دروس مستفادة من تجارب الإنعاش ما بعد النزاعات المسلحة: نحو عمل عربي موحد
الملخّص
تعرض هذه الدراسة مراحل تطور مجال إعادة الإعمار بعد انتهاء النزاعات المسلحة والحروب؛ بدءًا من نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد حاول الباحثان استخلاص مجموعة من الدروس والعبر التي يمكن أن تفيد صناع القرار في العالم العربي الذي يشهد مجموعة كبيرة من النزاعات المسلحة. كما ينبغي لفت الانتباه إلى أن سياسة إعادة الإعمار لا بد من أن تكون وفق منظور عربي داخلي مختلف عن المنظور الغربي. تعرض الدراسة الفرق بين الحرب القديمة والحرب الجديدة، وكيف أحدثت النزاعات العسكرية في الوطن العربي دمارًا هائل ا يحتاج إلى جهود ضخمة في مرحلة ما بعد الحرب. ثم تعرض أهم المصطلحات المرتبطة بمجالَي إعادة الإعمار والإنعاش بعد الحرب، والسرد التاريخي والتحليلي لأهم المراحل، انطلاق ا من مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وصول ا إلى فترة ما بعد الربيع العربي. كلمات مفتاحية: الربيع العربي، إعادة الإعمار بعد الحرب، الإنعاش بعد الحرب. This study provides an overview of development stages in post-conflict reconstruction since World War II. The authors attempt to summarize a set of lessons learned from accumulated experiences, which could then be used to better inform Arab decision-makers. The authors also call for an indigenous, Arab perspective, distinct from Western approaches, to post-conflict reconstruction policies. The first section in the study addresses the differences between the traditional definition of war and contemporary conflicts, focusing on how armed conflicts in the Arab region have caused vast levels of destruction requiring immense, cooperative efforts to aid in the post-conflict reconstruction. The paper goes on to explain the concepts and terminology which underpins post-conflict reconstruction and recovery, as well as the historical and analytical arc of the most significant milestones in the development of post-conflict reconstruction methodology. Keywords: Arab Spring, Post-conflict Reconstruction, Post-war Recovery.
Lessons Learned from Post-Conflict Recovery: Towards the Unification of Arab Efforts
مقدمة
تقدم هذه الورقة نظرةً شاملةً عن نشوء حقل إعادة الإعمار "الإنعاش" وتطوره بعد انتهاء النزاعات المسلحة منذ الحرب العالمية الثانية إلى يومنا هذا، مركّزةً على أهم الدروس والعبر التي يمكن أن يستفيد منها صناع القرار في العالم العربي، مع الأخذ في الاعتبار حجم الدمار وكمّه الناجميَن عن الحروب والنزاعات المسلحة التي تشهدها المنطقة العربية. وتحقيقًا للاستفادة المرجوة من هذه الدروس، ينبغي لنا التفكير مليًّا وبعمق في القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتعقلة بإعادة الإعمار، وما يتفرع منها، وأيضًا ضرورة أن يختلف منظورنا العربي إلى إعادة الإعمار عن النهج السائد دوليًّا للدول المانحة الغربية، التي عادة ما تستحوذ على صناعة قرار إعادة إعمار البلدان المتضررة من النزاعات، مفضّ لةًالحلول قصيرة الأجل ومعتمدةً على نهج إطفاء الحرائق، مع إغفال أهمية ضمان الانتقال السياسي والاجتماعي والاقتصادي السلس بعد انتهاء النزاع بما يحقق التنمية المستدامة على المدى الطويل. وبطبيعة الحال، يتماشى هذا النهج مع مصالح تلك الدول المانحة، ولكنه ليس قادرًا بالضرورة على تحقيق طموح الدول المتضررة ورؤيتها. تبدأ الورقة بشرح المصطلحات المتعلقة بوصف الإجراءات المتّخذة ما بعد انتهاء النزاعات، والتي باتت تعرف بإعادة الإعمار "الإنعاش"، ثم تنتقل إلى عرضٍ تاريخي تحليلي لمراحله وتطورها، فتبحث في التحولات المختلفة التي مرت بالمسارين النظري والتطبيقي في العقود الثلاثة الماضية، وتلفت الانتباه خاصة إلى التحولات التي نشأت بعد أحداث 11 سبتمبر 0012؛ إذ باتت علامةً فارقةً تفصل ما قبلها عمّ بعدها، علاوة على علاقتها بالقسم الأخير الذي يتناول الاتجاهات المستقبلية المحتملة والضرورية لتقدم المسارين النظري والتطبيقي في المنطقة العربية.
أولا: الأطر المفاهيمية
قديمًا كانت الحرب عنفًا تنظمه الدول وتحتكره من خلال بناء مؤسسات عسكرية تتيح لها الاحتكار القانوني لاستخدام القوة1، ولكن خضع هذا العنف تدريجيًّا لنواظم عالمية مثل: حماية المدنيين، وحقوق الأسرى، والحق في ردّ العدوان أو حق الدفاع عن النفس... إلخ، ومن المفترض أن يقلل ذلك من احتكار استخدام القوة. إلا أن ماري كالدور، الأستاذة في مدرسة لندن للاقتصاد، لاحظت أن الحرب الجديدة تختلف عما كانت عليه قديمًا من حيث التنظيم والغايات والأساليب والدوافع؛ فهي حرب "تختلط فيها القوات النظامية المنشقة بالجماعات السياسية المسلحة وبالجريمة المنظمة"2. تشهد الحروب الدائرة في ليبيا واليمن وسورية والعراق نمطًا يختلف عن الحروب القديمة التي شهدتها المنطقة العربية، كحروب مصر وسورية مع إسرائيل، أو الحرب العراقية الإيرانية، أو الحرب الليبية - التشادية. لذا فإن أطروحة الحرب الجديدة "قد أدّت خدمة كبيرة في تعميق فهم الحرب الأهلية"3. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن منهجية الحروب الجديدة توفر إطارًا فعالً لتحليل العوامل الاجتماعية والاقتصادية السياسية التي تُشكّل طبيعة الحروب الأهلية المعاصرة، حيث تتفق حروب "الربيع العربي" مع طرح كالدور فيما يلي4: التقاء إستراتيجية الأطراف المتحاربة في هدف موحد، وهو زرع "الخوف والحقد"؛ ما يعني تعاونهم على خلق مناخٍ من انعدام الأمن، إذ سُجّلت فعلً حالات تعاون بين المتحاربين تحقيقًا لأهداف عسكرية واقتصادية. توخّى الحروب الجديدة زعزعةَ الاستقرار، وزرع الخوف والسيطرة في السكان عبر إزالة كل هوية مختلفة، فهي حرب ضد "الغريب"، وضد "المخالف" أيضًا من داخل الجماعة نفسها، ومن هنا كان طرد السكان والقتل الجماعي والتهجير القسري جزءًا من تقنيات الترهيب السياسي الجديد. ولعل أفظع ما في ذلك أن العنف يتركز على المدنيين، فهناك ثماني ضحايا مدنيين مقابل كل عسكري. وبات ضرب المدنيين والحصار والتعذيب والقتل الكيفي وتدمير المعالم الحضارية التاريخية مباحًا. اعتماد الحروب القديمة تشكيلاتٍ عسكريةً ذات تنظيم عمودي. أما وحدات الحروب الجديدة فهي جماعات شتى تحوي وحدات منشقة عن الجيوش وزعماء ميليشيات ومرتزقة ومافيات إجرامية وقوات شرطة. وهي ذات تنظيم لامركزي، تنشط بمزيج من المواجهة والتعاون فيما بينها سواء كانت تنتمي إلى معسكر واحد، أو إلى معسكرات متحاربة، حيث يسمح تطور وسائل الاتصال لها بالتنسيق الفائق عند الحاجة.
