حزب العمال الكردستاني: الفاعل اللادولتي في سياق الصراع الدولي

مروة حامد البدري | Badry El Marwa

الملخّص

تتناول هذه الدراسة حزب العمال الكردستاني بوصفه فاعل ا لادولتيًا. وتبحث في قسمها الأول البيئة الداخلية في تركيا وامتاك حزب العمال الكردستاني للقوة المادية، وتنتقل للحديث عن البيئة الخارجية ودخول الحزب في الصراع الدولي، مع التركيز على التطور التاريخي منذ انتهاء الحرب الباردة. وتجادل الدراسة بأن الفواعل الادولتية تساهم في تشكيل الفوضوية الدولية والصراع الدولي، من خال منافسة الدولة في احتكار القوة، وامتاك مقومات معيّنة تتمث ل في الإقليم والهُ وية والموارد. وترى أن حزب العمال الكردستاني استفاد من متغيرات البيئة الداخلية والخارجية المساهمة في الصراع الدولي من خال امتاك تلك المقومات. وتستنج أن دخول حزب العمال الكردستاني في الصراع الدولي تجسد في عدة مراحل، وهي؛ منافسة الدولة في قوتها، ثمّ التأثير في اختياراتها في مجال السياسة الخارجية، ثم اكتساب أقاليم جديدة، والعمل من خارج حدودها. كلمات مفتاحية: تركيا، حزب العمال الكردستاني، الفاعل الادولتي، الأكراد في سورية، كردستان العراق. This study deals with the Kurdistan Workers’ Party (PKK) as a non-state actor. It examines the internal environment in Turkey and the PKK's material strength before moving on to the external environment and the PKK's entry into an international conflict, focusing on historical development since the end of the Cold War. The paper argues that non-state actors contribute to international anarchy and conflict through competition with the state over the monopoly of power and the acquisition of territory, identity and resources. It also stipulates that the PKK benefited from the internal and external environmental variables contributing to international conflict. The study concludes that the entry of the PKK, which originated in Turkey, into an international conflict took place in several stages: the competition with the state for power; the influence of its foreign policy choices; the acquisition of new territories; and extra-territorial action. Keywords: Turkey, PKK, Non - State Actor, Kurds in Syria, Iraqi Kurdistan.

The Kurdish Workers’ Party: A Non-State Actor in International Conflict

مقدمة

يدور البحث حول فكرة أساسية مفادها أن حزب العمال الكردستاني - وهو ضمن الفواعل اللادولتية - أصبح له تأثير مهم في السياسات العالمية، وذلك من خلال دخوله حلبة الصراع الدولي. ويستدعي ذلك أن نتساءل نظريًّا عن كيفية ارتباط الفواعل اللادولتية بهيكل النظام الدولي ودينامياته. فالنظريات التي أكدت محورية الدولة ليس لديها قبول للفكرة القائلة إن الفواعل اللادولتية يمكنها أن تقوم بتشكيل العلاقات الدولية. أمّا النظريات التي تأخذ في اعتبارها الفواعل اللادولتية، فهي مهتمة بكيفية تأثير هذه الفواعل في السياسات دوليًّا وعالميًّا. وترى هذه النظريات أن هذا التأثير يتم من خلال عملية المساهمة في تشكيل تفضيلات الدول أو المساهمة في تشكيل عالم الأفكار في مقابل عالم القوة المادية. ومن ثمّ يمكننا القول إنه لا توجد نظرية من نظريات العلاقات الدولية استطاعت تناول ما يحدث بالنسبة إلى تصاعد أهمية الفواعل اللادولتية في السياسات العالمية، وخاصة ما يتعلق بالقدرة المتصاعدة لهذه الفواعل على ممارسة القوة المادية في مواجهة الدول، والنتيجة المترتبة على تأثير هذه القدرة في كيفية أداء الأفكار دورًا في العلاقات الدولية. ومن ثمّ، ظهرت تصورات نظرية جديدة لتوضيح كيفية مساهمة الفواعل اللادولتية في تشكيل العلاقات الدولية وفي الصراع الدولي، وهذه التصورات النظرية نظرت إلى مفهوم الفوضوية على نحو مختلف عن النظريات التقليدية للعلاقات الدولية. فإذا كانت النظرية الواقعية على سبيل المثال قد فسرت مفهوم الفوضوية من خلال التركيز على التفاعلات بين الدول، وإذا كانت النظرية الليبرالية أوجدت مجالً للفواعل اللادولتية للتأثير في السياسات الفوضوية، فإنها قد تعاملت مع هذا التأثير على أنه تأثير غير مباشر، وذلك من خلال تأثير الفواعل اللادولتية في سياسات الدول وتفضيلاتها؛ فالتصورات النظرية الحديثة توضح وتفسر كيف تسيطر الفواعل اللادولتية على قوة مادية مستقلة. ولا تقوم هذه القوة بتحدي الدول فحسب، ولكنها تقوم بتحويل طبيعة الفوضوية من كونها فوضوية قائمة على التفاعلات بين الدول إلى فوضوية أكثر انفتاحًا، بحيث تشمل الفواعل اللادولتية. ويدفعنا ذلك إلى القول إن التدرج المرتبط بمشاركة الفواعل اللادولتية في الصراع الدولي بدأ أولً من تحديها للدولة ذاتها، وذلك من خلال تحدي احتكار هذه الدولة للقوة، ثم انتقل ثانيًا إلى كيفية تأثيرها في السياسات الخارجية للدول، ثم انتقل أخيرًا إلى كيفية مساهمتها في الفوضوية الدولية مباشرة، وليس من خلال التأثير في السياسة الخارجية للدولة. ومن ثمّ، فإن الفواعل اللادولتية تحركت من تحدي قوة الدولة إلى تحدي سياستها الخارجية، ثم المشاركة في الفوضوية الدولية، وفي كل مرحلة من مراحل تحركات هذه الفواعل ظهرت عدة نظريات لتفسير ذلك التحرك. فمن ناحية أولى، فإن تحرك الفواعل اللادولتية لتحدي احتكار الدولة للقوة قد أيدته العديد من الظواهر الواقعية؛ من ذلك وجود قوات مسلحة غير نظامية، إضافة إلى شركات عسكرية خاصة، وكذلك مجموعات منظمة. وقد شكَّل كل هذا الأساس لشبكات بديلة للقمع، تحدت الأشكال التقليدية لسيادة الدولة وشرعيتها. ونتيجة لهذه التطورات الواقعية ظهرت العديد من التصورات التي حاولت تفسير هذه التحديات لاحتكار الدولة للقوة، ومن ذلك الإطار النظري الذي اقترحه غازيت Gazit، وهذا الإطار تم تطويره بواسطة كل من ديكر Dekker وفيفود Vivod، وهو يتمحور حول مفهوم السيادة المجزأة، وذلك للإشارة إلى نمو مراكز متعددة وشبه مستقلة للسلطة أو للقوة السياسية؛ إذ إن السيادة المجزأة تنشأ في ظروف معيّنة، وذلك عندما تكون القوة السياسية غير مؤسسة. وقد أكد غازيت أهمية وكلاء الدول الذين يُظهِرون ويستخدمون السيادة بطُرق مختلفة، وفي أماكن وأوقات مختلفة. ويرجع ذلك إلى أن سلطة الدولة غير قائمة، ولا بد من أن يتم التعويض عنها، ووكلاء الدول هم عبارة عن الفواعل اللادولتية، التي لها علاقة بالدولة وتفاعلاتها مع الدولة هي التي تؤدّي إلى وجود تلك السيادة المجزأة1. ومن المهم هنا أن نذكر أن السيادة المجزَّأة هي عبارة عن إطار نظري يشتمل على العمليات التي تقوم من خلالها الفواعل بكسب السلطة المحلية، ليس فقط بواسطة امتلاك العنف، ولكن أيضًا من خلال التزويد بالثروة، والخدمات الصحية والتعليمية بصفتها بديلً من الدولة. ويشير ما سبق إلى أن مفهوم السيادة المجزأة يعني تحول مفاهيم الدولة المركزية إلى مستويات محلية أو

  1. Erella Grassiani and Eyal Ben-Ari, "Violence Operators: Between State and Non State Actors," Etnofoor , vol. 23, no. 2 (2011), pp. 9-10.

