"الدولة العميقة:" محاولة لضبط المفهوم
الملخّص
تأتي هذه الدراسة محاولة لفهم مصطلح "الدولة العميقة"؛ في ضوء تزايد استخدام ا في مجال الدراسة المقارنة المصطلح في الأدبيات والتحليات السياسية، وخصوصً، وتحديدًا عند دراسة حالات متعددة من النظم السياسية. ومن خال تحليل الأدبيات التي يُستخدم فيها هذا المصطلح، يتضح أن الغموض يكتنف مفهوم الدولة العميقة؛ إذ يُعرّف بطرق متباينة، ويُستخدم بأشكال متعددة؛ ما يجعله يحمل دلالات مختلفة. تنطلق هذه الدراسة من نظرة نقدية للمفهوم، وتفترض أن ضبابية تعريفه تشتمل على عنصرَي الخفاء والمؤامرة، من جهة، وفضفاضية استخداماته في نظم سياسية متنوعة (ديمقراطية وشبه ديمقراطية وسلطوية)، من جهة ثانية، تجعان منه أداة تحليلية غير مفيدة، أو غير قادرة على توسيع المجال المعرفي لعلم السياسة المقارنة. ولإثبات ذلك تتتبَّع الدراسة استخدامات مفهوم الدولة العميقة، لتظهر التباينات، وتبرهن على صحة افتراضها. وتقوم بعد ذلك مّ ت تحت لوائه بمحاولةٍ لضبط المفهوم باستثناء بعض النظم السياسية التي ض. كلمات مفتاحية: الدولة العميقة، الحكومة المزدوجة، الجهاز البيروقراطي الحكومي، حكم العسكر، الدولة الأمنية. This study attempts to understand the concept of the "deep state" given its increasing use in political literature and analysis. This happens especially in comparative studies and, specifically, when multiple political systems are addressed. Through an analysis of the literature in which the term is used, it is clear that the concept of the "deep state" is ambiguously understood and applied. This study is based on a critical view of the concept. It assumes that the vagueness of its definition is tinged with secrecy. Its fragmented usage in a variety of political systems (democratic, semi-democratic and authoritarian), render it an analytical tool that is not useful nor capable to expand knowledge of comparative political science. In lieu of this hypothesis, the study reveals discrepancies in the usage of the concept of "deep state", in an attempt to refine the concept. Keywords: The Deep State, Double Government, Government Bureaucracy, Military Rule, Security State.
The Deep State: an Attempt to Fine-Tune the Concept
مقدمة
في الدراسة المتخصصة في مجال النظم السياسية المقارنة، وتحديدًا في موضوع "دراسة الحالة" لنظم سياسية محددّة، طفَا على السطح منذ تسعينيات القرن الماضي مفهوم بدا جديدًا، هو الدولة العميقة. يختصّ هذا المفهوم الذي جاء في السابق تحت مسمّيات مختلفة مثل "دولة داخل الدولة"، و"حكومة الظلّ "، و"الحرس القديم"، و"مراكز القوى"، و"الدولة المزدوجة"، و"الدولة الموازية"، بمعالجة قضايا تتعلق بموضوعات الهيمنة على القرارات المتعلقة بتوزيع المصادر المحدودة داخل الدولة، والصراع الناجم عن ذلك بين مكونّات القوى المختلفة فيها ومراكزها، بما يتضمنه ذلك من إمكان اللجوء إلى استخدام العنف، ونتيجة ذلك من تحولّات متعلقة بالنظام السياسي ومركّبات وآليات وفاعلية1. تعالج هذه الدراسة، في نظرة نقدية، مدى الصلاحية والجدوى اللتين يُقدّمهما مفهوم الدولة العميقة، مع تعدد طرق استخداماته المختلفة، بالنسبة إلى مجال دراسة النظم السياسية المقارنة. ولتحقيق ذلك، يتمّ الانطلاق من استعراض مُكثّف لتعريف هذا المفهوم، بما يشمله ذلك من تحليل مقارن للمضامين المتعددة التي ينضوي إليها هذا التعريف، والتي تؤدي إلى دلالات مختلفة تجعله ينطبق على حالات نظم سياسية متنوّعة. ومن خلال هذا التحليل، يُض اتساع تعريف مفهوم الدولة العميقة وضبابيته حاليًا، وعدم ثبات استخدامه المصطلحي، بل توظيفه على نحو تعميمي، وعشوائي، وفضفاض، بقدرته التفسيرية، ويحدّ من أثر فائدته المعرفية، في مجال الدراسة المقارنة. ولتعديل ذلك، تقوم الدراسة بمحاولةٍ لضبط مفهوم مصطلح الدولة العميقة وتحديده، عن طريق استثناء انطباقه الحالي على نوعين من النظم السياسية، وتقليص استخدامه في مجال "دراسة الحالة" فحسب، ليصبح مفيدًا.
الترامبية والدولة العميقة في أميركا
بقي مفهوم الدولة العميقة منذ ظهوره محدود التداول، يتمّ التعامل معه في دائرتين محصورتين: الأكاديمية البحثية المنشغلة بمحاولة التنقيب عن تفسير لعلّة الصراعات الخفيّة داخل ثنايا الدولة2، والسياسية الاتهامية التي تُقدّم من خلال نظرية المؤامرة تفسيرًا جاهزًا وسهلً لهذه العلّة3. ولكن دخول دونالد ترامب معترك السياسة وفوزه بالرئاسة الأميركية، أخرج تداول هذا المفهوم من محيط الحلقة الضيّقة إلى الفضاء العام، فأصبح "صرعة" و"موضة"4، ومصطلحًا "ساخنًا"5، و"شائعًا"6 في أميركا ومختلف أرجاء العالم. فشعبوية سياسة ترامب أدخلت مفهوم الدولة العميقة إلى ساحة الثقافة الشعبية، ومن ثمّ أضحى هذا المفهوم جزءًا من العقلية الأميركية والخطاب السياسي الدارج في البلاد7. من هذا المنطلق، يعتقد نحو 60 في المئة من الأميركيين، حاليًا، أن "واشنطن مُسيطر عليها من جانب الدولة العميقة"8. من خارج الوسط السياسي التقليدي، أقحم ترامب نفسه في سباق الترشح للرئاسة الأميركية، فارضًا نفسه على القيادة التقليدية النافذة للحزب الجمهوري. وبتوظيف قدراته الشعبوية للتعويض عن قلّة خبرته السياسية، قاد - بوصفه قادمًا من خارج النظام - حملة انتخابية محورها انتقاد ما آل إليه وضع البلاد من تراجع، مهاجم طريقة إدارتها عمومًا، وإدارة الرئيس أوباما تحديدًا. رأى ترامب أن مؤسسة الحكم التقليدية المتجذّرة داخل الإدارة الفدرالية قد فشلت؛ ما أدى إلى إضعاف البلاد، وأنه بسبب ذلك واقع في "حربٍ " معها، وقادم ل "احتلال" واشنطن لتخليصها منها، وإنقاذ البلاد، واسترجاع عظمتها من جديد9. فاز ترامب بالانتخابات؛ ما أثار حفيظة العديد من الأوساط الأميركية، وخاصة في واشنطن. فأسلوبه كان غريبًا عنها؛ اندفاعية فجّة من دون عمق تفكير أو تخطيط، ينجم عنها، باستمرار، تقلبٌ في المواقف المُعبَّ عنها بعدائية هجومية ممزوجة بسيل من الاستهزاءات وتوزيع الإهانات. جاء ترامب إلى واشنطن وهو يزدريها، ويعتقد
أنه "المُخلّص" للأميركيين من شوائبها. لم يأتِ ليربح حربه المفتوحة على "المؤسسة" Establishment The فيها فحسب، وإنما ليُنجز ذلك بسرعةٍ ويسُرٍ أيضًا، بطريقة حكم شخصانية تفترض من الجميع الإذعان للأوامر الرئاسية والولاء لها، وتأنف من الخضوع للمساءلة والمحاسبة وممارسة حق الاعتراض10. جاء ترامب إلى واشنطن، وهو يعتقد أنّ لديه الحق والتفويض اللازمين لأن يقول "كن" فيكون. لكن الأمر لم يكن بهذه السهولة؛ فلواشنطن سياق حكم يختلف عمّ يريدها ترامب أن تتّبع. يقوم أسلوبها على أخذ الوقت للمعاينة والبحث والتشاور والتوافق وعقد الصفقات، في حين أنّ ترامب ليس لديه رغبة في ذلك أو متسع من الوقت، بل يريد أن يفرض عليها ما يريد. ضغط عليها الرئيس، فثارت عليه. وجاءت الثورة، المعبِّة عن التململ والتمنّع والمعارضة، بشنّ "حرب مقابِلة" كان سلاحها سلسلة متواصلة من تسريبات معلومات سرّية ومحرجة للإدارة الجديدة11. أربكت هذه التسريبات عمل الإدارة منذ بداية عهدها الذي كان يستهدف، وفقًا لستيف بانون، كبير إستراتيجيي البيت الأبيض في ذلك الحين، "هدم النظام"12 و"تفكيك الدولة الإدارية"13. ولكن عوضًا عن الشروع في هذا المسعى، استنزف هذا السيل المتواصل من التسريبات الجزء الأهم من جهد هذه الإدارة ووقتها، وهي منشغلة بمحاولة ترميم الأضرار البالغة التي تعرضت لها، وليس أقلّها خسارةَ عدد مُهمّ من المسؤولين الذين بدؤوا يغادرونها تباعًا14. يضاف إلى ذلك ما أدّت إليه هذه التسريبات من فتح تحقيق رسمي متعلق بشبهة تواطؤ بين حملة ترامب الانتخابية وروسيا التي كانت الوكالات الاستخباراتية - الأمنية الأميركية قد اتهمتها بالتدخل في العملية الانتخابية لعام 2016، لمصلحة ترامب. اعتقد الرئيس الأميركي الجديد أنه يواجه عصيانًا خفيًّا يستهدف تقويض شرعيته، ومحاصرته، وتقييد قدرته على تنفيذ أجندته، وصول إلى تحقيق الغاية العظمى؛ وهي إخراجه من منصبه. وجاء ردّه سريعًا ومتوقعًا من خلال زعمه أنّ هناك من يحيك مؤامرة ضده من داخل أوساط جهاز الدولة البيروقراطي الإداري، مع أطراف من الوسط الأمني، بالتحالف مع الديمقراطيين، والليبراليين الموالين للرئيس السابق أوباما، ووسائل