ارتكاز اقتصاد الحروب القديمة على الدولة المركزية وسيطرتها على توزيع الموارد. لكن اقتصاد الحرب الجديدة نقيض ذلك، فهو لامركزي تمامًا، يتغذى على الموارد الخارجية، و/ أو التمويل الذاتي بالنهب والسلب، وعلى السوق السوداء أحيانًا. ويعتمد هذا "الاقتصاد" الجديد على شبكات "ضرائب" تجبى من مهاجري الشتات، والمتاجرة بالسلاح، وتهريب النفط والماس. ويغدو الحفاظ على هذه الموارد بقوة السلاح هدفًا في حد ذاته، إذ يمثل منطق الحرب حجرَ بناء في وظيفة سير الاقتصاد نفسه. وينتشر هذا النوع من الاقتصاد عابرًا للحدود بفضل شبكات الجريمة المنظمة والأقليات الإثنية. يختلف الباحثان مع توصيف كالدور لأسباب الحرب، فحروب الربيع العربي تحمل إضافات جديدة عن الحروب التي ظهرت بعد الحرب الباردة؛ ذلك أن سبب الحروب لم يكن يدور حول سياسة "الهوية"، بل لأسباب قد تكون جيوسياسة أو أيديولوجية أو إقليمية. فالحرب في سورية أو اليمن أو ليبيا لم تكن قَطّ بحثًا عن هوية، بل كان هناك أبعاد عدة. ثم يتفق الباحثان مع طرح كالدور في باقي النقاط. صاحبت انتفاضةَ الشعوب في المنطقة العربية حروب وفوضى وعنف بدرجات متفاوتة في ليبيا وسورية واليمن5. ويبدو أن أهداف الحروب الجديدة التي تحدثت عنها كالدور تحققت تمامًا في حروب الربيع العربي، فهي لم يعد أساسها جغرافيًّا أو جيوبوليتيكيًّا، بل مزجت حرب الوكالة مع حرب العصابات، فلم يعد هناك دور لجيش نظامي مقابل جيش نظامي آخر. أما عن تقنيات الترهيب السياسي، فحدّث ولا حرج عن استهداف المدنيين في ليبيا وسورية والعراق والصومال واليمن6. أما عن الجانب الاقتصادي، فيشير تقرير صادر عن المنتدى الإستراتيجي العربي نهاية عام 0152 إلى أن تكلفة الحروب العربية بلغت 833.7 مليار دولار، شملت خسائر الناتج المحلي والسياحة وأسواق الأسهم والاستثمارات، إضافةً إلى إيواء اللاجئين7. وأفاد تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا "الإسكوا" أن الخسائر تعادل أكثر من 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة خلال الفترة 2011 - 015.2 ويبيّ تقرير الإسكوا أن خسائر الناتج المحلي الإجمالي ورأس المال في سورية وصلت إلى نحو 592 مليار دولار منذ عام 011.2 وذكر التقرير، استنادًا إلى تقارير منظمات دولية، أن حجم الضرر في البنية التحتية للدول المنكوبة بلغ نحو 614 مليار دولار8. كما أكد المنتدى الإستراتيجي العربي أن الخسارة التراكمية للناتج المحلي الإجمالي للمنطقة العربية بلغت 892 مليار دولار، في حين بلغت خسائر أسواق الأسهم والاستثمارات فيها أكثر من 35 مليار دولار، إذ خسرت الأسواق المالية وحدها 18.3 مليار دولار، وتقلص الاستثمار الأجنبي المباشر بمعدل 16.7 مليار دولار سنويًا. وسجّل التقرير تراجع تدفق السياح بنحو 103.4 ملايين سائح في الفترة 2010 - 0142، مضيفًا إلى ذلك أن اضطرابات المنطقة تسبّبت بتشريد أكثر من 14 مليون شخص. أما تكلفة إيواء 5 ملايين لاجئ، فبلغت 8.74 مليار دولار9. وبلغت خسائر اليمن في الحرب، وفق ما قدّرته وزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية، نحو 52 مليار دولار، وذلك بحسب ما نتج من دمار المرافق والأصول المادية فقط، منذ اندلاع الحرب. وبلغت تكلفة الأضرار في المرافق والأصول المادية التي سبّبتها الحرب نحو 52 مليار دولار، بينما تحتاج برامج إعادة الإعمار والتعافي إلى ما يزيد على 88 مليار دولار حتى عام 0222، وذلك بالطبع إذا ما افترضنا توقف الحرب قريبًا. ووفقًا لتقرير "المستجدّات الاقتصادية والاجتماعية" الصادر عن وزارة التخطيط اليمنية ومنظمة اليونيسف، بلغت الخسائر التراكمية في الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لعام 0102 نحو 32.5 مليار دولار، أي 1180 دولارًا للفرد بين عامي 0150172 و 2، فضلً عن توقف الصادرات وانهيار الموازنة العامة للدولة وارتفاع التضخم، وأدى ذلك إلى ازدياد معدلات الفقر وسوء التغذية وغيرها من الكوارث الإنسانية10. كسرت الحروب العربية الأهلية أنماط الحروب الأهلية ومخرجاتها عامة. فعلى الرغم من أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للبلد يميل إلى التباطؤ بأكثر من نقطتين مئويتين في المتوسط خلال الصراع الأهلي سنويًّا، فإن النمو الحقيقي تباطأ في سورية بنحو 10 نقاط مئوية سنويًّا في المتوسط في الفترة 2011 - 014.2 وفي العراق، انخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 3 نقاط مئوية منذ عام 2013 11. وانكمش، كذلك، الاقتصاد اليمني بالقيمة الحقيقية بنسبة 82 في المئة عام 2015 12، وأيضًا انكمش الاقتصاد الليبي
بنحو 14 في المئة سنويًا في المتوسط بين عامي 01320152 و 13. كما أدت الانهيارات الاقتصادية إلى انخفاض مردود القوى العاملة بسبب الوفاة والعجز والتشريد، وانعدام فرص التدريب والتأهيل، وتدمير البنية التحتية والمعدات، وخسائر الإنتاجية المرتبطة بزيادة تكاليف التجارة، وقيود الحرب، وانهيار العلاقات التجارية القائمة قبل الحرب. وكذلك ازداد عدم استقرار الاقتصاد الكلي والسياسي، وارتفع التضخم، وتراجع الاستثمار، واستفحلت البطالة وزادت معدلات الفقر. على سبيل المثال، أثّر اللاجئون في اقتصادات الدول المضيفة، فقد أدى وصول اللاجئين السوريين إلى الأردن إلى زيادة الطلب الإجمالي على السلع والخدمات، ورفع الأسعار والإيجارات، وزاد من عرض العمالة، وخفض الأجور، وترك العمال غير المَهرة أسوأ حال 15.
ثانيًا: إعادة الإعمار بعد الحرب
نظرًا إلى قلة الإنتاج الأكاديمي المتاح باللغة العربية، يرى الباحثان حاجةً إلى الاتفاق على مجموعة الاصطلاحات الأساسية. يتفق الباحثون المختصون بدراسات إعادة الإعمار، في أغلب الأحيان، على وصف إعادة الإعمار بعد انتهاء النزاع بأنها عملية متعددة الأوجه، تهدف إلى البدء في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتهيئة الظروف للانتقال إلى سلام دائم يمنع الانزلاق ثانية نحو هاوية الحرب. بيد أن هذا التعريف يواجه عددًا من التحديات منها16: افتقاد رؤية موحدة شاملة جامعة على المستوى البحثي والأكاديمي والبرامجي. إذ يُفترض أن يمثل الإنعاش ما بعد انتهاء النزاعات "همزة وصل" بين الدراسات المعنية بالتنمية وبناء السلام وإدارة النزاعات مع العلوم الإنسانية التقليدية الأخرى، مثل: علم السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ، إلا أن هذا نادرًا ما يحدث، حيث يسود اتجاه أن كل تخصص يقارب الموضوع بحثيًّا من وجهة نظره. ثمّ إنّ السائد على المستوى البرامجي أن أغلب التجارب لا تحقق ربطًا كافيًا بين أنشطة الإغاثة والتنمية، إضافة إلى أن الحدود الفاصلة بين الإغاثة والإنعاش والتنمية تتغير دائمًا، بحيث يحتمل أن ينطوي سياق واحد لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع على عدد من المناطق الجغرافية والسكان في مراحل مختلفة من الأزمة والتنمية، وبناءً عليه لم تُوضع معايير للتفريق بين المراحل الثلاث؛ نظرًا إلى صعوبة وضعها. اتباع الدول المانحة على مستوى التمويل نهجًا تجزيئيًّا لا يحقق التكامل بين التدخلات المتنوعة، بل تكون التدخلات متضاربةً أحيانًا، تتبع أولويات برامج المعونة الخارجية للدولة المانحة من دون الأخذ في الاعتبار أولويات الدولة المتضررة17. عمليات إعادة الإعمار تواجه عادةً عدم ثبات الدعم الدولي للجهود المبذولة، فهو متغير من مرحلة إلى أخرى، ويعتمد أيضًا على متغيرات مختلفة، منها تحوّل اهتمام المانحين وتمويلهم من جهة إلى أخرى حالَ وقوع أزمات أخرى في العالم. عند الرجوع إلى أدبيات إعادة الإعمار ما بعد الحرب نلاحظ شيوع استخدام بعض المصطلحات مثل: "تحقيق الاستقرار في مرحلة ما بعد انتهاء النزاع"، إذ يعكس هذا التعبير أهدافًا محدودة، في نطاق اعتماد الجيوش ووحدات تحقيق الاستقرار التابعة لوزارات الدفاع والحرب له، مثل الهيئة المشتركة بين الوكالات التابعة للحكومة البريطانية في دول ما بعد النزاع والدول الهشّة18. ويعبّ هذا المصطلح، الذي ظهر في سياق "الحرب على الإرهاب" والأعمال العسكرية الدولية في أفغانستان والعراق، عن تفضيله إرساءَ الأمن الأساسي؛ إذ تُعدّ الأنشطة الإنسانية بمنزلة حماية للقوة ودبلوماسية عامة، بدلً من مجالات مدنية أكثر شمولً، مثل الإدارة السليمة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. وعلى النقيض من ذلك، اتجه مجتمع المساعدات الإنسانية إلى اعتبار أنّ مصطلح "التنمية في مرحلة ما بعد النزاع" يعكس الحاجة إلى تركيز تلك الأنشطة على الأهداف الإنمائية، بدلً من التركيز على مزيد من الشواغل ذات التوجه السياسي، مثل إرساء الديمقراطية أو إصلاح قطاع الأمن19. وفي هذه الورقة، يعتمد الباحثان مصطلح "الإنعاش" لما ينطوي عليه مصطلح "إعادة الإعمار" من نقاط ضعف سبق ذكرها، وكذلك لطبيعة الحد الأدنى من "تحقيق الاستقرار" المصاحبة للأعمال العسكرية.
