اعترضت سبيلهم، ويستشهدون بالوقائع والوثائق والأرقام، لكن ما يكتبونه من ذكريات غالبًا ما يظل عابقًا بروائح التبرير والتنصل وتبرئة الذات، وتجاهل مسؤوليتهم عمّ تساقط من تلك الأحداث التي ساهموا في صنعها من فصول الألم والفجيعة والانكسارات والرعب والدمار. والكتاب الذي بين أيدينا لا يشذ عن هذه القاعدة. في كتابها الانهيار: الآمال العريضة والفرص الضائعة في العراق تنبش الكاتبة البريطانية إيما سكاي في خزائن ذاكرتها؛ لتسترجع فصول تجربتها التي امتدت أكثر من سبع سنوات في حقبة ما بعد الحرب في العراق، بدءًا من توليها مسؤولية الإشراف على فرع سلطة الائتلاف المؤقتة في محافظة كركوك، في الأشهر الأولى التي أعقبت الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق وإطاحة حكم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وانتهاء بعملها مستشارة سياسية لقائد القوات الأميركية في العراق الجنرال راي أوديرنو، تعقبها بسرد سريع لنُتف من زيارات قامت بها إلى العراق بعد انسحاب القوات الأميركية من البلاد في كانون الأول/ ديسمبر 011.2 ويأتي كتاب سكاي، الذي يغطي حقبة زاخرة بالأحداث العاصفة، غنيًّا من حيث الأحداث التي يستعرضها، وفي طليعتها بعض ما تكشف وراء كواليس تلك الأحداث، في الغرف المغلقة لصناعة القرار السياسي التي عجّت بأعضاء الطبقة السياسية العراقية والمسؤولين الأميركيين العاملين في العراق. وفي مراجعة كتاب زاخر بالأحداث على هذا النحو، لا يجد المرء مفرًّا من الاتكاء على الانتقاء الهادف عبر التركيز على أبرز فصول أحداث الحكاية التي تُروى في الكتاب.
من هنا كانت البداية
تبدأ حكاية سكاي مع العراق عندما استجابت لإعلان صادر عن الحكومة البريطانية يدعو إلى التطوع للعمل على إعادة بناء العراق بعد سقوط النظام عام 003.2 كانت سكاي، اليهودية التي سبق لها أن تطوعت للعمل في كيبوتز كفار ميناحيم في إسرائيل وفي منظمة فلسطينية غير حكومية في الضفة الغربية، تعمل موظفة في المجلس الثقافي البريطاني في مدينة مانشستر. وافقت مؤسستها الأم على إعارتها إلى وزارة الخارجية للإسهام في إدارة شؤون العراق. وهكذا، تشُدّ سكاي رحالها إلى العراق على متن طائرة تابعة للقوات الجوية الملكية البريطانية، أقلعت في 02 حزيران/ يونيو 0032، من قاعدة برايز نورتون الجوية إلى الغرب من لندن متجهة نحو مطار البصرة الدولي. كانت هذه الطريق هي نفسها التي سلكتها، والتي سيسلكها بعدها آلاف من الجنود البريطانيين والمتعاقدين والصحافيين الذين انتدبتهم مؤسساتهم الإعلامية لمرافقة القوات البريطانية العاملة في العراق، ومن بينهم كاتب هذه السطور الذي انتدبته ال "بي بي سي" BBC لمرافقة القوات البريطانية في جنوب العراق، لتغطية انتخابات الجمعية الوطنية العراقية في كانون الثاني/ يناير.2005
ثمة في ما تقصّه سكاي عمّ مرّت به من أحداث، عند وصولها إلى العراق وتوليها مهمات عملها، ما يكشف عن كثير من الفوضى والمصاعب التي شابت عمل سلطة الائتلاف المؤقتة وقوات التحالف في العراق. تصل سكاي إلى مطار البصرة فلا تعثر على أي أثر لأجهزة الدولة العراقية، حيث "لا ختم يُ هَر على الجواز، ولا تأشيرة دخول، ولا عراقيين" (ص. 8) كانت المنافذ الحدودية للبلاد سائبة آنذاك، وكان الأجانب يدخلون العراق من دون حسيب أو رقيب. أتذكرُ أول مرة دخلتُ فيها العراق برًّا عن طريق الكويت عام 0032 لتولي إدارة مكتب القسم العربي في ال "بي بي سي" في بغداد. فقافلتنا ضمّت يومها سيارتين حملتَا صحافيين من المحطة إلى بغداد، وعبرت منفذ صفوان الحدودي، من دون أن نرى أي أثر لسلطة تُحصي الداخلين والخارجين وتتأكد من أوراقهم الثبوتية. لم نرَ يومها عند معبر صفوان سوى بقايا المركز الحدودي الذي طحنته آلة الحرب الأميركية، وأحالته قاعًا صفصفًا. وقد ندم المسؤولون الأميركيون لاحقًا على تَرْكِهم حدود البلاد سائبة عدة أشهر؛ ما أتاح لآلاف الجهاديين عبور الحدود والالتحاق بالجماعات المسلحة التي كانت قد بدأت تتشكل وتنظم صفوفها، ولكن "لات ساعة مندم."
