في الهندسة الانتخابية للمراحل الانتقالية:
الملخّص
تندرج هذه الدراسة ضمن الاهتمام الذي حظيت به الظاهرة الانتقالية لدى مختلف الباحثين في حقل دراسات الانتقال، وتتناول ذلك من زاوية ترك ز على المسألة الانتخابية غداة الثورة التونسية عام 2011. وتعتمد مزاوجة منهجية بين المعطيين القانوني (النصوص الكبرى للمرحلة الانتقالية) والسياسي (الحدث والفعل والخطاب السياسي.) وتحلل مثال ا محددًا، هو انتخابات المجلس الوطني التأسيسي عام 2011، ساعية لتفعيل أداة مفهومية مستحدثة، هي مفهوم "الهندسة الانتخابية"، وإعمالها في التجربة الانتقالية في تونس. وتتصدى هذه الدراسة الإشكالية: أي هندسة انتخابية للتجربة الانتقالية في تونس؟ وخلصت إلى أن الهندسة الانتخابية في تونس عبرت من الهندسة الانتخابية التسلطيّة إلى الهندسة الانتخابية الديمقراطية، وأنه كان ثمة خصوصية للهندسة الانتخابية للمرحلة الانتقالية الأولى، تأتّت من طبيعة مدخلاتها المجتمعية القائمة على نوعية الاستحقاق الانتخابي وتغيّر الفاعلين السياسيين والتحولّات الطارئة على الحقل السياسي. كلمات مفتاحية: الانتقال الديمقراطي، الهندسة الانتخابية، تونس، انتخابات المجلس التأسيسي 2011. This study fits into a broad category of scholarship concerned with transitional periods in various political systems. Specifically, it examines the political transition in post-revolutionary Tunisia since 2011. It does so by comparing the legal provisions of the post-revolutionary transition - the major texts, which define the transitional stage - and the political realities, which take the shape of events, actions and political discourse. A point of particular focus is the 2011 elections to the National Constituent Assembly, which the author analyzes through the rubric of "electoral engineering". One more conclusion of the paper is that electoral engineering remains a feature of Tunisian politics, although it has gone from "authoritarian electoral engineering" to "democratic electoral engineering," reflecting changes which have taken in the country as a whole. Keywords: Democratic Transition, Electoral Engineering, Tunisia, Constituent Assembly Elections 2011.
انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في تونس مثالا
Electoral Engineering in the Transitional Phase:
The National Constituent Assembly Elections in Tunisia as a Case Study
مقدمة
مثلت الانتخابات في التاريخ السياسي التونسي المؤشّ لتحولّاته البطيئة منها والمتسارعة، فعادة ما كانت المحطات الانتخابية في تونس تالية أو سابقة أو متزامنة مع لحظات سياسية مهمة مترافقة مع تعديلات تشريعية أو دستورية عمومًا1. فلم يكن النظام الانتخابي بمعزل عن النظام السياسي التونسي؛ إذ استبطن طبيعته وتَ ثَّل خصائصه في مختلف المراحل التي مرّ بها منذ الاستقلال إلى الآن، وخلالها مثّل النظام الانتخابي، بوضوح لافت، أداة سياسية بامتياز لتوظيف البناء المؤسساتي وتوجيه الحياة السياسية، وتشكيل المشهد السياسي، ونحت المشهد الحزبي، وقد كان ذلك عبر تصميم قوانين انتخابية بحسب "الطّلب" السياسي وعلى "المقاس" السلطوي2. ويمكّن هذا التعامل الأداتي مع القانون الانتخابي من تأصيل مفهوم الهندسة الانتخابية في الحالة التونسية3 ويكرّس إمكان توطينه فيها؛ إذ إنه يستوعب بامتياز مفهوم الهندسة الانتخابية بما هي تصميم إرادي واعٍ للنظام الانتخابي على نحو يستجيب لمُدخلات محيطه العام، ويوجَّه إلى إنتاج مخرجات محدّدة قصد المساهمة في تشكيل بناء مؤسساتي وسياسي مضبوط4. غير أن مقبوليّة مثل هذا التوجه تبدو موضع جدل باعتبار الانتقادات الموجّهة، عمومًا، إلى مفهوم الهندسة الانتخابية5 التي تتصل بموضوعيّته ومشروعيّته. فمن حيث الموضوعية، فإن ما يُعاب على مفهوم الهندسة الانتخابية هو النزعة الوثوقية والطابع العقلاني اللذان يعتبران أن هندسة الواقع السياسي ممكنة من خلال التعرّف إلى القواعد والآليات التي تسيّ فاعليه ومؤسّساته6. فهو من جهة، تصوّر منقول عن العلوم الصحيحة، لا يصحّ سحبه عمومًا على ما هو من مجال العلوم الإنسانية؛ باعتبار حيويّة الظاهرة الاجتماعيّة وتشعّبها بما يجعلها عصيّة على التنميط والنمذجة. ثم إنّه من جهة أخرى، تصوّر يغفل أهمية العنصر الثقافي في بناء المؤسسات؛ باعتبار أن النظام الانتخابي هو منتج وليد ثقافته لا يمكن استيراده. أما من حيث المشروعية، فإن الهندسة الانتخابية تقوم، في جوهرها، على مفارقتين. تتّصل المفارقة الأولى بمدى المشروعية الديمقراطية لأسسها؛ وذلك بالنظر إلى البعد "الإرادويّ" الفوقيّ المُسقط والنزعة التوجيهيّة الغالبيَن عليها، فضلً عن الطبيعة غير التمثيلية، أحيانًا، للهياكل المتكفلة ببلورتها، من دون أن نغفل "الحساسيّة" السياسية تجاهها، باعتبارها مرتبطة عادة بالمؤسّسات الدوليّة لدعم الديمقراطيّة ضمن برامج الإعانة الانتخابية، وهو ما رتّب إعادة طرح جدل أولويّة بناء المؤسسات الديمقراطية على تشكيل الثقافة الديمقراطية ومدى وجاهة ذلك. أمّا المفارقة الثانية، فتتّصل بتصوّرات الهندسة الانتخابية؛ إذ تحاول، بقصد إنجاح الانتقال وفي معادلة صعبة، أن تمازج بجرعات متفاوتة بين محدّدين رئيسين هما: الحاجة إلى التمثيليّة من جهة، ومتطلّبات الاستقرار من جهة أخرى. وهما محدّدان قد يصعب التعايش بينهما في ظلّ تعقّد الوضع الانتقالي، بما قد يدفع نحو تقديم ثانيهما على أولهما، وهو ما يعيدنا إلى المربّع الأوّل؛ أي المشروعية الديمقراطية للهندسة الانتخابية. غير أن مجمل الانتقادات الموجهة إلى مفهوم الهندسة الانتخابية يقتصر في تقديرنا على الدرجة لا على الطبيعة. فالهندسة الانتخابية هي أساسًا مقاربة وظيفية للمسألة الانتخابية، تستبطن في جوهرها تجويد النتائج المرجوة من عملية التصميم الانتخابي؛ أي إنها ليست مقاربة رياضية هندسية بحتة في الأصل، إنما هي محاولة
لتحسين الأداء بما يتوافر من مقاربات ممكنة. ثم إنّ وجود الهندسة الانتخابية لا يعني أنها العامل الوحيد المحدد في الأنظمة الانتخابية؛ فهي بمنزلة تجميع مجمل العوامل الظرفية والمجتمعية وغيرها من التي يستوجب أن تدخل في حسبان هياكل تصوّر الهندسة الانتخابية وصياغتها، وخصوصًا إذا ما كانت هذه الهياكل نابعة من الداخل غير مسقطة من الخارج. كما تبقى فاعلية الهندسة الانتخابية رهينة تفاعل قد يكون غير محسوب لهذه العوامل، ورهينة القبول السياسي والمجتمعي. وهو ما تقوم المسارات الانتقالية شاهدًا عليه، إذ لا تكاد تخلو تجربة انتقالية من إعمال الهندسة الانتخابية بأشكال مختلفة، بما يدفع إلى البحث عن تصنيفات ممكنة لها.