العكس. ويسمح هذا لنا بأن نرى أن الفاعل اللادولتي ليس تفسخًا للدولة المركزية، ولكنه فعل وردّ فعل من جانب بعض المؤسسات والوكلاء لإقامة النظام الذي هو شبيه بالدولة، أي إعادة إنتاج مؤسسات الدولة2. غير أن بعضهم يرى أن النظر إلى نشاطات الفواعل اللادولتية على أنها ردّ فعل هي رؤية محدودة جدًا؛ فالإطار الأدق ينظر إلى الفواعل اللادولتية على أنها تتفاوض باستمرار مع الدولة، ومع ممثلي السلطة، وفي بعض الأحيان تكابد مشقة في تولي السلطة في الدولة أو أجزاء منها3. ويعني ذلك أن الرؤية هنا للفاعل اللادولتي تبدو أكثر صراعية، وأكثر تحديًا لسلطة الدولة، ومن هنا نشأ مفهوم الفواعل العنيفة اللادولتية، والتي حاول الكثيرون تقديم تعريفات مختلفة لها، من بينها أنها "جماعة منظمة ذات بنية أساسية للقيادة تعمل خارج سيطرة الدولة، وتستخدم القوة لتحقيق أهدافها"4؛ أي إن هذا التعريف يقتصر فقط على الجانب المتعلق بقيام الفاعل العنيف باستخدام القوة لمنافسة الدولة. ومن ناحية ثانية، فإن تحدي الفواعل اللادولتية للسياسة الخارجية للدولة، قد حاولت أطر نظرية عديدة التعامل معه، ومن ذلك منظور ما بعد الدولية Post-internationalism، والذي ابتدأه روزينو Rosenau رفضًا للمنظور المرتكز حول الدولة؛ ذلك أن المفكرين في إطار هذا المنظور حاولوا الهروب من المنظور المرتكز حول الدولة State-centric، ومن ذلك داريو مورينو Dario Moreno الذي لفت الأنظار إلى صياغة مستقبل العلاقات الدولية من خلال فكرة مراكز أزمات السلطة أو مواقعها؛ إذ إن السيادة لم تعد بدرجة القابلية نفسها للاحترام كما كانت في الماضي؛ ما أعطى الفواعل اللادولتية مزايا معيّنة5. وهكذا، فإن منظور ما بعد الدولية يُعتبر نقطة الوسط نحو التغير المنظوري في التفكير في العلاقات الدولية في اتجاه التغير المتعدد المستويات، والذي يرفض الحلول المرتكزة حول الدولة، ومن ثم يدمج بين الفواعل صاحبة السيادة Sovereignty bound والفواعل.6التي ليس لها سيادة  Sovereignty free ويشير منظور ما بعد الدولية إلى أن الفواعل اللادولتية تتحدّى سياسات الدول من خلال صياغة تفضيلات جديدة، وكذلك امتلاك معلومات وخبرة وأدوات تمكنها من تحدي السياسة الخارجية للدولة، وفرض أمور معيّنة عليها. ومن ناحية ثالثة، فإن تحرك الفواعل اللادولتية للمشاركة في الصراع الدولي يعني أنها أصبحت تشارك بدرجة أكبر في العمليات التي تحدد طبيعة الفوضوية، وكذلك التأثير الأكبر في نتائج هذه العمليات. فالفوضوية في معناها الفني كانت موجودة في الفترات الأولى، وظلَّت تميز العلاقات الدولية في الوقت الحالي، والجدل هنا بخصوص أن هناك شيئًا تغير في كيفية عمل الفوضوية؛ ما أدّى إلى أن أصبح للفواعل اللادولتية وجود وتأثير أبلغ في العلاقات الدولية. والسؤال هنا نظريّ، وهو: كيف ندعم هذا الجدل، ونفسر هذا التغير؟7 وإذا رجعنا إلى الفوضوية الويستفالية في العلاقات الدولية، والتي كانت تُعتبر ملكًا للدول، وتحديدًا الدول الكبرى، وإذا نظرنا إلى نشأة الفوضوية المفتوحة، فإن هذا يشير إلى أن إدارة الفوضوية والتحكم فيها لم يعد مجالً مقصورًا على الدول أو خاصية مميزة للقوى الكبرى، وهذا التغير يعني أن الأفكار والقوة المادية للفواعل اللادولتية زودتها بالقدرة على الوصول مباشرة إلى التأثير في كيفية عمل الفوضوية؛ ويعني هذا الوصول والتأثير المشاركةَ في صنع الفوضوية وتنفيذها8. ويشير ذلك إلى أن الفاعل اللادولتي توصل إلى القدرة على المشاركة في الصراع الدولي والفوضوية الدولية على نحو مباشر؛ وذلك من خلال امتلاك القوة المادية والأفكار التي لم تمكنه من التنافس مع الدولة في احتكار القوة المادية أو الموارد أو القدرة على تقديم خدمات فحسب، بل مكنته كذلك من المشاركة في الصراعات والحروب الدولية مباشرة، وهذا ما سنراه فيما بعد. وأشار عدد من المحللين إلى أن الفاعل اللادولتي، وعلى الأخص العنيف، يمتلك مقومات محددة، تتمثل في الآتي9:

  1. Ibid., pp. 11-12.
  2. Ibid., pp. 12-13.
  3. شهرزاد أدمام، "الفواعل العنيفة من غير الدول دراسة في الأطر المفاهيمية والنظرية"، سياسات عربية، العدد 8 (نيسان/ أبريل 2014)، ص.72
  4. Alan Chong, "The Post-International Challenge to Foreign Policy:
  5. Ibid., pp. 786-787.
  6. David P. Fidler, "A Theory of Open-Source Anarchy," Indian Journal of Global Legal Studies , vol. 15, no. 1 (Winter 2008), pp. 271-272.
  7. Ibid., p. 272. 9  DCAF & Geneva Call, "Armed Non-State Actors: Current Trends & Future Challenges," Working Paper , no. 5 (2015), pp. 8-12. الفاعل اللادولتي في سياق الصراع الدولي
  8. Signposting Plus Non-State Politics," Review of International Studies , vol. 28, no. 4 (October 2002), p. 786.

الإقليم: نجد أن بعض الفواعل تعمل في مجال دولي ولها ممثلون في دول مختلفة، بينما تعمل بعض الفواعل الأخرى في سرّية. وهنا نقطة مهمة؛ وهي أن ما يحدد الإقليم الذي يديره الفاعل اللادولتي هو مجتمع الدول نفسها، وبالتحديد الدول المجاورة أو الدول المعنيّة بقضية معيّنة تخص هذا الفاعل الدولي. وتعتبر إدارة إقليم معيّ أحد مقومات نجاح الفاعل اللادولتي؛ وذلك لأن هذا المقوّم يحدد الشكل الذي من خلاله يدير الفاعل صراعه مع الدولة من خلال إحداث اضطرابات معيّنة لها، وإذا لم يتمكن الفاعل من إدارة إقليم داخل الدولة التي يدخل في صراع معها فيكون ذلك دافعًا له للعمل من خارج حدودها والعمل بطريقة عابرة للحدود. الهُوية والموارد: إذا كان الإقليم هو أحد الموارد المهمة للفاعل اللادولتي لإدارة صراعه مع الدولة وللمشاركة من ثمّ في الفوضوية الدولية، فإن هناك موارد مادية أخرى لها تأثير مهم في هذا الشأن، وهي امتلاك الأسلحة والمال ووسائل النقل والاتصال، كذلك هناك إمكانية لامتلاك خدمات معيّنة، وتقديم الفاعل اللادولتي لهذه الخدمات؛ مثل الخدمات الصحية والعدالة وكذلك الأمن. وإضافة إلى هذه الموارد والخدمات، فإن أهم مورد من موارد الفاعل اللادولتي خلق هُويات فردية وجماعية، ويشمل ذلك التشكيل العسكري والسياسي، ووضع القيم والقواعد وأنماط السلوكيات. ومن ثمّ فإن الهُوية هنا بما فيها من عقائد مشتركة، وعادات وتوقعات، تعتبر موردًا مهمًّ من أجل تجنيد مجتمع على درجة عالية من الالتزام. ويمكن وصف الفواعل التي تعتمد على الهُوية بأنها فاعلة نشطة، وتوصف الفواعل التي تعتمد على الموارد المادية بالفواعل الانتهازية. العلاقة بالمجتمع الأوسع: وفقًا لهذا المعيار، فإن الفواعل اللادولتية قد تمتلك عنصرًا للقوة أو مقومًا للقوة يتمثَّل في إدارة السكان المحليين وتنظيمهم؛ الفواعل اللادولتية تمارس السيطرة والنفوذ لإدارة السكان المدنيين سلميًّا، من خلال تقديم خدمات معيّنة لهم أو بأسلوب عنيف. وكما يعتمد السكان المحليون على الفاعل لتقديم خدمات معيّنة، فإن الفاعل يعتمد على السكان المحليين في الدعم، وتجنيد عناصر منهم. وفي كل الأحوال، فإن الفاعل اللادولتي يسعى للاندماج في المجتمع المحيط به؛ باعتبار ذلك مقومًا أساسيًّا له. نجد حزب العمال الكردستاني قد مرَّ بالمراحل المختلفة المتعلقة بمساهمة الفاعل اللادولتي في الصراع الدولي؛ إذ كانت مشاركته فاعلة في إطار الصراع الداخلي مع الدولة التركية، ثم حدثت تحولات في البيئة الداخلية والبيئة الخارجية (الإقليمية والدولية) أدّت إلى قدر كبير من المرونة في العلاقة بين القوة المادية التي يمتلكها الحزب والأفكار؛ بحيث أصبحت أفكار الحزب المتعلقة بتكوين دولة كردستان الكبرى تلك الأفكار التي وجدت في بداية تشكيل الحزب، أو حتى لمجرد إعطاء الهُوية الكردية معنى معينًا أكثر وجودًا على أرض الواقع. ومن ثم اكتسبت أفكار الحزب وقيمه ومبادئه بصفته فاعل لادولتيًا قوة أكبر، وأصبح يسهم في الفوضوية الدولية، وفي الصراع الدولي، من خلال صراعه مع الدولة التركية، ثم في الصراع الدولي من خلال وجوده في الصراع السوري من خلال هذه الأفكار، وكذلك من خلال القوة المادية المتعاظمة التي بات يمتلكها. وهنا تتحدد المشكلة البحثية التي تدور حولها الدراسة، وهي متعلقة بما إذا كان حزب العمال الكردستاني يمتلك مقومات مساهمته في الصراع الدولي من إقليم وموارد مادية وهُوية وإدارة للمجتمعات المحلية، وهل كانت تطورات البيئة الداخلية والدولية سببًا في تطور امتلاكه هذه المقومات؟ وهل مكّنه امتلاك هذه المقومات من المشاركة في الفوضوية الدولية على نحو مستقل عن دور الدولة في هذا الشأن؟ أم هل أن الدولة ما زال لها تأثير في كيفية إدارة الفاعل اللادولتي للصراع الدولي؟ اشتملت البيئة الداخلية في تركيا والبيئة الدولية المتعلقة بالأقاليم المحيطة على العديد من المتغيرات التي أثَّرَت في امتلاك حزب العمال الكردستاني لمقومات قوة دولية؛ ما أسهم في مشاركته في الصراع الدولي، وبناء على ذلك، يمكن تقسيم البحث إلى نقطتين أساسيتين:

أول ا: البيئة الداخلية في تركيا وامتلاك حزب العمال الكردستاني للقوة المادية

إن تأثير البيئة الداخلية في امتلاك حزب العمال الكردستاني القوة المادية يبدأ من تأثير هذه البيئة في الأفكار الخاصة بالهُوية الكردية؛ إذ إن سياسات الدولة التركية أدّت إلى تبلور الوعي بالهُوية الكردية، وأنها تُ ثِّل عدوًا رئيسًا للقومية التركية. وأدّى هذا في النهاية إلى مرونة في العلاقة بين الأفكار، المتمثلة في الوعي بالهُوية الكردية وعدائها مع القومية التركية، والقوة المتمثلة في امتلاك الأكراد القوة المادية والدخول في صراع مع الدولة التركية. ونظريًّا، وتحت الظروف التاريخية المتغيرة واختيارات النّخب، فإن القومية التركية التي نتجت من انهيار الدولة العثمانية كان من الممكن

أن تكون أكثر توافقًا مع الهُوية الكردية، وأكثر تعاونًا مع الأكراد؛ وذلك على أساس أن الأكراد والأتراك يتشاركون مصالح متشابهة، لانتمائهم إلى ديانة واحدة، وانتمائهم إلى الفئة السياسية والاجتماعية نفسها تحت الحكم العثماني، كما أن كلا منهما واجه القوميات المنافسة ذاتها، وذلك مثل القومية اليونانية والقومية الأرمينية10.

أضف إلى ذلك أن الأكراد قد شاركوا في حرب الاستقلال مع القوميين الأتراك، على أساس قبول القومية التركية بالتعدد والتنوع الثقافي، إلا أنه خلال المرحلة التكوينية لكل من القوميتين الكردية والتركية نشبت علاقة صراعية بينهما؛ لأن كلَّ مخطط للاستقلال المحلي للأكراد تم إسقاطه من الأجندة السياسية للجمهورية التركية، هذا فضلً عن أن قومية الدولة التركية وسياساتها أصبحت إقصائية تجاه القومية الكردية، وخاصة بعد ثورة الشيخ سعيد11. ويشير ذلك إلى أن التشدد المتبادل من جانب القوميتين التركية والكردية هو الذي أدّى إلى نمو الأفكار الخاصة بعداء القومية الكردية للقومية التركية، ثم امتلاك القوة لمنافسة الدولة التركية، وبناءً على ذلك يمكن التفصيل بشأن النقاط التالية:

1. السياسات التركية والتشدد الكردي

بدأت السياسات التركية المتشددة من جانب النّخب التركية، منذ تولي مصطفى كمال أتاتورك السلطة في تركيا في آذار/ مارس.1920 فمنذ ذلك التاريخ، اتبع أتاتورك ونخب الحكم في عهده سياسات تقوم على اضطهاد الأكراد، وفي الوقت نفسه استئصال هُويتهم، أو بمعنى آخر دمجهم في إطار الدولة التركية. وبناء على ذلك فرضت النخبة الكمالية مجموعة من الإجراءات لمنع تبلور الهُوية الكردية؛ ومن ذلك القضاء على اللغة الكردية، والحكم بالسجن على كل من يتحدث بها، وإغلاق المدارس والجمعيات والمنشورات الكردية. أضف إلى ذلك مظاهر إدماج الأكراد التي كانت في عهد أتاتورك، ومن ذلك إطلاق حكومة أتاتورك تسمية أتراك الجبل على الأكراد تغييبًا، ونفيًا لتميزهم القومي، وكذلك تدريس الفولكلور التركي في المدارس ليكرس واقع التتريك، وتهجير العائلات الكردية إلى غرب تركيا لدمجهم في المجتمع التركي، ومشاركة الإعلام التركي في الترويج للطابع التركي، وفرضه على جميع مكونات المجتمع12. واستمرت تلك السياسات التركية المتشددة تجاه الأكراد إلى أن جاء تورغوت أوزال في عام 1983؛ إذ إنَّ هذه المرحلة تعتبر أهم مرحلة في تاريخ الأكراد، وذلك من خلال إعطائهم مساحة للتعبير عن هُويتهم، فتم منح الأقلية الكردية مجموعةً من الحقوق الثقافية، بما فيها حرية إصدار الكتب والصحف باللغة الكردية، والتعهد بتأسيس معهد ثقافي كردي13. واستمر الأمر على هذه الحال، حتى نهاية عهد تورغوت أوزال في نيسان/ أبريل 1993؛ فقُبيل نهاية عهد أوزال، وبعد انتهاء عهده أيضًا، ظهر دور المؤسسة العسكرية في الضغط على النُّخب التركية في مسألة التعامل مع الأكراد على نحو أشدّ حسمً. وقد ظهر ذلك في سياسات سليمان ديميريل وتانسو تشيللر. وأخيرًا جاء حزب العدالة والتنمية، وكان تعامله مع القضية الكردية مزيجًا من القوة والسياسة14. و كان رد الفعل الكردي تجاه السياسات التركية المتشددة منذ بدايتها متمثلً في خوض النضال المسلح للدفاع عن وجودهم، ولمقاومة عمليات التهجير الجماعية وتتريك كردستان؛ وذلك على أساس أن هذه الأرض التي يعيشون عليها هي أرضهم، وأنهم يعيشون عليها قبل مجيء العثمانيين للاستيطان فيها، واتخاذها دولة لهم. ومن ثم فقد كان استخدام القوة متمثلً في الثورات الكردية ضد السياسات التركية، وكانت أولى هذه الثورات ضد النخبة الكمالية هي ثورة عام 1925، أو ثورة الشيخ سعيد بيران. ومن الجدير بالذكر أن كثيرًا من المنظمات والجماعات الوطنية الكردية كانت تقف وراء الثورة، والهدف الأساسي من ذلك كان

  1. Murat Somer, "Turkey's Kurdish Conflict: Changing Context and Domestic and Regional Implications," Middle East Journal , vol. 58, no. 2
  2. 14 المرجع نفسه، ص.43-34 الفاعل اللادولتي في سياق الصراع الدولي
  3. علي حسن يوسف فتاح الهستياني، "السياسة التركية تجاه الكرد وأثرها على العلاقات مع العراق وسوريا من 2008–1991"، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، القاهرة، 2009، ص.29-28 13 المرجع نفسه، ص.34
  4. (Spring 2004), p. 240.
  5. 11  Ibid., p. 240.

الحصول على الحرية من الأتراك، وإنشاء كردستان المستقلة؛ إذ إن المحاكمات التي تمت بعد فشل الثورة أثبتت أن القائمين عليها كان هدفهم الأساسي هو تأسيس كردستان المستقلة15. وهذا يعني أن السياسات التركية المتشددة أدّت إلى تبلور الهُوية الكردية القائمة على فكرة كردستان المستقلة، واستخدام القوة لتحقيق هذا الهدف؛ بما يشير إلى مرونة في العلاقة بين القوة والأفكار. فامتلاك الفكرة ولّد السعي لامتلاك القوة، وامتلاك القوة من خلال النضال المسلح أدّى إلى مزيد من تبلور الفكرة؛ أي إن فكرة تمايز الهُوية الكردية عن الهُوية التركية وتنافسها معها قاد إلى مزيد من العلاقة الصراعية، والسعي لامتلاك القوة، وبلورة أفكار أكثر تشددًا متعلقة بالقومية والدولة16.

واستمرت ثورات الأكراد بعد القضاء على ثورة الشيخ سعيد، ومن ذلك ثورة أكرى داغ أو (إحسان نوري) عام 1930، وفيها استخدم الأتراك سلاح الطيران ضد الأكراد، وقد فشلت هذه الثورة بسبب عدم وجود حزب طليعي يقود الثورة الكردية، وتدخل الدول الأجنبية ضد الثورة. وبعد أن قضت تركيا على حركة إحسان نوري عام 1930، بدأت قلاقل جديدة ضد السلطة التركية، وذلك خلال الفترة –1930 1937. ثم بعد ذلك، جاءت الحرب العالمية الثانية، وتزامنت مع ثورة الأكراد في شمال العراق بزعامة الملا مصطفى؛ ما شجع أكراد تركيا على الثورة ضد السلطات التركية مرة أخرى. واندلعت هذه الثورة عام 1943 بقيادة الشيخ سعيد بيروكي في المنطقة الحدودية التركية - العراقية. واستمرت هذه الحركات المسلحة الكردية، إلى أن تحَوَّل جزء من النضال المسلح إلى نهوض ثقافي وسياسي؛ إذ شهدت الحركة القومية التحررية الكردية فترة نهوضها بعد إنهاء الحكم العسكري المباشر وعودة الحكم البرلماني، وكانت فترة النهوض تلك خلال الفترة 1961-1958، وتميزت بغلبة الطابع اليساري على الحركة القومية الكردية، ونشأة العديد من الأحزاب؛ منها حزب العمال الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني، والحزب الاشتراكي الكردستاني17.

