الانتقال الديمقراطي في الصومال وتأثير الشباب فيه

Abdirahman Issa عبد الرحمن عيسى |

الملخّص

تهدف الدراسة إلى فهم أعمق وقراءة مستفيضة لدور الجيل الشاب في إسقاط النظام العسكري في الصومال، وفي الوقت نفسه، تفحص إمكانيات هذا الجيل في إحداث الانتقال الديمقراطي المنشود. وقد لجأت الدراسة إلى الاستعراض التاريخي لتطورات الأوضاع في الصومال منذ سقوط النظام العسكري عام 1991ً، وصولا إلى فوز محمد عبد الله فرماجو بانتخابات الرئاسة عام 2017. وقد رأت الدراسة، من خ لاا التجربة الصومالية، أن الجيل الشاب يقوم بدور فاعل في صياغة الانتقال الديمقراطي، وذلك بالمشاركة في اتخاذ القرارات السياسية في مختلف الهيئات والتنظيمات التي ينضوي فيها، بالضرورة أو الاختيار، ويتمتع بحيوية ومرونة في بلورة الآراء والأفكار لوضع الحلول للقضايا والمشكلات التي يعيشها. كلمات مفتاحية: الصومال، أرض الصومال، الانتقال الديمقراطي، فرماجو. This study seeks to find a deeper and more complete understanding of how Somali youth played a role in bringing down Somalia's junta led by Mohammed Said Barre in 1991. Equally, the author seeks to understand the prospects for that same generation in bringing about a desired democratic transition to their country. In making these arguments, the author relies on a largely qualitative methodology to unravel the development of events in Somalia. The study argues that Somali youth have a vital role to play in formulating a democratic transition in their country. The author further concludes that democracy represents remains one of the main hopes and aspirations for Somali youth, in their bid to overcome the traditional power structures, which have previously hindered their progress. Keywords: Somalia, Somaliland, Democratic Transition, Farmajo.

Democratic Transition in Somalia: Somali Youth as Influencers

مقدمة

تهدف هذه الدراسة إلى تقديم فهم أعمق وقراءة مستفيضة لدور النخب الشابة في إسقاط النظام العسكري في الصومال، كما تدرس إمكانيات هذه النخب في إحداث الانتقال الديمقراطي المنشود وترسيخ النظام الديمقراطي. وتستخدم المنهج الوصفي لتحليل الأحداث وتفكيك ملابساتها وتقريبها للقارئ لفهم طبيعة الانتقال السياسي، ممزوجًا بالمنهج التاريخي الذي يسرد تسلسل الأحداث، إلى جانب مقاربة المرحلة الراهنة، واستطلاع آفاق المستقبل. وسيتم هذا من خلال طرح الأسئلة التالية: ما الأسباب الجذرية لسقوط الحكومة المركزية في عام 9911؟ وهل يُعزى سقوط النظام إلى عامل جيلي؟ وما مدى فاعلية المكون النخبوي الجيلي اجتماعيًا وسياسيًا؟ وكيف تحوَّل جيل الشباب إلى أداة للتخريب؟ وما دور التدخل الخارجي؟

أولا: سقوط النظام العسكري وسنوات الحرب الأهلية

استولى العسكر على مقاليد الحكم في الصومال عام 9691، مطيحين النظام المدني الفتِيّ. وبذريعة محاربة الفساد والظلم الاجتماعي، جرى تعليق العمل بالدستور، وبذلك انتهت الجمهورية الأولى التي أُسِّست بفضل نضال الشباب الصوماليين غداة الاستقلال في عام 960.1 وتعهد العسكر بتحقيق العدالة الاجتماعية، وتحسين مستوى معيشة الفرد، إلا أن هذه الوعود قد تبخرت؛ فقد ساء مستوى المعيشة عما كان عليه قبل الانقلاب، وتعاظَم اعتماد الدولة على المعونات الخارجية، وتدهورت حالة الحريات العامة والكرامة الإنسانية تدهورًا فاضحًا، حتى ثارت فئات الشعب ضد هذا النظام الذي واجههم بالقمع والتخويف والتشريد على عادة الأنظمة الشمولية الاستبدادية. وفي النهاية سقط النظام العسكري تحت وطأة ضربات الجبهات المتمردة1. سقط النظام في 21 كانون الثاني/ يناير 9911، ودخلت جبهة المؤتمر الصومالي الموحد العاصمة. وسرعان ما تم تنصيب علي مهدي محمد رئيسًا مؤقتًا للبلاد، وذلك في مؤتمر جيبوتي الأول، عقب سقوط النظام مباشرة. إلا أن ذلك لم يرُق للقائد العسكري للجبهة، الجنرال محمد فارح عيديد الذي رفض رئاسة مهدي للبلاد، معتبرًا نفسه الأحق بالرئاسة، وهذا ما أدى إلى اندلاع معارك طاحنة في العاصمة بين أصدقاء الأمس، على أساس عشيرة كل من الرجلين، حتى وصل عدد الميليشيات إلى أكثر من تسع ميليشيات، كانت منضوية جميعها تحت لواء معسكرَي عيديد ومهدي اللذين كانا يمثلان أكبر عشيرتين من عشائر "الهوية" التي أصبحت العشيرة المسلحة الوحيدة في العاصمة. في خضم هذه الأجواء العاصفة، أعلنت "صومالي لاند" انفصالها عن بقية البلاد في 81 أيار/ مايو 9911، متذرعة بأنها استعادت استقلالها، وفضَّ ت شراكتها مع جمهورية الصومال من جانب واحد. وقالت إنها تنأى بنفسها عن الصراع المحتدم في مقديشو، تاركة الحريق الذي كان يشتعل من دون أن تتدخل، معتبرة نفسها جمهورية مستقلة بذاتها، وإن لم يعترف بها أحد حتى اليوم. ولم تتوقف الفوضى في العاصمة، حتى عقد مؤتمر عرتا الذي وضع حدًا للفوضى، وأرسى دعائم الدولة الصومالية من جديد. ولم تشارك "صومالي لاند" في هذا المؤتمر2. ويمكن عزو سقوط النظام العسكري في الصومال إلى أسباب داخلية وخارجية؛ أبرزها: احتكار السلطة وغياب الديمقراطية، والفشل في التنمية المستدامة وإنهاء الفقر أو الحد منه، وانتهاج سياسة خارجية متهورة، وهذا ما عجَّل بانهيار النظام العسكري في الصومال، وحلّ الجيش الصومالي الذي وُصِ ف حينها بأنه جيش محمد سياد بري. وقد أسهم ذلك في شل قدرة الدولة على الحماية والبقاء. وبحلّ الجيش، فقد الصومال أحد أعمدة الثبات الأساسية للدولة حتى يومنا هذا، ولم يخرج من دوامة العنف والفقر والجهل؛ فقد انخرطت الفصائل المسلحة التي أسقطت النظام العسكري في تصفية حسابات في ما بينها، وسلكت سلوك النظام، أو أسوأ منه، في سباق من أجل السلطة والنفوذ، منصرفة عن أي إمكانية للتوافق على بناء دولة ديمقراطية حرة، تستجيب لما ثارت من أجله الجماهير الصومالية، وهو رفع الظلم والتهميش. جاء سقوط النظام العسكري بأيدي مجموعة من الجبهات العشائرية المتحالفة، ومثّل الشباب وقود هذه الجبهات التي قوَّضت مؤسسة الجيش الصومالي. وكان الجيش قد تضعضعت قواه إثر هزيمته في عام 9771 على أيدي الإثيوبيين الذين وجدوا دعمً من الكتلتين الشرقية والغربية حينئذ، فأدى هذا الضعف في نهاية المطاف إلى وصول الجبهات العشائرية إلى السلطة في عام 991.1 وأفضت حالة الفوضى إلى انهيار مؤسسات الدولة نهائيًا؛ فالقوى العشائرية كانت، بعكس الجيوش النظامية، غير منضبطة، وهذا ما أدى إلى تفشّ حالة من الرعب والخوف في البلاد، وفي العاصمة على وجه