إنّ الدعائم الثلاث لمفهوم الهندسة الانتخابية: التصميم7 والتأثير والاستباق8، تمكّن من تصنيف التشكلات المختلفة لهذه الهندسة9. وهو ما يتمّ، في تقديرنا، باعتماد تمييز يقوم على توافر المقوّم الديمقراطي للهندسة الانتخابيّة من عدمه؛ إذ إن سياقًا مؤسساتيًا وسياسيًا ومجتمعيًا ديمقراطيًا يعدّ حافزًا لبلورة نظام انتخابي ديمقراطي، كما يكوّن حاضنًا ملائمًا لقانون انتخابي ديمقراطي، يضمن مشاركة المواطنين واختيارهم الحرّ، ويحقّق التداول السلميّ للسلطة من خلال انتخابات تنافسية حرة ونزيهة وشفافة. في حين أن بيئة مؤسساتية وسياسية ومجتمعية تسلطية، تفرز، بل تحتاج إلى هندسة انتخابية تسلّطية خادمة لمصالح المستبدّ في استمرارية الهيمنة على الحياة السياسية والسيطرة على المشهد الحزبي، وذلك ما يجري ببلورة السلطة التشريعية التابعة لقواعد انتخابية تحقّق ضمانًا استباقيًّا للنتائج من خلال توظيف التقسيم الانتخابي والتحكّم في إدارة الانتخابات وبرمجة المشاركة الانتخابيّة والتوجيه الإعلاميّ للعمليّة الانتخابية وضعف الإجراءات الرقابيّة وصوريّة الرقابة القضائيّة10. يمثّل تفعيل هذا التصنيف داخل الحالة التونسية نموذجًا تحليليًّا يتواءم مع خصائصها وخصوصياتها، كما يمكّن من تحقيب تاريخها الانتخابي. ففي التجربة التونسية، تم التحول من الهندسة الانتخابية التسلطية إلى الهندسة الانتخابية الديمقراطية، وكانت نقطة التمفصل الرئيسة بينهما هي الحدث الثوري الذي عرفته البلاد في 14 كانون الثاني/ يناير.2011 أما قبلها، لم تخرج الانتخابات التونسية عن الوصف الدّارج للانتخابات في البلدان العربية بانتخابات تسلطية11 غيّبت سؤال الحرية، ولم توفّر شرط المنافسة، ولم تتمثل رهانها الحقيقي سواء في أدواتها أو في وظائفها. لقد هندست السلطة التشريعية، في فترة الحزب الواحد ثم في فترة الحزب المهيمن، الإطارَ القانوني العام للانتخابات (القانون الانتخابي، وقانون الأحزاب، وقانون الصحافة... إلخ) فوجّهته فيما يحفظ مصلحة الحاكم دون المحكوم، في حين تكفّلت السلطة السياسية بالتطويع السياسي والتوجيه المجتمعي، فقد بقيت الانتخابات التونسية رهينة المنزلتين: إمّا شبهة "الشِبه" (أي انتخابات شبه تنافسيّة) في أحسن أحوالها، أو دونيّة "الدّون" (أي انتخابات دون تنافسيّة) في أغلب حالاتها. لقد كانت انتخابات تزيّف الرّهان الانتخابي الذي يتحدّد معناه بالوظيفة الأصيلة للانتخابات، بما هي التّداول السّلمي والدّوري للسّلطة. وهو ما لم يتحقّق بتوظيف أدوات الهندسة الانتخابية، سواء من خلال تحريف معنى التداول الذي أصبح يفيد تداول "السلطة" للسلطة وذلك في منزع تسلطي، أو من خلال طريقة التداول التي طالما تزامنت مع مناخ التوتّر والتنازع السياسي وذلك في منحى استيعابي والتفافي. وفي ضوئه، حصُرت نتائج الانتخابات بالبعد التمثيليّ، أو بالأحرى، التمثلّي للقوة السياسية المهيمنة؛ أي إن الانتخابات وإن لم تحدّد من يحكم، فإنّها تؤثر في الطريقة التي يُحكم بها. وهو ما يضفي عليها في الحقبة الأولى
للتجربة الانتخابية التونسية معاني التحكمية الواضحة في المرحلة الأولى حين حكم بورقيبة، الرئيس الأوّل للبلاد، ثم معاني المُحاصصة المحسوبة في مرحلة ثانية حين حكم الرئيس الثاني بن علي. وفي ظلها أدت الانتخابات، في الحالة التونسية قبل الثورة، وظائف لا ترتبط بالناخب بوصفها رهانًا للانتخابات، بل بالنخبة الحاكمة، كالمراقبة السياسية والتعبئة الموجهة والوظيفة التخديرية والوظيفة التواصلية والوظيفة التحكمية على مستوى المرآة الداخلية. أما على الواجهة الخارجية، فإن تنظيم الانتخابات بات سبيلً دارجًا لتلميع صورة النظام السياسي والالتفاف على الضغوط المرفقة بحزم المساعدات والديون12، غير أنّ ذلك كان إلى حين. لقد صنع تضافر حيف المنظومة الاقتصادية وانسداد الأفق الاجتماعي وتهرّؤ هامش الحريات الحدثَ الثوري الذي عرفته البلاد في 14 كانون الثاني/ يناير 0112؛ حدث فارق تمّت معه استعادة طرح المسألة الانتخابية في سياق مستجدّ، وبرؤى مختلفة باختلاف الفاعلين واختلاف زوايا المقاربة لهذا الحدث المحوري، فقد قام تطارح فقهي ترجم تجاذبًا سياسيًا واحتقانًا شعبيًا بشأن التكييف السياسي والقانوني للمرحلة، لتختلف تبعًا لذلك التصورات بشأن الاستحقاقات السياسية والمؤسساتية والدستورية اللاحقة13. وفي هذا السياق، نميز بين توجهين رئيسين، أولهما اعتبر ما وقع انتفاضة فحسب، محاولً إعادة تدوير النظام السياسي القائم تحت عنوان البقاء ضمن الشرعية الدستورية القائمة ممثلة في دستور 1959، وذلك بإدراج ممارسة السلطة السياسية إثر 14 كانون الثاني/ يناير 0112 ضمن مفهوم الشغور الوارد بالفصل 57 من الدستور في محاولة للتأطير الدستوري للانتقال داخل النظام السياسي14. وقد كان من استتباعات هذا التوجّه حصر الاستحقاق الانتخابي في تصوّر جزئي هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية في أجل أدناه خمسة وأربعون يومًا، وأقصاه ستون يومًا من تاريخ تولّ رئيس مجلس النواب مهمّ ت رئيس الدولة بصفة مؤقتة. أما التوجّه الثاني الذي دفع به الشارع السياسي ممثّلً في اعتصامَي القصبة 1 والقصبة 2، فاعتبر أن ما تحقق يمثل ثورة عنوانها الجامع؛ مشروعية جديدة، ثورية في أساسها، شعبية في عناوينها ومقاصدها، وهي مشروعية يجب أن تجد امتدادها داخل الخطاب السياسي والقانوني بوضع مجلس تأسيسي منتخب دستورًا جديدًا يضع الإطار الدستوري للانتقال إلى نظام سياسي جديد، بحيث ينزل الاستحقاق الانتخابي في تصور كلي لكونه استتباعًا طبيعيًّا للمعاني الثورية للحدث التونسي، ومقوّمًا رئيسًا للتأسيس لانتقال ديمقراطي، وذلك بوصفه شرطًا ضروريًّا لإعادة بناء المؤسسات وتجديد المشروعيات الدستورية والسياسية على أسس ديمقراطية جديدة15. وفي هذا السياق تحديدًا، رُسمت خريطة المسار الانتقالي ضمن خطيّن رئيسين: أوّلهما مواكبة الانتقال بضمان الإدارة الانتقالية للمرحلة مع تفكيك مؤسسات النظام السياسي القديم، وثانيهما تأسيس الانتقال ببناء النصوص والمؤسسات الجديدة والدائمة16. وهو ما تطلّب، انتخابيًّا، تهيئة الأرضية القانونية لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي في 32 تشرين الأول/ أكتوبر.2011 لقد استعاد ذلك، بداهة، على مستوى الساحة السياسية والحقوقية، مسألة إعادة تشكيل النصوص الانتخابية الناظمة للانتقال، بناءً على انتهاء "صلاحيّة" النصوص القديمة، أي إنه وُجدت الحاجة إلى هندسة انتخابية مختلفة وجديدة خلفيةً وأطرافًا وكيفيّةً وتصوّرًا، وذلك لكون العلاقة ثابتة بين الهندسة الانتخابية والانتقال الديمقراطي في اتجاهيها تأثّرًا وتأثيرًا؛ ذلك أنّ عبورًا ديمقراطيًّا يفترض، كما يقوم على، انتخابات ديمقراطية17. وباعتبار أنّ هندسة انتخابية جيدة تستحضر متطلبات المرحلة الانتقالية، وتقوم على معايير الحكامة الانتخابية18 ستضمن بداهة تحفيز الانتقال الديمقراطي وتفعيله، في حين أن هندسة انتخابية غير جيدة قد تساهم في سوء تقدير معايير التمثيل، ونقائص الإطار الإجرائي للعملية الانتخابية (الشرط التقني)
وضعف تمثل الواقع المجتمعيّ (ال طرر المجتمعيّ) في إجهاض الانتقال أو انتكاسه. وضمن ما ذكر، فإن النظام الانتخابي يمثّل، بخلفيته النظرية وأبعاده الدستورية وتداعياته المؤسساتية، أحدَ المفاهيم المركزية لقانون الانتقال، بل أحد مكوناته الأساسية. كما أن أهمية العملية الانتخابية بالنسبة إلى المرحلة الانتقالية وخصوصياتها تسمح بالحديث عن القانون الانتخابي للانتقال le droit électorale transition de، فكيف كانت الهندسة الانتخابية للتجربة الانتقالية في الحالة التونسية، وتحديدًا لأول انتخابات بعد الثورة؛ أي انتخابات المجلس الوطني التأسيسي؟
إن تفعيل مفهوم الهندسة الانتخابية، بوصفها أداة مفهومية مستحدثة في التجربة الانتقالية في تونس، يبيّ أن الهندسة الانتخابية للانتقال، بمناسبة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي 0112، كانت هندسة خاصة لانتخابات خاصة. وهو استخلاص يتأكد بالعودة إلى المعطى القانوني (النصوص الكبرى) والمعطى السياسي (الحدث والفعل والخطاب السياسي) للمرحلة الانتقالية. وتتجسم خصوصية هذه التجربة الانتخابية في بعدين: أولهما ذاتي، يهمّ خصوصية التجربة التونسية في حدّ ذاتها، وفي علاقتها بالتجارب المقارنة أيضًا، وثانيهما موضوعي، يهمّ خصوصية انتخابات المجلس الوطني التأسيسي باعتبارها أول انتخابات ديمقراطية بعد الثورة، ويهمّ أيضًا علاقتها بالمواعيد الانتخابية اللاحقة لسنة 0142، والتي إن اتّحدت معها في المنزع الديمقراطي، فإنها تختلف عنها في التمثلات19. والمعنى أن أسس الهندسة الانتخابية وخصائصها وتشكلاتها لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي تحدّدت بجملة من المدخلات التي ميّزت هذه المرحلة، والتي تمحورت حول المشهد الجديد، الذي تناولناه في المحور الرئيس الأول: "مدخلات الهندسة الانتخابية: في المشهد الجديد"، وهو ما كان النّتاج الرئيس لمخرجاته، إعادة تأسيس القانون الانتخابي، والذي تطرقنا إليه في المحور الرئيس الثاني: "المخرجات: إعادة تأسيس القانون الانتخابي."
