المصالحة الوطنية في الجزائر: التجربة والمكاسب

Tahar Saoud الطاهر سعود |

الملخّص

تتناول هذه الدراسة مشروع المصالحة الوطنية في الجزائر، بالتركيز على حيثيات التجربة ومكاسبها، ولا سيَّما بعد مرور ثاثة عشر عامًا على صدوره، وذلك من خال رصد مفهوم المصالحة الوطنية، وأهدافها، والإطار التاريخي للأزمة الجزائرية. وتحاول الدراسة نقد المشروع من أجل تأسيس أفق جديد للتصالح، وتبحث في السياق المعرفي والتاريخي للمصالحة الوطنية الجزائرية، ومن ثم تناقش، كرونولوجيًّا، الطريق الطويلة إلى المصالحة الوطنية وتحقيق الوئام المدني. وتنتقل الدراسة إلى رحلة المصالحة الجزائرية، بالتركيز على تقديم قراءة وافية لمشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية، وت خت م بجملة من الانتقادات، بهدف إيجاد أفق جديد للتصالح، والوقوف على بعض ثغرات هذه التجربة العربية في المصالحة، وعلى ما يمكن أن تنفتح عليه من مكاسب لو أريد لها التطوير. كلمات مفتاحية: الأزمة الجزائرية، الوئام المدني، المصالحة الوطنية، السلم الاجتماعي. In September 2018 it will have been thirteen years since the referendum on the reconciliation plan in Algeria. This paper considers the details and achievements of the plan by investigation of the concept and objectives of national reconciliation and the historical framework of the Algerian crisis, critiquing the plan in order to establish new horizons for reconciliation. It examines the historical context of Algeria's national reconciliation, and then the chronology of the path to national reconciliation. It then moves on to study the Algerian journey of reconciliation through a thorough reading of the draft Charter for Peace and National Reconciliation. Finally, the paper determines the extent of the advances made in establishing peace and coexistence in the Algerian homeland and also identifies some of the gaps in the reconciliation experience, and suggests ways to unlock potential achievements. Keywords: The Algerian Crisis, Civil Concord, National Reconciliation, Social Peace.

National Reconciliation in Algeria: Experience and Achievement

مقدمة

أخ ىىالحديث عن موضوعات الحوار والتعارف بين الحضارات1(- والحوار بين الأديان والمذاهب الدينية، والتسامح الديني2، وهو الحديث الذي ميَّز نهاية العقد الأخ رر من القرن الماضي - مكانه لحديث آخر حول موضوع جديد اكتسح الساحة الفكرية والأكاديمية والإعلامية. إنه موضوع التطرف والإرهاب الذي قفز من حيّز ضيِّق كان يشمل بعض جبهات العنف في مناطق مخصوصة من العالم، ليحتل المشهد الدولي، ويشكِّل محور النقاش السياسي والفكري والأكاديمي العالمي برمّته، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وما توالى بعدها3. خلال تلك الفترة، أي منذ بداية التسعينيات، كانت الجزائر، دولة ومجتمعًا، تُصارع وحدها التطرف الإرهابي من دون أي سند دولي أو إقليمي، ومن دون تضامن عربي و/ أو إسلامي. ولم تفلح دعوات النظام السياسي الجزائري إلى التعاون الدولي لدرء خطر الإرهاب وتجفيف منابعه وتدمير قواعده الخلفية واللوجستية، ولم تلق أي صدى في تلك الفترة، اعتقادًا من المجتمع الدولي وفواعله الإستراتيجيين أن الحالة الإرهابية الناشئة في الجزائر هي حالة مخصوصة مرتبطة بشروطها المباشرة (الانقلاب العسكري وإلغاء المسار الانتخابي.) بيد أن هذا الموقف الدولي قُدِّر له أن يعيش "لحظة حقيقة" وانعطافة كلّية، حينما أصبح المتروبول الغربي نفسه هدفًا مباشرًا للظاهرة الإرهابية؛ إذ تعرَّض مبنى مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاغون الأميركيان لعمليات إرهابية مبرمجة وغير مسبوقة، جعلت أقوياء العالم، وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، يغيِّ ون موقفهم، ويعلنون "حربهم العالمية على الإرهاب" تحت اسم "التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب." منذ تلك اللحظة دخلت الإنسانية مرحلة تاريخية جديدة وحاسمة، مرحلة تعكس المدى الخطر الذي وصلت إليه الظاهرة الإرهابية، من قدرتها على اختراق الحدود والأقاليم، إلى توسّلها بالمنتجات التكنولوجية للحداثة الغربية، وتوظيفها وسائطها وأدواتها المتعددة، العسكرية و"الميديائية" الجديدة. في هذا الوقت، كانت الجزائر، بعد مضي أكثر من عقد على دخولها أتون المنازلة ضد الإرهاب والعنف المتطرف، قد طوَّرت تجربتها الخاصة في مكافحة الإرهاب والتطرف، وتَشكَّل لديها مخزون إستراتيجي من الخبرة في مجال التعامل معه، سواء على الصعيد الأمني والعسكري، عبر ما خبرته قوات الدفاع الذاتي والجيش والأسلاك الأمنية المختلفة الأخرى، أم على الصعيد الاجتماعي والثقافي، عبر ما طوَّرته من ميكانيزم الوئام المدني والمصالحة الوطنية. لما بدأت الجزائر تبرأ من مرض الإرهاب والتطرف، كانت وتائر العنف والإرهاب قد بدأت تتصاعد، "كمًّ ونوعًا، وتكاد تمتد على رقعة جغرافية واسعة، من المغرب حتى إندونيسيا، لتصل إلى مناطق ودول وحضارات؛ بحيث تتحول إلى مصدر خطر كبير على حياة الناس واستقرارهم، وعلى العالم، وعلى السلام فيه"4. خطر ما عاد أحد بمنأى عنه، أو بمنجى من آثاره، خصوصًا أن الظاهرة ما عادت أفعالً فردية معزولة، لكنها اكتست طابع التنظيمات العابرة الحدود والقوميات، ووصلت في طبعتها الداعشية إلى قضم الوحدة الترابية لبعض الدول، لتؤسس على أنقاضها كيانها، وتفرض فيه رؤيتها للعالم. ما عادت هذه الجماعات والتنظيمات أصوليات هاربة من العالم، بل تحوّلت إلى أصوليات راغبة في العالم، يصدر المنضوون تحتها عن اقتناعات تؤسس على ضرورة مناجزة النُّظُم "الجاهلية" القائمة، والعمل على تغييرها بأساليب العمل العنفية والراديكالية5. أمام امتداد الظاهرة الإرهابية ع ىىطول العالم العربي والإسلامي - حيث أصبحت لا تُعرَّف إلا بوصفها ممارسة لصيقة بالفضاء الثقافي الإسلامي6 - وأمام وضع يتهدد المجتمعات العربية وأنظمتها السياسية، ويقضي على استقرارها نتيجة ما خبرته بعد

  1. عُقدت ندوات ومؤتمرات عدة لمناقشة هذا الموضوع على الصعيد العربي والإسلامي والدولي؛ منها: المؤتمرات التي نظمتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة في طهران في عام 1999 حول الحوار بين الحضارات، وفي برلين في عام 2000 حول الحوار والتعايش بين الحضارات والثقافات، وفي دمشق في عام 2002 حول الحوار بين الحضارات من أجل التعايش، كما عُقِدت ندوة حول الموضوع، كانت تحت إشراف منظمة اليونسكو، في نيسان/ أبريل 2005. انظر: الطاهر سعود، "نهاية التاريخ، صدام الحضارات، شعوب بلا دول... ثم ماذا؟ أو حوار الحضارات كضرورة إنسانية"، في: الطاهر سعود، أبحاث وآراء في الفكر والثقافة والاجتماع (عمّ ن: دار الأيام للنشر والتوزيع،.)2014
  2. أصدرت منظمة اليونسكو إعلان مبادئ بشأن التسامح في عام 1995، وخصصت
  3. منذ أن كتب الباحث هذه الدراسة إلى لحظة إرسالها للنشر، يمكن أن نحصي عشرات التفجيرات الأخرى، وعمليات الدهس والطعن وغيرها من الأساليب الإرهابية التي يبدو أنها تشتغل تحت طائلة عنصر المفاجأة وتجديد أسلوب العمل. نذكر من تلك الأحداث: تفجيرات بروكسل وتفجيرات تركيا وحالة الدهس في مدينة نيس الفرنسية وتفجير الملهى الليلي في الولايات المتحدة الأميركية وحالة الطعن في ألمانيا وحالة الطعن في لندن. ولا ننسى بالطبع مناخ الإرهاب الذي أصبح حالة مزمنة في كثير من الدول العربية والإسلامية.
  4. الحيدري، ص.13 5 انظر: فريدمان بوتنر، "الباعث الأصولي... ومشروع الحداثة"، ترجمة عمرو حمزاوي، المستقبل العربي، السنة 19، العدد 218 (نيسان/ أبريل 1997)، ص 39 وما بعدها.
  5. السادس عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر من كل عام يومًا للتسامح على المستوى العالمي. انظر: إبراهيم الحيدري، سوسيولوجيا العنف والإرهاب: لماذا يفجر الإرهابي نفسه وهو منتشٍ فرحًا؟ (بيروت: دار الساقي، 2015)، ص.319-311
  6. يصُر جناح عريض من الكتَّاب والسياسيين والإعلاميين الغربيين على الربط بين الظاهرة الإرهابية والإسلام، بينما يصر بعض المتخصصين على أنها ظاهرة عابرة الأديان والحضارات، وليست مقصورة على دين بعينه. غير أن هذا لا يعفينا من الاعتراف في الحالة الإسلامية بانبناء ظاهرة الإرهاب وصدورها عن ظاهرة التطرف الذي "يستمد فكره من التأويل المنحرف للتعاليم الإسلامية ويوظفها حركيًّا ضد المسلمين أنفسهم"، وفي الحصيلة ضد غيرهم. جذور المأزق الأصولي انظر: محمد أبو القاسم حاج حمد، (بيروت/ لندن: دار الساقي، 2010)، ص.55

موجة ثورات الربيع العربي التي أدخلت بلدانًا بأكملها في فوضى أمنية واقتتال داخلي وتحطيم لمكتسبات الدولة الوطنية؛ يبرز تساؤلان: ما الذي يمكن أن تقدمه التجربة الجزائرية في مجال منازلة التطرف والإرهاب، وتجاوزه عبر تدبير المصالحة الوطنية، على صعيد الحالات المشابهة في العالم العربي والإسلامي؟ وما الذي يمكن أن تستفيده القوى الدولية من الخبرة الجزائرية على صعيد التعامل مع الظاهرة الإرهابية في أبعادها الأمنية والعسكرية والإستراتيجية؟ ليس من شأن هذه الدراسة التركيز على التساؤل الثاني، فهذا موضوع دراسة أخرى مستقلة، لكنها تتخذ من التدبير القانوني والاجتماعي - الثقافي الذي باشرته الجزائر تحت اسم "المصالحة الوطنية" مجالً للبحث والدرس والتقويم، للوقوف على جوانب القوة في التجربة التي تحتاج اليوم إلى التعميم أو الاستلهام على الصعيد العربي، من دون أن يمنعنا ذلك من رؤيتها بعين النقد؛ أي بالوقوف على بعض جوانب القصور في التجربة التي تحتاج إلى التطوير.