  1. عبد القادر جولني، "تطورات الأزمة السياسية في الصومال"، في: مجموعة مؤلفين،
  2. الأول التقرير الاستراتيجي الأفريقي 2014-2013 (الخرطوم: مركز البحوث والدراسات الأفريقية، 014)2، ص.65 2 سمية عبد القادر، "إشكالية بناء جيش وطني موحَّد في مجتمع منقسم مناطقيًّا"، مجلة عمران، العدد 20 017()2، ص.5

التحديد؛ حيث تواصلت عمليات السلب والنهب والقتل، في ظل عجز قادة الميليشيات عن وقف هذه الأعمال؛ فحالة اللانظامية جعلت التراتب العسكري سائلً بلا وضوح لخطوط المسؤولية، فلا يُعرَف من هو القائد، وإن عُرِف فلا تُتَّبَع أوامره وسلطته. وتضخمت الأطماع العشائرية عند الوصول إلى السلطة، وسعى الجميع إلى تحصيل أكبر نصيب فيها، زاعمين أنهم كانوا الأكثر استبسالً في إسقاط النظام السابق. وأدى إنكار بعض الفصائل وجود البعض الآخر ونفوذه إلى حالة التناحر، وتكررت الاشتباكات المسلحة بين الميليشيات من أبناء العمومة، وبينها وبين غيرها من العشائر الأخرى. وكان الأمر أشبه بمعركة صفرية، نما معها شعور الشعب الصومالي والمجتمع الدولي بأن النخب عاجزة عن تهدئة الأوضاع، ومهدت الطريق لتدخُّل قوات خارجية لها أجنداتها، فزادت الأمور تعقيدًا. وبعكس الدول الأخرى التي تفادت الانهيار الكامل، ونجحت في استمرار النظام، وإن لم تنجح في خلق ديمقراطية وتداول سلمي للسلطة، مثل إثيوبيا وكينيا والسودان، لم يستطع الصومال الحفاظ على هيكل الدولة، ودخل في نفق مظلم من الحرب الأهلية واللجوء والتشرد والإرهاب والقرصنة، بين عامَي 9910001 و.2 خلال هذه الفترة، أضحى اسم الصومال مرادفًا لفشل الدولة على ألسنة الخبراء والمحللين، وباتوا يحذرون الدول الأخرى من "نموذج الصوملة." تزامن انهيار النظام العسكري في الصومال مع انهيار النظام الإثيوبي، إلا أن الفرق بين الحالتين تمثَّل بتداعي مؤسسات الدولة في الصومال الذي عانى أزمة هوية3 بين الانتماءات العربية والأفريقية والإسلامية، وذلك بعكس إثيوبيا التي أنقذت نفسها من وحل الفوضى بفضل هويتها الواضحة، وبما حازته من دعم دولي لم يسمح لدولة في مكانتها بالانهيار. ولم يسمح المجتمع الدولي كذلك بتفكك كينيا في عام 0072 عقب النزاع على نتائج الانتخابات، فتدخّل تدخلً إيجابيًا لحل هذه الأزمة الخطيرة. أما في الصومال، فقد زاد التدخل الذي قادته الولايات المتحدة الأميركية الأمور تعقيدًا4.

ثانيًا: الملامح الفكرية لمراحل الانتقال السياسي

بعد سقوط النظام العسكري واندلاع الحرب الأهلية العشائرية، برز إلى السطح اتجاهان متصارعان: هما اتجاه الحركات الإسلامية، والاتجاه المدني. وكانت الغلبة للاتجاه الإسلامي في أغلب الأوقات، لكونه الأكثر تأهيلً وموارد وقدرةً على استقطاب الجماهير، كما أنه كان الأقرب إلى الشارع، بحكم هيمنته على المؤسسات الاجتماعية بعد سقوط النظام العسكري، وهيمنة الفئات الشبابية على قياداته الميدانية. وسنستعرض في الجزء القادم هذين الاتجاهين.

1. الاتجاه الإسلامي

أ. تجربة المحاكم الإسلامية

ظهرت المحاكم الإسلامية لملء الفراغ، وتعويضًا عن غياب النظام والقانون بعد أن تهاوت عرى الدولة، وبعد أن ضاق الأهالي ذرعًا بالفوضى وانعدام الأمن. وقد ضمت المحاكم عناصر متنوعة من علماء وفقهاء، ووجهاء عشائر، إضافة إلى رجال أعمال بارزين في العاصمة، أنِفوا الخضوع لنفوذ قادة الميليشيات وأمراء الحرب الذين كانوا يفرضون إتاوات على السكان. لم تتبلور المحاكم الإسلامية في هيئتها الأخيرة إلا بعد إنشاء اتحاد المحاكم الإسلامية الذي سبقته بضع محاولات، قاد أُولاها الشيخ الصومالي الأزهري، محمد معلم حسن، وذلك عقب انهيار النظام العسكري مباشرة عام 991.1 وتم إنشاء محكمة شرعية سُمّيت محكمة هرسيد، أي الرائدة، بحي ورطيغلي، جنوب مقديشو، بالتعاون مع الوجهاء وشيوخ العشائر. لكن عيديد قضى عليها؛ إذ عدّها خطوة لإضعاف نفوذه، وكان وقتها هو المسيطر على جنوب العاصمة. شن عيديد هجومًا بالصواريخ على مقر المحكمة بلا تمييز بين الحشود المجتمعة؛ فقُتل عدد منهم، وتفرق الباقون، وهكذا أُجهضت أول محاولة لإنشاء محكمة إسلامية في مهدها5. واستمرت المحاولات؛ فبعد عام من القضاء على محكمة هرسيد، سّست محكمة حمانديد في عام أ 9921، في حي المدينة، وهو أكبر أحياء مقديشو. ولم تعمر هي الأخرى أكثر من بضعة أشهر. لكن أول 1؛ إذ أُمحكمة ناجحة ظهرت مع بداية عام 994 سّست محكمة شرعية على أساس عشائري في الشطر الشمالي من العاصمة، وعُيّ الشيخ علي محمود، الشهير بعلي طيري، رئيسًا للمحكمة،