أولا: مدخلات الهندسة الانتخابية: في المشهد الجديد
تبلورت الهندسة الانتخابية لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي من خلال نوعية مدخلاتها التي يمكن تبويبها على أنها مدخلات تتعلق بالمجال السياسي، وتتركز في استتباعات الانتقال (المحور الفرعي الأول: استتباعات القتال) وأخرى تتعلق بالفاعلين السياسيين وتتركز في تطلعاتهم (المحور الفرعي الثاني: تطلعات الفاعلين السياسيين.)
11 استتباعات الانتقال
يتشكل التنظيم الوقتي للسلط العمومية من مجموعة القواعد المعتمدة للتنظيم الوقتي لسلطات الدولة في فترة أزمة تتجسّد عادة في مرحلة انتقالية بين نظامين سياسيين. وتهدف هذه القواعد، ذات الطبيعة الدستورية ماديًّا والوقتية زمنيًّا، إلى تنظيم العلاقات بين مختلف السلط العمومية في هذه المرحلة. ويمثل التنظيم الوقتي للسلط العمومية بهذا المعنى تعبيرًا عن تجاوز النظام السياسي لما قبل الانتقال، ونقطة البدء لإعادة تشكيل النظام السياسي وبنائه لما بعد الانتقال، وذلك عبر تأسيس شرعية دستورية جديدة مشروطة بشرعية شعبية مستمدة من الانتخاب. وفي هذا السّياق، يمثّل المرسوم 14 لسنة 0112 المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية المؤرخ في 32 آذار/ مارس 2011 20، النصَّ/ المجال للتجربة الانتقالية التونسية في مرحلتها الأولى التي تُستوفى بانتخابات المجلس الوطني التأسيسي. كما تمثّل مضامينه الأرضية القيمية والمؤسساتية للمسألة الانتخابية.
. أ الأرضية القيمية
يندرج المرسوم 14 لسنة 0112، المتعلق بالتنظيم المؤقت للسلط العمومية من حيث المرجعية القيمية، ضمن جملة من المبادئ الدستورية والمفاهيم القانونية استهلّها في حيثياته بمبدأ سيادة الشعب "حيث إن الشعب التونسي هو صاحب السيادة يمارسها عن طريق ممثليه المنتخبين انتخابًا مباشرًا حرًا ونزيهًا" و"حيث عبر
الشعب أثناء ثورة 14 جانفي 0112 عن إرادة ممارسة سيادته كاملة في إطار دستور جديد"، وهي صياغة تؤشّ إلى استعادة الشعب لسيادته المستلبة ومطالبته بقطع النظام السياسي البائد والقطيعة مع دستوره، وقطعيّته في المناداة بدستور الثورة التونسية. كما تؤشّ أيضًا إلى استحضار مكانة الانتخاب من السيادة آليّةَ تفعيل لها وتدعو إلى استعادة الانتخاب لشروطه الأصيلة والأصلية)انتخابًا مباشرًا حرًّا ونزيهًا)، بحيث يجد الانتقال مرتكزاته القيميّة أساسًا في المعنيين الديمقراطي والتأسيسي. فالمعنى الأول هو المعنى الديمقراطي، بإعادة الاعتبار لما استلبه نظام التسلط من سيادة وحرية، وهو ما لا يمكن أن يتمّ إلا من خلال الفعل الانتخابي بهندسة تضمن شروط ديمقراطيته. وهي معانٍ ذكّر بها الفصل الأول من المرسوم 14 لسنة 0112 من زاوية النظام الانتخابي المنشود بقوله "إلى حين مباشرة مجلس وطني تأسيسي منتخب انتخابًا عامًا، حرًّا، مباشرًا وسريًّا حسب مقتضيات نظام انتخابي يصدر للغرض مهامّه." أما المعنى الثاني للمرتكزات القيمية للانتقال فهو المعنى التأسيسي في معنى كتابة دستور جديد يحدد الاتفاقية التأسيسية الجديدة ويتضمن العقد الاجتماعي الذي تستوجبه أسس الثورة وأهدافها21، وهو ما يتطلّب فعلً تأسيسيًّا جامعًا تشاركيًّا توافقيًّا إدماجيًّا ممثّلً، بما يعني ضرورة انتخاب مجلس تأسيسي واسع التمثيلية، مفتوحًا على كل الحساسيات الفكرية والمجتمعية والسياسية، وهو ما يتساوق مع الأفق المؤسساتي للانتقال22.
. ب الأفق المؤسّ ساتي
ينزّل المرسوم 14 لسنة 0112 المتعلق بالتنظيم المؤقت للسّلط العمومية المسألة الانتخابية ضمن بُعد مؤسساتي. فبتنصيص فصله الأول على أنه و"إلى حين مباشرة مجلس وطني تأسيسي منتخب يتمّ تنظيم السلط العمومية تنظيمً مؤقتًا وفقًا لأحكام هذا المرسوم"، يجد النص مداه الزمني وأفقه المؤسساتي في استكمال بناء مؤسسة المجلس الوطني التأسيسي التي ستدير لاحقًا المرحلة الانتقالية التأسيسية23؛ إذ وضع هذا الفصل، بدلالتيه الانتقالية والتأسيسية، الهندسة الانتخابية للمرحلة الانتقالية الأولى ضمن المفهوم الأمّ وهو الهندسة المؤسساتية. ومفاد هذا المفهوم الذي كان وليد تعدد التجارب الانتقالية وتدعم دراسات الانتقال، هو عملية تخطيط ورسم جمليّة أو جزئيّة لمؤسسات النظام السياسي الوليد التي تعقب، خصوصًا، حالة التحول نحو الديمقراطية أو حالات النزاع الداخلي أو الخارجي. وهي عملية مركّبة ومعقلنة وموجّهة وإرادية أساسًا، تستهدف تشكيل البناء المؤسساتي الجديد عبر هندسته دستوريًّا بوضع نظامه الدستوري وبلورة مشروعيته بهندسة نظامه الانتخابي24. ويشترط ذلك بداهة تفكيك مؤسسات النظام القديم برمزيتها التسلطية وغياب شرعيتها الشعبية وقيامها على انتخابات تسلطية غير ديمقراطية. وفي هذا الإطار، نصّ الفصل الثاني من المرسوم 14 لسنة 0112 على أنه "تحلّ بمقتضى هذا المرسوم المجالس الآتية: مجلس النواب[...]ويتولّ الكتّاب العامّون أو المكلفون بالشؤون الإدارية والمالية لهذه المجالس تصريف أمورها الإدارية والمالية إلى حين وضع المؤسسات التي ستعوّضها بمقتضى الدستور الجديد." في السّياق نفسه، ولضمان عدم عودة الرموز السياسية إلى المرحلة السابقة، وعلى الرغم من الحاجة إلى مساهمة بعضهم في ضمان العبور الانتقالي، فقد تمّ التنصيص على جملة من التحجيرات الانتخابية، وقد ضمّنت هذه التنصيصات بصفتها رسالة طمأنة سياسية لباقي الفاعلين السياسيين، على الرغم من أنّ مثل هذه النصوص الناظمة للتنظيم الوقتي للسلط العمومية، لا تحتمل، بالنظر إلى موضوعاتها الأصلية، إيراد مثلها، فورد في الفصل الحادي عشر من المرسوم نفسه أنّه "لا يجوز لرئيس الجمهورية المؤقت الترشّح لعضوية المجلس الوطني التأسيسي، كما لا يجوز له الترشّح لأيّ انتخابات أخرى بعد وضع الدستور الجديد." وفي الفصل الخامس عشر أنّه "لا يجوز للوزير الأوّل وبقية أعضاء الحكومة المؤقتة الترشّح لعضوية المجلس الوطني التأسيسي"، وإن يكن هذا هو الوجه الظاهر للتحجيرات الذي يتلاءم مع الاستتباعات الثورية للانتقال، فإن لها وجهًا ضمنيًّا ودلالة رمزية تحيل على إحدى خصائص الانتقال في تونس، الذي كان ثوريًّا في منطلقه، ودستوريًّا في تشكّله، وتفاوضيًّا في مساره أيضًا. فقد دمج جزءًا من مكوّنات المنظومة السياسية السابقة ضمنه (رئيس
الجمهورية المؤقت الوزير الأوّل وبعض أعضاء الحكومة المؤقّت)25. وقد جاءت هذه التحجيرات متفاوتة من حيث حدّتها موضوعيًّا وزمنيًّا، وعبّ ت عن موقف استباقي؛ بحيث لن يتمّ تضمين موانع الترشّح ضمن القانون الانتخابي الذي سيصدر لاحقًا، باعتبار أن نصوص التنظيم الوقتي تحتل مادّيًّا مكانة أعلى في ترتيب القواعد القانونية، لتلتقي هذه التحجيرات موضوعيًّا مع تطلّعات الفاعلين السياسيين المتخوّفين من عودة ظاهرة أو مستترة لرموز النظام السياسي القديم.