أول ا: موضوع الدراسة في سياقه المعرفي والتاريخي

يبدو التأطير المعرفي، وكذا الوقوف على الخلفية التاريخية لتدبير المصالحة الوطنية، ووضعها في سياقها، ولو في عرض وصفي - تاريخي مركَّز، أمرًا ضروريًّا من الناحية المنهجية؛ ذلك أن الوعي بدلالات مفهوم "المصالحة الوطنية" كما تتبدّى في الخطاب العلمي المهتم بالموضوع، وكذا بحيثيات "الأزمة الجزائرية"، هو أمر أساسي في كل جهد يرمي إلى فهم تجربة المصالحة واستيعابها بوصفها آلية لجأت إليها الدولة الجزائرية حلًّ مبرمًا لأعوام الاقتتال الداخلي، والتطرّف الإرهابي.

1. في مفهوم المصالحة الوطنية

ليست تجربة المصالحة الوطنية إبداعًا جزائريًّا غير مسبوق؛ فهناك تجارب عدة في هذا الصدد، طوَّرتها مجتمعات ودول وأنظمة سياسية في مناطق من العالم كانت قد عرفت عدم استقرار داخلي نتيجة صراع بين مكوّناتها الدينية أو الإثنية، و/ أو نتيجة أسباب سياسية أو أيديولوجية. يمكن أن نمثِّل لذلك بالتجربة الإسبانية بعد أعوام الحرب الأهلية وحكم الجنرال فرانكو، وتجربة المصالحة الوطنية في جنوب أفريقيا، وهي التي أنهت ثلاثة قرون من الاستقطاب العرقي بين السود والبيض، وأحلَّت نظامًا سياسيًّا ديمقراطيًّا محل نظام الأبرتهايد، وتجارب دول أميركا اللاتينية (الأرجنتين، والبيرو، والأوروغواي، والسلفادور) خلال فترة الثمانينيات، وعلى رأسها تجربة التشيلي في الانتقال السياسي والديمقراطي، وهي التي أنهت الحكم العسكري الدكتاتوري لنظام بينوشيه، وغيرها من التجارب الدولية الأخرى7. فما المقصود بالمصالحة؟ وما أبعادها؟ وما أهدافها؟ وما أهم مقترباتها؟ إن لفظة "المصالحة" مشتقة في أصلها اللغوي من الصلاح، وهو ضد الفساد. والصُلح السِّلم، وصَالَحَه مصالَحَة وصِ لاحًا، واصْطَلَحَا واصَّالَحا وتَصَالَحا واصْتَلَحا، واسْتَصْلَح نقيض استفسد8. من الدلالات المنطقية التي يمكن أن نستنبطها من الجذر اللغوي للكلمة أن المصالحة فعل يفترض توافر طرفين نشب بينهما عداء أو خصومة. وتنشأ المصالحة، بوصفها فعلً، إما بمبادرة وتنازل من الطرفين المتخاصمين، وإما بمبادرة وتنازل من أحدهما، كما قد تكون فعلً ناشئًا عن وساطة طرف ثالث يسعى للتقريب بين المتخاصمَي. أما في الأدبيات المهتمة بمسائل النزاع والسلام في العالم، فتُعرَّف المصالحة بأنها: سيرورة من الوفاق وطمأنة الرأي العام في أمة أو بلد ما، بعد حدث أليم يكون قد أصاب تاريخهما الحديث. ويتبدَّى مسعى المصالحة في مظهر مزدوج، يتمثل في السماح للضحايا بالتعبير الصريح وحثّ الفاعلين الآخرين على الاعتراف بأفعالهم، بهدف تحقيق الشعور بالانتماء إلى كيان واحد، والقبول تاليًا بمنطق العيش المشترك. وفي الحصيلة، تجنُّب تكرار المأساة الوطنية9. أما في الاستخدامات الشائعة في مجال علم السياسية، فيكتسي مفهوم المصالحة أبعادًا تحليلية عميقة؛ حيث هناك من يشرطه بتوافر مجموعة من العناصر، تتلخص في10: الحقيقة، أو ما يدعوه بعض المتخصصين "المصارحة قبل المصالحة"، وتعني التعبير المفتوح عن الماضي. ولتحقيق ذلك، يقترحون تشكيل لجان وهيئات وطنية للحقيقة، تضطلع

  1. انظر: Abbas Aroua, "Quelques expériences d'amnistie à méditer," in: Ouvrage collectif, Quelle réconciliation pour l'Algérie? Préface de Pierre Ghillard (Genève: Institut Hoggar, 2005), pp. 42-46, accessed on 25/9/2018, at: https://bit.ly/2HTNi4H
  2. القاموس المحيط مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي،، ط 8 (بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، 2005)، ص.229
  3. La réconciliation nationale," Encyclopédie Larousse, accessed on 26/9/2018, at: https://bit.ly/2HXrrVW
  4. انظر: عبد النور منصوري، "المصالحة الوطنية في الجزائر من منظور الأمن الإنساني"، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية، جامعة الحاج لخضر، باتنة، 2010-2009، ص 69. وانظر أيضًا: Abbas Aroua, "l'amnistie et les fondements de la paix," in: Ouvrage collectif. pp. 20-33; Youcef Bedjaoui, "Qui réconcilie qui? Réflexions sur la dite réconciliation en Algérie," p. 6, in: Ouvrage collectif.

بمهمة التحقيق في مسائل مثل: المفقودين والمجازر الجماعية وأعمال الاغتيال، يطلَق عليها "لجان الحقيقة والمصالحة".)VCR, TRC(العدالة، بما هي عملية إعادة اعتبار وإص حاا وتعويض للمتضررين ومساواة ووقف للضغوط والممارسات التعسفية. الرحمة، وتعني العفو اللازم لبناء شبكة علاقات جديدة. السلام، ويعني الأمن لجميع الأطراف، والتوجّه صوب المستقبل المشترك والحياة الكريمة.

إضافة إلى ما سبق، يذكر بعض المتخصصين ركائز أخرى، أو يستعيضون بها عمّ سبق، وهي: العفو والمسامحة، أي أن يجري تعميم حالة من العفو والسماح على المجتمع كله ثمرةً للمصالحة؛ والذاكرة، بمعنى المحافظة على الذاكرة الجمعية، وما فيها من ندوب ترجع إلى حقبة النزاع، من أجل الاعتبار منها واستخلاص الدروس، تحت قاعدة أن من ينسى الماضي محكوم عليه بتكراره. ويؤكد آخرون ضرورة عدم خلط مفهوم المصالحة بمفهوم تسوية النزاع Règlement de Conflit أو حل النزاع résolution conflit de؛ فالأول منهما يستهدف وقف أعمال العنف، أما الثاني فيستهدف إقرار السلام بمعالجة البنى المسببة للنزاع. أما المصالحة، فتسعى إلى استتباب السلم بمعالجة آثار النزاع، وذلك باستحداث حالات أو وضع يتيح اعتياد الأطراف المتنازعة العيش المشترك في ظل العلاقات الجديدة التي تم ترسيخها عبر آلية حل النزاع11. المصالحة، بهذا المعنى، هي طور من أطوار سيرورة كلية لتحقيق السلام في مجتمع فقده. تبدأ هذه السيرورة وتستمر على متصل زمني ثلاثي المراحل، يشمل: تسوية النزاع بوقف أعمال العنف، ثم حل النزاع بمعالجة مسبّباته، والمصالحة التي تعالج الآثار الناجمة عن النزاع. المصالحة، إذًا فضاء تلتقي فيه الحقيقة والعدالة والاحترام والأمن. وفاعلية مسارها مرهونة بدرجة الدمج التي يمكن تحقيقها بين هذه العناصر الأساسية؛ فالمصالحة الحقيقية هي تلك التي تُدمَج تلك الأبعاد تمامًا، وتُحدِث تحولّات ثقافية ومجتمعية حقيقية وعميقة تصل إلى رسم رؤية كلية للنزاع المشترك12.

2. أهداف المصالحة الوطنية

شكَّل العقدان الأخيران من القرن الماضي مرحلة مهمة في التقويم الزمني للمجتمعات المعاصرة، خصوصًا تلك التي خبرت نزاعات واضطرابات على جبهاتها الداخلية. وأتاحت الظروف الإقليمية والدولية (مثل سقوط جدار برلين، وانهيار المعسكر الشرقي، وظهور العولمة الاتصالية) انفتاح هذه المجتمعات على قيم هذه الحقبة وأفكارها ومستجدّاتها؛ إذ لم تبق شعوبها حبيسة حدود دولها. في هذا الصدد، احتل موضوع المصالحة في العالم حيّزًا كبيرًا من الاهتمام؛ لأنه بدا طريقة حضارية، وأسلوبًا مرغوبًا فيه لتسوية الصراعات والتوترات الداخلية بالطرق السلمية، بدلً من المسالك الراديكالية والعنفية التي طغت في الحقب السابقة. إن مسلك المصالحة - بما هي استعادة حالة العلاقة السلمية في المجتمع؛ حيث يأمن فيها الجميع ضمن إطار من العيش المشترك في كنف الحرية والكرامة - يهدف، بحسب ما يشير إليه المهتمون - بعيدًا عن الإسقاطات والتفصيلات التي تختص بتجربة مصالحة بعينها من التجارب المعروفة - إلى13: الوقف الفوري للعنف، للوصول إلى حالة من السلم المستقر عبر تحويل العلاقات من طابعها العدائي إلى طابعها التراحمي. وعلى الرغم من أن هذه العملية صعبة المراس والتحقق، بالنظر إلى حجم الترسّبات والتراكمات الطويلة من الحقد والكراهية والعداء والضغائن الناجمة عن أعوام الصراع، فهي ضرورية، وتستلزم عملية تغيير أو تأهيل سيكولوجي وثقافي عميقة للمعتقدات والسلوك. إعادة تجديد الإجماع الوطني عبر حل أزمة اختيار السلطة السياسية؛ ذلك أن الإجماع الوطني يتعرض لشروخ عميقة، نتيجة للنزاع المجتمعي. ونظرًا إلى أن معظم النزاعات في العالم كان مَردُّه إلى أزمة السلطة السياسية، فإن حل أزمة اختيارها

  1. Bedjaoui, p. 6.
  2. Ibid., pp. 8-9.
  3. منصوري، ص 73-71؛ أنور نصر الدين هدام، المصالحة الوطنية في الجزائر: خطوة حضارية نحو حل أزمة اختيار السلطة السياسية (جنيف: معهد الهقار، 2007)، ص.33-24 وانظر أيضًا.Ouvrage collectif:

يُعَد مرحلة مهمة ضمن مخطط التسوية والمصالحة. وكل ذلك رهين بتأسيس مجتمع جديد على قواعد جديدة يتوافق عليها الجميع، وهو ما سماه بعض الباحثين تجديد مضمون العقد الاجتماعي المتضمن خطاطة للحقوق والواجبات والالتزامات. إص حاا المؤسسات الاجتماعية القائمة، مثل المؤسسات القضائية والسياسية والتربوية والإعلامية، وغيرها من المؤسسات الأساسية في المجتمع، لأن شعور الفرد بتغيير محيطه الاجتماعي والمؤسسي والرمزي يؤثر في دائرة سلوكه، لتكتمل حلقة التغيير الاجتماعي. دعم ثقافة السلم؛ ذلك أن المصالحة تستلزم أن تتقبل أغلبية المواطنين مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية لتغذية ثقافة حقوق الإنسان وفن العيش المشترك بنشر منطق التسامح وترسيخ ثقافة ديمقراطية ومواجهة ثقافة ال اررع، لتأمين مستقبل الأجيال اللاحقة والعيش بسلام في ظل مؤسسات منتخَبة بإرادة الشعب السيدة من دون تزوير انتخابي أو إملاءات مفروضة. تجاوز مخلّفات الأزمة بضمان استقلالية الدولة وكفالة الحريات وتخفيف معاناة ضحايا النزاع الذين تأثروا به مباشرة (مثل عائلات المفقودين وضحايا الاغتيال السياسي والسجناء والمفصولين من العمل) عبر الآليات السيكولوجية والرمزية المختلفة (مثل التقدير والقبول الاجتماعي وصناعة الأمل)، وعبر الآليات التشريعية والقانونية التي تتيح التعويض والتكفُّل المادي من مؤسسات الدولة في حالة الضرورة.

