مؤتمر "مآلات الثورة السورية: ماذا جرى؟ ولماذا؟"
Conference "The Syrian Revolution: Seven Years on, What Went Wrong?"
عقد المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في مقره في الدوحة أعمال الندوة الأكاديمية "مآلات الثورة السورية: ماذا جرى؟ ولماذا؟"، في يومَي 8-7 نيسان/ أبريل 018.2 ضمت جلسات الندوة نخبة من الباحثين والأكاديميين في الشأن السوري من سورية والعالم العربي والعالم، من أجل تقديم قراءة علمية لتطورات المشهد السوري في أوراق ودراسات أكاديمية أُعدّت في ضوء التحولات الداخلية والخارجية. افتتح الندوة مروان قبلان الباحث في المركز، ورئيس وحدة تحليل السياسات فيه. وأشار إلى أن الندوة تحاول طرح سؤالين مركزيين ومحاولة الإجابة عنهما بما يتصف به الباحث الأكاديمي بموضوعية وليس بحيادية، وهما، أولً: لماذا تحولت الثورة السورية التي انطلقت سلمية، حضارية، بشعاراتها الوحدوية الداعية إلى الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية وبمطالب إصلاحية سياسية واقتصادية إلى صراع أهلي مدمر قبل أن تتحول إلى حرب وكالة إقليمية ودولية، أدت إلى مأساة إنسانية؟ وثانيًا: هل كان حتميًا أن تسلك الثورة هذا السبيل، وأن تصل إلى هذه النتائج، أم كان ثمة خيارات أخرى ممكنة لو اختلفت الظروف والفاعلون ومن ثم القرارات التي تم اتخاذها؟ وأضاف قبلان أن السؤالين المركزيين: لماذا حصل هذا؟ وهل كان ممكنًا تجنبه؟ يعكسهما عنوان هذه الندوة الأكاديمية. وهذان السؤالان ناظمان لكل محاور الندوة التي يتطلب الوقوف عليها والإضاءة على كل مستويات الصراع الذي كان يعتمل في بنية المجتمع السوري وبين دول الإقليم، وعلى المستوى الدولي، الذي فجّرته الثورة السورية دفعة واحدة بانطلاقتها.
كيف تحولت سورية إلى ساحة صراع دولي؟
في الجلسة الأولى من اليوم الأول وعنوانها "كيف تحولت سورية إلى ساحة للصراع الدولي؟" قدم الباحث كريستوفر فيليبس بحثًا بعنوان "سورية: ساحة معركة دولية." وخلص إلى أن الثورة السورية تحولت من ثورة مدنية إلى حرب أهلية، ومن ثم إلى ساحة صراع دولي بالوكالة. ورأى أن هذه التحولات لم تكن منفصلة عن بعضها، ولم تحدث بصورة مفاجئة أو جذرية فحسب، بل كان لها سياقها البنيوي الذي ساهم في حدوث هذه التحولات منذ بداية الأحداث. أما الباحث أسامة أبو ارشيد فقد قدم بحثًا بعنوان "تحولات الموقف الأميركي من الثورة السورية خلال سبع سنوات"، رأى فيها أن معضلة غياب إستراتيجية واضحة للولايات المتحدة الأميركية أثرت في مسار الثورة السورية، ورأى أيضًا أن الثورة السورية سببت أزمة من بدايتها للولايات المتحدة، وهي التي لم تتمكن من وضع إستراتيجية واضحة للتعامل مع الملف السوري. وقد اتسمت إستراتيجية واشنطن بالغموض والارتباك، ويتمثل ذلك بالتحولات والتناقضات في مواقف الإدارة الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما؛ وقد انعكس موقف الأخير على موقف إدارة الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب الذي يشهد حاليًا تخبطًا أكثر في التعامل مع الأزمة السورية، ما أوقع واشنطن في خلافات عديدة مع حلفائها حول الملف السوري. وقدم الباحث محمود الحمزة مداخلة بعنوان "المقاربة الروسية للثورة السورية: الدوافع، والنتائج، والآفاق"، أشار إلى أن جوهر السياسة الروسية منذ انطلاق الثورة السورية كان مدفوعًا بعدة أهداف، من أبرزها؛ الاقتصادية والجيوسياسية والدينية. ورأى الحمزة أن روسيا منذ بداية أحداث الربيع العربي لم ترحب بهذه الثورات، نتيجة الخسائر الاقتصادية الكبرى لروسيا في العراق وليبيا وغيرها، إضافة إلى عوامل جيوسياسية وأيديولوجية وأخرى متعلقة بالخوف من انتشار المد الإسلامي ليصل إلى روسيا التي تضم 02 مليون مسلم سنّي، وكذلك أسباب قوية مرتبطة بطبيعة القيادة الروسية، كل ذلك دفع روسيا إلى اتخاذ موقف إستراتيجي بحماية نظام الأسد مهما كان الثمن. ويبدو أن هذا الموقف الروسي لم تختلف معه أميركا ولا إسرائيل بل جاء لمصلحة أجنداتهما، إذ إن نتائج الإصرار والعناد الروسييّن معروفة وهي تدميرٌ وقتلٌ وتهجيرٌ وتقسيم. والأسوأ من كل ذلك، بحسب رأي الحمزة، هو تعامل الروس مع موضوع الثورة على أنه موضوع المعارضة السورية التي تسعى لمكاسب خاصة بها، وليس قضية شعب يريد الحرية والكرامة.