  1. لو أردنا أمثلة إضافية، فمثال السودان واضح؛ إذ كاد أن ينزلق في الفوضى العارمة مرتين: الأولى حين فشل غزو المرتزقة في عام 9761؛ إذ كانت الخلافات والشكوك بين الفرقاء السياسيين شديدة الوطأة، لكن الغزو باء بالفشل بسبب يقظة السودانيين ووعيهم. وكانت المرة الأخرى حينما اندحرت قوات خليل إبراهيم على مشارف أم درمان في عام 0082، وكان جل قواته من ولاية واحدة، وربما قبيلة واحدة من قبائل السودان الحدودية، ولو أنها تمكنت من الوصول إلى السلطة لكان ذلك كفيلً بانهيار السودان. انظر: معتصم الأمين، "من أسباب
  2. الرأي العام انهيار الدولة في الصومال ")1(، سودارس، نقلً عن صحيفة، 010/7/302، شوهد في 018/5/24، في https://goo.gl/yKM6sz:2 5 عمر إيمان أبو بكر، تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال (القاهرة: دار الفكر العربي، 008)2، ص.60

واستطاع بسط نفوذها على أجزاء واسعة من شمال العاصمة، مستعينًا بالميليشيات التي كوَّنَتها. وقد نفّذت أحكامًا مختلفة على عدد كبير من السكان، حتى عام 9971، حينما خاض الزعيم القوي آنذاك، علي مهدي محمد، صراعًا ضدها، وتمكّن من القضاء عليها، وتفكيك أجهزتها القضائية والتنفيذية بدعم من الحكومة الإثيوبية6. خلال عقد واحد، كانت تجربة المحاكم الإسلامية في العاصمة مقديشو تحظى بثقة شعبية؛ لقيامها بالفصل في المنازعات، وفرض الأمن. وظلت هذه المحاكم جهدًا أهليًا انفراديًا، موزعًا عشائريًا، لا تُظلّه مظلة جامعة، إلى أن ظهرت حكومة عبد الله يوسف أحمد عام 0042، وهي التي استقرت في مدينة بيدوا بعد رفض زعماء الحرب النافذين قيامها في مقديشو، وقد اعتبر الإسلاميون أيضًا هذه الحكومة خطرًا على نفوذهم، وناصبوها العداء. في الوقت ذاته، بدأ أمراء الحرب الهجوم على قادة المحاكم الإسلامية، وأسسوا تحالفًا أطلقوا عليه تحالف إعادة السلم ومحاربة الإرهاب، واختطفوا بعض الإسلاميين، وسلموهم للولايات المتحدة على أنهم إرهابيون. ومن هنا بدأ الصدام المسلح بين أمراء الحرب المسيطرين على العاصمة وقادة المحاكم الإسلامية7. لكن هذه المواجهة أسفرت عن هزيمة أمراء الحرب بعدما فقدوا ثقة الشعب من جرّاء ممارساتهم. وفاجأت هذه النتيجة قادة المحاكم أنفسهم قبل المجتمع الدولي. وقد نجحت المحاكم الإسلامية في السيطرة على العاصمة، وتم تشكيل اتحاد للمحاكم الإسلامية، بوصفه كيانًا موازيًا للدولة، قُيِّض له أن يبسط سيطرته الكاملة على وسط البلاد وجنوبها في فترة وجيزة، بينما بقيت مدينة بيدوا مقرًا للحكومة الانتقالية الاتحادية. وحاولت قوات اتحاد المحاكم الإسلامية، بسوء حساباتها لموازين القوى، طمس حكومة عبد الله يوسف أحمد الذي أبدى استعداده الكامل للتفاوض مع اتحاد المحاكم الإسلامية واقتسام السلطة معه، وبالفعل جرت مفاوضات بين الجانبين في الخرطوم برعاية جامعة الدول العربية، وكادت أن تصل إلى تفاهمات لولا أن فصيل حركة الشباب المجاهدين المنضوي تحت اتحاد المحاكم الإسلامية أفشل الاتفاق، واندلعت الاشتباكات بين الجانبين على نحو سمح بتدخّل القوات الإثيوبية لصالح الحكومة الانتقالية الفدرالية، والقضاء على كيان اتحاد المحاكم الإسلامية8.

ب. اتجاه الحركات الإسلامية

حكم ضيق الأفق المشهد الحركي؛ فالتيار السلفي الذي مثلته جماعة الاتحاد الإسلامي سابقًا دخل معركة غير محسوبة العواقب مع الشعب الصومالي باسم الجهاد، حينما تمكنت الجماعة من بسط سيطرتها في عام 9921 على مدينة بوصاصو الواقعة في منطقة شمال شرق الصومال المعروفة ب "بونتلاند" حاليًا، وبذلك فقدت ثقة الناس. وصادف ذلك إطلاق سراح العقيد عبد الله يوسف أحمد من معتقلات إثيوبيا بعد سقوط نظام منغستو، ليصبح حاكمً لولاية "بونتلاند" ورئيسًا للجمهورية. وحين أراد العقيد عبد الله يوسف أحمد تشكيل إدارة محلية من الأهالي في مدينة غارووي وعقد اجتماعات مع الأهالي، انتبه الاتحاد الإسلامي لتحركات العقيد مع الأعيان، فطوّقوا الاجتماع، وقبضوا على المؤتمِرين. لكن بعض الجنود ثاروا ضد الاتحاد الإسلامي من منطلق عصبية قبلية، وانتفضت العشائر من مدينة جالكعيو، مسقط رأس عبد الله يوسف أحمد، فاضطر الاتحاد الإسلامي إلى إطلاق سراح الوجهاء والأعيان. وشن العقيد عبد الله يوسف أحمد هجومًا على قوات الاتحاد الإسلامي، ونجح في طردهم من مدينة بوصاصو، بعد معارك عنيفة. وهكذا فشلت تجربة أخرى من تجارب الإسلاميين في الحكم9. وقفت التنظيمات التي تحمل فكر جماعة الإخوان المسلمين، وتزعُم تمثيلها الإسلام الوسطي المعتدل، في مواجهة مع التيار السلفي الذي تصفه بالتشدد والحرفية. وكانت هذه التنظيمات سريعة التمايز، سهلة الالتقاء إذا دعت الحاجة، ولا توجد فواصل منهجية بين الطرفين سوى ما رسخه شيوخ الحركة من مسارات في التحرك والولاءات والقواعد المالية والاتصالات الخارجية10. وداخل التيار السلفي في الصومال، تنضوي أطياف عدة؛ منها جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، وهي تنظيم كبير لكنه هش، يوحّده الانتماء السلفي والإيمان بضرورة العمل الجماعي المنظم بقيادة رموز دعوية ذات تأثير كبير في الساحة الصومالية؛ ومنها السلفية اللاتنظيمية التي يجمعها رفض العمل الجماعي في إطار تنظيمي؛ وكذلك التيار المسلح الذي يُنعَت باسم "السلفية الجهادية" غالبًا - ومنه حركة الشباب المجاهدين - وحين يتخلى عن العنف، سيمثل مخزونًا طبيعيًا لجماعة الاعتصام11.