الإعلام الليبرالية التي اتهمها بتلفيق "الأخبار المزيفة"15. وبدأ ترامب يُطلق الادعاءات والاتهامات المتواصلة تجاه الإدارات والوكالات والأجهزة الحكومية التي من المفترض أن تخضع له بوصفه رئيسًا منتخبًا، ودخل في خصومة علنيّة معها، وخصوصًا مع وزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفدرالي FBI الذي قام بطرد مديره. وبدأت أزمة ثقة تنمو بين الرئيس من جهة، والجهاز الحكومي الإداري - الأمني المسؤول عن مساعدته وتنفيذ أجندته، من جهة ثانية16. سارع مساعدو الرئيس ومؤيدوه إلى الدفاع عنه وصدّ ما يتعرض له من هجمات "المؤسسة" التي أصبحوا يصمونها بمصطلح الدولة العميقة17. وبدأت أوساط من الجمهوريين واليمين المتطرف تشن حملة شعواء على هذه الدولة العميقة التي اعتبروها خارجة عن الدستور، ومخترِقة للقانون، ومُفسِدة للنظام الديمقراطي، وتستهدف تقويض التمثيل الانتخابي بسعيها لإحلال نفسها - وجُلّ قوامها يتشكّل من غير المنتخبين - محلّ رئيس منتخب تريد اغتصاب صلاحياته الشرعية18. ولكن ما هذه الدولة العميقة التي يصُرّ ترامب ومؤيدوه على وجودها، ويبالغون في تقديراتهم لمدى قوتها التأثيرية التي تجعلها قادرة على التآمر على رئيس منتخب، وتمكّنها من التسلط والتحكم في الحياة السياسية في البلاد19؟ وممن تتكون هذه "الدولة" التي أصبح اليمين الأميركي المتطرف يُحمّلها وزر كل سلبيات واشنطن؟ باختصار، ماذا تعني الدولة العميقة في السياق الأميركي؟ من خلال مراجعة الأدبيات الأميركية الشائعة المُروِّجة لوجود الدولة العميقة، نجد أنها تعني، عمومًا، وجود مجموعة غير مرئية وعميقة التجذّر، غير خاضعة للمساءلة أو المحاسبة، تسيطر على صنع السياسات الداخلية والخارجية للبلاد، وتتخفى تحت السطح المظهري للنظام الديمقراطي
القائم على أسس دستورية وقانونية20. ما يعنيه ذلك، من ناحية فعلية، هو انتقال القوة من عند المنتخبين إلى آخرين غير منتخبين، يصبحون المتحكمين الحقيقيين في القرارات السياسية الأساسية في البلاد، فيسيّ ونها وفق أجندتهم الخاصة، تحقيقًا لرؤيتهم ومصالحهم. وفي الحصيلة، يصبح في الدولة مستويان للحكم: الأول، هو الظاهر والمُنتخب الذي يَظنّ أنه المسؤول عن تحديد سياسات البلاد، ولكنه في حقيقة الأمر ليس أكثر من مستوى صوري ومظهري فقط، وتبقى درجة تمثيله للشعب وتحكُّمه في النظام ضعيفة، إن لم تكن معدومة على نحو كامل21. أما المستوى الثاني، فهو الباطن، وهو غير منتخب، بل إنه المستتر الموجود في ثنايا المستوى الأول الذي يغلّفه، ومن ثَمَّ يوفّر له الحماية من الانكشاف للشعب. هذا المستوى هو الذي أصبح يُشار إليه أميركيًا بالدولة العميقة التي صارت تُعدّ الأهم فعليًا من الدولة الظاهرة22. باختصار، يعتقد المنظّرون لوجود "دولة عميقة" في أميركا أنه توجد دولتان؛ الأولى سياسية يُ ثّلها رأس جبل الجليد الظاهر فوق سطح الماء، والثانية تقودها جهات حكومية إدارية - أمنية، وهي جبل الجليد القابع تحت السطح. الدولة العميقة في أميركا، إذًا، هي "دولةٌ" من داخل الدولة، تتصرف كأنها فوق الدولة. تتشكّل الدولة العميقة، بالنسبة إلى هؤلاء، من حلقتين. الأولى، وهي الأساسية، تُكوّن النواة الصلبة لهذه "الدولة"، وتأتي من داخل بيروقراطية الدولة، وتضم مسؤولين غير منتخبين يشغلون وظائف دائمة، ويحتلّون مواقع مهمّة ومفصلية في منظومة الدولة الإدارية - الأمنية، كوزارات الخارجية والدفاع والأمن الداخلي والعدل والمالية. يضاف إلى هؤلاء مسؤولون من الوكالات والأجهزة التابعة لمنظومة الأمن القومي، وهي سبع عشرة وكالة وجهازًا متخصصًا، يقف على رأسها وكالة الاستخبارات المركزية، ووكالة الأمن القومي، وجهاز الاستخبارات، ومكتب التحقيقات الفدرالية23. تُ كّن المواقع المتنفذة هؤلاء المسؤولين من التحكّم في مجرى عملية تطبيق القانون وتنفيذ التعليمات وتدفُق المعلومات؛ ما يمنحهم قوة هائلة في ضبط عملية صنع السياسات24. ويمارس هؤلاء قوتهم التحكّمية من خلال ما يلي: أولً، استخدام قدرتهم على تعطيل كل ما يعدّونه تدخّلً في غير محلّه، أو مُضّ ا، يقوم به المستوى السياسي المنتخب25 الذي لا يحظى، بالضرورة، باحترامهم؛ إما لقلة خبرته، وإما لمروره العابر على سُدّة الحكم، وإما لكليهما، بينما هم الذين تراكمت لديهم - بالنظر إلى سنوات الخدمة الطويلة - المعرفة والخبرة والاستمرارية26. ولذلك يعتقدون أنهم هم الطرف الذي تقع عليه مسؤولية ضبط إيقاع المنتخَبين كي يتمّ الحفاظ على مصالح الدولة التي تصبح متماهية مع رؤيتهم ومصالحهم. ثانيًا، هم قادرون على التحكّم أيضًا بواسطة توظيف قدرتهم التقديرية من خلال حصر خيارات المستوى السياسي في مجرى مُحدّد؛ وذلك من خلال تقنين توصياتهم المقدمة إلى هذا المستوى بالطريقة التي تلائمهم. أما الحلقة الثانية، فهي إضافية إلى الأولى الأساسية، تُوسّعها وتُقوّيها من خلال تمددها عبر شبكة من الأنفاق التي تخترق القطاعات الحيوية في البلاد، لتُنتج نخبة متوافقة في الفكر والرؤية والتوجه، ومؤتلفة - حتى إنْ لم يعرف أفرادها بعضهم بعضًا - على هدف الحفاظ على الصيغة العامة لهذا التوافق. ويتم ذلك عبر تحويلها إلى شبكة عريضة ومتراصة من أشخاص نافذين يسعون جميعًا للحفاظ على النظام القائم المُعبّ عنها27. تضمّ هذه الحلقة، كما يدّعي مروِّجو الدولة العميقة، سياسيين مخضرمين، حاليًا وسابقين، وشخصيات مؤثرة في سوق المال وقطاع الأعمال، وخصوصًا من تلك الشركات العملاقة المرتبطة بالحكومة بتعاقدات كبيرة ومستمرة، ومجالي الفن والإعلام، ورؤساء جامعات وأساتذة مهميّن، وأعضاء من مراكز البحث والتحليل المرموقة في البلاد28. هؤلاء كلّهم يصبحون جزءًا من هذا "الجسم" الذي يمتلك المزيج السحري من تحالف قوة السلاح والمال والمعلومات والقدرات؛ ما يمنحه قوة تأثيرية هائلة لا يستطيع معها السياسيون المنتخبون تجاوزه، أو حتى تجاهله. لإثبات ادعائها وجود هذه الدولة العميقة، بدأت الأوساط التي تؤيد ترامب في التنقيب في التاريخ السياسي الأميركي عن شواهد يمكن توظيفها للاستدلال على تأصل هذه القوة الخفيّة النافذة في النظام السياسي للبلاد. بعض هذه الأوساط وصل إلى اعتبار أنّ المخاوف التي عبّ عنها جورج واشنطن وجيمس ماديسون، في مطلع عهد الجمهورية، حول مخاطر تحوّل قوة العسكر إلى أداة استبداد
تكبح الحرية، إشارةٌ أولى إلى جذور الدولة العميقة في أميركا29. أما البعض الآخر، فاكتفى بالعودة إلى عهد الرئيس هاري ترومان الذي أجاز قانون الأمن الوطني، عام 1947، لمواجهة المدّ الشيوعي؛ ما نتج منه إنشاء وكالة الاستخبارات المركزية، ووكالة الأمن القومي، ومعظم الأجهزة الاستخباراتية، وأعاد تشكيل وزارة الدفاع لتصبح على هيئتها الحالية. ويعتقد هؤلاء أن هذه البنية الأمنية التي أصبح يُشار إليها ب "الترومانية"، استطاعت بسبب طابع عملها السرّي أن تُعزّز استقلالية عملها عن علنية عمل النظام الديمقراطي، وأن تُراكم لنفسها قوة مستقلة ومتصاعدة مع مرور الوقت، تُ ثِّل ما يمكن تسميته "الدولة الأمنية" المخفيّة تحت ظلال الدولة العلنية المنتخبة من الشعب30. وهذا ما جعل هانز مورغنثاو، مُنظّر الواقعية التقليدية، ينحت في منتصف خمسينيات القرن الماضي، مصطلح "الدولة المزدوجة" لوصف هذه الظاهرة31، وأن يكتب سي رايت ميلز، عالم الاجتماع اليساري الأميركي، في الفترة نفسها عن "نخبة القوة"32. أما آخرون من مؤيدي ترامب، فقد استعانوا بالرئيس دوايت أيزنهاور من جهة أنه حذّر الأميركيين في عام 1961، من مخاطر ازدياد النفوذ السياسي للمُجمّع الصناعي - العسكري على حريتهم والديمقراطية في البلاد33. وقد استمر هذا القلق حتى الآن، وهو ما جعل مايكل جلينون، أستاذ القانون الدولي في جامعة تافتس الأميركية، يُصدر في 2015، خلال ولاية الرئيس أوباما، كتابًا مهمً حول "الحكومة المزدوجة"، يعالج فيه تعاظم قوة "الدولة الأمنية"، مقابل تقلُّص السيطرة عليها من جهة الرئيس والكونغرس والمحاكم34. لم يَخْلُ الأمر، أيضًا، من الاتكاء على نظرية المؤامرة لتأكيد وجود الدولة العميقة في أميركا. فالحقبة المكارثية، واغتيال الرؤساء: جون كينيدي، ومارتن لوثر كينغ، وروبرت كينيدي، والتنصّت غير القانوني على المواطنين ابتداءً من إدارتَ الرئيسين ليندون جونسون وريتشارد نيكسون إبّان الحرب الفيتنامية، وفضيحتَا "ووترغيت"، كُلّها أ و"إيران كونترا"، وهجوم 11 سبتمبر 2001 وجد لها روابط بالدولة العميقة35. وما تسريبات إدوارد سنودن لاحقًا إلا خير دليل على ذلك36.
