الرؤى الإستراتيجية لثلاثي القطبية الدولية: تحليل مضمون مقارن
الملخّص
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي وتحوّل النظام الدولي إلى أحادي القطبية، لم تنقطع التوقعات بشأن الماهية التي سيستقر عليها هذا النظام مستقبل ا. فهناك من يتوقع استمرار الأحادية القطبية (الولايات المتحدة)، ويرى آخرون عودة الثنائية القطبية (الصين مقابل الولايات المتحدة)، بينما يعتقد غيرهم أن النظام الدولي يتجه إلى أن يكون متعدد الأقطاب (الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، واليابان، والهند... إلخ.) على خ فاا هذه التوقعات، تفترض هذه الدراسة أن النظام الدولي القادم سيكون ثلاثي القطبية، تقتسمه الولايات المتحدة والصين وروسيا. ولاستطلاع العلاقات الناشئة بين هذه الدول، والتعرف إلى توجهاتها، وما تنيطه كل لنفسها من دور في هذا العالم، تعالج الدراسة أحدث الرؤى الإستراتيجية لكل منها، وذلك بتحليل مضمون مُقارن لث ثاا وثائق رسمية تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية للدول الثلاث. وتنتهي الدراسة باستعراض مختصر لانعكاسات هذه الرؤى على النظام الدولي. كلمات مفتاحية: الولايات المتحدة، الصين، روسيا، الإستراتيجية، النظام الدولي. This article is a contribution to the ongoing debate regarding the changing dynamics of global power relations, which seem to be heading toward an inevitable end of the unipolar world order dominated by the United States since the collapse of the Soviet Union in 1990. It demonstrates that through highlighting the rising global power of China and Russia, which is currently causing a substantial threat to the US hegemony. As such, the continuation of this trajectory in the upcoming decades will likely lead to the emergence of a tri-polar world order, whereby the international system will be shared among the US, China and Russia. Methodologically, this article primarily relies on content analysis and thorough scrutinization of recent official foreign policy and national security documents issued by these actors in order to provide an in-depth understanding of the respective strategic vision underpinning. Keywords: China, Russia, USA, Strategy, World Order.
China, Russia and the United States:
Understanding the Emergence of a Tri-polar World Order
مقدمة
لا شك في أن رسوخ قواعد العلاقات الدولية ووضوح أسسها الناظمة هما أمران أساسيان لفهم آليات هذه العلاقات وضوابطها وأفعالها، وللتمكن من زيادة القدرة على التنبؤ بمخرجاتها؛ إذ يحدد نواتج النظام الدولي ومخرجاته، من حيث الأساس، بنيتُه وتركيبته ومدخلاته. والقوة، بمختلف مكوناتها وأشكالها وتجلياتها، هي الأساس الناظم والمنظِّم للعلاقات الدولية. وتوزيع مصادر القوة، كم وكيفًا، هو الركيزة المحدِّدة لنوعية هذه العلاقات. وكلما استقرت التوزيعة استقر النظام وسهل توقع مساراته والتنبؤ بمآلاته، وحينما تضطرب هذه التوزيعة، يضطرب النظام، وقد تعم الفوضى. في هذه الحالة، يكون المكسب للأقوى، والخسارة يتحملها الأضعف.
إننا نعيش في عالم مضطرب ومتغير ومتحول، في حالة انعدام الوزن وفقدان الجاذبية، في مرحلة اللااستقرار. نمُرّ في النفق ما بين نظام دولي قديم انتهى ونظام جديد لم يستقر بعد. وهكذا نشهد على الصعيد الدولي حالة المخاض الناجمة عن محاولات إرساء تموضعات جديدة لتوزيع القوة بين الفواعل المتصارعة داخل الساحة الدولية. نحن نعيش في عالم قد تغير؛ فحقبة ثنائية القطبية التي اتسم بها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، أدت إلى إحداث توازن واستقرار نسبيَيّن في ذلك النظام؛ إذ انقسم العالم مدة تناهز نصف القرن، ما بين قوتين وكتلتين رئيستين، غربية وشرقية، كانتا متصارعتين ولكنهما كانتا متوازنتين مع ذلك. واستطاع ضعاف القوة في بقية العالم، أي في الجنوب، الاستفادة من هذا التوازن بإيجاد ملاذ مقاوم للاستضعاف، بالاتكاء على هذا القطب أو ذاك. لكن انهيار هذه المنظومة الثنائية القطبية أدى إلى انهيار "التوازن" الناظم للعلاقات الدولية خلال تلك الحقبة، ليتبقى منه الكتلة الغربية، بقيادة قوة عظمى واحدة، هي الولايات المتحدة الأميركية، انساب معها النظام الدولي تلقائيًّا ليجد نفسه في مرحلة أحادية القطبية الدولية. نجم عن هذا التحول غير المتوقَّع اضطراب على الصعيدين العملي والنظري. أما على الصعيد العملي، فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها، فجأة، تقبع على رأس نظام دولي لم تعد فيه مقيَّدة ضمن إطار القواعد والحدود التي كان يفرضها عليها وجود قوة مضادة ومكافئة لها، فأصبح المجال أمامها مفتوحًا على مصراعيه لتتصرف على وفق مصالحها ورغائبها، كما تشاء. ومع ذلك، أصبح على الولايات المتحدة أن تواجه ما يمليه عليها تفردها من مسؤوليات ومتطلّبات باتت شاملة لكل القضايا الدولية المحورية؛ فهي الجهة الوحيدة التي أصبح متوقعًا ومطلوبًا منها إعطاء التوجهات وإصدار المعالجات الضرورية لتسيير النظام الدولي والمحافظة على استقراره1. لكن هذا الاستقرار لم يتحقق؛ إذ بدأ القطب المتبقي يواجه قضايا ومهمات على صعيد العالم، ثبت أنها أوسع وأشمل من نطاق قدرته على إدارة الأزمات الدولية إدارةً نظامية ومنظمة وفعَّالة، فاتّجه إلى محاولات السيطرة بفرض التحكم بالسطوة، والاعتماد على استخدام القوة العسكرية من حيث الأساس2. وكانت النتيجة تفجُّر صراعات داخل الدول، وفيما بينها، وانهيار تحالفات وقيام أخرى، وخوض قوى عظمى وكبرى حروبًا مباشرة، أو بالوكالة عنها 3. واضطربت العلاقات الدولية في حمَّى المزاحمة على حصص توزيع القوة، وبدا جليًّا ضعف قدرة النظام الأحادي القطبية على تحقيق الاستقرار الدولي المنشود، وهذا ما أدى إلى تصاعد حدة منافَسة الساعين لإرساء قواعد نظام دولي جديد.
أما على الصعيد النظري، فقد أدى انهيار نظام الثنائية القطبية فجأة، وانتقاله السريع إلى الأحادية القطبية، إلى حيرة، تحولت إلى حالة ارتباك وأزمة في الأوساط الأكاديمية المختصة بحقل العلاقات الدولية. واستجابة لذلك، انطلق منظّرو هذا الحقل، على اختلاف توجهاتهم، للبحث عن تفسيرات لما جرى، واستطلاع مناحي القصور في النظريات السائدة في الحقل التي لم تُسعف في توقع ما حدث. والأهم من ذلك أنهم انهمكوا في محاولات إعادة تكوين الرؤى النظرية لتوقع ماهية النظام الدولي وشكل التركيبة المستقبلية، واستقراء الأسس الكفيلة بإعادة الاستقرار لهذا النظام4. كان منظّرو المدرسة الواقعية، وهي من أهم المدارس المفسِّ ة للعلاقات الدولية، أكثر المتأثرين سلبيًا بالتغير الذي حاق بالنظام الدولي من جرّاء انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك الكتلة الشرقية. فقد قوّض هذا التحول أهم أساس ترتكز عليه نظريتهم، وتقوم عليه تفسيراتهم؛ فأحادية القطبية الدولية أطاحت مبدأ "توازن القوى" الذي يرتكز عليه التفسير الواقعي لماهية النظام الدولي وطبيعة العلاقات الدولية؛ إذ إن منطلق الواقعية النظري يقوم على أن النظام الدولي يتشكل من فواعل أساسية هي الدول، وتحديدًا الدول العظمى التي توجد وتتفاعل في إطار واقع فوضوي ينتج من غياب "حكومة عالمية" نافذة ومسيطرة. ولكي يستقر هذا النظام فإن هذه الدول التي تعتمد على نفسها، أي على تعظيم قوتها، يجب أن تحدّ من هذه الفوضى. ولا يتم ذلك إلا من خلال إيجاد توازن بينها. ويعني هذا، بالضرورة، وجوب وجود أكثر من قوة واحدة، ولو قوتين، لإحداث هذا التوازن والسيطرة على السياق الفوضوي العام5. ومن ثم، لم يكن لدى الواقعيين أي تصور عن كيفية تحقق استقرار النظام الدولي في غياب تعددية القوى الدولية، وانحصارها في واحدة. ولذلك بوغت هؤلاء حينما تحوَّل النظام الدولي، فجأة، إلى أحادية القطبية. وكانت ردة فعلهم أن هذا النظام لا يمكن أن يستمر ويحقق الاستقرار الدولي، ولذلك ستمر فترة مؤقتة حتى يستعيد النظام توازنه6. خلاصة قول الواقعيين، إذًا، أن نظام أحادية القطبية لا يمكن إلا أن يكون مؤقتًا، وسيعود النظام الدولي إلى التعددية؛ لكونها أساس التوازن، إما من خلال العودة إلى وجود قوَّتين رئيستين، أو تعددية قوى عظمى. مقابل هذا التصور، هلَّل منظّرو المدرسة الليبرالية، المتعارضة مع الواقعية في كيفية فهم ماهية النظام الدولي وطبيعة العلاقات الدولية، لتحوُّل النظام إلى أحادية القطبية. وسارع أحدهم إلى تمجيد انتصار الليبرالية الغربية على الاشتراكية الشرقية، مبشرًا بديمومة هذا الانتصار، ومعلنًا "نهاية التاريخ"7. وقام آخر بالإعلان عن الانتقال من صراع القوى إلى "صراع الحضارات"8. ولكن، مع مرور الوقت، وتعث استقرار النظام الدولي في ظل وجود القطب الواحد، وتوالي الأزمات الدولية، عادت المدرسة الليبرالية إلى أصولها لتطرح رؤية جديدة لمستقبل النظام الدولي. فالمدرسة الليبرالية، بالأساس، تؤمن بالتعاون الدولي القائم على الاعتماد المتبادل بين الفواعل المتعددة داخل النظام الدولي، إذ تشتمل الفواعل على الدول، وأيضًا تتسع لفواعل أخرى تعتبرها الليبرالية مهمة، كالمؤسسات الدولية، والمنظمات الدولية غير الحكومية، والشركات المتعددة الجنسيات، والشخصيات النافذة دوليًّا9. ويمكن أن يؤدي التفاعل بين هذه الفواعل جميعها، كما يقول منظرون ليبراليون، إما إلى نظام دولي لاقطبي، تتعدد فيه مراكز القوى، وتتفاعل ضمنه الدول وغير الدول10، وإما إلى نظام دولي مركَّب من مستويات متداخلة، يكون فيها هذا النظام أحادي القطبية عسكريًّا، ومتعدد الأقطاب اقتصاديًّا، ويتنوع توزيع القوة
