ا معرفيًا ناشئ ا الدراسات النقدية للإرهاب بوصفه حقل: مراجعة "دليل راوتليدج إلى الدراسات النقدية للإرهاب"
Routledge Handbook of Critical Terrorism Studies عنوان الكتاب في لغته: عنوان الكتاب: دليل راوتليدج إلى حقل الدراسات النقدية للإرهاب. المؤلف: ريتشارد جاكسون Richard Jackson Routledge, London and New York دار النشر: سنة النشر:.2016 عدد الصفحات: 160 صفحة.
Critical Terrorism Studies as an Emerging Discipline Review of Routledge Handbook of Critical Terrorism Studies
مقدمة1
ظهرت الدراسات النقدية للإرهاب، بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، بوصفها مقاربة بديلة من الأدبيات التقليدية السائدة في حقل دراسات الإرهاب. وهي تسعى، فضلً عن استكشاف فهم مبتكر للظاهرة، لنقد الكيفية التي يُساء بها استخدام "الإرهاب" و"الحرب على الإرهاب"، خطابًا وممارسة.ً يستلهم هذا النوع من الدراسات أطروحات النظرية النقدية في العلاقات الدولية، خصوصًا المرتبطة منها بمدرسة فرانكفورت ومدرسة أبيريستويث للدراسات الأمنية النقدية. وعلى سبيل الامتداد للمدرسة البنائية في العلاقات الدولية، تحاجّ هذه الدراسات بأنّ الإرهاب ليس معطى موضوعيًا، لكنّه مبنيٌّ اجتماعيًا constructed.Socially ومثل غيره من التهديدات الأمنية المبنية اجتماعيًا، لا يُسمّى الإرهاب إرهابًا إلّ إذا اعتبرته النخب إرهابًا، وتكلّمت عنه بوصفه إرهابًا أيضًا. على هذا النحو، لا يكون الإرهاب سابقًا على الخطاب الذي يقدمه على أنه كذلك. وبعبارة أخرى، لا يوجد الإرهاب وجودًا موضوعيًا خارج اللغات، والأفكار، والهويات، والخطابات التي يتبنّاها مختلف الفواعل.
فضلً عن ذلك، تسعى الدراسات النقدية للإرهاب ل "نقد" الخطابات والممارسات المرتبطة بمكافحة الإرهاب والحرب "العالمية" عليه، والكيفية التي يتم بها توظيف ذلك مبرّرًا لإجراءات وتدابير تخص تقويض الحريات، وانتهاك حقوق الإنسان. وبذلك، فهي، بدل من القضاء على الإرهاب، تتحوّل إلى مصدر لتغذية الإرهاب نفسه. غير أنّ هذه الدراسات لا تكتفي بالنقد، بل تبحث في الأشكال غير العنيفة لمكافحة الإرهاب. وفضلً عن العديد من المقالات المحكّمة - لا سيما تلك التي ن تررُ حديثًا في ث ثاا دوريات متخصصة، هي: "دراسات رإإهاب"، و"دراسات في النزاعات والإرهاب نقدية ل"، و"الإرهاب والعنف السياسي" - تطور هذا الحقل المعرفي الناشئ بفضل صدور مجموعة من الكتب المتخصصة، أبرزها دليل راوتليدج إلى حقل الدراسات النقدية للإرهاب الذي أصدرته مؤسسة راوتليدج في سنة 2016، وهو دليل موسَّع Handbook إلى هذا الحقل المعرفي الناشئ؛ بمختلف إشكالياته ومقارباته النظرية، وحججه وأطروحاته، وفجواته واتجاهاته البحثية. حرّر الكتاب ريتشارد جاكسون R. Jackson، أستاذ دراسات السلام في جامعة أوتاغو بنيوزيلندا، وشارك في كتابة فصوله خمسة وعشرون باحثًا متخصصًا في دراسات الإرهاب من منظورٍ نقدي. وتسعى هذه المساهمة النقدية لتقديم مراجعة لهذا الكتاب. وهي تنقسم إلى جزأين؛ إذ يقدّم الجزء الأول قراءة عامة ومقتضبة في محتويات الكتاب، ويحاول الجزء الثاني التوسع في مناقشة أبعاد المشروع النقدي وحدوده في حقل الدراسات النقدية للإرهاب، استنادًا إلى أهم الأطروحات الواردة في الدليل.
أولا: محتويات الدليل
يشتمل هذا الكتاب على مجموعة من الفصول تحاول فحص الكيفية التي تساهم بها الدراسات النقدية للإرهاب في تشكيل فهمنا له، وفي مكافحته، خطابًا وممارسة. وهو ينقسم إلى مقدمة - وتعدّ الفصل الأول في ترتيب فصول الكتاب، وقد كتبها المحرر ريتشارد جاكسون، بعنوان "عقد كامل من الدراسات النقدية للإرهاب" - وخمسة أقسام مؤلفة من ستة وعشرين فصل2.
