من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف: الخوف من الديمقراطية أم الخوف من جيل الشباب بالمغرب؟
الملخّص
تركز هذه الدراسة على الدور الذي ظل يؤديه جيل الشباب المغربي، بما هو قوة اجتماعية وسياسية، في عملية تقديم البدائل وإعادة بعث الدينامية في العمل السياسي عبر المساهمة في تأسيس الانتقال نحو الديمقراطية. وتؤطر الدراسة الأسئلة التالية: إلى أي حد ساهم الشباب المغربي في إعادة تحديد مفهوم العمل السياسي؟ وكيف تَصّور جيل الشباب عملية الانتقال إلى الديمقراطية؟ وما مآل المطالب التي رفعوها؟ تستعمل الدراسة مفهوم "الجيل" سوسيولوجيًا، من حيث إنه ليس قوة أو كتلة متجانسة اجتماعيًا، وإنما يحمل معه توترات مرتبطة بنظرته إلى العالم؛ هي التي تمنحه الدينامية المتجلية في البحث عن موقع اجتماعي، إلى جانب الأجيال السابقة. كلمات مفتاحية: المغرب، الوعي الجيلي، الانتقال الديمقراطي، حركة 20 فبراير، الحركات الاجتماعية. This study examines the role played by the youth of Morocco, turning this generational group into a political and social force capable of proposing alternative solutions to Morocco's political impasse, introducing dynamism and alternatives along the path to democracy. The question which frames this study is: to what extend did Moroccan youth contribute to the reshaping political culture in the country? How do Moroccan youth conceptualize the transition to democracy, and what happened to their demands? The author adopts a sociological definition of a "generation", meaning that it does not define a generational cohort as a homogenized social group but rather represents a set of people with a shared set of anxieties surrounding their position in relation to other (previous) generations. Keywords: Generation, 20 February Movement, Rif Movement, Morocco, Democratic Transition.
From the 20 February Movement to the Rif Movement: Does Morocco Fear Democracy, or the Youth Generation?
مقدمة
يقترن الحديث عن الديمقراطية بالحديث عن الدور الذي يمكن أن يؤديه جيل الشباب في المساهمة والتأثير في تصور هذه الديمقراطية وترسيخها؛ بما هي آلية تنظيمية للحياة السياسية، فمن المهم دراسة الجيل من أجل معرفة ما يعتمل داخل الحركات الاجتماعية عمومًا والحركات الاحتجاجية خصوصًا، ومدى مساهمة جيل الشباب في التغير الاجتماعي. وما دام المغرب قد عرف موجات من الحركات الاحتجاجية في العقود الأخيرة كان وراءها أساسًا فئة الشباب، فإن البحث في مطالب هذا الجيل يمثل أهمية كبرى من الناحية السوسيولوجية، لكونه في كل لحظة يحاول أن يعبر عنها بطرق متعددة، يُنوّعها وفق الشروط السياسية التي في إطارها تتم تلك التعبيرات الاحتجاجية. تسعى هذه الدراسة لتحقيق هدفين مترابطين، أولً: تحديد مفهوم الجيل من وجهة نظر سوسيولوجية وفلسفية، وثانيًا: إبراز دوره في عملية التحول نحو الديمقراطية وبنائها عبر اللجوء إلى الاحتجاج. الجيل هنا يحمل دلالة سوسيولوجية محددة بشروط سياسية، اجتماعية وثقافية، قبل أن يتحدد بيولوجيًا (عمريًا)؛ من أجل ذلك حاولت الدراسة توظيف المقاربة النسقية المتعددة الأبعاد Multidimensionnelle؛ عبر استثمار الدراسات المرتبطة بالموضوع في ميادين السوسيولوجيا والعلوم السياسية والتاريخ، مع افتراض أن ارتفاع منسوب الوعي الجيلي يرفع من سقف المطالب؛ ما يجعل من مطلب الديمقراطية مطلبًا ملحًّا. ومن أجل تحقيق هذه الأهداف تمّ الاستناد إلى معطيات كمية أُخذت من الملاحظة بالمشاركة مادتها الأساسية، وتحليل مضامين الشعارات التي كانت ترفعها في المسيرات، إضافةً إلى المواظبة على حضور الاجتماعات العامة لحركة 02 فبراير. من جهة ثانية، تمّ الاعتماد على تحليل مضمون الفيديوهات الموثقة لحراك الريف في شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية ومقارنتها بخطاب الحركة. وقد قُسمت الدراسة إلى مستويين، يضم الأول تأطيرًا نظريًا لمفهوم الجيل والوعي الجيلي الذي يتشكل بتقاطع المحددات العمرية مع المحددات الاجتماعية والتاريخية. ويتناول الثاني الدور الذي أدته حركة 02 فبراير؛ بما هي حركة جيلية في تطوير الوعي السياسي لدى الشباب، وخلق ثقافة سياسية جديدة مرتبطة بمطالب دستورية تكون مدخلً للانتقال نحو الديمقراطية، عبر الإلحاح على مطلب الملكية البرلمانية. غير أن عدم تحقق هذا المطلب، إلى جانب التهميش والإقصاء اللذين مسَّا هذا الجيل، سمح بعودة الدينامية إلى الشارع السياسي المغربي وبروز حراك الريف وتناميه زمنيًا وكميًا ونوعيًا، مجسدًا أشكالًاحتجاجية جديدة وقيادات ميدانية كاريزمية؛ وهي كلها معطيات سوسيولوجية تؤشر إلى أن الفعل السياسي المؤسساتي يعيش أزمة حقيقة أفقدته ثقة الشارع.
أولا: الجيل والوعي الجيلي
ارتبط مفهوم الجيل في الأدبيات السوسيولوجية، خصوصًا، بكتابات كارل مانهايم الذي ميّز بين ثلاثة مستويات من التحليل في دراسة الجيل. فالمستوى الأول هو اعتبار أن الجيل مرتبط بعملية تطور بيولوجي (المدرسة الوضعية)؛ بالنظر إلى أن هناك مسارًا متطورًا ومترابطًا للأفراد، بتعاقب المراحل العمرية وتتاليها، وهو ما يُظهر أن الاستمرارية السياسية مؤسسة على الاستمرارية البيولوجية1. أما المستوى الثاني من التحليل، فهو مرتبط بالمدرسة الرومانسية التاريخية التي مثلها ويليم Romantic-historicalدلتاي Dilthey Wilhelm خصوصًا، وما يهم هنا ليس عملية التعاقب والتتالي فحسب، بل التزامن والمعاصرة Contemporaneity 2 أيضًا؛ لهذا يمثل العمر والزمن مكونين أساسييَن وقاعدة لكل تحليل جيلي، أو كما يقول دلتاي: إن الجيل هو علاقة تزامن أو مُعاصَة بين أفراد يكونون متأثرين، إلى حد بعيد، بقوى ثقافية واجتماعية مرتبطة بمرحلتهم التاريخية3. أما المستوى الثالث، فهو مرتبط بالتحليل السوسيولوجي للجيل؛ بوصفه الخيط الناظم لكل معرفة ممكنة للحركات الاجتماعية. لهذا من المهم جدًا التركيز على التجارب التاريخية في مسألة التأثير في تكوين الأجيال. لقد أعطى مانهايم أهمية كبيرة للتاريخ فيما يتعلق بتشكل الوعي الجيلي بين الأفراد، وضمن الفئة العمرية نفسها، كما ركز على دور ديناميات الصراع بين الأجيال وداخل كل جيل أيضًا، بل داخل الفئة العمرية نفسها4. لهذا كلما كانت التحولات الاجتماعية سريعة، طورت الأجيال مواقفها الخاصة وإجاباتها النوعية في المجتمع في ارتباط دائم بالوعي الذي يحمله الجيل حول تلك التحولات ووضعها في سياقاتها التاريخية. لا يرتبط مفهوم الجيل بانتماء مشترك إلى الجماعة العمرية نفسها التي تتحد بخصائص ومميزات مرتبطة بحيز زمني لدورة الحياة
فحسب، كما لا يتحدد بمرحلة تاريخية لجماعة عمرية Cohort في علاقتها بالعوامل الديموغرافية والاجتماعية للحظة الولادة، بل إنه يرتبط أيضًا بالوعي الجيلي؛ بوصفه وعيًا اجتماعيًا يساهم في الصيرورة التاريخية التي تسمح بالتطور داخل جيل بكامله، والتي يمكنها أن تؤدي إلى تغيير مسار التاريخ وحركيته5. هذا التداخل في تحديد مفهوم الجيل في علاقة بالوعي المُؤطِّر له، هو ما يجعل الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية يستشعرون الصعوبة المرتبطة بالمفهوم، وهي صعوبة تعود إلى العلاقة القائمة بين البعد البيولوجي، والبعد العلائقي/ الاجتماعي، والبعد التاريخي الزمني.