3. المقاربات الأساسية للمصالحة

على اعتبار أن عملية المصالحة تسعى لعلاج جملة الاهتزازات والرضوض الحاصلة في الجسم الاجتماعي نتيجة نزاع له أسبابه الخاصة، تنوّعت مقاربات المصالحة بين ما يأتي14:

أ. المقاربة المعرفية والثقافية

المصالحة، وفق المقاربة المعرفية والثقافية، هي عملية تغيير لأهداف أطراف النزاع ومفاهيمها وأفكارها حول ذاتها وحول خصومها في الوقت نفسه. في لحظات النزاع، يطور كل طرف رؤيته الدفاعية الخاصة للنزاع، ويشكِّل تمثلاته السلبية عن الطرف الآخر، معطيًا نفسه المسوِّغات كلها التي تغتال الآخر وتسفِّه رؤيته وتبرِّر حذفه وإقصاءه. ولا بد من تغيير هذه البنى الذهنية والثقافية المشكَّلة خلال فترة النزاع وتأهيلها من أجل استتباب السلام الناشئ. وذلك كله مشروط بتحقيق التقارب الفكري والتلاقي الثقافي حال استشعار فداحة العنف الذي وقع، وكذلك حال تقويمه. هذه المقاربة مهمة في علاج آفة التطرف التي تبدأ أولً بوصفها خلل في البنيات التصورية، ثم تنعكس في السلوك الظاهر، مسوِّغة الإقصاء المعنوي والمادي للآخر المختلف أو المتمايز، بل حتى لما يُصوَّر على أنه آخر على الرغم من الروابط الجامعة.

ب. المقاربة السيكولوجية والدينية

المصالحة، وفق المقاربة السيكولوجية والدينية، عملية تغيير لمواقف أطراف النزاع وأحاسيسها، تجاه ذاتها وتجاه خصومها في الوقت نفسه. إن أعمال العنف المشاهَدة أو المرتكَبة في فترة النزاع تغرس الخوف والحزن والألم، وتعمِّق الإحساس بالظلم والمعاناة والرغبة في الانتقام. وهذا المناخ السيكولوجي هو فتيل قد يشعل النزاع مجددًّا في أي لحظة. لذلك، تصبح عملية استتباب السلم مشروطة بإحداث تغيير نفسي - اجتماعي؛ حيث يكون محركه هو الاعتراف بالظلم الواقع وطلب العفو وممارسة العفو فعل. وفق هذه المقاربة، يمكن اعتبار المصالحة بمنزلة تقارب في الأحاسيس، وبناء لإطار سيكولوجي مشترك أيضًا، من أجل استتباب السلام ودعم النظام السياسي الناتج من الحل التفاوضي للنزاع. وهنا، يمكن تشغيل الترسانة الدينية لتغليب منطق المصلحة العامة وترسيخ قيم التسامح والحث على العفو والدفع بالتي هي أحسن، وهي آليات مهمة لتصريف النزاع ولإتاحة مناخ من المودّة الاجتماعية.

ج. المقاربة الإجراءاتية

يحتاج تجسيد المصالحة إلى تشغيل آليات وأدوات وإجراءات عملية وفاعلة، توضع موضع التطبيق، ليصبح فعل المصالحة أمرًا ناجزًا. ومن بين هذه الأدوات والإجراءات يجري الحديث عن العفو الرسمي العام وتشكيل لجان للحقيقة والإنصاف والمصالحة والدعاوى القضائية والمحاكمات العلنية والتعويضات المالية والتطهير والإصلاح واسترجاع الذاكرة التاريخية. ينبغي التنبيه هنا إلى أن مقاربات المصالحة المذكورة آنفًا تشكِّل ما يمكن تسميته "أنماطًا مثالية" Types Ideal، ولا تتطابق تجارب المصالحة في العالم، كما تجسدت في الواقع المشهود، مع هذه المقاربات في شكلها الحرفي؛ حيث يفتح زخم الواقع احتمالات المزج بين هذه المقاربة أو تلك، أو بين الأدوات المستخدمة في مقاربة ما وتوظيفها في مقاربة أخرى؛ إذ لا يمكن أن نتصور، مثلً، انفصالً بين المقاربة الثقافية والمقاربة الدينية، أو خلو الاثنتين من زخم إجرائي يعطيهما مداهما من التحقُّق الواقعي.

  1. انظر: 10 pp 13-Bedjaoui,؛ منصوري، ص 73 وما بعدها.

4. الإطار التاريخي للأزمة الجزائرية

بعد هذا التأطير المعرفي لمسألة المصالحة في الخطاب العلمي المعاصر، نحتاج إلى تأطير تاريخي يوقفنا على سياقات الأزمة وحل الأزمة في الحالة الجزائرية، وفي هذا الصدد نشير إلى أن الآراء تتباين بخصوص الإطار التاريخي الذي يستدعيه الباحثون لوضع تدبير المصالحة الذي أطلقته السلطة السياسية في عام 2005 ضمن سياقه الموضوعي. وإذا كان بعض التحليلات يقتصر على استرجاع الأسباب المباشرة، ممثلة ب "الأزمة الأمنية" أو "الحرب الأهلية"، كما يصطلح عليها بعض الدارسين15، وهي التي خبرها المجتمع والدولة بعد إلغاء المسار الانتخابي في كانون الثاني/ يناير 1992، فإن بعضها الآخر يردّها إلى لحظة احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر 1988؛ أي إلى اللحظة التي عرفت فيها الدولة الوطنية الجزائرية كبرى أزماتها السياسية وأدّت إلى إنهاء حقبة الأحادية الحزبية وإدخال البلاد في مرحلة جديدة من التعددية السياسية والحزبية. وهناك اتجاه ثالث يؤكد ضرورة أن تنطلق في الجزائر عملية تقويم وطني ومصالحة شاملة، تضع المجتمع والدولة على أرضية صلبة، تقطع مع الممارسات السابقة وتؤسس جمهورية جزائرية جديدة. وهذه العملية مشروطة، في رأي هذا الاتجاه، بتقويم شامل لإرث أكثر من خمسين عامًا؛ أي لإرث الدولة الوليدة بعد الاستقلال16. على وجاهة هذا الرأي وأهميته، تتجه دراستنا هذه إلى مناقشة تدبير "المصالحة الحاصلة" كما جسَّدتها النصوص القانونية المستفتى فيها، لا "المصالحة المأمولة" كما يتبنّاها ويتصوّرها بعض الأطراف والنخب السياسية الفاعلة في المجتمع الجزائري، وعلى هذا الأساس سنكتفي بمناقشة الخلفيات القريبة التي كانت سببًا مباشرًا في التوسل بهذا الشكل من المصالحة بوصفه حلًّ ضروريًّا ل "الأزمة الجزائرية." أفضت مرحلة التحول السياسي بعد عام 1988 إلى تعددية سياسية غير منظمة، نجم عنها انفتاح سياسي وإعلامي وجمعوي لم يكن منضبطًا في أغلبية الأحيان، وافتقد تقاليد الممارسة السياسية الرصينة وثقافة الاختلاف. كذلك، يعاب على هذه الفترة التوظيف السياسي الطابع لركائز الهوية الوطنية الجزائرية؛ حيث جرى السماح بتأسيس أحزاب على أساس ديني وهوياتي على الرغم من الموانع الدستورية17، ما أدّى إلى نتائج ضارّة بصيغة الديمقراطية الناشئة، وبالعقد الاجتماعي الجديد، في ظل تراجع خطِر على صعيد رمزية الدولة وهيبة مؤسساتها في الفترة.1992-1988 أدت هذه الانطلاقة الديمقراطية غير المنضبطة إلى انفلاتات ما انفكت تتراكم حتى أدخلت المجتمع والدولة في أزمة خطرة وغير مسبوقة، إضافة إلى تبعات أزمة اقتصادية واجتماعية نجمت عن تدني مداخيل المحروقات ومديونية ثقيلة راكمها ضعف أداء اقتصادي وتسييري من النخبة الحاكمة. وهكذا، شهدت الجزائر في هذه الفترة أزمة سياسية وانتخابية خطرة، أسلمتها إلى أزمة أمنية أخطر كادت تقضي على كيان الدولة نفسه. تعود هذه الأزمة السياسية، كما أصبح معلومًا، إلى تدخُّل مؤسسة الجيش وتوقيفها المسار الانتخابي بعد إعلان فوز حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ FIS في الدور الأول من الانتخابات التشريعية، واتخذ هذا التدخل طابعه المؤسسي المغلَّف بالقانون؛ فتم إعلان استقالة رئيس الجمهورية18، الذي كان قد حل البرلمان قبل ذلك بأيام، بمقر المجلس الدستوري، لتتولى إدارة شؤون الدولة هيئة في شكل مجلس رئاسي جماعي هو المجلس الأعلى للدولة  HCE 19، وهي هيئة ابتدعها المجلس الأعلى للأمن الذي هو في الأساس هيئة استشارية يرأسها في الأصل رئيس الجمهورية، وتتشكل من عضوية رئيس الحكومة ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والاقتصاد والعدل ورئيس أركان الجيش الشعبي الوطني، وليس من صلاحياتها اتخاذ قرارات كهذه في غياب رئيسها الذي أزيح من المشهد السياسي عبر استقالة صورية. نجمت عن هذا الترتيب "القانوني" للهيئات الجديدة حالة استقطاب داخل الطبقة السياسية بين مؤيد ومعارض؛ فالنخب ذات التوجّهات العلمانية، الموزّعة على الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني والنقابات، الممثِّلة لما سُمِّي "المعسكر الديمقراطي"، انحازت كلها إلى الترتيبات الجديدة، بل كانت سبَّاقة - فور إعلان نتائج الانتخابات عبر "لجنة إنقاذ الجزائر CNSA سِّست في " التي أ 30 كانون الثاني/ ديسمبر 1991 برئاسة منسق المركزية النقابية، عبد الحق بن حمودة - إلى دعوة