1. مقاربات نقدية لدراسة الإرهاب
يتناول هذا القسم مجموعة من الإشكاليات الرئيسة التي يثيرها حقل الدراسات النقدية للإرهاب على مدى السنوات العشر الماضية حول كيفية دراستنا للإرهاب. وتستلهم هذه الإشكاليات مختلف افتراضات النظرية النقدية في العلاقات الدولية؛ ومن أبرزها مقولة أنّ كل نظرية تأتي دائمًا من "مكان ما"، من أجل "شخص معيَّ"، خدمة ل "غرض ما"3، ومن ثمّ ينبغي أن يكون تفكير الباحث تأمليًا حيال السياقات التي تتم وتتطور فيها الأبحاث حول ظاهرة ما. يحاول هذا القسم أن يجيب عن بعض الأسئلة، من بينها: من أين تأتي دراسات الإرهاب ثم الدراسات النقدية له؟ وكيف يؤثّر ذلك في تطورها لاحقًا؟ وبذلك، فهو يبحث في جذور دراسات الإرهاب؛ خطابًا ومادة معرفيةً، وهي جذور تمتدّ إلى فترة الحرب الباردة، إذ نشُرت أبحاث عديدة
في مجال مكافحة التمرد Counter-insurgency. كما يؤكّد القسم الأثر الذي ما زالت تمارسه هجمات 11 سبتمبر في أجندة البحث واتجاهاته، خصوصًا في ما يتعلق بالتركيز على العلاقة بين الإرهاب و"أمن الدولة." كما يركّز هذا القسم على مجموعة من الإشكاليات الأنطولوجية والإبستمولوجية والمنهجية التي من المحتمل أن تشكّل موضوعًا لاهتمام الدراسات النقدية بالإرهاب. ويخلص إلى أن الإرهاب ليس إلا مجرد تصنيف مبني اجتماعيًا أو مجرد أداة للدلالة اجتماعيًا، من دون أي محتوى أنطولوجي جوهري، وتأثير ذلك في تراكم المعرفة حول الإرهاب، وفي أنماط الاستجابة لأعمال العنف التي توصف بأنها إرهاب. ويقترح هذا القسم خريطة معرفية لمختلف الأنطولوجيات والإبستيمولوجيات التي تستند إليها البحوث المتخصصة في الإرهاب؛ كالوضعية الجديدة، والتأملية، والواقعية النقدية. فهذه الأنطولوجيات والإبستيمولوجيات هي ما يحدد ما يمكن أن نعرفه عن الإرهاب، والكيفية التي يمكن من خلالها أن نعرف ما نعرفه بشأنه. إذا ما قاربنا خطاب الحرب على الإرهاب ب "التوليف"، مثلً، بين المقاربات البنائية وما بعد البنيوية من جهة، والمقاربات التي تستلهم النظرية النقدية والفلسفة المادية – التاريخية من جهة أخرى، فإنه يمكننا أن نفهم أنّ الحرب العالمية على الإرهاب هي مرحلة تاريخية من التوسع الرأسمالي النيوليبرالي الذي تقوده الدوافع الجيوستراتيجية المهيمنة للولايات المتحدة، والتي تعكس، عبر مسار جدلي "معقّد"، خطابًا أوسع يقوم على مفاهيم الاستثنائية الغربية وصراع الحضارات وإدارة المخاطر وتؤسسه، من شأنه أن يضفي مزيدًا من الشرعية على السياسات العالمية لمكافحة الإرهاب. وتذكّرنا فصول هذا القسم بأنّه لا تزال هناك إشكاليات كثيرة يقع على كاهل الباحثين النقديين في مجال دراسة الإرهاب عبءُ التصدي لها. وعلى سبيل المثال، تركّز الكثير من دراسات تحليل الخطاب على الدول الغربية (القادة، ووسائل الإعلام، والرأي العام، والخبراء، وغير ذلك)، في حين أنّه ليس هناك إلّ دراسات قليلة جدًا تولي خطابات الجماعات "الإرهابية" ومؤيديها أهمية. ومن الناحية المنهجية، هناك حاجة، في كثير من الأحيان، إلى إجراء مزيد من البحوث مباشرة مع الإرهابيين والمسلحين، من أجل فهمٍ أفضل لذاتياتهم Subjectivities ووجهات نظرهم إلى العالم.Worldviews
2. طبيعة الإرهاب وأسبابه
في القسم الثاني، يجري البحث، أيضًا، في الأسئلة الجدلية التي تثيرها مسألة الإرهاب؛ مثل كيفية تعريف الإرهاب نفسه، وكيفية تقييم التهديدات الإرهابية، وإن كان هناك نوعٌ جديد من الإرهاب، وإن كان الدين سببًا في الأشكال المعاصرة للإرهاب، وكيفية بروز الجندر بوصفه بعدًا غير مسبوق للإرهاب، والكيفية التي ينبغي لنا أن نفهمه من خلالها. وفي هذا السياق، تقدّم الدراسات النقدية للإرهاب مداخلات مهمة، لا سيما من خلال فضحها الكيفيةَ التي يبالغ عن طريقها القادة السياسيون ووسائل الإعلام في تقديم التهديد الإرهابي في المجتمعات الغربية، والأهم من ذلك، الكيفية التي يتم بها التلاعب بخوف الجمهور من أجل الحصول على مكاسب سياسية ومادية أيضًا. يجري إعادة طرح هذه الأسئلة؛ بالنظر إلى أنّ الخطر الذي يشكّله الإرهاب غالبًا ما كان مبالغًا فيه إلى حد بعيد، سواء كان تهديدًا للسلامة الشخصية للمواطن، أو لأسلوب الحياة الغربية، أو لسلامة الدولة بوصفها مؤسسة. ونتيجة لذلك، كانت ردّة الفعل تجاه تهديد الإرهاب، منذ 11 سبتمبر 2001، غير ضرورية Unnecessary، وجاءت آثاره على العكس تمامًا ممّ كان مأمولً. وتقدّم الدراسات النقدية للإرهاب فضاءً معرفيًا واسعًا لفهم طبيعة هذه المبالغة ومداها وعواقبها؛ سواء كان ذلك في الخطاب المناهض للإرهاب، أو في إجراءات ردة الفعل لمكافحته.
يسلّط هذا القسم الضوء أيضًا على إسهامات الدراسات النقدية للإرهاب في فضح مغالطات أطروحة "الإرهاب الجديد"، وفضح الكيفية التي تعمل بها سرديات هذه الأطروحة على إضفاء الشرعية على ممارسات جديدة أكثر عنفًا في إطار مكافحة الإرهاب، كالتعذيب والقتل خارج نطاق القانون، فضلً عن إضفاء الشرعية على مقاربات أمنية جديدة أكثر تدخلية؛ في مجال الشرطة، والجيش، وإدارة المخاطر، والمراقبة، وغيرها. من جهة أخرى، تقضّ هذه الفصول مضاجع أنصار التيار المهيمن في فهمهم لدور الدين في الإرهاب المعاصر؛ ذلك أنها تسلّط مزيدًا من الأضواء على المغالطات الكامنة في صميم الخطاب الأكاديمي والسياسي السائد حول الإرهاب، فضلً عن الوظيفة الخطابية الخطِرة التي يؤديها الربط بين الدين والإرهاب. كما تبرز الدراسات النقدية للإرهاب، في جزء مهم منها، الدور الخفي أو المنسيّ للمرأة؛ سواء كان ذلك في الجماعات المسلّحة أو في جماعات مكافحة الإرهاب، والكيفية التي يُدرس بها انخراط النساء في هذا المجال ويُفهم. إضافة إلى ذلك، تبُرز الدراسات النقدية للإرهاب كيفية إخفاء السرديات المهيمِنة أنماط الإرهاب اليومي، وأحيانًا الحميميّ، الذي تواجهه ملايين النساء من جرّاء عنف الأنظمة
الأبوية السائدة، وكيفية الإبقاء على معاناة ضحايا هذا الإرهاب في حدود العنف الممارس في "المجال الخصوصي" البعيد والمنفلت، تمامًا، من سلطة "المجال العمومي" وضبطه.