22 تطلعات الفاعلين السياسيين
لقد ترافقت المرحلة الانتقالية بصعود قوى سياسية وهبوط أخرى؛ إذ إنها أنتجت فاعليها الجدد وطوت إلى حين فاعليها القدامى، وقد كان الفاعل السياسي الحزبي هو الفاعل المحدد داخلها. وهنا عرف المشهد الحزبي في تونس غداة ثورة 14 جانفي 0112 تغييرات عميقة أثّرت، على نحو واضح، في مختلف مسارات المرحلة الانتقالية، وتحديدًا المسارين الانتخابي والتأسيسي. وهي تأثيرات قامت على التغيّ ات الكيفية التي طالت هذا المشهد. ففي مستوى أول من هذه التغيرات الكيفية، وقع الحسم والقطع مع أيّ دور سياسي حالي أو مستقبلي للتجمع الدستوري الديمقراطي؛ حزب السلطة الذي هيمن لعقود طويلة على مفاصل الدولة. فتمّ حلّه بموجب حكم قضائي مثّلت حيثياته المتميزة من جهة أولى محاكمة للهندسة التسلطية للنظام الانتخابي ولعلاقات النفعية والزبونية السياسية التي سادت قبل الثورة بين النظام السياسي والنظام الحزبي. كما شكّلت حيثياته من جهة ثانية مرافعة في حقّ الشّط الديمقراطي لممارسة السلطة، فجاء على لسان المحكمة "إنّ الحزب المدّعى عليه قد تكوّن بسعي من رئيسه والذي كان رئيسًا للجمهورية بعد تنحية الرئيس الأسبق في 7 نوفمبر 1987 الذي استغلّ ما كان له من سلطان أوصل حزبه وهو المدّعى عليه عن طريق ظاهره الانتخاب، ولكن في باطنه تغييب لإرادة الشعب وحرمان له من حقّه في الاختيار الحرّ"، معتبرة "أنّ الشّعب التونسي قد ارتضى منذ الاستقلال لنفسه نظامًا جمهوريًّا يقوم على مبدأ سيادة الشعب والتفريق بين السّلط"، لتخلص المحكمة إلى القول ب "أنّ الحزب المدّعى عليه لم يحترم النظام الجمهوري وأسسه، وأنّ النظام الجمهوري يقتضي أن للشّعب الحق في الاختيار الحر لمن يتولّ أمره وما يترتّب عن ذلك من تداول على السلطة"، معتبرة "أنّه إذا ما تعقبنا التنقيحات التي تتالت على الدستور، وخصوصًا في بابه المتعلق برئيس الجمهورية يتّضح من دون عناء أن المشرّع الدستوري ظلّ يتعهّد هذا الباب بالتعديل والتنقيح حتى يكون على مقاس رئيس الحزب المدّعى عليه، فبدل أن يكون الدستور قاعدة للحياة السياسية الشرعية والسليمة، أصبح عائقًا لتحقّقها بمفعول ما طرأ عليه من تعديلات شوّهت أحكامه في مخالفة واضحة لجوهر الجمهورية وما تقتضيه من تداول ديمقراطي وسلمي على السّلطة وانتهاك لمبدأ سيادة الشعب"26. وفي مستوى ثانٍ من التغيرات الكيفية التي لحقت المشهد الحزبي غداة ثورة 14 جانفي 0112، وبغياب التجمّع الدستوري الديمقراطي أو تغييبه، وفي ظلّ مناخ الحرية، برزت ظاهرة حزبية نشطة تألّفت من معارضة الماضي ومن أحزاب جديدة. ويمكن تصنيف مكوّنات هذه الظاهرة الحزبية ضمن الخطوط والحساسيات الفكرية الآتية: الخط الإسلامي (حركة النهضة، وحزب التحرير، وحزب الإصلاح والتوحيد، وحركة اللقاء الإصلاحي الديمقراطي، وحزب العدل والتنمية، وحزب الكرامة والمساواة، وحزب الكرامة من أجل العدالة والتنمية... إلخ)، والخط اليساري (حزب العمال الشيوعي التونسي، وحزب العمل الوطني الديمقراطي، وحركة الوطنيين الديمقراطيين، والحزب الاشتراكي اليساري... إلخ)، والخط الليبرالي (الاتحاد الوطني الحر، وحزب آفاق تونس، والحزب الليبرالي المغاربي... إلخ)، والخط القومي العربي (حزب الطليعة العربي الديمقراطي، وحركة الشعب الوحدوية التقدمية، وحركة البعث... إلخ)، والخط الاجتماعي الديمقراطي (الحزب الديمقراطي التقدمي، والتكتل من أجل العمل والحريات، والمؤتمر من أجل الجمهورية... إلخ)27. لقد أشّت هذه الظاهرة الحزبية النشطة إلى عودة العامل الحزبي في البعد السلوكي والبعد الخطابي إلى الساحة السياسية في تونس بعد عقود من هيمنة ثنائية حزب الدولة ودولة الحزب؛ بحيث غدت الساحة السياسية غداة ثورة 14 جانفي 0112 ساحة حزبية، حتى لا نقول متحزّبة أحيانًا، بامتياز، وهو وصف يتلاءم والمعنى الديمقراطي من جهة أولى، وهو من جهة ثانية من متطلبات الفعل الانتخابي، إضافة إلى كونه يستوعب مفهوم الحزب الذي يعطي مكانة محورية للتداول السلمي للسلطة. وهنا يجب التذكير بمعاني الفصل الأول من المرسوم 87 لسنة 0112 الصادر في 24 أيلول/ سبتمبر 0112 حين نصّ على "أنّ الحزب جمعيّة تتكون بالاتفاق بين مواطنين تونسيين، يساهم في التأطير السياسي للمواطنين وفي ترسيخ قيم المواطنة ويهدف إلى المشاركة في الانتخابات قصد ممارسة السلطة في المستوى الوطني أو الجهوي أو المحلي"28.