  1. انظر في هذا الصدد: لويس مارتيناز، الحرب الأهلية في الجزائر، ترجمة محمد يحياتن (الجزائر: منشورات مرسى،.)2005
  2. هذا هو، مثلً، موقف الزعيم التاريخي حسين آيت أحمد، ومعه حزبه "جبهة القوى الاشتراكية"، الذي يدعو إلى إعادة مراجعة الفترة السابقة كلها وإقرار بعض الآليات؛ منها إنشاء مجلس تأسيسي يُعيد النظر في تصور بنية الدولة الجزائرية كلها.
  3. سمحت السلطة بتأسيس أحزاب سياسية على أساس ديني (الجبهة الإسلامية للإنقاذ)، ولغوي وهوياتي (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية)، على الرغم من أن دستور عام 1989 الذي جرى الاستفتاء فيه بعد أحداث تشرين الأول/ أكتوبر 1988، وتم بموجبه إقرار مبدأ
  4. حصلت الجبهة الإسلامية على 188 مقعدًا من مجموع 340 مقعدًا في الدور الأول لانتخابات 26 كانون الأول/ ديسمبر 1991 التشريعية؛ أي نحو 3222260 صوتًا، وكان منتظرًا أن تحصد أغلبية الأصوات في الدوائر الانتخابية المتبقية في الدور الثاني، لتضيف مقاعد جديدة تمكِّنها من تشكيل حكومتها منفردة من دون تحالف حزبي، كما تمكِّنها من الجريدة الرسمية تغيير الدستور. ونشرت نتائج الدور الأول في العدد 1 من للجمهورية الانتخابات، الدولة والمجتمع الجزائرية، بتاريخ 1992/1/4. انظر: عبد الناصر جابي، (الجزائر: دار القصبة للنشر، 1999)، ص 153-149؛ أما استقالة رئيس الجمهورية، الشاذلي بن جديد، فبثت عبر التلفزيون الوطني في 11 كانون الثاني/ يناير 1992. انظر رسالة الاستقالة في: يوسف أجنحة الإنقاذ: قصة جبهة الإنقاذ الجزائرية من الولادة إلى الاعتقال محمد الشيخ، (بيروت: مؤسسة العارف للمطبوعات، 1993)، ص.162-161 19 انظر، بيان إنشاء المجلس الأعلى للدولة، في: الشيخ، ص.167-165
  5. التعددية الحزبية، يحظر، صراحةً، تأسيس أحزاب على أساس طائفي أو ديني.

الجيش للتدخل وتوقيف العملية الانتخابية، حفاظًا على الطابع الجمهوري للدولة. أما الفواعل الحزبية والجمعوية والوجوه السياسية المستقلة المنحازة إلى "المعسكر الوطني - الإسلامي"، فعارضت توقيف المسار الانتخابي، وشكَّل بعض الفاعلين فيها ما سُمِّي "لجنة الدفاع عن اختيار الشعب." وهكذا باشرت جبهة الإنقاذ، عبر مناضليها والمتعاطفين مع مشروعها السياسي، أشكالً من الاحتجاج الشعبي، متَّبعة في ذلك "إستراتيجية المواجهة الشعبية والسياسية" من خلال تحريك الشارع والدعوة إلى تنظيم تظاهرات وتجمعات ومسيرات تطالب باحترام كلمة الشعب، ودعوة العسكريين إلى عصيان أوامر مسؤوليهم إذا طلبوا منهم إطلاق النار على المتظاهرين20. لكن إعلان حالة الطوارئ في شباط/ فبراير 1992 وإصرار الجيش وقوى الأمن على إنهاء مظاهر الاحتجاج والرفض كلها ولو بالقوة، أحبطا المساعي النضالية السلمية كلها من أنصار الحزب الفائز الذي سيلحقه الحل القانوني بعد شهر من إقرار حالة الطوارئ. وهكذا بات الوضع مرشحًا نحو مزيد من التأزم والتصعيد، خصوصًا بعد حملات الاعتقال والسجن الموسعة. بعدها، عمدت السلطة الفعلية الجديدة إلى حل المجالس المنتخبة، وتنصيب هيئات بديلة لإدارة الشأن العام؛ ما فتح الباب وأعطى المسوِّغات الواقعية لبعض التيارات العنفية21 التي كانت تنتظر هذه اللحظة لتنتقل إلى العمل المباشر، متوسلة بالعنف لتحقيق "دولتها الإسلامية" بعدما فشل تحقيقها بالانتخابات. مع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أنه حتى منتصف عام 1992، لم تسجَّل سوى حالات اغتيال فردي وأعمال مسلحة محدودة؛ حيث كان لإستراتيجية التعبئة السياسية التي باشرتها قيادة جبهة الإنقاذ دور في أن يبقى التصدي للوضع الجديد مرتكزًا على آليات العمل السياسي السلمي، لكن يبدو أن هذا المسار سيتم تجاوزه ليحتل مكانه مشهد دموي عنيف هيمن على البلاد خلال عقد التسعينيات؛ حيث ارتفع منسوب الاغتيالات والتصفيات الجسدية والنزاع المسلح إلى مستويات لم يشهدها تاريخ البلاد. فاقم هذا الوضع سياسةُ "الكل الأمني" sécuritaire tout Le التي اعتمدتها القيادة العسكرية أسلوبًا للقضاء المبرم على الإرهاب الذي أصبح المصطلح المستخدم للتعبير عن حرب هوجاء ناشئة بين الإخوة الأعداء. ولأن التطرف لا يولِّد إلا التطرف، فقد ارتفع منسوب هذا العنف المتبادل عندما توسع انتشار الجماعات المسلحة في مناطق الوطن المختلفة، مستفيدة من طبيعة البلاد الطوبوغرافية؛ حيث أصبحت السلاسل الجبلية الشاهقة، التي تمتد في جهتها الشمالية، ملاذًا آمنًا لتجمعات الشباب الفارِّين من بطش الآلة القمعية في المدن، لتحتضنهم الجماعات الإرهابية وتشكِّل منهم قوتها الضاربة. في خضم هذه الحرب الاستنزافية التي انطلقت بين الطرفين، وقرَّر فيها كل طرف المحافظة على منسوب عالٍ من العنف والعنف المضاد، أ سكِت صوت السياسة، ولم يُتَح للمبادرات الكثيرة الداعية إلى حل الأزمة أن تجد طريقها إلى النجاح، بدءًا بندوة الوفاق الوطني التي جمعت السلطة مع بعض الفواعل من المعارضة السياسية، وانتهت بالأمين زروال رئيسًا للدولة، مرورًا بعقد روما الذي جمع الأحزاب والشخصيات الفاعلة من المعارضة بحضور ممثلي الحزب المحلول، وحتى مبادرات الرئيس زروال الحوارية مع قادة جبهة الإنقاذ كان مصيرها كلها الفشل بسبب تعنُّت هذا الطرف أو ذاك. ظلت الأزمة تتفاقم حتى كادت تهدد المجتمع والدولة في وجودهما، وكانت لها تكلفتها المادية والمعنوية الخطرة؛ فخلال الفترة 1996-1992، غادر البلاد نحو 400 ألف جزائري من ذوي الكفاءات، وسقط أكثر من 200 ألف قتيل، و 10 آلاف مفقود، ونحو 200-100 ألف نازح، وخسائر مادية تقدر بمليارات الدولارات22. في ظل هذا الوضع، كانت العملية السياسية شبه معطَّلة، وكانت الحرب الأهلية قد وصلت إلى منسوب مخيف من العنف، عزَّزه تطرف من جهة الجماعات المسلحة التي لم تكتف باغتيال الصحافيين والأطباء والمثقفين، بل باشرت نوعًا مما سُمِّي "الرعب غير المفهوم"، شمل ضواحي المدن، ولحق جميع الفئات، حتى الأطفال، وانتشرت

  1. الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر: من الإنقاذ إلى الجماعة كميل الطويل، (بيروت: دار النهار للنشر، 1998)، ص.92-91
  2. أول تنظيم مسلّح جرى تشكيله هو الحركة الإسلامية المسلحة MIA التي أسسها مصطفى بويعلي بين عامي 1982 و 1987، ودخلت في نزاع مسلح ضد السلطة إلى حين القضاء على بعض أفرادها، ثم على زعيمها في عام 1987، والقبض على الآخرين. ثم جرى الإفراج عنهم بعد انفتاح عام 1988، لينسلك بعضهم ضمن صفوف العمل السياسي في إطار جبهة الإنقاذ، غير أن إلغاء المسار الانتخابي دفع ببعض قياديِّي الحركة المسلحة إلى معاودة نشاطهم العسكري من جديد. ثم انضم إلى العمل المسلّح المقاتلون العائدون من أفغانستان، وبدأ تشكيل الجماعات المسلحة يتناسل على نحو طفري تحت مظلات تنظيمية وأيديولوجية عدة؛ منها: حركة الدولة الإسلامية MEI، والجبهة الإسلامية للجهاد المسلح FIDA، والجماعة الإسلامية المسلحة GIA التي تحولت بعد عام 1994 إلى اتحاد بين الجماعات المسلحة سِّس الجيش الإسلامي للإنقاذ السابقة، كما أ AIS. لكن الضربات التي وجهها الجيش والاختلافات الأيديولوجية بين منتسبي هذه الجماعات (سلفيين، وقطبيين، وهجرة وتكفير، وغيرهم)، وكذا حرب الزعامات بينهم، ذلك كله جعل التشظي والانقسام معطيين مميزين لمشهد العمل المسلح بعد ذلك؛ حيث أ سِّست جماعات أخرى؛ مثل: الحركة الإسلامية للدعوة والجهاد MIPD، والجماعة السلفية للدعوة والقتال GSPC، والرابطة الإسلامية للدعوة والجهاد LLID. ولما دخل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، اندمج بعض هذه الجماعات ضمن تنظيمات عابرة القوميات؛ حيث أعلنت الجماعة السلفية للدعوة والقتال في أيلول/ سبتمبر 2006 التحاقها بتنظيم القاعدة، فنشأ ما يُعرَف بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، كما أعلن بعض بقايا الجماعات الأخرى الانضمام إلى تنظيم "داعش" الإرهابي. لمزيد من التفصيل، انظر: فرانسوا كليمنصو وآخرون، الجماعات الإسلامية المسلحة، ترجمة عبد الرحيم حزل (بيروت/ الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2003)؛ وانظر أيضًا: المرجع الجزائر: الرعب المقدس نفسه، ص 53 وما بعدها؛ وأيضًا: لياس بوكراع،، تقديم إرفيه بورج،
  3. ترجمة خليل أحمد خليل (الجزائر/ بيروت: ANEP/ دار الفارابي،)2003، ص.341-273 22 منصوري، ص.183

حالات الذبح الجماعي والتصفيات المناطقية. وغذَّى هذا التطرف تطرفًا في الجهة المقابلة؛ أي ما سُمِّي في تلك المرحلة بالتيار الاستئصالي الذي كان يؤمن بأن الاستئصال هو الطريق الوحيدة لاقتلاع الظاهرة الإرهابية من المجتمع. وفي ظل هذه الحرب العدمية؛ حيث لا مهزوم ولا منتصر، كان هناك خاسر واحد فقط، هو الجزائر، مجتمعًا ودولة، فهل من مخرج للأزمة إذًا؟ ذلك ما بدت ملامحه بعد ذلك.