3. إرهاب الدولة
يشدّد هذا القسم على أنّ موضوع إرهاب الدولة يُعدّ فجوة واسعة في حقلَ الدراسات الأمنية ودراسات الإرهاب. ويرجع ذلك إلى عدد من العوامل، من بينها الممارسة التاريخية للدول. فغالبًا ما يتم استبعاد أفعال الدولة من تعريف الإرهاب؛ من جهة ارتباط دراسات الإرهاب، في جذورها، بدراسات مكافحة التمرد وما يترتّب على ذلك من التعامل مع الإرهاب غير الدولتي، باعتباره مشكلة أمنيّة تحتاج إلى حلّ عبر الموازنة بين البحوث الأكاديمية وممارسات مكافحة الإرهاب، وتمويل الدولة للسواد الأعظم من البحوث حول الإرهاب، والدور الأوسع نطاقًا الذي تؤديه الجامعة بوصفها مؤسسة محافظة على النظام القائم، ودور التنشئة الاجتماعية والتدريب الأكاديمي، وغير ذلك. من الواضح أنّ الباحثين الأرثوذكسيين في مجال الإرهاب يميلون إلى الرفض التام لفكرة إرهاب الدولة، أو إلى المحاجّة بأنّ إدراجها في أجندة البحث من شأنه أنْ يؤدّي إلى تضخيم الأجندة، وتشويه الدراسات المتعلقة بالإرهاب غير الدولتي. وفي المقابل، يميل الباحثون النقديون إلى الدفاع عن حجّة مفادها أنّ الدول يمكن أن تمارس الإرهاب أيضًا، ويفترضون أنّ هناك أسبابًا تحليلية ومعيارية جديرة بالاهتمام؛ من أجل دراسة وفهمٍ لكيفية استخدام الدول الإرهابَ (أو العنف بهدف الترويع) لأغراض سياسية. وعلى أقل تقدير، يُحاجّ الباحثون النقديون بأنّ كثيرًا من أعمال الإرهاب التي تمارسها فواعل من غير الدول يمكن فهمها، على نحو أفضل، بوصفها ردّة فعل على إرهاب الدولة، أو بوصفها فعلً على علاقة "سببية" وثيقة بإرهاب الدولة. يقدّم هذا القسم قراءة في التاريخ الطويل لإرهاب الدولة في الغرب، وممارسات التعذيب والتسليم والقتل المستهدف التي أصبحت جزءًا لا يتجّزأ من ممارسات مكافحة الإرهاب في العديد من الدول خلال فترات الحرب على الإرهاب. وتشدّد الدراسات النقدية للإرهاب على الطبيعة غير الأخلاقية لهذه الممارسات، وافتقادها الشرعية، وعدم فعاليتها، ودورها في إجهاض جهود الحد من الإرهاب، وآثارها المُقوِّضة للمعايير والنظم القانونية، فضلً عن آثارها السيئة في الاستقرار الإقليمي. من جهة أخرى، توفّر هذه الدراسات قاعدة أدلّة صلبة للتعرّف إلى الأنشطة التي حاولت الدول إخفاءها أو إنكارها. وهو ما مكّن ناشطي حقوق الإنسان والمحامين وضحايا الانتهاكات من مواصلة النضال من أجل العدالة واكتشاف الحقيقة، فضلً عن تمكين الباحثين والصحافيين من فهمٍ أفضل لظاهرة إرهاب الدولة وأسبابها وعواقبها. يرى محرر الكتاب(((أنّ هناك عدّة أسباب تحليلية ومعيارية من شأنها أنْ تبرّر تكريس المزيد من الجهود لدراسة إرهاب الدولة. على سبيل المثال، تساهم دراسات إرهاب الدولة في تعزيز فهمنا للإرهاب بوصفه ظاهرة سياسية؛ وذلك من خلال فهم السياق الذي استخدمت فيه الدول الإرهابَ أولَ مرّة، والكيفية التي ظلّت تسعى من خلالها الفواعل غير الدول لمحاكاة العنف الذي تمارسه الدولة، فضلً عن الكيفية التي يكون بها إرهاب الفواعل من غير الدول في العديد من المناطق مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بإرهاب الدولة. إضافةً إلى ذلك، هناك قيمة معيارية واضحة في الاهتمام بظاهرة عنف الدولة من أجل تحديد إن كان هذا العنف إرهابًا أو لم يكن كذلك؛ فمن المؤكد أنّ الإرهاب الذي ترتكبه الدولة يُعدّ غير شرعي، وغير قانوني بموجب القانون الدولي. علاوةً على ذلك، أصبح وصف "الإرهاب" في حدّ ذاته يحظى بقوة قانونية ومعيارية تدفع نحو تغيير السلوك. وإذا صار الضغط على الدول، أمرًا ممكنًا، عبر دراسات أكاديمية دقيقة ومحايدة، للحدّ من العنف الذي تمارسه خشية تسميته إرهابًا، فإنّ ذلك سيكون خطوة إيجابية بالنسبة إلى العديد من الضحايا المحتملين.
4. الاستجابات المعاصرة للإرهاب
يهتم القسم الرابع بمقاربات وسياسات متعلقة بمكافحة الإرهاب Counterterrorism والحرب على الإرهاب.War on terror ويتضمن، على غرار ما سبق، فصولً عن مقاربة الدول الغربية لمكافحة الإرهاب، والبعد العسكري للحرب العالمية على الإرهاب، والمراقبة الجماعية، ومكافحة التطرف. ويحاجّ هذا القسم بأنّ الدراسات النقدية للإرهاب يمكنها، بفضل ارتباطها بدراسات المراقبة، أن تساعد في فهم الكيفية التي يتم من خلالها تطعيم ممارسات مكافحة الإرهاب بمختلف تقنيات الحوكمة النيوليبرالية (مثل تقنيات المراقبة الجماعية وإدارة المخاطر، وممارسات الأمننة، وتوظيف هندسة الفضاءات الحضرية، وتصميم برامج مكافحة التطرف، وغيرها.) وقد تطورت، خلال السنوات الأخيرة، أدبيات عديدة معمقة تسائل مركزية مكافحة الإرهاب، أو توظيف مكافحته مبرّرًا أساسيًا لتعزيز إجراءات وتدابير متعلقة بمراقبة السكان، والتي تهدف إلى مراقبة الأشخاص والتنظيمات الخطِرة، وحماية الحدود، ومراقبة المعارضة السياسية وتوجيهها، وحماية الثقافة الاستهلاكية في المجتمع. وتبي هذه الأدبيات أنّ مكافحة الإرهاب والحرب على الإرهاب، خطابًا وممارسةً، أصبحتا في الوقت الراهن جزءًا لا يتجّزأ من أنطولوجيا الدولة والرأسمالية النيوليبرالية.