2. مراحل صعود الحزب وهبوطه

كانت نشأة الأحزاب السياسية الكردية بمنزلة تمهيد للانتقال من التعبير الجماعي عن الأفكار المتعلقة بالهُوية الكردية وتمايزها والسعي لكردستان مستقلة، وذلك من خلال الثورات الكردية، إلى التعبير الفردي من جانب تنظيمات سياسية محددة مُمَثِّلَة للأكراد عن هذه الأفكار؛ عبْ بروز قوة حزب العمال الكردستاني. ففي أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، عمل الحزب مع مجموعة من التنظيمات الأخرى في ظروف سرية وشبه سرية. وقد أصدرت هذه التنظيمات عدة صحف؛ قدّمت من خلالها هذه التنظيمات القضية الكردية في تركيا من وجهات نظر مختلفة، وكذلك قَدَّمت مطالب الشعب الكردي الاجتماعية والقومية، إضافة إلى أن الحزب أنشأ فصائل المقاتلين السرية التي قاومت السلطات التركية18. وعلى الرغم من أن حزب العمال الكردستاني لم يعمل في البداية منفردًا، فإنه استطاع خلال سنوات قليلة أن يكتسح السيطرة على الحركة القومية الكردية في تركيا، ومن ثمّ فإن المجموعة الصغيرة من الرجال والنساء الذين نموا وبدؤوا في عام 1978 ازدادوا ليتحولوا إلى مجموعة عصابية مكونة من 15 ألف مقاتل إضافة إلى 50 ألفًا من الميليشيات المدنية الموجودة في تركيا والآلاف من المؤيدين النشطين في أوروبا19. وظلّ حزب العمال الكردستاني ما يزيد على عقد كامل المنظمة السياسية المسيطرة لأكراد تركيا، كما ظلّ محتفظًا بقوته ونفوذه، على الرغم من الضربات المتتالية التي وجهتها الدولة التركية إلى الحزب، والتي انتهت باعتقال عبد الله أوجلان زعيم الحزب عام.1999 وقد ترتب على اعتقال أوجلان أن حدث تغير في أفكاره، من حيث استعداده للتخلي عن فكرة الكفاح المسلح، وكذلك تسليم الأكراد أنفسهم للسلطات التركية، والأكثر من ذلك هو التخلي عن فكرة

  1. حامد محمود عيسى، المشكلة الكردية في الشرق الأوسط منذ بدايتها حتى سنة 1991 (القاهرة: مكتبة مدبولي، 1992)، ص.360-359
  2. Somer, p. 239.
  3. عيسى، ص.379-367
  4. جليلي جليل وآخرون، الحركة الكردية في العصر الحديث، ترجمة عبدي حاجي (بيروت: دار الرازي، 1997)، ص.287
  5. Aliza Marcus, "Turkey's PKK: Rise, fall, rise again," World Policy Journal , vol. 24, no. 1 (Spring 2007), p. 75.

استقلال الأكراد والتمسك بدلً منها بفكرة تركيا الديمقراطية، إلا أن المتمردين من الأكراد اعترضوا على قرار أوجلان بإلغاء فكرة كردستان المستقلة وإحلالها بآمال غامضة للمساواة بين الأكراد والأتراك في دولة تركية واحدة20. ونتيجة هذا الخلاف بين التوجه الجديد لأوجلان وإصرار العديد من المتمردين على فكرة كردستان المستقلة، حدث العديد من الانشقاقات داخل الحزب. وعلى الرغم من هذه الانشقاقات، فإن حزب العمال الكردستاني لم يتعرض للانهيار، فقد ظلّ حوالى 3 آلاف مقاتل موالين لأوجلان في معسكرات الجبال في شمال العراق. كما أن من عوامل استمرار قوة الحزب أن المنظمات المؤيدة له في أوروبا وتركيا اكتسبت مجموعة من المؤيدين الذين ساعدوه على الإبقاء على سيطرته. ثم إن العديد من المتعاطفين مع حزب العمال الكردستاني رفضوا تحويل ولائهم بعيدًا عنه، وهذا التأييد مكّن الحزب من الإبقاء على قدرته في وضع أجندة أكراد تركيا21. وقد استمر الحزب في امتلاك القوة بصورة أخرى، من خلال امتلاك القوة السياسية بدخول حزب الشعوب الديمقراطي الانتخابات عام 2004، ويضمُّ هذا الحزب بالأساس العديد من المتعاطفين مع حزب العمال الكردستاني. وصوّر العديد من المصوتين لحزب الشعوب الديمقراطي هذا الحزب على أنه الممثل القانوني لحزب العمال الكردستاني، وقد استطاع حزب الشعوب الديمقراطي أن يفوز في العديد من المقاطعات، وتحديدًا في ديار بكر؛ ما يعني سيطرة حزب العمال الكردستاني سياسيًّا على هذه المناطق22. إلا أن السبب الأساسي في قدرة حزب العمال الكردستاني على الاحتفاظ بقوته السياسية يرجع إلى الحكومة التركية نفسها؛ فقد ظلت أنقرة تدّعي الانتصار ولم تحاول أن تأخذ أي خطوة للإصلاح الحقيقي، في الوقت الذي كانت هناك محاولات عديدة من جانب حزب العمال الكردستاني لوقف إطلاق النار والتفاوض، ولكن لم تستجب لها الحكومة التركية. فكل الخطوات التي اتّخذت كانت تهدف إلى استرضاء الاتحاد الأوروبي، أما المنهج الأساسي للدولة فإنه لم يتغير، فكانت الإصلاحات تسير بطيئة؛ ففي مرات عديدة كانت هناك مبادرات منفردة من جانب حزب العمال الكردستاني لوقف إطلاق النار، ومن ذلك ما حدث بعد اعتقال أوجلان عام 1999؛ إذ أعلن الحزب وقف إطلاق النار، وسحب قواته من تركيا إلى جبل قنديل شمال العراق، إلا أن الحكومة التركية استمرت في رفض مطلب الحزب بالتفاوض، واشترطت لذلك الاستسلام الكامل. ونتيجة هذه الإجراءات فإن السلام الذي تبع وقف الحرب مع حزب العمال الكردستاني لم يخلق التغيير الحقيقي، وترتب على ذلك استئناف الحرب مرة أخرى مع الدولة التركية، وذلك في حزيران/ يونيو 2004؛ نتيجة الإحباط من افتقاد الحوار والحركة السياسية، وفي عام 2006 تجددت الصدامات مرة أخرى بين الحزب والدولة التركية23. وقد حدثت عدة تطورات على المستوى الداخلي في تركيا، وعلى المستوى الإقليمي، نتيجة لدعم حزب العدالة والتنمية لحكومة إقليم كردستان العراق، وكذلك بدء الثورة السورية، وما ترتب عليها من رغبة أردوغان في البداية في أن يقوم بدور الحامي لمصالح أكراد سورية. ودفعت هذه التطورات أردوغان لبدء عملية سلام مع حزب العمال الكردستاني؛ على أساس أن دعم أكراد العراق والدعم الذي كان ممكنًا في ذلك الوقت لأكراد سورية دفع رئيس الوزراء التركي آنذاك للإصلاح بشأن العلاقة بأكراد تركيا أول24. وكان هذا التوجه الجديد للحكومة التركية جنبًا إلى جنب مع المتغيرات الإقليمية سببًا في قيام حزب العمال الكردستاني بإنشاء فروع له في كل من العراق وسورية وإيران، على أساس حصول الأكراد على الحكم الذاتي في كل دولة من هذه الدول، وليس على أساس فكرة كردستان الكبرى، والحرب ضد الدولة التركية. ومن ثمّ إذا كانت البيئة الداخلية في تركيا بمتغيراتها قد أسهمت في دخول حزب العمال الكردستاني في منافسة مع الدولة من خلال امتلاك القوة والهُوية، فإن البيئة الإقليمية كانت في البداية تمهّد لأن تتحول القضية الكردية في كلّ دولة إلى قضية محلية وليست قضية صراع دولي. وهكذا، كان يفترض أن يكون التمدد الإقليمي للحزب سببًا في إعطاء القضية الكردية الطابع المحلي من دون دخول هذا الحزب في الصراع الدولي. لكنّ الواقع أشار إلى أن وجود هذه الفروع في الدول الإقليمية سمح لحزب العمال الكردستاني باستخدامها موردًا في الصراع ضد الدولة التركية، ومن ثمّ موردًا في الاستمرار في الصراع الدولي، وتحديدًا بعد أن استطاعت هذه الفروع، وخاصة في كردستان العراق وشمال سورية، أن تحقق بعض المكاسب المتعلقة بالحصول

  1. Ibid., p. 78.
  2. Ibid., pp. 80-81.
  3. Ibid., p. 81.
  4. Ibid., pp. 82-83.
  5. Michael M. Gunter, "The Turkish-Kurdish Peace Process," Journal of International Affairs , vol. 14, no. 16 (Winter-Spring 2013), pp. 102, 107. الفاعل اللادولتي في سياق الصراع الدولي