القوى الإقليمية وتأثيرها في المشهد السوري
ناقشت الجلسة الثانية للندوة "الفاعلون الإقليميون في المشهد السوري"، وحاولت أوراق الباحثين المشاركين فيها تشخيص تأثير القوى الإقليمية في المشهد السوري؛ ففي مداخلة بعنوان "الموقف الإسرائيلي وتحولاته من الحرب في سورية" عالج الباحث محمود محارب الموقف الإسرائيلي المركّب من الثورة السورية من ناحية تأثره بجملة من المتغيرات والعوامل من أبرزها أن إسرائيل اعتبرت قيام نظام ديمقراطي في سورية يمكن أن يحمل معه آثارًا سلبية فيها وفي المنطقة العربية. ومن مصلحة إسرائيل إطالة أمد الصراع واستنزاف الجميع في المنطقة؛ فقد تعاملت مع الثورة السورية من منظور طائفي، ولا سيما دعوتها إلى تقسيم سورية إلى عدة دول على أسس طائفية وإثنية في أي حل مستقبلي. واعتقد محارب أنه من المتوقع أن تستمر إسرائيل في إستراتيجيتها في
التعامل مع النظام السوري من خلال شن ضربات عسكرية على مواقع وتشكيلات قتالية قد تهدد أمنها، ولكنه استبعد أن تُقْدم إسرائيل على شنّ حرب على إيران في سورية. وقدم الباحث سمير صالحة مجموعة من الاستنتاجات للتنازلات التركية في سورية لمصلحة عديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين أو اقتسامها معهم. وفي الورقة التي جاءت بعنوان "تركيا والأزمة السورية من أين؟ وإلى أين؟"، أشار صالحة إلى أن المرحلة المقبلة في مسار الأزمة السورية ستكون أخطر، وهذا يتطلب من الإدارة التركية التي تخضع لامتحان علاقات حقيقي بدول المنطقة، أن تقوم بمتابعة تفصيلية للأحداث في سورية، وذلك نظرًا إلى دخولها في مستنقع سياسي وعسكري أثر في علاقاتها بالقوى الإقليمية والدولية. واختتم مداخلته بأن تركيا ستبقى شريكًا حليفًا للثورة السورية، كما قامت تركيا بإعادة تقييم سياستها وإجراء مراجعة نقدية ذاتية لمسار الثورة السورية، وذلك بناءً على الدروس والتجارب التي مر بها الجميع على مدار السنوات الماضية. وسلّط الباحث سعود المولى الضوء على أدوار إيران وحزب الله في سورية، وذلك في مداخلته التي جاءت بعنوان "إيران وحزب الله في سورية: أبعد من الأهداف العسكرية." ويرى المولى أن إيران لم تتخلص من التفكير الإمبراطوري وترى نفسها دولة كبرى ذات مصالح حيوية في الشرق الأوسط، وأن الدور الإيراني في المنطقة يرتكز على عدة مفاصل من بينها، علاقة الدولة بالدين في إيران، وعلاقة إيران بالتشيع، وهذا حافزٌ رئيس في سياسة إيران وإستراتيجيتها من زمن الشاه إلى زمن ولاية الفقيه، في لبنان كما في سورية والعراق ودول الخليج العربية. واستنادًا إلى ذلك يرى المولى أن هذا المدخل التاريخي والأيديولوجي مكّنه من فهم دور حزب الله في تنفيذ سياسات إيران، ولا سيما في سورية. وعن "العراق وتبدلات الهوية الطائفية للدولة السورية" حاول الباحث حيدر سعيد فهم الكيفية التي وظّف بها نظام قومي عربي علماني الهويات الطائفية في سياسته الخارجية، ليس فقط في دعمه جماعات طائفية محددة على حساب أخرى، بل في إظهار نفسه جزءًا من هذه الهوية. وقد رأى سعيد أن السياسة الخارجية السورية تجاه العراق منذ عام 0032 تختلف عن السياسة الخارجية الإيرانية، إذ استطاعت السياسة الإيرانية المحافظة على مركّب معقد يجمع بين مواجهة المشروع الأميركي ودعم النخبة الشيعية الصاعدة في العراق، في حين قدمت سورية نفسها بوصفها جزءًا من المحيط العربي السنّي في العراق وكانت جزءًا من مشروع دعم الأطراف السياسية السنّية ورعايتها. حدث التغير بحسب رأيه في السياسة الخارجية السورية نتيجة تبدلات الهوية الطائفية للدولة السورية، ليس فقط من خلال دعم النظام لجماعات طائفية محددة، بل من خلال إظهار نفسه جزءًا من الهوية الشيعية بعد الثورة، وبدأ استعمال النظام السوري للهوية الشيعية بعد عام 0112، والقبول بتعريفه جزءًا من المحور الشيعي الذي تقوده إيران، ما غيّ منظور السياسة الخارجية السورية تجاه العراق بالكامل.