وراء هذه الخلفية النظرية والتحليلية لسوسيولوجيا المعرفة عند مانهايم، جاءت الدراسات حول الجيل السياسي في العلوم الإنسانية مستندة إلى ثلاث مقاربات أساسية: تأثير مسار الحياة cycle Life؛ أي معرفة خصائص التطور المرتبط بكل مرحلة من الحياة المفسرة للسلوكيات السياسية المختلفة لكل فئة عمرية، وترى هذه المقاربة أن كل مرحلة عمرية تتميز بخصائص فيسيولوجية واهتمامات عاطفية واجتماعية تدفع إلى تكوين هوية ذاتية معرفية مميَّزة، قادرة على منح الاستقلال عن الآخرين وخاصة الكبار منهم؛ إذ نجد أن الشباب يستثمرون في الأفعال السياسية ضد من سبقوهم جيليًا، لأنهم يعتبرون أن كل مرحلة عمرية من مسار الحياة مرحلةً تتغير فيها المواقف والسلوكيات6. وتركز المقاربة الثانية على عامل الجماعة العمرية Effet Cohort؛ أي إن مجموعة الأفراد المنتمين إلى الحقبة الزمنية نفسها يحملون تجارب اجتماعية وسياسية مماثلة، في الوقت الذي يصلون فيه إلى مرحلة الشباب والنضج. فإذا كانت الجماعة تمثل فئة اجتماعية "في ذاتها" soi En، فإن الجيل هو مجموعة اجتماعية أو سياسية تعمل "لذاتها" soi Pour، متميزة من باقي الفئات الاجتماعية؛ لأنها متجانسة عمريًا7. والمحدد الثالث هو تأثير المرحلة période de Effet؛ أي تأثير الأحداث التاريخية Evénements التي تقع في المجتمع وتنتج فيه في لحظة ما من تاريخه، وفق سياق تاريخي واجتماعي معطى يتفاعل معه الأفراد والجماعات ويستندون إليه في محاولة التأثير في الواقع. وتتأسس تأثيرات المرحلة في الأحداث المعاصرة التي تتفاعل معها المجموعات والجماعات العمرية ويجيبون عنها8. لهذا يرى كارل ماركس أن الناس لا يصنعون تاريخهم الخاص على نحو اعتباطي وعفوي، بل ضمن شروط موروثة من الماضي؛ لأن هناك ضغطًا قويًا لإرث الأجيال السابقة على عقول المعاصرين9. بهذا المعنى، يتشكل الجيل السياسي عن طريق تفاعل قوى مرتبطة بظواهر مسار الحياة (محدد فردي)؛ حينما تُطوِّر جماعة عمرية (محدد اجتماعي) تنتمي إلى الحقبة الزمنية نفسها (محدد تاريخي) وعيًا جيليًا يصادف شروطًا تاريخية في طور التغيّ، ينتج بسببها هذا الجيل رد فعل في المجتمع بمحاولة إثارة تغيير سياسي. في هذه الشروط، تأخذ الحركية الجيلية السياسية عند مانهايم شكلين: صراع بين الأجيال يرفض فيه جيل الشباب سلطة الكبار، وصراع داخل الجيل نفسه يكون نتيجة الاختلاف في التصورات بين مكونات وحدات الجيل نفسه أيضًا، مرتبط بنظرة كل مكون إلى الواقع الاجتماعي ومدى تقييمه للمرحلة10. السؤال المطروح ما العلاقة بين الانتماء إلى زمن بيولوجي ما (مسار الحياة) والانتماء إلى لحظة تاريخية معينة؟ كيف تؤثر هذه العلاقة في تشكل الوعي الجيلي وبنائه؟ وليتشكل وعي جيلي، لا بد من أن تُخلق علاقات اجتماعية بين أفراد متقاربين عمريًا يعيشون القضايا التاريخية نفسها، ويتشاركون التيارات الاجتماعية والفكرية الرائجة في مرحلتهم التاريخية، يكون لديهم إمكان للتجاوب على نحو إيجابي أو سلبي والتفاعل مع القوى التي تخلق وضعيات جديدة. هذه الوضعيات الجديدة تجسد مواقف جذرية (راديكالية) وظيفتها الأساسية هي التجديد والرفض والاحتجاج. نحن هنا أمام وحدات جيلية تتوحد حول قيم جيلية مشتركة، لكن ليس بالمنظورات والمخرجات نفسها، نتيجة اختلاف مرجعيات التفكير. في أوضاع كهذه، يكون للنخبة المثقفة دور بارز في
المساهمة في الإجابة عن الإشكالات المطروحة، على الرغم من عدم انتمائهم بالضرورة إلى الجيل نفسه، يقتسمون معهم هذا الوعي الجيلي11؛ لهذا لا يمكن الحديث عن نموذج جيلي يمكن اتباعه، بقدر ما يمكن الحديث عن وعي جيلي حامل لخصائص محددة مرتبطة بشروط اجتماعية، واقتصادية، وسياسية تحدد طرق تفكيره وإحساسه ووعيه. في هذا الإطار، يطرح جون فرونسوا سيرينيلي سؤالً حول وجاهة مفهوم الجيل في التاريخ السياسي؟ إذ يرى أن مفهوم الجيل من الصعب فصله عن الحدث L'événement؛ لأن الجيل، باعتباره موضوعًا للدراسة وأداة للبحث، يقدم نفسه بثلاثة سجلات Registres، على الأقل، هي المرجعيات (الأيديولوجيات)، والثقافة السياسية، ثم التمثلات 12؛ بحيث لا يجري تصور الحدث بالطريقة نفسها ولا يحمل المعنى نفسه لدى الجميع، فهو بالنسبة إلى الراشدين والمسنين حدث إلى جانب أحداث أخرى، أما بالنسبة إلى الشباب فهو فعل اجتماعي جديد يجري التعامل معه بنوع من الذاتية لكونه تجربة حياتية أولى13. بناءً على ذلك، فإن التاريخ السياسي هو في الآن نفسه تاريخ للسلوكات أو التصرفات، والانتماءات السياسية، ثم الثقافات والأفكار السياسية. من هذا المنطلق، كما يقول راوول جيرار Girardet Raoul، يجب إعطاء أهمية لتعاقب الأجيال كعنصر لتجديد أنماط التفكير وطرق الإحساس14؛ ففي عالم متسم بالتغير، تتشكل أنماط تفكير جديدة، وقيم مُؤسِّسة جديدة، بينما تتراجع القيم القديمة ويكون الصراع الفكري بينهما قويًا حول الأسس الفكرية المشكِّلة لهما، وغالبًا ما تكون هذه الأسس تعبيرًا عن أيديولوجيات. في وضع كهذا، يجري إدراك العالم على أنه وحدة بنيوية unity Structural، وليس تعددًا لأحداث متنوعة يمكنها أن تبدو مثل بدايات لانهيار العالم (الاجتماعي.) إنها أول مرحلة، كما يقول مانهايم، للتجرد من الدوغمائية الأنطولوجية التي تعتبر العالم ثابتًا ومستقلً عنا استقلالً كليًا ونهائيًا15. من خلال ما سبق، يمكن القول إن وجود الجيل على هذا النحو، بطريقة موضوعية، يجسد دائمًا بناءً سوسيوتاريخيًا؛ ومن ثم فإنه من الناحية العلمية مفهوم يتطلب بناءً نظريًا/ مفاهيميًا من أجل دراسته واقعيًا. هذا الإطار النظري المفاهيمي يمكنه أن يساعدنا في الإجابة عن الإشكالات المطروحة حول الدور الذي يؤديه التاريخ الاجتماعي في تشكل الوعي الجيلي. وكما يقول آلان سبيتزر، فإن كل جيل يكتب تاريخه الخاص للأجيال، هذا التاريخ الخاص مشروط، تاريخيًا، بتعدد الأبعاد المفسرة لكل وعي جيلي في علاقة بالأجيال السابقة؛ كصيرورة تاريخية تتقاطع فيها المحددات البيولوجية بالمحددات الاجتماعية والثقافية بحسب دلتاي؛ بالمحددات السياسية والاقتصادية بحسب ماركس16. ونحن بصدد الحديث عن الجيل، ينبغي عدم إغفال الدور الذي أصبحت تؤديه الوسائل التقنية الحديثة في التأثير وخلق ثقافة جيلية جديدة؛ فهي تؤثر بدرجة كبيرة في شكل الإنتاج الثقافي والمعرفي المستهلك ومحتواه الذي يشكّل أساسًا للوعي الجيلي. وقد أدت هذه التقنيات الحديثة دورًا بارزًا في السنوات الأخيرة، إذ مكنت جيل الشباب من التواصل واقتسام التجارب ونقلها، كما حدث خلال موجات الاحتجاج التي عرفها العالم العربي ابتداءً من سنة 0112، ومكنت أيضًا من التمايز من الأجيال السابقة بسبب التوظيف المتعدد لهذه التقنيات، والنظر إليها بوصفها مؤشرًا دالً على تحول جذري في بنية العلاقات الجيلية. لهذا، يمثل مفهوم "الجيل السياسي" بخلفياته النظرية السابقة مرجعًا سيجري الاعتماد عليه من أجل فهم الدينامية الداخلية والعلائقية للفعل الاحتجاجي في بعديه السياسي والاجتماعي. كما سيمثل أداة تحليلية لقراءة سوسيوتاريخية لهذا الفعل الاحتجاجي من خلال نموذجَي حركة 02 فبراير وحراك الريف.