ثالث ا: السياق التاريخي للإنعاش بعد الحرب
عادة ما تثير صياغة إستراتيجية شاملة للإنعاش بعد انتهاء الحرب جدلً حادًّا، فأي إستراتيجية يجب أن تتواءم مع الأيديولوجيات والفئات الاجتماعية والحقبة الزمنية والثقافات المختلفة، معتمدةً على طبيعة الصراع ومدى الضرر الواقع. ويجب أن يضع كل بلد متضرر الإستراتيجية الوطنية الخاصة به للإنعاش20. توصف إستراتيجية الإنعاش بعد الحرب بأنها مجموعة متنوعة من المعارف التي تساعد على تحديد أهم المهمات التي يجب تنفيذها في كل مرحلة من مراحل إعادة الإعمار، مبينةً نوع الاحتياجات من الموارد ومقدارها وموقع أنشطة الإنعاش21. وتتضمن الإستراتيجية تحديد الغايات والأهداف، وتحديد الأولويات والمهمات وسياسات التنفيذ. وتختلف خطة الإنعاش عن أي خطة عمل في ظروف طبيعية ومستقرة22؛ إذ تتطلب أن تدار موارد البلد بطريقة
اﻟﻨﺰاع
متسقة وناجعة، وبأفضل طريقة لاستثمار الموارد المتاحة (البشرية والمالية وغيرها) اللازمة لبلوغ الأهداف23. تمثل خطة الإنعاش "البداية السريعة" لإعادة البناء على المدى الطويل، فهي أداة تنفيذية لتنظيم البرامج والمشاريع المتصلة بالتنمية وتقديمها في إطار تخطيط متماسك وإطار وطني.
وعلى النقيض من ذلك، تشتمل الأدبيات على آراء تتعارض تمامًا مع الطرح المذكور آنفًا، ولا ترى أي قيمة للتخطيط لعمليات الإنعاش بعد الحرب، إذ يتم تبني الرأي القائل إنّ البلدان الخارجة من صراع
مطوّل عاجزة عن وضع خطة يمكن التحكم فيها. فالبلدان الخارجة من حرب ضروس عادة ما تعاني فقرًا مدقعًا ومحدودية موارد، لا سيما البشرية منها. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي خطة إنعاش تكون احتمالات نجاحها ضئيلة. وكثيرًا ما تفتقر هذه الدول إلى الأدوات والوسائل اللازمة للتنفيذ. ومع ذلك، فإن الباحثيَن مقتنعان في جميع الحالات بأن البلدان الخارجة من الحرب تحتاج إلى رؤية لإدارة أنشطتها الإنمائية والتعميرية. على أن أي خطة يجب أن تكون متعددة الاستعمالات وأن تتّسم بالمرونة، وأن تكون شاملة على نحو كافٍ، لتلائم احتياجات قطاعات الإدارة السياسية ومستوياتها المختلفة؛ أي أن تكون قادرة على استيعاب مزيج متغير من المشكلات الناشئة. ويمكن القول إن الخطة ضرورية جدًا بالنسبة إلى بلد يشرع في مهمة كبيرة للإنعاش بعد الحرب24. يجزم الباحثان أنه لا توجد خطط ثابتة لإعادة الإعمار بعد انتهاء الصراع25. وذكر مشروع مجتمعات الحرب أنه "في حين أن الأهداف والتحديات والمشاكل 'الفنية' متشابهة في حالات ما بعد الصراع، والسياق السياسي وتكوين الأطراف الفاعلة، فإن نوعية العلاقات وطبيعتها بين الجهات والمؤسسات هي فريدة من نوعها[...]المبادئ التوجيهية المتعلقة بالأولويات وطرق النهج يمكن أن تصاغ." فالمجتمعات المختلفة تواجه مشكلات مماثلة عند الخروج من الحرب26، ولكنّ نقل السياسات الناجحة من بلد إلى آخر يبدو أمرًا مستحيلً. ومع ذلك ينبغي لنا التعلم من النجاحات والفشل في الماضي27. يرى الباحثان أن التوصيات للمستقبل يجب أن تأخذ في اعتبارها ما مر به العالم من تجارب لإعادة الإعمار في العقود السبعة الماضية، أي منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. وبناءً عليه، يقدم الباحثان عرضًا تاريخيًّا لأهم المراحل التي مر بها الإنعاش بعد الحرب. ويستخدم الباحثان، في هذه الورقة، أربعة معايير أساسية للتمكن من تحليل السياق التاريخي للتدخل ما بعد انتهاء النزاعات، إذ يكون تميّز كل عصر ممّ سبقه، أو ممّ يليه، بناءً على عدد من المعايير التي تشمل: القطاعات الرئيسة للنشاط. الجهات الفاعلة الحاسمة أو الناشئة. المقاصد والأهداف والمستفيدين النهائيين. التركيز النسبي على مؤسسات الدول المستفيدة وعلاقتها بالجهات الفاعلة الدولية. واعتمادًا على هذه المعايير، يحدد الباحثان أربع مراحل أساسية مر بها الإنعاش بعد الحرب بدءًا من الأربعينيات من القرن الماضي حتى وقتنا الحالي، وهي كالتالي:
المرحلة الأولى: مرحلة خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية
ما زالت خطة مارشال تُعدّ في نظر كثير من المحللين والمتخصصين الخطة الأكبر طموحًا في التاريخ لإعادة بناء أوروبا المدمّرة بعد الحرب العالمية الثانية، إذ قدمت الولايات المتحدة معونةً وديةً كبيرة لإعادة بناء أوروبا، تاركةً لحكومات البلدان المتضررة تحديد أولويات الإنفاق من دون تدخل منها. كانت المعونة ترمي إلى استئناف التجارة عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، وانطوت على درجة كبيرة من الثقة بالمستفيدين منها. فقد جسدت خطة مارشال مفهومًا ناضجًا مفاده أن المسؤولين في تلك البلدان كانوا هم الأنسب والأقدر على توجيه عملية إعادة بناء بلدانهم. فلم يكن مناسبًا على الإطلاق أن تتعهد الحكومة الأميركية وتضع من جانب واحد برنامجًا يهدف إلى مساندة أوروبا في التعافي اقتصاديًّا؛ لأنها مسألة تخص الأوروبيين في المقام الأول، كما قال جورج مارشال: ف "دور هذا البلد [الولايات المتحدة الأميركية] يجب أن يتألف من مساعدات ودية ينبغي ألا يكون للعواطف والتحيزات السياسية أيّ دور فيها"28. تفتقر التدخلات المعاصرة إلى هذا المفهوم، إذ يخطئ من يعتبر أن خطة مارشال استمدت قوتها من حجم التمويل الضخم الذي تم ضخه فقط (نحو 120 مليار دولار أميركي في وقتنا الحالي)، علمً أنّ تقديم جهة مانحة واحدة، أو مجموعة من المانحين، تمويلً بهذا الحجم لتمويل عمليةِ إنعاشٍ بعد الحرب لم يحدث تاريخيًّا قبل خطة مارشال أو بعدها29. يرى الباحثان أن الخطة استمدت نجاحها من طريقة تقديم المساعدة إلى الدول الأوروبية التي دمرتها الحرب، وليس من حجم المبلغ الذي ساهمت به الولايات المتحدة الأميركية فقط؛ لأن الطريقة هي التي تحدد أي عملية إنعاش، وهي التي تحسم نجاحها