تكشف أدبيات عديدة، أغلبها في حقل الدراسات النقدية للإرهاب، أنّ المقاربات/ السياسات السائدة في مجال مكافحة التطرف غالبًا ما تسيء تشخيص مسوغات العنف، ومن ثمّ فهي تخفق في وقف أعمال الإرهاب، وتنشئ "جماعات من المشبوهين"، وتفاقم انتهاكات حقوق الإنسان، وتغذي المظالم، كما تغذي الشعور بالخوف؛ وهكذا تتحول إجراءات مكافحة التطرف إلى مصدر لتغذية التطرف نفسه. ونظرًا إلى الكيفية التي توسع بها نطاق مكافحة التطرف لتصبح أحد أهم المسارات المركزية في سياسات مكافحة الإرهاب، وإلى حجم الموارد المخصصة لذلك، وإلى تنامي انتشار آثارها في مختلف فضاءات الحياة الاجتماعية، فإنّ هذه الأدبيات من شأنها أن تقدّم أرضية صلبة لمزيد من البحث والنقد والمقاومة أيضًا. من جهة أخرى، تهتم الدراسات النقدية للإرهاب بالبحث في أصول الحرب العالمية على الإرهاب واستمرار ارتباطها بالاستجابات العسكرية للإرهاب أساسًا، فضلً عن الاهتمام بتوثيق آثار هذه الحرب وتقييمها، على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية؛ في العلاقات الدولية، والقانون الدولي، وحقوق الإنسان، والاستقرار الإقليمي، وعمليات السلام، والتنمية الدولية، والتعاون الدولي، وغير ذلك. وقد أثبتت هذه الدراسات، على نحو واضح، أنّ الحرب العالمية على الإرهاب كانت فاشلة بكل المقاييس، متسبّبة بهدر كبير للأرواح والموارد، كما أنّها فشلت في تقويض تنظيم القاعدة، بل إنها أفرزت، على العكس مما كان مرغوبًا فيه، جماعات جديدة (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام مثلً)، وأدّت إلى زعزعة الاستقرار في أقاليم عديدة على غرار الشرق الأوسط، وقوّضت عددًا من عمليات السلام الجارية، وتسبّبت بزيادة مستويات العسكرة، وتقويض النظام العالمي لحقوق الإنسان. تبقى هناك حاجة إلى المزيد من البحوث في شرعية الأشكال السلمية وغير العنيفة لمكافحة الإرهاب، ومدى فعاليتها؛ كالحوار، والمفاوضات، والوساطة، والإصلاحات السياسية، والتعامل مع المظالم، وما شابه ذلك. ولئن كان ثمّة أدبيات قليلة، ومهمة في الآن نفسه، حول فاعلية الحوار في الحدّ من الإرهاب، مقابل وجود أدبيات عديدة بشأن دور التفاوض والوساطة في النزاعات المسلحة، فإنّ الحاجة إلى مزيد من الدراسات المعمقة تبقى ملحّة في ما يتعلق بظروف المفاوضات، وكيفيتها، مع الجماعات التي تستخدم إستراتيجيات إرهابية مؤطرة بشرعية ما وفعالة. فضلً عن ذلك، توجد حاجة أيضًا إلى المزيد من البحث في آليات المقاومة والاحتجاج على آثار مكافحة الإرهاب والحرب على الإرهاب في حقوق الإنسان، وخصوصية الأفراد، وحرية التنقل، وما شابه ذلك. كما تبقى هناك حاجة إلى المزيد من البحوث من منظور الجنوب الكبير South Global أشدّ إلحاحًا، وخصوصًا من منظور البلدان التي تحملت/ تتحمل وطأة الحرب على الإرهاب، والتي تُعدّ هدفًا للإجراءات الغربية التدخلية تحت غطاء مكافحة الإرهاب.
5. نقاشات ناشئة
يناقش القسم الأخير من الكتاب عددًا من المواضيع التي تبرز بوصفها مجالات بحثية جديدة ومتزايدة الأهمية بالنسبة إلى حقل الدراسات النقدية للإرهاب. ويركّز هذا القسم على الكيفيات التي يتسع من خلالها خطاب مكافحة الإرهاب ليشمل أشكالً أوسع من الاحتجاجات والنشاطات السياسية، وخصوصًا في مجال البيئة، فضل عن الكيفية التي يعمل بها مجال الدراسات الإعلامية على إيجاد طرق جديدة لدراسة أثر الهجمات الإرهابية في البيئة الجديدة للإعلام وكيفية الاستجابة لها. كما يركّز هذا القسم على دراسة السياقات التي تظهر فيها الذاكرة الجماعية، وتتطور، حول الهجمات الإرهابية، والدور الحاسم الذي تضطلع به هذه الذاكرة في السياسات الوطنية، والكيفية التي يمكن للحركات النقدية من خلالها، في حقلَ دراسات السلام والإرهاب، أن تجد سُبلً للتعامل مع مسائل العنف السياسي، على نحو أشمل. وبما أنّ مكافحة الإرهاب تصبح، مع مرور الوقت، أعمق وأكثر تجذرًا في مجتمعاتنا، فسيكون هناك حتمًالمزيد من المجالات والقضايا التي تحتاج إلى بحوث نقدية أكثر جديّة وأشد صرامة؛ مثل الدور المتنامي للشركات الأمنية الخاصة في مكافحة الإرهاب والحرب على الإرهاب، وعسكرة الشرطة بوصفها استجابة لضرورات مكافحة الإرهاب، والتأثر الناشئ والمتزايد بين سياسات/ خطابات مكافحة الإرهاب والممارسات أو الخطابات "اليومية" للناس العاديين5.