ثانيًا: جيل حركة 20 فبراير: جيل سياسي
1. الذاكرة السياسية المغربية: نصف قرن من الاحتجاج
تندرج الحركات الاحتجاجية التي عرفها الشارع المغربي في مدنه وقراه، في سنة 0112، في إطار دينامية تاريخية مرتبطة بحركية المجتمع أولً، وبعلاقته بما عرفه العالم من تحولات ومسارات سياسية مختلفة ثانيًا. إن المجتمع المغربي كان دائمًا متفاعلً مع ما يقع حوله وداخله، ونجد أن الشباب، خصوصًا، هم القوة المحركة لهذا التفاعل
منذ السنوات الأولى للاستقلال. لقد عرف المغرب، في أيار/ مايو 9651، موجة احتجاجات عارمة نتيجة قرار صادر من الدولة بحرمان التلاميذ الراسبين في السنة الأخيرة من سلك الإعدادي من ولوج سلك الثانوي بعد نجاحهم عند بلوغهم سن السادسة عشرة (السماح لمن هم دون 16 سنة فقط.) قوبل هذا القرار برفض الشارع وبإضرابات شاملة، وخاصة في صفوف جيل التلاميذ والشباب، اضطر معها النظام إلى التدخل على نحو قوي وعنيف أسفر عن مقتل العشرات من الأفراد17. كانت هذه الأحداث كافية لتُدخل الشباب مباشرة في قلب الاهتمام بالعمل السياسي، وكانت أيضًا صدمة لجيل ما قبل الاستقلال الذي أدخلته مرحلة الحماية قسرًا في دائرة الاهتمام بالنضال من أجل التحرر. لكن السؤال الذي يُطرح هو ما خلفيات هذا الاهتمام بالعمل السياسي؟ وما أسسه؟ لقد ربط جيل ما بعد الاستقلال بين مطالب الحق في التكوين وفي التعلم وبين الحق في الإدماج في الحياة الاجتماعية؛ عبر تقليص الفوارق بين الفئات والتوزيع العادل للثروات. وكانت هذه المطالب تعبيرًا عن ارتفاع منسوب الوعي السياسي لهذا الجيل المرتبط بالوعي بالتضحيات التي قدمها الجيل السابق له؛ لهذا كانت مطالبه مشروطة تاريخيًا بالشروط السياسية المرحلية. وقد كان لعدم الاستجابة للمطالب في حينها تداعيات سياسية جعلت المغرب يدخل في لحظة من التيه السياسي18 تجلّت في عملية الاستئصال التي قامت بها الدولة في فترة السبعينيات والثمانينيات. إذا كانت سنوات الستينيات قد تميزت بحركية سياسية، واستثمار الفضاء العمومي19 للتعبير عن المطالب، تمثلت في المواجهة المفتوحة والمباشرة بين النظام السياسي ومعارضيه داخل أحزاب الحركة الوطنية (الاتجاه الراديكالي في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خصوصًا)، فإن سنوات السبعينيات والثمانينيات عرفت، في المقابل، انغلاقًا للحقل السياسي المؤسساتي واحتكاره من طرف النظام (إقصاء تام للمعارضين، وخاصة تيارات اليسار الراديكالي)، وقد تزامن ذلك مع تنامي الأزمة الاقتصادية والسياسية المرتبطة بسياسة التقويم الهيكلي التي انتهجتها الدولة في بداية الثمانينيات20. هذا الواقع، جعل الشباب، وخاصة فئة التلاميذ والطلبة، يلجؤون إلى فضاءات خارجة عن المراقبة المباشرة للدولة؛ كالجمعيات الثقافية (النوادي السينمائية، والفرق المسرحية) والحقوقية، والإطارات الطلابية التي كان لها دور بارز في استقطاب الشباب وحفْزه على الاهتمام بالعمل السياسي والنقابي؛ وهو ما تبلور في الأحداث التي عرفها المغرب في سنوات 9819841 و 9901 و 1، في شكل إضرابات عامة دعت إليها أحزاب المعارضة والنقابات التابعة لها والحركات الطلابية. وقد تطورت هذه الإضرابات إلى تمردات تمت مواجهتها بالقوة والعنف وخلفت العديد من القتلى، ما اعتبر في حينه تجسيدًا لكره النظام للجمهور والتجمهر أو الاحتشاد، أو أي وسيلة تخلق التواصل بين الأفراد؛ من أجل تفادي أي إمكان للتعبير عن السخط وعدم الرضا21. لقد حاولت الدولة السيطرة على الفضاء العمومي واحتكاره ومراقبته حتى لا يُسمح للمعارضين لها باستغلاله، باستثناء الساحات والفضاءات الجامعية التي كانت تستقطب هذا الجيل الجديد من الشباب الذي يخضع داخلها لتنشئة سياسية نتيجة "التلاقح الجيلي." غير أن إستراتيجية احتلال الفضاء العمومي ستبدأ في التحول ابتداءً من منتصف التسعينيات ليصبح هذا الفضاء رهانًا سياسيًا، لم يعد حكرًا على المدن الكبرى، كما يقول عبد الرحمن رشيق، بل أصبح يتسع ويمتد إلى المدن الصغيرة والمناطق المهمشة22. إن الصراع السياسي الذي طبع التاريخ المغربي المعاصر هو صراع حول تحديد صلاحيات المؤسسة الملكية، فقد كان يُنظر إليها بكونها تحتكر الحقل السياسي وتهيمن عليه23. وهذا المطلب، لربما كان نقطة تقاطع بين الأجيال لم تكن لتختلف كثيرًا حولها، سواء تعلق الأمر بالجيل الذي تلا مرحلة الاستقلال أو الجيل الحالي. لكن السؤال الذي يطرح: إلى أي حد استطاع شباب 02 فبراير أن يحدث خلخلةً في المشهد السياسي المغربي؟ وما حدود الاستجابة لمطالبه؟
2. مراجعة دستورية تحت أعين القصر