أو فشلها. ويرى الباحثان، أيضًا، أن خطة مارشال رسّخت مفهومًا مهمًّ؛ هو أن إعادة إعمار بلاد العدو المهزوم غالبًا ما يصبّ في مصلحة الطرف المنتصر. وإذا أخذنا حالة ألمانيا واليابان، مثلً، فإنّ الولايات المتحدة دعمت إعادة إعمار البلدين كليهما، ليصبحا فيما بعد حليفين رئيسين للولايات المتحدة، وقامت كل منهما بدعم مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية والاقتصادية والتجارية في أوج الحرب الباردة. ومن الجدير ذكره أن الخطة وضعت استثمارات كبيرة في مشاريع البنية التحتية العابرة للأقطار؛ ما اقتضى التعاون مع أعداء الأمس "شركاء اليوم"؛ لتحفيز التكامل والتعاون الاقتصاديَيّن بين الدول الأوروبية. والدرس الذي نستخلصه من خطة مارشال، هو أنه لضمان تحقيق أثر فعال من إعادة الإعمار ينبغي ضخ استثمارات كبيرة تستهدف إعمار البنية التحتية وخلق فرص عمل على نطاق واسع، مع الأخذ في الاعتبار التعاون مع أيّ طيف من الأطياف السياسية وعدم تهميش أيٍّ منها. يتبين من الشكل)2(لأحد عشر بلدًا مزقتها الحرب أن الإنفاق المشترك وغير العسكري، خلال السنتين الأوليين من مرحلة ما بعد انتهاء النزاع، قد بلغ صافي مجموعه نحو 32 مليار دولار، أو ما يعادل 1.45 مليار دولار سنويًّا لكل منطقة في مرحلة ما بعد انتهاء النزاع30. وقد اختلف معدل الإنفاق الفعلي على نطاق واسع فيما يتعلق بنصيب الفرد من الدخل السنوي، إذ زاد من معدل منخفض بلغ 24 دولارًا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، ليصل إلى أقصى حد له عند 679 دولارًا أو ما يعادل أكثر من 82 ضعفًا في البوسنة والهرسك (الشكل 3)، ووصلت المبالغ المقدمة في البوسنة إلى أكثر من خمسة أضعاف المبلغ الذي تم توفيره من خلال مشروع مارشال. شهد عدد من عمليات الإنعاش الأكثر نجاحًا في البوسنة وسلوفينيا وكوسوفو مستويات عالية واستثنائية من المساعدات الدولية، ولكنها لم تشهد تحقيق نجاحات كبرى مماثلة. وشهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية وأفغانستان مستويات منخفضة نسبيًّا من هذه المساعدات، وكانت النتائج أيضًا مخيبة. وقد يبدو أن للتمويل دورًا حاسمً، ومع ذلك تظهر المفارقات على السطح؛ إذ أدى الإنفاق المتوسط نسبيًّا في ألمانيا، والمنخفض في اليابان، إلى حدوث حالات إنعاش ذات أهمية بعد الحرب العالمية الثانية، في حين أدت المستويات العالية للمساعدات، خاصة في تيمور الشرقية والعراق، إلى نشوب نوبات متجددة من الاحتقان في الأولى، وتمرد طال أمده جنبًا إلى جنب مع الاقتتال الطائفي في الأخيرة. ومن ثمّ، يمكن النظر إلى المستويات المرتفعة لتمويل المساعدات، بصفة عامة، على أنها ضرورية، ولكنها ليست كافيةً لتسهيل الإنعاش الفعال في مرحلة ما بعد انتهاء النزاع. فالطريقة التي يتم بها تقديم هذه المساعدة (ما هي الطرائق المستخدمة؟ وما هي الجهات الفاعلة التي تقدم هذه المساعدة من خلالها؟ وما هي القطاعات التي تقدم إليها؟ وما هو الغرض منها؟) لها دور حاسم في نجاح عملية الإنعاش.
المرحلة الثانية: من بناء الأمم بعد انتهاء حقبة الاستعمار إلى التحرر الاقتصادي
شهدت دول العالم الثالث في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عددًا من حروب الاستقلال. قاد عمليات بناء الدول الخارجة من الاستعمار رجال دولة تميزوا بالطموح والسعي للاستفادة من إعادة إعمار بلدانهم، لإنجاز التحديث الاقتصادي وبناء هوية وطنية مستقلة. وتركزت عمليات الإنعاش على مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق كانت عادةً تنفذها إحدى السلطات المركزية في الدولة. وكانت معظم عمليات إنعاش ما بعد النزاع في تلك الفترة تمولها الولايات المتحدة الأميركية، أو اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية31، إذ سعت هاتان القوتان العظميان، في فترة الحرب الباردة، لاستقطاب دول جديدة إلى دوائر نفوذها من خلال المساعدات المقدمة. في أواخر السبعينيات والثمانينيات، أصبحت إعادة الإعمار تتمحور، وبدعم الجهات الدولية المؤثرة، حول التحرر الاقتصادي في أماكن مثل السودان ومصر وموزمبيق وأميركا اللاتينية وأماكن أخرى32. وشجعت الجهات الفاعلة الدولية، ولا سيما البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، البلدان النامية وتلك المتأثرة بالنزاعات، عبر فرض اشتراطات مشددة على المساعدات، على ما يلي: تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي عن طريق التحكم في التضخم والحد من العجز المالي. فتح اقتصادات الدول أمام بقية العالم عن طريق تحرير التجارة وتحرير حسابات رأس المال. تحرير المنتجات المحلية وأسواق عناصر الإنتاج عن طريق الخصخصة وإلغاء الضوابط التنظيمية.
واستندت هذه التحولات الاقتصادية إلى فرضية أن "أضمن أساس للسلام داخل الدول وفيما بينها يتمثل في ديمقراطية السوق، أي نظام حكم ديمقراطي ليبرالي واقتصاد موجه نحو السوق"33. اشترط هذا البرنامج أن يكون هناك تفاعل وثيق مع مؤسسات الدول المستفيدة، على الرغم من أنه كان يهدف أساسًا إلى خفض الميزانيات وكشوف المرتبات العامة، ويهدف أيضًا إلى تهميش الدولة في الشؤون الاقتصادية وغيرها من الشؤون العامة. كان هذا التدخل مدفوعًا أحيانًا من قوات الحرب الباردة نفسها التي خففت من وطأته. وكان يُنظر إلى التكييف الهيكلي على أنه علامة على الولاء للديمقراطية الليبرالية ومعارضة للزحف الشيوعي، وذلك على الرغم من تمكن قادة عدد من البلدان النامية من موازنة الضغوط الأميركية والسوفياتية لتعظيم قدرة بلدانهم على الحصول على المساعدات الخارجية وتحقيق الاستقلال السياسي المحلي بها34. يرى الباحثان أن التحرير الكلي للاقتصاد لم ينجح في كثير من الأحيان في تحقيق الاستقرار والنمو الاقتصادي الذي بشر به مؤيدوه؛ فقد أدت برامج "التكييف الهيكلي" في السلفادور ونيكاراغوا وغواتيمالا إلى زيادة احتمال الارتداد إلى حالة النزاعات، حيث كانت سياسات صندوق النقد الدولي سببًا في نشوب النزاعات في السودان عام 1985، وزامبيا عام 1990، وكذلك في اندلاع الاضطرابات المدنية في غرب أفريقيا وشمالها. لقد أثبتت الدراسات أن بعض الترتيبات كان لها أن تخفف من التأثير الضار المحتمل لبرامج التكييف الهيكلي، إذ اتُهمت هذه البرامج بمحاباة النخب وتهميش الفئات الأكثر ضعفًا، ما أدى إلى ظهور ردود أفعال مناهضة للنموذج الاقتصادي التحرري للتنمية في البلدان النامية، وكذلك في البلدان الخارجة من النزاعات. وهذا كان دافعًا لظهور المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة في المجال الإنساني لتخفيف الآثار الناتجة من فقدان الإعانات من المؤسسات الحكومية35. وفي ظل ردود الأفعال المناهضة السالفة الذكر، ظهر نموذج "التنمية البشرية المستدامة" أو "النهج الذي يتمحور حول الإنسان" الذي ركز على المشاركة والشراكة وتحسين معيشة المجتمعات المتضررة. وأدى النموذج الجديد إلى اقتراح شراكة توافقية بين المنظمات الدولية والوكالات المانحة، والحكومات المستفيدة والمجتمع المدني، معتمدًا على تأثيره الخاص في بيئات ما بعد انتهاء النزاع في أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا36.
