الجيش والسلطة والدولة في الجزائر: من الأيديولوجيا الشعبوية إلى الدولة النيوباترمونيالية
The Army, the Government, and the State in Algeria: From a Populist Ideology to a Neopatrimonial state
الملخّص
تحاول هذه الدراسة أن تناقش الأوضاع التي أدّت إلى احتال الجيش قلب الدولة والسلطة في الجزائر المعاصرة، وانعكاسات ذلك على عملية بناء المؤسسات السياسية والقانونية، وتجربة الانتقال الديمقراطي. وقد استخدمت مفهومَي الشعبويّة والنيوباترمونيالية، كما يجري تعريفهما لاحقًا؛ لرسم المسار الذي أخذته السلطة في الجزائر منذ الاستقال إلى يومنا هذا. فالشعبوية كانت وصف ا لتلك الأيديولوجية التي كرّست الأحادية الحزبية والشرعية الثورية، والنيوباترمونيالية كانت شكل الممارسة السياسية للسلطة التي نتجت منها. إنّ وضع هذين المفهومين في سياقهما التاريخي سمح لنا بفهم ظروف استياء الجيش على السلطة وتماهيه مع الدولة، ومعرفة أسباب رفضه إعادة توزيع السلطة داخل الجسم الاجتماعي بعد إقرار التعددية الحزبية في دستور 1989.
Abstract
This study provides a discussion and analysis of the circumstances that led to the military occupation of the core of the state and government in contemporary Algeria, and the ramifications for the process of building political and legal institutions, and the democratic transition experience. The study employs the concepts of populism and neopatrimonialism to paint a picture of the path taken by the government in Algeria since independence. Populism describes the ideology that sanctified the one-party state and revolutionary legitimacy, while neopatrimonialism is the resulting shape taken by the exercise of political power. Framing these two concepts within their historical context provides an understanding of the circumstances of the army's seizure of power and its identification with the state. It clarifies the reasons for its refusal to redistribute power within the society after the establishment of political pluralism in the 1989 Constitution.
- الجيش
- السلطة
- الجزائر
- الشعبوية
- الدولة النيوباترمونيالية
- Army
- Algeria
- Populism
- Power
- Neopatrimonial State
مقدمة
إذا كان لارتباط السلطة السياسية بالجيش مثال، فإنّ الحالة الجزائرية تكاد تكون الأقوى. وحتى إن لم تبد الجزائر دكتاتورية عسكرية، فإنّ الجيش يحتل قلب الدولة، وهو مركز السلطة ومصدر شرعيتها. استطاع الجيش لأسباب تاريخية متعلقة بالظروف التي نشأت فيها الدولة الوطنية الجزائريّة أن يحتكر السلطة، ويتحكم في طريقة توزيعها والأدوات التي تعيد إنتاجها، سواء أكان ذلك خلال مرحلة الأحادية الحزبية (1989-1962) أم بعدها. لا يزال الجزائري البسيط شديد الاقتناع بأنّ الجيش هو صاحب السلطة الفعلية، ولم ينسحب من اللعبة السياسية ومن قلب الدولة، وأنّ كلمة الفصل تعود إليه دائمًا في اختيار الرئيس والمسؤولين المركزيين والمحليين، وفي اتخاذ القرارات المصيرية في الميدان السياسي والاقتصادي، على الرغم من إقرار التعددية الحزبية التي كان يفترض أن تضع حدًا لهيمنة الجيش على السلطة السياسية في الجزائر منذ ما يزيد على 25 سنة. ويتحدّث الجميع في الجزائر سرًّا وعلانية عن دور الجيش في صناعة الرئيس، ودور جهاز المخابرات في مراقبة الحياة السياسية وتحريكها، مع أنّ الدستور الحالي لا يشير إلى أي دور سياسي للمؤسسة العسكرية. ويعتقد الجزائري أنّ وراء كل حزب جنرالً، ووراء كل صحيفة خاصة جنرالً، ووراء كل مؤسسة اقتصادية ناجحة جنرالً. كما يسود الاعتقاد أنّ الأحزاب والصحف والجمعيات هي أدوات دعاية و"بروباغندا" سياسية، تقوم بدور إضفاء الصدقية على تعددية سياسية شكلية، يحركها جهاز الاستعلام والأمن DRS كلما أرادت السلطة سوقًا انتخابيةً أو استحقاقًا سياسيًّا ما. يسود انطباع عامّ، يمكن ملاحظته عبر الأحاديث اليومية، والصحف ووسائل التواصل الاجتماعي، وبعض الدراسات الأكاديمية (التي سنشير إليها لاحقًا)، بأن الانفتاح السياسي الذي أقرته السلطة في "دستور فيفري 1989" (شباط/ فبراير 1989) لم يؤد إلى تراجع دور الجيش في الحياة السياسية بقدر ما منحه أدواتٍ جديدة لممارسة السلطة من وراء الستار؛ بما يجعله بمنأى عن المحاسبة والمساءلة المؤسساتية (القضاء، البرلمان) أو المجتمعية (وسائل الإعلام). تتعدد التوصيفات والعبارات التي استعملت لوصف هذه الوضعية الجديدة مثل: ديمقراطية الواجهة، والتعددية الشكلية، وإبطال مفعول الانتخابات. ويشار إلى الجيش بتوصيفات هي الأخرى متعددة مثل: الحكام الفعليون، وأصحاب القرار décideurs les1، والسلطة الفعلية، والعلبة السوداء... إلخ. هذه توصيفات لوضع سياسي معالمه غير واضحة، تتفق كلّها على أن الانتقال الديمقراطي تمّ إجهاضه، أو على الأقل تمّ إفراغه من محتواه وإبطال مفعوله؛ ذلك أنه لم يستطع أن يكوّن آلية جديدة لتسوية الصراع على السلطة السياسية في المجتمع، تكون فيها السيادة للشعب يمارسها عبر الانتخابات العامة لاختيار المسؤولين السياسيين. ولهذا، فإن هذه الدراسة تحاول أن تجيب عن التساؤلات التالية: ما أسباب (وأدوات) هيمنة الجيش على قلب الدولة والسلطة منذ الاستقلال إلى اليوم؟ وما الأوضاع التي نشأت فيها هذه الهيمنة؟ وما أدوات إعادة إنتاجها وصيانتها؟ وأخيرًا، ما انعكاساتها على تجربة بناء الدولة والتحول الديمقراطي؟ سنحاول أن نناقش هذه التساؤلات ونجيب عنها ضمن حدود الفرضية العامة التالية: إنّ المسار الذي شُكّلت فيه الدولة الوطنية كان للجيش فيه دور محوري مقارنة بدور النخب السياسية غير العسكرية، سمح له بممارسه نفوذ واسع على المؤسسات السياسية، والتمتع بشرعية اجتماعية وتاريخية وسياسية، بصفته مصدرًا للشرعية والسلطة على حد سواء. إنّ شراسة حرب التحرير، وفشل النخب السياسية في توحيد الجزائريين حول المشروع الاستقلالي، ونجاح الجناح العسكري الراديكالي في إطلاق "ثورة أول نوفمبر" 1954، كانت كلها عوامل ساهمت في نزع الصدقية عن العمل السياسي ورجال السياسة والممارسة الحزبية، وأعطت في المقابل شرعية وصدقية للعمل العسكري، ولاستمرار الجيش في الاضطلاع بدور أساسي في الحياة السياسية. سنناقش تساؤلات الدراسة وفرضيّتها استنادًا إلى أطروحة عالم الاجتماع الجزائري لهواري عدي، والتي يرى فيها أن السلطة في الجزائر منقسمة إلى مستويين: سلطة فعلية خفية، في يد الجيش، وسلطة ظاهرة، في يد المسؤولين المدنيين المعينين في مختلف المناصب السياسية2. وسنستعين هنا بمفهومين أساسيين: الشعبوية Populisme والنيوباترمونيالية patrimonialisme Néo؛ لنحلل من خلالهما الأوضاع التاريخية والأيديولوجية والسوسيولوجية التي احتل فيها الجيش السلطة السياسية، وانعكاسات ذلك على صيرورة بناء الدولة الوطنية، وتصورات النخب العسكرية للسياسي وللسلطة ووظيفة الدولة، وأخيرًا، انعكاسات كل هذا على مسار التحول الديمقراطي الذي عرفته الجزائر في بداية التسعينيات من القرن الماضي.