فضاءات أخرى للصراع في سورية
مثّلت فكرة "أسلمة الثورة" واحدة من المقولات الرئيسة التي جرى تداولها منذ انطلاق الثورة السورية عام 0112 من قِبَل أطراف متعددة ولغايات مختلفة؛ هذا ما بدأ به الباحث معتز الخطيب ورقته "المشايخ والنظام والثورة في سورية: الدين مواليًا ومعارِضًا"، إذ أشار إلى أن بعض المثقفين السوريين استخدموا فكرة خروج التظاهرات من المساجد حجةً لإدانة الفعل الثوري الذي هو في نظرهم فعلٌ رجعيٌّ لا يتوافق مع مشروع التحديث الذي يطمحون إليه. وأكد الخطيب أن فكرة الأسلمة تحيل إلى معضلة العلاقة بين الديني والسياسي في سورية، كما تعكس الصراع على شكل المجال العام الذي مثّلت الثورة إرهاصات ولادته في مجتمع متنوع دينيًا ومذهبيًا ويغلب عليه التدين والمحافظة، أي إن مشروع التغيير الذي يجسده فعل الثورة حمل مخاوفَ، بقدر ما حمل من آمال بحسب الأطراف المتعددة المنخرطة فيه أو التي يَ سها فعل التغيير. أما الباحثة لاورا دي إلفيرا فركزت في بحثها "السياسات الاجتماعية والعمل الإنساني ساحة بديلة للمعركة"، على العمل الإنساني في مسار الحرب السورية التي دفعت أكثر من 5 ملايين سوري إلى الفرار من وطنهم الأم واللجوء إلى البلدان المجاورة والبلدان الأبعد. في حين أصبح نحو 56. ملايين سوري مشرّدين داخليًا منذ عام 011.2 نتيجة لذلك، شهد العمل الإنساني تناميًا مع تفجّر الحرب في سورية، وفي هذا السياق، بات توفير المساعدات مسألة رئيسة تسعى جميع القوى السياسية المعنية بالنزاع السوري للتأثير فيها، والسيطرة عليها والتحكم فيها إن أمكن. وفي الوقت الذي أسّس فيه أولئك الذين يناهضون نظام الأسد بنى اجتماعية وإنسانية خاصة بهم وعملوا على مأسستها بدعم من الشتات السوري وبتمويل الجهات المانحة الدولية، حاول النظام السوري بدوره الاستعانة بالمؤسسات الخيرية الموجودة أصلً وإنشاء أخرى جديدة من أجل كسب مودة السكان المحليين. وقدم الباحث هوشنك أوسي بحثًا بعنوان "حزب الاتحاد الديمقراطي: محنة الهوية، والتباس المشاريع والأدوار"، وبرأيه يبرز اسم حزب الديمقراطي (الكردي الاتحاد) بوصفه أحد PYD التعقيدات والعوائق التي عرقلت ترتيبات التسوية في المشهد السوري، لأسباب
عدة. فالحزب يعتبر نفسه معارضًا للنظام السوري، ومن حقه المشاركة في مؤتمرات الحل، على مقاعد المعارضة، وهو يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي السورية، عسكريًا وإداريًا. وتعتبره المعارضة حليفًا للنظام، والمساحة التي يسيطر عليها، هي بتكليف وتنسيق مع الأخير. وتعتبره تركيا فرعًا لحزب العمال الكردستاني في سورية. وتعتبره أميركا حليفًا لها في محاربة تنظيم "داعش" الإرهابي، وترفض الانتقادات والمطالب التركية بالكفّ عن دعم الحزب. وتراه موسكو "حليفًا" من جهة، ومن جهة أخرى تضعه على طاولة البازارات والصفقات مع أنقرة. في حين أن الحزب المسيطر على المناطق الكردية السورية يعتبر نفسه أنه حرّر هذه المناطق من النظام السوري، بينما يتّهمه خصومه من الكرد والعرب بأن النظام ما زال موجودًا في تلك المناطق، وما جرى أن النظام سلّم جزءًا من سلطات المنطقة لهذا الحزب حتى يتفرغ للمناطق الأخرى، وأن ثمة تنسيقًا بين الحزب والنظام.