في سلطة التحالف في كركوك
في مطار البصرة الذي يعج بالجنود البريطانيين، لم تجد سكاي أحدًا في انتظارها ليدلّها على الخطوة التالية، أو ليرشدها إلى مكان عملها؛ فقررت أن تذهب إلى بغداد حيث أقامت بضعة أيام في القصر الجمهوري، تلقّت خلالها سلسلة إيجازات حول الوضع في العراق قبل أن تذهب إلى أربيل، حيث أ بلغت أنها قد كُلِّفَت بالعمل في كركوك، لتعمل وحدها من دون إشراف أو توجيه من المقر الرئيس لسلطة التحالف المؤقتة في بغداد أو في لندن. تقول في هذا الصدد: "كان لديّ قدر قليل من الاتصال بسلطة التحالف المؤقتة في بغداد، ولم يكن لديّ أي اتصال بلندن. تُرِكتُ لتدبير أموري بنفسي لتبيّ كيفية القيام بمهمات عملي غير المحدد" (ص. 6)4 ولئن كان هذا التخبط سمة طبعت عمل سلطة الائتلاف المؤقتة في الأشهر والأسابيع الأولى التي تلت الحرب، تلك السلطة التي شُكِّلَت لتنظيم أمور البلاد والعباد في عراق ما بعد الحرب، فإنه كان أيضًا إيذانًا بما سيحل بالبلاد من تخبط وفوضى في إدارة شؤون الدولة التي استولدتها. وفي كركوك، تولّت سكاي رئاسة فرع سلطة الائتلاف المؤقتة، حيث عملت على نحو وثيق مع الكولونيل وليام مايفيل، قائد اللواء 173 المجوقل، الذي كان حينئذ يتولى السيطرة على المحافظة، متخذًا قاعدة الحرية الجوية مقرًّا له. يستبد بالمرء، وهو يقرأ ما سطّرته سكاي عن "إنجازاتها" في كركوك، شعور بأن كركوك هي عنوان فشل سلطة الائتلاف المؤقتة وقوات التحالف الذي قادته الولايات المتحدة في إقامة نظام سياسي مستقر في العراق والتأسيس للتعايش والوئام بين مكوناته. يطلّ هذا الفشل الذريع برأسه من خلال حوار دار بين سكاي والكولونيل مايفيل في أيامها الأولى في المحافظة. تخاطبه سكاي بالقول: "كركوك على قدر بالغ من الأهمية بالنسبة إلى العراق؛ لأنها صورة مصغّرة عن المجتمع العراقي. وإذا ما تمكنا من وضع الأمور في نصابها الصحيح هنا، فسيكون هناك أمل بالنسبة إلى العراق الجديد" (ص. 24) وستُبدي الأيام صِ دقَ نبوءة سكاي. ففي حين نرى أزمة كركوك - حيث "لا جماعة تقرّ بمظلوميات الآخرين" (ص. 32) - تزداد تعقيدًا بمرور الأيام، لا تزال الأزمات والمآزق تترى على العراق الذي بات أهله يتندرون بالقول إنه "لا يمر يوم ويأتي أحسن منه." بيد أن رواية سكاي عن الأحداث الساخنة التي شهدتها كركوك، إبان الغزو الذي قادته الولايات المتحدة والأشهر الأولى التي أعقبته، تظل رواية مبتسرة مُفتقرة إلى كثير من التفاصيل المهمة، فضلً عن أنها تعاني الارتباك أحيانًا. والانطباع الذي يخرج به المرء أنها تنقل ب "أمانة" ما سمعته خلال إيجازات سريعة تلقتها من ضباط أميركيين، أو حوارات أجرتها معهم ومع مسؤولين وزعماء في المحافظة، من دون تحقيق أو تمحيص أو بحث لإعطاء صورة دقيقة ومتكاملة عن تلك الأحداث. على سبيل المثال، تخبرنا الكاتبة نقلً عن الكولونيل مايفيل أن "اللواء 173 المجوقل، مع قوات البيشمركة الكردية، كان قد انتزع، في 10 نيسان/ أبريل 0032، كركوك من قبضة جيش عراقي منهار معنويًّا وفي طور الفرار" (ص. 8)2 ولكن ما لا نقَع له على أثرٍ في رواية سكاي أنّ قوات البيشمركة التي دخلت كركوك يومها كانت تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، ولم يكن الحزب الديمقراطي الكردستاني راضيًا عن ذلك بسبب التنافس التاريخي بين الحزبين. وتخبرنا سكاي، أيضًا، أن مدينة كركوك شهدت موجة من النهب والسلب على مدار أسبوع بعد ذلك، وأنّ الأمن والهدوء لم يُستَعَادَا إليها إلا بعد انتشار وحدات من اللواء 173 المجوقل. وتضيف أنه سرعان ما بدأ تقديم الخدمات في المدينة، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية (ص. 28) ويظهر لنا بوضوح، من خلال رواية سكاي، أن صورة الوضع في كثير من مناطق المحافظة خارج المدينة، وخصوصًا تلك التي تقطنها أغلبية سكانية عربية، كانت مغايرة لما كان عليه الوضع في مدينة كركوك. وإذا ما أخذنا قطاع التعليم مثلً، فإننا نجد أن كثيرًا من المدارس في المناطق العربية من كركوك توقفت عمليًّا عن العمل؛ بسبب فَصل معظم مُدرسيها من وظائفهم في سياق تطبيق سياسة "اجتثاث البعث." ففي قضاء الحويجة، فَقَد زهاء 540 مُدَرِّسًا وظائفهم. وتروي سكاي قصة اجتماع في أيلول/ سبتمبر 0032 مع الشيخ وصفي العاصي، أحد شيوخ قبيلة العبيد في كركوك وعضو مجلس محافظة كركوك آنذاك، ناشدها خلالها أن يجري العمل على إعادة هؤلاء إلى أعمالهم، ولكن كل التقارير التي أرسلتها في هذا الصدد إلى المقر الرئيس لسلطة التحالف ذهبت أدراج الرياح. وتضيف أن هذا الملف لم يُحلّ إلا بعد إحالة الأمر إلى الجنرال أوديرنو الذي كان حينذاك قائد فرقة المشاة الرابعة في الجيش الأميركي (مقرها تكريت)، والذي كانت قوات التحالف في كركوك تحت إمرته. يومها اتخذ أوديرنو قرارًا بالسماح بإعادة المُدرسين المفصولين إلى مناصبهم ودفع رواتبهم من ميزانية فرقته (ص -56 58.) والمعروف أن ملف المُدرِّسين المفصولين كان يقضُّ مضاجع عرب كركوك، وأنه قد تبنّاه معظم زعماء العرب في المحافظة، ومن بينهم رئيس مجلس قضاء الحويجة الراحل حسين علي صالح (أبو صدام)، الذي توسّط في هذا الأمر مرارًا لدى الضابط الأميركي المسؤول عن الحويجة. والظاهر أن قرار إعادتهم جاء في