أوّلًا: في الجذور التاريخية لاستيلاء الجيش على السلطة
من المهم العودة إلى السياق الذي نشأت فيه الدولة الوطنية الجزائرية، لفهم جذور هذه العلاقة الحميمية بين الجيش والسلطة، ووزن الجيش وصورته في المخيال الاجتماعي، وتمثلّاث الجزائريين حول السياسي والعسكري. يمكن القول إنّ فشل الكفاح السياسي بين الحربين العالميتين في استعادة الاستقلال الوطني هو الذي أفقد العمل السياسي ورجلَ السياسة صدقيته الاجتماعية والسياسية. إنّ المنظمة السرية التي نشأت سنة 1947 للتحضير للثورة المسلحة قد صبغ منطق عملها واشتغالها الفِعل السياسي الجزائري إلى يومنا هذا: السرية، وغياب الثقة، والتآمر، والوشاية، واللجوء إلى العنف والتصفية. يمكن الحديث فعلً عن ظاهرة اسمها متلازمة المنظمة الخاصة l'OS de syndrome le، على أساس أن آليات عملها تقع تحت ظل القمع الاستعماري، واستمرت إلى ما بعد الاستقلال، بل حتى إلى ما بعد التعددية الحزبية. كتب محمد حربي جملة بليغة لوصف طبيعة هذه الممارسة، ونعتقد أنها لا تزال تحظى بالقوة نفسها: "إنّ مبادئ القيادة المستندة إلى الرقابة على السلوك، كونت الذهن العام على الطاعة والاحترام وجعلت من الوشاية والرقابة المتبادلة إنجازًا لواجب مجتمعي. كان قادة جبهة التحرير الوطني يعيدون إنتاج الارتباط بالماضي بلا وعي، فحقوق الفرد غير موجودة، والمقطع من بيان أول نوفمبر الذي يتحدث عن احترام الحريات الفردية لم يكن إلا لباسًا للأعياد، جرى إخراجه للمناسبة ثمّ أعيد الإقفال عليه سريعًاُ"3.
من الطبيعي أن يكون للعمل العسكري فاعلية أقوى في ظل الكفاح الاستعماري الضاري، ومن الطبيعي أيضًا أن يراوح العمل السياسي مكانه أو/ وأن/ ينتهي به المطاف في صف الولاء أو العمالة للاستعمار. نشأت الممارسة الحزبية آليةً سياسية داخل حضن دولة القانون، ولا معنى لها في ظل الهيمنة الاستعمارية. استغل الجناح الراديكالي في حزب الشعب عدم فاعلية العمل السياسي القانوني ليجمع حوله الجزائريين في تنظيم جديد، سمي جبهة التحرير الوطني4، أخذ على عاتقه مهمة تفجير الثورة المسلحة وقيادتها وتنظيمها عن طريق جيش التحرير الوطني. في الواقع، ببلوغ سنة 1957، لم يبق من جبهة التحرير الوطني إلا جيش التحرير الوطني، إذ يهيمن فيه القادة العسكريون على كل مفاصل صناعة القرار وتنفيذه. ولم يكن الجناح السياسي إلّ واجهة لتسيير احتياجات الثورة دبلوماسيًا. هل كان من الممكن أن يكون للسياسي صدى وصوت أعلى من صوت العسكري وصداه، في ظل معركة مسلحة لأجل استعادة الاستقلال؟ وهل كان في الإمكان مثلً أن يكون لفرحات عباس نفوذ وحظوة جماهيرية أكبر من حظوة كريم بلقاسم أو عبد الحفيظ بوصوف ونفوذهما؟ من المهم أن نعود إلى سيكولوجية الجماهير والقادة خلال الثورة المسلحة. لقد دفع عبان رمضان حياته ثمنًا لمحاولته فرض منطق السلم والدولة في ظل ظروف الحرب (أو لنقل في ظروف ما قبل الدولة). المسار الذي نشأت فيه الدولة الجزائرية هو مسار صنعه العسكري، أي قوة السلاح. إنها دولة ظهرت ردة فعل على تناقضات النظام الكولونيالي، وليست بناء قانونيًا شُيد لحل الخلافات والتناقضات الداخلية في المجتمع. ثمة فرق واضح بين الحالتين؛ فإذا كانت الحالة الثانية يتم فيها الصراع بين تيارات أيديولوجية وسياسية واقتصادية مختلفة، فإن الحالة الأولى تحتاج، قبل حصول هذه المعركة والصراع، إلى قوة عسكرية تستعيد السيادة على الرقعة الجغرافية التي سوف تكون إطارًا لهذه الخلافات والصراعات. في معظم المجتمعات التي مرت بتاريخ استعماري طويل، سيكون للعمل المسلح دور أساسي في بناء الدولة، وسيكون الجيش وريث الشرعية التاريخية بعد استعادة السيادة وبناء الدولة على أنقاض الإدارة الاستعمارية. بالطبع، سيرافق عملية الكفاح ضد الاستعمار معارك وصراعات داخلية من أجل التحضير لأخذ السلطة بعد
الاستقلال. ويعتقد الكثير من الجزائريين أنّ في الإمكان تفادي ذلك المسار الذي أخذته الجزائر بعد الاستقلال، وحُجتهم في ذلك وضع مؤسسات سياسية للثورة منذ مؤتمر الصومام (1956) لو احترمها الجميع. لكن تبقى هذه طموحات وآمالً ساذجة من وجهة النظر الأنثروبولوجية، لأن الصراع على السلطة تحدده علاقات القوة، وتحديدًا علاقات القوة العسكرية فحسب في مرحلة ما قبل الدولة. يجب أن نميز في التحليل بين الصراع على السلطة في سياق الدولة الناجزة والصراع عليها في مرحلة ما قبل نشوئها. ستكون القوى التي تقود عملية الكفاح أوفر حظًّا في تجنيد الموارد السياسية من أجل شرعنة أحقيتها في ممارسة السلطة. وبتعبير أدق: من غير المعقول أن ينتظر أحد نشوء نظام سياسي تعددي ديمقراطي بعد سنوات من الكفاح المسلح ضد الهيمنة الاستعمارية. تقع شرعية ممارسة السلطة في لحظة نشوء الدولة الوطنية (بعد إعلان الاستقلال) في مكان آخر غير صناديق الاقتراع، أو على الأقل يمكن أن تنافس شرعية صناديق الاقتراع شرعيات أخرى أقوى وأشد فاعلية؛ لتجنيد الأفراد والجماعات حول خيارات سياسية واقتصادية واجتماعية. يتعلق الأمر هنا بالثقافة السياسية السائدة، وهي ثقافة صنعتها سنوات الكفاح المسلح، وآلاف القتلى والجرحى، وملايين الفقراء والمهمشين، وحشود الفلاحين المصادرة أراضيهم، وفيالق من المحاربين الذين أفنوا شبابهم في الجبال والغابات ومراكز التعذيب. يمثّل هذا الوضع التاريخي السوسيولوجي أرضيةً خصبةً للخطابات السياسية الشعبويّة، والشعبويّة بحكم تعريفها تعدّ مناهضة ومناقضة للديمقراطية والتعددية. إن الجماعة التي أخذت السلطة بعد الاستقلال هي الجماعة التي عرفت جيدًا كيف تستفيد سياسيًا من هذا الوضع، وتجلّ بوضوح في ميثاق طرابلس (1962) الذي وضع الأسس الأيديولوجية المبررة للأحادية الحزبية، وللاشتراكية الاقتصادية، وللشرعية الثورية. قبل أن نستعرض ميثاق طرابلس ومظاهر الشعبوية فيه، نرى أن من ال وررري أولً تقديم مفهوم الشعبوية، ومدى أهميته النظرية والتحليلية في فهم الخيارات السياسية الاقتصادية للدولة الجزائرية الناشئة.
ثانيًا: في مفهوم الشعبوية
الشعبوية من بين أهم المفاهيم التي استعملت لتحليل أيديولوجية النظم السياسية وأنماط الممارسات الحزبية والسياسية. وتكمن أهمية هذا المفهوم في قدرته على وصف العلاقة بين الثقافة السياسية والسياق التاريخي والخيارات الأيديولوجية والسياسية والأدوات التي يستعملها الفاعلون السياسيون في صراعهم وتنافسهم على السلطة، وأخيرًا نمط السلطة وأدوات تسييرها وتوزيعها داخل الجسم الاجتماعي.