الدلالة التقليدية للدولة العميقة
يتضح مما سبق أن مفهوم الدولة العميقة يُعرّف أميركيًا بوجود شبكة إدارية - أمنية متجذّرة داخل الجهاز البيروقراطي - التنفيذي للدولة، تكون "محفورة"37 في باطن القشرة السياسية المنتخبة والمغلِّفة لهذه الدولة - لها امتدادات تحالفية خارجها - وتستهدف حرمان هذه "القشرة" من حقها الدستوري في تنفيذ خياراتها السياساتية، فتعمل على عرقلة عملها وتقنين أجندتها بما يتوافق مع رؤية هذه الشبكة ومصالحها. المثير للاهتمام أن هذا التعريف، على الرغم من استناده إلى أساسيات المفهوم التقليدي للدولة العميقة، فإنه يخرج عن نطاق دلالاته المتداولة في الأدبيات التي تعالجه خارج الولايات المتحدة الأميركية، وذلك من ناحيتين: الأولى، أنه يُوسّع استخدام المفهوم ليشمل نظامًا سياسيًا ديمقراطيًا راسخًا، يعمل وفق القواعد الأساسية المنظِمة للديمقراطية التمثيلية، وخصوصًا سمو سيادة القانون وفصل السلطات وتداول السلطة بطريقة دورية وسلمية. والثانية، أنه يضع جزءًا من مركّبات الدولة، أي البيروقراطية التنفيذية، في مواجهة علنية مع جزئها الآخر، وهو المستوى السياسي المنتخب الذي من المفترض أن يُسيّ ها. لم تكن الدلالة التقليدية لمفهوم الدولة العميقة بهذه الشمولية التي تصبح معها نظم سياسية ديمقراطية راسخة عُرضة لأن تضم في ثناياها هذه القوة الخفيّة، بل كانت محصورة داخل النظم السياسية اللاديمقراطية، أو شبه الديمقراطية، التي لا يوجد فيها ركائز العملية الديمقراطية، أو التي لم تترسخ فيها هذه الركائز؛ ونعني بذلك، تحديدًا، غياب مجموعة من التوازنات والضوابط القانونية الفعّالة التي تنظّم فصل السلطات، وتدعم آليات الرقابة والمحاسبة على الأداء، وتفتح المجال أمام المشاركة السياسية الواسعة38. وعلى عكس الطرح الأميركي للمفهوم، تفتقر هذه النظم، كذلك، إلى وجود بيروقراطية عميقة ومقتدرة تستطيع كبح مطامح فئات مصلحية
داخل الدولة39. وبناءً عليه، تُعبّ الدولة العميقة، بالمفهوم التقليدي، عن وجود مجموعة كامنة، سرّية، وعميقة، تتسلط على مقدرات الحكم "من تحت السطح"40، وتسيطر على الواجهة السياسية الظاهرة من الدولة. وما يُ كّن هذه "القوة الكامنة" من ذلك هو ما تمتلكه من قوة إرغام ووسائل عُنفية - قهرية، تستطيع بواسطتها التلويح المستمر بإمكان استخدام القوة الفعّالة، واستخدامها فعليًا عند الحاجة، ضد تلك الواجهة السياسية، إن لم تخضع لرغباتها، وتُنفّذ طلباتها. لهذا السبب، تكون الواجهة السياسية التي من المفترض أن تحكم الدولة، والتي نعني بها السياسيين حتى إن كانوا منتخبين، دائمة القلق؛ ومن ثمّ يأتي الحذر من إمكان الإزاحة والاستبدال. وهذا ما يجعلها هشّة وطيّعة وقابلة للامتثال41.
بما أن المؤسسات الموكل إليها حماية الدولة والدفاع عنها، وإنفاذ القانون فيها، هي التي لديها الحق الحصري في امتلاك وسائل العنف المشُرّع قانونًا، واحتكار استخدامه، في الدولة، فقد ارتبط مفهوم الدولة العميقة تقليديًا بوجود "سيطرة ثقيلة وقوية"42 للجيش والأجهزة الاستخباراتية والبوليسية؛ أي المؤسسة العسكرية - الأمنية على مقدّرات الحكم فيها. لا تعني هذه السيطرة، بالضرورة، الحكم المباشر للجنرالات، كما أنها لا تستثنيه، وإنما تعني هيمنتهم المخفيّة، ولكن الفعليّة والدائمة، على مجرى الحياة السياسية في البلاد43. فهم من يمتلك حق "الفيتو" والقرار النهائي في الشأن السياسي، أما السياسيون فهم الواجهة التي يُفترض أن تبقى منضبطة، أو تدخل مع الجنرالات في مواجهة تكون، غالبًا، خاسرة. باختصار، الجنرالات هم يد الحكم الخفيّة في الدول التي يُعتقد أنها تعاني وجود "دولة عميقة" فيها. يُقدّم دعاة الدولة العميقة التقليديون عدّة أسباب مختلفة تُستخدم لتبرير هيمنة المؤسسة العسكرية - الأمنية على الحياة السياسية في بلد ما، إن لم يكن تفسيرها. هناك من يعتقد منهم أن مثل هذا البلد قام على إرثٍ سلطويٍ في الحكم، أساسه التدخل المباشر لهذه المؤسسة في عملية إقامة الدولة من الأساس، وبنائها، وتوطيد دعائم وجودها بعد ذلك44. ولذلك، حتى إنْ حدث تحوّل في شكل الحكم مع مرور الوقت، واستلم سياسيون منتخبون مقاليد السلطة، وانحسر الدور الظاهر لتلك المؤسسة، فإن دورها يبقى متجذّرًا لمكانتها التاريخية، ومؤثرًا لوضعيتها المركزية. وقد تُصبح هذه المؤسسة في الوجدان الشعبي هي ممثل كيان الدولة وكينونتها، وحامي عقيدتها الوطنية، وعنوان استقرارها؛ ما يمنحها الميزة المبرّرة لبسط هيمنتها. في هذا السياق، غالبًا ما تكون الثقافة المجتمعية السائدة مبنيّة على تهيئة أفراد المجتمع لتقبُّل القيام بدور الرعية المُتلقية، والاستكانة للنزعة المُهيمنة، وتغييب الوعي بأهمية مشاركتهم وضرورتها في تحديد مجرى الحياة السياسية في بلادهم. وهناك آخرون منهم يعتقدون أن البلاد المؤهلة لوجود دولة عميقة فيها تعاني، عادةً، "بارانويا" عامة، وأنها مُستهدفة، وتتعرض لحظر وجودي داهم ودائم؛ إما من المحيط الداخلي أو الخارجي، مثل باكستان الدائمة القلق من الهند، وإيران "المتحسّبة" من أميركا، أو من داخلها، ومثل قلق تركيا أو العراق من الأكراد. في مثل هذه الحالة، تنحسر الثقة العامة بالحكومات المدنية - وقد يكون ذلك بسبب قلّة خبرتها أو استمرارية تغيّ ها - وتتصاعد نحو المؤسسة العسكرية - الأمنية، ربما لديمومتها وخبرتها وقدرتها، فتصبح عنوان الحفاظ على الأمن القومي للبلاد. وبوجود هذه الثقة، واستخدام ذريعة الحفاظ على أمن البلاد وجوهر الدولة، ينفتح المجال أمام هذه المؤسسة لفعل ما تريد، والتدخل فيما تشاء45. وهناك رأي ثالث لا يتعارض مع سابقيه، بل ينبثق منهما، وهو يعتقد أن تسلّط هذه المؤسسة على الحياة السياسية لا يتوقف عند
ادعاء الذود عن المصلحة العامة للدولة والمجتمع، وإنما يدخل في حيّز الحفاظ على مكتسبات أعضائها الخاصة وامتيازاتهم46. فمن المعروف أن الجيش وأجهزة الأمن تتكوّن وفق هرمية بيروقراطية شديدة الانضباط، تتطلب الولاء التام، وتمنح الأعضاء مقابل ذلك منافع وامتيازات، وتحصّنهم من بقية أفراد المجتمع. ومن المتوقع ألّ تنمو الرغبة داخل هذه المؤسسة للحفاظ على هذه المنافع والامتيازات فحسب، بل إنها فضلً عن ذلك تنمو من أجل المراكمة عليها وتوسيعها. والمنفذ لذلك هو السيطرة على الحياة السياسية، ومنع السياسيين من التدخل والمساءلة والمحاسبة لمؤسسة تدّعي أن أساس نجاح عملها يعتمد على السرّية، وضرورة البعد عن الشفافية47. من هذا المدخل، تُحصّن المؤسسة مكتسباتها، وتحمي نفسها من الانكشاف. فعوضًا عن أن تخضع للإرادة الشعبية المتمثلة بالسياسيين المنتخبين، تعمل على ضمان إخضاعهم لها. وما تهويل المخاطر التي تتعرض لها البلاد، والتخويف من آثارها المحتملة، والتشكيك في