الاقتصاد السياسي للصراع السوري
عالجت الجلسة الأخيرة من أعمال اليوم الأول من الندوة الأكاديمية "الاقتصاد السياسي للصراع السوري"، وقدم الباحث سمير سعيفان بحثًا بعنوان "سورية: التدمير وتحديات إعادة الإعمار" عرض فيه صورة عن واقع التدمير المادي الذي جرى في سورية، والتحديات التي تواجه إعادة الإعمار والتي تحتاج إلى تكاليف عالية من خلال استعراضه الدراسات التي أنجزت حول هذا الموضوع، بحيث تشير الأرقام التقديرية إلى تدمير 4.4 ملايين منزل تدميرًا كاملً، إضافة إلى نصف مليون منشأة حكومية. والجدير بالذكر أن في عام 0102 كان في سورية 001 ألف منشأة صناعية دُمّر 50 في المئة منها، كما أن قطاع الزراعة تعرض للتدمير من خلال تحطيب الغابات إذ تم تخريب 02 مليون شجرة، هذا فضلً عن تهجير 12 مليون سوري وخسارة سورية معظم كوادرها. كما أشار سعيفان إلى أن العنف قد وظّف 71 في المئة من قوة العمل في أجهزة الدولة لمواجهة الاحتجاجات وقوى المعارضة. تظهر الأرقام العبء الكبير للدمار الذي شمل الموارد المالية والمادية والبشرية الهائلة. وتطرق الباحث إلى تحديات إعادة الإعمار، وهي عديدة، وستمثّل الجزء الأكبر والأهم منها، بدءًا بشروطه السياسية ومصادر تمويله وبدائل أشكال إدارته، وانتهاءً بتنظيمه وأولوياته وتعقيداته الكثيرة. ورأى أن التحديات السياسية وشكل حلها تمثل مفتاح حل بقية التحديات ومُوجّهها، بين حل سياسي شامل بتوافق إقليمي ودولي، فمن دون حل سياسي لن يكون ثمة إعادة إعمار. حتى مع حل سياسي مقبول، سيكون تأمين المصادر المالية والمادية التي تتطلبها إعادة الإعمار أمرًا صعبًا (هبات مالية من مانحين، ومشروعات ينفذها مانحون، وقروض من مؤسسات دولية وعربية، واجتذاب رؤوس أموال المستثمرين السوريين وغير السوريين وإعادة إطلاق الاقتصاد السوري.) ثم قدم الباحث مناف قومان بحثًا بعنوان "الاقتصاد السياسي للمعارضة السورية: تقييم تجربة المجالس المحلية ووحدة تنسيق الدعم"، تطرق في بدايته إلى معاناة سكان المناطق المحررة والمحاصرة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية نتيجة الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي المزمن الذي وصلت إليه البلاد، وقصور عمل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية بعد عدم اتباعها إستراتيجيات تنموية تتواءم وظروف الحرب وتخفف معاناة السكان وتساعدهم على شظف العيش. وخلص الباحث إلى نتائج مفادها أن الأزمة خلّفت نتائج كارثية على مستويات المعيشة لدى سكان مناطق المعارضة. يترافق هذا مع عدم اتّباع الحكومة المؤقتة، ممثلة في المجالس المحلية ووحدة تنسيق الدعم التابعة للائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة السورية، إستراتيجيات تنموية مستدامة تكفل مواجهة التحديات الجمة التي تواجهها المجتمعات المحلية والوقوف على استحقاقات الأسر لتحسين مستويات معيشتها. وقدم الباحث أيمن الدسوقي بحثًا بعنوان "مقاربة الحركات الجهادية للحكم المحلي وأثرها في مسار الثورة السورية: مقارنة بين 'تنظيم الدولة' و'هيئة تحرير الشام."' ورأى أن انحسار سيطرة النظام السوري قد هيّأ الظروف أمام بروز أنماط حكم محلية، منها ما شكّلته الحركات الجهادية ك "تنظيم الدولة الإسلامية" و"هيئة تحرير الشام"، وعلى الرغم من تشاركهما في الأصل وتقاطعهما في الهدف من حيث السعي لتأسيس حكم إسلامي، كلٌ بحسب منظوره الخاص، فإنهما افترقا في مقاربتهما لحكم مناطق سيطرتهما وإدارتها، ما أدى بحسب رأي الباحث إلى تفاوتهما في كيفية تأسيس الحكم، وفي المسميات والهياكل التنظيمية والأدوات المستخدمة في الإدارة والحكم، فقد اعتمد التنظيم إستراتيجية متعددة المراحل عنوانها "إدارة التوحش" لتأسيس حكمه وتجسيده ب "الدولة الإسلامية"، في حين مالت "هيئة تحرير الشام" وريثة "النصرة" إلى تبنّي إستراتيجية تدريجية مرتكزاتها الاندماج المحلي والتكيف الأيديولوجي والتحول المصلحي لتحقيق التمكين الذي قد يأخذ أشكالً ومسمياتٍ عدة. وعلى الرغم من الفروق بين التنظيم والهيئة في مقاربتهما لمسألة الحكم، فقد كان لتجربتيهما في هذا الصدد أكبر الأثر في مسار الثورة السورية، وذلك عبر تقويضهما تجربة المجالس المحلية في مناطق سيطرة كل منهما، سواء عبر إنهائها كما قام بذلك تنظيم "الدولة الإسلامية"، أو من خلال إقصائها أو اختراقها وتوظيفها في مشروعها كما تعمل على ذلك "هيئة تحرير الشام."