إن الشعبوية ظاهرة حاضرة في كل المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن درجة تطورها السياسي والاقتصادي. أمّا أنماطها فتختلف من سياق تاريخي إلى آخر، باختلاف درجة البناء الدولتي، وهي تأخذ صورتها من الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة. في أوروبا مثلً، يتحدث الكثير عن عودة الشعبوية وصعود الحركات اليمينية المتطرفة المعادية للمهاجرين؛ إذ استغلت بعض الأحزاب هذه الأوضاع لزيادة شعبيتها في أوساط الناخبين. يصف لنا دومينيك رينيي في كتابه5 "الشعبويات الجديدة" بدقة صور حضور الشعبوية في أوروبا الغربية في السنوات الأخيرة. وتعرف الشعبوية بأنها "ظاهرة ارتبطت بإقحام الجماهير في الممارسة السياسية في المجتمعات الحديثة، وتحديدًا في سباق الوصول إلى السلطة السياسية [...] وهي ظاهرة مرتبطة بالنظم الديمقراطية كما النظم التوتاليتارية"6. كان مفهوم الشعبوية محوريًا في كتابات لهواري عدي حول النظام السياسي الجزائري، وتوج ذلك بأطروحة دكتوراه نشرت لاحقًا في كتاب من جزأين، كان الجزء الثاني بعنوان: مأزق الشعبوية7. حاول عدي في هذا الكتاب أن يبين كيف أوصلت الأيديولوجية الشعبوية الدولة الجزائرية إلى مآزق سياسية واقتصادية واجتماعية، أفضت في نهاية المطاف إلى أزمة في كل المجالات. ظهرت الشعبوية، تاريخيًّا، في روسيا القيصرية8 في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكانت قائمة على فكرة مفادها أنّ طبقة الفلاحين هي الطبقة الثورية الوحيدة في المجتمع الروسي. أمّا في الجزائر، فإن
ميثاق طرابلس (1962)، أوّل وثيقة أيديولوجية للدولة الجزائرية المستقلة، قد كرس هذه الشعبوية من خلال تأكيد وحدة الشعب الجزائري، وأنّ طبقة الفلاحين البسطاء هي الطبقة الثورية الوحيدة في المجتمع. بيّ لهواري عدي في مقال له حول ثلاثية: الشعبوية، والنيوباترمونيالية والديمقراطية9، كيف أعاقت الشعبوية تشكّل الدولة وتطورها، وكانت سببًا في انزلاقها النيوباترمونيالي في مرحلة أولى، وسببًا في فشل تجربة الانتقال الديمقراطي في نهاية الثمانينيات في مرحلة ثانية10. إنّ الشعبوية هي نفي لوجود خلاف واختلاف وصراع داخل المجتمع عامة، والنظام السياسي خاصّة. وقيامها على مبدأ نفي السياسي (جوهر كل مجتمع) جعلها تتصور المجتمع كتلة واحدة لا تتخلّله صراعات بين أفراده. وما دام الأمر كذلك، فلا حاجة إلى مؤسسات سياسيّة قانونيّة لمأسسة هذا الصراع وتسييره وحلّه. لا حاجة إلى برلمان، أو أحزاب، ولا حاجة إلى قضاء إلّ لفضّ النزاعات الاجتماعية الصغيرة، ولا حاجة إلى السوق لتسوية الممارسات الاقتصادية والإنتاجية... إلخ. الاعتراف بالتعددية والاختلاف والصراع، بحسب الشعبوية، هو تهديد للوحدة الوطنية وتجانس الجسم السياسي. ودعاة التعددية والاختلاف هم أعداء للخارج وعملاء له. يقول عدي: "الشعبوية هي أيديولوجية معركة وحرب تسمح برصّ الصفوف ضد العدو الخارجي، ولكن بزوال هذا العدو الخارجي تتحول إلى عائق أمام بناء الدولة والمؤسسات وتدفع بها نحو النيوباترمونيالي"11. ليس ثمة أي حاجة بحسب الشعبوية إلى توزيع السلطة في المجتمع، ولا حاجة إلى برلمان، وصحافة مستقلة، وقضاء مستقل أو نقابات. على العكس، يجب أن تتركز جميع السلطات بين يدي من يعب عن وحدة الشعب وتجانسه ويجسدهما: الرئيس أو الزعيم، وعليه أن يشغل المناصب الحساسة في البلاد كافة: رئيس الدولة، والقاضي الأول في البلاد، ورئيس الحكومة، ووزير الدفاع وقائد الجيش، ورئيس الحزب الواحد. وبهذا يقوم النظام الشعبوي ببناء هيراركية إدارية بدلً من بناء مؤسّسات سياسية قانونية لتسوية الخلافات والصراعات السياسيّة والاقتصاديّة والأيديولوجيّة داخل العمق الاجتماعي. أعطت الأيديولوجية الشعبوية للدولة الجزائرية ونظامها السياسي خصائصهما التاريخية، المتمثلة أساسًا في هيمنة الجيش على السلطة السياسية، وانزلاق المشروع التحديثي الثوري نحو النيوباترمونيالية، لأن الجيش بعد الاستقلال، كان الطرف الأكثر شعبوية على مستوى الممارسة والخطاب. ويظهر ذلك جليًا في ميثاق طرابلس، أوّل وثيقة أساسيّة للدولة الجزائرية، حيث تمّ مأسسة الأحادية الحزبية، والاشتراكية الاقتصادية، وأعطى الجيش فرصة للتماهي مع الأمّة الدولة والمجتمع.
ميثاق طرابلس وأزمة صيف 1962: حسم الصراع على السلطة عسكريًا وأيديولوجيًا
يمثّل ميثاق طرابلس أول نص أيديولوجي للدولة الجزائرية، وهو يجسد من خلال محتواه، أو من خلال حيثيات إخراجه، الصراعات التي كانت تعتمل داخل جبهة/ جيش التحرير الوطني أولً، وطريقة حسم هذا ال اررع ثانيًا، وأخًا طريقة توظيف حرب التحرير أيديولوجيًا وسياسيًا لمرحلة ما بعد الاستقلال. تقدم لنا شهادة المحامي علي هارون12، التي وضعها في كتابه "صيف الشقاق"، توصيفًا دقيقًا لمجريات أعمال هذا المؤتمر. فقد وصل الصراع والخلاف إلى أوجه بين هيئة الأركان العامة (التي يقودها العقيد هواري بومدين 1978-1932) والحكومة الجزائرية المؤقتة (التي يترأسها بن يوسف بن خدة 2003-1920). في الواقع، يجسد هذا الخلاف الصراع التاريخي بين العسكري والسياسي خلال حرب التحرير. وفعليًا وميدانيًا، كان الصراع قد حُسم منذ اغتيال عبان رمضان (1957) الذي استطاع في فترة وجيزة أن يفرض أولوية السياسي على العسكري والداخلي على الخارجي في تسيير شؤون الثورة. لكن13، وبحسب المؤرخ محمد حربي فإن إنشاء السلطات الاستعمارية خطَّي شال وموريس سنة 1957 أدى إلى عزل جيش التحرير الوطني في الداخل، وسمح بتشكل وحدات قتالية محترفة في تونس والمغرب بقيادة هواري بومدين، ولخضر بن طوبال، وعبد الحفيظ بوصوف. كانت وحدات قتالية قلما شاركت في أعمال عسكرية ضد الجيش الفرنسي، وظلت
على حالها حتى إعلان وقف إطلاق النار والاستقلال. سمح هذا الظرف ببسط العسكريين نفوذهم داخل جبهة التحرير الوطني، لكنهم حافظوا على وجود الحكومة المؤقتة من أجل تسيير شؤون الثورة دبلوماسيًا. حاولت الحكومة المؤقتة أن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل اغتيال عبان رمضان، فأصدرت أمرًا بحل هيئة الأركان العامة بتاريخ 30 حزيران/ يونيو 196214، يدعو كل أفراد هيئة الأركان إلى التمرد على قادتهم (بومدين، وعلي منجلي، وقايد أحمد)، استعدادًا لإدماجهم في جيش جديد بعد الاستقلال. لكن لا علاقات القوة كانت في مصلحتها، ولا الأدوات اللازمة لتنفيذ قراراتها كانت موجودة. بل كان هذا القرار سببًا مباشرًا في حدوث أزمة في صفوف جبهة/ جيش التحرير الوطني، انتهت بإسقاط الحكومة المؤقتة واستيلاء هيئة الأركان العامة على السلطة، بعد أن أمر العقيد هواري بومدين جيش الحدود بالدخول إلى الجزائر واحتلال العاصمة15. وجدت السلطة الجديدة في ميثاق طرابلس سندًا أيديولوجيًا يبرر أخذها السلطة واحتكارها الحديث باسم الشعب الذي ضخّمه الميثاق، وحوله إلى أسطورة ثورية تتزعمه طبقة الفلاحين والفقراء. رتب ميثاق طرابلس الشعب الجزائري إلى درجات، بحسب الوعي الثوري لكل فئة ومدى إسهامها في الثورة. ومن البديهي أن يتماهى الحكام الجدد مع الطبقات الفقيرة والمهمشة لكونها تمثل الأغلبية من جهة، ولا تمتلك قنوات للتعبير عن نفسها من جهة أخرى. وفي ما يلي تصنيف الميثاق للجزائريين وفقًا لمشاركتهم في الثورة16: فئة الفلاحين الفقراء. البروليتاريا والبروليتاريا الحضرية: فئة وسطى تتكون عمومًا من الحرفيين والموظفين الصغار، والتجار، وبعض أصحاب المهن الحرة. الطبقة البرجوازية: وهي قليلة العدد مقارنة بالطبقات الأخرى، تتكون من رجال الأع لاا، والوسطاء التجاريين، وأصحاب المؤسسات وبعض الصناعيين، يضاف إلى هذه الفئة كبار ملاك الأراضي وأعيان الإدارة الاستعمارية. إنّ جميع القوى التي يمكن لها أن تعبر عن نفسها، وتنافس الحكام الجدد في السلطة (البرجوازية الصغيرة والبرجوازية) قد تم شيطنتها أو على الأقل ترتيبها في خانة تقترب من العمالة للاستعمار. كان كل هذا سببًا في سكوتها، أو في أحسن الحالات دفعها إلى الولاء للسلطة العسكرية الجديدة. أمّا الفئات الأخرى، فلا تمتلك وسائل التعبير، ولا الثقافة السياسية التي تمكنها من بناء وعي يسمح لها بإبداء رأيها في الوضع الجديد، بل إنها لم تكن تنتظر أن تتصدر سلم الوطنية والثورية، أو أن تضع الدولة الجديدة نفسها في خدمتها.