قدرة السياسيين المنتخبين وفاعليتهم، إلا وسائل فعّالة للحفاظ على استمرارية الدور وخصوصية المكانة. ويوجد رأي رابع يقول إنّ استمرار هيمنة المؤسسة العسكرية - الأمنية على الحيّز السياسي في العديد من البلدان يعود إلى ما تتلقاه من دعم أطرافٍ خارجية، وتحديدًا من دولٍ لها مصالح فيها. فهذه المؤسسة هي الأكثر ثباتًا واستقرارًا داخل هذه البلدان؛ ما يجعل الأطراف الخارجية تُفضّ ل الاعتماد عليها في تأمين مصالحها أكثر من الاعتماد على السياسيين العابرين. أما مقابل خدمات المؤسسة العسكرية - الأمنية فهو، عادةً، غضّ طَرْف هذه الأطراف عن تغوّل دور هذه المؤسسة التحكّمي في بلدانها، والتغاضي عمّ تقوم به من انتهاكات لتأمين استمرار ذلك48. على الرغم من أن المؤسسة العسكرية - الأمنية قادرة، إن أرادت، على السيطرة من الباطن على الحياة السياسية في بلد ما - ولذلك تُعد تقليديًا أساس الدولة العميقة ومرتكزها - فإن تعزيز دورها ومصالحها لا يجعلها تعمل منفردة، بل تتمدد، كما يقول منظّروها الأميركيون أيضًا، لتخلق شبكة تحتية من حلفاء وتوابع داخل مُركّبات الدولة وقطاعات المجتمع. تضمّ هذه الشبكة العنقودية خليطًا من مسؤولين حاليين وسابقين من الجهاز البيروقراطي - الإداري للسلطة التنفيذية، وأعضاء في السلطتين التشريعية والقضائية، نوابًا وقُضاة، إضافة إلى أشخاص نافذين في القطاع العام، وشخصيات وازنة في حقول مجتمعية مختلفة، كالثقافة والأكاديميا والإعلام والفنون، وحتى في المجال الرياضي49. هذه الشبكة، بأطرافها وأعضائها ورؤيتها ومصالحها، هي ما أصبح يُطلق عليه مصطلح الدولة العميقة، ويمكن إجمال تعريفها في أنها "مركّب من المصالح والتصورات والإدراكات التي تتحرك على بنية عميقة من أجهزة الدولة وخاصة الأمنية منها، وشبكة من النخب الثقافية والإعلامية، وطبقة من رجال الأعمال، وتحالف اجتماعي عميق مع طبقات اجتماعية أو شرائح منها وخاصة بيروقراطية الدولة وأجهزة الحكم المحلي، ويمتدّ هذا المركّب إلى قطاع المجتمع المدني، وهذا المركّب له امتداداته الإقليمية والدولية"50.
تعمل هذه الشبكة بطريقة سرّية، وبِرويّة تامة، على فرض رؤيتها وتوجهاتها مسارًا للدولة، على نحو يحقق أهدافها ومصالحها الذاتية. لذلك يعتبر دارسو الدولة العميقة أنها تشكّل قوة محافظةً هدفها استمرار بقاء الوضع القائم على حاله؛ لأنها هي التي حدّدت مساره، ولكونه يخدم أغراضها. وفي الحصيلة، فإنها ليست أداة تغيير على الإطلاق، بل هي القوة المضادة للتغيير، والكابحة للمطالبين به ممن تعدّهم من "المنشقين"51. وهي لا تتورع عن توظيف جميع الوسائل المتاحة لها لتحقيق ذلك، حتى إن كانت هذه الوسائل غير شرعية وخارج نطاق القانون. فهي - بما تملكه من إمكانات متعددة - تمارس تجاههم التنصّت والتجسس، والملاحقة والتعقّب، والقمع والتحريض، والتخويف والترهيب، والعنف الذي قد يصل إلى التصفية الجسدية. ولكي تحقق الهدف بنجاعة، يمكنها أن تعتمد، من خلال توظيف مبدأ تبادل المنفعة، على ميليشيات مسلّحة وعصابات الجريمة المنظمة التي تقايض حماية الدولة العميقة لها بتزويدها بالمال، والقيام
بما تطلبه منها من عمليات خارج القانون؛ مثل تنفيذ اغتيالات وزرع متفجرات52. باختصار، يمكن الاستنتاج أن الدولة العميقة لا تأنف، في سبيل تحقيق غاياتها ومصالحها، من أن تقوم بأفعال غير أخلاقية وغير قانونية، تولجها في عالم الإجرام. انطلق مصطلح الدولة العميقة في البداية من تركيا ليصف، على نحو مُحدّد، حالة الحكم فيها، ولكنه استُعير سريعًا، بعد ذلك، لتوصيف حالات حكم خاصة ومحددة أخرى، كانت حالتَا مصر وباكستان أهمَّها وأكثرها شيوعًا في الأدبيات53. وانتشر توظيف المصطلح لاحقًا لتوصيف حالات جديدة استمرّت تتزايد حتى بات المصطلح في الوقت الراهن مُعمّمً، وقد يصحّ أن يقال "مُعولمًا." وانعكس ذلك على مجال دراسة النظم السياسية المقارنة، إذ انتقل المصطلح من خصوصية "دراسة الحالة" إلى شمولية "تعميم الظاهرة"، مع ما يُفترض أن يمنحه هذا التوسع من إمكانات جديدة لسبر غور كوامن مجال النظم السياسية المقارنة، ولكن مع ما ينتجه ذلك أيضًا من إشكالات منهجية في هذا المجال.
منذ أنْ أنشأ أتاتورك، وكان ضابطًا في الجيش التركي، دولة تركيا الحديثة عام 1923 على أساس قومي - علماني، لتخلُف الدولة العثمانية التي كانت مقرّ الخلافة الإسلامية، اتخذ الجيش على عاتقه مهمة حماية هذه الدولة وضمان عقيدتها الجديدة، ومواجهة أي تهديدات خارجية أو انحرافات داخلية يمكن أن تتعرض لها54. ومع أن حكومات مدنية تعاقبت على حكم تركيا منذ ذلك الحين بناءً على إجراء انتخابات عامة، فإنّ الجيش، بوصايته على الدولة، قام بأربعة انقلابات عسكرية لصدّ ما عدّه انحرافات تقوّض طبيعتها، واستلم مقاليد الحكم المباشر فترات معيّنة. ولكن إضافة إلى التدخل المباشر بالاستيلاء على الحكم، فإن السّ الشائع في تركيا يفيد أنّ قيادات من الجيش قامت باختراق بنية الدولة المدنية من تحت، بواسطة بناء شبكة سرّية تضمّ حلفاء وموالين، وتمتد من ثنايا القطاع الوظيفي العام لتصل إلى داخل قطاعات مهمة في المجتمع التركي. وكان هدف هذه الشبكة القيام بكل ما يلزم، وباستخدام جميع الوسائل حتى إن كانت عنيفة وغير قانونية، لحماية الدولة وطبيعتها الأتاتوركية. ومع مرور الوقت، نمَا لهذه الشبكة أيضًا منظومة مصالح خاصة بدأت تسعى للحفاظ عليها55. كان هناك، دائمًا، شكوك عند كثير من الأتراك مفادها أنّ ما كان يحدث في البلاد من أعمال التأجيج والاضطراب، وحوادث العنف، وعمليات الاغتيال التي كان يتعرض لها المنشقون، من إسلاميين وشيوعيين ين مسيحيين، وملاحقات الإعلاميين والنقابيين وقوميين أكراد ومبشّ، من صنع هذه الشبكة التي أصبحت تُعرف بالدولة العميقة56. جاءت أوّل إشارة إلى الدولة العميقة من بولنت أجاويد، رئيس الحكومة اليساري في السبعينيات من القرن الماضي، ثم طفَا المصطلح على السطح على نحو واسع خلال التسعينيات. فقد كشف حادث سير وقع عام 1996 عن علاقة مريبة متمثلة بوجود سياسي برلماني، ومسؤول شرطة سابق، وقاتل محترف من عالم الجريمة المُنظمة في سيارة واحدة، وعزّز الاعتقاد التركي العام بشأن وجود "دولة عميقة" تتحكم في البلاد، ذات صلة بعالم الإجرام57. تلا ذلك اكتشاف منظمة سرّية تسمى "آرغنكون" كانت تسعى لقلب الحكومة المدنية ذات التوجهات الإسلامية، وتمّ ربطها بعملياتِ تفجيرٍ واغتيالٍ سابقة58. وهذا ما جعل رجب طيب أردوغان، وكان رئيسًا للوزراء حينها، يشن حملة على هذه المنظمة - بصفتها الممثلة للدولة العميقة - شملت العديد من الجنرالات وآخرين من المتحالفين معهم. وكان من أهم نتائج هذه الحملة انطلاق البداية الفعلية لانحسار سطوة الجيش وهيمنته على الحكومة المدنية59.