المرحلة الثالثة: التدخل في شؤون الدول بعد انتهاء الحرب الباردة
زادت التوترات في العالم مع انتهاء الحرب الباردة وانخفاض الدعم الخارجي للبلدان الحليفة للقطبين الكبيرين، وضعفت سلطة الدولة في كثير من البلدان، وانتشرت دعوات المطالبة بالحكم الذاتي وتقرير المصير، إذ شهدت فترة التسعينيات من القرن الماضي اندلاع 110 حروب دولية وأهلية، وخلال الفترة 1989 - 0002، أدى نهاية بعضها إلى استحداث بلدان جديدة من دول الكتلة الشيوعية السابقة37. وُضع مفهوم الدولة التقليدي موضعَ تساؤل إثر توسع مفهوم التدخلات في أوضاع ما بعد انتهاء النزاعات توسعًا سريعًا، ونُظر إلى الدول التي لم تتمكن من كبح أعمال العنف العرقي والإبادة الجماعية، كما هي الحال في رواندا ويوغسلافيا السابقة، على أنها لا تستحق مبدأ السيادة الذي ابتدعه نظام وستفاليا ورُسّخ في مواثيق الأمم المتحدة التأسيسية38. ويتضح هذا في صعود الإدارات الدولية داخل البلدان التي مزقتها الحرب، والتدخل المثير للجدل في كوسوفو في عام 1999. وكان أهم ما يميز هذه الحقبة هو ضعف ردود الأفعال "الشعبية" المناهضة للتحرر الاقتصادي، إذ توحدت الجهات الفاعلة في المجال الإنساني والجهات ذات التوجه الإستراتيجي حول مفهوم مسؤولية الحماية. وأصبحت أنشطة الإنعاش بعد انتهاء النزاع خلال هذا الوقت واسعةً وعميقةً على نحو متزايد، وذلك من خلال عمليات حفظ السلام، ونزع السلاح والتسريح، وإعادة إدماج المقاتلين السابقين، والجوانب الأخرى المختلفة لإصلاح قطاع الأمن بوصفها أنشطة أساسية في ظروف ما بعد النزاع39. بيْد أن معظم الأنشطة ظلت تحت سيطرة المنظمات غير الحكومية التي زاد عددها دوليًّا على 15,000 منظمة40. بدأت هذه المنظمات في التدخل في مكونات النسيج المجتمعي لمجتمعات ما بعد النزاع، وخصوصًا فيما يتعلق بالعلاقات بين المكونات المجتمعية المختلفة
بذريعة بناء السلام المجتمعي وتحقيق العدالة الاجتماعية41. وانتشرت أنشطة العدالة الانتقالية على نحو متزايد إلى جانب الاعتقاد أن الأسباب الجذرية للنزاع تكمن في إرث مظالم الماضي. واستمرت التدخلات الاقتصادية في التركيز على دفع سياسات التحرر الاقتصادي والخصخصة، بل إنها توسعت لتضم أنشطة كسب الرزق وحوكمة صادرات المواد الأولية، كما في بيئات غرب أفريقيا الغنية بالمعادن مثل 42. وعلى الرغم من أن برامج التدخل كثيرًا ما كانت تُنفذ باسم السلام، فإن عدد سلطات المنظمات غير الحكومية وتوسعها وتمويل حكومات الدول المانحة لها يوحي بأن حكومات الدول المستفيدة كانت تُزاح عادة إلى وضع المراقب في كثير من مراحل إنعاش بلدانها، وأن هذا نقل موضوع "الحكم الرشيد" بالمواصفات الغربية إلى صدارة الأولويات. ويرى الباحثان أن الرابط المزعوم بين التكييف الهيكلي وزيادة الإنفاق الاجتماعي والديمقراطية الليبرالية والحكم الرشيد قد فقَد كثيرًا من صدقيته، إذ نظر الباحثون في أمر العلاقة المفترضة بين التحول الديمقراطي والنمو الاقتصادي، واقترحوا التمكين المتعلق بما قبل النزاع والنماذج التقليدية للحكم، سواء كانت تشاركية أو لم تكن كذلك، وهو ما يمكن أن يحقق نتائج أفضل مقارنةً بالنماذج الغربية المستوردة43.
المرحلة الرابعة: ما بعد الحادي عشر من سبتمبر
أدى الإعلان عن حرب عالمية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 0012، وتحالف قادة العالم مع الولايات المتحدة لغزو أفغانستان، إلى إعادة تنظيم قطاع المساعدات الدولية، إذ ظهرت أهداف جديدة تتعلق بمحاربة الإرهاب ونشر الديمقراطية وإعادة هيكليات الجيوش. وركزت التدخلات في أفغانستان والعراق على التخلص من البيئات الهشة المعرضة لخطر احتضان الشبكات الإرهابية، والتي صاحبها إسقاط استباقي لأنظمة الحكم المستقرة التي كان يُنظر إليها على أنها مصدر لتهديد الاستقرار الدولي. وأضحت دوافع تدخلات إعادة الإعمار تعتمد على الأسباب الأمنية على نحو متزايد؛ ليس ضرورةً على الأسباب المتعلقة بالمجتمعات المتأثرة بالحرب، بل على أسباب أكثر تعلقًا بالدول الغربية. وبات الاتجاه جليًّا نحو المشاركة في الإنعاش أثناء النزاعات وليس بعد انتهائها، وهو أمرٌ لا يمثل تغييرًا يؤثر في التوقيت فحسب، بل في قطاعات التدخلات أيضًا. وقد أسفرت الطبيعة المتطورة لاتفاقيات السلام، التي اشتملت على مواثيق للنخب بين مجموعة من المساهمين ذوي الصلة، إلى خلق حركات تمرد طال أمدها بدلً من ذلك النوع من العنف الضيق النطاق، والذي كان سائدًا بعد النزاعات في تسعينيات القرن الماضي44. يرى الباحثان أن التنفيذ المبكر للأنشطة المرتبطة بالإنعاش أدى إلى تحول المساعدة "الإنسانية"، بما في ذلك الإغاثة والإنفاق في إعادة الإعمار، ليصبحا مكونين من مكونات الاقتصاد السياسي للنزاعات. وقد أسفرت الرغبة في تضمين المساعدة بإعادة الإعمار في السياقات غير الآمنة كثيرًا إلى تحمل الجيوش الغازية تلك المهمات، خاصة من خلال فرق إعادة إعمار المحافظات PRT التي تم إنشاؤها بدايةً في أفغانستان، ثم في العراق بعد فترة قصيرة. وكانت النتيجة تنامي خشية الأفراد العاملين في المنظمات غير الحكومية، على وجه الخصوص، من أن العناصر المسلحة يمكن أن تنظر إلى أولئك المشاركين في الإغاثة والإنعاش والتطوير على أنهم جهات فاعلة في النزاع على قدم المساواة مع الجنود45. انضم القطاع الخاص إلى الجيش بوصفه وافدًا جديدًا إلى عمليات تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار بعد النزاع. وظهرت، كذلك، شركات الأمن الخاصة PSC، والشركات العسكرية الخاصة PMC في المشهد، وشاركت الأخيرة في العمليات اللوجستية وتدريب قوات الشرطة والجيش التي يعاد صياغتها بعد النزاع. كما شاركت الشركات الخاصة الأخرى في أنشطة إعادة الإعمار الأكثر تقليدية فيما يتعلق بالبنية التحتية والاتصالات والطاقة وإمداد المياه46. أثارت مشاركة القطاع الخاص تساؤلات وشكوكًا أخلاقية حول إجراءات التعاقد المبهمة. وعلى وجه الخصوص، فإن إدارة إمدادات النفط العراقية، وبيع حقوق الاتصالات في أفغانستان بقيمة أقل من قيمتها السوقية، أديا إلى تفاقم المخاوف الموجودة منذ عقود؛ فالخصخصة التي يتم تنفيذها بعد انتهاء مرحلة النزاع مباشرة يمكن أن تحدث من دون شفافية كافية، وتكون على حساب الدولة والاقتصاد، وربما يمتد أثرها فترات طويلة بعد انتهاء النزاعات. وقد أدى وجود هذه المشروعات الخاصة في مجال إعادة الإعمار على الصعيد العالمي إلى إعادة النظر في الحرب كونها نشاطًا إنسانيًّا ضروريًّا. وما يدعو إلى الأسف أنّ المؤيدين يرون أن الدمار الواسع النطاق يمثل المرحلة الأولى المنطقية من إعادة الإعمار47.