دستور 1963 يكرس الشعبوية أيديولوجية رسمية للدولة الجديدة
كرست جميع الدساتير التي جاءت بعد هذه المرحلة (1976-1963) سياسيًا واقتصاديًا وقانونيًا الشعبوية، أو على الأقل وُضعت على أساس الشعبوية. لقد أغلق دستور 1963 اللعبة السياسية نهائيًا، بتأكيده أنّ حزب جبهة التحرير الوطني هو الحزب الوحيد، وأن جيش التحرير الوطني يمكن له أن يؤدي دورًا سياسيًا. نقرأ في ديباجة دستور 1963 ما يلي: "إن ضرورة قيام حزب الطليعة الواحد، ودوره المرجح في إعداد ومراقبة سياسة الأمّة، هما المبدآن الجوهريان اللذان حملا على اختيار شتّى الحلول لمعالجة المشاكل الدستورية التي تواجه الدولة الجزائرية وبذلك يتم ضمان السير المنسجم والفعال للنظم السياسية المقررة في الدستور عن طريق جبهة التحرير الوطني التي: تعبئ وتنظم الجماهير الشعبية، وتهذبها لتحقيق الاشتراكية. وتدرك وتشخص مطامح الجماهير الشعبية بالاتصال الدائم بها. وتعد وتحدد سياسة الأمة وتراقب تنفيذها. ويتم إعداد هذه السياسة وتنشيطها وتوجيهها من طرف أشد العناصر الثورية وعيًا ونشاطًا. كما تقيم جبهة التحرير الوطني تنظيمها وقواعدها على مبدأ المركزية الديمقراطية"17. تمت مأسسة نتائج الأزمة السياسية التي اندلعت في صيف 1962، وحسمتها هيئة الأركان بالقوة، بإقرار الأحادية الحزبية، ودفع المعارضين للاختيار بين المنفى (آيت أحمد، وبوضياف18 أو باستقطابهم داخل النظام ومنحهم مناصب مسؤولية تقنية.
استطاع الجيش أن يحكم قبضته على السلطة السياسية عن طريق استغلال ميراث جبهة التحرير الوطني، جهازًا سياسيًا لممارسة السلطة، وتاريخه الثوري مصدرًا للشرعية السياسية. وضعت النخب الحاكمة لنفسها مهمة البناء الثوري والتحديث الاقتصادي للمجتمع الجزائري، ورأت أنّ هذه المهمة لا يمكن أن تنجز إل في ظل الأحادية الحزبية والاشتراكية، بحيث يكون للجيش دور أساسي في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. تنص المادة الثامنة على ما يلي: "الجيش الوطني جيش شعبي، وهو في خدمة الشعب وتحت تصرف الحكومة بحكم وفائه لتقاليد الكفاح من أجل التحرير الوطني، وهو يتولى الدفاع عن أراضي الجمهورية ويسهم في مناحي النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد في نطاق الحزب"19. لقد توافرت كل المعطيات لنشوء نظام شمولي، يحتل مركزه الجيش. وبمرور أقل من ثلاث سنوات على تعيين أحمد بن بلة رئيسًا للجزائر، قام وزير دفاعه (العقيد بومدين) بإقالته. مثّل انقلاب 19 حزيران/ يونيو 1965 لحظة تاريخية لنشوء نظام سياسي شعبوي، وشمولي، ونيوباترمونيالي، يحتل قلبه الجيش، ويمثّل فيه مصدر الشرعية بصفته تجسيدًا للوطنية وللشرعية الثورية.
انقلاب 19 حزيران/ يونيو 1965: الجيش يحكم القبضة على السلطة
يمثّل انقلاب 19 حزيران/ يونيو 1965 آخر حلقة لبسط الجيش هيمنته على السلطة السياسية والدولة. اختار الجيش بن بلة ليضعه في واجهة النظام السياسي من خلال النظر إلى حظوته الجماهيرية20، وأراد بن بلة أن يستفرد بالسلطة ويتحرر من الرقابة اللصيقة التي فرضها عليه قائد أركان جيشه (هواري بومدين) الذي لم يتحمل أن تتساقط الوزارات والصلاحيات من يده واحدة تلو الأخرى، فقرر عزل الرئيس بن بلة وإخراج العملية على أنها تصحيح ثوري. جمّد بومدين المجلس الوطني التأسيسي الذي تمّ انتخابه سنة 1963، ووضع مكانه مجلس الثورة الذي ترأسه هو بنفسه وجعل منه أعلى هيئة سياسية في الدولة. كما احتكر لنفسه جميع المناصب السياسية المهمة: رئيس مجلس الثورة، ورئيس الحكومة، والأمين العام للحزب الواحد، ووزير الدفاع، ثمّ قائد الأركان العامة للجيش بعد الانقلاب الفاشل الذي قام به العقيد طاهر زبيري (قائد الولاية التاريخية الثانية: الأوراس - النمامشة) سنة 1967. كان لهذا الانقلاب انعكاسات عميقة على علاقة السلطة بالجيش والدولة. استغل بومدين هذه الحادثة ليعزل أغلب القادة العسكريين التاريخيين الذين كانوا يتمتعون بإرث وشرعية تاريخيين، ووضع مكانهم الضباط الذين عرفوا باسم الضباط الفارين من الجيش الفرنسي في أواخر الحرب التحريرية (على غرار: خالد نزار، والعربي بلخير، وعبد المالك غنايزية، والعقيد شابو، والعقيد إيدير، ومحمد العماري...). لقد كان بومدين يعتقد أن هؤلاء لا يشكلون خطرًا حقيقيًّا عليه، نظرًا إلى ضعف شرعيتهم التاريخية بسبب ماضيهم "السيئ"، واعتقد بأنهم سيكتفون بشغل مناصب تقنية في الجيش مقابل التمتع بالامتيازات التي يوفرها المنصب. وبالفعل، استمر ولاء هذه الجماعة لبومدين وكانوا سنده الأوّل داخل الجيش وارتكز عليهم في ممارسته للسلطة، ولكن بعد وفاته سنة 1978، بدأت طموحات هؤلاء تطفو على السطح وكان لهم الدور الرئيس في تعيين الرئيس الجديد. تميزت الفترة البومدينية بكل صفات الدولة النيوباترمونيالية التي يتصرف فيها الحاكم وفقًا لما يمليه عليه مزاجه. فتمّ تعطيل العمل بالدستور، وتمّ حل المجلس الوطني التأسيسي، وأنشئ مكانه ما يعرف بمجلس الثورة، بصفته أعلى هيئة سياسية شرعية تحرص على تطبيق التوجهات السياسية الثورية. أما معارضوه التاريخيون، فلم يتردد بومدين في استعمال أساليب وزارة التسليح والاتصالات العامة خلال الثورة التحريرية "المالغ" MALG21 ضدهم: الاغتيال. تم اغتيال محمد خيضر في مدريد (1967)، وكريم بلقاسم في ألمانيا (1970)، أمّا بن بلة فقد سجن، في حين اختار آيت أحمد المنفى بعد أن تمكن من الفرار من سجن الحراش سنة 1966. ساعدت التدفقات الريعية في إرساء بومدين لنظام شمولي ريعي يرتكز على ثلاثية: القمع، والريع، والبيروقراطية. لقد كانت سنوات الخمسينيات والستينيات في بلدان العالم الثالث بمنزلة العهد الذهبي للجيوش؛ بسبب الدور التاريخي الكبير الذي أدته في استعادة السيادة الوطنية، وهي المهمة التي فشلت فيها النخب السياسية طوال فترة ما بين الحربين العالميتين.
بعد سنوات قليلة من الانقلاب، أصبح للجزائر ناصرها (جمال عبد الناصر الخاص بها): يطيح العملاء، ويحارب البرجوازية والإقطاعية، ويتحدى الإمبريالية، ويساند فلسطين، وينشر التعليم والعلاج بالمجان، وينشئ مصانع في كل مكان. كانت خطوات التحديث متسارعة جدًا، استعملت فيها الموارد المالية الضخمة التي تدفقت عقب الأزمة النفطية الأولى (1973). بخطاب شعبوي، وبلغة بسيطة قريبة من الجماهير، وإجراءات استعراضية ثورية (تأميم المحروقات مثلً)، استطاع بومدين أن يبني كاريزما قوية سمحت له بأن يتحرر من الجيش، ويكسب شعبية جماهيرية تضاهي شعبية عبد الناصر في مصر وغاندي في الهند. بل إنّ تلك الكاريزما القوية أغلقت التنافس السياسي حول منصب الرئيس طوال فترة حكمه، وتحول التقرب إليه أو الحديث باسمه أقصى حد يطمح إليه سياسي ما؛ أي إنّ مركز السلطة الفعلي احتله بومدين ماديًا ورمزيًا، وليس موضوعًا للمنافسة أو التقاسم.
ثالثًا: من الشعبوية الثورية إلى الدولة النيوباترمونيالية
جعل النظام السياسي الشعبوي الذي نشأ بعد الاستقلال الدولة الجديدة تصطبغ بكل صفات الدولة النيوباترمونيالية؛ إذ السلطة مخصخصة ومشخصنة، ولا تخضع إعادة إنتاج النظام لآليات العقلانية البيروقراطية الحديثة، ولا لأدوات التسوية القانونية. سنقوم أوّلً بتوضيح هذا المفهوم، لنعود بعدها إلى تحليل الحالة الجزائرية لنبين فيها كيف أدت الأيديولوجية الشعبوية إلى انزلاق تجربة البناء الدولتي نحو الباترمونيالية.