ثانيًا: حدود النقدي في الدراسات النقدية للإرهاب؟
يقدّم هذا الكتاب قيمة مضافة واضحة لحقل دراسات الإرهاب. ومن المنتظر أن يكون له أثر واضح في عدد من الحقول المعرفية الأخرى غير دراسات الإرهاب؛ كالعلاقات الدولية، والدراسات الأمنية (النقدية)، وتحليل/ تسوية النزاعات، وعلم الاجتماع السياسي، وغير ذلك من الحقول. ومع ذلك، يشدّد الكتاب على مجموعة من الفجوات التي تبقى في حاجة إلى الردم. وفضلً عمّ تم رصده في عرض المحتويات في الجزء الأول من هذه المراجعة، يؤكد الكتاب رجوع أبرز الفجوات الموجودة في الأدبيات، خاصة في ما يتعلق بأسباب الإرهاب سواء كان
مصدره الدولة أو فواعل أخرى غير الدولة وسواء مُورس في المجال العمومي أو الخاص، إلى النزعة السائدة التي تركز على الاستجابات وردات الفعل الرسمية خصوصًا حيال الإرهاب، بدلً من التركيز على الإرهاب في حدّ ذاته. إنّ ما يبرر الادعاء بوجود هذه الفجوة المنهجية هو أنّ السواد الأعظم من الخبراء والمتخصصين الذين يتحدثون عن "الإرهاب" لم يتحدثوا قطّ إلى "إرهابيين." من ناحيةٍ أخرى، يدعو الكتاب إلى الاهتمام أكثر بتقديم روايات سببية حول جذور الإرهاب وأسبابه العميقة، وذلك عبر التركيز على كيفية تشكل ذاتيات الجماعات وسلوكياتها (كيفية تشكلها فكريًا، وخطابيًا/ لغويًا، وماديًا)، والتركيز على الأنماط الديناميكية للتفاعل بين الدول والجماعات المضطهدة والمقاومة العنيفة، والتركيز أيضًا في أثر السياسات الخارجية في حفْز أنماط عنيفة للمقاومة وتأجيجها (يُعَدّ الارتباط السببي بين السياسات الخارجية الغربية، القسرية والقمعية، واستخدام المقاومة العنيفة من جهة جماعات مسلحة تصنف على أنها إرهابية من أبرز اهتمامات الدراسات النقدية للإرهاب.) عمومًا، يجب أن يستمرّ نقد هيمنة الإبستيمولوجيا ما بعد الوضعية على الدراسات النقدية للإرهاب، ذلك أنه من المرجح أن تحول دون إحراز تقدّم يُذكر في هذا الصدد؛ لأنّ تبنّي منطلقات هذه الإبستيمولوجيا غالبًا ما يعني الزهد في الادعاءات السببية عندما يتعلق البحث بالعالم الاجتماعي. وفي هذا السياق، يمكن التعويل على وعود النزعة الانتقائية التحليلية لردم هذه الفجوة6، حتى لا يقع الحقل المعرفي ضحية لهيمنة إحدى الفلسفتيَن المتعارضتيَن (الوضعية وما بعد الوضعية.) وسيتمّ التركيز في ما تبقّى من هذه المراجعة على ثلاث فجوات أخرى، ينبغي للدراسات النقدية للإرهاب أن تجتهد في ردمها؛ حتى تحافظ على هويتها المعرفية بوصفها مشروعًا بحثيًا نقديًا. أول: تحتاج الدراسات النقدية للإرهاب إلى مراجعة وإعادة النظر في "تعريف كيفية تعريف الإرهاب" to how Redefining define، وهي خطوة تأملية Reflexive ضرورية شبيهة بما يسميه الإبستيمولوجيون "فهم الفهم" أو "التنظير حول التنظير." ويقدم جوزيف أيسون Joseph Easson وألكس شميد مسحًا غير حصري يشتمل على مئتين وخمسين تعريفًا مختلفًا للإرهاب7. بل إنّ معظم الباحثين لا يجدون حرجًا في وضع قائمة بالتعريفات، بعضها يصل إلى العشرات، ثم يضيفون تعريفاتهم إليها. ومنهم من يُدرج لوائح قد تبلغ مئة تعريف أو تزيد على ذلك، ثمّ يخلص في النهاية إلى أنّ البحث عن تعريف ملائم للإرهاب لا يزال جاريًا. إنّ استعصاء تعريف "الاجتماعي" ظاهرة لا تقتصر على الإرهاب، بل إنها تتعلّق بالظواهر التي تدرسها العلوم الاجتماعية كافّةً. غير أنّ خصوصية الإرهاب تأتي من كونه توصيفًا أكثر من كونه مفهومًا قابلً للضبط والاستعمال من دون محاذير، معرفية وسياسية، تُذكَر. إنّ الإرهاب مستعصٍ على التعريف؛ لأن كلمة "إرهابي"، أولً، هي وصفٌ لم يطلقه الإرهابي على نفسه، وإنّ ا وصفته به دولٌ يستهدفها الإرهابي. وهكذا، يتم توصيف أعمال عنف معيَّنة على أنها إرهاب (تلك التي يرتكبها فواعل من غير الدول أساسًا)، بينما يتم الإبقاء على أعمال عنف أخرى؛ مثل أعمال العنف التي ترتكبها الدولة، في خانة العنف المشروع (المشروع للدولة احتكارُه مثلً)، ولأنّ كلمة "إرهابي"، ثانيًا، هي كلمة توظيفية ومعيارية تفتقر إلى الدقة العلمية، فهناك مثلً دول غربية تعدّ بعض دول الشرق الأوسط، مثل إيران وسورية والعراق سابقًا، دولً إرهابية، كما أنّ هناك دولً عربية تعدّ إسرائيل مثلً دولة إرهابية. وفي الوقت نفسه، غالبًا ما تعدّ الدول غير الديمقراطية المعارضةَ إرهابًا، وحتى تلك الدول التي كانت تُصنَّف إلى وقت قريب على أنها ديمقراطية تتصرّف بالطريقة نفسها. وهنا مكمن الاستعصاء في التعامل مع كلمة "الإرهاب"، فضلً عن تعريفها. ينبغي للدراسات النقدية للإرهاب أن تستمر في التلاقح مع الدراسات الأمنية النقدية واستلهام أطروحاتها؛ خاصة منها نظرية الأمننة8. بعد هجمات 11 سبتمبر، زعم جان بودريار Jean Baudrillard أنّ "الإرهاب، كالفيروسات، منتشرٌ في كلّ مكان"9. وهكذا، هيمن الخطاب القائل إنّ الإرهاب "تهديد عالمي وشيك" يتطلب "حربًا عالمية" بلا هوادة. وعلى الرغم من أنّه في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تمّ إعلان الحرب العالمية على الإرهاب، يُعد احتمالُ فقدان الشخص حياتَه في حادث مرور أو في حادث إطلاق نار من سلاح شخصي لأميركي آخر أعلى كثيرًا من احتمال فقدان حياته