سياق توجّه سلطة الائتلاف إلى التخفيف من غلواء تطبيق سياسة الاجتثاث التي تنتهجها الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث. ثمة تفاصيل أخرى، في رواية سكاي، كاشفة عن المسار الذي سلكته أزمة كركوك نحو مزيد من التعقيد في حقبة ما بعد صدام حسين. فلقد اصطدمت سكاي منذ أيامها الأولى في كركوك بالشعور الجارف الذي تملّك عرب كركوك وتركمانها بأن عودة المهجرين الكرد إليها لا تعدو أن تكون عملية منظمة ل "تكريد" المحافظة. كانت مخاوف العرب والتركمان نابعة من تدفق أعداد كبيرة من الكرد إلى كركوك؛ ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في عدد سكان المحافظة. تقول سكاي: "قدّرنا أن عدد سكان المحافظة كان نحو مليون ونصف مليون نسمة، نصفهم كانوا يعيشون في المدينة. ولكن خلال الصيف بدأت الأرقام في الارتفاع على نحو كبير. سمعنا عن أشخاص يعودون من أربيل والسليمانية. وسرَت شائعات بسرعة في أوساط جماعات المهجرين [مفادها] أن قوات التحالف تقوم ببناء بيوت لفصل الشتاء، وأن العائلات في أربيل يُقدَّم لها 1000 دولار للعائلة الواحدة لكي تنتقل إلى كركوك، وأنها ستنقل الكرد عبر شاحنات تابعة لحكومة إقليم كردستان إلى أي مكان في مدينة كركوك، من دون مقابل إذا ما رغبوا في العودة" (ص. 31-32) ناءت كركوك ببنيتها التحتية المتداعية بعبء العائدين واستيعابهم. وهذا ما تؤكده سكاي بقولها إن مدينة كركوك "لم تكن تمتلك البنية التحتية ولا مخزون المساكن للتعامل مع سكانها الحاليين، بغضِّ النظر عن تدفق [العائدين"] (ص. 32) إلا أنّ المؤلفة تبدو، في سردها هذا الفصل من تعقّد أزمة كركوك، مشغولة بهمّ التنصل من تبعة عدم التعامل جديًّا من موقعها في كركوك مع هذه التطورات؛ ومن ثمّ من تَحمُّل تبعات ما نجم عنها من آثار وتداعيات لا تزال تُلقي بظلالها القاتمة على أزمة كركوك. ويتّضح ذلك من خلال قولها: "احتطنا عبر عدم تسجيل المهجرين خشية أن يُفسَّ ذلك على أنه تقديمُ مساعدةٍ لهم. كما ساورنا هاجس عدم تشجيع المهجرين على الانتقال إلى حين تصميم برنامج سليم للإعادة" (ص. 32) في خضم هذا الجو المحتقن بالخوف على الوجود والمصير الذي سرى في أوساط العرب والتركمان في كركوك، ومع نشوة المنتصر التي استبدت بالكرد، نلمس من خلال ذكريات سكاي بدايات تشكّل ملفات كركوك الشائكة في حقبة ما بعد 0032؛ مثل ملف نزاعات الملكية العقارية، والتحولات الديموغرافية، أو السؤال: مَن هو الكركوكي؟ وما ترتب عليه من تعقيدات أدّت إلى التأجيل المتكرر لإجراء انتخابات مجلس المحافظة، منذ أول انتخابات أجريت في كانون الثاني/ يناير 005.2 وتحمّل سكاي سلطة الائتلاف المسؤولية عن تعقيد تلك الملفات التي تضرب جذورها في سياسات اتبعها النظام السابق؛ مثل التعريب السكاني، ومصادرة الأراضي والممتلكات من التركمان والكرد. وتعزو ذلك إلى افتقار سلطة الائتلاف إلى سياسة واضحة حيال تلك الملفات. وتستشهد باستفسار وجّهته إلى مسؤوليها في بغداد، هو: "هل حددت السلطات أي أراضٍ بديلة يمكن تقديمها للعرب الذين شجعهم صدام على الانتقال إلى كركوك. فبعض أطراف نزاعات الملكية عبّ عن رغبة ونيّة بشأن مغادرة منطقة كركوك حالما تصبح مثل هذه الأراضي متوافرة. ولم نتلقَّ جوابًا قَطّ" (ص. 32) وتشير سكاي إلى سلسلة من الإجراءات والسياسات التي اتُّبعت في كركوك بعد الغزو، والتي أدّت إلى تعزيز حضور الكرد ونفوذهم السياسي والإداري فيها. ففي الأيام الأولى التي أعقبت الغزو، "وافقت قوات التحالف على وصول مجموعة من الكرد – بدعم نشطٍ وفي بعض الأحيان بتدبير من إدارتَ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في أربيل والسليمانية – لتولي المناصب العليا في المدينة، ولحماية البنى التحتية" (ص. 8)2 فضلً عن ذلك، كانت الكفّة مائلة كثيرًا إلى مصلحة الكرد في أول مجلس للمحافظة شكّله الكولونيل مايفيل في أواخر أيار/ مايو 003.2 فلقد شُكِّل هذا المجلس عبر تخصيص ستة مقاعد لكل مكوّن من مكوّنات كركوك الأربعة؛ وهي التركمان والكرد والعرب والمسيحيون (الكلدو - آشوريون.) واختير هؤلاء عن طريق 300 شخص دُعوا إلى هذا الشأن، وتم تقسيمهم على أساس مكوناتي لاختيار ممثلي كل مكوّن من المكوّنات الأربعة. بعد ذلك، تم اختيار ستة "مستقلين"؛ كان خمسة منهم من الكرد، أمّا السادس فهو آشوري. وكانت هذه التركيبة الإشكالية مثيرة للجدل. تقول سكاي: "لقد أدى التركيز على الانتماء العرقي إلى شكوى الجماعات من أن التحالف كان منحازًا إلى الكرد؛ ذلك أنّ الكرد كان لديهم أحد عشر مقعدًا، مقابل ستة مقاعد للعرب، وستة للتركمان، وسبعة للمسيحيين. ومنذ وصولي إلى المحافظة، سمعت شكاوى عن مجالس المحافظات" (ص. 51) لا تفصح المؤلّفة عن ماهية الشكاوى التي تلقتها حول مجلس محافظة كركوك ولا عمّن بثّها. ولكن دأب العرب والتركمان في كركوك، منذ ذلك الحين، في ترديد أن إضافة الأعضاء الستة المستقلين كانت حيلة اعتمدتها قوات التحالف لإمالة الكفّة لمصلحة الكرد في مجلس المحافظة. وسيجري توسيع مجلس المحافظة في أواسط كانون الثاني/ يناير 0042 ليضم 36 عضوًا: 12 كرديًّا، و 9 من العرب، و 8 من التركمان، و 7 من المسيحيين (ص. 84-86)
وفي ظلِّ تضخُّم الهويات الفرعية واستنفارها في كركوك، ألهبت الهيمنة الكردية على أجهزة الحكم والإدارة في المحافظة مشاعر الغبن في صفوف باقي المكوّنات السكانية؛ ما أثار مطالباتها ب "التوازن" القومي في إدارة المحافظة. ووفقًا لرواية سكاي فإنّها خاضت نقاشات معمّقة ومستفيضة في تلك الفترة مع عبّاس البياتي، الأمين العام للاتحاد الإسلامي لتركمان العراق، الواجهة التركمانية لحزب الدعوة الإسلامية، حول كيفية تحقيق التوازن في كركوك (ص. 61) كانت هذه نقطة البداية التي أسّست سلسلة من المشاريع والمقترحات والتفاهمات حول صيغ للمحاصصة والتقاسم الشامل للسلطة في كركوك بين المكونات السكانية العرقية في المحافظة، إلا أن أيًّا منها لم يتُرجَم عمليًّا؛ ما كرّس مشاعر المظلومية وعمّق الأزمة في كركوك.
لم تكن هموم تقاسم السلطة وحدها الهاجسَ الذي أطبق على مكونات كركوك في حقبة ما بعد 003.2 فهذه الهموم تواشجت مع السؤالين: مَن هو الكركوكي؟ ومَن الذي يحق له البقاء في المحافظة من بين ساكنيها؟ وقد فرض هذان السؤالان نفسيهما بإلحاح منذ الأيام الأولى التي أعقبت الحرب، مع ظهور محاولات إخراج السكان الوافدين إلى كركوك من مناطق أخرى في العراق، ومعظمهم شيعة عرب جاؤوا من محافظات الوسط والجنوب بتشجيع من حكومة حزب البعث التي قدّمت لهم، في سياق سياستها الرامية إلى تعريب المحافظة، حوافز من قبيل 10 آلاف دينار عراقي مقابل الانتقال إلى كركوك. وفي تضاعيف ما تقصُّه سكاي عن تواصلها مع ممثلين عن الوافدين، يتراءى للقارئ شبح الخوف الذي خيَّم على هذه الشريحة السكانية من جرّاء تعرضها لضغوطات وتهديدات؛ بغية دفعهم إلى العودة إلى مناطقهم الأصلية. فلقد كان كافيًا أن يدعو أحد ممثلي الوافدين، الدكتور إسماعيل العبودي، سكاي والكولونيل مايفيل إلى تناول طعام الإفطار في بيته في أحد أيام شهر رمضان عام 0032، لكي يُختطف في اليوم التالي على أيدي مسلحين كانوا يتكلمون بلكنة كردية. إلا أنه سُعان ما أطلق سراحه بعد أن أبلغ الكولونيل مايفيل مسؤولي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في المحافظة بأن "إسماعيل مهمّ بالنسبة إلينا، وبأنّنا نريد أن يُطلق سراحه من دون أن يتعرّض لأذى" (ص. 75) لم يطل المقام بسكاي في كركوك. فقد نُقِلت إلى بغداد، في شباط/ فبراير 0042، حيث انضمَّت إلى الفريق العامل مع رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة بول بريمر، مستشارةً لشؤون كركوك ومُنَسِّقةً لسياسة السلطة حيال شمال العراق عمومًا، وهي مهمة انتهت بانقضاء فترة عمل السلطة عند نقل السيادة إلى الحكومة العراقية، في نهاية حزيران/ يونيو 0042، إذ إنها عادت إلى بريطانيا. وفي تفاصيل حكاية سكاي، أثناء عملها في مقر سلطة الائتلاف بالقصر الجمهوري بالمنطقة الخضراء في بغداد، تطالعنا عزلة العاملين في السلطة وجيوش المتعاقدين، وغيرهم من القابعين خلف أسوار المنطقة الخضراء، عن تفاصيل حياة العراقيين العابقة برائحة الموت اليومي والدمار ومصاعب العيش خارج تلك الأسوار. وتتكرّر الإشارات إلى واقع العزلة والغربة التي عاشها هؤلاء عن العراقيين في أماكن متفرقة من الكتاب. كانت تلك العزلة ولّدة حالات اكتئاب وهموم حاول كثيرون من ساكني المنطقة الخضراء تبديدها عبر الرياضة والخمر والحفلات الصاخبة (ص. 98)
رفع العديد من القوات الأميركية
شأن كثيرين ممن عملوا في العراق في تلك الفترة، بات العراق قَدَر سكاي خلال سنوات لاحقة. فلقد عادت إلى العراق، في كانون الثاني/ يناير 0072، مستشارةً سياسية للجنرال أوديرنو الذي كان قد عُيِّ حديثًا قائدًا للقوات المتعددة الجنسيات في العراق. كانت تلك الفترة عصيبة وحاسمة بالنسبة إلى التدخّل العسكري الأميركي في العراق؛ إذ صاحبت تصاعد وتيرة التمرّد المسلح في العراق من دون هوادة - رغم الجهود الكبيرة لإخماده - نقلة مفهومية نوعية في العقيدة القتالية الأميركية في مجال مكافحة التمرّد، أشرف عليها الجنرال ديفيد بترايوس الذي تولّ قيادة القوات المتعددة الجنسيات في العراق في شباط/ فبراير 007.2 وعلى حدّ تعبير سكاي، باتت فكرة مكافحة التمرد بمنزلة "دِين جديد[...]كتابه المقدس هو الكتاب المعروف باسم 24 - 3 FM. وهو كتاب في العقيدة القتالية لمكافحة التمرد أشرف بترايوس على كتابته أثناء وجوده في [قاعدة] فورت ليفنوورث [العسكرية في ولاية كانساس]، وثيمته الأساسية أنّ 'السكان هم الجائزة"' (ص. 160)
أحدثت هذه النقلة المفهومية تحوّلً في رؤية القيادة العسكرية الأميركية المواجهة التي تخوضها في العراق. وبحسب المنظور الجديد، لم تعد الغاية من مكافحة التمرّد مجرّد سحق الجماعات المسلحة بالقوة العسكرية الغاشمة، وإنما بات كسب القلوب والعقول الهدفَ الأسمى الذي يتعيّ تحقيقه في صراع معقّد؛ هو في جوانب عديدة منه تنافس بين جماعات أهلية في موارد السلطة والثروة والنفوذ، في ظلّ حكومة "تتمتع بشرعية ضعيفة" (ص. 160) اقتضى ذلك رفع العديد من القوات الأميركية في العراق. وتفاديًا لإثارة حساسية إيران التي كان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي قد نسج تفاهمات معها، صُوِّر المشهد على أنّه سيكون "مؤقّتًا فحسب، وخطوةً أولى في اتجاه خفض الوجود الأميركي" (ص. 139)