في الفضاءات الأخرى التي أصبحت أكثر تأثرًا بتدخلات فواعل عدة نتيجة تعمق ظاهرة العولمة11. بالتفاعل بين العوامل المختلفة على الصعيدين العملي والنظري، تطورت خلال العقود الثلاثة الماضية وجهات نظر مختلفة حول واقع النظام الدولي ومستقبله. هناك وجهة نظر تعتقد أن النظام الأحادي القطبية أثبت مرونة وقدرة على الاستمرار أكثر مما كان الواقعيون يظنون؛ فهذا النظام لم يزل مستمرًّا منذ ثلاثة عقود تقريبًا، ولا دلائل موضوعية تنبئ بإمكانية غيابه وتحوُّله إلى نظام آخر في المدى المنظور. ولم تزل الولايات المتحدة الأميركية، وفق جميع المؤشرات المهمة، تتربع على موقع الصدارة الدولية، وتهيمن على النظام الدولي. ولا دلائل كافية على أن موقعها المتفرد على رأس هذا النظام عرضة للإقصاء على مدى العقود القليلة القادمة12. في المقابل، هناك من يعتقد أن النظام الدولي يشهد صراعًا تنافسيًّا جديًّا ومحتدمًا، تحاول فيه الصين التي تُعظِّم قوتها، التحول إلى قوة إقليمية عظمى، لتطيح بعد ذلك تفرد الولايات المتحدة، وتصعد لمقابلتها وموازنتها على رأس النظام الدولي الذي سيصير ثنائي القطبية من جديد13. لكن هناك وجهة نظر أخرى تضيف روسيا إلى الصين في المنافسة مع الولايات المتحدة، وتعتقد أن مستقبل النظام الدولي سيكون ثلاثي الأقطاب14. وثمة من يعتقدون أن النظام الدولي يمر بمرحلة حراك وتحوُّل نحو تعددية الأطراف أو الكتل الدولية. يشير هؤلاء إلى قوى صاعدة، إضافةً إلى الولايات المتحدة والصين وروسيا، كالهند، واليابان، ودول الاتحاد الأوروبي - وعلى رأسها ألمانيا وبريطانيا وفرنسا - والاتحاد الأوروبي نفسه، والبرازيل، والمكسيك، وإيران، وتركيا، وجنوب أفريقيا. ويعتقد هؤلاء أن النظام الدولي يتجه إلى أن يصبح في المستقبل المنظور متعدد الأقطاب15. في خضم هذه التعددية في وجهات النظر حول مستقبل النظام الدولي، تشير الدلائل المتاحة على صعد عديدة ومتشابكة الأثر، عسكرية واقتصادية وتكنولوجية وثقافية، إلى الاستدلالات التالية: أولً، أن تفرُّد الولايات المتحدة على رأس النظام الدولي، وإن يكن مستمرًّا آنيًّا وفي المدى القريب، ليس بالأمر اليقيني المضمون والمفروغ منه على مدى العقود القليلة القادمة. فالولايات المتحدة تواجه تحديات مختلفة من مصادر عدة، ويبدو أن قدرتها على إدامة السيطرة والتفرد في وجه هذه التحديات المستمرة والآخذة في التصاعد تتراجع بمرور الوقت. ثانيًا، أن دولً صاعدة كثيرة لم تزل في حاجة إلى كثير من الجهد والوقت كي تبلغ مكانة الدول العظمى. أما التكتلات الدولية، كالاتحاد الأوروبي ومجموعة البريكس، فلن تتمكن من العمل على أنها وحدات قادرة على فرض تأثيراتها على النظام الدولي إن بقيت مجزأة بين أعضائها من الدول السيادية. ثالثًا، أن مستقبل النظام الدولي الحالي يمكن أن يتحدد خلال فترة العقود القليلة القادمة نتيجة التفاعلات بين الأطراف الثلاثة التي تمتلك من مصادر القوة ما يجعلها الأكثر تأهيلً وقدرة على التنافس الجاري لتحديد شكل هذا النظام. هذه الدول هي: الولايات المتحدة التي تتربع على رأس النظام الدولي الأحادي القطبية، والصين المنافس الرئيس للولايات المتحدة وخصوصًا في المجال الاقتصادي، وروسيا ذات القوة العسكرية الكبيرة المكافئة لقوة الولايات المتحدة نوويًّا. والأرجح أن تستقر هذه المنافسة، في المستقبل المنظور، على نظام ثلاثي القطبية الدولية، ليتحول، ربما لاحقًا، إلى نظام متعدد الأقطاب16. في ضوء هذا التوقع، تعالج هذه الورقة أحدث الرؤى الإستراتيجية التي وضعتها كل واحدة من هذه الدول، وذلك لاستطلاع ماهية الدور الذي تنيطه كل منها بنفسها في هذا العالم، والكيفية التي ستواجه بها التحديات المفروضة عليها، كي تحقق التفوق على غيرها من المنافسين أو تبقيه. سيتم ذلك من خلال تحليل مضمون ثلاث وثائق رسمية، تعالج كل واحدة منها مسائل تتعلق بالأمن القومي والسياسة الخارجية لكل دولة من الدول الثلاث. ثم إجراء مقارنة بين توجهات هذه الدول، وذلك بهدف استطلاع الإمكانيات التي يمكن أن تنجم عن العلاقات التفاعلية بينها في المستقبل.
أولا: إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب17
ألزم الكونغرس الأميركي، بقرار صادر عام 1986، كل إدارة جديدة في البيت الأبيض بإصدار وثيقة حول إستراتيجية الأمن القومي، تفصح فيها عن رؤيتها لما يدور في العالم من قضايا وأحداث، وما يحكم العلاقات الدولية من مبادئ ومنطلقات، وتحدد فيها كيفية مواجهة ما تتعرض له البلاد من مخاطر وتحديات، كي يتم تأمين المصالح الأميركية العليا، والمحافظة على مكانة الولايات المتحدة المتقدمة بين الدول. وفي 18 كانون الأول/ ديسمبر 2017، أي بعد أحد عشر شهرًا من استلام السلطة، أعلن الرئيس ترامب عن إستراتيجية الأمن القومي التي تتبناها إدارته، وذلك بخطاب اعتبرته أوساط سياسية وإعلامية في حينه مناقضًا لأفكار ومواقف وردت في الوثيقة18. ومع ذلك، ونظرًا إلى ما يسم شخصية الرئيس الأميركي من مزاجية وتشتت، بل تضارب في الأفكار والمواقف أحيانًا، فإن الفريق المكلف بإعداد هذه الوثيقة، بقيادة مستشار الأمن القومي، هربرت رايموند مكماستر، نجح نجاحًا مبهرًا في إخراج وثيقة تُعبِّ عن رؤية متماسكة، وتعرض بصورة منظمة ومنسقة رؤية شاملة ومتكاملة ومترابطة لإستراتيجية أمن قومي لهذه الإدارة، وهذا الرئيس19. ترتكز إستراتيجية الأمن القومي الأميركية الجديدة على مبدأ أساسي، منحوت خصوصًا لها، تُعرِّفه بمصطلح "الواقعية المبدئية"20. يمزج هذا المبدأ غير المألوف بين نظرتين تأتيان من مدرستين متعارضتين في فهم العلاقات الدولية، وكيفية تفاعلها في النظام الدولي. تنطلق "الواقعية المبدئية" من منطلقين: يأتي الأول من المدرسة الواقعية، ويعطي قوة الدولة الدور المركزي في السياسة والعلاقات الدولية، ويركز، من ثمّ، على ضرورة تعظيم القوة الأميركية، وخصوصًا القوة الصلبة المتمثلة بالقدرة العسكرية. وأما الثاني، فيأتي من المدرسة الليبرالية التي تُنظِّر لتوظيف القوة الناعمة، وهو مبنيّ على الاعتقاد بأن نشر المبادئ والقيم الأميركية يؤدي إلى استتباب السلام وتحقيق الرخاء في العالم. لكن مراجعة الوثيقة تُظهر أن المبدأ الأول هو الأساس الأهم، الطاغي على منطقها ورؤيتها، ومن ثمّ، على تحديد توجهاتها. بينما يُلحَق المبدأ الثاني إلحاقًا ثانويًّا بالأول، ويحتل مساحة هامشية في تأسيس المنطق والرؤية، وفي البلورة العملية للتوجهات. ولذلك، يمكن استنتاج أن إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب مبنية على أسس واقعية، وتنطلق في تكوينها من الارتكاز على المبادئ الأساسية للنظرية الواقعية. من "الواقعية المبدئية"، تنطلق هذه الإستراتيجية متبنية نظرة تشاؤمية عن العالم والعلاقات الدولية فيه. فهي ترى العالم مكانًا غير مستقر، وخطرًا، و"مليئًا بالكثير من المخاطر التي اتسع نطاقها واستعرت مع مرور الوقت"21. يتشكل هذا العالم من "دول مستقلة، قوية وسيادية" 22، يحاول كل منها الحفاظ على مصالحه أمام الآخرين، وليس كما كان يُعتقَد في الإستراتيجيات الأميركية السابقة، وخصوصًا إستراتيجية إدارة أوباما التي يعتقد ترامب أنها أضعفت مكانة الولايات المتحدة في العالم، بأنه عالم يتشكل من "مجموعة دولية" تنتظم العلاقات داخلها على أساس تعاوني23. لذلك، ترى إستراتيجية الأمن القومي التي تتبناها إدارة ترامب أن العلاقات الدولية تقوم على أساس صراعي محض بين الدول من حيث الأساس، وأن كل واحدة منها تسعى لتحقيق الأفضلية على غيرها، وكل استفادة تحققها دولة هي، في المقابل، خسارة لدولة أخرى. إذًا، فالدول في حالة تنافس دائم فيما بينها، والمنافسة على القوة "هي استمرارية أساسية في التاريخ، والفترة الزمنية الحالية ليست مختلفة"24. لذلك، يتشكل العالم من دول تصارعية، وليست تعاونية، وتقوم العلاقات الدولية على أساس تنافسي، وليس تشاركيًّا. ولكي تحقق الدولة غاياتها ومصالحها، عليها أن تنخرط في منافسة غيرها، وأن تقوم بكل ما يتطلبه تحقيق التفوق في هذه المنافسة، فالبقاء للأقوى. أما التعاون، فإن حصل، فإنه يحصل لتحقيق المصلحة الذاتية للدولة، وليس لاستجلاب منفعة للآخرين. ولذلك، يجب أن ينطلق دائمًا من مركز قوة في العلاقة بالمنافسين الآخرين. تقوم إستراتيجية الأمن القومي التي تعتنقها إدارة ترامب على هذه الخلفية، وقد أكدها الرئيس الأميركي في خطاب تقديمه للوثيقة، بقوله: "علينا أن نعترف، سواء أطاب لنا ذلك أم لا، بأننا دخلنا عصرًا جديدًا من التنافس، ونعترف بأن العالم كله يشهد الآن مواجهات عسكرية واقتصادية وسياسية؛ حيث نواجه الأنظمة المارقة التي تهدد الولايات المتحدة، وحلفاءنا، ونواجه أيضًا الجماعات الإرهابية، والشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وغيرها من الأطراف التي تنشر العنف والشر حول العالم"25. تأتي هذه النظرة المتحفزة والمتأهبة والمتلهفة دومًا للانقضاض على "الغير" من اقتناع بأن الولايات المتحدة، لتميزها