2. الاتجاه المدني

تقدمت النخب الشابة بمبادرات غايتها إنهاء الانقسام العشائري والأيديولوجي، والحد من العنف وانتشار التسلح في أوساط الشباب،

  1. المرجع نفسه، ص.79
  2. المرجع نفسه، ص.119
  3. المرجع نفسه، ص.54
  4. المرجع نفسه، ص.72
  5. محمد عمر أحمد، "الإسلاميون في الصومال: سباق على المراكز"، الجزيرة نت، 012/12/18، شوهد في 018/5/24 2، في https://goo.gl/RwTyeq:2
  6. المرجع نفسه.

وإنشاء المؤسسات التعليمية التي حققت الكثير من الإنجازات في تثقيف الشباب وتعليمهم الأكاديمي والمهني12. ومع أنه لا توجد تيارات مدنية منظمة في الصومال، فقد ظلت السلطة فيه سجالً بين التيارين المدني والإسلامي. وذلك مرجعه إلى عاملين: ثقافة العشيرة السائدة في السياسة الصومالية؛ وتأثير المجتمع الدولي المتوجس من نوايا "الإسلاميين."

وبعكس التيار المدني، فإن التيار الإسلامي قوة فاعلة على أرض الواقع في جميع أنحاء البلاد، وتحظى بمقدرات كبيرة جعلتها تسيطر على قطاعات التجارة والتعليم والاتصالات وغيرها، وإن عابته قلة التجربة السياسية وغياب الرؤية الواضحة لرسم الإستراتيجيات للمستقبل. وهناك محاولات حثيثة لتشكيل أحزاب سياسية مرجعيتها الدستور والقوانين الناظمة للعبة السياسية، من دون تبنّي العلمانية التي تعني الفصل التام بين الدين والدولة؛ فالتيار المدني يحاول جاهدًا تثبيت نفسه على الأرض وسحب البساط من الإسلاميين.

ثًالث ا: مسار الانتقال الديمقراطي

يمكن تتبع المسار الانتقالي منذ بداية القرن الحالي؛ ففي مؤتمر عرتا بجيبوتي عام 0002 الذي شهد اقتراعًا على رئاسة البلاد، فاز عبد القاسم صلاد حسن، المدعوم من الإسلاميين، على خصمه، عبد الله أحمد عدو، ممثل التيار المدني. كان فوز صلاد مدويًا على نحو أثبت قوة الإسلاميين في الساحة الصومالية. وفي مؤتمر إلدوريت - إمباغاثي بكينيا، عام 0042، فاز التيار المدني بقيادة عبد الله يوسف أحمد برئاسة البلاد، وخسر صلاد. وفي دورة عام 0082، عاد الإسلاميون إلى الحكم بفوز شريف شيخ أحمد بالرئاسة، كما حافظوا على السلطة في دورة عام 0122 أيضًا برئاسة حسن شيخ محمود الذي نفى انتماءه إلى جماعة الإصلاح، فرع الإخوان المسلمين في الصومال، وإن كان المراقبون يرونه قريبًا من فرع الدم الجديد الذي انشق عن جماعة الإصلاح. وأخيرًا، فاز محمد عبد الله فرماجو، في الدورة الانتخابية لعام.2017 بعد التصديق على الدستور المؤقت للبلاد في آب/ أغسطس 0122 من طرف الجمعية التأسيسية للدستور المكوّنة من 825 شخصًا يمثلون كل شرائح المجتمع، وانتخاب حسن شيخ محمود رئيسًا دستوريًا في 01 أيلول/ سبتمبر 0122 بوصفه أول رئيس يُنتخب في أرض الوطن منذ انتخابات عام 9671، تحفز الجميع لتأمين مراكز ومواقع في خريطة السلطة في الصومال. وشهدت الساحة الصومالية حراكًا في كل الصُعد؛ استغلالً لأجواء الحرية وارتفاع الأمل في عودة الصومال إلى جادة الاستقرار والازدهار الاقتصادي، مستفيدًا من زخم الربيع العربي الذي أيقظ الشعوب، وشجعها على تشكيل مؤسسات مجتمع مدني، وإنشاء أحزاب سياسية كانت غالبيتها ذات خلفيات دينية.

رابعًا: مؤتمرات المصالحة الصومالية

منذ إطاحة النظام العسكري بقيادة محمد سياد بري في عام 9911 حتى عام 0082، عُقد نحو 02 مؤتمر مصالحة خارج الصومال، إلى جانب عشرات المؤتمرات التي عُقدت في الداخل بين العشائر الصومالية، ولم ينجح معظم هذه المؤتمرات في إيقاف شلال الدم وإنهاء الصراعات القبلية على السلطة والثروة، ولم تصمد نتائجها طويلً. ومن أبرز هذه المؤتمرات: مؤتمر جيبوتي الأول عام 9911؛ ومؤتمر أديس أبابا عام 9931؛ ومؤتمر نيروبي عام 9961؛ ومؤتمر سودري عام 9971؛ ومؤتمر القاهرة عام 9971؛ ومؤتمر عرتا عام 0002؛ ومؤتمر إلدوريت بين عامَي 0022 2 13و 0042؛ ومؤتمر جيبوتي الثاني عام.008 وكان أنجح هذه المؤتمرات ثلاثة؛ هي: مؤتمر عرتا بجيبوتي الذي يعد اللبنة الأساسية لإعادة الدولة الصومالية إلى مسارها الصحيح، ومؤتمر إلدوريت بكينيا الذي اعتمد النظام اللامركزي (الفدرالية) أساسًا للحكم، ومؤتمر جيبوتي عام 0082 الذي نجح في التوفيق بين نظامَي الحكومة الوطنية الانتقالية والحكومة الاتحادية الانتقالية. يُعد أساس الانتقال الديمقراطي مؤتمر عرتا بجيبوتي عام 0002 الذي أعلن ميلاد الجمهورية الثالثة، على أنقاض الجمهورية الثانية في عام 9911، إثر اندلاع الحرب الأهلية الطاحنة. وفي عرتا، انتُخب صلاد على رأس الحكومة الوطنية الانتقالية، إلا أن هذه الحكومة قد مُنيت بالفشل؛ لانتهاجها المركزية في نظام الحكم، وعدم ملاءمة ذلك لواقع التمزق