بعد انتهاء الحرب في أفغانستان عام 0022، أصدرت دورية Third World Quarterly عددًا خاصًّا حول إعادة إعمار أفغانستان، حذر فيه سلطان بركات من أن "الخطط الموضوعة لإعادة إعمار أفغانستان تتجاوز القدرات المتوفرة في البلد الممزق من الحروب، وتستبق عملية التفاوض واتخاذ القرار على الصعيد الوطني"48. وأبرز مؤلفون آخرون في هذا الإصدار الخاص مكونات أخرى لهذا النهج المتواضع والمتجذر في السياق إزاء انتعاش أفغانستان من خلال: استخدام "نهج عملية التعلم"49. السماح بتطور نماذج جديدة من الإدارة "المحلية" بدلً من فرض النماذج الغربية50. السماح للنساء الأفغانيات بالمشاركة الفاعلة في التغيير الاجتماعي51. وقد أدى عدم الرغبة في الاعتراف بهذه الدروس إلى فرض أجندة انتعاش وضعتها جهات خارجية، إضافةً إلى سرعة تدهور الأوضاع الأمنية؛ فقد شهدت الفترة 2002 - 0072 ارتفاع عدد الهجمات بالعبوات الناسفة إلى نحو 6000 في المئة، في حين تضاعفت النسبة السنوية للوفيات بين العسكريين إلى أكثر من ثلاثة أضعاف52. وإضافة إلى ما سبق، تآكلت عملية الانتعاش برمتها؛ من خلال محاربة زراعة نبات "الخشخاش"، ما حرم المزارعين الريفيين من أفضل الفرص الاقتصادية الواعدة، وكذلك أثّرت تكتيكات مكافحة التمرد في انتشار الوفيات بين المدنيين53. وفي الحقيقة، هذه المشكلات هي نتاج سلسلة الاتجاهات الأوسع نطاقًا في الانتعاش بعد انتهاء النزاع، والتي برزت في السنوات الثماني الماضية. يعتقد الباحثان أن التوجهات لم تكن كلها سلبية الأثر في فترة ما بعد 11" سبتمبر" للإنعاش ما بعد النزاع. فقد تزايدت أهمية هذا الموضوع في أوساط مختلفة، إذ تزايد عدد الجامعات التي تمنح درجات علمية عليا في دراسات الإعمار والمجالات ذات الصلة. وتم تطوير مناهج تعليمية ووحدات تدريبية في موضوعات ذات صلة به وإعدادها. وأدى عدد الباحثين العاملين في هذا المجال إلى ظهور مقاربات جديدة ومنهجيات متعددة التخصصات، إضافةً إلى تطورات منهجية أثّرت تأثيرًا كبيرًا في تطوير العمل وتوسيع آفاق العاملين في هذا القطاع. وقد شرع عدد من المجلات العلمية في إعطاء مزيد من الاهتمام للتحديات الأكاديمية والعملية الفريدة التي يشهدها الإنعاش بعد النزاعات، إضافةً إلى المنشورات الجديدة تمامًا التي تم استحداثها في هذا المجال. وازداد، أيضًا، الاهتمام الإعلامي بالإنعاش بعد النزاع، وقد ظهر ذلك جليًّا في عام 0082 عندما تم تسليط الضوء تسليطًا قويًّا على الإنعاش بعد الحرب في الحملة الرئاسية الأميركية. برزت بلدان مانحة جديدة إثر تركيز بعض النزاعات الطويلة الأمد في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، ويمكن لهذه الجهات المانحة زيادة مستوى الإنفاق العالمي في الانتعاش والتنمية، أو على الأقل الحفاظ عليه، مقابل انخفاض مساهمات الدول الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية DAC التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD54. فقد ضخت المملكة العربية السعودية 600 مليون دولار إلى لبنان بعد حرب تموز/ يوليو 0062 مع إسرائيل، كما تعهدت بتقديم مليار دولار، أي نصف المبلغ المطلوب، لإعادة إعمار غزة بعد الحرب التي وقعت بين إسرائيل وحماس في كانون الأول/ ديسمبر 0082 وكانون الثاني/ يناير 2009 55. وهذه الأرقام أكثر إثارة للدهشة نظرًا إلى أن الإنفاق السعودي الرسمي للتنمية الثنائية لم يتجاوز 58.1 مليون دولار في عام 2003 56. ولم تقدم المملكة العربية السعودية المساعدة ضمن دفعات، بل دفعتها مرة واحدة كسبًا للتقدير الدولي. وازداد مجموع المساهمات السنوية المقدمة من الجهات المانحة غير الأعضاء في لجنة المساعدة الإنمائية إلى أفغانستان ولبنان والعراق في الفترة 2003 - 0072 من 108 ملايين دولار إلى 547 مليون دولار،
مع شروع الصين والهند في الاضطلاع بأدوار رئيسة كذلك57. وإضافة إلى توفير موارد مالية كبيرة، تجلب دول الخليج، بخاصة السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية المتحدة، درجةً عاليةً من المعرفة بالسياق والوعي الثقافي والديني على وجه الخصوص58. وعلى الرغم من أنها لم تنضم بعد إلى الهيئات المتعددة الأطراف والمنظمات غير الحكومية، وأنها تراجعت عنها لمصلحة المساهمات الثنائية الأكثر وضوحًا، فإن نهج "الجهات المانحة غير التقليدية"، مثل التحويلات النقدية لإعادة إعمار المساكن التي يقودها أصحاب تلك المساكن في جنوب لبنان، تضفي نوعًا من البساطة وعدم فرض الشروط وتكاليف التسليم المنخفضة التي تخلت عنها الجهات الفاعلة الدولية "التقليدية" منذ فترة طويلة59. وعلى الرغم من ذلك، يلزم كثير من العمل لضمان التزام تلك الجهات المانحة بالمعايير الدولية الأساسية والعمل بطريقة تأخذ في اعتبارها تقليل فرص العودة إلى الحرب60. لقد برز حضور أكثر قوة من أي وقت مضى لنهج الإنعاش المرتكز على المشاركة المجتمعية للتعمير الذي تبناه البنك الدولي، والذي يطمح إلى إنجاز هدفين رئيسين هما: إنجاز سريع وفعال من حيث التكلفة والمساعدة في الإنعاش على أرض الواقع، وبناء هيكل حوكمة يشدد على المشاركة المحلية والمساءلة. ويمثل السكان المحليون والمؤسسات المحلية الجهات الفاعلة الرئيسة في تخطيط المشاريع، بناءً على فرضية أساسية للنهج مفادها أن المجتمعات المحلية في وضع أفضل لتحديد احتياجاتهم والبت في المشاريع الأكثر أولوية لتلبية هذه الاحتياجات، وكذلك إدارة الموارد والعقود وتنفيذ المشاريع وتقييم النتائج ومتابعة التنفيذ حتى الانتهاء منها. في أفغانستان، كان جليًّا أن المجتمعات المحلية تمتلك المهارات الأساسية والحوافز والقدرة على التوافق في تنفيذ مجموعة كبيرة من المشاريع على أن يتم توفير الموارد والدعم الإداري لها. ويعطى النهج، أيضًا، أولوية لعنصرين رئيسين، هما: دعم التحول الديمقراطي، وتقوية مجالس المجتمعات المحلية، بما في ذلك التدابير المتعلقة بتمثيل النساء والشباب والمجموعات الأكثر ضعفًا، وكذلك توفير الموارد في شكل منح جماعية مباشرة إلى المجتمع المحلي61. إن أهم ما يميز هذا النهج هو إمكانية الشروع فيه حتى قبل انتهاء العمليات العسكرية. فالانتقال من الحرب إلى السلام ليس عملية سلسة أو موحدة في كل بلد؛ ذلك أن الظروف تختلف بين منطقة وأخرى في البلد نفسه. فهذه منطقة قد عمّها السلام، وهذه منطقة ما زالت تعاني حربًا ضروسًا. هنا مجتمعات آمنة، وهناك مجتمعات ما زالت في بلاد اللجوء أو فرّت من القتال إلى منطقة أخرى داخل البلد نفسه. ندرك هنا تفرد النهج المبني على مشاركة المجتمعات المحلية، حيث تُعطى الفرصة لتلبية الاحتياجات الفعلية وتحقيق فوائد السلام على الفور.