على المزيد من الموارد والسيطرة على مزيد من الأقاليم، والتحكم في المجتمعات المحلية في الدول القائمة فيها25. ويبقى السؤال: ما المتغيرات التي أدّت إلى دخول الحزب في الصراع الدولي وفي الفوضوية الدولية، على الرغم من أنه لا يطالب بكردستان الكبرى وليس لديه مشروع قومي كردي، ويعتمد مصطلح الشعوب الديمقراطية والأمة الديمقراطية في كل دولة من الدول التي يوجد فيها؟

ثانيًا: البيئة الخارجية ودخول الحزب الصراع الدولي

كان للبيئة الخارجية أثر في امتلاك حزب العمال الكردستاني القوة، ودخوله مجال الصراع الدولي والفوضوية الدولية مباشرة، على الرغم من أن هذه البيئة، وخاصة الإقليمية، كان من المفترض أن تمهد لإعطاء القضية الكردية طابعًا محليًّا داخليًّا وليس الطابع الدولي كما سبق ذكره. فاستجابةً للغزو الأميركي للعراق عام 2003، أعلن الحزب أنه غيّ أهدافه من الصراع العسكري ضد تركيا إلى الحكم الذاتي الكردي في الدول الأربع ذات الأقلية الكردية، ومن ثمّ أنشأ له فروعًا في هذه الدول. وهكذا، بدأت فروع الحزب التي عملت خارج تركيا في وضع أسس لحكم ذاتي كردي، بناء على نظريات الحكم الذاتي الديمقراطي، وبناء على أفكار أوجلان أساسًا26. وهنا يمكن القول إن ثلاثة أمور مهمة مرتبطة بالبيئة الدولية، ترتب عليها دخول حزب العمال الكردستاني، باعتباره فاعلً لادولتيًا، حلبة الصراع الدولي، وهي كالتالي:

1. انتهاء الحرب الباردة ومشاركة الفواعل اللادولتية في الصراع الدولي

يمثل هذا العنصر عنصرًا عامًّا لكيفية دخول الفواعل اللادولتية في الصراع الدولي. فإذا كانت الفوضوية الويستفالية في العلاقات الدولية تشير إلى أن الدول الكبرى هي التي تتحكم في هذه الفوضوية، فإن نشأة ما والتحكم فيها يُسمى الفوضوية المفتوحة يشير إلى أن إدارة الفوضوية لم يعد مجالً مقصورًا على الدول أو خاصية مميزة للقوى الكبرى. وهذا يعني أن الأفكار والقوة المادية للفواعل اللادولتية زودتها بالقدرة على الوصول مباشرةً للتأثير في كيفية عمل الفوضوية. ومعنى هذا الوصول والتأثير يتمثل بالمشاركة في صنع الفوضوية وتنفيذها. ولفهم هذا التغير، من الممكن أن نفهم الفوضوية على أنها شكل من أشكال السوق للقوة والأفكار والأبنية المختلفة من السوق تُنتج علاقات مختلفة بين القوة والأفكار. فالمنهج الويستفالي المرتكز على الدولة بالنسبة إلى الفوضوية يشبه الأسواق التي تحتكرها الأقلية؛ وذلك لوجود عدد قليل من القوى الكبرى التي تحدد العرض والطلب بالنسبة إلى الأفكار والقوة في الفوضوية. فالقوى الكبرى تسيطر في إطار الفوضوية التي يتم احتكارها بواسطة الأقلية، وذلك لأن هذه القوى حققت تقدمًا في إنتاج القوة المادية واستخدامها، وخاصة القوة العسكرية؛ على نحو جعلها غير قابلة للمنافسة من جانب الدول الأضعف أو الفواعل اللادولتية. وهذا يعني أن القوى الكبرى لها المزايا، وفقًا لقوتها المادية، لجعل الدول الأضعف والفواعل اللادولتية تواجه حواجز ضخمة للتأثير في بنية الفوضوية ودينامياتها27. ومن ثمّ فإنه من أجل تغيير بنية الفوضوية الأوليجاركية للسماح للفواعل اللادولتية بالتأثير في الفوضوية مباشرةً، فإن هذا يحتاج إلى تغيير ظروف المنافسة المادية بين الفواعل. فكلما زادت المنافسة المادية بين الدول، كان هناك مكان أقل للأفكار التي يتم إعلاؤها بواسطة الدول أو الفواعل اللادولتية للتأثير في سلوك الدول في إطار الفوضوية. ومن ثم فإن الانتقال من علاقة غير مرنة إلى علاقة أكبر مرونة بين القوة والأفكار في إطار الفوضوية يتطلب28: تخفيض المنافسة بين الدول حول القوة (مثلً من خلال نشأة دولة مهيمنة عبر تخفيض القوة المادية أو القدرات المادية للدول العظمى الأخرى.) التغيرات التي تسمح للفواعل اللادولتية بتطوير قدرات مادية أكبر في الشؤون الدولية. بناءً على ذلك، يمكن القول إن الدور المتزايد للفواعل اللادولتية في العلاقات الدولية خلال العقدين الماضيين تزامن مع29: صعود الولايات المتحدة الأميركية، بوصفها دولة مسيطرة أو مهيمنة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

  1. Ibid., p. 3.
  2. International Crisis Group, The PKK's Fateful Choice in Northern Syria ,
  3. Fidler, pp. 272-274.
  4. Ibid., pp. 274-275. 29  Ibid., p. 275.
  5. Middle East Report, no. 176, Middle East & North Africa (May 2017), p. 3.

التكنولوجية بخصوص وسائل النقل، والإنتاج التطورات، والتسليح، والاتصالات، والتي سمحت للفواعل اللادولتية بزيادة قوتها المادية للمشاركة في العلاقات الدولية. ويعني هذا أن التغير الدرامي في بنيان المنافسة حول القوة المادية بين الدول من خلال بروز القطبية الأحادية، وانتشار القدرات المادية لدى الفواعل اللادولتية من خلال التحولات التكنولوجية، أدّيَا إلى فتح الفوضوية للوصول المباشر والمستقل بواسطة الفواعل اللادولتية المختلفة. ومن خلال هذا الوصول، يكون للفواعل اللادولتية تأثير أشدّ في كيفية عمل الفوضوية. وقد انسحب هذا الأمر على حزب العمال الكردستاني، كما انسحب على غيره من الفواعل.

2. غزو العراق والمشاركة في الفوضوية الدولية

كان غزو العراق عام 2003 سببًا في توجه حزب العمال الكردستاني، باعتباره فاعلً لادولتيًا، لمشاركة أكبر في الفوضوية الدولية والصراع الدولي. فمن ناحية أولى، ارتبط غزو العراق بعدم اليقين بخصوص مستقبله وموقع الأكراد فيه؛ وذلك أن بيئة اللايقين تؤدّي إلى تغير في هُوية الشعوب، وتفضي إلى تبلور أكبر لهذه الهُويات، على نحو أحدث تأثيرات كبرى في الإدراكات الذاتية لأكراد تركيا30.

ومن ناحية ثانية، فإن حزب العمال الكردستاني اتخذ من شمال العراق بعد عام 2003 ملاذًا آمنًا له، ونقطة لشنِّ هجمات على أنقرة بكثافة؛ ما جعل تركيا تقوم بتصعيد حشودها العسكرية شمال العراق عدة مرات منذ عام 2003 وحتى الآن31. وإذا كان اتخاذ حزب العمال الكردستاني شمال العراق معقل، ومن ثمّ مجالً للدخول في الصراع الدولي والفوضوية الدولية، فإن حكومة إقليم كردستان كانت عاملً موازنًا للحزب؛ وذلك لأنه تم تشكيل تحالف بين أنقرة وأربيل، منذ عام 2003. وقد أسهم هذا التحالف في استقرار الحدود المشتركة بين تركيا والعراق؛ ما أثر في نشاطات حزب العمال الكردستاني، إذ أسهم في الحدِّ منها32. وقد توافرت بعض العوامل الإيجابية المتعلقة بإقليم كردستان العراق، وجعلت منه عاملً للاستقرار، ومنها سعي الحكومة الإقليمية في الإقليم لمزيد من التنمية الاقتصادية. وهو ما حقّق مزيدًا من التعاون السياسي والاقتصادي مع الدول الإقليمية وخاصةً تركيا؛ ذلك أن حكومة إقليم كردستان أصبحت من أكبر شركاء تركيا الإقليميين. كما كان لحكومة إقليم كردستان دور مهمّ في تأكيد الأمن النسبي على الحدود الشرقية، من خلال تنمية علاقات أمنية وتجارية بإيران. وقد أدّى هذا إلى أن تقوم حكومة إقليم كردستان بدور الموازن للمطالب الكردية الانفصالية للأكراد الإيرانيين، وأصبحت إيران ثاني أكبر شريك تجاري لحكومة إقليم كردستان بعد تركيا33. وقد تجسدت عوامل عدم الاستقرار في الإقليم ومساهمته في الصراع جري عام الدولي على نحو أكبر، قُبَيل الاستفتاء الذي أ 2017 وبعده؛ وذلك لعدة أسباب تتمثّل في أن الحكومة التركية اعتبرت انفصال إقليم كردستان العراق بمنزلة حدث إقليمي، له امتداداته في تركيا وباقي دول المنطقة التي يسكنها الأكراد، إلى حد إظهار نشرة أخبار الطقس على قناة "رووداو" التابعة لإقليم كردستان بعض المحافظات التركية ضمن حدود كردستان34. ويشير ذلك إلى أن اتجاه الإقليم للانفصال عن العراق هو من وجهة النظر التركية سبب في تغذية الأفكار الخاصة لتبلور أقوى للهُوية الكردية في تركيا. ولذلك ذهب العديد من المحللين إلى أن اتجاه تركيا لإقامة علاقات قوية بإقليم كردستان العراق، على مدى سنوات طويلة منذ عام 2003، يرجع أساسًا إلى رغبتها في أن تكون قادرة على إجهاض مسار الاستقلال والانفصال35.