وتفوقها ولكونها "من أعظم القوى الخيّة في تاريخ البشرية"26، محسودة وعرضة لهجمة استهداف خارجية من مناوئيها العديدين، للإضرار بها وتقويض مكانتها الدولية. ولذلك، فإن التصدي لهذه الهجمة والانتصار عليها يجب أن يكونا على رأس الأولويات الأميركية، والمحركيَن لسياستها الوقائية التي يجب أن تستند إلى تعظيم قوة الدولة وتمكينها، لتكون مستعدة دائمًا وقادرة على التدخل خارجيًّا كلما اقتضت المصلحة ذلك. وتفترض الإستراتيجية أن "الثقة والقوة الأميركيتين تمنعان الحروب، وتعززان السلام"27. من خلال هذا الفهم الواقعي للعلاقات الدولية، تنطلق إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب من الإيمان بالمصلحة القومية للولايات المتحدة، وترفع شعار "أميركا أولً " من أجل تحقيق ذلك28. وفي هذا العالم الخطر المليء بقوى منافسة تحاول بشراسة ضرب المصالح الأميركية عبر العالم، وإضعاف الولايات المتحدة، والحلول مكانها على الصعيد الدولي، تدعو إستراتيجية ترامب إلى تبنِّي "عقيدة منافسة"، تقوم على "نحن مقابلهم"، وتتخذ من تحقيق "استمرار التفوق الأم كيرر" غايةً عليا29؛ فالحفاظ على المصالح الأميركية يتطلب "المنافسة بصورة مستمرة في جميع المنافسات التي نتعرض لها في المناطق المختلفة، وعلى صعيد العالم كله"30؛ وهذه المنافسات "ليست عابرة أو لحظية، ولكنها تحديات طويلة الأمد، وتتطلب الانتباه والالتزام بصورة دائمة"31. ويبدو أن هذه الإدارة تخشى ألا يستمر التفوق الأميركي الحالي، بل يبدو أنها تتوقع تراجع مكانة الولايات المتحدة ودورها في النظام الدولي خلال الفترة القادمة، من "الدولة العظمى" المهيمنة في نظام القطب الواحد إلى واحدة من دول عظمى عدة؛ وذلك بسبب وجود منافسين أقوياء يحاولون النيل من مكانتها، وتغيير المعادلة الدولية لمصلحتهم. ولهذا السبب يجب على هذه الإدارة ردعهم والحفاظ على استمرار النظام الدولي واستقراره على وضعه الحالي. تواجه الولايات المتحدة، وفقًا لإدارتها الحالية، ثلاث مجموعات رئيسة من المنافسين، وهي: القوتان التعديليتان، روسيا والصين اللتان تخوضان منافسة شرسة مع الولايات المتحدة على مستوى العالم، من أجل "تغيير النظام الدولي لمصلحتهما"، والدولتان المارقتان، إيران وكوريا الشمالية اللتان تحاولان زعزعة هذا النظام في إقليميهما، والمنظمات التي تمثّل خطرًا عابرًا للحدود، خصوصًا الجماعات الإرهابية، وكارتيلات الجريمة المنظمة التي تسعى لبث الفوضى في كل أرجاء هذا النظام32. كل طرف من هؤلاء يمثّل خطرًا على الولايات المتحدة وتهديدًا لها، ويواجهها بكثير من التحديات، من زوايا متعددة، وعلى صعد مختلفة. وإذا لم تواجه هذه التحديات بفاعلية، فسيتمكن هؤلاء المنافسون من إلحاق أضرار بليغة بمصالح الولايات المتحدة ومكانتها الدولية. من هذا المنطلق، تدعو هذه الإستراتيجية الولايات المتحدة إلى استعادة الزخم الذي تعتبر أنها فقدته على الصعيد الدولي خلال العقدين الماضيين على الأقل، من جرّاء السياسات التي اتبعتها الإدارات السابقة، وخصوصًا إدارة أوباما التي قامت على أساس استرضاء المنافسين، ومحاولة صد طموحاتهم وامتصاصها من خلال إشراكهم في المنظومات الدولية. ولكن هذه السياسة، وفقًا للإستراتيجية الجديدة، أثبتت فشلً ذريعًا؛ إذ استمرت هذه القوى المنافسة في بناء قوتها وتعظيمها، وفي منافستها للولايات المتحدة، بل تحدّيها، عبر العالم. لذلك، على الولايات المتحدة أن تتعظ وتتخذ مسارًا مغايرًا لسياستها الاسترضائية السابقة، وأن تنافس هذه القوى على كل الصعد، السياسية والاقتصادية والعسكرية، وفي ميدان الثقافة ونشر القيم أيضًا، وفي مختلف المواقع والأماكن في العالم33. تدعو هذه الإستراتيجية الأميركيين إلى فهم العالم على حقيقته الصراعية - التنافسية، كي تتبنى الولايات المتحدة مواقف وسياسات براغماتية، وليست مثالية؛ فالمخاطر من المنافسين حقيقية وجمّة، والانتصار العالمي للقيم الليبرالية - المثالية التي تقوم عليها البلاد لن يتحقق على نحو تلقائي انسيابي، ومن دون القيام بالعناء المطلوب الذي يتطلب كثيرًا من الإقناع، إضافةً إلى استخدام القوة حين الحاجة. ويجب ألّ ينحصر الدور الأميركي في العالم أو يتقيد دائمًا بما يراه جيدًا وخيِّ ا، وإنما يصبح المعيار هو تحقيق المصلحة العليا للبلاد34. تحدد إستراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب أربعة أهداف رئيسة لحماية المصلحة القومية الأميركية، هي: حماية الوطن والشعب وطريقة الحياة الأميركية، وتعزيز الرخاء، والحفاظ على السلم من خلال القوة، وتعزيز النفوذ عالميًّا35. ولمواجهة سيل التحديات والتهديدات التي تحيق بالولايات المتحدة من الصين وروسيا اللتين "تتحديان قوة الولايات المتحدة ونفوذها ومصالحها"36، وتسعيان لتقويض مكانتها العالمية، ومن إيران وكوريا الشمالية اللتين تقومان بتطوير أسلحة نووية، ومن الجماعات الإرهابية التي تهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها، ترى الإدارة الأميركية أن الأمن القومي
للبلاد يجب أن يقوم على التصدي، ومنع المخاطر قبل وصولها إلى أرض الوطن، والحد من الهجرة وتنظيمها، ومواجهة الإرهابيين في معاقلهم، ومنع انتشار الأسلحة النووية37. ولكي يتم تحقيق ذلك، على الولايات المتحدة تحديث قدرتها العسكرية وتقويتها في مختلف المجالات، التقليدية والإلكترونية، وحتى في الفضاء؛ ليكون لديها باستمرار أقوى جيش في العالم، مستعدًا وقادرًا وجاهزًا للتدخل في أي مكان وفي أي وقت للحفاظ على المصالح الأميركية، والدفاع عن مجالاتها الحيوية، وتحقيق الانتصار38. ولا يمكن دوام هذا الأمر إلا بالمحافظة على اقتصاد متين ومنافس يقوم على أساس فتح الأسواق وضمان حرية التجارة الدولية التي تقوم على مبدأ "التبادلية العادلة" التي تنهي استغلال الدول الأخرى للولايات المتحدة، وتحقيق الفوائد على حسابها؛ فالاقتصاد المتين القائم على حيوية الابتكار هو المرتكَز للحفاظ على القوة الأميركية، وهو الذي يحمي الشعب، ويدعم أسس الحياة الأميركية، وهو الأساس للحفاظ على أقوى جيش في العالم39. لا يعني تحقيق الأفضلية للولايات المتحدة، وفق هذه الإستراتيجية، ألّ تتعاون مع الآخرين، ولكن يجب أن يستند هذا التعاون إلى قوة الولايات المتحدة وأولوية مصالحها، وأن تحقيق أيّ "توازن" يجب أن يكون لفائدتها40. على هذا الأساس، تتعاون الولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها، وتقوم بما عليها لتأمين حمايتهم. لكن هذا التعاون لن يستمر على حالته السابقة التي كان الحلفاء والشركاء يعتمدون فيها على "كرم" الولايات المتحدة الذي يؤدي إلى استنزاف مصادرها، بل سيكون هذا التعاون ممكنًا ومفيدًا حينما تحل التبادلية محل الاعتمادية، ويبدأ الحلفاء والشركاء في تحمّل نصيبهم من الأعباء41؛ فالتحالفات والشراكات تصبح أقوى وأكثر فاعلية حينما تُثبِت أطرافها التزامها عمليًّا بتسديد ما عليها من مساهمات. ترى هذه الإستراتيجية في العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وكل دولة أخرى على حدة، وليس في العلاقات الجماعية القائمة على التعاون الدولي، الأساس الأفضل والأمتن لتحقيق الأهداف الأميركية. لذلك، لا يوجد في هذه الإستراتيجية توجه يدعو إلى الاهتمام بعقد اتفاقيات أو مواثيق جماعية تحت المظلة الدولية؛ مثل اتفاقيات تجارة دولية جماعية، أو بروتوكولات دولية تعتبر التغير المناخي، مثلً، تهديدًا أمنيًّا للبشرية، كما لا يوجد فيها تطلع إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية. كل هذه الأمور والقضايا التي تتطلب التفاعل مع الآخرين وأخذ اهتماماتهم ومصالحهم في الاعتبار غائبة عن هذه الإستراتيجية؛ وذلك لأن المصلحة القومية الأميركية فوق أي اعتبار، ولأن التعاون الدولي الجماعي يضع هذه المصلحة في حالة توازٍ مع مصالح الآخرين، وهو ما يُعرضها لأن تفقد مكانة الأفضلية التي يجب أن تبقى تتمتع بها. لا يعني هذا الأمر، كما يعتقد بعض المحللين، أن هذه الإدارة الأميركية ستنحو في اتجاه العزلة والانطوائية، ولكن العكس تمامًا؛ فهي تتبنى سياسة هجومية استعلائية استقوائية، تقوم على توظيف القوة الاقتصادية والقدرة العسكرية لمواجهة المنافسين، وعلى تطويع الحلفاء والشركاء؛ فما تعتبره الولايات المتحدة جيدًا، يجب أن يكون جيدًا للجميع. من واقع هذه الرؤية الصراعية – التنافسية، ولكبح طموحات روسيا والصين لتوسيع النفوذ والهيمنة، ولضبط كوريا الشمالية وإيران، ولمواجهة الإرهاب؛ تعتبر إدارة ترامب أن مناطق العالم، على اختلافها، ساحات مفتوحة للمواجهة، وخصوصًا في أوروبا، وآسيا والمحيط الهادي، والشرق الأوسط. ويمثّل هدف الحفاظ على أوروبا "قوية وحرة"42 أولوية قصوى للولايات المتحدة، ولذلك تؤكد هذه الإدارة التزامها التام بحلف شمال الأطلسي "الناتو" الذي "يُ ثّل واحدًا من المزايا العظيمة على منافسينا"43. وفي آسيا والمحيط الهادي، تتعهد إدارة ترامب بمواجهة الطموحات النووية لكوريا الشمالية، وتعزيز التعاون مع حلفائها التقليديين، وتعميق الشراكة الإستراتيجية مع الهند ودعم دورها القيادي في منطقة المحيط الهندي44. أما في الشرق الأوسط فتخرج هذه الإدارة عن المتعارف عليه تقليديًّا بأن إسرائيل هي منبع اضطراب الإقليم، لتعزو هذا الاضطراب إلى التوسع الإيراني، وانهيار بعض الدول، وانتشار الأيديولوجيا الجهادية المتطرفة، والركود الاقتصادي والتكلس الاجتماعي، وتصاعُد المنافسات الداخلية. وتعيد هذه الإدارة تأكيد التزامها بتعزيز العلاقة بشركائها التقليديين في الإقليم لمواجهة هذه التحديات، وإيجاد حل مناسب للنزاع الإسرائيلي - الفلسطيني، بموافقة الطرفين45. باختصار، تضع هذه الإستراتيجية مصلحة الولايات المتحدة فوق مصالح غيرها من الدول، ولا تقبل بتوازي المصلحة الأميركية ومصالح أي منها، سواء أكانت دولً حليفة أم شريكة أم منافسة. ولا تتورع عن الإعلان الصريح، غير المغلّف بالقيم المثالية الحميدة، بأنها ستتبع أسلوب المنافسة الخشنة وتستخدم وسائلها في سياستها الخارجية، من دون أيّ اعتبار لما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تأجيج التوتر والصراع على الصعيد الدولي. وترى أن على الآخرين التأقلم مع المصالح والاحتياجات الأميركية، والمحافظة على استقرار النظام الدولي؛ فالولايات المتحدة، كما صرح الرئيس ترامب في خطابه التقديمي لهذه الإستراتيجية، "عائدة وبقوة."