ثانيًا: من قانون الرحمة إلى الوئام المدني: الطريق الطويلة إلى المصالحة الوطنية

لم يكن قانون المصالحة الوطنية الذي استُفتِي فيه الجزائريون في بداية الألفية الجديدة، خطوة جرى القفز نحوها بسهولة كما قد يُتصوَّر؛ إذ سبقتها لأكثر من عشرية كاملة جهود ظلت تراوح بين الفشل ونصف النجاح، اعتقادًا من أطراف النزاع في إمكان أن يظفر أحدهما بالآخر ليفرض خياراته، لكن شراسة المعركة وتكلفتها البشرية والمادية جعلتا بعض الفاعلين السياسيين يبادر إلى إطلاق مبادرات سياسية لإيجاد حل "للأزمة الجزائرية." مبادرات بدت في البداية محتشمة ومحدودة الأثر، لكن تكلفة المعركة جعلتها تنضج ببطء لتغدو أكثر جرأة، أملً في إنهاء الأزمة المتصاعدة. من أهم تلك المبادرات مسعى الوفاق الوطني الذي أشرف عليه الرئيس زروال بمعيّة قيادة جبهة الإنقاذ التي أطلق سراحها لتسهيل الاتصالات في اتجاه إيجاد تسوية ما، لكن هذه المبادرة لم تسفر عن تقدم في اتجاه الحل، على الرغم من أنها استغرقت سنة كاملة، وانتهت بخيبة أمل كبيرة، وإعلان الرئيس نفسه غلق هذا الملف، ثم إطلاقه "قانون الرحمة" الذي يمكن اعتباره نقطة الانطلاق في الطريق الطويلة نحو التصالح الوطني. هذا القانون، مثلما نص عليه الأمر الرئاسي23، هو سلسلة تدابير تتيح للأشخاص المتابَعين بجرائم الإرهاب أو التخريب الذين يسلِّمون أنفسهم العودة إلى المجتمع بعد نبذ العمل المسلح، في مقابل استفادتهم من العفو أو من عقوبات مخفَّفة. لكن هذا القانون يبدو أنه كان يصدر عن مقاربة أمنية لم تزل مهيمنة حتى تلك اللحظة؛ لأنه لم يسعَ إلى معالجة أسباب الأزمة، وعلى هذا، لم تكن نتائجه ذات وزن لتشكِّل حلًّ مبرمًا لها. في هذا الوقت، لم تنسَ سلطة ما بعد الانقلاب المدنية – العسكرية، التي كانت منشغلة بالمحاربة العنيفة للإرهاب، أن تعمل على صنع واجهات سياسية ومدنية، لتمنح لنفسها الامتداد الشعبي المفقود؛ حيث انتظمت انتخابات رئاسية ثبَّتت زروال رئيسًا للجمهورية بعدما حملته ندوة الوفاق الوطني قبل ذلك إلى رئاسة الدولة، كما نظمت انتخابات تشريعية، فازت فيها، بالطبع، الأحزاب المقربة من النخبة الحاكمة، وعلى رأسها حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي لم يكن قد مضى على تأسيسه أربعة أشهر قبل إجراء الانتخابات. لكن هذا الرئيس الذي انتُخ ب شعبيًّا (مع ملاحظة ما شاب العملية من تزوير مفضوح)، ليكون انتخابه لبنة في مسعى بناء الصرح المؤسساتي الذي كثيرًا ما جرى التبشير به وبقرب اكتماله، أعلن استقالته بعد أقل من ثلاثة أعوام؛ أي قبل انتهاء ولايته الرئاسية بعامين كاملين. وفُسِّت هذه الاستقالة بالمسعى التفاوضي السري لبعض قادة الجيش الوطني مع قادة التنظيم المسلح المسمَّى "الجيش الإسلامي للإنقاذ" AIS من دون موافقة الرئيس، وهو مسعى انتهى بإعلان الجيش الإسلامي هدنة من جانب واحد في تشرين الأول/ أكتوبر.1997 يبدو أن هذه الاستقالة، على الرغم من أنها كرّست انطباعًا لدى الشارع الجزائري بهشاشة الاستقرار داخل منظومة مؤسسات الدولة، فتحت المجال من جهة أخرى لتسوية سياسية، يبدو أنه كان يجري التحضير لها منذ مدة من قيادة الجيش التي كانت تبحث لها عن تسويق سياسي لم يكن في وسع الرئيس زروال ذي الخلفية العسكرية القيام به. سيكون انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في نيسان/ أبريل 1999 - وهو الذي كان مرشح الجيش بلا مواربة - الواجهة السياسية المُثلى التي ستذهب بمسار التصالح إلى أبعد مدى ممكن، وستنقله من إطار "قانون الرحمة" إلى إطار الوئام المدني24، قبل أن ينتهي في خطوة لاحقة إلى مسعى شامل للمصالحة الوطنية. أول ما يمكننا أن نلحظه على هذا القانون هو أنه لم يكن تدبيرًا قانونيًّا محضًا جرى إقراره بأوامر رئاسية مثل سابقه، قانون الرحمة، لكنه مُرِّر على الهيئات التشريعية ليأخذ حصانته القانونية، ثم مُرِّر للاستفتاء الشعبي ليتحصن بإرادة شعبية تعطيه مداه من الصدقية، وتمنحه سنده الاجتماعي. ولأنه كان تدبيرًا منطلقًا من عمق النظام السياسي الحاكم ومن اقتناعه بجدوى تسوية سلمية للأزمة، وتعبيرًا عن إرادته لحلحلتها بعد تلكؤ دام أعوامًا، ولأنه حظي بتزكية شعبية كبيرة (أكثر من 85)، جسّد هذا القانون، ولو نسبيًّا في المئة من أصوات المستفتَيْ،

  1. صدر بناءً على الأمر رقم 12 / 95 المؤرخ 1995/2/25، المتضمن تدابير الرحمة، وكذا القواعد والشروط والكيفيات المطبَّقة على الأشخاص المتابَعين بجرائم الإرهاب أو التخريب الذين سلموا أنفسهم تلقائيًّا للسلطات المختصة وأشعروها بتوقفهم عن كل نشاط إرهابي
  2. أو تخريبي. 24 صدر قانون الوئام المدني في 1999/7/13، تحت رقم.08-99

طموح إعادة الإدماج المدني في المجتمع لعشرات التائبين ممن تخلَّوا عن العمل المسلح في الجبال بعد إعلان الهدنة، وكانوا ينتظرون تحصينًا قانونيًّا يراعي وضعهم الجديد25. لتلك الأسباب مجتمعة، أسفر تطبيق هذا التدبير القانوني بين فترة إقراره وانتهاء مدته التي حدّدها قانون الوئام المدني بستة أشهر (تموز/ يوليو 1999 - كانون الثاني/ يناير 2000) عن عودة آلاف المسلحين، وانقطاعهم النهائي عن العمل المسلح26.

ثالث ا: رحلة المصالحة الجزائرية تصل إلى محطتها النهائية

على الرغم من النجاح الظاهر والنتائج الإيجابية لمسعى الوئام المدني، مقارنة بنتائج قانون الرحمة، فإن ذلك لا يمنع توجيه جملة من الانتقادات؛ لعل أبرزها أن هذا القانون، شأنه شأن سابقه، قانون الرحمة، لم يذهب إلى حد معالجة الأزمة الجزائرية في عمقها، بما هي أزمة سياسية بامتياز، بل اكتفى بمعالجة بعض أعراضها ومظاهرها، وعلى رأسها الظواهر ذات المنزع الأمني؛ حيث تراجعت أعمال القتل والتخريب تراجعًا ملحوظًا، وإن استمر بعضها، ولو على نحو استعراضي.

أمام سياسة الوئام المدني الظافرة التي نجحت في تضييق مساحة العمل المسلح واسترجاع الدولة مكانتها على الصعيد الأفريقي والعربي والدولي - حيث أعادت معظم السفارات الأوروبية فتح أبوابها، وتكثّف النشاط الديبلوماسي لإبراز الوجه الجديد لجزائر الوئام، وهو ما أثمر عودة الكثير من الاستثمارات الأجنبية وتحسّن وضع الجزائر وصورتها على الصعيد الدولي عمومًا - بدا أفق جديد للرئيس بوتفليقة، قبيل انتهاء عهدته الرئاسية الأولى، لتبشير الجزائريين بإمكانات الذهاب بسياسة الوئام المدني إلى خيار أوسع وأعمق، وهو خيار تعميق السلم والمصالحة الوطنية الشاملة. لذلك، سيكون تبشيره ب "المصالحة الشاملة"، ودعوته إليها هما المفردة الأساس في برنامج ترشحه لولاية رئاسية ثانية، مثلما كان تبشيره بالوئام المدني هو المفردة الأساس في برنامج ترشحه للولاية الرئاسية الأولى. "يجب تشجيع كل عمل من شأنه أن يدفع حركية السلم، كما يجب أن تباشر هذه الحركية وتواصل إلى نهايتها"27. بهذه العبارات كان الرئيس بوتفليقة يحث الهيئة الناخبة الجزائرية لتصوِّت لمشروع ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. وهو ما استجاب له كثير من الناخبين، على الرغم من الأصوات المعارضة والمعترضة على بعض بنود المشروع؛ حيث أصبح بالفعل حقيقة واقعة منذ أيلول/ سبتمبر 2005، حينما زكَّته أغلبية من الأصوات، تجاوزت 97 في المئة، ليبدأ تنفيذه بوصفه قانونًا في شباط/ فبراير 2006 28.

1. قراءة في مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية

أ. وصف أفقي لمشروع الميثاق

ميثاق السلم والمصالحة الوطنية هو الوثيقة التي عُرضت على الشعب للاستفتاء فيها، وهي بمنزلة الإطار العام للأحكام القانونية للمصالحة. يتضمن مشروع الميثاق المحرَّر في 16 صفحة من القطع المتوسط باللغتين العربية والفرنسية ديباجة وخمسة محاور أساسية؛ هي كالآتي: الديباجة: جرى فيها تأكيد أهمية نضالات الشعب الجزائري لأجل الحرية والكرامة، وما تعرَّض له بسبب آفة الإرهاب الذي كان يرمي إلى تقويض مكسب الدولة والسلم الاجتماعي، وجدوى المصالحة بوصفها ضامنًا للسلم وشرطًا للتنمية، وأن الشعب بتزكيته هذا الميثاق يعبِّ عن عزمه على إنهاء المأساة الوطنية29 وإرساء جزائر الغد.