المعارضة السورية: أزمة في ظل الأزمة؟
استهلت أعمال اليوم الثاني جلسة للنقاش حول أزمة المعارضة السياسية السورية. وقدم فيها برهان غليون مداخلة بعنوان "عن أزمة القيادة في المعارضة السورية: المجلس الوطني نموذجًا"، تناولت ما وصفه بالمآل الكارثي الذي آلت إليه الثورة السورية، وحالة ضعف المعارضة وتشتُّت قوى الثورة وانقسامها. وأكد غليون أن ما جرى في السنوات السبع الماضية لم يكن حتميًا، وإنما جاء ثمرة لرؤى واختيارات سياسية وإستراتيجيات، وأن استعادة المبادرة التاريخية، وتذليل العقبات "الموضوعية" و"الخارجية" التي حالت دون تحقيق الثورة أهدافها، أمرٌ يتوقف على فهم هذه الخيارات وتقييمها. وذكر غليون أن خطأ النظام السوري الأكبر كان في رفضه الإصلاح السياسي، في حين أن المعارضة أخطأت بتخبطها وعدم تماسكها وانحسار قدرتها على تشكيل جسم سياسي قادر على التفاوض. كان المجلس الوطني قد تشكّل في مرحلة تراجع التظاهرات الشعبية وبداية انتشار السلاح في سورية، لكن تم إجهاض تجربته؛ بسبب الصراع على النفوذ والمكانة بين أفراد المعارضة السورية، فضلً عن تركيز الباحثين السوريين على العوامل الجيوسياسية، وبخاصة التدخلات الخارجية الإيرانية ثم الروسية. كما كان لشلل المنظمة الدولية وتعطيل دور المجتمع الدولي سهمٌ في أزمة المعارضة السورية وتراجع أدائها. أما الباحث عبد الباسط سيدا، فقد تطرّق في بحث بعنوان "كرد سورية والثورة: ماذا جرى للمجلس الوطني الكردي؟" إلى العوامل التي أسهمت في بلورة معالم الدور الكردي ضمن المعارضة. جعل سيدا سياسات حكم حزب البعث، ورفضه المطلق لأي وجود وطني كردي في سورية، بمنزلة مقدمة لتتبّع هذا الدور. وقال إن هذه السياسة انعكست في رفض الاعتراف بأي حقوق قومية مشروعة للكرد ضمن الحدود السورية، وفي اعتماد مشاريع تمييزية ضدهم في الوقت ذاته. وعلى الضفة المقابلة، اتسمت الأحزاب الكردية بمطلبية الطابع والبرامج، فهي أحزاب لا تطالب بالسلطة ولا تتنافس بشأنها، بل تعمل من أجل الموضوع والهم الكردييّن في المقام الأول، وكانت مُحكمة بثنائية "نحن – هم"، وهي نقطة وظَّفها النظام السوري ضمن إستراتيجيته في تحييد المكونات السورية وإبعادها عن الثورة. ألقى كل هذا بتداعياته على طبيعة الحراك الكردي في الثورة السورية ونوعيته. وشاركت الكتلة الوطنية الكردية في تأسيس المجلس الوطني السوري وكان لها تمثيل به، في حين اختار المجلس الوطني الكردي عدم المشاركة، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بُذلت من أجل ذلك. وبعد حل جملة من الإشكاليات، دخل هذا المجلس في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، وقد جرى التوصل إلى حل بخصوص موضوع الفدرالية؛ العقدة التي كانت تصطدم بها كل جهود انضمام المجلس الكردي إلى الائتلاف. وكان الحل هو أن يسجل المجلس الكردي تحفظه على غياب الفدرالية في وثيقة التوافق بينه وبين الائتلاف. على مستوى موازٍ، وبعنوان "المعارضة الهامشية بعد الثورة: بحث في تكوين المعارضة السياسية وأجهزتها وأدائها"، تناول الباحث عبد الرحمن الحاج تكوين المعارضة وأداءها ومؤسساتها، انطلاقًا من "المعارضة الهامشية." واعتمادًا على هذا المفهوم غير المتداول على نحو كافٍ في إطار العلوم السياسية، اعتمد الحاج ثلاثة معايير أساسية في تصنيف المعارضة تحت عنوان "الهامش:" أولً، الاعتراف الدولي بها، باعتبارها جهة ممثلة شرعية للشعب مقابلة للنظام. وثانيًا، التعبير السياسي عن أهداف الثورة وتطلعاتها. وثالثًا، التأييد السياسي الواسع خصوصًا من أولئك الذين هم خارج سلطة النظام. وشدّد على صعوبة فهمنا لنشأة المعارضة الهامشية إذا ما انطلقنا من تصور أنها وجه آخر لتكوين المعارضة الرئيسة فحسب؛ ذلك أن بواعث عديدة للتكوين ناشئة من عوامل أخرى. وفي ظل ديناميات الثورة وتشكيل المركز، بالنظر إلى أنه استجابة لتغطية الثورة سياسيًا، نشأ صراع الشرعية على تمثيلها أمام المجتمع الدولي بوصفها قضية رئيسة. ويرجع ظهورها إلى ما بعد التدخل العسكري الروسي، في سنوات حكم أوباما الأخيرة، إذ كان الهدف الرئيس لموسكو هو تفتيت المركز وتشكيل حشد من المعارضة الهامشية لاحتلاله، فعملت على تصنيع معارضة هامشية وظيفية، ودفعت إلى استصدار القرار 015/22542، الذي سمح لموسكو بدفع هذه المعارضة الوظيفية (التابعة لها عمومًا) نحو شرعنة دخولها المركز، ونجحت في ذلك في مؤتمر "جنيف "4، وهو أمرٌ تم تثبيته في مؤتمر "الرياض."2