ثانيًا: إستراتيجية الحزب الشيوعي الصيني
في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، قدَّم الرئيس شي جين بينغ تقريرًا للمؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، تضمَّن أفكاره حول دور الصين ومكانتها في "العصر الجديد." وعلاوة على تجديد قيادته للحزب ورئاسته للدولة فترة ثانية، يُعتقد أنها ستستمر طويلً، فقد أقر المؤتمر أفكاره، وقام بتضمينها في دستور الحزب بعنوان "فكر شي جين بينغ حول الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد"، وهذا ما يعني اعتمادها إستراتيجية للحزب وللصين في المرحلة القادمة46. أهم ما يميز هذه الإستراتيجية، على الرغم من كونها تنتمي إلى حزب شيوعي يحكم البلاد بشمولية، يكمن في المنطلق والأبعاد. فهي، في المنطلق، إستراتيجية للصين، وهي فخورة بمنشئها، وعلى إحساس عال بالتاريخ ودور الصين المستمر في الحضارة الإنسانية، سابقًا وحاضرًا، وتتطلع إلى إعلاء مكانة بلادها مستقبلً. ولكنها، في الأبعاد، ليست منغلقة على الصين أو أنها انطوائية، بل هي عالمية، مستوعِبة للعولمة، شاملة ومتكاملة، تقوم على رؤية إيجابية تفاؤلية، وتعبِّ عن توجه انفتاحي تشاركي. هي إستراتيجية تقوم على أساس التعاون، وتدعو إلى الانسجام، وليست تصادمية يحركها الصراع. والمبدأ المحرك لها هو: "الحوار لا المجابهة، والشراكة لا الانحياز"47، وفكرة العمل الأساسية فيها هي: "إحراز التقدم من خلال الحفاظ على الاستقرار"48. تُحدِّد إستراتيجية الحزب الشيوعي الصيني بقيادة بينغ هدفها بأنه "تحقيق انتصار حاسم في إنجاز مجتمع رغيد الحياة"49، تكون فيه الصين "دولة اشتراكية حديثة قوية ومزدهرة وديمقراطية ومتحضرة ومتناغمة وجميلة"50، وهذا ما يحقق "سعادة الشعب الصيني"51، ويوطد دعائم "النهضة العظيمة للأمة الصينية"52 في العصر الجديد الذي تقترب فيه الصين "من صدارة المسرح الدولي يومًا بعد يوم، مواصِ لة تقديم إسهامات أكبر للبشرية"53. وبتفاؤل وعزم وحيوية وتصميم، تُعلن هذه الإستراتيجية اقتراب ذروة هذه النهضة، ولكن مع دعوتها جميع الصينيين، والحزب على وجه التحديد، إلى التوحد وبذل المزيد من الجهد والعمل. وتفسر هذا بأن "الشوط الأخير من المرحلة هو الأصعب، والنهضة العظيمة للأمة الصينية لا يمكن تحقيقها بيسر وسهولة وبمجرد قرع الصنوج والطبول، فيتعين على الحزب كله الاستعداد لبذل جهود أعظم وأكثر مشقة"54، والصينيون قادرون على ذلك؛ لأن "الشعب الصيني شعب عظيم، كدود وشجاع، يتحلى بروح الكفاح والجَلَد في سبيل التقدم، والحزب الشيوعي الصيني حزب عظيم يجرؤ على النضال والانتصار"55. تضمَّن التقرير المقدم من الرئيس الصيني لمؤتمر الحزب التاسع عشر "جردة حساب" لما تم تحقيقه خلال فترة السنوات الخمس المنصرمة؛ أي منذ انعقاد مؤتمر الحزب الثامن عشر. واعتبر التقرير أن الإنجازات المحقَّقة، على الرغم من جميع التحديات والعثرات، ومع الإقرار بوجود مشكلات وثغرات لم تزل في حاجة إلى معالجات، كانت إنجازات "شاملة وتتصف بالابتكار"، وهذا ما أدى إلى أن تكون التغيرات الحاصلة ذات "أبعاد عميقة وأهمية أساسية"56. أدت هذه التغيرات إلى حدوث تحولات مهمة وأساسية على صعد "الشوامل الأربعة"57؛ وهي المجالات التي تمثّل عصب الاهتمام الصيني لإنجاح عملية التحول المنشودة. وهذه "الشوامل" هي: إنجاز مجتمع رغيد الحياة، وتعميق الإصلاح، ودفع حكم الدولة وفقًا للقانون، وإدارة الحزب بانضباط صارم. يُفصِّل التقرير ما تم إنجازه من أعمال ومبادرات لتقوية الاقتصاد الصيني ليصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، من تعديل للهيكلية الاقتصادية وتعزيز لاقتصاد السوق، وتطوير للبنية التحتية في البلاد، وإطلاق لمبادرات تنموية عديدة ومشاريع مثل "الحزام والطريق"58، وتطوير للعلوم والتكنولوجيا، وتشجيع للابتكارات، وزيادة في معدلات الإنتاج والتصدير. وقد وظِّف هذا التطور الاقتصادي، ومَكَّن من تحقيق إنجازات مستمرة ومتصاعدة، في مجال تحسين حياة الشعب؛ في محاربة الفقر، ورفع معدل دخل الفرد، وتحسين الوضع التوظيفي، والارتقاء بمستوى التعليم والخدمات الصحية والضمان الاجتماعي في البلاد. كل هذه الإنجازات كانت ممكنة من جرّاء سيل من المبادرات وأعمال الإصلاح ومحاربة الفساد التي شملت جوانب متعددة، داخل الحزب والدولة، وفي سياقات حياة المجتمع عمومًا. ضمن هذه الإصلاحات، تم تثبيت المبدأ القاضي بأن "الشعب هو سيد الدولة"59، وأن الحزب هو الذي يمثل "قيادة أبناء الشعب بمختلف قومياتهم في كل البلاد"60، وتم تعزيز مبدأ "الديمقراطية
التشاورية الاشتراكية"61، وتوسيع المشاركة وفقًا لذلك داخل الحزب الذي يتم الاعتناء بتوسيع انفتاحه على الشعب مع تطوير أدائه وتحسين آليات عمله. وإجمالً، يخلص التقرير إلى تقييم إيجابي لفترة السنوات الخمس السابقة، ويعتبر أنها حققت نجاحات مبهرة على صعيد توطيد دعائم الصين داخليًّا، وتحسين مكانتها خارجيًّا. ولإكمال تحقيق التحول الصيني في "العصر الجديد"62 الذي يرى بينغ قمة بلوغه في منتصف القرن الحالي، فإن رؤيته الإستراتيجية تقوم على إنهاء مرحلة التطور الحالية في الصين بحلول عام 2020، والانطلاق في البناء عليها في مرحلتين: الأولى تستمر حتى عام 2035، والثانية تُكلل التحول بالنجاح التام بحلول عام.2050 يرى بينغ أن على الصين مهمة استكمال الدفع بعملية التطور والتحديث الشاملين، ومعالجة مختلف جوانب القصور التي تواجهها هذه العملية؛ وذلك لتحقيق "انتصار حاسم من أجل إنجاز بناء مجتمع رغيد الحياة على نحو شامل"، بحلول عام 2020. بعد ذلك يحدث انتقال إلى مرحلة جديدة لتحقيق هذا الإنجاز، تستمر حتى عام 2035، يتم خلالها إجراء "التحديثات الاشتراكية" الضرورية التي سينتج منها توطيد دعائم النمو الصيني في مختلف المجالات، وتشهد الصين خلالها حدوث "طفرة كبرى في قوتها الاقتصادية وقوتها العلمية والتكنولوجية، وتكون في مقدمة الدول المبتكِرة." وسيتم خلال هذه المرحلة "إنجاز بناء الدولة والحكومة والمجتمع الخاضعة جميعًا لحكم القانون"، وستصبح "معيشة الشعب أيسر"، ويتقدم جميع أبناء الشعب بخطوات ثابتة نحو "الرخاء المشترك." أما المرحلة الثانية، وهي التي تستمر خلال الفترة 2050-2035، فيُستكمل فيها الإنجاز لتصبح الصين "دولة اشتراكية حديثة قوية ومزدهرة وديمقراطية ومتحضرة ومتناغمة وجميلة." ليس هذا فقط، ولكن الصين ستكون حينئذ "من الدول الرائدة من حيث القوة الوطنية الشاملة والتأثير الدولي[...]