  1. من رواد هؤلاء النخب شاب اسمه محمد علي أحمد، عُرِف باسم "المن"، رفع شعار "ارم السلاح وارفع القلم"، ودعا إلى التعليم قبل أن يغتاله مشبوهون، اتهموه بنشر ثقافة منافية للدين والقيم المجتمعية. وبعد هذه الحادثة خلت الساحة للإسلاميين.
  2. المصالحة الوطنية الصومالية: قراءة في المنطلقات والأسس وتحليل النتائج"، مركز مقديشو للبحوث والدراسات، 7 تشرين الأول/ أكتوبر 0162، شوهد في 018/5/24:2، في https://goo.gl/95tiHe

السياسي والاجتماعي في البلاد، بعد عقد من التناحر العشائري، إضافة إلى توجس المجتمع الدولي من انتماء الرئيس نفسه إلى جماعة الإصلاح. وبعد فشل هذه الحكومة، اجتمع الصوماليون في إلدوريت بكينيا. واستمر هذا المؤتمر عامين تقريبًا، حتى تمخض عن توافقات حول تبنّي فكرة اللامركزية في الحكم. وبالفعل، انتُخب عبد الله يوسف أحمد رئيسًا للبلاد، ليشكل الحكومة الاتحادية الانتقالية. وسجلت هذه الحكومة نجاحات محدودة وإخفاقات كثيرة، حتى إن الرئيس عبد الله يوسف أحمد أُجبر على الاستقالة قبل نهاية ولايته بنحو عام. بعدها، اجتمع الصوماليون مرة أخرى في جيبوتي، وانتُخب شريف شيخ أحمد رئيسًا للبلاد. وقد نجح نسبيًا في قيادة البلاد، بإنهاء المرحلة الانتقالية، وكتابة دستور مؤقت، وانتخاب رئيس الجمهورية في داخل الوطن، هو الرئيس حسن شيخ محمود الذي تولى زمام القيادة، وشكّل الولايات الاتحادية (الفدرالية)، كما طوّر نظام الانتخاب إلى نظام شبه مباشر، بعد تشكيل الغرفة الثانية للبرلمان الاتحادي. وقام، كذلك، بتقليص دور شيوخ العشائر. وقد يسّت هذه التغييرات المتسارعة انتخاب الرئيس محمد عبد الله فرماجو الذي حظي بتأييد عارم من فئات الشباب؛ أملً في تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي14.

خامسًا: التحديات في طريق الانتقال السياسي

تواجه الديمقراطية الوليدة في الصومال تحديات سياسية وأمنية واقتصادية وثقافية واجتماعية، تعترض طريقها لخلق مجتمع مدني يحترم الحقوق الأساسية للأفراد والجماعات. وتزداد التحديات تعقيدًا بفعل العولمة، والتدخلات الأجنبية بفعل المصالح المتباينة للدول، وتعقُّد الصراعات الدولية، وانتشار الإرهاب والجرائم المنظمة والهجرة غير الشرعية. وسنركز في هذا الجزء على أسلوب المحاصصة في توزيع المناصب السياسية، وعلى جيل الشباب وتحديات الديمقراطية.

1. المحاصصة عقبة على طريق الانتقال الديمقراطي

بدأ تطبيق مبدأ المحاصصة العشائرية في الصومال رسميًا في مؤتمر المصالحة الصومالية بعرتا عام 0002، وهو الذي أسس لاستعادة الصومال مؤسساته الدستورية لتمثيله في المحافل الدولية والإقليمية بعد غياب عن الساحات الدولية لعقد من الزمان من جرّاء الحرب الأهلية ومآسي اللجوء والمجاعة والإرهاب. والواقع أن مبدأ المحاصصة كان من أهم أسباب تخلّف الصومال عن ركب التقدم والحضارة والنهوض الذي لحق به جيران الصومال في منطقة القرن الأفريقي، فضلً عن العالم المتحضر في الفترة الأخيرة؛ ولا سيما قاعدة 54. المعمول بها في اقتسام المناصب السياسية، وهي التي تخالف أبسط مبادئ حقوق الإنسان والعدالة، بتكريسها اختيار الشخص غير المناسب15. كانت العقبة الكبرى التي واجهت الوفود في مؤتمر عرتا في جيبوتي هي الاتفاق على كيفية تأسيس برلمان وطني، وآلية اختيار أعضاء البرلمان، وإيجاد معيار لهذا. وثار الجدل: هل يؤسَّس برلمان على معيار مناطقي وفق تقسيمات المحافظات ال 81 ونواحيها المعروفة؟ أم يُختار على أساس عشائري؟ وبعد جدل طويل كاد أن يُفشِل المؤتمر، تم التوصل إلى تسوية تمنح 4 كتل عشائرية كبيرة؛ هي: الدر، والدارود، والهوية، والدغل والمرفلي، حصصًا متساوية من مقاعد البرلمان، بمقدار 61 مقعدًا لكل منها، بينما تحصل الكتلة الخامسة - وهي تجمع الأقليات غير المنتمية إلى أي من الكتل الأربع المهيمنة - على نصف حصة، بمقدار 31 مقعدًا. وبهذا يصبح مجموع المقاعد البرلمانية 752 مقعدًا. هدف مهندسو هذه القاعدة إلى أن ينحصر تطبيقها في اختيار البرلمان، وعلى نحو مؤقت، إلى حين اكتمال بناء مؤسسات الدولة واستعادة الأمن، وبما يمكّن من إجراء إحصاء سكاني شامل، وتشكيل الأحزاب السياسية، وإنشاء الدوائر الانتخابية، ومن ثم تنظيم الانتخابات. لكن تطبيق هذه القاعدة استمر أكثر من 51 عامًا، وتوسع تطبيقها على نحو جنوني لتشمل جميع المناصب السياسية، بل حتى اختيار الفنيين على حساب الكفاءة ومبدأ تساوي المواطنين وتكافئهم في الحقوق والواجبات. وفي وقت لاحق، تعهدت القيادات الصومالية بإلغاء قاعدة المحاصصة العشائرية، وإعداد خريطة طريق للفترة 020-20162، لتكون بداية لتصحيح المسار السياسي، والتحرر من قيود هذه المحاصصة التي جمّدت فرص جيل كامل في المشاركة في صنع حاضره ومستقبله.