المرحلة الخامسة: ما بعد الربيع العربي
على الرغم من أن "الحرب على الإرهاب" كانت دائمًا حاضرةً بوصفها خلفيةً عالميةً لإعادة الإعمار في العقد الماضي، فإن بدء ثورات الربيع العربي في كانون الأول/ ديسمبر 0102 أدخلت الإنعاش بعد النزاعات مرحلة جديدة، إذ تشير الدراسات إلى انخفاض عدد النزاعات المسلحة منذ عام 1950 مع ارتفاع شديد في عدد الحروب الأهلية في بداية التسعينيات من القرن العشرين، والتي انخفض عددها منذ ذلك الحين. إلا أن منطقة الشرق الأوسط تعد استثناءً لهذا الاتجاه من خلال العدد المتزايد من النزاعات المسلحة في القرن الحادي والعشرين؛ إذ اشتدت النزاعات المسلحة في العراق وسورية واليمن وليبيا على نحو كثيف، وكانت السبب الرئيس في اعتبار عام 0162 العام الأكثر دموية على الصعيد العالمي، مقارنةً بما يتعلق بالوفيات المرتبطة بالنزاعات خلال 52 عامًا62. في عام 0172، حققت أعداد النزوح رقمً قياسيًّا، حيث رصدت الإحصاءات العالمية نزوح 65.3 مليون شخص، لكن ما نسبته 70 في المئة من هذا الرقم الإجمالي هم نازحون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا63. ومهّد الانهيار في سلطة الدولة، الذي تميزت به الصراعات في اليمن والعراق وسورية وليبيا ومصر، الطريق لازدهار الجماعات المتطرفة؛ بما في ذلك الدولة الإسلامية. وقد صدر الإذن بإنشاء منطقة حظر طيران في ليبيا عام 0112 من خلال قرار مجلس
الأمن التابع للأمم المتحدة التي تجاوزت نطاق اختصاصها بطريقة دعت النقّاد إلى النظر إليه على أنه تدخل عسكري كامل64. نتيجة الحرب الأهلية الليبية، تضاءلت احتمالات التدخل العسكري المتعدد الأطراف لمصلحة تغيير النظام بشدة. وع وااةً على ذلك، يعمل المجتمع الدولي في ليبيا بعد انتهاء النزاع مع القذافي على جهود بناء السلام، بما يشبه تلك الجهود التي ظهرت في العراق أو أفغانستان. وقد اتخذ التدخل منحى جديدًا نراه واضحًا في الدعم المقدّم إلى الحكومة العراقية لمواجهة تهديد الدولة الإسلامية، أو تدخل روسيا لدعم نظام الأسد في سورية، أو التدخل الذي قادته السعودية في اليمن. وقد تميزت هذه الحقبة بما يلي: موقف الغرب، فيما يتعلق بالصراع في المنطقة العربية، ينطلق من أنها مشكلات عربية داخلية، والأَولى أن يتعامل العرب وحدهم معها وتبعاتها. نشوء نهج جديد للتدخل المناطقي أدى إلى أن يبدأ الإنعاش في منطقة معينة من بلد ما، والتي تتمتع بإمكانية وصول برامج إعادة التأهيل والإنعاش المبكر وبدء عملها فعلً، بينما يكون باقي البلد تحت ظروف مريرة بفعل الحرب. سيادة نمط جديد من التدخلات غير المجدية في هذه الحقبة، تركز على تعزيز الأمن فقط، من دون الشروع في بناء القدرات في القطاعات المختلفة. الاهتمام بدول الجوار (لمناطق الحروب) أدى إلى التركيز على دعم برامج الخدمات في الدول المستضيفة للاجئين؛ لدعم قدراتها على الإيفاء بحاجات اللاجئين وتدعيم السلم المجتمعي. العودة إلى أجواء الحرب الباردة وظهور لاعبين جدد في مسرح إعادة الإعمار؛ مثل روسيا والصين والبرازيل وتركيا وإيران. تزايد أعداد الخبراء العرب العاملين في المنظمات الدولية المنفذة لبرامج المساعدات الإنسانية وإعادة التأهيل والإعمار. تزايد أهمية الجهات المانحة من دول الخليج في السنوات الأخيرة. فإضافةً إلى الموارد الضخمة، فإن الجهات المانحة في الخليج توفر درجةً عاليةً من القرب السياقي والثقافي والديني لسورية والعراق وليبيا واليمن وفلسطين ولبنان. يعتقد الباحثان أن المانحين الخليجيين يتميزون من المانحين الغربيين بأن الكيانات المانحة الخليجية لم تقم بدمج نفسها في الكيانات والمنظمات غير الحكومية المتعددة الأطراف، والتي تجنبتها تلك الجهات من أجل المساهمات الثنائية الأكثر وضوحًا. وتوفر منهجيات الجهات المانحة "غير التقليدية"، مثل التحويلات النقدية من أجل إعادة إعمار المنازل في جنوب لبنان، ذلك النوع من البساطة وعدم فرض الشروط وتكاليف التسليم المنخفضة التي هجرتها العديد من الجهات الفاعلية الدولية "التقليدية" منذ أمد بعيد.
خاتمة
استنادًا إلى ما تقدم، ومع الأخذ في الاعتبار معطيات السياق العربي واحتياجاته المهولة إلى إعادة الإعمار في المنطقة، في سورية واليمن وليبيا والعراق وفلسطين والسودان والصومال، هناك ملايين الشباب الذين يمثلون مستقبل هذه المنطقة في حاجة إلى فرص عمل، تتطلب توفر إمكانات مالية وحاجة إلى المستثمرين العرب للاستقرار والبدء في الاستثمار الاقتصادي في المنطقة. ويؤمن الباحثان بأنه قد حان الوقت للعمل على بناء إستراتيجية عربية موحدة؛ للتعامل مع التحديات التي تواجهها عمليات إعادة إعمار البلدان المنكوبة بالحروب. ويرى الباحثان أن هناك حاجة ملحّة إلى منهجية جماعية للدول العربية تكون أكثر انضباطًا والتزامًا. ويتطلب هذا السياق من المنطقة أن تفكر تفكيرًا إبداعيًّا في كيفية التعامل، على نحو أفضل، من أجل الاستفادة من الموارد المتاحة لها، وخلق حالات التآزر عبر منهجية تعاونية من أجل إيجاد حلول للنزاعات ولحالة الهشاشة التي ما زالت بلدان كثيرة من العالم العربي تعانيها. وينبغي للتغييرات الأساسية في النظم السياسية والاقتصادية للبلدان التي مزقتها الحروب، عندما تكون مرغوبةً فيها، أن تعكس الاستعداد الداخلي والقدرة على إدارة هذه التغييرات أيضًا، بدلً من إملاءات المجتمع الدولي وتوقعاته المضخمة. ويرى الباحثان أن اتباع هذه "التوصيات" سوف يؤدي إلى انتعاش أكثر فاعلية، ويقلل من احتمالات عودة النزاع. ويقترح الباحثان الشروع الفوري في: استثمار جهد كبير للوصول إلى حل النزاعات بأيدٍ عربية، وبآليات عربية أيضًا، بما يتوافق مع مصالح العالم العربي. إنشاء وكالة عربية متخصصة لإعادة الإعمار في العالم العربي، لتستفيد بفاعلية من وفرة الموارد والقدرات المتاحة في المنطقة العربية، ولا تتعامل فقط مع المخاوف الإنسانية والاحتياجات الأساسية، ولكنها تحفز خلق الوظائف الجديدة وإطلاق العنان للنمو الاقتصادي. تسهم الوكالة في تعزيز ثقافة البحث العلمي وربط العمل البحثي بالممارسات العملية، لتحقيق أكبر استفادة من الجهود البحثية العربية في مجال إعادة الإعمار بعد الحرب.
ويرى الباحثان وجوب اقتران أي عمل جاد بالعمل البحثي الموجه، والاستفادة من تجارب البلدان التي مرت بتجارب مشابهة؛ ف "العلم هو الوسيلة الوحيدة للحاق بركب البلدان المتقدمة". العمل على تجاوز التحدي الناشئ بسبب الاختلافات الأمنية والثقافية في حالات ما بعد النزاع، من خلال تحسين تبادل البيانات وإدارة المعلومات بين الباحثين وبين الحكومات المتلقية والمانحة والمؤسسات المتعددة الأطراف والمنظمات غير الحكومية على حد سواء. وللتغلب على ندرة البيانات وتحسين نوعية البحوث الجارية وتمكين صنع السياسات والبرمجة القائمة على البيانات، يمكن إنشاء نظم لتركيز البيانات، في حين يمكن تحقيق التوازن بين الجودة وعدم الكشف عن هوية المصادر، ويمكن لجميع أصحاب المصلحة المعنيين توقيع اتفاقيات لفرض استخدامها. تساعد الوكالة على جذب الاستثمارات العربية للاستثمار في المناطق المتضررة من الحروب بأطر إدارية مبتكرة، فمثلً يمكن للمستثمر الخليجي أن يساهم في تنمية القطاع الزراعي في السودان الذي يمكن أن يمثل سلة الغذاء لمنطقة الخليج، والتي تقوم بدور كبير فيما يتعلق بحل احتياجات الأمن الغذائي الخليجي. تنشئ الوكالة إطار عمل شاملً لإعادة الإعمار في بلد ما، حيث تقوم بتوجيه الجهات المانحة والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني وغيرهم، للتأكد من أن أنشطتهم ومساهماتهم تنطوي في إطار عمل موحد، مستخدمة لهذا الغرض أطرًا إبداعية للتنسيق والمشاركة. تقوم الوكالة بجهود الحشد الدولي والمناصرة لقضايا إعادة الإعمار، ويتطلب هذا من الجهات الفاعلة العربية استثمار الفرصة والسعي لأن تكون المنطقة ممثلةً بدرجة أكثر فاعلية في جهات صناعة القرار على المستوى الدولي. وللتأكد من تحقيق الامتثال لخطط العمل، يجب أن يتم تمكين الوكالة لفرض خطة الإعمار. ويمكن أن تقوم الوكالة بتحديد الشركاء التنفيذيين المناسبين، مع التحقق من الامتثال ومراقبة الفساد وتقييم تأثير التدخلات تقييمً مستمرًا. وعلى الرغم من درجة الاستقلالية المتوقعة للمدير والوكالة التي يترأسها، فإنه يلزم أن تكون هناك محاسبة. ويمكن أن يوفر مجلس تمثيلي، يتكون من أعضاء كل الوظائف الاجتماعية والسياسية ذات الصلة الشرعية للوكالة مع مراقبة الامتثال لأي اتفاقيات سلام سارية، القدرةَ على إنشاء أنماط للتعاون البنّاء بين الخصوم السابقين والمتوقعين في المستقبل، بما يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تحولهم إلى مؤسسات سياسية ديمقراطية. ضرورة تسهيل التنقل اعتمادًا على اللغة والتحديات المشتركة، وخصوصًا خلق الوظائف عبر المنطقة. وهذه الرؤية مفيدة وبنّاءة في منطقة تمتلك فيها الصناعات الضخمة قدرات تطويرية في سوق محتمل يضم 004 مليون شخص. ويمكن أن يكون لذلك تأثيرات دائمة في التماسك الاجتماعي، وليس في النمو الاقتصادي في المنطقة فقط.