حيث ستقف الأمة الصينية شامخة وسط أمم العالم بمعنوياتها الأعلى"63. لتحقيق هذا الهدف وبلوغ تلك المكانة، تلخص إستراتيجية الرئيس الصيني المسارات التي على الحزب والدولة اتباعها في أربعة عشر مجالً، وتُفصِّل الأهداف الواجب تحقيقها في كلٍّ من هذه المجالات. ومن أهم هذه المجالات ما يُركز، من حيث الأساس، على المضمون، ومن ثم على آلية تحقيق هذا المضمون. تُشدِّد الإستراتيجية الصينية، كما هو وارد في وثيقة التقرير، أكثر على أهمية العامل الأيديولوجي، فهي تعتبره الركيزة الأساسية لتماسك الصين أولً، ولتحوُّلها إلى دولة عظمى ثانيًا. لذلك فهي تدعو، على نحو مكثف ومتكرر، إلى ضرورة الالتزام بمفهوم "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" ومنهجها64. وترى هذه الأيديولوجيا أن سر نجاح الصين في "العصر الجديد"65 هو اتباعها هذا النهج من الاشتراكية، لأنه نهج مرن وقادر على التحول والتطور باستمرار، إذ يتفاعل مع الظروف المتغيرة، ويُعبِّ عنها، وينتج منها، ويقود التغيير فيها. ليست الأيديولوجيا الجيدة هي تلك التي تريد تطويع الواقع وفقًا لأسسها، وإنما هي التي تمتلك مرونة التكيف مع الواقع، وتدفع قوى التغيير فيه. وهكذا، لا تقتصر "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" على الالتزام بالماركسية اللينينية الكلاسيكية، ولكنها تضيف أفكار ماو تسي تونغ، ونظرية دينغ شياو بينغ، و"التمثيلات الثلاثة" لجيانغ زيمين، ونظرية هو جين تاو عن التنمية العلمية. هذا المزيج المتسلسل الذي أضيفت إليه مؤخرًا رؤية الرئيس الحالي شي جين بينغ، هو الذي يمد هذه الأيديولوجيا بالحياة والحيوية، ويجعلها قادرة على مواكبة التحول وقيادته داخل الصين. ولذلك فإن "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" هي "تصيين الماركسية" لجعلها موائمة للعصر وقادرة على إحداث التغيير فيه. من هنا، تؤكد رؤية الرئيس بينغ ضرورة مقاومة كل نزعات الجمود والركود وقوى التصلب النظري، وتحث على إطلاق العنان للقوى الفاعلة والمبادِرة والمبتكِرة التي لا تخشى التغيير، ولكنها تقوده وترعاه. وباختصار، فإن هذا النظام من الاشتراكية "هو الضمان المؤسسي الجذري لتطور الصين المعاصرة وتقدمها"66. ومع ذلك، لا يمكن تحقيق هذا التطور والتقدم إلا باستمرار الحزب في قيادة دفة الدولة. لذا، فإن رؤية بينغ تُولي الحزب ودوره المركزي أهميةً فائقة؛ فهو الوسيلة الحاملة والحامية للتغيير. ولكي يتم "تحقيق الحلم العظيم، يتعين بناء المشروع العظيم[...]بناء الحزب، ليستمر ممتازًا"، فنهضة الصين تعتمد على الجودة والحيوية للحزب الشيوعي الذي يجب أن يستمر في عملية إصلاح الذات حتى "يظل طليعة العصر، والعمود الفقري للأمة." وعلى جميع أعضائه التحلي ب "الجرأة على كشط العظام لإزالة السموم، وإزالة كل العوامل التي تضر بتقدمية الحزب ونقائه، وإزالة كل الفيروسات التي تُعدي جسمه السليم." هذا الحزب "العظيم" تجب إدارته "بانضباط صارم"، من خلال توظيف "الديمقراطية المركزية" التي تفتح الباب أمام المشاركة، وتضمن حسن الانضباط67. أهم ما يميز الأيديولوجيا الصينية القائمة على "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية"، قدرتها على المواءمة والمزاوجة بين النظام السياسي الاش ارركي القائم على أسس النظرية الماركسية المُحدَّثة
وحكم الحزب الواحد، من جهة، والنظام الاقتصادي القائم على أساس السوق المفتوحة، ودعم القطاع الخاص وتشجيع المنافسة "العادلة"68، ومنع الاحتكار، وتعزيز الاستهلاك لدفع عجلة التنمية في البلاد، من جهة أخرى. من هذا المنطلق تدعو الإستراتيجية التي تبناها الحزب الشيوعي إلى استمرار عملية الإصلاح الهيكلي لاقتصاد البلاد، بهدف تعزيز بنية نظام اقتصادي صناعي تكنولوجي يكون رائدًا على الصعيد العالمي، يقوم على الاستمرار بإطلاق العنان للقدرة الابتكارية الصينية، وبذلك يدعم حيوية السوق، ويمكِّنها "من أداء دورها الحاسم في توزيع الموارد"، لتعزيز التنمية ورفع "مستوى معيشة الشعب باستمرار"69. إن هذه النظرة الاقتصادية ذات النفحة الليبرالية هي ما يميِّز الصين ذات النظام السياسي الشمولي، ويجعل التجربة التنموية الصينية الجارية فريدة في منحاها. إن الاستمرار بإحداث هذا التحول الاقتصادي ورفع القدرة الإنتاجية للبلاد مهم، من وجهة نظر هذه الإستراتيجية، لتدعيم موقع الصين ولتعزيز مكانتها الدولية. وعلى هذا الصعيد الدولي، نجد أن النظرة الإستراتيجية الصينية تتميز في رؤيتها للعلاقات الدولية، وفي الطريقة التي تطرحها لمعالجة الشؤون الدولية؛ فهي لا تنظر إلى العالم ولا تتعامل مع الدول الأخرى من خلال استخدام القوة وتعظيمها، وفقًا للنظرية الواقعية التي يُتوقع من نظام سياسي شمولي أن يتبناها، ولكن من خلال منطلقات النظرية الليبرالية التي تتبناها اقتصاديًّا. تقوم الرؤية الصينية إلى العالم على تعقد الشؤون الدولية وترابطها، والتشابك في مصالح الدول؛ فالإستراتيجية الصينية تُعلن أنه "لا توجد أي دولة قادرة وحدها على صد كافة التحديات التي تواجه البشرية، ولا دولة تستطيع التراجع إلى جزيرة معزولة للانغلاق الذاتي." لذلك، وبما أن الدول لا تستطيع التفرد أو الانعزال، ولكنها مضطرة إلى التفاعل مع غيرها، تجد الصين من واجبها الدفع في اتجاه "بناء علاقات دولية حديثة النمط قائمة على الاحترام المتبادل والإنصاف والعدالة والتعاون والفوز المشترك." أما الهدف من ذلك فهو تعزيز "حماية السلام العالمي ودعم التنمية المشتركة"70. تنطلق الصين في فهمها للعلاقات الدولية من تأكيد المساواة بين الدول: "وستواصل الصين التزامها بأن كل الدول سواء كانت كبيرة أم صغيرة، قوية أم ضعيفة، غنية أم فقيرة، يجب أن تكون على قدم المساواة." وتؤكد احترامها لسيادة كل دولة، ومعارضتها "فرض إرادة أي دولة على غيرها، وتدخلها في شؤون غيرها، واستغلال القوة للاضطهاد والعنف." من هذا المنطلق، تعلن الإستراتيجية الصينية أنه لا وجود لأي أهداف توسعية عند الصين، وأن بلادها لا تريد "الهيمنة، ولن تقوم بالتوسع الخارجي أبدًا مهما بلغ مستواها في التنمية." ولطمأنة الجيران، أكدت الإستراتيجية أن الصين ستتبع "دبلوماسية الجوار" القائمة على "اتخاذ الجيران أصدقاء وشركاء"71. وتعهدت، لكونها تعتبر أنها لا تزال "أكبر دولة نامية في العالم"72، بزيادة مساعداتها للدول النامية، من أجل "تقليص الفجوة التنموية بين الشمال والجنوب"73. وبينما تبدي الصين هذه النوايا الحسنة والتوجهات الإيجابية في رسم ملامح النظام الدولي الذي تود الإسهام في تشكيله في الحاضر والمستقبل، وتؤكد ضرورة توظيف القوة الصينية الناعمة لتحقيقها، فإنها تؤكد أنها لا تسمح للآخرين بتعريض حقوقها ومصالحها الشرعية، وخصوصًا الحفاظ على وحدة البلاد، للخطر. ولذلك فإنها تعلن أن سياستها الدفاعية وتوجهاتها الإيجابية ستُسنَد بجيش سيكون بحلول منتصف القرن الحالي "من الدرجة الأولى في العالم"74. ولكي لا يبدو أن أمر إعداد هذا الجيش يحمل في ثناياه نوايا عدوانية، فإن الإستراتيجية الصينية تؤكد مرارًا استعداد الشعب الصيني "للعمل مع شعوب العالم على دفع عجلة بناء مجتمع مصير مشترك للبشرية، وخلق مستقبل جميل لها"75. وتؤمن الصين بأنه يمكن الوصول إلى هذا المجتمع عبر تعزيز الانفتاح وتوطيد الشراكة بين الدول، وذلك من أجل تحقيق المنفعة المتبادلة. تعترف الصين بالتعددية، وتقدر أهمية بناء منظومة الحوكمة الدولية، والنظام الدولي، والسياسة الدولية، على أساس احترامها والعمل بمقتضاها. لذلك، تتعهد بأن تبني سياستها على أساس "الالتزام بمبادئ التشاور والتشارك والتنافع" مع الآخرين، من أجل الوصول إلى "توازن أكبر" بين القوى الدولية، و"دفع تطور العولمة الاقتصادية نحو اتجاه أكثر انفتاحًا وشمولً وأفضلية عامة وتوازنًا وفوزًا مشتركًا." ويتطلب هذا الهدف إسهام الجميع في تطوير "الشراكة العالمية"، ودعم "نظام التجارة المتعددة الأطراف"، وتطوير "بناء الاقتصاد العالمي المنفتح." ويحتاج ذلك إلى توافر مناخ عام يحترم "تنوع حضارات العالم"، ويؤكد ضرورة "الرفق بالبيئة، والتعاون في مواجهة التغير المناخي، وحُسن صيانة الكرة الأرضية التي تعتمد عليها حياة البشرية"76. إن هذه الأيديولوجيا التي تعلن أنها تقوم على تعزيز أسس الانفتاح والتعاون واحترام المساواة بين الدول، وتسعى لإقامة الشراكات على الصعيد الدولي، من أجل تحقيق رفاهية البشرية وتقدُّمها، تعطي نفحة إيجابية، وتترك انطباعًا تفاؤليًّا. إنها أيديولوجيا قوة واثقة بنفسها وبتصاعد مكانتها الدولية77.