2. الجيل الشاب وتحديات الديمقراطية

ظل الشباب رقمً صعبًا في السياسة الصومالية منذ ما قبل الاستقلال؛ حينما أسس 13 شابًا صوماليًا، كلهم دون سن 03 عامًا، من مختلف

  1. عبد الرحمن عيسى، "قراءة في المشهد السياسي والانتخابي في الصومال: تطلعات
  2. وتوقعات"، تقييم حالة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 016، شوهد في 018/5/24 2، في http://bit.do/egNDy:2 15 عبد الرحمن عيسى، "أزمة السياسة في الصومال 9(")، شبكة الشاهد، 2015/10/24، شوهد في 018/5/24، في https://goo.gl/oKJJQn:2

مناطق الصومال، رابطة الشباب الصومالي في 51 أيار/ مايو 1943، بهدف مناهضة الاحتلال، والنضال من أجل الحرية والاستقلال. وبالفعل، تكللت جهودهم بالنجاح، ونال الصومال استقلاله في عام 960.1 ولا غرابة في أن يقود جيل شاب جديد عملية التحول الديمقراطي في البلاد، بعد أن قاد مسيرتها نحو الحرية في زمن الاستقلال وإقامة الوحدة بين الجزء الشمالي الغربي الذي خضع للاحتلال البريطاني وبقية الأجزاء التي خضعت للاحتلال الإيطالي. وقد هيمن حزب رابطة الشباب الصومالي على الحكومات التي شُكّلت بعد الاستقلال، إلى أن حدث الانقلاب وقُضِ على التجربة الديمقراطية الحديثة16. وباعتبار أن المجتمع الصومالي مجتمع فتِيّ جدًا؛ إذ يمثّل الشباب دون سن 53 عامًا نحو 75 في المئة من السكان بحسب أحدث تقدير سكاني في البلاد17، بينما تبلغ نسبتا البطالة والفقر 75 في المئة و 80 في المئة من السكان على التوالي18، نستطيع أن نقول بثقة إن مشكلات المجتمع هي المشكلات التي تواجه الشباب، ومن أبرزها: العثرات الاجتماعية، والصراع النفسي، وضعف التحصيل العلمي والثقافي، وتعسر الزواج والإنفاق على الأسرة، والإدمان، والقلق والاكتئاب، والعنف، والبطالة. ويجب الاهتمام بتنمية ملكة القيادة لدى الشباب وإعدادهم من حيث تعلّم إدارة الذات، وإدارة الوقت، وإتقان فن الريادة والإقناع، إضافة إلى توسيع قاعدتهم المعرفية حول بناء العلاقات، والتصرف في المواقف المختلفة، والمشاركة في التخطيط والمتابعة والتقييم19. إن الرؤية المستقبلية للديمقراطية في البلاد عمومًا، ولدور الشباب في صياغة الانتقال الديمقراطي خصوصًا تتوقف على محورين؛ هما: مستقبل الشباب في المجتمع، ومستقبل المجتمع على أيدي الشباب. وعندما يتطابق هذان المحوران ويتجهان في الاتجاه نفسه، تتضح الرؤية المستقبلية للشباب بصفته فاعلً أساسيًا للتنمية والديمقراطية، وليس مفعولً به، كما تتضح الرؤية المستقبلية للشباب بصفته مفعولً لأجله من مختلف قطاعات المجتمع وفعالياته، مثلما تتضح جهود المجتمع التي ينبغي بذلها، والخطط الوطنية التي يتحتم وضعها من أجل أن يشكّل الشباب مستقبل المجتمع وحدوده الحضارية ومقاماته الثقافية، على نحو يعكس تضافر جهود الشباب وحيويتهم، واستعداد المجتمع لتمكين الشباب لتحقيق هذه المطالب، والإجراءات والخطوات اللازمة لتلبية هذه المطالب؛ إذ إن العلاقة بين الشباب والمجتمع هي تفاعلية تبادلية، تحركها المبادرة من أحد الطرفين تجاه الآخر، وتنبعث من إيمان كل منهما بأنه يؤدي استحقاقًا للآخر، وفقًا لقاعدة نيل الحقوق مقابل أداء الواجبات20.

سادسًا: دور الشباب في فوز الرئيس فرماجو

دخل الصومال مرحلة جديدة من الانتقال الديمقراطي في الثامن من شباط/ فبراير 0172 بانتخاب محمد عبد الله محمد فرماجو رئيسًا جديدًا لجمهورية الصومال الفدرالية، بعد حملة انتخابية حامية الوطيس، ربما لم يشهد الصومال لها مثيلً في تاريخه السياسي. فور إعلان فوز فرماجو، وإقرار الرئيس المنتهية ولايته، حسن شيخ محمود، بهذا، انطلقت مسيرات شعبية عفوية واسعة، واحتفالات عمّت معظم مدن الصومال، كما انتشرت خارجها. وقد ابتهج المواطنون بهذا النصر على نحو موحّد، أحيا مشاعر الوحدة والروح الوطنية في قلوب الناس. وبدت هذه المسيرات والاحتفالات الصاخبة التي استُقبل بها الرئيس فرماجو رسالة موجهة إلى الخارج وإلى الداخل، مفادها أن من سيأتي بعد فرماجو عليه أن يدرك قبل كل شيء أن رهاناته على الدعم الخارجي لن توصله إلى "الفيلا صوماليا" بقدر ما يوصله الرصيد الشعبي الذي أصبح الورقة الرابحة من الآن فصاعدًا. وعلى عكس ما روّج له البعض من تحذيرات من إغراق العاصمة بأنهار من الدماء، وتحويلها إلى حلبة صراع، وإرجاعها إلى المربع رقم واحد إذا لم يفز مرشح من بعض العشائر التي تنتمي إلى محيط العاصمة، فقد كذّبت الاحتفالات التي سادت العاصمة، ابتهاجًا بفوز فرماجو الذي لا ينتمي إلى العشائر المحيطة بالعاصمة، هذه التخرصات، لتؤكد أن الواقع هو العكس. وبات واضحًا للعيان أن العاصمة كانت متعطشة للتغيير من جديد، وللتحرر من الفاسدين والمخربين أكثر من أي وقت مضى، وأما العُقَد القبلية فستبقى جمرة تحرق أصحابها من الداخل21. ولم يكن فوز فرماجو بالرئاسة متوقعًا للمتابعين والمحللين للشأن السياسي الصومالي؛ فاستطلاعات الرأي كانت تضعه في المرتبة الرابعة، ولكنه استفاد من جملة التناقضات الفكرية والعشائرية في المشهد