المعارضة السورية: الأداء القتالي والسياسي
استعرض الباحث محمد الحاج علي في الجلسة الثانية من أعمال الندوة الأكاديمية لليوم الثاني الموقف العسكري لفصائل المعارضة السورية، في مداخلة بعنوان "الموقف العسكري بعد سبع سنوات: لماذا فشلت محاولات توحيد فصائل المعارضة المسلحة." حاول الباحث الإجابة عن تساؤلين؛ أولهما: لماذا لم تنشقّ قطعات ووحدات كاملة من الجيش السوري لمصلحة الثورة؟ وثانيهما: لماذا فشلت محاولات توحيد فصائل المعارضة المسلحة؟ تناول الباحث في معرض إجابته عن السؤال الأول تطور المؤسسة العسكرية في سورية، موضحًا
تمحور إدراك حافظ الأسد للجيش بوصفه عاملً لاستدامة سلطته وسيطرته، وإضفاء صبغة ذات طابع طائفي عليه؛ إذ إنه فرض سياسة خاصة لترويض القوات المسلحة، على نحو حوَّل عقيدتها الأساسية إلى حماية النظام وحده، من دون أي اعتبار آخر. وعلى الرغم من توافر قدرات عسكرية كبيرة في الجيش السوري، فإن هذا الجيش عجز عن قمع الثورة السورية، إذ استنزفت حرب الأعوام السبعة قدراته وتماسكه. وفي المقابل، نجحت الثورة التي تحوّلت إلى العمل العسكري في السيطرة على معظم الأراضي السورية، في نهاية عام 0122، بفضل مساندة الحاضنة الشعبية لها. لكن الدورين الإقليمي والدولي، إضافة إلى دور استخبارات النظام، حرفت كل اتجاهها الوطني إلى اتجاهات دينية متشددة. ولم تكفِ النياتُ الحسنة فصائلَ الثورة السورية، إذ فشلت مرارًا في التجمع ضمن جسم عسكري موحد. وقد ردَّ الباحث جزءًا من ذلك إلى الدور الإقليمي والدور الذي منع ذلك، إلى جانب الدور السلبي للأحزاب والقادة الذين تصدّروا مشهد العمل المسلح، وانعكاسات ذلك على عدم تحقيق النصر على النظام، وانفصال العمل السياسي عن العمل العسكري، وانقسام الفصائل المسلحة بين إسلامية وجيش حر والصراع المحتدم فيما بينها. أما الباحث محمد حسام الحافظ، فقد جاءت مداخلته بعنوان "الأداء التفاوضي المركزي لقوى الثورة والمعارضة السورية: المرجعيات، والمسار، والمآلات." وأثناء هذه المداخلة، حاول الباحث سد ثغرة بحثية وأكاديمية من خلال سرد أساسيات العملية التفاوضية وتقويمها بعد مرور سبع سنوات على اندلاع الثورة السورية. وعالج الموقع التفاوضي للمؤسسات التي مثّلت المعارضة السورية وإشكاليات ذلك التمثيل طوال العملية التفاوضية، سواء أكان ذلك إشكالً موضوعيًا أم سياسيًا بحتًا. وفي سبيل ذلك، ركز على الموقع التمثيلي للمجلس الوطني والائتلاف وهيئة المفاوضات بنسختيها، وهي الهيئة التي من المفترض أن يكون دورها الوحيد هو تمثيل قوى الثورة والمعارضة في المفاوضات السياسية مع ممثلي النظام. حاول الباحث سلام الكواكبي أن يبحث في أسباب عجز الهيئات السياسية والهيئات الإعلامية المرتبطة بالمعارضة السورية عن كسب تأييد الرأي العام العربي عمومًا، ورأي النخب اليسارية والقومية العربية خصوصًا، في مداخلته التي جاءت بعنوان "المعارضة ومعركة الرأي العام العربي: التأثير المضاد للنخب القومية واليسارية." فقد استعرض الباحث أساليب عمله ونشاطه في المجال الإعلامي والتحشيدي وتحليله؛ وذلك من خلال التوقف عند عديد من معالم الضعف التي انتابته. وحاول الباحث سبر الأسباب التكوينية في الوعي الذي تحمله النخب اليسارية والقومية في المنطقة العربية التي تصدّت على نحو يكاد يكون مبدئيًا و"نضاليًا" لخطاب الثورة السورية، وابتعدت عن أي شكل من أشكال التضامن، حتى في حال كونه خطابيًا.