ثالث ا: مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي
كان لانهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تداعيات سلبية مهمة على روسيا الاتحادية، داخليًّا وخارجيًّا على السواء، وخصوصًا على مكانتها الدولية؛ فقد تحوَّل النظام الدولي بفعل ذلك من ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية، وفقدت روسيا ما كانت تتمتع به من صدارة على الساحة الدولية حين كانت تشكل الاتحاد السوفياتي؛ القطب الأساسي المقابل للولايات المتحدة على رأس هرم النظام الدولي حينذاك. منذ ذلك الحين وروسيا مثابرة في سعيها لمعالجة ما نجم عن ذلك الانهيار من مشكلات داخلية أصابت مختلف أوجه الحياة في البلاد، وخصوصًا من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، إلى جانب تركيزها على ترميم علاقاتها الخارجية وتأثيراتها في الساحة الدولية. كل ذلك جاء من أجل استرداد مكانتها المفقودة، واستعادة موقعها السابق، بوصفها قوة أساسية مؤثرة ووازنة في الحسابات الدولية، ودولة مشاركة في التربع على قمة النظام الجديد. من هذا المنطلق جاء تركيز روسيا على تحديد مفهوم سياستها الخارجية، ونظرتها إلى الشؤون الدولية، والدور الذي تريده لنفسها لتعود طرفًا مقرِّرًا في السياسة الدولية. ونتيجة لتغير ظروف البلاد، ولاختلاف التحديات الخارجية التي واجهتها روسيا، مر هذا المفهوم بتحولات خلال فترات زمنية متلاحقة. وخلال فترات حكم فلاديمير بوتين الذي سيطر على مقاليد السلطة في البلاد منذ عام 2000، تم إصدار أربع وثائق تحدد تباعًا مبادئ السياسة الخارجية الروسية وأهدافها، والمناطق والدول ذات الأولوية فيها. وجاءت هذه الوثائق في أعوام 2000 و 2008 و 2013، وأخيرًا عام 2016 حينما أقر بوتين الوثيقة السارية التي تم إعلانها في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر من ذلك العام78. وقد جاءت هذه الوثيقة لتعكس أثر تغير الظروف منذ عام 2014، بعد ضم روسيا شبه جزيرة القرم، ودعمها اللاحق للحركة الانفصالية في شرق أوكرانيا، وفرض العقوبات الغربية على روسيا، وانخراطها في الأزمة السورية79. يلُاحظ من تحليل هذه الوثيقة تصاعد نبرة التحدي لوضع النظام الدولي القائم على الأحادية القطبية، وذلك من جرّاء تراكم الشعور الروسي بالقوة، ولكن تلك التي لم تزل ترزح تحت وطأة النظرة الروسية التقليدية القائمة على استمرار الارتياب الشديد من احتمالية الاستهداف الخارجي، وما يولِّده ذلك من شعور بفقدان الأمن. تعكس هذه الازدواجية التي تجمع ما بين تزايد الثقة بالقدرة الذاتية، والشك في الآخر، حالة انفصالية في مفهوم السياسة الخارجية الروسية، ما بين نزعة تعاونية تصالحية تشاركية، وأخرى صراعية تنافسية دفاعية على الصعيد الدولي. لذلك، يلُاحظ تأرجح مفهوم السياسة الخارجية الروسية بين منطلقات واقعية ومطالب ليبرالية. تنطلق محددات السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية، كما يتضح من تحليل مضمون الوثيقة المعتمدة حاليًّا، من رؤية واقعية، تنحو نحو التشاؤمية، للوضع الدولي الحالي، وما ينجم عنه من تحديات تستهدف البلاد؛ فهو وضع لا يقوم فقط على الهيمنة الغربية على السياسة الدولية، وتفرُّد الولايات المتحدة على رأس هرم النظام الدولي، ولكن على خوض الغرب، أيضًا، بقيادة الولايات المتحدة حملة محمومة ومفتوحة لضمان استمرار الهيمنة والتفرد، وهو ما أدى إلى تسارع وتيرة "تقويض الاستقرار الدولي وتهديد الأمن العالمي"80. وتشير الوثيقة إلى أن ما تبذله القوى الغربية من محاولات مستمرة "للحفاظ على مواقعها في العالم، بما في ذلك فرض وجهة نظرها[...] وتنفيذ سياسة ممنهجة لاحتواء القوى الصاعدة"، سيؤدي من المنظور الروسي إلى تفاقم الصراع في الساحة الدولية. فمن أجل استمرار فرض هيمنتها، تقوم هذه القوى ب "توسيع قدرتها العسكرية"، وتسخير كل إمكانياتها "الاقتصادية والقانونية والتكنولوجية" لضمان استمرارية تحكمها في السياسة الدولية، وهذا ما أدى إلى أن تصبح "القوة عاملً متزايد الأهمية في العلاقات الدولية"، و"يضر بالجهود الرامية إلى إيجاد تسويات وحلول بالوسائل السلمية"81. تُلقي الوثيقة باللوم بخصوص حالة الاضطراب والفوضى التي يعانيها العالم على القوى الغربية، بالإشارة الضمنية من دون تسميتها بالاسم. وتصف هذه القوى بأنها إقصائية، لا تريد التعاون ومشاركة الآخرين، إلا على أسسها ووفق اشتراطاتها. وقد تصاعد التوتر العالمي من جرّاء سياساتها التدخلية التي تستهدف ترتيب الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية على وفق مصالحها. وقد أدت هذه السياسات في المجال الاقتصادي إلى تفاقم "أوجه التفاوت في التنمية العالمية، وتوسيع الهوة بين الدول"82. أما على الصعيد السياسي فقد استمرت هذه الدول في مسعاها لفرض رؤاها وقيمها على الآخرين، وهذا ما أدى إلى "تدمير آليات الحكم والأمن"، في بلدان عديدة، وانتشار مشاعر الاستياء بين شعوبها. وكانت النتيجة ازدياد التعصب، وتصاعد الكراهية للأجانب، وازدياد تقبُّل اللجوء إلى العنف لمواجهة مظاهر العولمة التي تدمر الخصوصيات القومية والثقافات المحلية. وهكذا أصبحت الأرضية
خصبة لنمو أيديولوجيا التطرف ومظاهره، وانفجرت ظاهرة الإرهاب على الصعد المحلية، ولكنها سرعان ما صارت ظاهرة عابرة للحدود، وأصبح تهديدها المتزايد على الساحة الدولية "من أخطر الحقائق في العالم"83. من خلال هذه الرؤية لعالم اليوم، تنطلق روسيا في مسعاها لتحديد مفهوم سياستها الخارجية ومعالمها؛ بهدف إحداث اختراق يخدم مصالحها. وهي في هذا السياق ليست خجولة أو متسترة، ولكنها واضحة وصريحة؛ فالوثيقة تنص أن روسيا تتبع "سياسة خارجية حازمة ومستقلة تسترشد بمصالحها الوطنية"84 لتحقق "أولوياتها الوطنية الإستراتيجية." ويقف على رأس هذه الأولويات "ضمان الأمن الوطني والسلامة الإقليمية"، و"تعزيز موقف الاتحاد الروسي بوصفه مركزًا للنفوذ في عالم اليوم"، وتعزيز موقع روسيا "في العلاقات الاقتصادية العالمية"85. من الصعب تحقيق هذه الأهداف في عالم تهيمن عليه القوى الغربية. ومن ثمّ، فلا بد من تغيير النظام الدولي على نحو يتيح لروسيا المجال للاضطلاع بدور نافذ فيه، واستعادة المكانة والمجد المهدورين. ويعني هذا التغيير تحويل النظام الدولي من نظام أحادي القطبية، تهيمن عليه قوة عظمى واحدة، وتسوده علاقات دولية مبنية فقط على التحالفات الثابتة والجامدة وعلى العلاقات الثنائية بين الدول، إلى نظام متعدد الأقطاب، مفتوح ومرن، يقوم على شبكة معقدة من الروابط والشراكات بين الدول والفواعل الأخرى من غير الدول، على نحو يتيح المجال لمساهمة القوى العديدة المؤثرة فيه. وترى روسيا أن هناك مؤشرات حالية تدل على هذا التحول؛ فالتغيرات الناشئة بفعل عوامل العولمة أدت إلى "تآكل الهيمنة الاقتصادية والسياسية العالمية للقوى الغربية"86؛ بحيث لم يعد النمط الحالي القائم على التحالفات العسكرية والسياسية التقليدية، في إشارة مبطنة إلى الناتو، قادرًا "على مواجهة التحديات والتهديدات التي يواجهها العالم اليوم"87. هذا العالم الذي يشهد الآن عملية تحوُّل في مركز ثقله في اتجاه الشرق، وبالتحديد نحو منطقة آسيا والمحيط الهادي، حيث تتشكل مراكز جديدة للقوى العالمية. تسعى روسيا، تعزيزًا لمصالحها، لأن يكون النظام الدولي القادم "عادل ومستدامًا"، تؤسَّس فيه العلاقات بين الدول على مبادئ "المساواة في الحقوق، والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وضمان الأمن المتساوي لأعضاء المجتمع الدولي"88. هذا النظام يجب ألا يكون كالنظام الحالي مبنيًّا على الاحتكارية، وأن يصبح ديمقراطيًّا، تعالَج فيه القضايا الدولية "على أساس اتخاذ القرارات الجماعية، وسيادة القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وكذلك علاقات الشراكة المتساوية بين الدول"89. ويلُاحظ أن روسيا تولي أهمية قصوى في وثيقتها لسيادة القانون الدولي، متمثلة باحترام الأمم المتحدة والتقيُّد بأحكامها وأعمالها، بوصفها المنظمة التي لا تجد روسيا بديلً منها ل "تنظيم العلاقات الدولية وتنسيق السياسة العالمية"90. وتعتقد روسيا التي تعاني مواقف وقرارات سلبية من جانب القوى الغربية تجاهها، ومنها فرض عقوبات عليها، ترى أن هذه الدول تتعامل مع غيرها من خلال تسخيرٍ واستغلال متعسف وانتقائي وازدواجي لمبادئ القانون الدولي وقواعده. ولكي يتوقف ذلك، تدعو روسيا إلى زيادة دور الأمم المتحدة وفاعليتها، وعلى وجه التحديد مجلس أمنها. ولا تجد روسيا أي تناقض في موقفها الداعي إلى الاستجابة لمطالب الإصلاح بتوسيع عضوية مجلس الأمن الدولي، وإصرارها على الحفاظ على مركز الأعضاء الخمسة الدائمين فيه، حمايةً لمكانتها91. وتدعو روسيا، كونها دولة ذات قدرات عسكرية عظمى، إلى صون الأمن الدولي وتعزيزه، وتُعلن التزامها بالحد من انتشار الأسلحة، وخصوصًا النووية، وعلى وجه التحديد في منطقة الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية، والتزامها بمنع حدوث سباق تسلح في الفضاء أيضًا. وتؤكد روسيا أيضًا، على ما يبدو تبريرًا لتدخلها في سورية، استعدادها الدائم لمكافحة الإرهاب، وللمشاركة في الجهود الدولية لحفظ السلام، وتنظيم عمليات الهجرة. ولكنها تصر على أن يتم كل ذلك باحترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، والدعوة إلى "حل الصراعات الإقليمية بالوسائل السياسية والدبلوماسية ومن خلال العمل على نحو جماعي"92. أما في المجال الاقتصادي فإن الدفاع عن المصالح الروسية يظهر في الوثيقة بجلاء؛ إذ تُظهر الجانب الإيجابي من روسيا في هذا الصدد من خلال دعوتها إلى إيجاد حلول للمشكلات التي تعانيها التنمية العالمية المستدامة، وإعلانها استعدادها للمشاركة الفاعلة في المنظمات الاقتصادية والمالية والإقليمية، والسعي لإقامة منظومة دولية لتنظيم العمليات التجارية والاقتصادية والنقدية والمالية على نحو "منصف وديمقراطي"93. ولكنها، مع ذلك، تعلن أن هدفها هو "توسيع وجود روسيا في الأسواق العالمية"، والتصدي بحزم ل "الإجراءات الاقتصادية غير الودية التي تتخذها الدول الأجنبية"94 تجاهها. وفي هذا السياق
تعتبر روسيا مسألة حماية البيئة والاستغلال المتكافئ والمنظَّم للموارد الطبيعية من أولويات سياستها الخارجية، وتدعو إلى التعاون الدولي في هذا المجال. كذلك، تعتبر الوثيقة أن اتفاق باريس بشأن المناخ يمثّل "إطارًا تنظيميًّا متينًا لسياسة مناخية طويلة الأمد"95. كل ما سبق يأتي، من وجهة نظر روسيا، في إطار ضرورة احترام حقوق الإنسان والحريات في مختلف أرجاء العالم، وهو ما يتطلب احترام الاختلافات التاريخية والثقافية والقيمية والدينية والحضارية لمختلف الشعوب والدول. وفي لمز لممارسات الدول الغربية، تدعو الوثيقة إلى الامتناع عن استغلال حقوق الإنسان واستخدامها ذريعةً "لممارسة ضغوط سياسية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول"96. وتلحظ الوثيقة أهمية استخدام "الدبلوماسية العامة"، وتوظيف وسائل الإعلام الروسية، والتعاون مع الكنيسة الأرثوذوكسية، ومنظمات المجتمع المدني، للتأثير إيجابيًّا في الرأي العام العالمي، ونشر اللغة والثقافة الروسيتين عالميًّا، وتحسين صورة روسيا في العالم لتصبح أكثر "موضوعية"97. مع أن الوثيقة تبيِّ عزم روسيا على اتباع سياسة خارجية نشطة في مختلف أرجاء العالم، فإنها تحدد أيضًا أولويات تدخلاتها في المناطق والدول المختلفة، تلبية لحاجاتها ومصالحها. في هذا السياق، تعتبر روسيا أن الدول التي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تمثّل أهم مجال حيوي لها، وتُوليها لذلك عناية خاصة وأولوية في سياستها الخارجية. وتركز هذه السياسة على تعزيز هياكل التكامل بين هذه الدول، داخل رابطة الدول المستقلة، والاتحاد الاقتصادي للمنطقة الأوروبية الآسيوية، ومنظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود. وتشتمل الاهتمامات الروسية على توطيد أواصر الترابط مع هذه الدول، وبالتحديد بيلاروسيا، في مختلف المجالات الحيوية، ابتداء بالسياسة والاقتصاد، ومرورًا بالثقافة والتعليم، ووصولً إلى التعاون الأمني الذي توليه روسيا اهتمامًا كثيرًا. وتُظهر روسيا استعدادها لتطبيع علاقاتها مع أوكرانيا وجورجيا في أعقاب توترها، ولكن بما يحافظ على المصالح الروسية. مع ذلك، تحذِّر روسيا جميع هذه الدول، وتدعوها إلى أن تنتبه إلى أن تطوير علاقاتها بأطراف دولية أخرى، والمقصود هنا القوى الغربية، يجب ألّ يأتي على حساب المصالح الروسية التي تكفلها أطر التكامل المختلفة للدول الأعضاء في رابطة الدول المستقلة، ومنها روسيا98. أما المجال الحيوي الثاني للاهتمام الروسي فينصَب على منطقة آسيا والمحيط الهادي التي تشهد، وفق التقدير الروسي، انتقال مركز القوة فيها من الغرب إلى المنطقة. ولذلك تُعرب عن رغبتها في المشاركة في عمليات التكامل مع دول هذه المنطقة، وإقامة "علاقات شراكة إستراتيجية وشاملة وطويلة الأمد مع دولها"99، وخصوصًا الصين والهند واليابان والكوريتين، إضافة إلى جميع الدول في جنوب شرق آسيا. وتبدي روسيا كامل استعدادها للتعاون والمشاركة الفعالة داخل الأطر الآسيوية، مثل رابطة جنوب شرق آسيا، ومؤتمر قمة شرق آسيا، ومنظمة شنغهاي للتعاون. وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، فإن روسيا تؤكد عزمها على الاستمرار في المساهمة الإيجابية لاسترجاع الاستقرار للمنطقة، وتعرب عن رغبتها في التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة السورية، ولكن بما يحفظ لسورية "استقلالها وسلامتها الإقليمية بوصفها دولة علمانية وديمقراطية تعددية"100، والتوصل كذلك إلى حل شامل وعادل ودائم للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وتؤكد روسيا التزامها بالاستمرار في مواجهة الإرهاب، ودعمها الجهد الجماعي في هذا المجال. وتعلن عن رغبتها في استمرار التعاون مع إيران وتوثيقه، وسعيها المستمر لضمان التنفيذ السليم للاتفاق المتعلق ببرنامجها النووي. وفي النهاية، نعود إلى التحدي الأساسي الذي يواجه روسيا ويمثّل عقبة أمام تحقق رغبتها في مشاركةٍ أكبر وأهم على الصعيد الدولي، وهو العلاقة الشائكة بالغرب. تبيِّ الوثيقة أن روسيا تأخذ على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين اتباع "سياسة الاحتواء"101 ضدها، وما تتعرض له بسبب هذه السياسة من ضغوطات على مختلف الصعد. في المقابل، تُعرب هي عن استعدادها ل "بناء فضاء مشترك للسلام والأمن والاستقرار يقوم على مبادئ الأمن المتكامل والتعاون المتكافئ والثقة المتبادلة"102. في التفاصيل، تفرِّق روسيا بين الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكًا أساسيًّا في المجال التجاري والاقتصادي، ترغب في تعزيز العلاقة معه وتنميتها وتوسعتها لتشمل جوانب أخرى ذات اهتمام مشترك، وخصمً حين يتعلق الأمر بمشاركة دوله في الناتو الذي يدفع في اتجاه التمدد شرقًا، لتصل قواته العسكرية إلى الحدود الروسية، وهذا ما تعتبره روسيا خطرًا بالغًا على أمنها القومي يجب مقاومته بمختلف السبل. لذلك، فالعلاقة بالاتحاد الأوروبي شائكة ومعقدة، ولكن روسيا تؤكد استمرار مشاركتها في مجلس أوروبا، وتعلن عن رغبتها في توطيد علاقاتها الثنائية مع كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا، تحديدًا103. أما الولايات المتحدة، فتعرب روسيا عن اقتناعها بأن الاستقرار الإستراتيجي العالمي مرهون بإيجاد علاقة إيجابية متوازنة وندّية،
معها، تقوم على أساس "التكافؤ والثقة المتبادلة، واحترام مصالح كليهما، وعدم تدخل أي منهما في الشؤون الداخلية للأخرى"104. ولكن هذه العلاقة ليست موجودة حاليًّا، وتعزو موسكو ذلك لسياسة واشنطن العدائية تجاهها، وتُعلن استعدادها لمواجهة هذه السياسة بحزم. ومع ذلك، تبدي روسيا استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة في مجال الحد من الأسلحة، وخصوصًا النووية. في الحصيلة، تعكس وثيقة مفهوم السياسة الخارجية للاتحاد الروسي التململ الحاصل في روسيا بعد نمو الاعتقاد داخل أوساطها الرسمية بأنها استطاعت تجاوز المحن والتحديات الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفياتي، وأصبح في إمكانها المنافسة على الصعيد الدولي لاستعادة ما فقدته من جرّاء ذلك الانهيار. ولكن معضلة روسيا لن تتوقف في المستقبل على مواجهتها الولايات المتحدة والقوى الغربية التي تعتقد بتراجع مكانتها الدولية، وإنما سيُفتح عليها باب مواجهة جديدة، لم تزل كامنة، مع الصين، القوة الأساسية الصاعدة في عالم اليوم، الحليفة الآن والمنافِسة في المستقبل.