  1. تاريخ رابطة الشباب الصومالي"، (باللغة الصومالية)، موقع هوبيو، 2015/5/15، شوهد في 018/5/24، في https://goo.gl/8LDW2S:2
  2. Pilirani Semu-Banda, "Youth in Somalia Plan for a Better Future," UNFPA Somalia, 14/3/2015, accessed on 24/5/2018, at: https://goo.gl/fM1gss
  3. الأوضاع الاقتصادية بالصومال بعد سنوات من غياب الدولة"، الجزيرة نت، 016/7/30، شوهد في 018/5/24 2، في https://goo.gl/hvR5sJ:2
  4. عزيزة علي، "محاضرة تقرأ أبرز التحديات التي تواجه الشباب العربي في منتدى الروّاد الغد الكبار"، جريدة، 011/2/102، شوهد في 018/5/24:2، في https://goo.gl/eSVVGc
  5. عبد الله تركماني، "أبرز التحديات التي تواجه التحول الديمقراطي في العالم العربي "، الحوار المتمدن، 012/4/72، شوهد في 018/5/24:2، في https://goo.gl/vKuAn6
  6. عبد الحكيم ديرية، "دلالات فوز فرماجو الكاسح"، تكايا، 017/2/122، شوهد في 018/5/24، في https://goo.gl/gSFETw:2

السياسي الصومالي، واستثمر عامليَن؛ هما: اصطفاف الشباب والنساء حوله وقيادتهم لحملته22؛ وأن المرشحين الثلاثة البارزين رأوا في فرماجو بديلهم المناسب في حال لم ينجحوا هم بأنفسهم. وأوعزوا بذلك إلى مناصريهم، وهو ما حسم الفوز لصالحه في نهاية المطاف. ويرتبط التفاف الأجيال الجديدة حول فرماجو بدخول نسبة كبيرة من الجيل الجديد والشباب المثقف الواعي إلى البرلمان24، وهم من سئموا الأحوال السياسية الراكدة، والأوضاع المزرية في البلاد، فبحثوا عن واجهة للتغيير، وقرروا توجيه البوصلة نحوها. وارتبط بذلك حصول فرماجو على ثقة بسطاء الناس وفقرائهم، خصوصًا شريحة الشباب، بعد أن قدّم لنفسه من خلال تجربته القصيرة جدًا والناجحة في رئاسة الحكومة في عام 010.2 والحال متعلق بنشوء وعي متعاظم بمخاطر السياسة العشائرية، وميل نحو تبنّي مبادئ وطنية جامعة. وقد امتاز فرماجو بأنه لم يكن مرشح عشيرة أو ولاية بعينها، أو مدفوعًا من جهات أجنبية. ولا ننسى أن هذه الانتخابات كانت بمنزلة استفتاء على رفض الإملاءات الإقليمية والتدخلات الأجنبية السافرة التي كانت السمة البارزة في الفترات السابقة. ولم يكن مستغربًا فشل سلاح الإغراء المالي وشراء الأصوات والذمم في هذه الانتخابات؛ فلم يكن المال هو العامل الحاسم لترجيح كفة مرشح على آخر أو ضمان صوت النائب البرلماني الصومالي، وبدا هذا واضحًا؛ إذ إن حسن شيخ محمود وعمر شارماركي دفعا أموالً طائلة، مثل حملة الرئيس فرماجو، ولكن عنصر المال وحده لم يكن كافيًا25. ويشي تأمّل الدور الشبابي في هذه المرحلة باستفادة الشباب من وسائل التواصل الاجتماعي، فضلً عن وسائل الإعلام المتنوعة، المسموعة والمقروءة والمكتوبة، في الترويج لمرشحهم. لقد كانت حملاتهم منظمة ومنسقة للتأثير في شيوخ العشائر ورؤساء الولايات الاتحادية، وحتى ممثلي المجتمع الدولي، بإقناعهم بضرورة انتخاب مرشحهم، واستطاعوا تصويره بوصفه المنقذ والمخلّص من كل أزمات الصومال. وامتازت حملة فرماجو التي قادها الشباب بالتنظيم المحكم، والاستعداد المبكر، والاستفادة من أخطاء الحملة الانتخابية الفاشلة في دورة عام 0122 التي لم يحصد فيها سوى 14 صوتًا. وكان الأثر واضحًا في إطلاقهم حملة لجمع التبرعات بعنوان "حملة ساهم من أجل الوطن"؛ فقد تجاوب معها كثيرون من مختلف فئات الشعب، وخصوصًا المغتربين الذين أسهموا بمبالغ مالية كبيرة، وانطلقت الحملة أولً في دول المهجر حيث يعيش ربع سكان الصومال.

خاتمة

بعد هذا الاستعراض يبقى السؤال: هل سيستمر الشباب في المحافظة على المكتسبات التي حققوها بعد الانتخابات؟ من المأمول أن يسعى الشباب إلى ترسيخ مواقعهم، وأن يحاولوا كسب مزيد من النجاحات في ميدان المشاركة السياسية والانتقال الديمقراطي. وما يعزز هذا هو امتلاكهم الحيوية، والمعرفة اللازمة لمواكبة تطورات عصر العولمة ومتطلبات الحياة الحديثة، وإن كانت تنقصهم الخبرات اللازمة في مجال الانتقال الديمقراطي وخوض غمار السياسة. وحفاظًا على زخم التحول السياسي الذي قاده الشباب، فلا بد من مواصلة الانتقال الديمقراطي إلى جانب القوى الديمقراطية الحية في البلاد، ومناقشة القضايا الجوهرية التي تؤسس لبناء دولة مدنية وديمقراطية، تحترم الكرامة الإنسانية وأسس العدالة الاجتماعية، والمساواة والإنصاف؛ دولة يحظى الشباب فيها بالمستقبل الذي يليق بهم، والمساهمة في استكمال مراجعة الدستور المؤقت ليواكب التغيير نحو الديمقراطية، والحفاظ على المكتسبات التي تحققت عبر الحراك الاجتماعي الشبابي، ودينامية المجتمع المدني الديمقراطي. وبحكم موقعهم الديموغرافي المهم، سيظل الشباب العمود الفقري لكل حراك يشهده المجتمع الصومالي، ومن ثم يؤمل في دورهم في استكمال الانتقال الديمقراطي، ودمجهم في مختلف الهيئات والتنظيمات التي ينتسبون إليها بالضرورة أو ينضمون إليها بالاختيار. وهذا ما سيتيح لهم التمتع بحريتهم في بلورة الآراء والأفكار لوضع الحلول لمختلف القضايا والمشكلات التي يعيشونها. تستطيع فئة الشباب الصومالي أن تقدّم نموذجًا عربيًا، بعد سنوات من الانقسام والعنف، يبيّ كيف يمكن لهذه الفئة أن تحقق طموحاتها وتطلعاتها إلى الحرية والعيش الكريم. وهذا الأمر بعيد عن التذرع بالخصوصية لرفض الأطر الديمقراطية بحجة عدم تناسب الظروف وتعارُض القيم والتراث؛ فليس هذا التذرع إلا ضربًا من التهرب من متطلبات الواقع واستحقاقاته. وهو تذرع واهٍ، الغرض منه الاستحواذ غير المشروع على السلطة، وقد كان من نتائجه انتشار الإحباط، واليأس، والفقر، والمديونية، والبطالة، وأزمة هوية وانتماء، ونزعات طائفية وإثنية، وأنظمة وعلاقات عشائرية وقَبَلية، وأزمة في