11 في مفهوم الباترمونيالية
يعد ماكس فيبر أول من استعمل مفهوم الباترمونيالية لوصف أنماط الهيمنة السياسية في دولة القرون الوسطى في أوروبا الغربية؛ إذ كانت تنعدم الحدود القانونية والأخلاقية بين أملاك الملك والأملاك العامة، فيتصرف في المملكة والأملاك كما لو أنه يتصرف في أملاكه الخاصة22. لكنّ فيبر طوّر بعد ذلك دلالات المفهوم بتطور الدولة الغربية، فحوّله إلى مفهوم تحليلي استعمله في كتابه الشهير "الاقتصاد والمجتمع"23ليعني به التوسع العسكري والإداري للسلطة الأبوية وذلك في مستوى اختيار المسؤولين من المقربين الأوفياء لشخص الرئيس الممثل الوحيد للسلطة، والذي لا يعتمد في عملية التسيير على مؤسسات رسمية وقنوات محددة، بل إنه يميل إلى الاعتماد على أساليب وقنوات لا شكلية، أي غير رسمية تحد من إلزامية المسؤولية، ضمن إطار سياسي لا يؤدي فيه التنافس دورًا تجديديًا، يستمد فيه الرئيس شرعيته من مساندة الجيش والسلطة الرمزية للعقيدة الرسمية المتمثلة بالدين24. يحمل مفهوم الباترمونيالية، وفقًا لهذه الدلالات الفيبرية، قوة تحليلية تسمح بفهم الكثير من الممارسات السياسية للأنظمة الشمولية. وهو يفسر أيضًا منطق الممارسات المشخصِ نة للسلطة السياسية وأسباب احتقار الوظيفة المؤسساتية وعدم اللجوء إليها في عملية صنع القرارات وتسيير الشأن العام. كما أنه يسمح لنا بتوسيع نطاق المفهوم نحو كل النظم السياسية التي يتم فيها تسيير الدولة وفقًا لهذا المنطلق المشخصن، بغض النظر عن كون المُشخصن شخصًا واحدًا أو مجموعة من الأشخاص تشكل عصبة واحدة، وتستمد شرعية ممارستها واحتكارها السلطة من خارج صناديق الاقتراع العام. يساعد التطور الحاصل في مفهوم الباترمونيالية عند إيزنستادت أكثر في تحليل عميق لتجربة البناء الدولتي في العالم الثالث، بالنظر إلى عدم إمكانية خصخصة الدولة بصفة مطلقة على غرار ما كان سائدًا في أوروبا القروسطوية. وبالنظر إلى تجدد وسائل خصخصة الدولة وشخصنتها وأشكالها، قام صامويل إيزنستادت بالتمييز بين الباترمونيالية التقليديةTraditional Patrimonialism الخاصة بدولة القرون الوسطى، والنيوباترمونيالية الحديثة Moderne.25 Neopatrimonialism يسمي إيزنستادت الدولة النيوباترمونيالية تلك الحالة التاريخية التي يكون فيها المركز السياسي politique centre le (مركز السلطة) محتلًّ بهدف بقاء نخبة سياسية في السلطة حاملة مهمة تحديث المجتمع وبناء الدولة26. وفقًا لهذا المفهوم، فإن تجربة بناء الدولة الوطنية الجزائرية هي تجربة نيوباترمونيالية بامتياز؛ لأن النخب
السياسية التي استلمت السلطة بعد الاستقلال استثمرت في هذه المهمة التاريخية من أجل البقاء في السلطة ورفض إعادة توزيعها داخل الجسم السياسي. يقول إيزنستادت إن طبيعة المهمة التاريخية هي التي سوف تؤثر في طبيعة العلاقة بين المركز السياسي ومحيطه، وتفرض قنوات معينة يتم من خلالها توظيف النخب السياسية وإعادة إنتاجها27. من الواضح إذًا أن مهمة التحديث التاريخية وشعبوية الأيديولوجية السياسية، هما اللتان أنتجتا النظام الباترمونيالي وما يحمله من خصائص متصلة كطبيعة العلاقة الناشئة بين السلطة المركزية وأطرافها، وبين الدولة والمجتمع. إنّ دولةً نشأت عقب حرب طاحنة ضد عدو خارجي دام وجوده أكثر من 130 سنة ستكون دولة نخبها مهووسة بكل التفاصيل الصغيرة التي يمكن أن تزعزع وجودها ووحدتها الترابية وفكرة تجانس الجسم السياسي والاجتماعي. لنا أن نتصور الحالة السيكولوجية لنخب ما بعد الاستقلال وخوفها الشديد من إضاعة استقلال مات لأجله الملايين. إن سيكولوجية هذه النخب، تساعد في فهم ممارساتها النيوباترمونيالية، ليس كل الممارسات بالطبع، ولكن على الأقل جزء مهمّ منها، وهذا من خلال مساعدتنا في الإجابة عن السؤال: أيكون النظام الباترمونيالي هو نظام ميكيافيللي بحكم تعريفه أم أنه بإرساء قواعد النظام الباترمونيالي تبدأ أعراض الميكيافيللية السياسية في الظهور والانتشار؟ لا يمكن لعاقل أن يتصور أنّ كل النخب العسكرية والسياسية التي أخذت السلطة في صيف 1962 هي نخب فاسدة وميكيافيللية، تسعى فقط للسيطرة على السلطة لخدمة مصالحها. نحن نميل إلى فرضية مفادها أنّ ميكيافيللية نظام ما بعد الاستقلال، وبسبب طابعه النيوباترمونيالي، نشأت في مرحلة متأخرة تاريخيًا وليست لصيقة به منذ الوهلة الأولى. لقد رأى بومدين في نفسه مكلّفًا بمهمّة تاريخيّة هي بناء دولة ذات سيادة غير قابلة للتفاوض أو التنازل عنها، ودولة مستقلة سياسيًا واقتصاديًا. يفسر ثقل هذه المهمة التاريخية جانبًا كبيرًا من انزلاق المشروع التحديثي نحو الباترمونيالية التي كان فيها بومدين بمنزلة نقطة الارتكاز لكونه اختزل جميع السلط والصلاحيات في شخصه (رئيس الدولة، ورئيس الحزب، ووزير الدفاع، ورئيس الحكومة... إلخ) وقام ببناء جهاز إداري بيروقراطي يراقب كل الفضاءات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية، ولا يدع أي فرصة لظهور جماعات حاملة لمشاريع سياسية أو مجتمعية مختلفة. لقد أحكم النظام الباترمونيالي الإغلاق على مفاهيم الوطنية والوفاء، واختزلها في الانتماء إلى حزب جبهة التحرير الوطني والانخراط في منظماته الجماهيرية. لكنّ النيوباترمونيالية ليست شرًا كلها، أو على الأقل ليست تجسيدًا لإرادة شريرة مسبقة، فأحد إنجازاتها التاريخية أنها كانت معبرًا للمجتمع التقليدي نحو (الحداثة). إنّ تهديم السلطات المحلية الفرعية وتجميع الولاءات في مركز سياسي واحد، بغض النظر عن طريقة اشتغال هذا المركز، ولّد ديناميكية بناء دولة ذات سيادة على إقليم جغرافي محدّد من خلال تكسير تلك الولاءات الإقليمية والروحية التقليدية. إنّ ظهور الدولة الوطنية بصفتها رقعة جغرافية ذات سيادة ضمن العلاقات الدولية لا يعني بالضرورة أنّ الولاءات الفرعية التقليدية قد اندثرت في اللحظة نفسها (لحظة الاستقلال بوصفها اللحظة التاريخية المؤسسة لنشأة الدولة الجزائرية). هنا تظهر الحاجة ولو فترة مؤقتة إلى سلطة مركزية تقوم بعملية استقطاب سياسي للولاءات الفرعية. يقول لهواري عدي في هذا الصدد: "النيوباترمونيالية تشكل معبرًا تبحث من خلاله المجتمعات التقليدية العبور نحو الحداثة. الانعكاسات الخارجية لهذه العملية هي خصخصة السلطة السياسية الموجهة وشخصنتها بلا شك نحو القضاء على الولاءات التقليدية لمصلحة سلطة الدولة التي تتجسد في سلطة الرئيس. النيوباترمونيالية تظهر كما لو أنها نقلة تبحث من خلالها الجماعات التقليدية إعادة تشكيل نفسها على شكل دولة أمّة"28. من خلال ما سبق، يمكن أن نستنتج أن النيوباترمونيالية، ما إن تثبت جذورها داخل جسم سياسي معيّ، حتى تبدأ الظواهر السياسية (السلبية) في البروز؛ أي إنها هي القاعدة التي تنشأ عليها الانحرافات الأخرى مثل الزبونية السياسية، والفساد، والشمولية. إنّ أول ما يحتاج إليه النظام النيوباترمونيالي الذي يحمل على عاتقه مهمة التحديث التاريخية ومهمة الحفاظ على اندماج الجماعة السياسية، إقليميًا وسياسيًا واجتماعيًا، هو أيديولوجية تبرر ممارساته المشخصنة للسلطة والممركزة في تنظيمات أحادية وتدافع عنها. سيحتاج إلى أيديولوجية تسمح له بتبرير نفي الاختلافات والخلافات في المجتمع، مثلما يحتاج إلى موارد مادية لصيانة هذه الأيديولوجية ونشرها. كانت الأيديولوجية موجودة منذ حرب التحرير، وقد أحسن استغلالها بإحكام القبضة على السلطة السياسية ومأسستها في ميثاق طرابلس ودستور.1963 ثمة ارتباط تاريخي بين الظاهرتين، ولا نكاد نجد في التاريخ المعاصر دولة نيوباترمونيالية من دون أيديولوجية شعبوية (الشعبوية هنا