ولكن المثير للانتباه أن أردوغان، وكان قد أصبح حينئذ رئيسًا للجمهورية، قام بعد محاولة انقلاب فاشلة جرت ضده عام 2016، باتهام حليفه السابق والداعية الإسلامي، فتح الله غولن، بأنه يقف وراء تنظيم سري يُ ثّل الدولة العميقة الجديدة التي تريد قلب نظام الحكم في البلاد. وعلى إثر ذلك قامت الحكومة بأكبر عملية تطهير شهدتها البلاد؛ إذ تعاملت مع كل من اشتُبه في أنه على علاقة ب "تنظيم غولن" بالاعتقال أو المحاكمة أو الطرد، وطال ذلك عشرات آلاف الأشخاص من مختلف القطاعات، الحكومية وغير الحكومية، وتم إغلاق العديد من الصحف والمجلات والمحطات التلفزيونية والإذاعية60. وقد تكون تركيا أصبحت الآن خالية من الدولة العميقة بعد هذه الحملات، إلا إذا أخذنا بالرأي القائل إن دولة أردوغان أصبحت هي التي تُ ثّل الآن الطبعة الأحدث من الدولة العميقة في تركيا الجديدة61. إن تطوُّر ما يسمى الدولة العميقة في مصر يختلف عن الحالة التركية؛ من جهة أنها ليست سرّية، وأنها مرتبطة بالسيطرة المعروفة للجيش على مجرى الحياة السياسية المصرية62. تعود جذور هذه الدولة العميقة إلى استلام الجيش السلطة بعد إطاحة الملكية عام 195263، وعدم تخليه عنها حتى الآن، باستثناء فترة حكم محمد مرسي الوجيزة والمضطربة التي انتهت سريعًا بتدخل الجيش لإزاحته، والعودة إلى تنصيب أحد قادته رئيسًا للجمهورية، كما كانت الحال منذ إعلان قيام الجمهورية64. استطاع الجيش، من خلال سيطرته على مؤسسة الرئاسة وجهاز الاستخبارات العامة، وتغلغله في جميع المرافق المدنية الحيوية في القطاعين العام والخاص65، وإدارته لاقتصاد رسمي خاص تابع له، يحوز نسبة تراوح ما بين 25 و 40 في المئة من الاقتصاد المصري العام66، أن يُ ركز نفسه في قلب الدولة، وأن يُنمّي امتيازاته، ويربط كثيرين من داخل الدولة وخارجها بمصالحه. وبهذه الوسائل تمكّن الجيش من توطيد دعائم "جمهورية الضباط"67 في جوانب جميع الحياة المصرية إلى "درجة أصبح معها وجودها أمرًا اعتياديًا وطبيعيًا، ليس في نظر الآخرين وحسب، بل أيضًا، في نظر أفرادها"68. باختصار، الدولة العميقة في مصر هي الدولة الظاهرة فيها.
الوضع في باكستان مختلف أيضًا، وهو يقع بين حالتَي تركيا ومصر. فمنذ نشأة الدولة، كانت العلاقة المضطربة بالهند محورًا لقلق الباكستانيين ومصدرًا لتخويفهم، استخدمه الجيش لتعزيز مكانته، وتكديس مكاسبه، وزيادة سيطرته على سياق الحياة العامة في البلاد. على عكس تركيا، لم تنجح النخبة المدنية الباكستانية في تشكيل حالة متينة ومتماسكة، بل بقيت ضعيفة ومجزأة، ولم تستطع أحزابها السياسية المبنيّة على أسس التبعية الشخصانية والزبائنية أن تكبح نهم العسكر في التدخل في الحياة السياسية69. وعلى عكس مصر، لم يقم العسكر في باكستان باحتكار السلطة لأنفسهم. فمع أن الجيش حكم حكمً مباشرًا في فترات منفصلة، في عهود الجنرالات محمد أيوب خان، ومحمد ضياء الحق، وبرويز مشُرف، فإنّ البلاد شهدت عهودًا من الحكم المدني أيضًا. وبناءً عليه، فإن الدولة العميقة في السياق الباكستاني تعني وجود "عيْ ساهرة" على الدولة، هي الجيش وذراعه القوية المتمثلة في جهاز الاستخبارات العامة، وتحالفاته المخترقة للمجتمع. هذه "العيْ " هي التي ترسم حدود سياسات الدولة، خصوصًا في مجال السياسة الخارجية، وتراقب تنفيذها من الحكومات المدنية، وتتدخل مباشرة عندما تجد ضرورة لذلك. ما عدا ذلك، هي في الظلّ، تتنعّم بامتيازاتها، وبالحصانة التي منحتها لنفسها من مساءلة الآخرين ومحاسبتهم إياها70.
لم يتوقف ادعاء وجود الدولة العميقة عند حدود تركيا ومصر وباكستان، بل بدأ يخرج عن تقليدية تعريفه ويتوسّع في اتجاهات شتى. فإيطاليا، أصبح فيها دولة عميقة تتألف من شبكة سرّية يتحالف فيها سياسيون وأعضاء من القطاع الصناعي مع زعماء من المافيا71. وإيران فيها دولة عميقة عمادها الميليشيات العسكرية التابعة مباشرة للمرشد العام72. وجميع الجمهوريات في العالم العربي فيها دولة عميقة، ولكن ليس في الملكيات سوى الأردن، من دون تقديم تفسير مقنع لهذا التعميم من ناحية73، والتفريق من ناحية أخرى. وتوسَم بريطانيا بأنها الدولة العميقة للعالم أجمع، ومنبع كل الشرور التي يعانيها74. وبالطبع، أصبحت أميركا المرتع الأهم حاليًا لازدهار الدولة العميقة. وبلغ الانبهار بهذا المفهوم درجة اعتبار أن الدولة العميقة موجودة في كل دولة من دول العالم، حتى في السويد75.
صلاحية مفهوم الدولة العميقة
من ناحية منهجية، أضرّ توسيع نطاق مفهوم الدولة العميقة وتعميم استخدام المصطلح على حالات مختلفة بقدرته التفسيرية؛ وبناءً عليه، قلّص من جدوى قيمته العملية وفائدته العلمية لدارسي العلوم السياسية، وخاصة في مجال دراسة النظم المقارنة. فهدف العلم هو التوصل إلى تعميمات موثوقة من خلال إحكام القدرة على التنبؤ والتوقع بالظواهر المدروسة وتنميط استمرارية حدوثها. وهذا لا يتحقق من خلال استمرار وصف هذه الظواهر، مع أنه ضروري فحسب، بل من خلال شحذ القدرة التحليلية التي تقود إلى تقديم تفسير لها أيضًا؛ وذلك من خلال إحكام العلاقة بين عواملها المسبِّبة والمسبَّبة. ولا يمكن لهذا الأمر أن يتحقق إلا بضبط الأدوات المستخدمة في التحليل، وهي المصطلحات التي يجب أن تكون دقيقة المعنى ومُحكمة التعريف، كي يُضمن ثباتها عند الاستخدام، إن كان في حالة تكرار دراسة الظاهرة الواحدة، أو في حالة المقارنة بين ظواهر متعددة. مما تقدّم، يتضح أنه لا يوجد تعريف ثابت ذو دلالة واحدة موحّدة لمصطلح الدولة العميقة. فعدا ما هو متداول بخصوص أن المصطلح يعني وجود قوة خفيّة تهيمن على مجرى الحياة السياسية في الدولة، فإنّ استخداماته متعددة، وقد تصل إلى حدّ التضارب فيما بينها؛ وذلك لأن هذه القوة تختلف في تركيبتها من دولة إلى أخرى. فأحيانًا هي المؤسسة العسكرية - الأمنية، وأحيانًا هي الجهاز البيروقراطي، وأحيانًا أخرى هي ميليشيات مسلحة، أو عناصر إجرامية، أو جميعها معًا. وقد تكون هذه القوة سرًّا كامنًا، أو سرًّا شائعًا، أو تكون منكشفة. وهي تعمل إما من خارج