لكن ثنائية الأحزاب والانتخابات عادة ما تأخذ شكلً متورمًا خلال المرحلة الانتقالية التي تتسم عادة بالتقدم الحزبي في ظل هشاشة الدولة الرخوة. ففي مفارقة غريبة، وإن كانت مبرّرة بالظرف الانتقالي، انغمست مختلف الأحزاب في تونس مباشرة في المسألة الانتخابية وفي التطلّع السلطوي، وذلك لقرب الاستحقاق الانتخابي. وهو توجّه يعمق مخاطر هذه العلاقة وانحرافاتها، خاصة إذا كانت الظاهرة الحزبية ضعيفة التشكل، ومحدودة التبلور وهشّة التقاليد. فالانتخابات لا تختزل كلّ العمل الحزبي، كما أن الخطاب الانتخابي لا يمكن أن يختزل الخطاب السياسي. في الوقت ذاته، لا يمكن أن تتحوّل الأحزاب إلى أحزاب انتخابات؛ أي أحزاب مناسباتيّة أو أحزاب تحت رحمة الانتخابات، بحيث تتهرّأ انتخابيًا، ولا يصح أيضًا أن ينحصر الخطاب السياسي والحزبي في الظرفي الانتخابي. وفي مستوى ثالث، وتبعًا للتغيرات الكيفية التي لحقت المشهد الحزبي وإزاء الطفرة الحزبية بعد الثورة، برزت فورة الاستقلالية؛ فقد ساهم إضفاء أبعاد تشريعية وأرضية هيكلية على شرط الاستقلالية من خلال النصوص الناظمة لِلجان مواكبة الانتقال30 في تسويق ظاهرة المستقلين ودعم حضورها سياسيًّا ومجتمعيًّا، وهو ما دفع جزءًا من المستقلين إلى محاولة التموقع ضمن المعادلة الانتخابية؛ بمعنى التحوّل إلى فاعل انتخابيّ، وذلك عبر توظيف امتدادهم المدني لتحويله إلى ثقل انتخابي. إن تضافر هذا المعطى مع استحقاقات الانتقال وتأثير الظاهرة الحزبية كانا أهم المخرجات التي ساهمت في تحديد اتجاهات الهندسة الانتخابية لأول انتخابات بعد الثورة؛ فقد عنى استبطانها تثويرًا للقانون الانتخابي التونسي، وإعادة تأسيس له ضمن مشروعية ديمقراطية جديدة.
ثانيًا: المخرجات: إعادة تأسيس القانون الانتخابي
لقد تشكلت الخريطة التشريعية لانتخابات المرحلة الانتقالية الأولى من مكونين. المكون الأول هو النصوص الانتخابية الكبرى وهي: المرسوم 72 لسنة 0112 المؤرخ في 18 نيسان/ أبريل 0112 المتعلق بإحداث هيئة عليا مستقلة للانتخابات31، والمرسوم 35 لسنة 0112 المؤرخ في 10 أيار/ مايو 0112 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي32. أما المكون الثاني، فيتألف من نصوص مواكبة لها تتصل بالأحزاب السياسية والجمعيات والإعلام33. إن المرسومين 7352 و لسنة 2011 34 يتمثلان في تكاملهما الهندسةَ الانتخابية لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي، وهي هندسة تطرح سؤالين رئيسين: أولهما شكلي يستوعب جهة التشريع وكيفيته، ومفاده: من هندس؟ وثانيهما موضوعي يستوعب مادة التشريع، ومفاده: ماذا هندس؟
11 من هندس؟
استبطن الحامل التشريعي لانتخابات المرحلة الانتقالية الأولى خصائص التشريع في الفترات الانتقالية التي تعتبر محيطًا استثنائيًّا ملائمًا لاعتماد المقاربة المادية للقانون والتي لا تقوم ضرورة على التمشّ الشكلي المحدد مسبقًا لإنتاج القاعدة القانونية، كما لا تستتبع التصنيف الشكلي للنصوص الناتج منه بداهة. فالمرحلة الانتقالية تتميز بضعف نسبي للبعد التقعيدي للقواعد القانونية، وهو ما يتأتى من ضعف الماكينة التشريعية الكلاسيكية، مع رغبة في تسريع استيفاء الجانب العملي والتدبيري، من دون أن نغفل أيضًا تصورًا دونيًّا لدور القانون في المرحلة الانتقالية على أنه رد فعل مستبطن عمن شرّع سابقًا وأنتج منظومة قانونية للاستبداد. لقد تميزت النصوص الانتخابية بخاصّيات شكلية وموضوعية. فعلى المستوى الشكلي، اتسمت هذه النصوص بوحدة جهة الإصدار وشكله. فمن حيث الشكل، جرى الاعتماد في الفترة الانتقالية على آلية المرسوم، وهو توجّه يبرر ويفسر "خاصّة بالنظر إلى متطلبات
المرحلة الانتقالية الراهنة"35، والتي جعلت من رئيس الجمهورية جهة التشريع الوحيدة في الفترة الانتقالية تبعًا لحلّ مجلسَ النواب ومجلس المستشارين37. أما عن جهة إعداد النصوص الانتخابية، فنلحظ تقلص الطابع الشكلي، وهي إحدى ميزات القانون الانتقالي، إذ لا تعود عملية التشريع في الفترة الانتقالية إلى السلطة التشريعية في مفهومها الكلاسيكي، بل عادة ما تكون من اختصاص السلطة التنفيذية، وقد تشاركها فيها هيئات تعدّ جزءًا من الإدارة الانتقالية التي تختلف طريقة تكوينها - بحيث قد تكون منتخبة أو معيّنة - كما تتنوع طبيعتها القانونية ويتفاوت أيضًا مدى مساهمتها في عملية التقعيد38. وهو أسلوب يتنزل ضمن المرور من الثورة إلى الدولة؛ أي ضمن مأسسة الثورة، ويستهدف عادة تمثيل القوى السياسية الرئيسة في الفترة الانتقالية واستيعابها وتوريطها في اللعبة السلطوية، مع السعي لإضفاء الشرعية على المؤسسات وعلى المضامين أيضًا، وضمان مقبولية النصوص المطروحة، وهي اعتبارات تتأكّد في حالة النصوص الانتخابية لأوّليتها ولأولويّتها ضمن المسار الانتقالي. وضمن هذا الخيار المختلط على مستوى إعداد النصوص الذي يفترض مسارًا تفاوضيًّا بشأنها بين جهة الاق اررح وجهة الإصدار، يتنزّل إحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي على أنه جزء من الإدارة الانتقالية التي "تتعهد [...]بالسّهر على دراسة النصوص التشريعية ذات العلاقة بالتنظيم السياسي واقتراح الإصلاحات الكفيلة بتجسيم أهداف الثورة بخصوص المسار الديمقراطي." وهو ما يجعلها هيكل تداول وقوة اقتراح من دون أن تكون بديلً من سلطة تشريعية، كما يستمد من منطوق الفصل الأول من المرسوم 6 لسنة 011.2 وضمن مستوى ثانٍ من الازدواجية، جرى التمييز داخل هذا الهيكل بين مجلس الهيئة الذي "يتولى ضبط التوجهات الكفيلة بملاءمة التشاريع المتصلة بالحياة السياسية بما يتوافق مع متطلبات تحقيق الانتقال الديمقراطي[...] ولجنة خبرائها التي تتولى صياغة مشاريع القوانين وفق التوجهات التي يتم ضبطها من الهيئة." إن ما يُلحظ من ازدواجية "المهندس" على مستوى جهة الإعداد بين المكونين الرئيسين، وهما الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، والحكومة الانتقالية، ستكون له نتائجه لاحقًا على مداولات النص الانتخابي ومضامينه ومآله39؛ بالنظر، من جهة أولى، إلى اختلاف التموقع السياسي، ومن ثمّ، المصلحة السياسية لمن يعتبر نفسه مؤتمنًا على تحقيق أهداف الثورة، وبين من يُعد امتدادًا عضويًا للطبقة السياسية لما قبل الثورة40، وبالنظر، من جهة ثانية، إلى ازدواجية تركيبة الهيئة نفسها بين مجلس الهيئة بهواجسه السياسوية المتنافسة41 ولجنة الخبراء بنزعتها التقنوية42، وهو تعدّد في مستويات الإعداد أنتج خارج الهيئة وداخلها بؤر توتّر كامنة، ظهرت لاحقًا حين هندسة النص الانتخابي43. لقد ساهمت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، فعليًا وبصفة فعّالة، في وضع ما كيّفناه بالنصوص الانتقالية الكبرى، ومنها النصوص الانتخابية44، وذلك على الرغم من المحدودية الكمية لتدخّلها إذا ما احتسبنا مجمل عدد المراسيم الصادرة في الفترة الانتقالية45. ولئن يحسب لهذا الأسلوب في وضع القاعدة القانونية في الفترة الانتقالية مرونته وميزته التدبيرية، فإنه يمسّ جودة التشريع صياغةً ومضمونًا، ولا أدلّ على ذلك من التنقيح الوارد على المرسوم 35 لسنة 0112 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي بموجب المرسوم 72 لسنة 0112 2 46المؤرّخ في 3 آب/ أغسطس 011. لقد تعلّق التنقيح المذكور في جزء كبير منه بالإطار الإجرائي لنزاعات انتخابات المجلس الوطني التأسيسي،