في هجومٍ إرهابي10، فإنّ الخطاب السائد يستمر في تقديم الإرهاب على أنّه أكثر ما يقضّ مضاجع الناس عبر العالم، إلى حدّ أن يجد الناس أنفسَهم، في مختلف أنحاء العالم، في حالة طوارئ لا تخفّ حدّتها ولا تنتهي مدّتها، وفي حرب عالمية على الإرهاب تتساوى في تداعياتها وفي صعوبة فهمها مع الإرهاب نفسه11. إنّ العنف السياسي لا يُسمّى إرهابًا إلّ إذا اعتبرته النخب القابعة في السلطة إرهابًا، وتكلّمت عنه، وسوّقت له سياسيًا بوصفه إرهابًا أيضًا. وبناءً عليه، يصبح الإرهاب، كغيره من التهديدات الأمنية المبنية اجتماعيًا، موضوعًا لعملية أمننة عبر ممارسةٍ خطابية Discursive معقّدة. ويمكن العودة، في هذا الشأن، إلى أطروحة أول ويفر الذي يستعين بنظريات اللغة ليحاجّ بضرورة إعادة النظر إلى الأمن باعتباره فعلً من أفعال الخطاب. فالأمن لا يشكّل إشارة إلى الإحالة على تهديد ملموس، لأنّ التكلّم على الأمن هو في حدّ ذاته الفعل12؛ أي إنه ما إن تبدأ الدولة في التكلم Uttering على وجود "تهديد للأمن"، فهي تقوم بنقل شيء ما إلى قطاع محدد للسياسة (السياسة العليا للدولة)، ومن ثمّ تعطي لنفسها الحق في استعمال "كلّ " التدابير الأمنية اللازمة للتعامل معه على أنه تهديد أمني وشيك. وهذا يعني أن التهديدات الأمنية، بما في ذلك الإرهاب، ليست سابقة على الخطاب الذي يقدّمها على أنها كذلك. لماذا تلجأ الدول إلى أمننة الإرهاب على هذا النحو؟ الإجابة هي أنّ أمننة فاعل ما، أو مسألة ما، تمنح النخب الحاكمة، التي تقبع في السلطة، الحق في نقل ذلك الفاعل أو تلك المسألة من مجال العادية "السياسات "، حيث يسود Normal politics العمل بالقواعد الديمقراطية، إلى مجال "السياسات الاستثنائية/ الاستعجالية" politics Emergency، حيث يتم تعليق العمل بهذه القواعد. وبذلك تحصل السلطة على حق معالجتها عبر إجراءات وأدوات استثنائية لم يكن مسموحًا بها قبل القيام بالأمننة. وهناك ارتباط مفهومي وممارساتي، أيضًا، بين الأمننة والتسييس؛ إذ يمكن ملاحظة أنّ الأمننة تُعدّ حالة متقدمة من التسييس، أو "النسخة الأكثر تطرفًا للتسييس"13. والمقصود الحرفي بتسييس مسألة ما، هو، إضفاء الطابع السياسي عليها. وبالنسبة إلى باري بوزان وآخرين، فإنّ كلّ مسألة يمكن وضعها على امتداد مسار يظهر في شكل طيف، إذ تكون غير مسيّسة في البداية؛ بمعنى أنّ الدولة لا تتعامل معها، وأنها لا تُعد جزءًا من النقاش العام، ثم يتم تسييسها؛ أي إنها تصبح جزءًا من السياسة العامة للدولة، بحيث تتطلب من الدولة التعامل معها من خلال تخصيصها بقرارات وموارد معيّنة، ثم يتم أخيرًا أمننتها؛ بمعنى أن يجري تقديمها على أنها تهديد أمني وجودي، ما يتطلّب نقلها إلى مجال السياسة الأمنية للدولة، وتبرير التعامل معها عبر إجراءات حالة الطوارئ14. ينبغي للدراسات النقدية للإرهاب أن تسلّط مزيدًا من الضوء على فكرة أساسية متمثّلة بأنّ أمننة العنف السياسي ووصفه بالإرهاب، أو وصف مرتكبيه بالإرهابيين، أمرٌ غالبًا ما ينتهي إلى تجاهل دوافع هذا العنف ومسوغاته ومدى شرعيته، وحتى مدى عقلانيته. وهذا التجاهل، بدوره، غالبًا ما ينتهي إلى تشييء Reifying العنف وعزله عن سياقه الاجتماعي والتاريخي الذي فيه يُبنى ويُعاد بناؤه باستمرار15. ثانيًا: تتصدى الدراسات التي تعنى بنقد الإرهاب لخطاب مكافحة الإرهاب والحرب العالمية عليه، من الناحيتين التفكيكية والنقدية، ومن خلال الكيفية التي يتم بها توظيفه لتبرير إجراءات وتدابير بشأن تقويض الحريات وانتهاك حقوق الإنسان. وبذلك، بدلً من القضاء عليه، تتحوّل إجراءات الحرب على الإرهاب وتدابيرها ومكافحته إلى مصدر لتغذية الإرهاب نفسه (فصول القسم الثالث)16. في هذا السياق، يشدد تشارلز تاونزند على ضرورة التمييز بوضوح بين "الإجراءات المضادة للإرهاب" و"مكافحة الإرهاب"، ومن ثمّ فإن على الدراسات النقدية للإرهاب أن تُعيد إبراز هذا التمييز. يبدأ