عمومًا، يمكن تقسيم مطالب حركة 02 فبراير إلى ثلاثة مستويات متداخلة فيما بينها، هي: مطلب سياسي يدعو إلى إعادة صوغ وثيقة دستورية تنظم العلاقة بين السلطة الحاكمة وعموم المواطنين، وهي وثيقة تفترض هيئة منتخبة مختصة تحرص على صوغها، تنقل نظام الحكم إلى ملكية برلمانية. مطلب اجتماعي متجلٍ في إقامة عدالة اجتماعية وتقليص الفوارق الطبقية بين الفئات تسمح لهم على نحو متساوٍ بالولوج في الخدمات الاجتماعية، وضمان شغل يحقق الكرامة الإنسانية. مطلب اقتصادي يركز على عدم الجمع بين السلطة والثروة، ورفض كل أشكال المحسوبية والزبونية، ومحاربة الفساد واقتصاد الريع24. هذه المطالب كانت حاضرة لدى جيل الستينيات والسبعينيات، ثم لدى جيل الثمانينيات والتسعينيات بسقف أعلى، غير أن كل جيل يكون - كما قلنا - محكومًا بشروط تاريخية تحدد نوعية المطالب ويتحدد هو بها. إن جيل شباب 02 فبراير هو جيل سياسي حامل لمشروع اجتماعي إصلاحي وخريطة طريق لنوع المجتمع الذي يطمح إلى العيش فيه، مُمَيزًا ذاته من الأجيال الأخرى بالطريقة والأسلوب المُعَبّ بهما عن تلك المطالب؛ لهذا فإن كل جيل، هو بالضرورة، جيل سياسي حينما تكون له مواقف تتجه نحو التغيير الاجتماعي والسياسي25. إن تأكيد مطلب الإص حاا السياسي الذي يكون مدخله الإصلاح الدستوري كان أهم ما ميز الصراع بين أحزاب الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية من أجل التأسيس للانتقال الديمقراطي؛ من أجل ذلك تحدّث الحسن الثاني عن التناوب والمصالحة وإنقاذ البلاد من "السكتة القلبية"، وتحدّث الملك الحالي عن المجتمع الديمقراطي الحداثي، وعن المفهوم الجديد للسلطة، لكنهما لم يتحدّثا عن الانتقال الديمقراطي بوصفه مشروعًا اجتماعيًا يستلزم إصلاحًا دستوريًا حقيقيًا وتغييرات جذرية على المستويين الاقتصادي والسياسي26. يتطلب الانتقال الديمقراطي إجراءات وآليات تفعيله، على رأسها مؤسسات حزبية قوية قادرة على الدفع نحو الانتقال إلى أهدافه والسهر على تحقيقه27. وهو ما لا نجده حاضرًا؛ لأن المؤسسات السياسية، وخاصة المؤسسات الحزبية، في وضعية عجز نسبي، وفي حالة من الانتظارية، مقارنة بالمؤسسة الملكية التي تستمد قوتها من نفوذها وعلاقتها بالنخبة التي يمكن احتواؤها في أي لحظة28. لقد تجلى مطلب الانتقال الديمقراطي، على نحو أساسي، في مطالب حركة 02 فبراير بالتوجه مباشرة إلى مطلب الملكية البرلمانية. وساهم ذلك كله في فقدان الملك طابعه القدسي الذي كان يحمله سابقًا، وقد حاول أن يعبّ في خطاب 9 آذار/ مارس 0112 عن عدم استجابته لمطالب الشارع، بل إن الأمر يتعلق بإصلاح سياسي يخصه بوصفه رئيس دولة29. وهذا ليس جديدًا في تعامل الملك مع الشارع، لأن الدساتير السابقة تقدمه على أنه شخصية ضامنة لوحدة المجتمع، وليس بوصفه فاعلً سياسيًا، وهو ما برز في الفصل 91 من دستور 996.1 غير أننا نجد هذه الصفة أيضًا في الدستور الحالي، لكن ذلك على نحو موزع في أكثر من بند دستوري30. أكد العديد من الباحثين المغاربة والأجانب أن الوثيقة الدستورية الحالية لم ترقَ إلى المطالب التي كان الشباب يرفعونها، ولو في حدودها الدنيا31. إذ ظلت صلاحيات الملك غير محددة، وموزعة على أكثر من بند دستوري. وهو، إلى جانب اختصاصاته الدينية والعسكرية، فاعل في السلطة التنفيذية ووصي على السلطة القضائية والمشكّل لكل هياكلها ومؤسساتها. وكل ذلك، كما يقول عبد الرحيم العلام، تم في جو تميز بوضع خاص كذلك؛ تمثل في وجود نظام ملكي يسود فيه الملك ويحكم32، ما لم يمكّن من صوغ الوثيقة الدستورية المراجعة من طرف لجنة مستقلة أو منتخبة ممثلة لكل الأطياف
والتوجهات السياسية والحقوقية الموجودة في الساحة. لهذا يرى شباب حركة 02 فبراير أن الإصلاحات الدستورية التي تمثل مدخلً لكل إصلاح ممكن، لم يتم تحققها في الوثيقة الدستورية.
3. موت الأحزاب السياسية وانبعاث الشارع
أظهرت استطلاعات المؤشر العربي أن اهتمام الأفراد في العالم العربي بالشؤون السياسية قد ازداد منذ ثورات "الربيع العربي"؛ إذ إن ثلاثة أرباع المستجيبين عبّ وا عن اهتمامهم قليلً أو كثيرًا، نصفهم مهتم ومتابع للشؤون السياسية في بلده33. فيما يخص حالة المغرب، بيّ المؤشر أن 7 في المئة من المغاربة مهتمون جدًا بالشؤون السياسية، و 21 في المئة مهتمون، و 36 في المئة مهتمون قليلً؛ أي إن نحو ثلثَي المستجيبين 64( في المئة) مهتمون بالشؤون السياسية لبلدهم. ولكن ذلك لا يعني أنهم يشاركون وينخرطون في النشاطات السياسية، مثل توقيع العرائض والمشاركة في المسيرات والوقفات، إذ يظهر المؤشر أن 2 في المئة عربيًا)34هذه المعدلات لا تتجاوز 13 في المئة في المغرب 0(. ما زالت نسبة الانتماء إلى هيئات أو أحزاب سياسية تثير انتباه المهتمين بالشأن السياسي في العالم العربي. وفي المغرب، لا تتجاوز هذه النسبة 5 في المئة، بحسب المؤشر العربي، وهي نسبة قريبة إلى حد ما مما أبانت عنه الأبحاث والدراسات حول الشباب المغربي35. إن ضعف الانخراط في الإطارات السياسية والحزبية يتم تبريره بعدم جدوى هذه الإطارات، بما أنها غير فعالة في الحياة السياسية، لأنها بدت متخلفة عن الشارع، وعن مطالبه، إبان حركة 02 فبراير. لقد عبّ ت أغلبية الأحزاب عن عدم مساندتها للحركة، بل ذهب بعضها إلى منع قواعدها من المشاركة في الاحتجاجات باسم الحزب؛ كما حدث مع حزب العدالة والتنمية الذي قطف في الأخير ثمار الحركة؛ عبر الاستثمار الأمثل لشعارها الأساسي "محاربة الفساد والاستبداد." كل هذه المعطيات تذهب في اتجاه تأكيد أن الشباب فقدَ الثقة بالمؤسسات والهيئات الوسيطية Intermédiaires التي بإمكانها أن تعكس مطالبه وتعبّ عنها؛ ومن ثم فإنه يكون للجوئه إلى الفضاء العمومي معنيان؛ الأول: عجز هذه المؤسسات التي أصبح ينظر إليها بوصفها قد أصيبت ب "شيخوخة" سياسية واجتماعية، وغير قادرة على الدفاع عن تلك المطالب، وهي مطالب في جوهرها سياسية قبل أن تكون اجتماعية واقتصادية. أما الثاني فمفاده أن الوعي الذي أصبح يحمله جيل الشباب بضرورة مشاركته في الحياة العامة، عبر السعي نحو دمقرطتها، لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تجاوز الأجيال السابقة. هذه العوامل مجتمعة، إلى جانب عوامل أخرى، ساهمت في عودة الاحتجاج إلى الشارع، وفي جعل الأحزاب السياسية في وضعية حرجة؛ لأن الجيل الجديد من الشباب قد تجاوزها، سواء في مستوى التأطير والتأثير، أو في مستوى أشكال العمل والتواصل. إضافة إلى ذلك، أصبح هناك وعي جيلي مرتبط بالحياة السياسية المغربية المتعلق بمعرفة مراكز القرار السياسي الفعلي، وقد ظهر ذلك خلال جولات الحوار التي عقدها الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية التي أجريت في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 0162 (حزب العدالة والتنمية المحافظ.) فقد استمرت المفاوضات أكثر من 6 أشهر نتيجة وضعية التأزيم blocage Le التي قامت بها الأحزاب الإدارية المقربة من القصر، والتي فرضت في النهاية شروطها في التفاوض، فجاءت الحكومة بعيدة عما أفرزته صناديق الاقتراع.