وهو ما عكس ضعف عقلية التشريع وتقاليده لدى الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، إذ تركز نقاشها وعملها بدءًا على ما يمكن أن يوصف بالفصول السياسية من دون الفصول التقنية47، وقد خلّف ذلك هنات وفراغات تشريعية وجب ملؤها لاحقًا على الرغم من جهد تجاوزها48. أما على المستوى الموضوعي فقد استوعبت النصوص الانتخابية خاصيات المرحلة الانتقالية، وهي أساسًا ثنائية التنازعية والتوافقية. فالحقل السياسي الانتقالي تنازعي في جوهره، تشقّه الانقسامات ويتّسم بعدم الاستقرار السياسي والمجتمعي. وتستدعي هذه التنازعية من الفاعلين السياسيين توصّلً صعبًا إلى نقطة توازن مجتمعي وسياسي، يتم تقنينها ليشكل القانون بذلك الحافظ والمحافظ مجتمعيًا. بهذا المعنى تمثّل الهندسة الانتخابية أحد معابر إدارة الصراع وأحد مسالك تسوية النزاعات في المرحلة الانتقالية، ة للمرسوم وهو ما عبّ عنه المخاض الصعب والولادة المتعسّ 35 لسنة 0112 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي، والجدل المستمر بشأن خياراته الهيكلية في إدارة العملية الانتخابية الانتقالية وفي باقي اختياراته الانتخابية49. ولم يكن ذلك ممكنًا داخل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة بتركيبتها المتنوعة بين أطراف مدنية وأخرى سياسية50 والمتعددة سياسيًّا51 من دون إعمال التوافقية بوصفها الوجه الآخر الموازن للتنازعية التي تعد أحد شروط نجاح الانتقال وضمانة لعدم انتكاسه، حتى أصبح يشار إليها بالإكراه التوافقي الذي لا يعني الخيار الأغلبي، وإنما يفيد تسوية بين الفرقاء السياسيين تسمح بتأطير التنازعية وتثبيت استقرار المحيط السياسي، وضمان طوعية الخضوع لأحكام القانون في ظل الدولة الرخوة. ويعد الفصل الخامس من المرسوم 6 لسنة 0112، المتعلق بإحداث الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، التعبير الأوضح عن هذه الخاصية؛ إذ "تتّخذ الهيئة قراراتها بالتوافق وإن تعذّر بالأغلبية"، والغريب أن التوافقية لم تبرز إلا في التشريع للعملية الانتخابية من دون بقية النصوص، فقد شهدت الهيئة انسحاب عديد مكوناتها. فهل كان ذلك بحكم حاجة الفاعلين السياسيين الملحّة إليه؟ أم هي لحظة وئام سياسية عابرة؟ وإن كان ذلك شأن الشرط الشكلي في إعداد التشريع الانتخابي، فكيف كانت مادّته؟
22 ماذا هندس؟
يستوعب المرسوم 35 لسنة 0112 المؤرخ في 10 أيار/ مايو 0112 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي، والمرسوم 72 لسنة 0112 المؤرخ في 18 نيسان /أبريل 0112 المتعلق بإحداث هيئة عليا مستقلة للانتخابات، البعد الوظيفي والبراغماتي للهندسة الانتخابية ويتنزل ضمن معاني الوظيفة الانتقالية، كما يقرنها بالمسار الديمقراطي. في هذا السياق، تميزت النصوص الانتخابية الكبرى بحيثياتها التي استجابت لمخرجات المرحلة الانتقالية الأولى، فاستوعبت دلالات إعادة تأسيس القانون الانتخابي خلفية ومقومات، فورد بديباجة المرسوم 35 لسنة 0112 المتعلق بانتخاب المجلس الوطني التأسيسي "قطعًا مع النظام السابق المبني على الاستبداد وتغييب إرادة الشعب بالبقاء غير المشروع في السلطة وتزوير الانتخابات، ووفاءً لمبادئ ثورة الشعب التونسي الهادفة إلى إرساء مشروعية أساسها الديمقراطية والحرية والمساواة[...]والتعدّدية[...]والتداول على السلطة، وانطلاقًا من إرادة الشعب التونسي في انتخاب مجلس وطني تأسيسي يتولّ وضع دستور جديد للبلاد، وباعتبار أنّ القانون الانتخابي السابق لم يكفل انتخابات ديمقراطية وتعددية وشفافة ونزيهة، تمّ التوافق على انتخاب المجلس الوطني التأسيسي وفقًا للأحكام التالية"، التي ترد في الفصل الأول من المرسوم نفسه: "ينتخب أعضاء المجلس الوطني التأسيسي انتخابًا عامًّا، حرًّا، مباشرًا، سريًّا، وفق مبادئ الديمقراطية والمساواة والتعددية والنزاهة والشفافية"52. وضمن هذه العناوين، تسمح العودة إلى المرسومين 7352 و لسنة 0112 باستخلاص محدّدات الهندسة الانتخابية لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي التي قامت على الدفع نحو التمثيل باعتباره أولوية رئيسة، مع ضمان استقلالية الإدارة الانتخابية، إذ تتنزّل باقي التفاصيل الفنية والإجرائية المتعلقة بالعملية الانتخابية داخل هذين المحددين الرئيسين.
. أ أولويّة التمثيل
انطلاقًا من مضامين المرسوم 35 لسنة 0112 المؤرخ في 10 أيار/ مايو 0112، مثلت مسألة التمثيل مدار الهندسة الانتخابية53 لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي، إذ تمحورت حولها طريقة الاقتراع المستحدثة والإجراءات التفضيلية والإجراءات الإقصائية، وهنا يمكن أن نميز بين ثلاثة مستويات من التمثيل: التمثيل السياسي الأيديولوجي، والتمثيل الاجتماعي، والتمثيل الجغرافي. التمثيل السياسي الأيديولوجي تم التمثيل السياسي الأيديولوجي، وضمن مقاربة حزبية أساسًا رؤيةً وحجمً، باعتماد الاقتراع على القوائم في دورة واحدة مع توزيع المقاعد في مستوى الدوائر على أساس التمثيل النسبي مع الأخذ بأكبر البقايا54، وذلك بعد نقاش مستفيض داخل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، تحكّمت فيه الحسابات السياسية للأحزاب العائدة من جديد، وتجاذبته مزايا كلّ من الاقتراع على الأفراد والاقتراع على القوائم ونقائصهما55، وبدرجة أقل مزايا الاقتراع بالأغلبية والتمثيل النسبي ونقائصهما، فقد بدا التوجه شبه محسوم منذ البدء نحو النسبية56. لقد مثلت طريقة الاقتراع المستحدثة تحولً جذريًّا على مستوى تاريخية طرق الاقتراع المعتمدة في التجربة التونسية التي هيمنت داخلها طريقة الاقتراع بالأغلبية، سواء في صيغتها المطلقة أو المخففة بجرعات النسبية. وهي نقلة نوعية استبطنت رهانات الفاعلين السياسيين وتحديدًا الأحزاب، من دون أن تقصي على نحو مطلق المستقلين57؛ إذ إنها عبّ ت عن رغبتها عامة في استجلاب منافع الحاضر الانتقالي، عبر طريقة اقتراع تمكّن أكبر طيف ممكن من اقتسام الكعكة الانتخابية بطريقة أعدل قدر الإمكان60. وقد ساهمت طريقة الاقتراع في الحد من تخوفات أحزاب ما بعد الثورة من استنساخ تجربة الماضي السياسي بحمولته الانتخابية عبر طريقة اقتراع قد تمكّن حزبًا واحدًا