المراجع
العربية
"التنمية والتعاون الاقتصادي الدولي: خطة للتنمية". تقرير الأمين العام للأمم المتحدة. الدورة الثامنة والأربعون..1995 "الربيع العربي: بعد مرور خمس سنوات." منظمة العفو الدولية، كانون الثاني/ يناير 016:2، في https://goo.gl/GBxQjj الببلاوي، حازم. النظام الاقتصادي الدولي المعاصر: من نهاية الحرب العالمية الثانية إلى نهاية الحرب الباردة. سلسلة عالم المعرفة 2. 57 الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.1996 البنك الدولي. المرصد الاقتصادي لمنطقة ال قرر الأوسط لاا أفريقيا. "اليمن: الآفاق الاقتصادية." ربيع وش 0162، في: https://goo.gl/T7o1oJ نحو عقد اجتماعي جديد. (نيسان/ أبريل ________. 015:)2، في https://goo.gl/gcRFmv ________. اقتصاديات إعادة الإع راا بعد انتهاء ال اررع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. (نيسان/ أبريل 017)2، في: https://goo.gl/6p2xC4 التدخل الدولي الإنساني والأمم المتحدة. القاهرة خولي، معمر.: العربي للنشر والتوزيع،.2010
عبود، سامر. "وجهات نظر مُقارَنة بشأن تحدّيات إعادة الإعمار في سورية." مركز كارنيغي للشرق الأوسط. تحليل إقليمي، في: https://goo.gl/pYAt5K فالنستين، بيتر. مدخل إلى فهم تسوية الصراعات: الحرب والسلم والنظام العالمي. ترجمة سعد السعد ومحمد دبور. عمان: المركز العلمي للدراسات السياسية،.2005 فيشر، مارتينا. المجتمع المدني ومعالجة النزاعات: التجاذبات والإمكانيات والتحديات. ترجمة يوسف حجازي. برلين: مركز بحوث بروغهوف للإدارة البناءة للنزاعات،.2009 اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا.) دراسات الحسابات القومية للمنطقة العربية. النشرة الخامسة والثلاثون بيروت 017:(، في https://goo.gl/K42JrJ:2) المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR. "أرقام https://goo.gl/hPNvUq:ومعلومات"، في منصر، جمال. "التدخل العسكري الإنساني في فترة ما بعد الحرب الباردة". مركز الجزيرة للدراسات والدار العربية للعلوم. سلسلة أوراق الجزيرة. العدد 2).012(29 هويل، آرني. "التنمية المدفوعة باعتبارات المجتمعات المحلية: موجز النتائج." البنك الدولي، في: https://goo.gl/kJhANm
الأجنبية
Amirahmadi, Hooshang. "Post-war Reconstruction: A Conceptual Framework." Paper presented at the Second International Conference on the Reconstruction of War- damaged Areas. University of Teheran. Islamic Republic of Iran, 5-15/1/1991. Barakat, Sultan. "Reviving War-damaged Settlements: Towards an International Charter for Reconstruction after War." PhD thesis. University of York. York. 1993. ________. "Setting the Scene for Afghanistan's Reconstruction: The Challenges and Critical Dilemmas." Third World Quarterly. vol. 23. no. 5 (2002). ________(ed.). After the Conflict: Reconstruction and Development in the Aftermath of War. London and New York: I.B. Tauris, 2005. Barakat, Sultan & Gareth Wardell. "Exploited by Whom? An Alternative Perspective on Humanitarian Assistance to Afghan Women." Third World Quarterly. vol. 23. no. 5 (2002). Barakat, Sultan & Margaret Chard. "Theories, Rhetoric and Practice: Recovering the Capacities of War-Torn Societies." Third World Quarterly. vol. 23. no. 5 (2002). Barakat, Sultan & Steven A. Zyck. Housing , Compensation and Emergency Preparedness in the Aftermath of the 2006 'July War' in Southern Lebanon. Beirut: Norwegian Refugee Council, 2008. ________. "The Evolution of Post-conflict Recovery." Third World Quarterly. vol. 30. no. 6 (2009). ________. "Housing, Compensation and Emergency Preparedness in the Aftermath of the 2006 'July War' in Southern Lebanon." Housing Studies. vol. 26. no. 1 (January 2011). Barbara, Julien. "Rethinking Neo-liberal State Building: Building Post-conflict Development States." Development in Practice. vol. 18. no. 3 (2008). De Long, J. B. & Barry Eichengreen. "The Marshall Plan: History's Most Successful Structural Adjustment Program." National Bureau of Economic Research. Working Papers Series (November 1991). Dobbins, James et al. The UN's Role in Nation Building: From the Congo to Iraq. California: Rand cooperation, 2001. Elkahlout, Ghassan. "Post-Oslo Reconstruction of Palestine 1993-2000: From Rhetoric to Reality." PhD thesis. University of York. York. 2001. Ginty, Roger Mac & Jenny H. Peterson (eds.). The Routledge Companion to Humanitarian Action. London and New York: Routledge, 2015.
Goodhand, Jonathan. "Aiding Violence or Building Peace? The Role of International Aid in Afghanistan." Third World Quarterly. vol. 23. no. 5 (2002). Gore, Charles. "The Rise and Fall of the Washington Consensus as a Paradigm for Developing Countries." World Development. vol. 28. no. 5 (2000). Govornament of UK. Stabilisation Unit. Security Sector Stabilisation. "UK Principles for Stabilisation Organizations and Programmes." Issues Note Series (October 2014). Harmer, Adele & Lin Cotterrell. Diversity in Donorship: The Changing landscape of Official Humanitarian Aid. London: Overseas Development Institute, 2005. Hashemi, Nader. "The ISIS Crisis and the Broken Politics of the Middle East. " Institute on Culture , Religion and World Affairs (November 2016). Jackson, Matthew & Stuart Gordon. "Rewiring Interventions? UK Provincial Reconstruction teams and 'Stabilization'." International Peacekeeping. vol. 14. no. 5
John, Mueller. "The Remnants of War: Thugs as Residual Combatants." American Political Science Association (July 29, 2002). Kaldor, Mary. New and Old Wars: Organized violence in a global era. Stanford, CA: Stanford University Press, 1999. Kegley, Charles W. World Politics: Trend and Transformation. 12 th ed. Boston: Cengage, 2008. Kumar, Krishna (ed.). Rebuilding Societies after Civil War: Critical Roles for International Assistance. London: Lynne Reinner, 1997. Newman, Edward. "The 'New Wars' Debate: A Historical Perspective is Needed." Security Dialogue. vol. 35. no. 2
OECD. "The Marshall Plan: Speech at Harvard University, 5 June 1947." at: https://goo.gl/BzS2af Paris, Roland. "Peacebuilding and the Limits of Liberal Internationalism." International Security. vol. 22. no. 2
Singh, Ajit. "Aid Conditionality and Development." Development and Change. vol. 33. no. 2 (2002). Stiefel, Matthias. "Rebuilding After War: A Summary Report of the War-Torn Societies Project." UNRISD (December 1998). Strengthening Conflict-Sensitive Business Practices in Vulnerable and Conflict-Affected States. New York: United Nations Development Programme, 2004. Zyck, Steven A. "Former Combatant Reintegration and Fragmentation in Contemporary Afghanistan." Conflict, Security & Development. vol. 9. no. 1 (2009).