ثالثًا: الجيل بين أزمة الخطاب وخطاب الأزمة
1. أزمة الخطاب
إذا أخذنا مفهوم الخطاب كما حدده ميشيل فوكو في درسه الافتتاحي، سنكون أمام منظومة من الأفكار والتصورات التي تُ يّز لحظة تاريخية ما وظيفتها، هي مراقبة إنتاج الخطاب الذي يدخل في إطار إستراتيجية الاقتصاد السياسي للحقيقة؛ بما هي إنتاج وتوزيع واستهلاك لها وصراع حولها36؛ ومن ثم فإن كل خطاب هو خطاب ممُأسس Institutionnalisé صادر عن مؤسسة ومعبّ عنها. لهذا فإن الخطاب حامل لسلطة هي بالضرورة سلطة المؤسسة تمنحه لمن يتم الاعتراف بهم اجتماعيًا؛ بوصفهم معبّ ين وناطقين باسمها37. وبما أن كل خطاب هو خطاب ممأسس ومراقب، فقد أصبح الفضاء العمومي بعد 02 فبراير فضاءً مراقبًا من جانبين، من جانب السلطة وخوفها من احتكاره من طرف الشباب والحركات الاجتماعية الجديدة، ومراقب من جانب الشباب خوفًا من هيمنة السلطة عليه؛ ما جعل هذا الفضاء غير متحكم فيه كليًا. في هذا الإطار، نشير إلى
ما ذهب إليه عادل المستوي الصغير حينما تحدّث عن وجود نظام من الخطاب وحقل من المعرفة يتميزان بسيطرة وهيمنة لعلاقات القوة المتجلية في الخطابات الرسمية، وظيفتها السيطرة على الحقل الاجتماعي والسياسي، ووجود فضاءات حوارية معارضة تحاول أن تنفلت من هذه الهيمنة المطلقة للخطابات الرسمية38.
معنى هذا أن الأمر لا يقتصر على محاولة الهيمنة على المجال القانوني والسياسي، بل إنه يتعدى ذلك إلى الأدوات التي من خلالها يتم تصريف تلك الخطابات، وهي الفضاءات العمومية. وقد تركّز اهتمام شباب 02 فبراير على الفضاءات الافتراضية من أجل التواصل والتأثير؛ إذ فُتحت نقاشات حول المطالب على نحو جريء وغير مسبوق، تفاعل معها جيل الشباب بجرأة كبيرة مستعملين التقنيات الحديثة في التواصل باعتبارها فضاءات معارضة. يجب وضع هذا المسار وهذه السيرورة في سياقهما الاجتماعي المتمثل في بروز حركة فنية تعبيرية أخذت من الموسيقى، خصوصًا، أداةً لإيصال صوتها وإبداء آرائها. لقد ظهرت في السنوات الأخيرة من القرن الماضي مجموعات موسيقية شبابية أخذت من "الهارد روك" rock Hard و"الراب" Rapp أدوات تعبيرية للتواصل مع المراهقين والشباب. واعتمد هؤلاء الشباب على العالم الرقمي، بوصفه فضاء عموميًا، لنشر موسيقاهم وتوزيعها؛ إذ نجد أن مضامين هذه الأشكال التعبيرية من الموسيقى مضامين مطلبية؛ كالعيش الكريم، وحرية التعبير، والحق في الاختيار، والمواطنة، والهوية، ومحاربة الفساد والرشوة39. وتم استثمار هذه الأشكال التعبيرية الفنية والرمزية كثيرًا أثناء التظاهرات والمسيرات وفي التجمعات، وقد عبّ ت عن تلقائيتها وحرفيتها خارج المؤسسات والإطارات الفنية الرسمية التي بدت متجاوزة إلى حد بعيد، والتي بدا أنها تعيش أزمة؛ لأنها لم تعُد هي الأخرى تساير التحولات الاجتماعية التي يعرفها الواقع. في واقع اجتماعي وسياسي مأزوم، كان لا بد من ظهور هذه الأزمة أيضًا على مستوى الخطاب السياسي؛ لهذا نجد أن من بين ما حاولت حركة 02 فبراير فعله، تجديد أساليب الخطاب الذي تمثّل في إنتاج لغة تَخَاطُب مُتمايزة ومختلفة عن اللغة التي تتداولها النخب السياسية؛ وذلك من خلال التركيز على اللغة العامية والمفردات التي يفهمها الجميع، والابتعاد عن الغموض والشعبوية40. والهدف من ذلك هو التميز من لغة التخاطب الرسمية التي تبدو لغةً مأزومة لا تعكس معاناة المواطن المغربي واهتماماته. إن المكسب الذي حققته حركة 02 فبراير هو ممارستها تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في نظام الخطاب داخل الخطاب الرسمي ذاته، الذي حاول أن يستعمل اللغة السياسية والحقوقية نفسها المتداولة من طرف الشباب في الفضاء العمومي. وغالبًا ما يأتي الخطاب الرسمي ليحتوي الغضب والمطالب التي يتم الإعلان عنها؛ كما حدث في مناسبات عديدة (ما بات يعرف في الأوساط الحقوقية والصحفية بفضيحة 41مغتصب الأطفال دانييل Gate Daniel. لقد كان خروج الشباب المغربي للاحتجاج هذه المرة ضد المؤسسة الملكية التي طالبوها بعدم احتكار العفو من دون المرور بالمساطر القانونية والمؤسساتية، وكذا المطالبة بتوضيح الإجراءات المرتبطة بعملية العفو.