  1. 23 المقصود دخول نسبة مهمة من الشباب في البرلمان بغرفتيه، بلغت نحو 03 في المئة من مقاعد البرلمان، إلى جانب حصة المرأة التي بلغت 52 في المئة من المقاعد، وهي نسبة غير مسبوقة وإن أخفقت النساء في الاستحواذ على كامل حصتهن بالوصول إلى الرقم المستهدف وهو 03 في المئة بحسب اتفاق مجلس التشاور الوطني الذي صاغ النموذج الانتخابي غير المباشر. انظر:.Ibid
  2. The Regional Risks to Somalia's Moment of Hope," International Crises Group, 22/2/2017, accessed on 24/5/2018, at: https://goo.gl/0X9Ib1
  3. هل يكون فوز 'فرماجو' برئاسة الصومال بمثابة أمل جديد لحل أزمات البلاد؟"، التلفزيون العربي، 017/2/202، شوهد في 018/5/24:2، في https://goo.gl/ifgnK3

علاقة المجتمع بالسلطة، وأزمة داخل المجتمع، محورها غياب مفهوم المواطَنة، وأزمة داخل الحكومات، محورها غياب المشروعية، وأزمة مثقفين وثقافة فاقمت من الأوضاع المعقدة أصلً. والأمر مرهون، كذلك، باستقرار العلاقة بين الاتجاهات الأيديولوجية، وفهم أن المشهد السياسي سيقتسمه الجميع، سواء من الاتجاه المدني أو الاتجاه الإسلامي. ومن هنا، فلا بد من ترتيب الأوراق من جديد؛ إذ لا يمكن للشاب الصومالي المثقف الواعي أن يعتمد على تلك الأفكار المرهقة التي تتوشح رداء الدين ولا تؤتي ثمارًا يانعة، بينما أجندتها الحقيقية، مثل أجندات الآخرين، هي الصعود إلى الحكم، ولو على جماجم الشعب. إن التيار الإسلامي في الصومال في مرحلة ما بعد الربيع العربي ينبغي أن يكون أكثر وعيًا بمسائل الهوية والصراع المحتدم حولها، وأهمية الاتكاء على الشرعية الواقعية، بدلً من إدارة الظهر للغرب والتصادم مع مفهوم الديمقراطية وأسس الدولة الحديثة، وهذا ما يذهب إليه الأستاذ محمد عمر أحمد، الخبير في الجماعات الإسلامية، الذي يقول: "المتوقع من التيار الإسلامي الجديد الاعتماد على أدوات التحليل السياسي، وتحاشي التسرع في الدخول في مواجهة مع الدول الغربية والجوار والمانحين، والابتعاد عن كل ما له صلة بالعنف، مع استخدام لغة تخفف من هواجس الغرب في مسائل الحقوق المدنية والسياسية، والتعددية السياسية، وحقوق المرأة والأقليات"26. ومن أجل تحسين فرص نجاح عملية الانتقال الديمقراطي، ينبغي للحكومة، وممثلي المجتمع المدني، والقوى السياسية الفاعلة، والمجتمع الدولي أن يعملوا معًا على تحقيق ثلاث مهمات بسيطة ولكنها مفيدة: تسريع وتيرة تسجيل الأحزاب السياسية ووضع القوانين واللوائح الناظمة للحياة السياسية وإصلاحها. احترام المواعيد والمهل الدستورية، وتجنب التأجيلات المتكررة للاستحقاق الانتخابي. ضمان عدم انزلاق الصومال مرة أخرى إلى جولة جديدة من الصراع العبثي27. وختامًا، يبدو الصومال، بعكس معظم الأنظمة العربية، مرشحًا لتحقيق التحول الديمقراطي، وذلك بتسجيله رقمً قياسيًا في عدد مرات انتقال السلطة سلميًا عبر الانتخابات، وقد تجسد ذلك في اللقطة التاريخية التي جمعت بين ثلاثة رؤساء تعاقبوا على الحكم في البلاد بمنصة واحدة وهم متشابكو الأيدي، وهذا ما لم يحدث في أي بلد عربي آخر حتى الآن، وأعطى للصوملة معنى إيجابيًا لأول مرة؛ حتى إن أحد ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي غرّد: "تصوملوا أيها العرب".

المراجع

العربية

أبو بكر، عمر إيمان. تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال. القاهرة: دار الفكر العربي،.2008 عبد القادر، سمية. "إشكالية بناء جيش وطني موحَّد في مجتمع عمران. العدد منقسم مناطقيًّا." مجلة 20.)2017(علمي، أفياري. "المحاصصة السياسية في الصومال: المسار الخطر." تقارير. مركز الجزيرة للدراسات. 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 016.2 في: https://goo.gl/jxtG5V عيسى، عبد الرحمن. "الصومال: جدلية الهوية بين الانتماء العربي تقارير. مركز الجزيرة للدراسات والأفريقي.". 8 آذار/ مارس 016.2 فh يttps://goo.gl/n429wa: ________. "قراءة في المشهد السياسي والانتخابي في الصومال: تطلعات وتوقعات." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 42 تشرين الثاني/ نوفمبر 2. 016 في: https://goo.gl/5sL2er مجموعة مؤلفين. التقرير الاستراتيجي الأفريقي الأول -2013 14 20. الخرطوم: مركز البحوث والدراسات الأفريقية،.2014 "المصالحة الوطنية الصومالية: قراءة في المنطلقات والأسس وتحليل النتائج." مركز مقديشو للبحوث والدراسات. 7 تشرين الأول/ أكتوبر 016 في https://goo.gl/95tiHe:2.

الأجنبية

"The Regional Risks to Somalia's Moment of Hope." International Crises Group. 22/2/2017, at: https://goo.gl/0X9Ib1