النظام السوري: تحولات البنية في ظل الأزمة
قدم الباحث لؤي صافي مداخلة بعنوان "هل نجح النظام في احتواء الثورة؟ قراءة في الأسباب البنيوية والثقافية"، تناول فيها الأسباب البنيوية والثقافية التي مكّنت النظام السوري من احتواء الثورة. ثم انتقل إلى تحديد طبيعة الثقافة السياسية السائدة وأثرها في تقليل فرص نجاح الثورة بشأن تحقيق أهدافها، مع أهمية وجود كتلة اجتماعية حرجة لنجاح جهود تحقيق تحول ديمقراطي في سورية. ونبّه الباحث إلى أهمية قيام حركة فكرية تحمل رؤية إنسانية تضمينية، لتوليد الزخم الاجتماعي الضروري من أجل إيجاد الكتلة الحرجة وتزويدها بالرؤية المستقبلية. وبحسب رأيه، تحتاج الحركة الفكرية إلى ربط الرؤية الإنسانية التضمينية بالسياق الاجتماعي والمشكلات الحيوية للمجتمع السوري ودول المشرق المحيطة به، والتي تتماهى قضاياها الاجتماعية والسياسية مع قضاياه، كما أن قدرة المجتمع السوري على تحقيق ثورته الحقيقية ترتبط بالتفاعل مع مؤسسات المجتمع المدني في دول الجوار. أما التحول في بنية النظام الأمنية خلال سنوات الثورة، فقد عالجه الباحث معن طلاع في مداخلة بعنوان "تحولات البنية الأمنية للنظام السوري خلال الثورة." وتطرق الباحث إلى أهم التحولات التي شهدتها البنية الأمنية للنظام، وهي تتمثل بعدم تماسك البيئة الأمنية في مناطق النظام وعدم خضوعها "إداريًا" أو "وظيفيًا" لقوة أمنية مركزية مضبوطة، وتدهور مؤشرات الاستقرار الأمني، وقد تعززت تلك النظرة منذ اللحظة الأولى لتدفق الميليشيات الأجنبية الحليفة للجغرافيا السورية من جهة، ولقرار تكوين مجموعات عسكرية محلية يشرف عليها كبار رجال النظام من جهة ثانية. تلك المجموعات التي نمت وتوسّعت في الحجم والتأثير خلال الأعوام الماضية، زاد خطرها على المجتمع برمته؛ خاصة في ظل تنامي أدواتها وسياستها على نحو عابر للوطنية. إضافة إلى ما ذكر، وما يعزز نتائج الفشل الوظيفي والسيولة الأمنية وتعارض الأجندة الأمنية للفواعل الأمنية في مناطق سيطرة النظام، فإن انتشار أنماط أمنية متعددة في سورية التي باتت مقسمة إلى مناطق نفوذ إقليمية ودولية واضحة،
يساهم في تعزيز عدم قدرة الأجهزة الأمنية "الحكومية" القائمة على ممارسة الالتفاف على أسئلة المرحلة المقبلة واستحقاقاتها. ثم قدم الباحث رضوان زيادة بحثًا بعنوان "الجيوش النظامية والحروب الأهلية: كيف انهار الجيش السوري في النزاع المسلح؟" تطرق فيه إلى مراحل تراجع قوة الجيش النظامي الذي زجّ به في الصراع المسلح، مقارنةً بتجارب بلدان أخرى خاضت جيوشها النظامية حروبًا أهلية، وانعكاس ذلك على مسار الحرب في سورية. واستعرض الباحث مراحل انخراط الجيش السوري في قمع الأعمال الاحتجاجية، فقد كان القرار السياسي مبكرًا، في نيسان/ أبريل 0112؛ أي المتمثل بإرسال وحدات من الجيش النظامي لإخماد فتيل التظاهرات في محافظة درعا. وفي بداية عام 0122، ومع ازدياد قوة المعارضة المسلحة وعدد المنشقين عن الجيش، ازداد انغماس "الجيش النظامي" في أتون الصراع المسلح، وحتى الفرق العسكرية (مثل الفرقتين 781 و 1 غير العاملتين والمعدّتين للاحتياط فقط)، تم الزجّ بها في قمع الاحتجاجات المسلحة في حمص وريفها، وبعد ذلك في حلب، في حين احتفظت قوات النخبة (الفرقة الرابعة) والحرس الجمهوري بوظيفة أساسية هي تأمين العاصمة دمشق. وحتى عام 0152، كانت ثلاث فرق عسكرية سورية كاملة قد اضمحلت، أو اختفت، ولم يبقَ من كتائبها إلا أفراد جرى فرزهم إلى قطع عسكرية تتبع فرقًا أخرى.