تلبس أقنعة مختلفة: قد تكون دينية، أو اشتراكية، أو شيوعية...إلخ) تبرّر وجودها. يمكن أن نقول إنّ الشعبوية هي أيديولوجية النظم السياسية الباترمونيالية، والباترمونيالية هي حامل سياسي واقتصادي للأيديولوجية الشعبوية. وإذا كانت الشعبوية هي أيديولوجية يوتوبية، فإن النيوباترمونيالية هي الانعكاس الواقعي لها داخل مؤسسات الدولة وعلى واقع العلاقة دولة - مجتمع. فكيف إذا أنتجت الشعبوية المتجذرة في الثقافة السياسية والممأسسة في ميثاق طرابلس النيوباترمونيالية؟ الشعبوية التي كانت تميز خطاب الحركة الوطنية وتغذيه خلال حرب التحرير كان لها دور تاريخي في إنتاج دولة نيوباترمونيالية؛ أي إنّ الدولة الوطنية نشأت في سياق أيديولوجي ميزه هيمنة الخطاب السياسي الشعبوي المتشبع بالدين، استخدمته جبهة التحرير الوطني لحشد الجزائريين وتوحيدهم لاستعادة الاستقلال وبناء دولة (عادلة تزول منها مظاهر البؤس والفوارق التي تسبب فيها الاستعمار). ارتكز خطاب جبهة التحرير على وحدة صف الجزائريين ونبذ الخلافات والاختلافات أيًّا كان نوعها، وعلى قمع الخلافات بين قادتها قبل ظهورها إلى العلن. غالبًا ما يميز سيكولوجية الحركات التحررية وسوسيولوجيتها الهوس بالإجماع على كل التفاصيل، وإعطاء الانطباع بسيادة الولاء الكامل للجماعة المسيرة للثورة أو الحركة التحررية. أشبعت الجبهة خطابها بالدين الإسلامي، وعملت على تذويب مكونات الحركة الوطنية كافة في هياكلها. منذ تلك اللحظة التاريخية، انتصرت في المخيال الاجتماعي للجزائريين صورة الأحادية الحزبية على صورة التعددية. لقد نشأت نخب الاستقلال داخل هذا المناخ السياسي: ذوبان الفصائل السياسية داخل جبهة التحرير الوطني هو مفتاح النجاح في معركة الاستقلال. أمّا التعددية والتحزب، فقد كانا سبب الفشل في استرجاع السيادة الوطنية. هنا يكمن منبع الصورة السلبية لتعددية لم تنجح في توحيد الجزائريين، وصورة إيجابية لأحادية حزبية سمحت بعودة السيادة الوطنية. هذه التصورات والتمثلات للسياسي والتعددية الحزبية والأحادية هي التي تغذت منها أيديولوجية الدولة الوطنية، واستخدمتها في تبرير الخيارات السياسية الاقتصادية والاجتماعية. وهي الخيارات نفسها التي كانت سمحت ببقاء نخب معينة في السلطة مع حمل مهمة التحديث والبناء. للسلطة طابع افتراسي، وحينما تجتمع كل السلطات في يد شخص واحد، أو جماعة واحدة باسم وحدة الشعب، وحينما تغيب مؤسسات الرقابة والمحاسبة والفصل بين السلطات، تنحرف السلطة نحو مكانها الطبيعي: التسلط والشمولية؛ أي نحو خصخصة المجال العام ومؤسسات الدولة. تتوافق الشعبوية مع النيوباترمونيالية في نزعة كل منهما نحو الأحادية والوحدة والشخصنة، لذلك حينما وجدت الشعبوية إطارًا سياسيًا تتبناه أيديولوجية رسمية (أو غير رسمية) في الخطاب، أنتجت نظامًا نيوباترمونياليًا راديكاليًا عمل على تجميع كل السلطات في مركز واحد أفضى في النهاية إلى إفشال مهمته التاريخية في التحديث والعصرنة. أثّر هذا النمط من السلطة بشدة في العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ إذ سرعان ما تقطعت وأصبحت الدولة بلا جذور اجتماعية وبلا شرعية سياسية تخترق العمق الاجتماعي وتنغرس فيه، وبذلك تنكفئ مؤسسات الدولة على نفسها وتتحول إلى فضاء لتسيير صراعات النظام السياسي نفسه. لكنّ هذا التسيير للصراعات على الموارد المادية والرمزية يجب أن يتم في سرية تامة وتحت الأقبية، ولا يجب أن يطفو على السطح ويخرج إلى العلن، لأن ذلك يناقض الخطاب الرسمي الذي يدعي أن النظام واحد ومتّحد لا تتخلله أي صراعات تهدد إنجاز المهمة التاريخية، وتجسيد مسعى الشهداء الأبطال. يؤكد الخطاب الرسمي أنّ جميع المسؤولين في الحزب الواحد موالون للزعيم الذي يعبر عن طموحاتهم وآمالهم وآمال كل الجزائريين. إنّ الاعتراف بوجود صراعات، يعني التساؤل عن كيفية حلها، ومن ثمة المطالبة بوضع آليات قانونية لمأسسة الصراع وأدوات حله. من هنا، جاءت مفردة "الأخ" بصفتها صيغة خطابية يستعملها المسؤولون لمناداة بعضهم بعضًا، درءًا لشبهتَي الخلاف والصراع. ليس هنالك حاجة إلى أن نذكّر بأن النظام النيوباترمونيالي في حاجة إلى ممارسة العنف ضد خصومه وضد كل من يطالب بإعادة توزيع السلطة وفتح المجال أمام المنافسة السياسية والمبادرة الاقتصادية، فهذه الممارسات القمعية هي جوهر النيوباترمونيالية بحكم تعريفها. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن نتصور إطلاقًا أنّ النظام السياسي النيوباترمونيالي يمكن أن يستمر في الوجود في السلطة بالاعتماد على العنف والقمع فقط، فهذا مستحيل وقد يؤدي في نهاية المطاف إلى حرب الكل ضد الكل. إذا افترضنا أن العنف موجه ضد معارضين معروفين أو جماعات متمردة يمكن تحديدها ولو جزئيًا، فما الأدوات التي يستعملها النظام في الحفاظ على تماسك الجماعات التي تشكله وتنتمي إليه؟ وما ممارسات النظام داخل الإدارة العمومية تجاه معاونيه؟ وما المنطق الذي يحكم تعامله مع العمق الاجتماعي؟ هناك مستويان لتعامل النظام السياسي النيوباترمونيالي: مستوى العمق الاجتماعي والسياسات الاقتصادية والاجتماعية العامة، ومستوى داخلي يتعلق بالعلاقات التراتبية بين مختلف مستويات الجهاز البيروقراطي للدولة وطبقاته.
22 النظام النيوباترمونيالي والمجتمع
يقول عالم الاجتماع الفرنسي المتخصص في دراسة الدول الأفريقية جان فرنسوا ميدار في وصفه الظاهرة النيوباترمونيالية: "إنّ خصخصة السلطة - على اعتبار ذلك جوهر النيوباترمونيالية - أدى إلى ظهور نتيجتين: العلاقات العامة أصبحت مشخصنة وباترمونيالية، ويتم تسيير الشؤون العامة بحسب أهداف وغايات خاصة، وأصبحت الإدارة والسياسة مصادر لمكاسب وامتيازات اقتصادية"29. انطلاقًا من هذه الملاحظة الوصفية لميدار تتجلى لنا طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع في النظام النيوباترمونيالي، ويمكن تلخيصها في ما يلي: احتكار الدولة جميع الوظائف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتجميعها داخل مؤسسات بيروقراطية توكل إليها مهمة تسيير كل العمليات بصفة مركزية. يتم تحييد جميع الصراعات السياسية والاقتصادية، ويمنع التعبير عنها إلا ضمن ما تسمح به المنظمات الجماهيريّة التابعة للحزب الواحد. وهي قنوات للتعبير عن صراع وتنافس من دون رهان حقيقي في إيصال نخب جديدة إلى السلطة. الرهان الوحيد هو التقرب من السلطة الحقيقية المتحكمة في توزيع الخيرات الريعية. تتحول المؤسسات البيروقراطية والاقتصادية إلى فضاء التشغيل الوحيد الذي يمكن من خلاله للنظام النيوباترمونيالي القيام بتحويلات اجتماعية نحو الأسفل، أي نحو الطبقات الاجتماعية المختلفة في صيغة أجور، ومنح، ومساعدات... إلخ. يتحول الحصول على وظيفة داخل الجهاز البيروقراطي إلى رهان أساسي في المجتمع، على أساس أنه المكان الوحيد الذي تحدث فيه وعبره عملية الصعود والارتقاء الاجتماعي من دون المرور بقنوات النظام النيوباترمونيالي. ليس هنالك آليات أو ممرات أخرى لا تسمح للفرد بجمع الثروة فقط، بل بكسب قوته اليومي (دولنة المجتمع.) سرعان ما ينبثق داخل المجتمع عامل جديد للرباط الاجتماعي، يصطبغ بمنطق النظام النيوباترمونيالي في تسيير الاقتصاد وتوزيع الثروة والنفقات. إنه رباط اجتماعي ريعي على حد تعبير رشيد بن ذيب30. تصبح عملية حيازة جزء من الريع الذي يوزع بآليات متعددة رهانَ الأفراد والجماعات في المجتمع، ويظهر ما يمكن تسميته العقلية الريعية. في هذه الحالة، تتحول الدولة إلى أداة نهب للريع، وفي الوقت نفسه موضوعًا للنهب بالنظر إلى اتساع جهازها البيروقراطي وصعوبة التحكم فيه. يستعمل الموظفون سلطتهم لنهب المال العام، فينتج ما يسميه محمد حشماوي31 الدولة الناهبة المنهوبة. دولة يستعمل أعوانها سلطتها لنهب خيراتها وخيرات المجموعة الوطنية.