خاتمة: الانعكاسات المستقبلية على النظام الدولي
على الرغم من خشونة لغة الطرح في حالة الولايات المتحدة، أو نعومته في حالة الصين، وروسيا بصورة أقل، يتضح من خلال تحليل مضمون الرؤى الإستراتيجية لهذه القوى الثلاث صاحبة التأثير الأكبر في الساحة الدولية، أن العلاقة بينها تنحو إلى التصارع التنافسي أكثر من التعاون التشاركي. ومن شأن هذا الأمر أن يترك آثارًا مهمة في حاضر العلاقات الدولية ومستقبل النظام الدولي. صحيح أن هذه القوى الثلاث غير متكافئة القوة حاليًّا، ولذلك تمثّل زوايا غير متساوية في مثلث القطبية الدولية، لم تزل كبراها هي الولايات المتحدة التي تتربع على رأس هذا النظام الموصوف بأحادية القطبية، ولكن صحيح أيضًا أن قوة هذا القطب الواحد ليست ثابتة ومطلقة وأزلية، ولكنها متحولة، يؤثر فيها حراك القوتين الأخريين اللتين تسعى كل منهما لتعديل شكل المثلث وتوسيع زاويتها فيه. إنها عملية الحراك الدائم على الساحة الدولية لتقسيم القوة، وإعادة تقسيمها، بين القوى الأساسية الكبرى منذ نشأة النظام الدولي الأوروبي ما بعد معاهدة وستفاليا، وحتى الآن. تتمتع الولايات المتحدة في النظام الدولي الحالي بجميع المزايا التفضيلية لمصادر القوة، عسكريًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وتكنولوجيًّا، ولذلك هي الأولى عالميًّا. ولكن قوتها النسبية آخذة في الانحسار التدريجي أمام تصاعد القوة الصينية التي تحقق تقدمًا متسارعًا في المجالين الاقتصادي والتكنولوجي، لا بد من أنه سينعكس مستقبل، كما تشير الإستراتيجية الصينية، على تعظيم القوة العسكرية، على نحو يؤهل الصين لموازاة مكانة الولايات المتحدة، بل حتى إمكانية التفوق عليها. أما روسيا، وهي الأضعف بين القوى الثلاث، فتعوِّل بالأساس على قوتها العسكرية الهائلة، ومكانتها الدولية السابقة، لتحجز لنفسها مكانًا، وتفتح كوَّة في الصراع التنافسي الجاري، وهي تأمل أن تتعافى أوضاعها، وخصوصًا الاقتصادية، مع مرور الوقت، لتحوِّل مساعيها الحالية لفرض الذات على قمة النظام الدولي إلى استحقاق105. يلُاحَظ من إستراتيجية إدارة ترامب للأمن القومي توجُّسها الشديد من تضعضع مكانة الولايات المتحدة عالميًّا، وتصميمها على استدراك ذلك من خلال إعادة ترتيب الأولويات الأميركية، وفق أجندة قومية، لا تتيح لها فقط مواجهة التحدي الروسي والصيني، ومتاعب أخرى، ولكن حسم هذا التحدي لمصلحتها أيضًا. إن الأمر بالنسبة إلى هذه الإدارة يُعَد مسألة حياة أو موت؛ "معركة مصيرية" عليها أن تخوضها وتربحها للحفاظ على استمرارية الهيمنة الأميركية على النظام الدولي. لكن ريبة هذه الإدارة بالغير ورعونة رئيسها، أدَّتا إلى "فتح النار" في كل الاتجاهات، على المنافسين والحلفاء والشركاء على السواء. لقد كان المتوقَّع من الإدارة الأميركية، إن كانت تريد مواجهة الصين وروسيا بنجاعة، أن تعمل على تمتين علاقاتها بحلفائها وشركائها، من أجل إيجاد جبهة متراصَّة تقف معها في هذه المواجهة، لا أن تقوم بتشويشهم وتبث فيهم مشاعر القلق وفقدان اليقين؛ فكل القضايا والشراكات المهمة لهؤلاء الحلفاء والشركاء تخلت عنها هذه الإدارة التي أعلنت انسحابها من اتفاق باريس بشأن المناخ، ومن اتفاقية شراكة التجارة الحرة عبر المحيط الهادي، وطالبت بإعادة فتح التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة مع كندا والمكسيك، فضلً عن مطالبتها أعضاء الناتو والشركاء في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتسديد التزامات ودفع مساهمات مالية مقابل استمرار تحالفهم مع الولايات المتحدة وحمايتها إياهم106. لم تتوانَ الصين عن استغلال الفرصة السانحة لتعزيز مواقعها، وخصوصًا في منطقة آسيا والمحيط الهادي. ففيما عدا عملها على تثبيت هيمنتها العسكرية في بحر الصين الجنوبي، أعادت تأكيد التزامها ودعمها لاتفاق باريس بشأن المناخ، ورعايتها لاتفاقية التجارة الحرة في منطقة المحيط الهادي التي لم تنسحب منها أي دولة بعد خروج الولايات المتحدة، وتوطيد تعاونها مع الدول الواقعة على طول
طريق مبادرة "الحزام والطريق"، في آسيا الوسطى وأوروبا. وإضافة إلى ذلك، تستخدم الصين أموال مساعداتها الخارجية، وخصوصًا في دول أفريقيا وأميركا الوسطى والجنوبية، لتمويل مشاريع تنموية تحرص، من أجل زيادة تأثيرها، على إبقائها بعيدة عن الإيماءات السياسية. وهكذا، وبدلً من أسلوب التخويف والتلويح بالتهديد الذي تعتمده الإدارة الأميركية الحالية، تتبع الصين أسلوب التمدد الناعم107. خلافًا للصين، ليس بمقدور روسيا دعم تمدُّد ناعم لتوسيع مجال نفوذها؛ فإمكانياتها الاقتصادية متواضعة، وقدراتها محدودة. لذلك، تستخدم روسيا قوتها الصلبة، متمثلة بالقوة العسكرية المتوافرة لديها، لتحقيق المطلوب وإحكام سيطرتها على ما تعتبر أنه يُ ثّل مجالات حيوية لها. من هذا المنطلق، لم تتورع روسيا، درءًا لمخاطر اقتراب الناتو من حدودها، عن دعم انفصال أجزاء من جورجيا وأوكرانيا، وضم شبه جزيرة القرم. ولم تتوانَ عن الزَّج بقواتها المسلحة في التعامل مع الأزمة السورية، للحفاظ على منافذها الحيوية على مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة، والإبقاء على موطئ قدم لها في منطقة الشرق الأوسط. ولتأمين ذلك، تعزز روسيا تحالفها الإستراتيجي مع إيران، وتكثف تعاونها التكتيكي مع تركيا. ستكون منطقة آسيا والمحيط الهادي، تليها منطقة الشرق الأوسط، أهم مسرحين لتنافس القوى الثلاث في المستقبل المنظور. ويبدو أن القدرة الأميركية على الفوز على الصين وروسيا فيهما محدودة؛ فعلاوة على أهمية اتفاق تعزيز التعاون الروسي – الصيني، ولو تكتيكيًّا إن لم يكن إستراتيجيًّا، لمواجهة الهيمنة الأميركية وضرب النفوذ الأميركي، تتولى كوريا الشمالية وإيران، حليفتا الصين وروسيا المقربتان، هذه المهمة بنجاعة. لذلك إن أرادت إدارة ترامب تحقيق أي نجاح في التعامل مع الأزمة في كوريا الشمالية، والأزمة في سورية، وهما من أهم ما يشغل العالم حاليًّا، فعليها الاعتماد على مساعدة الصين لها في الأولى، وروسيا في الثانية. إنه نظام دولي جديد في طور الانبثاق، يقول الصينيون إن موعد استقراره سيكون في أواسط هذا القرن، ولكنّ رياح تفاعلاته بدأت في الهبوب منذ سنوات.
المراجع
العربية
أوليكر، أولجا وآخرون. "السياسة الخارجية الروسية في السياقين التاريخي والحالي: إعادة تقييم." مؤسسة.RAND منظور تحليلي 2015(، في https://goo.gl/SYdcit:) عبد الله، أحمد عبد الجبار. الصين والتوازن الاستراتيجي العالمي بعد عام 2001 وآفاق المستقبل. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2015 مجدان، محمد. "سياسة روسيا الخارجية اليوم: البحث عن دور المجلة العربية للعلوم السياسية عالمي مؤثر.". العددان 48-47 صيف -(خريف 2015، في https://goo.gl/FSUgpj:) محمد، علاء عبد الحفيظ. "تأثيرات الصعود الروسي والصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة." المجلة العربية للعلوم السياسية. العددان 48-47 (صيف-خريف 2015:)، في https://goo.gl/sNXwaQ مستقبل القوة الأمريكية ناي، جوزيف.. سلسلة دراسات عالمية.105 أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2012
الأجنبية
Ambrosio, Thomas. "Russia's Quest for Multipolarity: A Response to U.S. Foreign Policy in the Post‐Cold War Era." European Security. vol. 10. no. 1 (2001). Beckley, Michael. The Unipolar Era: Why American Power Persists and China's Rise Is Limited? New York: Columbia University, 2012. Diesen, Glenn & Steve Wood. "Russia's Proposal for a New Security System, Confirming Diverse Perspectives." Australian Journal of International Affairs. vol. 66. no. 4 Flockhart, Trine. "The Coming Multi-Order World." Contemporary Security Policy. vol. 37. no. 1 (2016). Fukuyama, Francis. The End of History and the Last Man Ideology. New York: Free Press, 1992. Gaddis, John Lewis. "The Long Peace, Elements of Stability in the Post War International System." International Security. vol. 10. no. 4 (Spring 1986). Griffiths, Martin & Terry O'Callaghan. International Relations: The Key Concepts. London: Routledge, 2002. Haass, Richard. "The Age of Nonpolarity: What will Follow U.S. Dominance." Foreign Affairs. vol. 87. no. 3 (May-June 2008), at: https://goo.gl/StxNzG Hass, Michael. "International Subsystems, Stability and Polarity." American Political Science Review. vol. 64. no. 1 (March 1970). Halper, Stefan. T he Beijing Consensus: How China's Authoritarian Model Will Dominate the Twenty-First Century. New York: Basic Books, 2010. Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order. New York: Touchstone, 1996.
Ikenberry, John (ed.). America Unrivaled: The Future of the Balance of Power. Ithaca, NY: Cornell University Press, 2002. ________. "The Rise of China and the Future of the West." Foreign Affairs. vol. 87. no. 1 (2008). Ikenberry, John, Michael Mastanduno & William C. Wohlforth (eds.). International Relations Theory and the Consequences of Unipolarity. Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2011. Kaplan, Fred. "Strategic Confusion: Donald Trump's new National Security Strategy will buffle allies and delight foes." Slate. 18/12/2017, at: https://goo.gl/bHBxGQ Kennedy, Paul. "The Relative Decline of America." The Atlantic Monthly (August 1987). ________. The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict from 1500 to 2000. London: Fontana Press, 1989. Krauthammer, Charles. "The Unipolar Moment." Foreign Affairs. vol. 70. no. 1 (Winter 1990-1991). ________. "The Unipolar Moment Revisited." The National Interest. no. 57 (Winter 2002-2003) Kurlantzick, Joshua. "The Decline of American Soft Power." Current History. vol. 104. no. 686 (December 2005). Mulrine, Anna. "Obama to Confront Limits of America's Overstretched Military." U.S. News and World Report (January 16, 2009), at: https://goo.gl/mm54F3 Perlo-freeman, Sam et al. "Trends in World Military Expenditure 2015." Stockholm International Peace Research Institute (April 2016), at: https://goo.gl/Ux94aT Posen, Barry. "The Security Dilemma and Ethnic Conflict." Survival. vol. 35, no. 1 (Spring 1993). Qianqian, Liu. "China's Rise and Regional Strategy, Power, Interdependence and Identity." Journal of Cambridge Studies. vol. 5. no. 4 (2010). Schweller, Randall & Xiaoyu Pu. "After Unipolarity: China's Visions of International Order in an Era of U.S. Decline." International Security. vol. 36. no. 1 (2011). Steger, Ulrich. Corporate Diplomacy: The Strategy for a Volatile, Fragmented Business Environment. London: John Wiley & Sons Ltd., 2003. Stephen, Matthew D. "Rising Powers, Global Capitalism and Liberal Global Governance: A Historical Materialist Account of the BRICs Challenge." European Journal of International Relations. vol. 20. no. 4 (May 2014). The Ministry of Foreign Affairs of the Russian Federation. "Foreign Policy Concept of the Russian Federation Approved by President of the Russian Federation Vladimir Putin on November 30, 2016." December 1, 2016, at: https://goo.gl/GVDXQ7 The White House. National Security Strategy of the United States of America. Washington, DC: December 2017, at: https://goo.gl/CQFtzV Walt, Stephen. "Beyond Bin Laden: Reshaping U.S. Foreign Policy." International Security. vol. 26. no. 3 (Winter 2001-2002). Waltz, Kenneth N. "The Stability of a Bipolar World." Daedalus. vol. 93, no. 3 (Summer 1964). Wohlforth, William C. "The Stability of a Unipolar World." International Security. vol. 24. no. 1 (1999). Womack, Brantly. "Asymmetry Theory and China's Concept of Multipolarity." Journal of Contemporary China. vol. 13. no. 39 (2004). Xuetong, Yan & Koichi Furuya. "Conflict Control is Key to U.S.-China Relations in a Bipolar World." Carnegie- Tsinghua Center. May 14, 2014, at: http://goo.gl/RyvPno Yeisley, Marks O. "Bipolarity, Proxy Wars, and the Rise of China." Strategic Studies Quarterly. vol. 5. no. 4 (Winter 2011). Yi, Xiaoxiong. "American Leadership in a Non-Polar World." Marietta College website. December 27, 2009, at: https://goo.gl/rTzoDA Zakaria, Fareed. "The Future of American Power: How America Can Survive the Rise of the Rest." Foreign Affairs. vol. 87. no. 3 (May-June 2008).