إطار النظام السياسي الظاهر لضبطه وضمان انصياعه، وإما من جهة كونها جزءًا منه تستهدف إعاقته، أو تتوظّف من طرفه لخدمة أغراضه. لا يمكن، إذًا، استخدام مفهوم الدولة العميقة للتعريف بظاهرة ذات خصائص مُوحّدة؛ لأنه هو نفسه ليس له تعريف مُحدّد ذو دلالة واحدة وواضحة يمكنها أن تقيس الشيء ذاته، تكرارًا أو مقارنةً. لذلك، فإن أقصى ما يمكن أن يُقدّمه هو توصيفٌ لحالة خاصة ومحدّدة في دولة معيّنة. و"دراسة الحالة" لا تستطيع أن تقود إلى التعميم اللازم للتوقُع والتنبؤ في المستقبل. لذلك من الصعب توقُع مكان حصول هذه الدولة العميقة وزمان حصولها أيضًا، إلا إذا تم اعتبار أنها دائمًا موجودة في حالة كامنة في كل الدول والأحوال، وتتفعّل بعشوائية لأسباب ليست معروفة، بل لا تزال تكهّنية حتى الآن. فإن كان أساس الدولة العميقة وجود النظام السلطوي، فلماذا يتمّ التداول بشأنها في السياق الأميركي؟ وإن كان منبعها وجود إرث للعسكر في إنشاء الدولة، ما يعني أنّ بقاءها لاحقًا مرتهنة للجيش وأجهزة الأمن، فلماذا توجد الدولة العميقة في بعض هذه الدول التي تنطبق عليها هذه الصفة، ولا توجد في البعض الآخر؟ ولماذا تستطيع دولة توصف بوجود دولة عميقة فيها أن تحدّ من قوة هذه "الدولة"، أو تتخلص منها، بينما لا تستطيع دولة أخرى تشبهها أن تحقق الهدف نفسه؟ كل هذه الأسئلة تبقى قيدَ الإجابة غير المتوافرة حاليًا؛ وذلك لأن مفهوم الدولة العميقة فضفاض ومُتسع وغامض، ولا يملك القدرة التفسيرية الكافية واللازمة لتقديم الإجابات الشافية. إذا كانت الحال كذلك، فلماذا ينمو الاهتمام حاليًا بهذا المفهوم وتزداد الإشارة إليه في الأوساط الصحفية والأكاديمية؟ هناك أسباب عديدة ومتشابكة يمكن أن تفسّ ذلك. أولً، إن هذا المفهوم يستند في جزء أساسي منه إلى وقائع صحيحة. فالجيش وقوى الأمن يؤدّيان دورًا مهمً، ويتدخلان في تحديد السياسات في العديد من الدول. كما أن الأجهزة الإدارية - التنفيذية تتميّز، أيضًا، بقوة كبيرة في السياق نفسه. ولكن الإشكالية في طرح مفهوم الدولة العميقة تكمن في محاولة تورية ما هو ظاهر وواضح، وتضخيم هذه التورية وتعميمها،
من دون حرص منهجي، بخصوص كثير من الدول. صحيح أنه في حالات محددة، كما في تركيا ومصر وباكستان، يتوغل الجيش والقوى الأمنية بطرق وأشكال مختلفة في ثنايا الدولة المدنية، ويسيطر عليها، ولكن استخدام تلك الحالات المحددة لاستنباط تعميم وإسقاطه على دول أخرى هو الذي يتسبّب بلزوجة المفهوم، ويفقده قدرته التفسيرية. والدليل على ذلك أنه لا يمكن عدّ الأنظمة السياسية في الولايات المتحدة وتركيا ومصر وباكستان أنظمةً متشابهة، ومع ذلك يُشار إلى وجود دولة عميقة فيها جميعًا76. معنى ذلك أن هذا المفهوم لا بدّ أن يعني شيئًا مختلفًا في كل دولة من هذه الدول. ثانيًا، يُقدّم مفهوم الدولة العميقة توصيفًا مُبسّطًا وتبريرًا مريحًا لظاهرة سياسية معقّدة لا يوجد لها تفسير علمي دقيق. وفي الحصيلة، يتمّ الاستناد إليه لإنارة الجوانب المظلمة في العملية السياسية، فيعمل كأنه "المَخرَج" لتفسير كل ما ليس له تفسير، أو لا يُراد أن يكون له تفسير77. فالقوة الخفيّة، أي الدولة العميقة، على سبيل المثال، هي التي تُحمّل مسؤولية عمليات اغتيال بقيَت غامضة ومريبة، مثل اغتيال جون كينيدي في أميركا، وألدو مورو في إيطاليا، وبنازير بوتو في باكستان، وتخلُّص فلاديمير بوتين من معارضيه، واختفاء المعارضين السياسيين على غرار حالة تشيلي أثناء حكم الجنرال أوغستو بينوشيه. وثالثًا (وهو تفسير يمتدّ إلى السبب السابق)، يمنح مفهوم الدولة العميقة المؤمنين بنظرية المؤامرة المدخل الرحب لإثبات دعواهم78. وبالطبع، فإن "التفسير" الذي تقدمه نظرية المؤامرة لا يستند إلى حقائق موضوعية، وإنما إلى أحكام قيمية؛ ومن ثمّ يمكن بواسطة استخدام هذا المفهوم توزيع "الاتهامات"، من دون الحاجة إلى إبراز الإثباتات. ومن نافلة القول، تأكيد أنّ ذلك يصبح حجر عثرة، ويُ ثِّل عائقًا، وربما حائلً، من دون الدفع في اتجاه تطوير المناهج البحثية القائمة على أسس علمية في مجال دراسة النظم السياسية المقارنة. ولكونه بهذه اللزوجة الفضفاضية، يمكن لرؤساء الدول، على سبيل المثال، استغلال مفهوم الدولة العميقة وتوظيفه من أكثر من مدخل لتحقيق أغراض نفعية. فمن ناحية، يمكن من خلال ادعاء وجود القوة الخفيّة المتحكّمة في مفاصل العملية السياسية والمُحرّكة لمُقدّرات الدولة، ضخّ الاعتقاد عند الرأي العام أنه ليس ثمة جدوى بشأن المشاركة السياسية، وأنه يجب التسليم بالأمر الواقع والقبول به. وغالبًا ما ينجم عن ذلك تصاعد في عزوف المواطنين عن الاهتمام بالشأن السياسي، ما يؤدي إلى تضاؤل فاعليتهم السياسية، وإضعاف أدوات الفعل السياسي (مثل الأحزاب)؛ فتضمر المعارضة للنظام، ويتكرّس الحكم. ولكنْ من الممكن أن يؤدي إفراغ الحياة السياسية من أدواتها العلنية إلى نتائج عكسية مع مرور الوقت؛ إذ قد يقود إلى الراديكالية السياسية من خلال نمو حركات معارضة سرّية وعنيفة79. ومن ناحية ثانية، يمكن أن يستغلّ مَن في الحكم ادعاء وجود دولة عميقة كي يقوم بتوسيع سلطاته ومنْح نفسه صلاحيات استثنائية؛ وذلك مثل وضْ ع البلاد تحت حالة طوارئ مزمنة بدعوى ضرورة مواجهة هذا الخطر واجتثاثه. من هذا المدخل، يستطيع الحاكم الانقضاض على الديمقراطية وتعزيز سلطوية الحكم، وقمع الحريات وملاحقة المعارضة، وتبرير ضرورة أن يكون، أو أن يصبح، دكتاتورًا80. ومن ناحية ثالثة، يمكن للحاكم استخدام ادعاء وجود الدولة العميقة لتبرير أي تقصير أو إخفاق أو عجز من طرفه. فمن السهل عليه إلقاء اللوم على قوة خفيّة واعتبارها المانع والمُعطّل لتوجهاته التغييرية وأجندته الإصلاحية81. وأخ ا، هناك من يعتقد أن حُكّامًا قد يستخدمون هذا الادعاء بوصفه وسيلةَ إلهاء للشعب عن كونهم هم الدولة العميقة التي تريد أن تُحدث تغييرًا جوهريًا في طبيعة النظام السياسي في البلاد ليتلاءم ومصالحهم الذاتية82. وفي الحصيلة، يمكن أن تكون الدولة العميقة مفيدة للدولة الظاهرة، بل مِن اختراعها.