النظام النيوباترمونيالي وجهازه البيروقراطي
في ظل طبيعة العلاقة التبعية بين الدولة والمجتمع في النظام النيوباترمونيالي، وإحكام قبضة الدولة عليه واستقلاليتها عن المجتمع، كيف ستكون العلاقات داخل الجهاز الإداري للدولة؟ وما الآليات التي تتحكم في عملية صنع القرار، والتعيين والترقية في المناصب؟ وما المنطق الذي سيحكم ممارسات الأفراد والجماعات داخل الجهاز الإداري للدولة النيوباترمونيالية؟ تحتفظ الذاكرة الجزائرية بتلك المقولة الشهيرة للرئيس هواري بومدين حينما أثيرت قضية فساد بعض المسؤولين في الحزب والإدارة والمؤسسات العمومية. قال: "مكانش لي يخدم فالعسل وما يلحسش صبعيه" أي في ما معناه بالعربية الفصحى: ليس هنالك من يشتغل في تصفية العسل ولا يقوم بلحس أصابعه. تعبّ هذه المقولة بعمق عما يحدث داخل دهاليز الجهاز البيروقراطي للدولة، وتعبّ في الوقت نفسه عن موقف المسؤولين الكبار من ظاهرة الفساد المستشري في كل المستويات الإدارية32. بالنسبة إلى بومدين، جامع السلطات ومحتكرها، قضية اختلاس المال العام هي أمر عادي بالنظر إلى صعوبة تمالك المسؤول نفسه أمام الأموال أو الخيرات الضخمة التي يسيرها، ومن المشروع له أن يمد يده ليأخذ جزءًا منها بطريقة
غير قانونية ما دامت شرعية في نظره؛ أي من حق المسؤول الذي يقضي وقته في خدمة الشعب في الإدارة أن يأخذ جزءًا من المال العام على شكل رشاوى، وعملات، ونهب... إلخ. ثمة فرق واضح بين القانونية والمشروعية، حتى إن كان القانون يمنع مثل هذه الممارسات، إلا أنّ منطق التسيير السياسي يجعل منها مشروعة في نظر فاعليها. يشرعن المسيرون البسطاء في المستويات الدنيا من الإدارة ممارساتهم الافتراسية عن طريق مقارنة أنفسهم بالمسؤولين في أعلى الهرم الإداري: ما دام المسؤول المركزي الذي يتلقى أجرة أعلى ينهب من المال العام بأشكال مختلفة، فمن حقي أنا أيضًا أن أنهب ما استطعت إليه سبيلً. لكن يبقى النهب في حدود عدم إثارة انتباه المجتمع، لكيلا تظهر الدولة، على الأقل على مستوى الخطاب الموجه للاستهلاك، مناقضة لطبيعتها الثورية الساعية إلى تأسيس العدالة الاجتماعية. غالبًا ما تحذر الشرطة السرية رئيس بلدية أو مسؤول مؤسسة عمومية، بأنه تجاوز الحدود المسموح بها في النهب، وأن ثروته بدأت تثير أنظار الآخرين. مع مرور الوقت، تأسست قواعد متعارف عليها حول حدود نهب المال العام، أي حول الحدود التي يمكن أن تتسامح معها السلطة المركزية. يعبّ هذا الواقع عن غياب تلك الحدود بين ما هو عام، ملك للجماعة الوطنية والدولة، وما هو خاص ملك لأفراد محددين. إنها تعبّ عن حدة الطابع النيوباترمونيالي للدولة، والمسار الذي أخذه الفساد منذ تلك المرحلة إلى يومنا هذا، أكده منحاه التصاعدي إلى أن تحول إلى القاعدة الأساسية التي يعيد النظام السياسي إنتاج نفسه عليها. يقوم النظام النيوباترمونيالي عادة بغض الطرف عن تجاوزات أعوان الجهاز البيروقراطي كما في العمق الاجتماعي مقابل ضمان الولاء السياسي للحزب والرئيس أو للجماعة الحاكمة. إنه من التبادل في المنافع والخدمات المادية والرمزية بين ولي النعمة والزبون.
رابعًا: ما بعد بومدين: من أجل رئيس ضعيف
تمثّل وفاة الرئيس بومدين منعرجًا آخر في التاريخ السياسي للجزائر بصفة عامة، ولبنية النظام السياسي الحاكم بصفة خاصة؛ ليس فقط لأهمية (المراجعات)33 الأيديولوجية التي تمت مباشرتها على الخيارات الاقتصادية، ولكن أيضًا بالنظر إلى التغير العميق الذي طرأ على عملية صناعة القرار السياسي داخل النظام. يتجلى من خلال اختيار العقيد الشاذلي بن جديد خلفًا لبومدين، اكتواء النخب العسكرية بنار الكاريزما البومدينية، وعزمهم على ممارسة رقابة أقرب على رئاسة الجمهورية (رمز السيادة ومكان صناعة القرار الرسمي). عاد الرجال الأقوياء والنافذون في الجيش إلى مبدأ التسيير الجماعي للدولة، ومحاربة ظهور زعيم قوي كاريزماتي يفرض عليهم هيمنته ويستمد شرعيته من خارج المؤسسة العسكرية. لكنّ هذا لا يعني أنهم حاربوا نموذج النظام السياسي الذي كان موجودًا، كل ما في الأمر أنهم أرادوا خلافة بومدين بصفة جماعية، وفي تكيّف مع الأوضاع والمستجدات الجديدة. أصبح الضباط الذين قام بومدين عشية وفاته بترقيتهم إلى مناصب متقدمة في الجيش يتمتعون بنفوذ واسع، سواء بسبب تقدمهم في الرتبة، أو بسبب روح التضامن العضوي الذي ميّز تحركهم لاشتراكهم في ماض (مُخجل) أمام زملائهم الذين كانوا ضباطًا في جيش التحرير منذ الساعات الأولى من الثورة. وقد فضل هؤلاء، بمن فيهم العقيد قاصدي مرباح نفسه، اختيار شخصية ضعيفة كاريزماتيًا، مجهولة جماهيريًا، وغير طموحة سياسيًا: العقيد الشاذلي بن جديد قائد الناحية العسكرية الثانية آنذاك (وهران)، بدلً من أن يختار الجيش شخصية مدنية ذات حظوة جماهيرية، على غرار بوتفليقة (وزير الخارجية)، أو محمد الصالح يحياوي (رئيس المكتب السياسي للحزب) أو شخصية عسكرية ذات كاريزما على غرار قاصدي مرباح (قائد جهاز الأمن العسكري). بعد أن تم الاتفاق على شخص الشاذلي بن جديد، تم عرضه على مؤتمر جبهة التحرير الوطني الرابع (الذي لم ينعقد طوال فترة حكم بومدين) لتزكيته أوّلً، ثم عرضه للاستفتاء الجماهيري ثانيًا. انتخب بن جديد رئيسًا للجزائر في شباط/ فبراير 1979، وتم تعيين العقيد محمد عبد الغني وزيرًا أول في نيسان/ أبريل من السنة نفسها، وفي بداية سنة 1980 تم تعيين العربي بلخير أمينًا عامًّا للرئاسة (1984-1980) ثم مديرًا لديوان الرئيس.)1989-1984(استطاع الجيش انتزاع عدة سلطات مهمة من الرئيس على غرار الوزارة الأولى، ثم قيادة هيئة الأركان، وأخيرًا وزارة الدفاع. ازداد تغلغل الجيش داخل السلطة السياسية طوال فترة الثمانينيات، بسبب ضعف كاريزما الرئيس الجديد، وتقدم الضباط الذين استعان بهم بومدين لتحديث الجيش في الرتب )معظمهم أصبح برتبة عقيد، أو جنرال)34. بحلول تشرين الأول/ أكتوبر 1988، تكون قد تراكمت أسباب الانفجار الاجتماعي والسياسي، بسبب عدم قدرة الدولة على تلبية
حاجات المجتمع، وضعف القدرة التعبوية للشرعية الثورية في المخيال الاجتماعي للجيل الجديد. التسيير الزبوني لشؤون الدولة، وتفشي الفساد والمحسوبية في كل الأجهزة، وتحول حزب جبهة التحرير الوطني إلى جهاز يضفي الشرعية على قرارات تتخذ في النقاشات المغلقة، وانهيار الم وررع التنموي وعجز المؤسسات الاقتصادية حتى عند دفع أجور العمال، كلها عوامل أدّت إلى حدوث قطيعة حقيقية بين المجتمع والدولة. ظهرت القطيعة واضحة في حوادث تشرين الأول/ أكتوبر التي قام فيها الجيش بإطلاق النار على الشباب الجزائريين. وعلى الرغم من قدم الممارسات البوليسية للأمن العسكري في ملاحقة المعارضين منذ الاستقلال، فإنّ هذه الحوادث مثّلت المرة الأولى التي يتواجه فيها الجيش والشعب في الشارع. انهارت تلك الصورة الأسطورية التي كانت تصور الجيش على أنه حامي الأمّة، وأصبح في مخيال الكثيرين أداة اغتناء بعضهم من خيرات الجزائريين، خاصة أنّ تهمة "حزب فرنسا" لا تزال تلاحق الكثير من الضباط السامين35 الذين تمت ترقيتهم خلال عهد الشاذلي بن جديد. في الواقع، دفع الجزائريون، عسكرٌ ومدنيون، الثمن باهظًا بعد أقل من ثلاث سنوات من تلك الحوادث، حينما تدخل الجيش لإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ (كانون الأول/ ديسمبر.)1991