2. خطاب الأزمة
فرض الواقع الجديد تجديد الخطاب السياسي، سواء كان خطابًا حزبيًا أو رسميًا. في هذا الإطار، نشير إلى اللغة التي أصبحت تصاغ بها الخطابات الملكية؛ ففي إحدى فقراته، أشار الخطاب الملكي، في 03 تموز/ يوليو 0142، إلى مطلب 02 فبراير المتعلق بالتوزيع العادل للثروة. وتمّت الإحالة في الخطاب على الدراسات التي أنجزها البنك الدولي حول الوضع الاقتصادي للبلد بالقول: إن المغرب مصنف من بين الدول الأولى على الصعيد الأفريقي، من دون أن ينعكس ذلك
إيجابيًا على المواطن. إذ نجد في إحدى فقرات الخطاب الملكي الجملة التالية: "أتساءل باستغراب مع المغاربة: أين هي هذه الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة، أم أنها همّت بعض الفئات فقط؟"42. لم يكن ممكنًا لخطاب سياسي من هذا النوع أن يظهر لولا الدور الذي أداه جيل الشباب، بإثارة قضايا وموضوعات تهمّ الشأن اليومي للمواطنين؛ كالبطالة، والفقر، والهشاشة، والإقصاء الاجتماعي. وقد عبّ الشباب عن ذلك بلغة واضحة، من خلال استعمال التقنيات الحديثة ووسائل التواصل العصرية كقنوات اليوتيوب والبودكاست44. يضاف إلى ذلك أن المواكبة الإعلامية من طرف الشباب للقضايا المحلية والإقليمية والتفاعل معها في مواقع التواصل الاجتماعي، أحرج النخبة السياسية التي ظلت في أغلبها سجينة الممارسات السياسية التقليدية، ما جعل من القادة السياسيين والفاعلين الحزبيين موضوع استهزاء في كثير من الحالات، وهو أمرٌ يكشف عن أن خطابهم كان مأزومًا. وفي مثل هذه الحالات، من الطبيعي جدًا أن تظهر حركات اجتماعية تطرح نفسها بوصفها بديلً، كاشفةً تناقضات خطاب الأزمة. في هذا السياق، يرى إريك نوفو أن طبيعة النسق السياسي تساهم في ارتفاع حظوظ نجاح الحركات الاجتماعية أو انخفاضها، ويرتبط ذلك بأربعة محددات أساسية، هي: درجة انفتاح النظام مع وجود تقاليد ديمقراطية وثقافة سياسية، تحوّل الفعل الاحتجاجي إلى مجال للتسامح وإعادة البناء. درجة من الاستقرار في التحالفات السياسية؛ فكلما كانت علاقات القوى السياسية قوية والنتائج الانتخابية ثابتة، كانت النتائج المتوقعة من الفعل الاحتجاجي ضعيفة. إمكان وجود قوى بديلة من الوضعيات الإستراتيجية والانقسام الذي يمكن أن يحدث داخل النخبة. قدرة النظام السياسي على تطوير السياسات العمومية، وإعطاء إجابات عن المشكلات والمطالب التي تطرحها الحركات الاجتماعية45. في غياب تقاليد ديمقراطية، مع وجود تحالفات سياسية هشة غير مؤسسة على برامج سياسية واضحة في بلد مثل المغرب، لا بد من أن يكون الأداء السياسي ضعيفًا وبعيدًا عن أفق انتظارات الفئات التي ترفع المطالب وتحتج من أجل تحقيقها. إن الرهان الذي ركزت عليه الحركات الاحتجاجية منذ الاستقلال إلى اليوم يصب، في معظمه، في خانة "الإصلاح"؛ إصلاح الملكية والحد من هيمنتها على المجال السياسي؛ لهذا فإن تاريخ الحركات الاحتجاجية إلى اليوم هو مسار يأخذ من الفضاء العمومي أداة وآلية للضغط. كما أن ما ميّز هذا المسار الاحتجاجي المغربي هو أن جيل الشباب، بوصفهم فاعلين اجتماعيين، يختارون أشكال الفعل الملائمة لمطالبهم. وحتى إن كانت ردود فعل السلطة عنيفة، فإنهم يتجنبون المواجهة معها. كما أن أحد تمظهرات هذا التحول هو انهيار "حائط الخوف"؛ من خلال احتلال الفضاء العام على نحو يتوقف فيه الفرد عن عدّ ذاته مهمشًا، وهذا وحده سبب كافٍ ليحمل الفرد وعيًا سياسيًا حول واقعه، وهو ما ذهبت إليه الباحثة مُنية الشرايبي في دراستها حول علاقة الشباب الحاصلين على شهادات والمعطلين بالوعي السياسي، لتخلص إلى أن هناك نوعًا من "التنشئة النضالية" للشباب الحاصلين على الشهادات الجامعية46؛ ففي هذه الحال، يكون الشاب في علاقة زمنية بمن سبقه ثم يلتحق بالمجموعة، لتتأسس علاقة جيلية داخلها. تكون الأشكال الاحتجاجية من وقفات ومسيرات مصحوبة بشعارات بعضها ذات مطالب اجتماعية، لكن هناك شعارات أخرى ذات حمولات ودلالات سياسية، تجعل من المعطل الحاصل على دبلوم في قلب الاهتمامات والقضايا التي ترتبط بالسياسات العمومية عامة، وليس بسياسة التشغيل فقط. وإذا حدث أنْ وضع الطالب أثناء فترة الدراسة في الجامعة مسافة بينه وبين العمل السياسي، فإن عدم إدماجه في سوق الشغل يجعله، موضوعيًا، مهيأ للاهتمام بها ومعرفة توجهات الدولة بخصوص سياسة التشغيل على الأقل، وهذا في حد ذاته اهتمام سياسي. إن مفهوم "الشباب"، كونهم فئة عمرية محددة سوسيولوجيًا47، أصبح مرادفًا للإقصاء والإبعاد عن المسؤولية الاجتماعية، ومرادفًا لغياب إمكان ممارسة السلطة، والخضوع للفرص المحدودة أيضًا، ولكنه في الوقت نفسه، يمثل صورة ضمنية بالنسبة إلى الفئات التي من المحتمل أن تمثل، أيضًا، "خطرًا." ومن خلال الرجوع إلى تمثيلية الشباب في المجتمع المغربي، نجد أنها هي التي تمثل القاعدة العريضة من المجتمع؛
فبحسب الإحصاءات الرسمية، يمثل نحو 8.63 في المئة من الساكنة التي يراوح عمرها ما بين 02 و 44 سنة48. وهنا تظهر خطورتها في المطالب التي يمكن أن تحملها هذه الفئة؛ فهي لم تعُد تقبل بالتهميش والإبعاد والإقصاء، بل تريد أن تكون طرفًا فاعلً في الحياة الاجتماعية. وهذا يجعلنا أمام صيرورة اجتماعية جيلية تجعل من كل جيل حامل لبراديغم خاص به مطورًا ومجددًا للبراديغمات الجيلية السابقة على نحو متراكب.Chevauchement des générations إن التحولات الاجتماعية لا تأتي فجأة ومن دون توقعات. وإن بدت كذلك؛ فلأننا عجزنا، أو لم نعطِ أهمية لصيرورة التحولات والتغيرات البطيئة التي لا تظهر أمام أعيننا، مثلما أن التحولات العلمية لا تكون عفوية؛ فهي تحدث نتيجة تراكمات في المعارف، وكل ثورة علمية تأتي لتجيب عن تساؤلات وإشكالات جديدة لا تستطيع النظريات السابقة الإجابة عنها (وجود أزمة)؛ نظرًا إلى تغير شروط بناء الموضوع العلمي49. إن كل تحول سياسي ليس إلا أحد تمظهرات التحولات التي تحدث في الحقول الأخرى، وخاصة الحقول الاجتماعية الثقافية المرتبطة بطبيعة العلاقات بين الأفراد، والنظرة التي تكون لديهم تجاه العالم. لهذا يجب رفض فكرة أن النظام لا يتغير ولا تقع داخل بنيته تحولات، وإلا سنجد أنفسنا أمام أنظمة سلطوية تتكون من ذاتها. كل ما في الأمر أن كل شيء يتغير وتقع داخله حركية من أجل أنْ يبدوَ ألا شيء تغير50. كل هذا يؤشر إلى أن الفعل السياسي يحمل أزمة مزدوجة، أزمة خطاب، لأنه غير قادر على تجديد آليات العمل السياسي بما يساير التحولات التي عرفها المجتمع، وواقع يجعل من خطابه تجليًا لأزمة يعشيها في مستويات تنظيمية وفكرية.