  1. Ibid., p. 237.
  2. حسين عدنان هادي، "حزب العمال الكردستاني في العراق PKK()، قراءة في نشأته تحليل السياسات ودوره وتأثيره"،، العدد 27، مركز بلادي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية،
  3. Desise Natali, "The Kurdistan Region of Iraq: Stabilizer or Spoiler?" George Town Journal of International Affairs , vol. 14, no. 2 (Summer-Fall 2013), p. 71, 74.
  4. Ibid., p. 74.
  5. سعيد الحاج، "تفسير الغضب التركي على البارزاني"، المعهد المصري للدراسات، 2017/9/29، شوهد في 2017/12/3 في https://bit.ly/2wEfjVs: 35 المرجع نفسه، ص.3 الفاعل اللادولتي في سياق الصراع الدولي
  6. 2015/8/31، شوهد في 2016/10/20، في https://goo.gl/UnDDkW:

وفي هذا الإطار، نستطيع القول إن ما حدث في العراق من تطورات منذ حرب الخليج الثانية مرورًا بغزو العراق عام 2003، ووصولً إلى التطورات الأخيرة المتعلقة بالاستفتاء الذي أُجْرِيَ بخصوص انفصال إقليم كردستان، كان عاملً من عوامل دخول حزب العمال الكردستاني مجال الصراع الدولي والفوضوية الدولية، سواء من خلال الأفكار المتعلقة بتبلور أقوى للهُوية الكردية أو من خلال امتلاك القوة والإقليم. فقد اتخذ الحزب شمال العراق معقلً وملاذًا للتحرك ضد تركيا، وتوجيه ضربات متتالية إليها، وتحديدًا من خلال قواعده في جبل قنديل. لكن يبقى الصراع في سورية هو الصراع الذي من خلاله أسهم حزب العمال الكردستاني في الفوضوية الدولية على نحو أوضح؛ ويرجع ذلك إلى ما تحقق للحزب من المكاسب الإقليمية أساسًا من خلال الدعم الإقليمي والدولي.

3. الصراع في سورية والمشاركة المباشرة في الصراع الدولي

أسهم الصراع في سورية في تطور الصراع الذي يخوضه حزب العمال الكردستاني؛ فقد أدّى إلى بروز مشروع المنظمات الكردية المسلحة في سورية، تلك المنظمات وبالأخص حزب الاتحاد الديمقراطي في الشمال السوري، والتي رأت تركيا أن أي كيان سياسي تُنْشِئه - سواء كان دويلة أو ممرًا أو حكمً ذاتيًّا أو إدارة ذاتية - سوف يؤدي إلى رفع سقف المطالب الكردية في الداخل التركي من ناحية، وسوف يؤدي إلى تحول شمال سورية إلى منصة جديدة لتدريب عناصر حزب العمال الكردستاني من ناحية أخرى36. وتشير قصة التنظيمات الكردية السورية منذ بدايتها إلى أن هذه التنظيمات، وعلى الأخص حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية - وهي وحدات الحماية الشعبية - كانت قد وضعت مشروعًا للإدارة الذاتية حيز التنفيذ، فيما عُرف باسم الإدارة الذاتية الديمقراطية Rojava، والتي سمّيت كذلك بكردستان الغربية، وذلك منذ بدايات عام 2013، أي في الوقت الذي كان يقوم فيه حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية ببدء محادثات السلام ووقف إطلاق النار37. يعني هذا الأمر أن حزب الاتحاد الديمقراطي كان يهدف إلى تحقيق هدف محلي بالأساس، وهو المتعلق بالحكم الذاتي لأكراد سورية، وبناء على ذلك ظلَّ الحزب - وسعيًا لتحقيق هذا الهدف - يسعى للربط بين المقاطعات الثلاث ذات الأغلبية الكردية في شمال سورية وهي الجزيرة وكوباني وعفرين. ومن ثمّ فإن محلية الهدف واتجاهه إلى بناء حكم ذاتي سوري في هذه المقاطعات الثلاث كان يعني أن شمال سورية لم يكن من المحتمل استخدامه جبهةً في الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني. غير أن انسحاب قوات النظام السوري جزئيًّا من مناطق الأغلبية الكردية تلك، في شمال سورية في تموز/ يوليو 2012، سمح لحزب العمال الكردستاني بأن ينقل مقاتليه من جبل قنديل في شمال العراق إلى شمال سورية، ومن ثمّ يحسن وضعه الإستراتيجي من خلال كسب أرضية جديدة أو إقليم جديد، في الوقت الذي بدأ يعاني خسائر كبرى وهو يحارب الجيش التركي داخل تركيا، وهكذا تحول شمال سورية إلى جبهة للحرب وللصراع الدولي أو الصراع بين حزب العمال الكردستاني وتركيا38. وقد كان هذا الحدث بوجه خاص، وهو المتمثّل في انسحاب قوات النظام السوري من الأقاليم والمقاطعات الكردية، على نحو سمح لقوات الحماية الشعبية باستلام بعض المواقع الحدودية وإدارتها، ضمن أحداث أخرى أشارت إلى أن حزب العمال الكردستاني تحالف مع النظام السوري وحلفائه وتحديدًا إيران، لاستخدام شمال سورية جبهةً في الحرب ضد تركيا. ففي أيلول/ سبتمبر 2011، قام الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، وهو حزب الحياة الحرة الكردي، بتنفيذ وقف أحادي لإطلاق النار بعد سنوات من النزاع مع الحكومة الإيرانية استمر فترة طويلة. وفي عام 2013، أدخل المجلس التنفيذي لاتحاد المجتمعات الديمقراطية تعديلات، تهدف إلى إعطاء أولوية لهؤلاء الذين يرون أن حسم الصراع العسكري والسياسي في تركيا هو مطلب أساسي لحلّ القضية الكردية في الدول المجاورة39. وعلى الرغم من أن حزب العمال الكردستاني أسس منظمات ذات أهداف مدنية في سورية، فإن الحزب وأعضاءه المدربين في معسكرات جبل قنديل هم الذين كان لهم القدرة على اتخاذ القرار. وقد سمح هذا للحزب أن يخلق قاعدة من المتعاطفين السوريين، وتجنيد محاربين للقتال في تركيا، وربما كان للتنظيمات الإقليمية

  1. انظر: سعيد الحاج، "تركيا والمسألة الكردية: المتاح والروري"، المعهد المصري للدراسات، 2017/5/26، شوهد في 2017/12/3 في: https://bit.ly/2PCqx4u؛ سعيد الحاج، "الإستراتيجية التركية لمواجهة الاتحاد الديمقراطي"، المعهد المصري للدراسات، 2017/3/24،
  2. International Crisis Group, p. 1. 38  Ibid., p. 1.
  3. شوهد في 2018/9/2، في https://bit.ly/2PG03iV:
  4. Ibid., pp. 3-4.