أتاح موقع سكاي الجديد لها مواكبة طريقة عمل المؤسسة العسكرية الأميركية عن كثب، وحضور اجتماعات بالغة الحساسية والأهمية؛ ما فتح لها نافذة تُطلّ من خلالها على أروقة صنع القرار فيها وآلياتها وهياكلها المقدسة. ثمّة في روايتها رؤية تفصيلية من الداخل تُغنِي فهمنا لطريقة عمل هذه المؤسسة، برطانتها ولغتها التعبيرية الخاصة التي تُبلّد الإحساس بالقتل وخسارة حياة البشر، وتُزِيل ما يترتب على ذلك من أعباء أخلاقية. فحتى الضحايا من الجنود الأميركيين يُجرَّدون من إنسانيتهم عبر تحويلهم إلى أرقام إحصائية ضمن جداول ورسوم بيانية. ونرى في رواية سكاي كيف أنّ أسطورة "الحرب النظيفة" تستبدّ بالقوات الأميركية، وتصوغ خطابها الذي يتسم بالإفراط في استخدام التوريات والاستعارات والكنايات لوصف الأعمال القتاليّة. وخلف شريحة واسعة من الألفاظ التعبيرية الخاصة، لا تبدو الحرب لعبة دم وقتل ونار ودمار واستباحة حياة بشر وأرواحهم وممتلكاتهم. ف "قواعد الاشتباك" لا تتحدّث عن شنّ هجوم، وإنّ ا عن "عمل عسكري حركي" kinetic، والالتحام مع العدو في وطيس القتال يوصف بأنّه "اتصال" أو "احتكاك" Contact. أما مَن يُقتَل من الطرف الآخر، فيوصم بأنّه "عدو قُتِل أثناء العمل" (ص. 151) وتغدو لعبة الألفاظ هذه برقعًا يتبرقع به الاستخفاف بحياة المدنيين العراقيين وأرواحهم. يطالعنا ذلك في الحوار التالي بين الجنرال أوديرنو وضابط كان يقدّم له إيجازًا تسرده سكاي، على النحو الآتي: "أفاد مُقدِّم الإيجاز مقتل خمسة أعداء قُتِلوا أثناء العمل في عملية في ديالى. وأردف موضحًا: 'سيّدي، قتلنا شخصًا كان يزرع عبوة ناسفة.' أجاب الجنرال أوديرنو: 'عمل جيّد.' مضى مُقدِّم الإيجاز إلى القول، موحيًا إليه أنّ السكان المحليين كانوا مسرورين: 'الأجواء كانت إيجابية.' 'مَن هم الأشخاص الأربعة الآخرون الذين لقوا مصرعهم؟.' 'أربعة أطفال، سيدي، كانوا في الجوار"' (ص. 151) إنّ ذلك يدلُّ على الكيفية التي تؤدِّي بعمليات مكافحة التمرّد، عند تجريدها من البعد الإنساني، إلى تفاقم التمرّد المسلح. يتضح ذلك من خلال سؤال تطرحه سكاي: "لقد قتلنا شخصًا ربما دُفِع له 100 دولار لزرع عبوة ناسفة. وإبّان هذا العمل قتلنا أيضًا أربعة أطفال. كم من الأعداء الإضافيين خلقنا؟" (ص. 151) شكّل أوديرنو فريق عمل باسم "مجموعة المبادرات" مؤلفًا من سكاي وأربعة ضباط أميركيين برتبة عقيد. وقد أعاد هذا الفريق، مستوحيًا المفهوم الجديد لمكافحة التمرّد، تعريف النجاح بالنسبة إلى القوات الأميركية على أنّه تحقيق "الاستقرار المستدام" (ص. 159) وتطلّب ذلك قيام القوات الأميركية بملء الفراغ الذي خلّفه انهيار الدولة، أملً أن تتمكّن الحكومة في غضون ذلك من رفع قدراتها على نحو يؤهّلها للقيام بذلك بنفسها. عملياتيًّا، استدعى ذلك عدة إجراءات ميدانية؛ من قبيل نشر وحدات عسكرية أميركية في الأحياء السكنية، وتدريب القوات العراقية، والعمل معها في دوريات مشتركة تُسيَّ في الأحياء السكنية، وهو أمرٌ يُتيح للقوات أن تفهم السكان وهواجسهم، وأن تزرع الثقة بالتحالف في نفوسهم وأن تُشعِرَهم بالحماية، وهو الشعور الذي كانت القوات الأميركية تأمل أنه سيحفزهم على الخروج عن صمتهم، وتقديم معلومات لقوّات التحالف وللسلطات العراقية حول الجماعات المسلّحة والإجرامية (ص. 161-162) وشملت جهود الجيش الأميركي في هذا الصدد مبادرات محلية للمصالحة الوطنية؛ كما هو الشأن في مبادرة المصالحة بين السكان من السنّة والشيعة في حيّ الجهاد في بغداد، وقد أطلقها الضابط الأميركي المحليّ (ص. 3-222)22 والملاحَظ أن هذه المصالحات المحلية جرت في ظلّ غياب مشروع للمصالحة الوطنية على الصعيد الوطني العام.