رابعًا: "حراك الريف" واندحار الفعل السياسي المؤسساتي
يمكن عدّ الحركة الاحتجاجية التي عرفها شمال المغرب، وخاصة منطقة الريف وما بات يعرف ب "حراك الريف"، لحظة مجددة في الفعل الاحتجاجي بالمغرب لما تراكم منذ 02 شباط/ فبراير 0112؛ فعلى الرغم من الطابع الاجتماعي والاقتصادي للمطالب المتجلي في رفع التهميش وإقامة البُنى التحتية ومحاسبة المفسدين، فإنه في الوقت نفسه تعبير عن خطاب سياسي واضح. لقد كان لمقتل بائع السمك محسن فكري وطحنه في حاوية قمامة وقع الصدمة على الشارع المغربي؛ إذ خرجت أغلبية المدن المغربية للتنديد بالحادث والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عنه. هذا الحدث، وإن بدا عارضًا Accidentel، فإنه أثار مسارًا تجديديًا اتسع وانتشر في المجتمع حتى أخذ صفة التغيير51. وإن وظيفة الحدث عمومًا، كما يقول إدغار موران، هي تسريع الشروط الموضوعية السابقة له، وخصوصًا إذا كان صادمًا وفي نطاق أزمة هائلة يعرفها المجتمع52. إن الحدث ينقل المجتمع من الجزئي إلى الكلي والعام، ومن العناصر الدقيقة إلى القضايا المركبة والمعقدة؛ ولهذا يتحول الحدث إلى قوة موحدة وعامل أساسي لطرح السؤال وللنقد. إن حراك الريف انعكاس لوعي جيلي يعيد إحياء الذاكرة السياسية الجماعية للسنوات الأولى من الاحتلال الإسباني للمنطقة، والمقاومة المسلحة الشرسة التي قُوبل بها من طرف الساكنة المحلية تحت قيادة عبد الكريم الخطابي53. إنها رموز ثقافية وسياسية في الآن نفسه، تحيل على قوة المقاومة من جهة، وعلى مقاومة الشباب للتهميش الذي لحق بالمنطقة منذ الانتفاضة التي حدثت سنة 9581، والتي ردت عليها الدولة بالعنف والقوة، من جهة أخرى. إن من شأن هذه الرموز التاريخية، بمعناها الأنثروبولوجي لكونها تحمل دلالات ومعاني مُوحَّدة ومُوحِّدةً للجماعة، أن تمثل تعبيرًا عن المقاومة والتضحية والهوية. وهذه الدلالات هي التي نجدها في الوعي الجمعي لدى شباب الحراك، وبواسطتها يتم وصل الذاكرة السياسية للأجيال بالحاضر لبناء وعي جيلي جديد. إن الحراك يحيل في هذا السياق الاجتماعي على آليات التغير الاجتماعي؛ وذلك بالتركيز على تعاقب الأجيال ومفعولها الزمني، المتجلي في القدرة على إدماج أجيال جديدة ودورها في عملية الانتقال واستمرار التنشئة الجيلية54. من منظور تاريخي، تُعرف الذاكرة بأنها تجسيد لعلاقة انتقائية للماضي، وإعادة بنائه؛ ليخدم الوجود الحاضر للجماعة الاجتماعية.
فالذاكرة (الجماعية) تنير تَجذُّرَ الذكرى الفردية في المجتمعي والجماعي على حد سواء، وترسّخ التمثلات اليومية في التاريخ؛ لأن وظيفتها تأسيس هوية الجماعة الاجتماعية55. هذا الانتقاء للأحداث الماضية لديه وظائف اجتماعية، لأنه يتم بطريقة واعية وغائية Intentionnelle؛ بالنظر إلى أنه يتوجه إلى فئة اجتماعية جيلية ليطعم وعيها، ويربط ماضيها بحاضرها على اعتبار أن هذا الحاضر امتداد للماضي. هناك علاقة بين الجيل والذاكرة الجماعية، وهذه العلاقة تتأسس على الحدث لأنه يحيل على ضرورة التفكير في نموذج يجب اتباعه واقتفاء أثره56. في حراك الريف هناك ذاكرة جماعية تحيل على المقاومة والانتصار، وهناك وعي جيلي في هذه الذاكرة يريد استعادة أمجادها، وهناك حدث. كلها عناصر قابلة، في شروط اجتماعية معينة، لأنْ تخلق حركة اجتماعية بمطالب محددة. وقد جاءت تعبيراتها السياسية متضمنة لكل هذه العناصر بلغة سياسية قوية غير معتادة. لهذا، وبحسب باتريك شارودو الذي يقول: "إن الخطاب السياسي هو عبارة عن نتاج لغوي ضمن علاقات الإقناع"57، لا بد من أن تتوافر في هذا الخطاب ثلاثة محددات حتى يحقق الفعل التواصلي؛ هي البساطة، والصدقية، والتأثير. حينما يكون الخطاب بسيطًا، تكون له قوة مُوحِّدة، ويمس عددًا أكبر من الجماهير أو المناصرين، وهي خاصية تسمح لهؤلاء المناصرين بالتأكد من صدقيته وقياسه واقعيًا؛ ومن ثم ممارسة التأثير فيهم وكسب ثقتهم. وهذا بالضبط ما يمكن ملاحظته في ظاهرة "الحراك." خطاب يدخل في خانة التضحية بكل شيء من أجل استمرارية المبدأ والفكرة. يقول ناصر الزفزافي، بوصفه قائدًا ميدانيًا للحراك في أحد تجمعاته: "إذا اعتقلت فقد انتصرت، وإذا اختطفت فقد انتصرت، وإذا عذبت فقد انتصرت، وإذا استشهدت فقد انتصرت"58. وإذا كان الجيل لا يمكنه أن يوجد إلا في علاقة تزامن مع أجيال أخرى، فإن واقعه الاجتماعي لا يُختزل في بعد رمزي فحسب، بل يُجسد أيضًا واقعًا اجتماعيًا في فترة محددة وملموسة59. كذلك هو جيل الحراك؛ إذ يجسد الذاكرة الجماعية ويعطيها مدلولًاجتماعيًا جديدًا يحدد به هويته في علاقته بالأجيال الأخرى، ويتحدد هو بتلك الذاكرة. إنه وعي جيلي يتوسط التاريخي/ الزمني والاجتماعي ويربط بينهما. هناك ثقل التاريخ بوصفه جغرافيا اجتماعية تضم تضاريس جيلية متنوعة مُكملة لبعضها، كل طبقة تنبني على أخرى مشكّلة قاعدة ومرجعًا لها، وفي الوقت نفسه، معارضة لها؛ لأنها محكومة بشروط تاريخية جديدة.
لقد اتضح أن الحراك، كما يقول أحد الناشطين، ليس هو حركة 20 فبراير، إنه حراك قادم من الهامش - مقارنة بحركة 02 فبراير التي كان وراءها شباب متعلم ومسيّس - أغلبه ينتمي إلى الطبقات الوسطى. ووراء حراك الريف، تقف قيادات شعبية بسيطة يصعب احتواؤها، قيادات لا تهادن ولا تساوم، مثلت كاريزما استثنائية مكنتها من تعبئة الشارع بكل أطيافه، وتلك هي قوّته. لكنه في المقابل حراك لا يلغي التاريخ، ومن أهم نقاط قوّته استناده إلى خطاب سياسي يمس كل الفئات الاجتماعية بلغة بسيطة خلقت تجانسًا ثقافيًا، واجتماعيًا وسياسيًا. أظهر "الحراك" أن جيلً جديدًا من الشباب قد ظهر إلى جانب جيل 02 فبراير مبدِعًا أشكالً تعبيرية احتجاجية نوعية، جيل يرى أن المطالب التي خرج من أجلها سنة 0112، تزامنًا مع ما عرف ب "الربيع العربي"، لم تتحقق. من جهة أخرى، فإن عدم التجاوب مع مطالب الحراك والتعامل معه بمقاربة أمنية يجعل الجيل الصاعد يستبطن مشاعر عدم الثقة؛ ومن ثم يؤكد النظرة السلبية التي
مثلتها الأجيال السابقة. هناك، إذًا، تطعيم للوعي السياسي لدى جيل الشباب من طرف الأجيال السابقة، وهو لا يرتبط بمنطقة ويستثني أخرى، بل نجده يغطي كل الحقل السياسي والاجتماعي بدرجات متقاربة. أعاد حراك الريف إلى الساحة السياسية والفضاء العمومي طرح الأسئلة من جديد حول مطلب الديمقراطية وإعادة بناء الدولة الحديثة. وهكذا فإن الحركات السياسية، عمومًا، بحسب ريتشارد ومارغرت برونغرت، تشتغل بقضيتين أساسيتين، هما: الحق المدني (ضمان الحقوق الأساسية كما هو متعارف عليها كونيًا)، والإصلاح السياسي (أو تغيير النظام.)