الاستقلالية في بعض الأمور، إلا أن صنع القرار الإستراتيجي كان في يد المحاربين الذين تعلموا وتدربوا في مؤسسات جبل قنديل. ومعنى ذلك أن حزب العمال الكردستاني تحقق له الحصول على مورديْن مهميْ في الشمال السوري، وهما الإقليم وإدارة السكان المحليين من خلال مؤسسات مدنية، تبدو مستقلة، ولكنها في الحقيقة تخضع لسيطرة حزب العمال الكردستاني وكوادره المدربة في جبل قنديل. لقد نسج هذا الحزب شبكة من الكوادر المدربة في الحزب، تسربوا إلى المؤسسات التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، وعملوا بصفتهم مجموعة ظل، وأصدروا أوامر من خلال شبكة القيادات الإقليمية40. ومن ثمّ فإن الامتداد الإقليمي لحزب العمال الكردستاني في سورية كان موردًا مهمً للصراع الدولي ضد تركيا. ومما أسهم في مشاركة حزب العمال الكردستاني في الفوضوية الدولية هو الدعم الدولي الذي قُدّم لأكراد سورية، ولحزب الاتحاد الديمقراطي من ناحية، وكذلك مساهمة هذا الحزب وتحديدًا وحدات الحماية الكردية في معارك دولية متعلقة بطرد "داعش" من بعض المناطق من ناحية أخرى. ففيما يتعلق بالدعم الدولي الذي قُدِّم لحزب الاتحاد الديمقراطي، نجد أن الولايات المتحدة دعت منذ فترة طويلة إلى دعم الحزب سياسيًّا وعسكريًّا ولوجستيًّا. ثم تطور هذا الدعم أكثر من خلال عدم التزام الولايات المتحدة تعهداتها لتركيا بخروج قوات سوريا الديمقراطية، والتي تشكل وحدات الحماية غالبيتها من منبج. والأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة نشرت قواتها لحمايتها، ووقّع الرئيس الأميركي أيضًا قانونًا يسمح لوزارة الدفاع الأميركية بتسليح المنظمات الكردية بالسلاح الثقيل؛ ما يعني تفضيل ترامب المنظمات الكردية على تركيا، كما تجاهلت الولايات المتحدة مطالب تركيا بإقامة منطقة آمنة في شمال سورية41. وكان الدعم الأميركي لقوات الحماية الشعبية في حربها ضد داعش سببًا في التمدد الإقليمي لهذه القوات، ولحزب الاتحاد الديمقراطي في الأقاليم التي تم تحريرها من داعش. ففي تموز/ يوليو 2015، استطاعت قوات الحماية الشعبية أن تسيطر على تل أبيض، ومن ثم أصبحت تسيطر على الإقليم الممتد على طول الحدود التركية من مليكيا إلى كوباني. وفي كانون الأول/ ديسمبر 2015، استطاعت قوات الحماية الشعبية أن تعبر الفرات وتسيطر على سدّ تشرين، وفي شباط/ فبراير 2016 سيطرت قوات الحماية على تل رفعت شمال أليبو، وذلك بمساعدة الغطاء الجوي الروسي، وأخيرًا في آب/ أغسطس 2016 سيطرت قوات الحماية الشعبية على المدينة العربية منبج42. إن من أهم صور الدعم الدولي التي أسهمت في مشاركة حزب العمال الكردستاني في الفوضوية الدولية هي الدعم الروسي لأكراد سورية وحزب الاتحاد الديمقراطي. وذلك من خلال الوجود الروسي في عفرين، في بدايات التدخل العسكري الروسي في سورية؛ ما عبّ عن دعم الروس لخيارات الأكراد في الحصول على الدولة أو على كيان سياسي آخر، ولكن هذا الأمر تغير فيما بعد43. ومن ثمّ نجد أن الدعم الدولي لقوات الحماية الشعبية، وتحديدًا الدعم العسكري من جانب الولايات المتحدة، ترتب عليه تحقيق مزيد من المكاسب متمثلة في الحصول على مزيد من الأقاليم. وهكذا، تحقق لحزب الاتحاد الديمقراطي هدف أساسي؛ وهو عبارة عن الربط بين المقاطعات ذات الأغلبية الكردية، وهي الجزيرة وعفرين وكوباني، ومن ثمّ التمكن من إقامة فدرالية يمكن أن يعترف بها المجتمع الدولي. إلا أن هذه المكاسب الإقليمية استخدمها هذا الحزب في تقوية جبهته في سورية للحرب ضد تركيا عسكريًّا، وعزلها سياسيًّا من خلال إقناع الولايات المتحدة باختيار جانب الأكراد في الشراكة للحرب ضد داعش. وعلى الرغم من أن الهدفين متناقضان، وهما استخدام الإقليم لتحقيق فدرالية سورية أو استخدامه في الصراع الدولي ضد تركيا، فإن هذا التناقض لم يكن قائمًا بقوة نتيجة العمل في ذلك الوقت على تحقيق مزيد من المكاسب الإقليمية والحقائق العسكرية على الأرض. فالدعم العسكري الأميركي لقوات الحماية الشعبية أدّى عن غير قصد إلى دعم الهيراركية المفروضة من جانب حزب العمال الكردستاني، والتي تفضل الكوادر المدربة في الحزب على القادة السوريين؛ ما سمح لهذا الحزب بدعم سيطرته المطلقة على التنظيمات العسكرية والمدنية في شمال سورية. وترتب على ذلك في النهاية منع وجود إدارة مدنية حقيقية في شمال سورية، وتسبب في ربط القضية

  1. Ibid., pp. 9-10.
  2. انظر: سعيد الحاج، "الولايات المتحدة: أخطر على تركيا من خصومها"، المعهد المصري للدراسات، 2016/3/25، شوهد في 2016/9/2 في: https://bit.ly/2MMF40A
  3. انظر: International Crisis Group, pp. 12-13; " قراءة بالموقف التركي تجاه داعش والحرب على الأكراد: قسم العراق ودول الجوار/ تركيا"، تحليل السياسات، العدد 26، مركز بلادي للدراسات والأبحاث الإستراتيجية، 2015/8/16، شوهد في 2016/12/10، في: https://goo.gl/r6hygH؛ علي بكر، "تحولات السياسة التركية السياسة الدولية وأبعادها الإقليمية"،، مج 50، العدد 202 2015()، ص.115
  4. فتحية قرقاني، "تداعيات التدخل العسكري الروسي في سوريا على تركيا"، المعهد المصري للدراسات، 2015/11/14، شوهد في 2016/10/12 في: https://bit.ly/2oGJA2j الفاعل اللادولتي في سياق الصراع الدولي

الكردية في سورية بتلك التي في تركيا؛ ما ترتب عليه تحول مشروع الحكم الذاتي لحزب الاتحاد الديمقراطي إلى مسايرة أهداف حزب العمال الكردستاني في الحرب ضد تركيا44. وقد جاء هذا التقدم لحزب الاتحاد الديمقراطي ليكون حافزًا لتركيا للمشاركة في الصراع في سورية مباشرةً، من خلال التدخل العسكري فيها؛ إذ إن سيطرة الأكراد على تل أبيض في حزيران/ يونيو 2015 دفعت أنقرة إلى تغيير حساباتها، وذلك خشية أن ينجح الأكراد في إقامة كانتون على طول حدودها الجنوبية، وتحويل شمال سورية إلى قاعدة لانطلاق مقاتلي حزب العمال الكردستاني45. وكان رد الفعل ال كيرر متعدد الجوانب إزاء هذه المكاسب الإقليمية - وخصوصًا في تل أبيض لقوات الحماية الشعبية وكذلك للدعم الدولي لها - فمن ناحية أولى وعلى مستوى الداخل التركي، أعلنت الحكومة التركية إلغاء وقف إطلاق النار مع حزب العمال الكردستاني، وذلك في نيسان/ أبريل 2015، خاصة بعد تفجير سروج في تموز/ يوليو 2015 والعمليات المتكررة التي قام بها حزب العمال الكردستاني ضد قوى الأمن. ومن ناحية ثانية، استجابت تركيا من خلال إرسال قواتها العسكرية عبر الحدود في إطار ما يُسمى عملية درع الفرات، وقد أعلنت أنقرة رسميًّا أن الهدف من هذه العملية هو طرد داعش من جرابلس، إلا أنها كانت تهدف من خلال هذه العملية، أساسًا، إلى منع قوات الحماية الشعبية من السيطرة على أقاليم أخرى بين جرابلس وإعزاز، على نحو يؤدي إلى منع وصولها إلى عفرين، وبعد ذلك تحركت القوات التركية جنوبًا تجاه مدينة الباب، كما تحركت القوات التركية للحصول على مدينة منبج46. وفي هذا الإطار، فإن التحرك العسكري التركي دعّمه، وبخاصة في استرداد العديد من الأقاليم من قوات الحماية الشعبية، قيامُ تركيا بعقد العديد من الصفقات والمساومات؛ ومن ذلك الصفقة التي عُقدت بين تركيا وروسيا في أواخر عام 2016، ووافقت بمقتضاها تركيا على استعادة النظام السوري شرق أليبو من الثوار الذين تدعمهم تركيا في مقابل أن يكون لتركيا اليد الطولى في استعادة مدينة الباب من داعش، كما أن الولايات المتحدة قبلت بسيطرة تركيا على مدينة الباب، وهو ما يمنع قوات الحماية الشعبية من التقدم غربًا. وبعد أن حصلت تركيا على مدينة الباب في أواخر شباط/ فبراير 2017، تقدمت القوات السورية وقوات التحالف السوري شمالً من أليبو إلى شرقي الباب، حيث سيطرت على الأقاليم التي كان داعش يسيطر عليها، ومن ثمّ توجهت تجاه منبج، فتحول الأمر من صفقة بين تركيا وكل من روسيا والولايات المتحدة إلى صفقة بين تركيا والنظام السوري. ثم تحول الأمر إلى صفقة بين قوات الحماية الشعبية والنظام السوري؛ ذلك أنه في آذار/ مارس 2017، قامت روسيا بالوساطة في صفقة بين قوات الحماية الشعبية والنظام السوري سمحت بمقتضاها قوات الحماية الشعبية ل 200 سوري من حرس الحدود للبقاء في ثماني قُرى غربي منبج، وتم إنشاء ما يُسمى المجلس العسكري للباب لإدارة هذه المنطقة، كما تم رفع العلم السوري، وأدّى هذا إلى خلق منطقة عازلة بين قوات الحماية الشعبية والقوات التركية؛ ما خدم بالأساس أهداف روسيا المتمثلة في الحدِ من التدخل التركي في سورية، وإعطاء النظام السوري دورًا أكبر شمال أليبو47.