ترافق ذلك كلّه مع تحوّل نوعيّ في تفكير الأميركيين والجماعات المسلحة السنّية بعضهم تجاه بعض. فلقد أُسنِدَت إلى الجنرال البريطاني غرايم لامب، نائب الجنرال بترايوس، مهمة البحث عن طرق للانفتاح على هذه الجماعات. تقول سكاي: "لم يكن ذلك أمرًا هينًا؛ حيث إنه كان يعني التعامل مع أشخاص قتلوا جنودنا" (ص. 178) وشكّل انقلاب العشائر العربية السنّية وبعض الفصائل المسلحة على تنظيم القاعدة فرصةً لمدّ جسور التواصل بينها وبين القوات الأميركية. فهذه القوى سعت للحصول على دعم القوات الأميركية في قتالها للقاعدة. وشكّلت مخاوف السنّة من الجماعات الشيعية المسلحة ومن تعاظم النفوذ الإيراني في العراق دوافع إضافية لهم للسعي للحصول على الحماية والدعم من الأميركيين (ص. 183) والحال أنّ القلق من تعاظم النفوذ الإيراني في العراق مثّل قاسمً مشتركًا بين العرب السنّة والأميركيين. ف "بحلول منتصف صيف 0072، كان معظم الضحايا الأميركيين يسقط بسبب الميليشيات الشيعية التي استخدمت السلاح الذي كان بمنزلة علامة فارقة بالنسبة إليها: قذائف تقذف كتلً من اللهب[...]قادرة على اختراق دروع العربات الأميركية" (ص. 213) وتشرح سكاي ما أثارته رعاية القوات الأميركية لمجالس الصحوة، ومدّها بالمال والعتاد والسلاح، من مخاوف في نفس المالكي الذي خشي من تحوُّل هذه التشكيلات إلى قوّة عسكريّة سنّية (ص. 184-185) وتتراءى لنا صورة المالكي ينهشه الشك والريب وهو يشاهد تزايد عديد الصحوات ليصل إلى 130 ألف شخص كانوا يتقاضون رواتبهم من قوات التحالف (ص. 33)2 ولا غرو أنّ عدم تنسيق القوات الأميركية مع الجهات الرسمية العراقية، أو إحاطتها علمً بتفاصيل عملها على تشكيل الصحوات ودعمها، من الأسباب التي عزّزت شكوك المالكي والدائرة المحيطة به في نيّات الأميركيين. وفاقم ذلك أنّ صفوف القوات الأميركية كانت تعجّ بضبّاط معادين لرئيس الوزراء ومستشاريه، وقد كانوا يضغطون لتطبيق الاتفاقات التي توصّلوا إليها مع جماعات سنّية؛ "بغضِّ النظر عن الحكومة العراقية" (ص. 195) ومن الواضح أنّ عمل الأميركيين على ملفّ الصحوات من وراء ظهر الحكومة العراقية كان خطيئة كبرى، إذا ما أخذنا في الاعتبار ذلك الانقسام المجتمعي الطائفي الحادّ في العراق آنذاك، وميل النخب السياسية العراقية إلى الأخذ بنظرية المؤامرة في تفسير الأحداث. فالمالكي، الذي كان يرى في الصحوات "متمرّدين قد ينقلبون عليه في أيّ لحظة"، تملّكته في تلك الفترة خشية من حدوث انقلاب يؤدي إلى إطاحته؛ من خلال مشاركة الصحوات في التآمر مع قوات التحالف (ص. 233-234) وسط أجواء التوتر وانعدام الثقة بين مكتب رئيس الوزراء، وهو أيضًا القائد العام للقوات المسلّحة، وبين القوات الأميركية، بات التواصل مع مستشاري المالكي الأمنييّن ضرورة ملحّة. واضطلعت سكاي بدور أساسي في هذه الاتصالات التي تركّزت مع الدكتورة باسمة الجادري، المستشارة العسكرية للقائد العام للقوات المسلّحة، واللواء أبو محمد، أحد قادة الاستخبارات في مكتب القائد العام للقوات المسلّحة. وتكشف لنا رواية سكاي عن هذه الاتصالات أجواء الصراع والخلافات التي ظلّت تعصف بأوساط المسؤولين العراقيين، وما يصاحبها من نميمة ووشاية وغيبة وتآمر وطعنٍ من وراء الظهر في حق الآخر، وتقويضٍ لإنجازاته ووضعٍ لعراقيل في وجهه، فضلً عن التزلف وتملّق مسؤولي التحالف وممثلّي دولهم، عسكريين كانوا أو ومدنيين، ومحاولة الاستقواء بهم. على سبيل المثال، تلمّح سكاي إلى أنّ الفريق فاروق الأعرجي، مدير مكتب القائد العام للقوات المسلّحة، هو الذي كان وراء بث شائعات التحضير لانقلاب مزعوم على المالكي؛ لأنه كان يريد تقويض عمل باسمة الجادري التي لم يكن على وفاق معها على ملفّ المصالحة الوطنية، بما في ذلك استيعاب أفراد الصحوات في القوات الأمنية العراقية والجهاز المدني للدولة (ص. 34)2 مثال آخر تقدمّه سكاي بشأن تلك الأجواء المسمومة في صفوف النخب السياسية والعسكرية العراقية، يتمثل في اللواء الركن حسين العوادي، قائد شرطة بغداد، الذي كان يقول للأميركيين إنّ الفريق الركن عبّود قنبر، قائد عمليات بغداد، ليس أهلً لتولي منصبه (ص. 164-165) وتُبيّ هذه الأحداث والوقائع أنّ المسؤولين الأميركيين باتوا أطرافًا في لعبة التجاذبات الداخلية في العراق.
الاتفاق الأمني
تنتهي مهمة سكاي مع انتهاء مهمة أوديرنو في كانون الأول/ ديسمبر 0072، إلا أنّها سرعان ما تعود، مرّةً ثالثةً، إلى العراق بعد بضعة أشهر، مستشارة سياسية لبترايوس أولً، ومن ثم لأوديرنو الذي عاد إلى العراق، في أيلول/ سبتمبر 0082، قائدًا للقوات المتعددة الجنسيات. وشهدت هذه الحقبة عدة تطورات مهمة؛ لعل أبرزها المفاوضات بين العراق والولايات المتحدة التي أفضت إلى انسحاب القوات الأميركية من العراق في أواخر عام 0112، والانتخابات النيابية التي أجريت في آذار/ مارس.2010 عند قدوم سكاي في مهمتها الثالثة إلى العراق، لم تكن المفاوضات بين الجانبين حول "اتفاقية وضع القوات" Agreement Forces of Status،
المعروفة اختصارًا باسم "صوفا" SOFA، تسير على ما يرام. وتلقي سكاي ضوءًا على نقاط الخلاف بين الجانبين، تمثَّل أبرزها بحقِّ القوات الأميركية في اعتقال عراقيين ومنْح العسكريين والمتعاقدين الأميركيين حصانة قضائية (ص. 62-261)2 كانت الاتفاقية تواجه أيضًا معارضة الصدريين وإيران، وكان شبح التاريخ يطارد المالكي الذي كانت تساوره الخشية من أن يلاقي مصير صالح جبر نفسه، أول رئيس وزراء شيعي في العراق. فقد أُجبِ على الاستقالة تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية ضد المعاهدة العراقية - البريطانية المعروفة باسم "معاهدة بورتسموث" عام 1948 (ص. 62)2 وعلى عكس اتفاقيّات صوفا الكثيرة المعقودة بين الولايات المتحدة ودول عدة من مختلف أنحاء العالم، حيث تكون الاتفاقيّات غير مُعلَنة ولا تحتاج إلى إقرار في البرلمان، كان يتعين تمرير اتفاقية صوفا بين العراق والولايات المتحدة في البرلمان العراقي؛ إذ إنّها تُناقش بنودها علنًا.