تفكيك مفهوم الدولة العميقة
لن يُسعف مفهوم الدولة العميقة - كما هو متداول حاليًا - مجال دراسة النظم السياسية المقارنة. فهو لا يُقدّم تعريفًا واضحًا، ولا يعطي منهجية ثابتة، ولا ينبثق منه إطار نظري متماسك؛ ما يعني عدم تمكين الباحث من الاعتماد عليه لإجراء مقارنات وفق أسس موضوعية، أو للتوصل إلى تعميمات موثوقة. السبب في ذلك هو اتساع هذا المفهوم وفضفاضيته؛ إذ أصبح يُحمَّل، من دون عناء تقديم الإسناد الموثّق، مسؤولية سوء استخدام السلطة، ومساوئها، في أي دولة في العالم. فالسبب دائمًا جاهز للإسقاط على أي حالة،
وكل حالة83. المطلوب هو البحث، فقط، عمّ يمكن حشْ ه داخل نطاق ما يسمى الدولة العميقة، ومن المفترض أن طَنين هذا المصطلح قادر على أن يتكفّل بالباقي، وهو الارتياح بالاكتفاء بالتبرير عوضًا عن الانهماك في البحث عن التفسير. ولكي يتمّ تجاوز هذه المعادلة السهلة، وإيجاد نَفْعٍ لهذا المفهوم، يجدر تفكيك مكوناته وتحديد مدى انطباقه، لكي يتمّ ضبط معناه، فيتم حصر استخدامه في الحالات الواجبة فقط. لتحقيق هذا الغرض، يمكن اقتراح القيام باستثناءَيْن مهميّ لحصر شيوع الاستخدام الحالي لمصطلح الدولة العميقة. أول استثناء على انطباق هذا المفهوم متعلق بالدول ذات الأنظمة السياسية الديمقراطية الراسخة. فالتكوين القانوني - السياسي لهذه الدول يحول دون نشوء دولة عميقة فيها، على الرغم من الادعاءات التي يطلقها البعض، والتي تأتي غالبًا لأسباب النفعية السياسية. ويمكن إيراد ثلاثة عوامل رئيسة لإسناد صحة هذا الاستثناء. الأول، أنّ النظام الديمقراطي يتأسس، ويتمأسس أيضًا، حول ضرورة احترام مبادئ أساسية وضمانها؛ وأهمها، سيادة القانون، وفصل السلطات، ووجود آليات فعّالة للرقابة والمساءلة والمحاسبة، وتأكيد الحقوق والحريات الفردية. في الدول التي تعمل وفق هذا النظام، يوجد فضاء سياسي مفتوح ومكفول لكل من يرغب في المشاركة، ليس من خلال آليات الفعل السياسي المتوافرة، كالأحزاب الموجودة فحسب، بل بواسطة الفرصة المتاحة لإيجاد آليات جديدة. وإضافة إلى ذلك، توجد آليات من داخل بنية النظام السياسي مهمتها أن يراقب بعضها الآخر، ويُسائله ويحاسبه؛ ضمن توزيع للصلاحيات محدّد وواضح ومتوازن، يجعل لكل سلطة من السلطات الثلاث نطاق مسؤولية لا تستطيع تجاوزه. أما من خارج البنية الداخلية للنظام، فإن الإعلام الحرّ يمارس من خلال وسائله المتعددة والمتنوّعة عملية المتابعة الحثيثة لمجريات العملية السياسية. ومن ثمَّ، فإن الدول الديمقراطية مكشوفة؛ لكونها تعمل تحت طائلة القانون، وعلى أساس تأمين الحماية والقدرة للاختلاف والتنوع المعبِّ عن مصالح متعددة، ومتضاربة84. في هذا السياق، لا تستطيع قوّة خفية تُدعى الدولة العميقة أن تجد لها جذورًا تمكّنها من الحياة. وحتى في حال اختراق جماعة ما القانون على نحو سرّي بهدف السيطرة على مجرى الحياة السياسية في دولة من هذه الدول، فإن أمرها لا بد في نهاية المطاف أن ينكشف. وأحد الأدلة عل ذلك ما جرى للرئيس الأميركي نيكسون في فضيحة "ووترغيت"، ولرونالد ريغان في "إيران كونترا"، وما يجري لترامب حاليًا من تحقيق يتعلّق بما أصبح يُسمى "روسيا غيت." أما العامل الثاني، فهو أن الفلسفة التي تقوم على أساسها النظم الديمقراطية تسمح، هي وتركيبتها، بوجود مجموعات الضغط التي تُعبّ عن مصالح مجموعات مختلفة، بطريقة شرعية وقانونية وعلنية85. فليس ممنوعًا، أو مستهجنًا، أن تُنظّم مجموعة نفسها، وتحشد مواردها، كي تسعى لتحقيق أجندتها السياسية؛ من خلال ممارسة كل ما هو متاح قانونيًا من وسائل تأثير في الطبقة السياسية، ابتداءً من تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين، مرورًا بالتأثير المستمر في المنتخَبين من خلال آلية الاتصال المباشر، أو عبر حملات ضاغطة بواسطة الاجتماعات والعرائض الموقّعة، وصولً إلى التهديد بسحب التأييد وعدم إعادة دعم انتخاب الممثِّلين. وعدا ممارسة الضغط، فإن كل مجموعة من هذه المجموعات تقوم، حفاظًا منها على مصالحها، بمراقبة الأداء الحكومي عمومًا، ومتابعة كيفية تنفيذ الجهاز البيروقراطي الحكومي للسياسات. وأحيانًا، يمكن أن تقوم هذه المجموعات بمحاولة اختراق هذا الجهاز، وعقد تحالفات مع أشخاص نافذين داخل مؤسساته وأجهزته وهيئاته المختلفة، وبناء عليه قد تصبح سببًا في إيجاد ما يسمّى الدولة العميقة، وتُ ثّل جزءًا منها. ولكن ذلك إنْ حصل ذلك، فإنه سريعًا ما ينكشف؛ بسبب وجود المستويات المتعددة من الرقابة الداخلية والخارجية. وبالعكس، يمكن ادعاء أن وجود هذه المجموعات التي تعمل في علنيّة وحريّة من خارج البنية الحكومية يُقلّص الحاجة إلى نمو "دولة عميقة" داخل هذه البنية. وفي هذا السياق، لا يوجد مبرّر لاعتبار أنّ المُجمّع الصناعي - العسكري الذي حذّر منه الرئيس أيزنهاور، وبقي نفوذه يتنامى بعد ذلك، جزءًا من دولة عميقة، بل هو يعتبر - مثل الاتحاد القومي للأسلحة NRA - من أقوى مجموعات الضغط وأعظمها نفوذًا داخل الساحة الأميركية86. يُفضي بنا ذلك إلى العامل الثالث، الأهم بالنسبة إلى مُدّعي وجود القوة الخفيّة في الدول الديمقراطية، وهو الجهاز البيروقراطي الحكومي، بفرعيه الإداري والأمني، المتهم الأساسي بكونه عُشّ تفريخ الدولة العميقة فيها. فهؤلاء ينظرون إلى قدرة هذا الجهاز المُكوَّن من موظفين غير منتخبين على الوقوف في وجه السلطة السياسية المنتخبة، واستطاعته تعطيل أجندتها السياسية، بوصفه يُ ثّل دولة عميقة موازية لها، وكابحة للحكم الديمقراطي87. ولكن هذا الادعاء ينطوي على
مغالطة كبرى. فبيروقراطية الدولة هي جهاز علني وليس سرّيًا88. والهدف الأساسي من وجوده هو ضمان سلاسة الحكم وانسيابيته وتنفيذ السياسات الحكومية، على الرغم من التغيّ المستمر للسلطة السياسية. هو، إذًا، ركيزة استمرار النظام الديمقراطي واستقراره. ولذلك مُنح، ولم يَغتصب، منذ تكوينه على أسس بيروقراطية مهنية، وليس على أسس سياسية نفعية، قدرًا عاليًا من الاستقلالية والحصانة لضخ القدرة فيه على مواجهة رغبات السياسيين ونزواتهم، وخصوصًا عندما تكون جامحة. هذا لا يعني على الإطلاق أن هذه البيروقراطية مستقلة عن السياسيين، ولا تأتمر بأوامرهم. بل هي تابعة، ولكن ليس لهم على نحو شخصي، وإنما للدولة التي يقسمون على الولاء لها عند إشغالهم لوظائفها، وخصوصًا في المراتب العليا منها89. ولا يمكن في هذا السياق قبول ادعاء أن هذا الجهاز البيروقراطي مُسيّس ويتصرّف مثل كتلةٍ واحدة، على الأقل؛ لأن مجموع موظفيه، وهم كثُر، لا يمكن أن يكون من لون سياسي واحد، وعلى رأي سياسي موحّد، فليس على هذا الأساس يتم انتقاء الموظفين وتوظيفهم90. وفي الحصيلة، لا توجد مؤامرة تُحاك ضد السلطة السياسية عندما يقوم هذا الجهاز بأداء الدور المناط به أصلً، وهو حماية الأداء الحكومي من التدخلات السياسية. فالسياسة لها مستواها ووظيفتها المحدّدة في اتخاذ القرارات، والجهاز البيروقراطي يختصّ بوظيفته المحدّدة بتنفيذ هذه القرارات؛ بحيادية، ووفق أفضل الاعتبارات المهنية المرعيّة91. هذا لا يعني، بالطبع، عدم وجود آراء ورغبات وتطلعات سياسية فردية داخل هذا الجهاز التنفيذي، أو أنّ العلاقة بين المستويين، السياسي والتنفيذي، مثالية وسلسة دائمًا، بل يشوبها التوتر في معظم الأحيان، ولكنه يكون مُسيطرًا عليه في أغلب الأحيان، وينفجر في أحيان؛ كما هي حال علاقة الرئيس ترامب ببيروقراطية واشنطن حاليًا. لذلك فإن ما شهدته بداية عهده من موجة تسريبات يُعبّ عن هذا الانفجار، ولكنه لا يدل على وجود دولة عميقة تنشط داخل أروقة المؤسسات92؛ إذًا، لا يوجد أدنى دليل على أنها جاءت نتيجة قرارٍ موحّد وجهدٍ منظّم، بل إنها جاءت غالبًا من جانب أفرادٍ لا تربطهم ببعضهم صلة، سوى القلق العام من توجهاته واستهدافه المستمر لمؤسساتهم93. أما الاستثناء الثاني فيُخرج الدول غير الديمقراطية، أو التي لا تزال تشهد تحولً ديمقراطيًا، ويوجد فيها هيمنة للجيش على مجرى الحياة السياسية، من انطباق مفهوم الدولة العميقة عليها. فظاهرة تدخّل الجيش في السياسة، وخصوصًا في الفترة ما بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن الماضي، في دول ما كان يُسمى "العالم الثالث" الحديثة الاستقلال، ظاهرة معروفة ومدروسة باستفاضة94. فالجيش كان دائمًا يُ ثّل، خصوصًا في فترة الاستقلال الأولى في تلك الدول، المؤسسة الأكثر تماسكًا، نظرًا إلى هرمية تنظيمه وبيروقراطيته، والأكثر انفتاحًا للحراك الاجتماعي؛ وذلك على قاعدة فتح المجال لأفراد من طبقات مختلفة للانتساب إلى صفوفه، والتعامل معهم بمساواة قوامها الاعتماد على الكفاءة والخبرة. ثمّ إنّ الجيش كان هو المؤسسة الأكثر كفاءة والأحدث، مقارنةً بالمؤسسات الأخرى في تلك البلدان، نظرًا إلى الاهتمام بإعداده ومُعداته؛ لكونه يمثّل عنوان سيادة الدولة واستقلال البلاد. لذلك كانت النظرة إلى الجيش داخل تلك الدول نظرة إيجابية تفاؤلية، وكان يُعتبر "المُخلّص" من الاستعمار، وإرث الاستعمار، والطبقة السياسية التقليدية، وخاصةً إن كانت مُتّهمة بالفساد؛ ومن ثمّ كان تدخله في السياسة، وقيامه بالانقلابات وتول السلطة، أمرًا مقبولً، بل مرغوبًا فيه، في العديد من الدول. مع مرور الوقت، تفاوت استقرار النظم السياسية من دولة إلى أخرى، واختلفت درجة تدخّل الجيش في السياسة تبعًا لذلك. فهناك دول استطاعت تحييد الجيش وإخراجه كاملً من نطاق الحلبة السياسية، ليصبح جيشًا مهنيًّا، مهمته الدفاع عن البلاد عند الحاجة، بينما تمكنت دول أخرى من تحقيق ذلك جزئيًا، وفشلت أخرى. في المنطقة العربية، على سبيل المثال، تمّ تحييد الجيش في تونس أكثر منه في مصر والسودان والجزائر. وتقلّص الدور السياسي للجيش في تركيا الآن عمّ كانت عليه الحال حتى مطلع القرن الحادي والعشرين. وكذلك هي الحال في دول عديدة في أميركا اللاتينية وأفريقيا. ليس ملائمًا، أو مفيدًا للأهداف المعرفية، في مجال دراسة النظم السياسية المقارنة، اعتبار أنّ تدخّل الجيش في السياسة أمرٌ ينضوي تحت مظلة الدولة العميقة. فهذا التدخل لا يتمّ سرًا، ولا ينطوي على مؤامرة، بل هو أمر معروف ومكشوف - حتى إن لم يكن مقبولً من دعاة الديمقراطية ومؤيدي الدولة الديمقراطية - وليس في حاجة إلى التذرّع بالدولة العميقة لتغطيته أو تبريره. ولكي يتم فهم العملية السياسية في مصر وباكستان والسودان وتركيا، ودول عديدة أخرى، لا بدّ من دراسة الدور الذي يؤديه الجيش بخصوص السياسة فيها.