وتثير قضية المساومات هذه أمرًا مهمًّ؛ وهو أن قوات الحماية الشعبية وحزب الاتحاد الديمقراطي لم يكونا قادرين على تحقيق هدفهما في التحرك من كوباني إلى عفرين، إلا بطريقة غير مباشرة من خلال المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري. وهكذا، فإن قدرة الحزب على الوصول إلى الممر المطلوب من الجزيرة وحتى عفرين تم

  1. International Crisis Group, pp. 12-13.
  2. بشأن تغير حسابات تركيا للتدخل في الصراع في سوريا، انظر: عماد يوسف قدورة، سياسات عربية "تركيا ومسألة تدخلها العسكري في دول الجوار"،، العدد 11)2014(، ص 86-85؛ جان ماركو، "المفاعيل الدولية والداخلية للسياسة التركية في سوريا"، سياسات عربية، العدد 17 2015()، ص.99-98
  3. انظر: International Crisis Group, pp. 18-19; سعيد الحاج، "العلاقات الأمريكية - التركية ودرع الفرات"، المعهد المصري للدراسات، 2016/8/26، شوهد في 2017/10/12 في https://bit.ly/2MMziwe:
  4. International Crisis Group, p. 20. وبشأن دعم النظام السوري لحزب الاتحاد الديمقراطي بشكل عام، انظر: Oray Egin, "The Game Changer: Syria, Iran, and Kurdish Independence," World Affairs , vol. 176, no. 1 (May-June 2013), pp. 66-67.

فقط من خلال موافقة النظام السوري. ويدل ذلك على أن تحركات الفاعل اللادولتي لا تخضع لما حققه من مكاسب إقليمية أو مكاسب متعلقة بالموارد أو الهُوية فحسب، ولكنها تخضع أيضًا لمدى وجود مساومات بين الدول تحدّ من تحركات هذا الفاعل. نتيجة لذلك، فإن تلك المساومات والصفقات المتبادلة بين الدول توضح أن الدولة ما زال لها تأثير مهم في تحركات الفاعل اللادولتي، ومن ثمّ في مدى مساهمته في الفوضوية الدولية. إن حزب العمال الكردستاني، وأمام هذه الصفقات بين تركيا وأطراف أخرى، روسيا أو الولايات المتحدة أو النظام السوري، هو أمام خيارين: الأول هو الاستمرار في استخدام سورية جبهةً للحرب ضد تركيا ومن ثمّ للمشاركة في الصراع الدولي، والثاني هو ترك حزب الاتحاد الديمقراطي لتحقيق هدفه المحلي المتعلق بالحكم الذاتي في سورية ومن ثمّ عدم المشاركة في الفوضوية الدولية؛ وذلك لأن هذه الصفقات جعلت تحقيق الهدفين معًا أمرًا غير ممكن. وهنا فإن الدولة تضع قيودًا مهمة أو قد تعطي فرصًا لمشاركة الفاعل اللادولتي في الصراع الدولي، مع أنه يمتلك الهُوية والإقليم والموارد. وما يحدث في العراق من تحركات حزب العمال الكردستاني وتقدمه للسيطرة على سنجار يشير إلى أن الحزب قد يختار البديل الأول، وهو استخدام سورية جبهةً للحرب ضد تركيا؛ إذ إن الحزب من خلال سيطرته على سنجار يفتح طريقًا للتجارة أمام الشمال السوري المفروض عليه حظر تجاري من جانب تركيا وحكومة بارزاني؛ فيؤدي إلى مزيد من اعتماد الحكم الذاتي في الشمال السوري على الذات، وتقليل اعتماده على النظام السوري. ويعني هذا أن الحزب يربط بين جبهة العراق وجبهة سورية، ويستخدم ذلك للحرب ضد تركيا. ولكن نجاح الحزب في ذلك يعتمد على الدول مرة أخرى؛ إذ يعتمد على مدى سماح إيران بطريق تجاري حر لشمال سورية، كما أن تحركات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وتحديدًا في سنجار، يمكن أن تؤدّي إلى مزيد من التدخل التركي. وهذا ما حدث، فعلً، من خلال عملية درع دجلة لتركيا في العراق؛ حيث تم ضرب جبال سنجار قرب الموصل في نيسان/ أبريل 2017. وكان آخر التحركات التركية هي عملية غصن الزيتون؛ لإتمام السيطرة على عفرين، وإنهاء سيطرة قوات الحماية الشعبية عليها48.

خاتمة

كان دخول حزب العمال الكردستاني الذي نشأ في تركيا للصراع الدولي من خلال عدة مراحل؛ بدأت بمنافسة الدولة في قوتها، ثم التأثير في اختياراتها في مجال السياسة الخارجية، ثم اكتساب أقاليم جديدة، والعمل من خارج حدودها، على نحو أدّى إلى مساهمة الحزب في الصراع الدولي والفوضوية الدولية. وكان لمتغيرات البيئة الداخلية والدولية فضل أساسي في اكتساب الحزب موارد الإقليم والهُوية وغيرها، والتي مكنته من المشاركة في الصراع الدولي. غير أن الصفقات والمساومات بين الدول كان لها دور في وضع قيود على الحزب واختياراته؛ بحيث إن الدولة ما زال لها دور مهم في تحرك الحزب نحو الصراع الدولي، سواء من خلال المساومة أو من خلال استخدام القوة. ومن ثمّ يتحدد مستقبل مشاركة الحزب في الصراع الدولي بمدى التوافقات بين الدول وإعادة بناء التحالفات فيما بينها. ويحيلنا ذلك على تركيز المدرسة الواقعية على أهمية الدولة في إدارة الفوضوية الدولية. وفيما يلي بعض النتائج والخلاصات التي توصلت إليها الدراسة: أصبحت الفواعل اللادولتية تنافس الدول الآن في امتلاك القوى والأفكار التي تمكنها من المساهمة في الصراع الدولي. حزب العمال الكردستاني هو من ضمن هؤلاء الفواعل التي أصبح لها القدرة على منافسة الدولة، واستطاع من خلال ذلك الدخول في حرب ضد الدولة التركية. استطاع حزب العمال الكردستاني أن يكتسب أرضًا جديدة، ومن ثم اكتسب موردًا جديدًا للحرب والمنافسة ضد الدولة التركية بعد غزو العراق. على الرغم من الطابع المحلي لأهداف حزب الشعوب الديمقراطي في سورية، فإن حزب العمال الكردستاني استطاع أن يسيطر على الإقليم؛ وبذلك قام بتوظيف شمال سورية جبهةً للحرب ضد تركيا. أسهم الدعم الدولي لحزب الاتحاد الديمقراطي في إمكانية اكتساب أراضٍ جديدة في الشمال السوري. كانت المساومات التركية مع الدول الداعمة لحزب الاتحاد الديمقراطي، ومنها روسيا والنظام السوري، سببًا في اكتساب تركيا مكاسب جديدة في حربها ضد حزب العمال الكردستاني.

  1. سعيد الحاج، "رسائل القصف التركي في سوريا والعراق"، المعهد المصري للدراسات، 2017/4/28، شوهد في 2017/12/3 في https://bit.ly/2PDqwgJ: الفاعل اللادولتي في سياق الصراع الدولي

المراجع

العربية

بكر، علي. "تحولات السياسة التركية وأبعادها الإقليمية." السياسة الدولية. مج 50. العدد 202.)2015(الحركة الكردية في العصر الحديث جليل، جليلي.. ترجمة عبدي حاجي. بيروت: دار الرازي،.1997 شهرزاد، آدمام. "الفواعل العنيفة من غير الدول: دراسة في الأطر سياسات عربية المفاهيمية والنظرية.". العدد.2014(.8 عيسى، حامد. المشكلة الكردية في الشرق الأوسط منذ بدايتها حتى سنة 1991. القاهرة: مكتبة مدبولي،.1992 قدورة، عماد. "تركيا ومسألة تدخلها العسكري في دول الجوار." سياسات عربية. العدد.)2014(11 ماركو، جان. "المفاعيل الدولية والداخلية للسياسة التركية في سورية." سياسات عربية. العدد.)2015(17 الهسنياني، علي. "السياسة التركية تجاه الكرد وأثرها على العلاقات مع العراق وسوريا من 2008–1991." رسالة ماجستير. كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة. القاهرة،.2009

الأجنبية

Chong, Alan. "The Post-International Challenge Foreign Policy: Signposting Plus Non-State Politics." Review of International Studies. vol. 28. no. 4 (October 2002). DCAF and Geneva Call. "Armed – Non state Actors: Current Trends and Future Challenges." Working Paper. no. 5 (2015). Egin, Oray. "The Game Changer: Syria, Iran, and Kurdis' Indpendence." World Affairs. vol. 176. no. 1 (May-June 2013). Fidler, David P. "A Theory of Open-Source Amarchy." Indian Journal of Global Legal Studies. vol. 15. no. 1 (Winter 2008). Grassiani, Erella & Eyal Ben-Ari. "Violence Operators: Between State And Non-State Actors." Etnofoor. vol. 23. no. 2 (2011). Gunter, Michale M. "The Turkish – Kurdish Peace Process." Journal of International Affairs. vol. 14. no. 1 (Winter-Spring 2013). International Crisis Group. "The Pkk's Fateful Choice in northern Syria." Middle East Report. no. 176 (May 2017). Marcus, Aliza. "Turkey's PKK: Rise, Fall, Rise again." World Policy Journal. vol. 2. no. 1 (Spring 2007). Natali, Desis. "The Kurdistan Region of Iraq: Stabilizer or Spoiler?" Georgetown Journal of International Affairs. vol. 14. no. 2 (Summer-Fall 2013). Somer, Murat. "Turkey's Kurdish Conflict: Changing Context and Domestic and Regional Implications." Middle East Journal. vol. 58. no. 2 (Spring 2004).