خاتمة
من خلال ما سبق، يظهر في نهاية التحليل أن أزمة المجتمع المغربي هي أزمة مرتبطة بالخوف من جيل الشباب الذي يحمل مطالب ومشروعًا مجتمعيًا، مدخله الأساسي مجتمع ديمقراطي يضمن حقوق الأفراد، ليصبح الخوف من الجيل، الذي تمرَّس بالاحتجاج وأبدع في أشكاله، خوفًا من قيام مجتمع ديمقراطي وحداثي يضمن للجميع تكافؤ الفرص؛ عبر التخلص من كل مظاهر الفساد والمحسوبية. الخوف من جيل الشباب ليس باعتباره فئة عمرية ولحظة زمنية من مسار الحياة، وإنما هو خوف من أن يصبح المجتمع في حركية دائمة تقوم على تشبيب الأسئلة والدعوة المستمرة إلى إحياء الدينامية الاجتماعية. غير أن هذا الوعي السياسي الجيلي ليس وليد لحظة راهنة بل إنه تكوَّن نتيجة مسارات وص ورررات تاريخية حاضرة في الذاكرة الجماعية للأفراد، يتم العودة إليها في كل لحظة؛ سواء لانتقادها وتقييمها أو لتجديدها وتجاوزها.
المراجع
العربية
باتريك، شارودو. "الخطاب السياسي أو سلطة اللغة." ترجمة نجيب الفكر السياسي. العدد غزاوي. مجلة 52-51.)2014(البرنوصي، عمر. "المجتمع المدني: الانتقال الديمقراطي والملكية في وجهة نظر. العدد 23 (خريف المغرب"، .)2004 حمزاوي، زين العابدين. "الأحزاب السياسية وأزمة الانتقال الديمقراطي في المغرب." المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 16 (خريف.)2007 رشيق، عبد الرحمن. الحركات الاحتجاجية بالمغرب: من التمرد إلى التظاهر. ترجمة الحسين سحبان. الرباط: بدائل المغرب،.2014 العلام، عبد الرحيم. "صلاحيات الملك في الدستور المغربي: دراسة المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد نقدية." 42-41.)2014(المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، برنامج قياس الرأي العام العربي: المؤشر العربي 2016. الدوحة:.2016 واتربوري، جون. أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية. ترجمة عبد الغني أبو العزم وعبد الأحد السبتي وعبد اللطيف الفلق. ط.2 الرباط: مؤسسة الغني للنشر،.2004
الأجنبية
Baudouin, Dupret et al. (dir.). Le Maroc au présent: d'une époque à l'autre, une société en mutation. Casablanca: Centre Jacques Berque- Fondation du Roi Abdul-Aziz Al Saoud pour les Études Islamiques et les Sciences Humaines, 2015. Bennani-Chraïbi, Mounia & Iman Farag. Jeunesse des sociétés arabes: par-delà les promesses et les menaces. Le Caire: CEDEJ, 2007. Bono, Irene. "Une lecture d'économie politique de la 'participation des jeunes' au Maroc à l'heure du Printemps Arabe." Revue Internationale de Politique Comparée. vol. 20. no. 4 (2013). Bourdieu, Pierre. "Le langage autorisé: Note sur les conditions sociales de l'efficacité du discours rituel." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 1. no. 5-6
________. La jeunesse n'est qu'un mot: en Questions de sociologie. Tunis: Repris Cèrès, 1993. Claudin, Attias-Donfut. "La notion de génération: Usages sociaux et concept sociologique." L'Homme et la société: Le temps et la mémoire aujourd'hui. vol. 90. no. 4 (1988). Crete, Jean & Pierre Favre. Générations et politiques. Paris: Economica/ Les Presse de l' université Laval, 1989.
Desrues, Thierry. "Le Mouvement du 20 février et le régime marocain: contestation, révision constitutionnelle et élections." L'Année du Maghreb. no. 8 (2012). Devriese, Marc. "Approche sociologique de la génération." Vingtième Siècle: Revue d'histoire. no. 22 (Avril-Juin 1989). et autoritaires "Dispositifs Jean-Noël. Ferrié, changements politiques: Les cas de l'Égypte et du Maro." Revue internationale de politique comparée. vol. 19. no. 4
Foucault, Michel. L'ordre du discours. Paris: Gallimard, 1971. ________. Il faut défendre la société: Cours au collège de France (1975-1976). Édition numérique réalisée en août 2012. García, Bernabé López. Le Maroc et le printemps arabe dans un monde en plein changement. PapersIEMed 11. Série en partenariat avec Euro Mesco. Barcelona: Institut Européen de la Méditerranée, 2012. Habermas, Jürgen. L'espace public: Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise. Marc Buhot de Launay (trans.). Paris: Payot, 1978. Hida, Bouchra Sidi. "Mobilisations collectives à l'épreuve des changements au Maroc." Revue Tiers Monde. no. 5
Khadija, Mohsen-Finan. "Changement de cap et transition politique au Maroc et en Tunisie." Pouvoirs. vol. 2. no. 145 (2013). Kühn, Thomas. La Structure des révolutions scientifiques. Paris: Flammarion, 2008. Lavabre, Marie-Claire. "Génération et mémoire." Intervention au Congrès de l'Association Française de Science politique. 22-24 Octobre 1981. Paris, France. Le Saout, Didier & Marguerite Rollinde. Émeutes et mouvements sociaux au Maghreb: Perspective comparée. Paris: Karthala Editions, 1999. Mannheim, Karl. Ideology and Utopia: An Introduction to the Sociology of Knowledge. London: Routledge & Kegan Paul, 1954. ________. Essays on the Sociology of Knowledge. New York: Routledge, 1972. Marx, Karl. Le 18 Brumaire de Louis Napoléon Bonaparte. Paris: Éditions sociales, 1969. Morin, Edgar. "Pour une sociologie de la crise." Communications. vol. 12. no. 1 (1968). Neveu, Erik. Sociologie des mouvements sociaux. 3 rd ed. Paris: La Découverte, 2002. Peschanski, Denis, Michael Pollak & Henry Rossou. Histoire politique et science sociale. Paris: editions Complexe, 1991. Riera, José González. "Des années de plomb au 20 février." Confluences Méditerranée. vol. 3. no. 78 (2011). Royaume du maroc, Haut Commissariat au Plan. Les jeunes en chiffres. Rabat: Août 2012. Sirinelli, Jean-François. "Génération et histoire politique." Vingtième Siècle: Revue d'histoire. no. 22 (Avril-Juin 1989). Spitzer, Alan. "The Historical Problem of Generations." The American Historical Review. vol. 78. no. 5 (1973). Srhir, Adil Moustaoui. "Le Mouvement 20 février au Maroc entre l'autolégitimation et la délégitimation de l'État: Une analyse critique du discours." Pragmalingüística. no. 22
________. "New linguistic Practices of the February 20 Movement in Morocco: Toward a New Model of Language Policy." Nordic Journal of African Studies. vol. 25. no. 1 (2016).