من الهيمنة على الساحة السياسية. كما مكّنت من الحد من تخوفات هذه الأحزاب من بعضها، في ظلّ غياب المعطيات الدقيقة عن حجمها المجتمعي. ومكنت أيضًا من تجاوز تخوف كامن من نتائج غير مسبوقة قد تصبّ في خانة الإسلام السياسي، وأساسًا حركة النهضة. وقد استبطنت طريقة الاقتراع المستحدثة أيضًا حاجة الوضع الانتقالي، بطبيعته الهشّة، إلى التدعيم والاندماج وبناء الثقة مجتمعيًا، وإلى المشروعية مؤسساتيًا، عبر ضمان أوسع مشاركة سياسية ممكنة وأكثر تمثيلية ممكنة. ولا بدّ أن نشير إلى أن الحرص على التمثيل السياسي كان ضمن الدائرة الديمقراطية؛ إذ حرصت القوى السياسية الممثلة في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، ورغم بعض التوجهات المتحفظة داخل لجنة الخبراء62، على إدراج إجراءات تقييدية تحول دون عودة الطبقة السياسية التي ارتبطت بمنظومة التسلط. وقد مثلت هذه الإجراءات، التي قدّمت بعنوان تحصين الثورة، أحد أبرز مظاهر الأزمة بين الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة التي اعتبرت أنها المؤتمنة على مسار الثورة، والحكومة التي اعتبرت هذه الإجراءات مقاربة إقصائية ومنحى خطيرًا يهدّد مآل الانتقال وقد ينحرف به، وخصوصًا أنها إجراءات تصب موضوعيًّا، وتحديدًا في مصلحة الأطراف السياسية الممثلة في الهيئة63. وقد انتهى الخلاف بتنازلات متبادلة بين الطرفين تمثلت في تنقيحات متتالية حدّت من المجال الشخصي لانطباق النص، وانتهت بالفصل السادس عشر على النحو التالي "لا يمكن أن يترشّح كل من تحمل مسؤولية صلب الحكومة في عهد الرئيس السابق باستثناء من لم ينتمِ من أعضائها إلى التجمع الدستوري الديمقراطي، ومن تحمّل مسؤولية في هياكل التجمع الدستوري الديمقراطي في عهد الرئيس السابق. وتحدّد المسؤوليات بأمر باقتراح من الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي64 [...]من ناشد الرئيس السابق الترشح لمدة رئاسية جديدة لسنة 014.2 وتضبط في ذلك قائمة من قبل الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي." وقد استمر الحرج والتنازع السياسي الذي رتّبته مسألة الإجراءات التقييدية حين إعداد لجنة صلب الهيئة قائمةَ المناشدين التي تمت ضمن مناخ متوتّر، اختلط فيه التبرّؤ والاتهامية داخل الطبقة السياسية؛ ما دفع الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة إلى تأكيد أنه
يجب، ضمن مبادئ الثورة وأخلاقياتها ولاعتبارات قانونية (حماية المعطيات الشخصية(وأمنية (حماية المعنيين(، إضفاء الطابع السري على القائمة وتحجير استعمالها بما يمسّ من الأشخاص. وقد دعّم ذلك وجاهة طرح المشروعية الديمقراطية للهندسة الانتخابية في المرحلة الانتقالية عبر طرح السؤال حول مدى مشروعية إدراج أحكام في النص الانتخابي تُقصي جزءًا من الطبقة السياسية تحت مبررات المشروعية الثورية والإكراه الانتقالي والطابع الظرفي والخاصية الجزئية للإجراءات المتخذة (منع من الترشّح من دون الانتخاب65 ومنع يخص بعض المسؤولين من دون غيرهم وذلك ضمن مدة محددة)، ومهما تكن المبررات فإن الطابع الديمقراطي لمثل هذه الإجراءات يبقى، في نظرنا، معدومًا. التمثيل الاجتماعيّ ويطلق عليه أيضًا التمثيل الوصفي التصوري الذي يفيد تمثل الهيكل المراد انتخابه على شاكلة المكون الاجتماعي، بما يستوعب تنوعه الجنسي والعمري والعرقي. وهو هاجس لم يكن غائبًا عن الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة؛ بالنظر إلى طبيعة مكوناتها التي تضمنت تمثيلية يعتدّ بها للنساء وللشباب ولبعض التيارات النسوية والتقدمية المحسوبة على مساندة قضايا المرأة66. وقد أشّ هذا إلى عودة غير مسبوقة لمسألة المشاركة السياسية والمجتمعية للمرأة ولمسألة موقع الشباب من العملية السياسية، خصوصًا في ظل الانتقال الديمقراطي الذي يفترض صياغة قواعد جديدة للمشاركة السياسية تتجاوز المقاربة التوظيفية والفئوية والنخبوية الموروثة67. وإن كانت المسألة محسومة من حيث المبدأ داخل الهيئة، فإنّ الخلاف كان في التصور والتمثل القانوني؛ إذ رأى فريق أنّه يؤسّس مقاربة تستند إلى مفهوم النوع الاجتماعي وتندرج ضمن المقاربة الحداثية68 عمومًا، في حين اعتبره آخرون رافعًا قانونيًّا من دون تمكين فعلي69. لقد جاء النص مجددًا واعدًا تقدميًّا وثوريًّا فيما يتعلق بمشاركة المرأة، فقد تنزّلت ضمن شروط صحة ترشح القوائم؛ فورد في الفصل السادس عشر "تُقدّم الترشّحات على أساس مبدأ التناصف بين النساء والرجال. ويتمّ ترتيب المترشحين صلب القائمات على أساس التناوب بين النساء والرجال. ولا تقبل القائمة التي لا تحترم هذا المبدأ إلا فيما يحتّمه العدد الفرديّ للمقاعد المخصّصة لبعض الدوائر." غير أنّ صياغة القانون الانتخابي لم تكن حاسمة فيما يتعلق بمشاركة الشباب، بل اكتفت بخطاب استنهاضي استحثاثي؛ فورد في الفصل الثالث والثلاثين من المرسوم نفسه "وتعمل كل قائمة على أن يكون [...]سنّ أحد (مترشّحيها) على الأقل دون الثلاثين عامًا"، وهذا من دون ترتيب، أي نتيجة قانونية على عدم احترام هذا الشرط. وهو موقف لم يكن بمعزل عن الخلفية المتهرمة للطبقة السياسية والحزبية، ويبقى التعلل بالواقعية الانتقالية والحاجة إلى النضج السياسي وقلة الخبرة السياسية والتخوف من العزوف الشبابي من العملية الانتخابية من قبيل التعلات الواهية في ظل ثورة هي في جوهرها ثورة شباب، إذ لا يعقل أن يحرم الشباب من الثمار السياسية لإنجازهم إن بقيت تمثيليتهم دون المأمول70. التمثيل الجغرافي ويعني الامتداد الجغرافي للجسم النيابي بحيث تتوافر جل، إن لم يكن كل، المناطق على ممثلين لها داخله. في هذا الإطار نص الفصل الثالث والثلاثون على أن "يجري التصويت بحسب دوائر انتخابية، وتكون كل ولاية دائرة أو عدة دوائر، وتعمل كل قائمة على أن يكون مترشحوها من معتمديات مختلفة ضمن الدائرة الانتخابية." وهو فصل يرتّب على القوائم المترشحة التزام بذل عناية، وليس التزام تحقيق نتيجة، فيما لا يمكن أن يطرح بمعزل عن مسألة الامتداد الترابي للأحزاب غداة الثورة، وهي في هذا، تتفاوت بين أحزاب تكاد تكون "مركزيّة" وأخرى لها امتدادات جهوية، وقليل منها ذو امتداد متوسّع، على نحو تبدو فيه قدرتها على الإيفاء بهذا الموجب القانوني متفاوتة. غير أن ما يدفع أوليًّا إلى الاستغراب، في هذا الصّدد، هو الحفاظ على المدى الجغرافي للدائرة الانتخابية كما كان عليه قبل الثورة، والذي كان مبررًا قبلها بتطابقه مع الخريطة الإدارية ومع التقسيم الهيكلي للحزب الحاكم بما يمكنه من وضع اليد على مفاصل العملية الانتخابية ومراحلها71. ويبدو أن التصور الجديد للإدارة الانتخابية كان وراء هذا القبول بالإبقاء على التقسيم القديم والحفاظ عليه، على الرغم من أنه أثار نقاشًا واسعًا داخل الهيئة72.