  1. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، رئاسة الجمهورية، "قانون رقم 08-99 مؤرّخ في 29 ربيع الأوّل عام 1420 الموافق 13 يوليو سنة 1999، يتعلّق باستعادة الوئام المدنيّ"، موقع رئاسة الجمهورية الجزائرية: https://bit.ly/2kvSuj5
  2. بحسب الإحصاءات المتاحة، وصل عدد الذين استفادوا من تدابير قانون الوئام المدني إلى ما بين 6 آلاف و 6.5 آلاف مسلح. وكان عدد المسلحين بين عامي 1993 و 1996 قد وصل، بحسب بعض الإحصاءات، إلى نحو 30 ألف مسلح. وتبعًا لتقرير أعدّته خليّة المساعدة
  3. انظر خطابه لدى استدعائه الهيئة الانتخابية لاستفتاء 16 أيلول/ سبتمبر في.1999/8/2 موقع رئاسة الجمهورية الجزائرية، في: https://bit.ly/2kmBj07
  4. صدر تحت رقم 01-06 بتاريخ 2006/2/27، ويتضمن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. " 29 المأساة الوطنية" هو المصطلح الذي سكَّه خطاب السلطة للتعبير عن أعوام الدم والرصاص منذ إلغاء المسار الانتخابي ودخول البلاد في أزمة سياسية وأمنية.
  5. القضائية لتطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية التي تم إنشاؤها في حزيران/ يونيو 2005، قدِّر عدد من تم القضاء عليهم من الإرهابيين بنحو 17 ألف إرهابي في الفترة.2006-1992

عرفان الشعب الجزائري لصنّاع نجدة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية: في هذا المحور جرت الإشادة بدور مؤسسة الجيش والأسلاك الأمنية المختلفة وتضحياتها لإنقاذ الجمهورية، وتأكيد عدم السماح بمسِّ مؤسسات الجمهورية تذرّعًا بما خلّفته المأساة الوطنية. الإجراءات الرامية إلى استتباب السلم: تتلخص في بعض الترتيبات القانونية لتسوية وضعيات التائبين30 والمحكوم عليهم، عبر آليات؛ منها: إبطال المتابعات القضائية وإبدال العقوبات والإعفاء من العقوبة والعفو. الإجراءات الرامية إلى تعزيز المصالحة الوطنية: هي إجراءات تسعى للقضاء على بذور البغضاء، وتشمل إنهاء المضايقات وإعادة المفصولين إلى مناصبهم وتسوية وضعياتهم الاجتماعية ومنع النشاط السياسي على من شارك في أعمال إرهابية ومن كانت له مسؤولية في العبث بالدين وتعاليم الإسلام. إجراءات دعم سياسة التكفل بملف المفقودين المأساوي: من خلال رفض رمي الدولة بالمسؤولية عن التسبب في الاختفاء والتغييب، مع تحمُّل الدولة مصير هؤلاء على ذمتها، وتمكين ذوي حقوقهم من تجاوز المحنة من خلال النص على حقهم في التعويض. الإجراءات الرامية إلى تعزيز التماسك الوطني: تشمل القضاء على عوامل الإقصاء، خصوصًا المواطنين الذين تورّط ذووهم في الإرهاب، والتكفل بأسر الإرهابيين. كما ذكَّر الميثاق في هذا المحور الشعب برفض أي تدخل أجنبي، وبأن ينسلك أفراده في مسعى البناء الوطني والدفاع عن نظامه الجمهوري التعددي، وأكد أن الدولة ستعمل على ترقية شخصية المجتمع وهويته عبر النهوض بالجوانب الدينية والثقافية واللسانية. ولوضع هذه الترتيبات موضع التنفيذ، بعد أن حاز الميثاق التأييد الشعبي، صدرت مراسيم وأوامر رئاسية عدة (في 28 شباط/ فبراير:)2006 أمر رقم يتضمَّن تنفيذ ميثاق 06 / 01 السلم والمصالحة الوطنية. مرسوم تعويض ضحايا المأساة الوطنية المفقودين. مرسوم يتعلق بإعانة الدولة للأسر المحرومة التي ابتليت بضلوع أحد أقاربها في الإرهاب. مرسوم يتعلق بتعويض ضحايا المأساة الوطنية (إعادة الإدماج أو التعويض للمسرَّحين من أعمالهم.) مرسوم يتعلق بكيفيات التصريح للأشخاص الذين يَ ثلون أمام السلطات المختصة.

ب. وصف عمقي لمشروع الميثاق

أهداف ميثاق السلم والمصالحة الوطنية

التكفل بملف المفقودين في بعده الاجتماعي السياسي؛ حيث أقر الميثاق مبدأ التعويض المادي للأسر المعنية. التكفل بقضايا الأشخاص الذين سلموا أنفسهم ووضعوا السلاح؛ حيث ورد في المادة 24 من الأمر 06 / 01 ما يأتي: "تتخذ الدولة، كلما دعت الحاجة إلى ذلك، الإجراءات المطلوبة، في إطار القوانين والتنظيمات المعمول بها، من أجل رفع كل عائق إداري يواجهه الأشخاص الذين استفادوا من أحكام القانون المتعلِّق باستعادة الوئام المدني." التكفل بعائلات الإرهابيين وإعادة إدماج المفصولين بسبب المأساة، وتعويضهم؛ حيث جرى التنصيص على أنه لا يجوز التعرض للأشخاص الذين كان لبعض أقاربهم ضلوع في الأعمال الإرهابية أو معاقبتهم على ذلك. بل نص القانون أيضًا على معاقبة كل تمييز في حق هذه الأسر. العيش بكرامة؛ حيث كفل هذا القانون صرف إعانة تمنحها الدولة ل سرأأ المحرومة. ونص، بموجب مادته الخامسة والعشرين، على أن "لكل من كان موضوع إجراءات إدارية للتسريح من العمل قررتها الدولة، بسبب الأفعال المتصلة بالمأساة الوطنية، في إطار المهام المخوَّلة لها، الحق في إعادة إدماجه في عالم الشغل أو، عند الاقتضاء، في تعويض تدفعه الدولة، في إطار التشريع المعمول به." تكريس الحصانة القانونية للأسلاك الأمنية المختلفة من أي متابعات محتملة أمام الجهات القضائية، سواء أكان ذلك داخل الوطن أم خارجه؛ حيث تم التنصيص بموجب المادة 45 من الأمر رقم 06 / 01 أنه: "لا يجوز الشروع في أي متابعة، بصورة فردية أو جماعية، في حق أفراد قوى الدفاع والأمن للجمهورية، بجميع أسلاكها، بسبب أعمال نُفِّذت من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، ونجدة الأمة، والحفاظ على مؤسسات الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية."

  1. التائب" هو المصطلح الذي اشتقه الخطاب الرسمي، بعد مرحلة الوئام المدني، للتعبير عن حالات المسلحين الذين عبَّ وا بإرادتهم الطوعية عن التخلي عن العمل المسلح، وهو خطاب تلطيفي إزاء خطابات أخرى تستخدم مصطلحات مثل "الإرهابي." ويبدو أن حالة المصالحة الجزائرية أنتجت قاموسًا خاصًّا بالألفاظ التي تحتاج إلى بحث ودراسة؛ مثل مفاهيم: "المأساة الوطنية" و"ضحايا الإرهاب" و"التائبين" و"ذوي الحقوق" و"الإرهاب الهمجي" و"الفتنة" و"صناع نجدة الجمهورية" و"المفقودين" و"ذوي حقوق المفقودين."

الترتيبات الوقائية لعدم تكرار المأساة؛ حيث نص القانون، بموجب مادته السادسة والعشرين، على منع الممارسة السياسية على جميع الأشخاص المسؤولين عن الاستعمال المغرض للدين، الذي أفضى إلى الأزمة، وكذا على الذين شاركوا في أعمال إرهابية.

المصالحة الوطنية: الحصيلة

لا بد من الإشارة إلى أن تدبير المصالحة الوطنية - بغض النظر عن الانتقادات التي نُسجّلها على الرؤية التي وجهته، أو الطريقة التي طُبِّق بها – كان، مثلما نصَّت على ذلك أرضية الميثاق، "غاية ينشدها الشعب الجزائري"، و"أنها مطلب غير قابل للتأجيل، نظرًا لما تواجهه الجزائر من تحديات التنمية العديدة"31. أسفر تطبيقها، مثلما صرَّح به عدد من المتابعين أو المعنيين مباشرة بملفها، عن إيجابيات كثيرة، مع تسجيلهم أيضًا بعض الملحوظات بخصوص بعض المسائل المستجدة التي لم ينتبه إليها نص الميثاق أو النصوص التطبيقية الخاصة32؛ إذ صرَّ ح رئيس خلية المساعدة المكلفة بتطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية القضائية، سِّست في حزيران/ يونيو وهي هيئة أ 2005، وانتهت مهمتها في حزيران/ يونيو 2015، بأن الحصيلة كانت إيجابية جدًا، وأن الميثاق طُبِّق بنسبة 95 في المئة، وشملت إجراءات السلم والمصالحة أربع فئات33: فئة الأشخاص الراغبين في تسليم أنفسهم طواعية. فئة المفقودين. فئة الأشخاص الإرهابيين. فئة الأشخاص المسرَّحين من عملهم بسبب ضلوعهم في أعمال إرهابية. أما عن الحصيلة الإحصائية بالأرقام، فبيَّ رئيس اللجنة أن: أكثر من 15 ألف شخص مسَّتهم إجراءات المصالحة الوطنية؛ منهم 6 آلاف شخص استفادوا من تدابير الوئام المدني قبل ذلك. استفادت من التعويض 7100 عائلة مفقود من مجموع 7144 عائلة معنية. استفادت من التعويضات المالية 11224 عائلة إرهابي محرومة، من ضمن قائمة رسمية بالإرهابيين الذين تم القضاء عليهم، المقدَّرين ب 17 ألف إرهابي. أعيد إدماج أكثر من 4300 شخص في مناصب عملهم بعد تسريحهم منها أيام الأزمة. وأما بخصوص البنود الأخرى التي نصَّ عليها الميثاق، والمتعلقة بترقية الهوية والشخصية الوطنية، والنهوض بالجوانب الدينية، فأوضح الوزير المنتدب المكلف بالشؤون المغاربية والأفريقية، عبد القادر مساهل، في عرضه إستراتيجية الجزائر لمكافحة الإرهاب، أن القضاء على التطرف كان محورًا مهمًّ لهذه الإستراتيجية التي تمثلت في "تعزيز أسس المرجعية الدينية الوطنية من خلال ترقية ثقافة الإسلام الذي يدعو إلى الإنسانية والتسامح والانسجام الاجتماعي." ومن بين الإجراءات التي اتخذتها الجزائر في هذا المجال، في رأيه34: حماية التراث الديني من الأفكار المتنافية مع المرجعية الدينية الوطنية، واسترجاع المسجد لمهمته الحقيقية في المجالات الدينية والثقافية والاجتماعية والتربوية. إعداد خريطة وطنية جديدة للمساجد، وإدراج موضوع الوقاية من التطرف العنيف في خطب الأئمة، إلى جانب التعليم القرآني والجوانب الدينية الأخرى. مشاركة المرشدين الدينيين في نشاطات التوعية الجوارية حول ظاهرة العنف والتطرف. إعادة تنظيم هيئة الفتوى وتكوين وتأطير الأئمة المدعوِّين لممارسة مهماتهم في وسط الجالية الجزائرية المقيمة في الخارج. إطلاق رابطة علماء الساحل من أجل إسلام معتدل وسلمي. مشروع إنشاء مرصد وطني لمكافحة التطرف الديني. مع ذلك، يبدو أن الحماسة والفاعلية في تنشيط هذه الإجراءات ووضعها حيّز التنفيذ، كانتا دون السويّة التي يمكن أن نلمسها إزاء تنفيذ بنود مشروع الميثاق الأخرى المتعلقة بتسوية الأمور المادية وإعادة إدماج المسرَّحين والتكفُّل بضحايا الإرهاب، وغير ذلك.