طيف الاستجابات البنّاءة من إعادة قراءة الإرهاب باعتباره عَرضًا من أعراض غياب "العدالة الاجتماعية"، وتكون الاستجابة عبر إجراء إصلاحات فعّالة، ذات صلة بالأسباب الجذرية للإرهاب؛ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية و/أو الثقافية. هنا، لا بدّ للدراسات النقدية للإرهاب من أن تجتهد أكثر فأكثر في فحص هذه الأسباب والإصلاحات الملائمة لمعالجتها، لأنّ التجريم المفرط للإرهاب تنجم عنه "إجراءات هجومية ممنهجة" لا تقلّ عنفًا عن الإرهاب نفسه، هذا في وقت يجب فيه "أن يكون العمل المضاد للإرهاب أكثر تميزًا ومعيارية من العمل الإرهابي"17. على مستوى نقد الخطاب، لا بدّ للدراسات النقدية للإرهاب من الاستمرار في تفكيك خطاب الحرب العالمية عليه وفضح حججه وأساطيره المؤسَّ سة. هناك من يجادل بأنّ أفضل استجابة للإرهاب تتمثَّل بعدم الخوف18؛ لأنّ الإرهاب يتغذى من خوف الجمهور وارتباك القرار السياسي حيال الإرهاب. لكنّ هذا الأمر يتطلّب، بالضرورة، تحولً جذريًا في الخطاب السياسي/ الشعبوي السائد. يجب التفطن إلى أنّ الإرهاب، بوصفه تهديدًا لبقاء الدولة، خطاب منافٍ للواقع فقط. فالإرهاب ليس إلّ تحديًا لاحتكار الدولة للقوة في معناها المرتبط بالقدرة على ممارسة "العنف الشرعي"؛ لذلك تبقى الحرب التي يمكن أن تخوضها دولة ضد الإرهاب، بهذا المفهوم المُبهم19، موضوعًا أساسيًا بالنسبة إلى أجندة بحث الدراسات النقدية للإرهاب. تتسم مقولة "الحرب على الإرهاب من أجل القضاء عليه" بالتهافت الشديد، خطابًا وممارسةً. وهناك من الأسانيد الإحصائية ما يؤكّد ذلك. فقد وجدت دراسة تحليلية سابقة، صادرة عن مؤسسة "راند" RAND، شملت 648 جماعة إرهابية، كانت تنشط خلال الفترة 1968 – 2006 ((2( ، أن 10 في المئة فقط منها حقّقت ما يمكن اعتباره "انتصارًا" لأهدافها؛ بينما تم "سحق" 7 في المئة فقط بإنهاء نشاطاتها الإرهابية، من خلال استخدام القوة العسكرية، وتم القضاء على جزء كبير باستخدام أدوات غير عسكرية تمامًا 40(في المئة عبر تحقيقات شرطية، و 42 في المئة عبر تسويات سياسية.) ثالثًا: بما أنه على الدراسات النقدية للإرهاب، تحديدًا، ألّ تكتفي بالنقد، خصوصًا بشأن مكافحة الإرهاب، وأنّ عليها أن تبحث، أيضًا، في الأشكال غير العنيفة التي لا تُعيد إنتاج الإرهاب وتغذيته على نحو ما سبق، فإنه يجب دائمًا تأكيد حاجة هذا الحقل المعرفي الناشئ إلى الانفتاح على الأصوات القادمة من جغرافيات أخرى بعيدة عن الغرب، خصوصًا من تلك الجغرافيات التي تعاني وطأة الحرب على الإرهاب. ويمثّل الشكل التالي توزيعًا جغرافيًا للحوادث الإرهابية عبر العالم خلال المدة 2015–2012. وتبيّ المنحنيات البيانية أنّ المناطق التي تعرضت لأعلى النسب من الحوادث الإرهابية هي على الترتيب: الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فجنوب آسيا، فأفريقيا ما دون الصحراء. في حين أنّ المناطق التي تعرّضت لأدنى النسب هي على التوالي: أميركا الشمالية، فأوروبا الغربية فأوروبا الشرقية. ومن الواضح أنّه على الرغم من أن الغرب يبقى أقلّ الجغرافيات تضررًا من الإرهاب، فإنّ الحقل المعرفي الذي يزعم التخصص في دراسة الإرهاب يبقى متمركزًا بشدّة حول الغرب، ويستقطب باحثين، سواء كانوا منحدرين من الغرب أو ممن تلقوا تكوينهم فيه، أو يمارسون نشاطهم البحثي فيه أيضًا، أكثر من أي مناطق جغرافية أخرى. تُعدّ هذه الميزة المقلقة امتدادًا طبيعيًا لتمركز حقل الدراسات الأمنية حول الغرب. وقد سبق أن شدّد باري بوزان ولين هانسن20 على أن هذه "الميزة" تُعدّ مشكلة أكثر من كونها وصفًا لحالة الحقل المعرفي كلّه فقط. وبسبب هذه المشكلة، انتهى الحقل، كما يبدو، إلى حالة من الانغلاق المفرط، سواء تعلّق الأمر بحدود الجغرافيات المتناولة، أو بموضوعات الأمن، أو بمصادر انعدام الأمن المبحوث فيها، أو حتى بطبيعة النوع الاجتماعي الذي تركز عليه الدراسات الأمنية المتمركزة حول الغرب21. وإذا أ ريد لحقل الدراسات النقدية للإرهاب أن يكون نقديًا، بالمعنى الإبستيمولوجي للكلمة، فيجب، فضلً عن إقحام باحثين غير غربيين مهتمين بمسألة الإرهاب، أن يتوقف الباحثون غير الغربيين أنفسهم عن إعادة إنتاج دراسات متمركزة حول الغرب؛ وذلك بالتوقف عن الشعور بأنهم مضطرون إلى التعبير عن انشغالهم بحالات انعدام الأمن في العالم غير الغربي (الإرهاب مثلً)، باستخدام المفردات والمفاهيم المعطاة لهم مسبقًا؛ حتى يؤخذ كلامهم على محمل الجدّ، ويُنظر إليهم على
أنّهم ينتجون معرفة علمية، لا آراء وانطباعات فقط22. من هذا المنظور، يمكن القول إنّ الدراسات النقدية للإرهاب الناشئة تبقى في حاجة إلى نقد أعمق يقيها الانغلاق والتمركز. يمكن قراءة هذه التوصيات في سياق مشروع معرفي أوسع، هو مشروع البحث في إمكانية التأسيس لنظرية/ نظريات غير غربية في العلاقات الدولية بوجه عام23. وهو مشروع واعد بالنظر إلى الحجج التي تؤكد أنّ النظرية/ النظريات الغربية ليست العدسة الوحيدة التي ننظر بها إلى العالم، وأنها ينبغي ألّ تكون كذلك. وبالنظر إلى الدرس الذي يعلمنا إيّاه روبرت كوكس، أيضًا، فإن "، خدمة ل "غرض ما "النظرية هي دائمًا من أجل "شخص معيَّ"، كما ذكرنا آنفًا، إذ يبدو أنّ للعالم غير الغربي، على اختلاف الهويات ومحددات المصالح، مصلحة في نظرية/ نظريات مختلفة في العلاقات الدولية تتحدّث عنه، وعن مصالحه.