انضمت سكاي إلى فريق صوفا الأميركي المفاوض برئاسة السفير الأميركي في العراق رايان كروكر. كان الفريق مؤلفًا، إضافة إلى سكاي، من كلٍّ من ديفيد ساترفيلد، وبريت ماكغورك، وروبرت فورد، وميغان أوسوليفان، وعلي الخضيري، ومسؤول من الاستخبارات. وتفتح رواية سكاي عن المفاوضات أعين القراء على الضغوطات التي مارسها أوديرنو على الجانب العراقي لتليين موقفه في المفاوضات. فهذا القائد العسكري الأميركي هدد المسؤولين العراقيين بوقف كل أشكال الدعم الأميركي للعراق "إن لم يصلوا إلى اتفاق على الولاية القانونية للقوات الأميركية. ومن ثمّ، فلن يستطيع العراق أن يقيَ نفسه من الإرهاب الداخلي أو التهديدات الخارجية" (ص. 267) وخلال المفاوضات، دخلت الاتفاقية الأمنية في حومة الجدل السياسي العراقي الداخلي. ووفقًا لما تكشفه سكاي، كانت بعض الكتل والتيّارات السياسية تخشى أن تزيد القواتُ الأميركية التي ستبقى في العراق من قوة المالكي، والتي كانت تشهد صعودًا مثيرًا للقلق في أوساط النخب السياسية العراقية، بينما رأى المالكي أنّ بقاء القوات الأميركية سيُقيِّد قدرته على الحركة وسيحدّ من سلطته (ص. 67)2 وهكذا؛ بعد كثير من الجدل ولَ الأذرع، وافق مجلس الوزراء العراقي على الاتفاق، في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 0082، ووقّعه وزير الخارجية هوشيار زيباري والسفير كروكر في اليوم التالي (ص. 68-267)2 إلا أنّ البرلمان لم يقرّ الاتفاق إلا بعد مفاوضات شاقّة بين الكتل تمخّض عنها قرار يطالب بالإصلاح السياسي، والمزيد من الاستشارات داخل الحكومة، وبناء مؤسسات ديمقراطية. وطالبت بعض الكتل بضمانات أميركية لحماية العمليّة الديمقراطية في العراق، وهي ضمانات تلقتها في رسائل من كروكر (ص. 268)
الولاية الثانية
تُطلعنا سكاي، من خلال مذكّراتها، على بعض خبايا كواليس الانتخابات البرلمانية العراقية عام 0102 وتَولّ المالكي ولايته الثانية رئيسًا للوزراء. فلقد احتدم ال اررع بين قيادة الجيش الأميركي والسفارة الأميركية، وإدارة أوباما تاليًا، حول الموقف من تولّ المالكي ولايةً ثانيةً. كان أوديرنو مقتنعًا بضرورة إعطاء فرصة لإياد علاوي، زعيم القائمة العراقية التي فازت بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات 91(مقعدًا) لتشكيل الحكومة، في حين مالت السفارة الأميركية إلى تأييد فكرة تولي المالكي ولايةً ثانيةً بعد حصول اندماج بين كتلته، دولة القانون 89(مقعدًا)، والائتلاف الوطني العراقي 70(مقعدًا) إثر إعلان النتائج، لتشكّل الكتلة الكبرى في البرلمان وقوامها 160 نائبًا. تقول سكاي: "قال الجنرال أوديرنو إنه يتعيّ علينا حماية العملية [السياسية] 'عليهم أن يسمحوا لعلاوي على الأقل بأن يحاول تشكيل حكومة أولً. وإن لم يفعلوا، فستبدو الانتخابات خدعة.' وقال إنّه يتعيّ علينا عدم انتقاء الفائزين. فذلك لا يؤدّي غرضه على نحو جيد؛ 'علينا أن نضع ذراعينا حول العراقية وأن نبقيهم في اللعبة'، فهم الذين يتعرّضون للترويع. المالكي يتمتّع بمزيّة شاغل المنصب وما يقترن بذلك من استخدام جهاز الدولة. لم أكُن أنا ولا الجنرال أوديرنو نعتقد أنّه سيكون بمقدور علاوي تشكيل حكومة يكون هو رئيسها، لكنّنا اعتقدنا أنّه كان لديه الحق، كونه الفائز في الانتخابات، في أن يمضي قُدُمًا في ذلك أولً، وذلك قد يؤدّي إلى تسوية سياسية بين الزعماء، بحيث يوافق إمّا علاوي أو المالكي على أن يتشاركا السلطة، أو أن يُختار شخص ثالث ليكون رئيسًا للوزراء" (ص. 317-318) في المقابل، تنقل سكاي عن أوديرنو أنّ السفير الأميركي في العراق
كريستوفر هيل أبلغه "أنّ العراق ليس مستعدًّا للديمقراطية، وأن العراق في حاجة إلى رجل شيعي قوي. والمالكي هو رَجُلُنا" (ص. 322) ومقارنةً بموقف أوديرنو المؤيّد على نحو مطلق لخيارَي تشكيل علاوي للحكومة أو حكومة وطنية تجمع بين دولة القانون والعراقية، وهو خيار قوّض فرصه إصرار كل من المالكي وعلاوي على أن يتولى هو رئاسة الوزراء في هذه الحكومة الائتلافية، تميّز موقف القيادة السياسية الأميركية بقدر من التخبط. ففي تموز/ يوليو، أبلغ أوديرنو وهيل ومسؤولون في السفارة الأميركية المالكي ومسؤولين عراقيين، من بينهم علاوي، ودبلوماسيين أجانب أنّ فرص المالكي في البقاء في منصبه شبه معدومة لعدم توافر تأييد له (ص. 333) كما تنقل سكاي عن أوديرنو أنّ نائب الرئيس الأميركي جو بايدن أبلغ الجنرال في اجتماع معه في واشنطن، في أواسط تموز/ يوليو، أنّه سوف يتحدّث هاتفيًّا مع كلٍّ من المالكي وعلاوي، ويعطيهما مهلة أسبوعين لتشكيل حكومة، وإلا عليهما التنحّي وإتاحة المجال أمام آخرين لتولي تلك المهمة. ولكنّه عندما اتصل بهما "أبلغ المالكي أنّ الولايات المتحدة ستؤيد بقاءه رئيسًا للوزراء، وأبلغ علاوي أنّ عليه القبول بالمالكي رئيسًا للوزراء." وتذهب سكاي إلى أنّ "الإدارة الأميركية كانت تريد أن ترى حكومة قائمة في العراق قبل الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني/ نوفمبر. وبدا أنّ الحفاظ على الوضع القائم كان أسرع السُبُل إلى ذلك" (ص. 334) كان الخلاف بين أوديرنو وهيل، وفقًا لما تكشفه رواية سكاي، تنافرًا بين شخصيتين متغايرتين في كل شيء، تقريبًا، إلا أنّه تحوّل إلى عداء سافر مع وقوف كل منهما على طرفَ نقيض من الآخر حيال