إسلاميو الثورة: التجارب والتحولات
بدأت أع لاا الجلسة الأخ ةرر بمداخلة قدمتها الباحثة نعومي راميريث دياث جاءت بعنوان "هل يكون للإخوان المسلمين دور في جعل رؤى القوى المتشددة أكثر اعتدالً." رأت الباحثة أن لجماعة الإخوان المسلمين تاريخًا فكريًا معقدًا ومتغيرًا، وأنه لا يخلو من نسبة ذات أهمية تتعلق بغياب العدالة، وأنه إذا كان بعض شخصيات الجماعة البارزة قد أدى دورًا ملتبسًا في فترات معينة من تاريخ سورية، فإن هناك تيارًا فكريًا ديمقراطيًا وُلد مع الجماعة، وصمد أمام رياح التشدد التي عصفت بها، بعد استيلاء حافظ الأسد على الحكم في السبعينيات، وخاصة في الثمانينيات. وافترضت الباحثة أن هذا التيار الذي أصبح أوضح في القرن الحالي، خصوصًا بعد ازدياد دور الشباب في الجماعة نتيجة مشاركتهم في نشاطات مختلفة في الثورة، قد يكون مفيدًا إذا أردنا نقل بعض آراء الجماعات المسلحة التي تعدّ نفسها إسلامية (وهي فعلً سلفية) من معسكر التشدد إلى معسكر الاعتدال؛ وذلك على الرغم من صعوبة المرحلة، وإمكان تفهّم تبنّي قيادات هذه القوى وقواعدها البشرية التشدد في مجتمع لم يُعرف قَطُّ بالتشدد، أو الميل إلى العنف. أما الباحث توماس بييريه، فجاءت مداخلته بعنوان "هيئة الشام الإسلامية: السلفية الحركية مقابل 'نظام حكم الجهاديين."' وقد تناول بالبحث الاختلاف الأيديولوجي من خلال مقارنة وجهتَي نظر هيئة الشام الإسلامية والجماعات الجهادية فيما يتعلّق بثلاث قضايا: الرموز الوطنية، واختيار القادة السياسيين والعسكريين وصلاحياتهم، وتدوين الأحكام الشرعية؛ إذ ميّز بين السلفيين الناشطين والجهاديين. ففي حين يتصوّر الجهاديون الصراع السوري حقبة من حقب الجهاد العالمي الذي مضى عليه عقد من الزمن، وينسبون إلى أنفسهم دورًا قياديًا في النضال؛ كونهم طليعة الحركة السلفية، فإن هيئة الشام الإسلامية تتبنّى سردية الثورة السورية ورموزها. بعبارة أخرى، ترى هيئة الشام الإسلامية أن الشعب يتمتع بالفاعلية السياسية، ومن ثم فهو يمثل مصدرًا رئيسًا للشرعية. نتيجةً لذلك، وفي الوقت الذي يروّج فيه الجهاديون لمقاربة سياسية تتمحور حول الدولة وتعكس مقاربة الأنظمة السلطوية التي يسعون لإزاحتها، تتبنّى هيئة الشام الإسلامية نموذجًا يرتكز على المجتمع ويتيح وجود نظام تمثيلي. أما الباحث أحمد أبا زيد، الذي جاء بحثه بعنوان "حركة أحرار الشام الإسلامية: نموذج تحولات إسلاميي الثورة في سورية"، فتطرق إلى سلسلة التحولات التي مرّت بها حركة أحرار الشام في جدلها مع الديناميات المحيطة بها وتناقضاتها الذاتية، من خلال الدمج بين البعدين المحلي والأيديولوجي، ومن خلال صراع الشرعية الثورية والجهادية، والتفاعل مع الاستحقاقات الميدانية والسياسية. وتمثل هذه التحولات حالة دراسية خصبة لفهم تجربة الإسلاميين الجدد بعد الثورة السورية، واختبارًا لصدقية التفسيرات المختلفة حول طبيعة هذه الحركات ودوافعها الحقيقية. في السياق ذاته، عالج الباحث حمزة المصطفى تحولات الحركة الإسلامية السورية، في بحثه الذي جاء بعنوان "تقييم تحولات الحركة الإسلامية السورية: أحرار الشام، وجيش الإسلام، وفيلق الشام"، وحاول استكشاف آليات عملها السياسي ومحدداته وسياقاته الظرفية والبنيوية، بهدف رصد التغيرات الخطابية والسلوكية والتنظيمية، وتقييم مدى تأثيرها في إستراتيجيتها الراهنة والمستقبلية. وقد سعت هذه الحركات لتغتنم الفرص المتاحة في الثورة لتوسّع قاعدتها الاجتماعية، وتتبوأ مكانة سياسية مركزية مؤثِّرة في التفاعلات السياسية للحدث السوري، وهو ما عرّضها لتغيرات خطابية وسلوكية وهيكلية. فقد أضحت الفصائل الإسلامية، بحسب رأيه، مركز الثقل الرئيس في العمل المسلح ضد قوات النظام السوري والفصائل الأجنبية المساندة له، وغدت في الوقت عينه أحد أبرز إشكالاته المركزية. وقد عزا الباحث ذلك إلى اختلاف تقييم القوى الدولية والإقليمية المؤثرة في الأزمة السورية، وإلى كيفية التعامل معها راهنًا ومستقبلً.