  1. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، "مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية"، 2005/9/29، ص.8
  2. نبّه بعض الحقوقيين إلى أن من بين الجوانب التي أغفلها ميثاق السلم والمصالحة ملف الأطفال المولودين في الجبال، وهم الذين بلغ عددهم نحو 500 طفل، إضافة إلى الأشخاص الذين سُجنوا بشبهة الإرهاب ثم برَّأتهم المحاكم من دون أن يتلقوا تعويضًا عن الضرر، وكذا الأشخاص الذين كانوا محل اعتقالات إدارية بلا محاكمة، أو الأشخاص المتضررين اقتصاديًّا من المأساة الوطنية؛ وهي أمور تستدعي إطلاق تدابير قانونية تكميلية لهذا الميثاق، تشمل هذه الفئات المتضررة. انظر: "خلية المساعدة لتطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية تسلم تقريرها للرئيس بوتفليقة هذا الأسبوع: قسنطيني يقترح توسيع المصالحة إلى عفو شامل"، النصر، 2015/9/27، شوهد في 2018/9/24، في: https://bit.ly/2rq7tw7
  3. انظر: "مروان عزي يؤكد بمناسبة مرور تسع سنوات على تطبيق الميثاق: 9 آلاف
  4. شخص استفادوا من إجراءات السلم والمصالحة الوطنية"، جريدة المساء، 2014/9/29، شوهد في 2018/9/24، في https://bit.ly/2jAoksG: " 34 مساهل: المصالحة الوطنية حافظت على تلاحم وانسجام المجتمع الجزائري"، الإذاعة الجزائرية، 2015/2/20، شوهد في 2018/9/24، في: https://bit.ly/2FPFr2e

ومع أن هناك جهدًا تضطّلع به وزارة الشؤون الدينية، على اعتبار أن المسألة تهمّها من جوانب عدة، في اتجاه إعادة استرجاع مؤسسة المسجد دورها المحوري في هذا الصدد وتنظيمها نشاطات وفعاليات دينية وتثقيفية عدة، كان من أبرزها المؤتمر الدولي لعلماء دول الساحل الذي انتظم في الجزائر لأجل السعي نحو بناء ما يمكن تسميته هيئة دينية عُلمَائية عابرة الحدود، تضطلع بترسيخ الإسلام المعتدل والتصدِّي للتيارات التكفيرية، والمبادرات الأخرى؛ فإنها لم تزل مترددة في وضع بعض المشروعات ذات العمق الإستراتيجي الديني موضع التنفيذ، ومن ذلك تأسيس دار للإفتاء تكون مرجعًا للفتوى في الجزائر، واستحداث منصب مفتٍ للجمهورية، في وقت يلجأ كثير من الجزائريين، خصوصًا الشباب المتدينين منهم، إلى استيراد الفتاوى والأفكار الدينية من بيئات أخرى خارج الجزائر، أصبحت تغزو الفضاء الديني الجزائري وتشوِّش على انتمائه السنِّي، المالكي والأشعري.

رابعًا: المصالحة الوطنية الجزائرية:

محاولة نقد من أجل أفق جديد للتصالح

هناك جوانب قصور مهمة يمكن أي متابع أن يلحظها على التجربة الجزائرية في المصالحة، إذا ما قورنت بتجارب أخرى قريبة منها، مثل التجربة التشيلية أو التجربة الجنوب أفريقية أو حتى التجربة المغربية أو تجارب أخرى كثيرة. بدايةً، يمكن لأي متابع أن يلحظ الرؤية التي يصدر عنها مشروع المصالحة الوطنية في الجزائر، وهي رؤية جمعت بين المسارين السياسي والأمني، لكنها لا تعني تحويل الصراع إلى المستوى السياسي لمحاولة إيجاد حل يمس الأسباب الأساسية، ولا يكتفي بملامسة الأعراض فحسب، وإنما تعني نقل الصراع جزئيًّا إلى المستوى السياسي، مع الحفاظ على المواجهة الأمنية. هذه الازدواجية أفرغت تدبير المصالحة الوطنية في الجزائر من الكثير من أبعاده الحقيقية المتمثلة في نقل الصراع إلى حيّزه السياسي؛ حيث يستعاض عن الصراع المسلح بالتنافس السياسي من أجل تحقيق أهداف كل طرف35. انتهت تجارب المصالحة في أغلبية البلاد، التي عرفت أزمات سياسية وأمنية، إلى إقرار مسارات للتصالح، استُعيض فيها عن الصراع العنيف الذي ميز حقبة ما قبل المصالحة بمسار للتسوية السياسية، انتظمت فيه أمور الدولة والمجتمع، لتَعبُ نحو مرحلة تمهيدية لتحقيق الانتقال الديمقراطي، ومن ثَمَّ تثبيت الديمقراطية وتحقيق التداول السلمي للسلطة. أما في الجزائر، وبغض النظر عن بعض الخصائص الإيجابية في مشروع الميثاق من أجل السلم والمصالحة - وهي جوانب لا يمكن إنكارها؛ إذ استطاع هذا المشروع تخفيض منسوب العنف، والحدَّ من الكثير من الظواهر السلبية الموروثة عن مرحلة النزاع المسلح وفتح المجال لمناخ جديد في جزائر الألفية الجديدة - فإن عدد نقاط الضعف التي سجلتها الجهات السياسية والحقوقية ما زال يلقي بظلاله على هذا المشروع.

يلخِّص الموقفَ إزاء نص مشروع الميثاق وصفُ الأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني، عبد الحميد مهري، له بأنه "يتضمن ما يمكن قبوله وما يمكن رفضه"، وفي هذا الشأن يؤكد مهري أن مشروع الميثاق يتضمن صيغة تجمع بين الشيء ونقيضه؛ فالشق الأول منه لا يثير أي خلاف، لأنه يتعلق بجملة الإجراءات القانونية والإدارية التي ترمي إلى معالجة بعض مظالم الأزمة وتجاوزاتها وآثارها، وهذا أمر مطلوب في كل مصالحة حقيقية، لكنه ليس المصالحة كلها. أما الشق الثاني فيرمي، في رأيه، إلى تزكية السياسات التي اتُّبِعت في معالجة الأزمة منذ إيقاف المسار الانتخابي، وهي السياسات التي كانت سببًا في الأزمة؛ حيث تم الإبقاء على سياسة الإقصاء التي بدأت في عام 1992، فكيف يمكن، إذًا، الجمع بين الشيء ونقيضه36؟ بالرجوع إلى أرضية المصالحة الوطنية وما تبعها من نصوص أوامر ومراسيم، وبالاستناد إلى ملحوظات عدد من الكتَّاب، يمكن تسجيل نقاط الثلب الآتية: حصر معالجة الأزمة في جوانبها الأمنية وآثارها الإنسانية والاجتماعية، ويتبيَّ هذا من خلال مراجعة مسحية للأوامر والمراسيم الصادرة؛ إذ ترمي كلها، تقريبًا، إلى معالجة مسائل تعويض الضحايا والمفقودين، وتكفُّل الدولة بإعانة الأسر

  1. منصوري، ص.172
  2. انظر: عبد الحميد مهري، "الميثاق مرشح ليكون مصحف عثمان والمرجع الوحيد"، جريدة الشروق اليومي، 2005/9/22، ص.5

المحرومة من أقارب الإرهابيين، وبكيفيات التصريح للأشخاص الذين يَ ثلون أمام السلطات الأمنية والقضائية حال تسليم أنفسهم وتخلّيهم عن النشاط المسلح. ولا نكاد نعثر في هذا الصدد على إجراءات ومقاربات تأتي على معالجة الجوانب الأعمق من الأزمة، وتدعم استدامة السلم في المجتمع وتكرِّسه خيارًا نهائيًّا وثقافة معيشة. رفض معالجة الأسباب والآثار السياسية للأزمة؛ إذ صُمِّم ميثاق السلم والمصالحة، كما يرى مهري، ضمن حدود ورؤية ترفض أن تعترف بأن عمق الأزمة هو سياسي بامتياز37. افتقار تجربة المصالحة الجزائرية لشروط المصالحة الشاملة. وفي هذا الإطار، يصر بعض المشتغلين بموضوع المصالحة في الجزائر على إبراز العيوب الآتية: تفادي التعامل مع الماضي، والاستنكاف عن تشكيل لجان كشف الحقيقة من المثير حقًّا أن مشروع المصالحة، في طبعته الجزائرية، لا يلتفت في الأساس إلى هذه المسألة، على أهميتها؛ فالضابط الذي تشير إليه جميع أدبيات المصالحة وتجاربها يقتضي أن لا مصالحة من دون مصارحة وكشف للحقيقة. في تجارب المصالحة المعاصرة كلها تقريبًا، جرى تأسيس وترسيم لجان للحقيقة والإنصاف والمصالحة Truth and Reconciliation Commission، سواء في الدول الغربية المتقدمة التي سعت لمعالجة أخطاء بعض السياسات في مجتمعاتها38، أم في دول العالم الثالث، كما هي حال سِّ ست لجنة مشابهة التجربة الجنوب أفريقية؛ حيث أ، تفرّعت منها لجان فرعية: للعفو Committee on Amnesty ولانتهاكات حقوق الإنسان Committee on RightsViolations Human، وللتعويض وإعادة الاعتبار،39 Committee on Reparation and Rehabilitation أو كما هي الحال في التجربة المغربية التي أُسِّ ست فيها لجنة للإنصاف والمصالحة، وغيرها من التجارب. في الحالة الجزائرية، لا نعثر على شيء من هذا القبيل؛ حيث ركزت مؤسسة صنع القرار التي طرحت مشروع المصالحة على سبل الخروج من الأزمة ومسح آثارها في أسرع وقت، ومن هذا الباب تفادت أي محاولة للتعامل مع الماضي، واستنكفت عن تشكيل لجنة لكشف الحقيقة40. إن غلق الباب على الماضي، كما يشدِّد بعض الدارسين، ممكن بعد تشكيل صورة واضحة وصحيحة حول هذا الماضي فحسب41، وهذا شأن اضطلعت به، في تجارب المصالحة المعروفة كلها، لجان الحقيقة والمصالحة؛ ليس دائمًا بهدف إنزال العقاب بمن تسبب في جروح مادية ومعنوية خلال فترة الأزمة، لكن لأجل استعادة الذاكرة الجمعية وتشكيل رواية مشتركة ومتفق عليها إزاء هذا الماضي الأليم، وليكون ذلك أفضل طريق بغية تحقيق التسامح وبناء المستقبل المشترك. وهذا أمر لا نعثر عليه في التجربة الجزائرية؛ حيث جرت التغطية على فترة تجاوزت العقد من الزمن من دون أدنى بحث في أسبابها، على الرغم من أن الرواية الرسمية التي يزكّيها ميثاق السلم والمصالحة بجرَّة قلم، كما يقول مهري، لا تغطي الحقيقة كاملة42. وهذه مسألة خطرة، في رأي بعض المتخصصين، لأن تبنِّي صيغة مصالحة من دون معرفة ما الذي حصل؟ ومن كان سببًا فيه؟ ولماذا؟ ولأي غاية وهدف؟ هو تبنِّي صيغة منقوصة كفيلة بإعادة إنتاج الأزمة وتجدُّد اندلاعها في أي لحظة؛ وذلك "لأن المذابح الجماعية وقتل النساء والأطفال وفقد عشرات الآلاف من المواطنين في ظروف غامضة[...]ليست أحداثًا عادية في تاريخ الأمم. وأسوأ طريقة للتعامل معها هي محاولة تغطيتها بالنسيان وإقامة الحواجز دون معرفة الأسباب والظروف التي ولّدتها"43. أمام الضغوط التي مارسها بعض الحقوقيين، خصوصًا عائلات المفقودين والمغيَّبين، أسست السلطة في عام 2003 اللجنة الوطنية الاستشارية لحماية وترقية حقوق الإنسان، برئاسة رجل القانون فاروق قسنطيني، لمتابعة ملف المفقودين، لكن من دون صلاحيات ذات مغزى، ما دعا بعض الدارسين