أما كيفية الحدّ من هذا التداخل والتدخّل فيصبح موضوعًا آخر له علاقة بكيفية تغيّ الثقافة السياسية السائدة في هذه الدول، وتمتين الحياة الديمقراطية فيها، وتعزيز الحكم المدني في البلاد. باختصار، إخراج الجيش من العملية السياسية في دولة لا يتعلق بكيفية إنجاح التحوّل الديمقراطي فيها، ولا يفيد فيه الاستسلام لادعاء وجود دولة عميقة لا يمكن إزاحتها أو زحزحة مكانتها وتأثيرها؛ ما يعني الاستسلام للأمر الواقع، وتكريس استمرار هيمنة الجيش على الحياة السياسية في البلاد. إذا تم الأخذ بالاستثناءَين، يتقلّص مفهوم الدولة العميقة تلقائيًا ليبقى له أحد "مسربيْ "، أحدهما يمكن أن يكون مفيدًا، أما الثاني فسيبقى ضارًّا بالحقل المعرفي للعلوم السياسية. المسرب الأول هو الاتجاه نحو استمرار التفتيش عن وجود تحالفات خفيّة لأفراد، وليس لمؤسسات، لتكوين شبكات سرّية، قد ترتبط بعالم الجريمة المُنظّمة؛ وذلك بهدف التأثير في مجرى الحياة السياسية في الدولة. يمكن أن يكون هذا الاتجاه مفيدًا في مجال "دراسة الحالة" فقط، أي دراسة كل دولة على حدة؛ لكون هذا النوع من الدراسات يهتم بالبحث في التفاصيل ويقدّم كثيرًا من المعلومات. ولكن دراسة الحالة تبقى مجالً معرفيًا مقيّدًا ومحدّدًا، ولا يُسعف في تطور إمكان التعميم واستنباط النظريات في السياسة المقارنة. أما المسرب الثاني، فهو استمرار استخدام التبرير القائم على نظرية المؤامرة، ومفاده أنّ هناك دائمًا شيئًا سيِّئًا يحدث في الخفاء، وإسقاط ذلك على جميع الدول، وفي كل الحالات والأحوال. وعلى الرغم من أن هذا الاتجاه تعميمي، فإنّه لا يمكن أن يكون مفيدًا؛ ذلك أنه لا يتضمن أي قدرة تفسيرية. ولذلك، فإن استخدامه بهذه الطريقة لا يمكن أن يضيف نوعيًّا إلى حقل المعرفة في مجال دراسة النظم السياسية المقارنة.
المراجع
العربية
أبو بكر، علي. "الدولة العميقة والسياسة الخارجية: بناء مفهوم نظري." رسالة ماجيستير غير منشورة. معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية. جامعة بيرزيت. رام الله..2016/1/15 حسن، مازن. "تحالفات الدولة العميقة في مراحل ما بعد الثورات." مجلة الفرقان. العدد 72.)2013(علام، مصطفى شفيق. "الدولة العميقة: المفهوم والتجليات: إطلالة على واقع الحالة العربية." مجلة البيان. بالتعاون مع المركز العربي للدراسات الإنسانية. التقرير الإستراتيجي الثاني عشر 2015 م: الربيع العربي ... المسار والمصير (السعودية:.)2015 عمرو، أحمد. "الدولة العميقة .. معضلة الربيع العربي." البيان. العدد 312 (حزيران/ يونيو - تموز/ يوليو.)2013
الأجنبية
Abramson, Alana. "President Trump's Allies Keep Talking About the 'Deep State.' What's that?" Time (March 8, 2017). Ashford, Emma. "The Deep State Isn't What You Think." The National Interest (February 11, 2018). at: https://bit.ly/2wsZ4uj Beebe, George. "The Deep State. Has long Abused Its Power." The National Interest (February13, 2018). at: https://goo.gl/2RADM2 Boyer, Dave. "Majority of Americans Believe 'Deep State' Controls Washington: Poll." The Washington Times (March 20, 2018). at: https://bit.ly/2MPxZfb Clevers, Marjin & Zina Nimeh. Pharaohs of the Deep State: Social capital in a obstinate regime. Working Papers. Series: 2015-056. Maastricht: United Nations University. Cook, Steven A. "The Deep State Comes to America." Foreign Policy (February 24, 2017). at: https://goo.gl/yZrrDW Cook, Steven A. "The deep state Mirage in Turkey." Council on Foreign Relations. 23/3/2017. at: https://on.cfr.org/2PcerPv Dreyfuss, Bob. "That 'Deep State' You Keep Hearing About? It Doesn't Exist." The Nation (May 11, 2018). at: https://bit.ly/2NrplRa Glennon, Michael. National Security and Double Government. New York: Oxford University Press, 2015. Graham, David A. "There Is No American 'Deep State'." The Atlantic (February 20, 2017). at: https://bit.ly/2DKIMiV Hart, Gary. "The 'Deep State' Conspiracy Is a Joke." The National Interest (February 13, 2018). at: https://goo.gl/JxLV3S
Heer, Jeet. "Donald Trump Can Do a Lot With the 'deep State'." The New Republic (February 22, 2017). at: https://bit.ly/2PbBqdC Hughes, Bill. "A Modern Day Mystery: What is Deep State." Baltimore Post-Examiner (April 16, 2018). at: https://bit.ly/2wjoxaf Kaya, Sedar. "The Rise and Decline of the Turkish 'Deep State': The Ergenekon Case." Insight Turkey. vol. 11. no. 4 (2009). Khachaturian, Rafael. "Ditching the Deep State." Jacobin (February 20, 2017). at: https://goo.gl/z9JEvz Michaels, Jon D. "The American Deep State." Notre Dame Law Review. vol. 93. no. 4 (2018). at: https://goo.gl/8jeq2v Michaels, Jon D. "Trump and the 'Deep State': The Government Strikes Back." Foreign Affairs. no. 52 (September-October, 2017). at: https://goo.gl/1faapX Norton, Augustus Richard. "The Return of Egypt's Deep State." Current History. vol. 112. no. 758 (December 2013). Osnos, Evan. "Trump vs. the 'Deep State': How the Administration's loyalists are quietly reshaping American governance." The New Yorker (May 21, 2018). at: https://bit.ly/2IhJNBn Owens, Mackubian Thomas. "Civil-military Relations." Oxford Research Encyclopedia of International Studies. at: https://bit.ly/2oDmrhr Pillar, Paul R. "America Has No Deep State." The National Interest (February 15, 2018). at: https://bit.ly/2Chy7jo Porter, Tom. "Deep State: How a Conspiracy Theory Went From Political Fringe to Mainstream." Newsweek (February 8, 2017). at: https://bit.ly/2BPkJ5L Preble, Christopher A. "How We Got Trump Clash with the deep State." The National Interest (February 15, 2018). at: https://goo.gl/TeoJ4x Remick, David. "There Is No Deep State." The New Yorker (March 20, 2017). at: https://goo.gl/d894Ae Ruger, William. "Groupthink, Not the Deep State, Is the Real Culprit." The National Interest (February 18, 2018). at: https://bit.ly/2wjjRRN Springborg, Robert. "Deep States in MENA." Middle East Policy. vol. 25. no. 1 (Spring 2018). at: https://goo.gl/bKRx4c Unver, H. Akin. "Turkey's 'Deep State' and the Ergenekon Conundrum." Middle East Institute. no. 23 (April 2009). at: https://goo.gl/PX4B73 Vatank Alex, Sanam Vakil & Hossein Rassam. "How Deep Is Iran's State? The Battle over Khamenei's successor." Foreign Affairs (July-August 2017). at: https://fam.ag/2iV7ur6 Wills, Matthew. "The Turkish Origins of the Deep State." JSTOR Daily (April 10, 2017). at: https://goo.gl/nXWMsx Wilson, Eric (ed.), Government of the Shadows: Parapolitics and Criminal Sovereignty. London: Pluto Press, 2009. Zakheim, Dov S. "Think There's a Deep State? Take a Look at Turkey." The National Interest (February 18, 2018). at: https://goo.gl/7xU2Sf