. ب استقلالية الإدارة الانتخابية
مثّلت الإدارة الانتخابية المستقلة المرتكز الثاني للهندسة الانتخابية للمرحلة الانتقالية في التجربة التونسية وعلامة فارقة على تحول جذري، بل ثوري، في مستوى الهيكل القائم على إدارة الأبعاد الأساسية للعملية الانتخابية73. إذ كانت قبلها إدارة العملية الانتخابية تتمّ من داخل المنظومة التسلطية عبر هياكل تابعة، وهو ما أحال الإدارة الانتخابية إلى جزء من المنظومة الرقابية للسلطة التي تعمل على استدامة النظام التسلّطي. لقد كانت وزارة الداخلية، وضمن منطق دولة الحزب، تتحكّم في تنظيم الانتخابات عبر أذرعها التنفيذية (العمادة، والمعتمدية، والولاية) أو عبر الهياكل الخاضعة لسلطة إشرافها (المجالس البلدية)؛ بحيث تفتقد العملية الانتخابية شروط النزاهة والحياد، وتغدو السلطة التنفيذية المتحزّبة الطرف والحَكم في الآن نفسه في مراحل إعداد الانتخابات كلها، بدءًا من التسجيل وانتهاءً بالفرز وإعلان النتائج، مرورًا بتحديد مكاتب الاقتراع وسير الحملة وإدارة يوم الاقتراع74. وخوفًا من أن تعيد العملية الانتخابية إنتاج الاستبداد، أكّدت الهيئة العليا في أعمالها75 أوّلية إحداث الهيكل المكلّف بالإشراف على العملية الانتخابية وأولويته، من خلال إصدار المرسوم 72 لسنة 0112 المؤرخ في 18 نيسان/ أبريل 0112، الذي أشّ إلى المرور من الإدارة الانتخابية التسلطية إلى الإدارة الانتخابية الديمقراطية، بتنصيصه على أنّه "تحدث هيئة عمومية مستقلة تُدعى الهيئة العليا المستقلة للانتخابات تشرف على انتخابات المجلس الوطني التأسيسي"، و"تسهر على ضمان انتخابات ديمقراطية وتعددية ونزيهة وشفافة". وهي إدارة انتخابية مدارها الاستقلالية عضويًا ووظيفيًا. فعلى المستوى العضوي، تتمتع الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، بحسب الفصل الثالث، بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري، وتكون لها ميزانية خاصة. ولضمان هذه الاستقلالية "يشترط لعضوية الهيئة الكفاءة والحياد والاستقلالية والنزاهة، وعدم تحمل مسؤولية صلب حزب التجمع الدستوري الديمقراطي خلال عشر سنوات الأخيرة أو التورط في مناشدة رئيس الجمهورية السابق الترشح لولاية رئاسية جديدة لسنة "2014. أما على مستوى الاستقلالية الوظيفية ف "يساعد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات جهاز إداري ومالي وفني، تحدد تنظيمه وطرق تسييره ويخضع إلى سلطتها المباشرة وتقدّم كل السلط العمومية جميع التسهيلات التي تطلبها الهيئة لأداء مهامها. تضبط الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نظامها الداخلي الذي ينظم سير عملها". غير أنّ هذا الخيار الانتخابي على مستوى الإدارة الانتخابية لم يخلُ من نقائص، تهمّ أساسًا عدم إسناد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات سلطة ترتيبية خاصة بها؛ إذ لم يتمكّن الهيكل لاحقًا من تأطير بعض المسائل التنظيمية المستجدة التي يفترضها بداهة تعقّد العملية الانتخابية، كما تهمّ طريقة اختيار أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات الذي تم ضمن الخيارات المحدودة التي تمنحها الفترة الانتقالية، فأُسندت مهمة تكوين الهيئة، في طريقة مركّبة، إلى الهيكل الأكثر صدقية وتمثيلية ومقبولية آنذاك، هو الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة، بعد ترشيحات من مكونات المجتمع المدني والهيئات المهنية. وهو اختيار حكمته التوازنات والتجاذبات القطاعية والمهنية والسياسية داخل الهيئة وخارجها واستمرّت في التأثير في الخيارات الكبرى للهندسة الانتخابية إعدادًا وبلورة. إن ذلك ليؤكّد متلازمة مفادها أن لكل انتقال تفاوضي في مساره هندسته الانتخابية، وأنه داخل الانتقال نفسه يمكن المرور من هندسة انتخابية إلى أخرى بناءً على جملة من المتغيرات تتصل باختلاف نوعية الاستحقاق الانتخابي، وتغير الفاعلين السياسيين، والتحولات الطارئة على الحقل السياسي. وتؤكد التجربة التونسية هذا الأمر؛ فقد كان مراد الهندسة الانتخابية للمرحلة الانتقالية الأولى، التي توّجتها انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، تشكيل البناء المؤسساتي الجديد. في حين كان مراد الهندسة الانتخابية للمرحلة الانتقالية الثانية، التي توّجتها أول انتخابات تشريعية ورئاسية بعد الثورة، تثبيت البناء المؤسّساتي الجديد، ولكن تبقى نتائجها رهينة متغيرات معقدة ومتداخلة؛ إذ لا يتطابق بالضرورة حساب "الحقل" السياسي مع حساب "البيدر" الانتخابي، إن جاز القول.
المراجع
العربية
بدروني، فاطمة. "التحوّل الديمقراطي والهندسة الانتخابية في المجتمعات دفاتر السياسة والقانون. عدد خاص (نيسان/ أبريل متعدّدة الإثنيات.".)2011 التايب، عائشة. "قراءة في مضامين ودلالات نتائج الانتخابات في تونس ". تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 012/1/82، في: https://goo.gl/owJkh8
التميمي، عبد الجليل. مرصد الثورة التونسية. إشراف وتقديم عبد الجليل التميمي. تونس: منشورات مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات،.2011 جمعية القضاة التونسيين. "وثيقة إع ناا طبرقة حول الحكامة الانتخابية 011/7/19."، في http://bit.ly/2mnDPoz:2 دباش، كوثر. القانون الانتخابي التونسي: نحو القطع مع الاستبداد. سلسلة القانون الدستوري للجميع. تونس: دار الطائر للنشر/ مركز النشر الجامعي،.2011 الديماسي، مروان. ا لشرعية الدستورية والمشروعية الثورية: 14 جانفي نموذجًا. سلسلة كراس الأنوار. تونس/ صفاقس: المغاربية للطباعة/ دار محمد علي للنشر،.2011 عبد العالي، عبد القادر. "الهندسة الانتخابية: الأهداف والإستراتيجيات، دفاتر السياسة والقانون. العدد وعلاقتها بالنظم السياسية." 10 (كانون الثاني/ يناير.)2014 العلوي، عمار وعواطف بلحسن ومفيدة بن يغلان. مداولات الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي.: المطبعة الرسمية للجمهورية التونسية تونس،.2012 طرشونة، لطفي. "منظومة التسلط في النظام السياسي التونسي قبل ثورة 2". المجلة التونسية للدراسات القانونية والسياسية 14 جانفي 011. العدد 1.)2012(مجموعة مؤلفين. الانتخابات الديمقراطية وواقع الانتخابات في الأقطار العربية. علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي (محرران.) بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2009 مجموعة مؤلفين. الانتقال الديمقراطي والإصلاح الدستوري في البلدان المغاربية. إشراف أحمد السوسي. تونس: منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2015 مجموعة مؤلفين. الثورة والانتقال والتأسيس. إشراف أحمد السوسي. تونس: منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2013 مجموعة مؤلفين. النزاهة في الانتخابات البرلمانية: مقوماتها وآلياتها في الانتخابات البرلمانية. بحوث ومناقشات ندوة. بيروت: المنظمة العربية لمكافحة الفساد/ مركز دراسات الوحدة العربية،.2008 مجموعة مؤلفين. دراسات دستورية مغاربية. إشراف أحمد السوسي. تونس: مركز النشر الجامعي،.2011 مجموعة مؤلفين. في الثورة والانتقال والتأسيس. إشراف أحمد السوسي. تونس: منشورات مجمع الأطرش للكتاب المختص،.2013 المحكمة الابتدائية في تونس. "قرار عدد 14432 بتاريخ 9 آذار/ مارس دراسات إستراتيجية، 011 العدد "2، 2 9(آذار/ مارس.)2011 المختار، عبد الرزاق. الدستور الصغير: التنظيم الوقتي للسلطات. سلسلة كراس الأنوار. تونس/ صفاقس: المغاربية للطباعة/ دار محمد علي للنشر،.2011 المكني، عبد الواحد. المسار الانتخابي في الانتقال الديمقراطي بتونس. تونس/ صفاقس: المغاربية للطباعة/ دار محمد علي للنشر،.2012 ﻭﻭﻝ، ﺃﻻﻥ وآخرون. أشكال الإدارة الانتخابية. تعريب أيمن أيوب وﻋﻠﻲ ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات ﺍﻟﺼﺎﻭﻱ.، 0072، فh يttp://bit.ly/2AX9N0s:
الأجنبية
Parijs (eds.). Van Kris & Philippe Deschouwer, bloquée: pour une fédération electoral "Ingénierie pour le fédérale électorale circonscription Parlement fédéral belge." Re-Bel e-book. no. 4 (Décembre 2013), at: http://bit.ly/2CUAHrA Dutil, Yvan. Pour une meilleure démocratie Notions d'ingénierie électorale. Rapport présenté à la Commission des Institutions de l'Assemblée Nationale du Québec et au Comité directeur des États généraux sur la gouvernance Démocratique (Novembre 2002). Gesier, Vincent. "Tunisie: des élections pour quoi? Enjeux et sens du fait électoral de Bourguiba à Ben Ali." Maghreb – Machrek. no. 168 (2000). Morlino, Leonardo. "Architectures constitutionnelles et politiques démocratiques en Europe de l'Est." Revue Française De Science Politique. vol. 50. no. 4 (2000). Nabil, Beligh. "Transition démocratique, ingénierie constitutionnelle et électorale: L'expériencetunisienn." Iris. Analyses. 30/9/2011, at: http://bit.ly/2D1FLdr Norris, Pippa. Electoral Engineering Voting Rules and Political Behavior. Cambridge: Cambridge University press, 2004. Posusney, Marsha Pripstein. "Behind the Ballot Box: Electoral Engineering in the Arab World." Middle East Report. vol. 28. no. 4 (Winter 1998). Rahat, Gideon & Mario Sznajder. "Electoral Engineering in Chile: The Electoral System and Limited Democracy." Electoral Studies. vol. 17. no. 4 (1998).