  1. انظر: عبد الحميد مهري، "المصالحة الوطنية لم تكن في حاجة إلى استفتاء"، جريدة الشروق اليومي، 2005/11/6، ص.5
  2. انظر: David K. Androff, "Adaptations of Truth and Reconciliation Commissions in the North American Context: Local Examples of a Global Restorative Justice Intervention," Advances in Social Work, vol. 13, no. 2 (Summer 2012), pp. 408-419, at: https://bit.ly/2HVQ35u
  3. انظر: Eszter Kirs, "Bridge between the Period of Violence and the Peaceful Living Together: Thoughts on the Reconciliation Process in South- Africa," Miskolc Journal of International Law , vol. 2, no. 3 (2005), pp 42,
  4. منصوري، ص.135
  5. Kirs, p 45.
  6. مهري، "الميثاق مرشح ليكون مصحف عثمان." 43 المرجع نفسه.
  7. at: https://bit.ly/2rqm0Yu

إلى تأكيد أنها كانت أشبه بمناورة لأجل ربح الوقت. وبعدها، في حزيران/ يونيو 2005، أسست السلطة خليّة المساعدة القضائية، وكلَّفتها بمتابعة تطبيق ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، من دون أن يكون لها هي الأخرى ميزات وصلاحيات لجان الحقيقة والمصالحة. – الخروق القانونية في نص الميثاق يتحدث المهتمون بأدبيات المصالحة والعفو الشامل عن ثلاثة شروط أساسية ينبغي توافرها في أي مشروع عفو أو تصالُح: أل يكون متعارضًا مع نصوص القانون الدولي، وألّ يقف عائقًا أمام عمليات المساءلة، وأن يكون قد جرى تبنِّيه على نحو يعكس إرادة الشعب. ويرى الباحث فاليري أرنولد Arnould Valerie أن الميثاق من أجل السلم والمصالحة الجزائري يُبيِن ضعفًا شديدًا إزاء النقاط الثلاث السابقة44. من المسائل التي أثارت جدلً في هذا الخصوص ما يتعلق بحجر النشاط السياسي على الأشخاص الذين تورّطوا في المأساة الوطنية؛ حيث جرى التنصيص على أن "تُ نَع ممارسة النشاط السياسي، بأي شكل من الأشكال، على كل شخص مسؤول عن الاستعمال المغرض للدين الذي أفضى إلى المأساة الوطنية. كما تُ نَع ممارسة النشاط السياسي على كل من شارك في الأعمال الإرهابية ويرفض، بالرغم من الخسائر التي سببها الإرهاب واستعمال الدين لأغراض إجرامية، الإقرار بمسؤوليته في وضع وتطبيق سياسة تمجِّد العنف ضد الأمَّة ومؤسسات الدولة"45. وهذه مسألة شكَّك بعض المتخصصين في مدى دستوريتها؛ حيث يجري بموجبها تجريد مجموعات من المواطنين، بمواصفات قابلة للتمطيط والتأويل، كما يقول مهري46، من حقوقهم المدنية وحريّتهم المكفولة دستوريًّا، من دون المرور على المؤسسة القضائية التي يحق لها وحدها النظر في قضايا كهذه. وهناك مسألة أخرى ذات أهمية قصوى تتعلق بالتنصيص على منح الحصانة لقوات الأمن والجيش47 من أي متابعات محتملة أمام الجهات القضائية داخل الوطن أو خارجه، وهذا ما يؤسس، بحسب بعض الدارسين، منطق الإفلات من العقاب، وهو أمر يتعارض مع شروط إقرار السلام الدائم؛ ويتساءل هؤلاء الدارسون: كيف يجري تحصين أشخاص أو جهات يمكن أن تُثبِت عمليات التحقيق تورّطها؟ ولعل هذا هو ما جعل بعض الناشطين الحقوقيين والباحثين يميل إلى الرأي القائل إن الهدف من الميثاق من أجل السلم هو تحصين القوات الحكومية أكثر من تعزيز السلم والمصالحة الوطنية؛ وأن تزكية مسعى المصالحة في طبعتها الثانية في عام 2005 كان أمرًا ملحًّا في أوساط النخبة العسكرية، لطمأنتهم على مستقبلهم بعد سلسلة الشكاوى التي قُدِّمت أمام المحاكم الأوروبية في عامي 2001 و 2002 ضد اللواء خالد نزار، وهو الشخصية الرئيسة المسؤولة عن أحداث ما بعد عام 1992 48. – مصالحة التوازنات الظرفية بعدما تعالت الأصوات المنتقدة ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، خرج الرئيس بوتفليقة في عدد من المرات ليؤكد أن هذه الصيغة من المصالحة هي أكبر ما يمكن فعله في الوقت الراهن، وهي المخرج الأمثل، إن لم يكن الوحيد، الذي تتيحه التوازنات الوطنية، وهو الذي سينير الطريق المؤدية غدًا إلى الحلول النهائية49. قطعت تجربة المصالحة الجزائرية أكثر من عقد كامل بين مبادرة قانون الرحمة ثم قانون الوئام المدني كي تصل إلى محطة المصالحة الشاملة، مع إقرار ترتيبات ميثاق السلم المستفتى فيه في أيلول/ سبتمبر 2005. وكان هذا التلكؤ في حل الأزمة المجتمعية مبرَّرًا دائمًا بمنطق التوازنات داخل النظام الحاكم. ويبدو أن الوقت ما زال بعيدًا للوصول بتجربة المصالحة الوطنية الجزائرية إلى مرحلة ما سمّ ه الرئيس بوتفليقة "الحلول النهائية"50 التي يمكن من خلالها الجزائريين أن ينعموا بسلام مستدام مؤسس على معرفة الحقيقة الكاملة حول "العشرية السوداء"، كي لا تتكرر في تاريخهم مرة ثانية. فهل سيكون ذلك ممكنًا؟ أم هل إن ذلك بعيد المنال؟ ذلك ما سيخبرنا به المستقبل.

  1. 50 لم نشهد، منذ إقرار ميثاق السلم والمصالحة، أي إجراءات أخرى نوعية تنقل هذا التدبير المهم إلى أفق التصالح الشامل، أو تدعمه ببعض الآليات الأخرى التي تجعل من تجربة المصالحة الجزائرية تجربة مرجعية بامتياز، سوى بعض المسالك الاحتفائية التي تسوِّق للتجربة على صعيد محلي ودولي؛ آخرها تصديق الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2017، بمبادرة من الجزائر، لائحة تعلن "يوم 16 أيار/ مايو يومًا عالميًّا للعيش معًا بسلام"، أعقبها تسويق سياسي داخلي لإحياء هذا اليوم عبر عدد من المبادرات التربوية والثقافية ونشاطات التوعية التي كان آخرها ترسيم موضوع "العيش معًا بسلام" بوصفه درسًا افتتاحيًّا لمختلف الأطوار التعليمية للسنة الدراسية /2018 .2019
  2. انظر: المادة 26 من القسم الثالث المتعلق بإجراءات الوقاية من تكرار المأساة الوطنية في: الأمر رقم 01-06، بتاريخ 2006/2/27، المتضمِّن تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية.
  3. مهري، "الميثاق مرشح ليكون مصحف عثمان."
  4. انظر: المادة 45 من الأمر رقم 06 / .01
  5. Arnould, p. 240, pp. 248-249.
  6. منصوري، ص.137
  7. 44  Valerie Arnould, "Amnesty, Peace and Reconciliation in Algeria," Conflict, Security & Development , vol. 7, no. 2 (June 2007), pp. 239.

المراجع

العربية

بوتنر، فريدمان. "الباعث الأصولي وم وررع الحداثة." ترجمة عمرو حمزاوي. المستقبل العربي. السنة 19. العدد 218 (نيسان/ أبريل.)1997 بوكراع، لياس. الجزائر: الرعب المقدس. تقديم إرفيه بورج. ترجمة خليل أحمد خليل. الجزائر/ بيروت: ANEP/ دار الفارابي،.2003 جابي، عبد الناصر. الانتخابات، الدولة والمجتمع. الجزائر: دار القصبة للنشر،.1999 حاج حمد، محمد أبو القاسم. جذور المأزق الأصولي. بيروت/ لندن: دار الساقي،.2010 الحيدري، إبراهيم. سوسيولوجيا العنف والإرهاب: لماذا يفجر الإرهابي نفسه وهو منتشٍ فرحًا؟ بيروت: دار الساقي،.2015 سعود، الطاهر. أبحاث وآراء في الفكر والثقافة والاجتماع. عمَّ ن: دار الأيام للنشر والتوزيع،.2014 الشيخ، يوسف محمد. أجنحة الإنقاذ: قصة جبهة الإنقاذ الجزائرية من الولادة إلى الاعتقال. بيروت: مؤسسة العارف للمطبوعات،.1993 الطويل، كميل. الحركة الإسلامية المسلحة في الجزائر: من الإنقاذ إلى الجماعة. بيروت: دار النهار للنشر،.1998 الجماعات الإسلامية المسلحة كليمنصو، فرانسوا وآخرون.. ترجمة عبد الرحيم حزل. بيروت/ الدار البيضاء: أفريقيا الشرق،.2003 مارتيناز، لويس. الحرب الأهلية في الجزائر. ترجمة محمد يحياتن. الجزائر: منشورات مرسى،.2005 منصوري، عبد النور. "المصالحة الوطنية في الجزائر من منظور الأمن الإنساني." مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية. جامعة الحاج لخضر. باتنة،.2010-2009 هدام، أنور نصر الدين. المصالحة الوطنية في الجزائر: خطوة حضارية نحو حل أزمة اختيار السلطة السياسية. جنيف: معهد الهقار،.2007

الأجنبية

Androff, David K. "Adaptations of Truth and Reconciliation Commissions in the North American Context: Local Examples of a Global Restorative Justice Intervention." Advances in Social Work. vol. 13. no. 2 (Summer 2012). Arnould, Valerie. "Amnesty, Peace and Reconciliation in Algeria." Conflict, Security & Development. vol. 7. no. 2 (June 2007). Kirs, Eszter. "Bridge between the Period of Violence and the Peaceful Living Together: Thoughts on the Reconciliation Process in South-Africa." Miskolc Journal of International Law. vol. 2. no. 3 (2005). Ouvrage Collectif. Quelle réconciliation pour l'Algérie? Préface de Pierre Ghillard. Genève: Institut Hoggar, 2005.