خلاصة: ماذا يعني أن تكون دراسات الإرهاب نقدية؟
إذا افترضنا وجود تقاطع بين الدراسات النقدية للإرهاب والدراسات الأمنية النقدية من جهة، والنظرية النقدية في العلاقات الدولية من جهة أخرى، فإنّ ذلك من شأنه أنْ يُسهّل من مهمّة الإجابة عن السؤال. أن تكون دراسات الإرهاب نقدية يعني ألّ تتعامل مع الإرهاب على أنه مصدر للمشكلات بالنسبة إلى الوضع القائم Status quo، بل باعتباره مشكلة من مشكلات الوضع القائم في حدّ ذاته، وهو ما يميّزها من الدراسات التقليدية للإرهاب القائمة على منطق حلّ المشكلات. إذًا، أن تكون دراسات الإرهاب نقدية يعني أن تُسائل الوضع القائم بدلً من التسليم به والتعامل معه كمعطى مسبق، بل إنه يجري الدفاع عنه، أحيانًا، كما تفعل الدراسات التقليدية؛ ما يجعها محافظة على الوضع القائم، ويعني، أيضًا، أنْ تُسائِل الخطاب المهيمن بدل من الاستمرار في إعادة إنتاجه وتبرير مسوغاته. ينبغي لها أن تجتهد في تحدي الأساطير المؤسسة على الإرهاب ومساءلتها، وهي أساطير ينتجها الخطاب السياسي السائد ويعيد الخطاب الإعلامي الشعبوي إنتاجها باستمرار؛ كالادعاء أنّ الإرهاب يمثّل تهديدًا واضحًا ووشيكًا للأمن العالمي، أو الادعاء أنّ الإرهابيين هم أشخاص غير متزنين عقليًا و/ أو نفسيًا، أو الادعاء أنّ لبعض الشعوب والمجتمعات مَيلً إرهابيًا بحكم دينها أو عرقها أو ثقافتها. للقيام بذلك، يبقى هذا الحقل المعرفي الناشئ، ونعني خاصة الباحثين الذين شرعوا في الاهتمام بموضوع الإرهاب بعد 11 سبتمبر، في حاجة إلى الاطلاع على نحو أعمق على ما هو مكتوب في تخصصات فرعية أخرى؛ مثل دراسات العنف السياسي، ودراسات التمرد والعصيان، ودراسات الثورات والحركات الاجتماعية، وغيرها. إنّ تجريد دراسات الإرهاب من البحوث والتأملات الكلاسيكية المؤسِّسة، من مختلف هذه الحقول المعرفية، هو ما يبرّر، تحديدًا، الاعتقاد السائد أن الإرهاب الذي يُهدّد اليوم الدول (الغربية خصوصًا) غير مسبوق، سواء كان ذلك من حيث الشكل، أو من حيث حدّة التهديد. أخيرًا، أن تكون دراسات الإرهاب نقدية يعني أن تعمل على توسيع مفهوم الإرهاب24؛ بحيث تتجاوز التعريفات والمقاربات المتمركزة حول الدولة، ومن ثمّ يتمّ توسيع أجندة البحث لتشمل ما يُسمّى إرهاب الدولة في حدّ ذاتها؛ أي الدولة بوصفها موضوعًا، وبوصفها مصدرًا للإرهاب أيضًا.
المراجع
العربية
بن عنتر، عبد النور. "البعد الإفريقي للأمن الجزائري: معوقات الشراكة الأمنية." ورقة غير منشورة. الملتقى الدولي "الجزائر وأفريقيا." قسم العلوم السياسية. جامعة قالمة. الجزائر. 31-30 تشرين الأول/ أكتوبر.2017 روح الإرهاب بودريار، جان.. ترجمة بدر الدين عرودكي. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب،.2010 الإرهاب: مقدمة قصيرة جدًا تاونزند، تشارلز.. ترجمة محمد سعد طنطاوي. القاهرة: هنداوي للتعليم والثقافة،.2014 حمشي، محمد. "الانتقائية التحليلية في حقل العلاقات الدولية." سياسات عربية. العدد 28 (أيلول/ سبتمبر.)2017
الأجنبية
Acharya, Amitav & Barry Buzan (eds.). Non-Western International Relations Theory: Perspectives on and beyond Asia. Abingdon and New York: Routledge, 2010. Bilgin, Pinar. "The 'Western-Centrism' of Security Studies: 'Blind Spot' or Constitutive Practice?" Security Dialogue. vol. 41. no. 6 (December 22, 2010). Buzan, Barry & Lene Hansen. The Evolution of International Security Studies. New York: Cambridge University Press, 2009. Buzan, Barry, Ole Wæver & Jaap de Wilde. Security: A New Framework for Analysis. Boulder- Colorado: Lynne Rienner Publishers, 1998. Cox, Robert. "Theory, Social Forces, States and World Orders: Beyond International Relations.'' Millennium. vol. 10. no. 2 (1981). Flowers, Andrew. ''Global Terrorism Declined Last Year, but not in the West.'' Five Thirty Eight. at: http://53eig. ht/2EUBhHx Hughes, Christopher & Lai Yew Meng (eds.). Security Studies: A Reader. London and New York: Routledge, 2011. Jackson, Richard, Eamon Murphy & Scott Poynting (eds.). Contemporary State Terrorism: Theory and Practice. London and New York: Routledge, 2010. Jackson, Richard (ed.). Routledge Handbook of Critical Terrorism Studies. London and New York: Routledge, 2016. Jackson, Richard et al. (eds.). Critical Terrorism Studies: A New Research Agenda. London and New York: Routledge, 2009. Jackson, Richard & Gareth Hall. "Talking about Terrorism: A study of vernacular discourse." Politics. vol. 36. no. 3 (2016). Schmid, Alex (ed.). The Routledge Handbook of Terrorism Research. Abingdon and New York: Routledge, 2011.