الولاية الثانية للمالكي. والظاهر أنّ عدوى كراهية أوديرنو لهيل انتقلت إلى بعض المحيطين به ومن بينهم سكاي التي تنقل عن أوديرنو وصفًا لهيل وأدائه لعمله يُجانب في بعض معالمه الإنصاف والصواب. تقول سكاي: "كان من الواضح أنّ كريس هيل غير ملائم لأداء الدور. وبسبب افتقاره إلى الخبرة الإقليمية كان هيل الخيار الخاطئ للسفير. فهو لم يكن يريد هذا العمل ولكنّ هيلاري كلينتون أقنعته. واعترفت وزيرة الخارجية بذلك عندما التقاها الجنرال أوديرنو، في أوائل 0102، في واشنطن ليوضح لها مستوى الخلل في السفارة. فقد اشتكى الجنرال أوديرنو أنّ هيل "لم يكن يتواصل مع العراقيين ولا مع الآخرين في السلك الدبلوماسي" (ص. 312) وهذا، بحسب ما عاينته أثناء عملي في العراق في تلك الفترة، غير صحيح. فلقد كان السفير هيل متواصلً مع الوسط السياسي العراقي والسلك الدبلوماسي المعتمد في بغداد. وكان المسؤولون العراقيون وأعضاء السلك الدبلوماسي حريصين على مبادرة التواصل معه؛ بالنظر إلى أنه سفير لدولة كبرى وازنة. والغريب أنّ سكاي تكرر شكوى أوديرنو كما لو كانت حقيقة، في حين أنّها تشير بعد بضع صفحات لاحقة إلى ذهاب هيل مع أوديرنو للقاء المالكي بعد يوم من انتخابات 0102 (ص. 317)، ما يدلّ على أنّه كان مبادرًا في التواصل مع كبار المسؤولين العراقيين. تجدر الإشارة إلى أنّ ثمة جانبًا في الخلاف بين أوديرنو وهيل لم تطرقه سكاي في كتابها إطلاقًا؛ وهو إشكالية تدخّل العسكر في السياسة. كان لبّ المشكلة بين الرجلين يكمن في أنّ أوديرنو العسكري سعى للتأثير في مجريات العملية السياسية، بناءً على تصوّره مقتضيات عملية مكافحة التمرّد، في حين كان يعمل السفير هيل هو والإدارة الأميركية في واشنطن على الاحتفاظ بالملف السياسي حصرًا ضمن إطار المؤسسة السياسية والدبلوماسية الأميركية. وكائنًا ما كانت الحال، فإن كتاب الانهيار زاخر بتفاصيل مهمة عن أحداث محطات مفصلية وخباياها في حقبة لاهبة من تاريخ العراق المعاصر. إلا أنّ الكاتبة كانت أمينة في عَرضها بصراحة لامتناهية تجربتها في العراق؛ بكلّ ما حملته في صناديقها من آمال وخيبات وانكسارات، واصطفافات وانحيازات حيال ملفات العراق وقضاياه وأطراف اللعبة السياسية الداخلية فيه، وهي انحيازات تنساب من بين السطور في بعض صفحات الكتاب. والانحياز في السيرة أمرٌ طبيعي، لكنه في هذا الكتاب يشير إلى واقع أنّ كثيرًا من الأجانب الذين عملوا في تلك الفترة في العراق؛ ضمن إطار قوات التحالف أو متعاقدين، أو في منظمات دولية أو شركات استثمارية، قد "تعرقنوا" عبر اصطفافهم في خضم الاصطفافات والانقسامات والسجالات العاصفة التي شهدها العراق، ولا يزال الأمر على هذا النحو. وهذا ما يثير أسئلة عن دورهم ومسؤوليتهم عن جزء - كحدّ أقل - من النكبات التي حلّت بعراق ما بعد 003.2 صحيح أنّ هذه المذكرات حاولت - على غرار معظم المذكرات السياسية - أن تنحو منحى التنصل من عواقب ما حدث من أخطاء وأن تنحي بلائمة ارتكابها على آخرين، لكنها لا تخفي عن القارئ كيف غيّ العراق مؤلفتها. مَن منّا، نحن الغرباء الذين عملنا في العراق في تلك الفترة، لم "يتعرقن" ولم يغيّ ه العراق؟ مَن منّا لم تلازم ذاكرته وسريرته ندوب العراق لتطعن في السنّ معه؟
صدر حديث ا
ناصيف نصار تأليف:.
تصورات الأمة المعاصرة: دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر
حين أل ف الباحث اللبناني ناصيف نصار كتابه تصورات الأمة المعاصرة: دراسة تحليلية لمفاهيم الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، الصادر حديث ا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (الطبعة الثالثة، 528ً صفحة بالقطع الوسط، موثق ا ومفهرسً ا)، جعل محوره تصوّر الأمة في الفكر العربي الحديث والمعاصر. وليس المقصود بتصوّر الأمة هنا التصوّر المنطبق على الأمة العربية وحدها، بل أي تصوّر نظري للأمة من أجل معرفة أشد مطابقة للواقع من المعرفة الأيديولوجية الخاصة بالقومية العربية. حلل الباحث نصوصًا طرحت تعريفات للأمة، صراحة أو ضمنيًا، أو نصوصًا قدّمت أي عنصر يمكن استغلاله لتركيب تصوّر معين للأمة، فتبيّن له أن ما أنتجه الفكر العربي الحديث والمعاصر من تعريفات للأمة يتوزع إما على التصورات الدينية وإما على التصورات اللغوية وإما الإقليمية وإما السياسية التي تجعل من الدولة المحدد الأساس الأول للأمة.
صدر حديث ا
فرديناند تونيز تأليف:.
تونيز: الجماعة والمجتمع المدني
صدر حديث ا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، في سلسلة ترجمان، كتاب تونيز: الجماعة والمجتمع المدني، هو ترجمة نائل الحريري لكتاب فرديناند تونيز الذي حررته جوزيه هاريس وصدر في سلسلة Tönnies: Community and Civil Society كامبريدج في تاريخ الفكر السياسي. يعدّ هذا الكتاب (424 صفحة بالقطع الوسط) أحد كلاسيكيات النظرية الاجتماعية والسياسية ما بعد الحداثة. أل فه تونيز ونشره أول مرة في عام 1887، ويركز فيه على الصراع المزمن بين الجماعات الصغيرة المبنية على أسس القرابة والتجاور والمجتمعات الكبيرة القائمة على السوق التنافسية، باحث ا في أثر هذا الصدام في البنى السياسية والاقتصادية والقانونية والعائلية، والفن والدين والثقافة، وبنى الذاتية والشخصانية، وأنماط الإدراك واللغة والفهم البشري.