خامسًا: التعددية بين أحضان الجيش
لا يهمنا في هذا العنصر التتبع الكرونولوجي لتلك الحوادث المأساوية التي دفعت بالجزائر إلى أزمة أمنية دموية، لأنها أصبحت معروفة ويمكن الاطلاع عليها في مراجع مختلفة. ما يهمنا هو تفسير استمرار الجيش لاعبًا رئيسًا وربّ ا وحيدًا، في اللعبة السياسية، بصفته مصدر الشرعية ورمز السيادة. يعكس تدخل الجيش في 12 كانون الثاني/ يناير 1992 لإلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ في كانون الأول/ ديسمبر 1991 رفضه التنازل عن السيادة السياسية للشعب ليمارسها عبر الصندوق الانتخابي. وهذا الرفض في حد ذاته يعبّ عن استمرار تلك التصورات المحتقرة للشعب أولً، وللسياسي المدني ثانيًا. إنه تعبير واضح عن استمرار نظام بوصوف الذي تم إرساء قواعده في نهاية الخمسينيات في الحدود المغربية. نجد في محاضرة ألقاها لخضر بن طوبال أمام أفراد جيش التحرير على الحدود المغربية الصورة الذهنية التي رسمها قادة الثورة العسكريون حول المجتمع الجزائري، وهي تعبّ بدقّة عن نظام بوصوف36. قال بن طوبال ما يلي: "إنّ القوة الشاملة للقادة هي أساس السلطة: المسؤولون عنكم ينيرون لكم الطريق ويرشدونكم، يتّصلون بكم، يشرفون على نشاطاتكم، ويحرصون على أن لا تقعوا في الضلال[...] مقابل كل هذا، عليكم بالطاعة: إنّ معارضة القيادة جريمة ما بعدها جريمة. وعلى ثورتنا أن تسحق - بلا شفقة - كل محاولة للمعارضة، ليس لأنها ثورة تكره أبناءها... بل لأن عليها أن تتصرف هكذا... إنّ القيادة لا تخطئ أبدًا، ومنشأ الصعوبات، نقاط الضعف لدى المناضلين. يكفل الحق في التذرع بالتهديد للإبقاء على سلطة مستبدّة في وجه هؤلاء. وعلى من لا شجاعة لديه الاعتراف بنقاط ضعفه. ومن يجد أنه من المخجل الاعتراف بها، عليه أن يحذر كبح اندفاعاتنا، فهذا الإنسان ستسحقه الثورة بصورة ماحقة. الشعب الجزائري الميّال إلى الفوضى أكثر منه إلى الانضباط، يجب أن يُحكم بيد من حديد. ويعتبر القادة العسكريون غياب أمن الأفراد ضمانة للاستقرار في السلطة"37. ترى النخب العسكرية أنّها مكلّفة بمهمة تاريخيّة هي حماية البلد من الضياع والانهيار، إذا ما تُرك الأمر بين أيدي السياسيين. صرح الجنرال خالد نزار، وزير الدفاع آنذاك، مبررًا سبب تدخل الجيش لإلغاء المسار الانتخابي بأنه "حينما عجز السياسيون عن ممارسة مهامهم وتحمل مسؤولياتهم التاريخية لحماية الأمة، تدخل الجيش وأنقذ البلد من الانهيار"38. يعتقد العسكر أن المجتمع لم ينضج بعد ليستطيع اختيار المسؤولين في مختلف المستويات، وأنّ الجمعيات السياسية والأحزاب والصحف المستقلة إذا لم تتم مراقبتها عن قرب، فإنها ستقوم بزرع الفتنة والفرقة بين الجزائريين. اعتقدت النخب العسكرية بأنه يمكن فتح المجال الاقتصادي لتخفيف الضغط على الدولة، لكن من دون أن يفتح المجال كليًّا السياسي39. ويمكن السماح للمجتمع بأن يشارك في اختيار
المسؤولين في بعض المستويات المحلية، لكن حينما يتعلق الأمر بمستويات أعلى، يجب أن يكون الخيار في يد الجيش. كان الجيش طوال سنوات التعددية هو الذي يختار مرشح الرئاسة الذي يتم عرضه للانتخابات العامة المحددة نتائجها مسبقًا. ومنذ العودة إلى المسار الانتخابي، والجيش هو الذي يختار الرئيس: اليامين زروال (1999-1995)، وعبد العزيز بوتفليقة (من 1999 إلى يومنا هذا). وقد انسحب جميع منافسي بوتفليقة عشية الانتخابات الرئاسية التي أتت به إلى السلطة (نيسان/ أبريل 1999)، بسبب ما عدّوه تدخلً حاسمً للجيش لحسم المعركة الانتخابية لمصلحة بوتفليقة. ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا، لم تعرف الانتخابات الرئاسية مشاركة أي شخصية ذات وزن تاريخي كاريزماتيّ، وظلت الانتخابات الرئاسية والتشريعية موعدًا لتجديد عقد الثقة والولاء بين الأطراف المختلفة المشكّلة للنظام الذي يهيمن العسكر عليه بواسطة جهاز الاستعلام والأمن40. ظل السيد مولود حمروش يصر في كل ظهور إعلامي له على أن الأزمة السياسية في الجزائر لا حل لها من دون توافق القوى النافذة في الجيش41. ولم يخْفِ أبدًا عدم ترشحه لانتخابات رئاسية إذا ما استمر الجيش في تقديم مرشحه لتزكيته في انتخابات شكلية محسومة مسبقًا. يظهر المسار الانتخابي الذي تمت العودة إليه منذ سنة 1995 سعي الجيش إلى ممارسة السلطة من دون الظهور في الواجهة، وهذا باختيار رجال مدنيين أو عسكريين سابقين لتعيينهم في واجهة المؤسسات السياسية ببدلات مدنية. وهذا الخيار يمنح العسكر، أصحاب السلطة الفعلية، هامش مناورة واسعًا لتجنب المحاكمة والمحاسبة. لكنّ تضارب المصالح، وعدم تجانس النخب العسكرية الجديدة، أدّيا إلى تعطيل الدولة وشلّها، وجعلا عملية اتّخاذ القرارات المصيرية والحاسمة أمرًا غاية في الصعوبة. يتوافق هذا الطرح مع آراء الكثير من الباحثين والمحللين والسياسيين مثل لهواري عدي، ومحمد حشماوي، وعبد المجيد بن الشيخ، وعبد القادر يفصح وغيرهم. إن الطابع الباترمونيالي للدولة انتقل من النمط الشخصي المشخصن للسلطة إلى نمط جماعة تمارس السلطة الفعلية، من دون أن تظهر في الواجهة؛ أي عن طريق إرساء ديمقراطيّة شكليّة منزوعة الفتيل، لا تُفضي إلى إعادة النظر في طبيعة النظام، ولا في إنتاج سلطة جديدة، بل إلى تسيير واجهة السلطة وإعطائها شرعية انتخابية أمام الرأي العام. ولكن، ما الأدوات التي استعملها أصحاب السلطة الفعلية (البروتيريون prétoriens les على حد تعبير محمد حشماوي) لإبطال مفعول التعددية السياسية؟ يقدم لنا الحقوقي الجزائري مجيد بن شيخ تشريحًا دقيقًا لآليات اشتغال النظام السياسي المعسكر في الحفاظ على هيمنته على الدولة، من دون إلغاء الانتخابات بصفتها آلية شكلية تقدم واجهة ديمقراطية للجزائر. ويمكن تلخيص هذه العناصر في ما يلي42:
11 جهاز الاستعلام والأمن
ظلّ جهاز الاستعلام والأمن في قلب اللعبة السياسية منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، وتستعمله السلطة، إضافة إلى أدواره التقليدية، لمراقبة الساحة السياسية، واختراق الأحزاب، واختراق الجمعيات، ومراقبة المؤسسات الاقتصادية والإعلامية، والتلاعب بالرأي العام من خلال نشر الإشاعات... إلخ.
22 الصحافة والإعلام
تعيش الجزائر منذ التعددية التي تم إقرارها في "دستور فيفري 1989"، تعددية حزبية وإعلامية (على الأقل على مستوى الصحافة المكتوبة). لكنّ الرأي العام الجزائري يعتقد أنّ الكثير من الصحف الخاصة يوجهها جهاز الاستعلامات والأمن. وعلى الرغم من الطابع القانوني الخاص للكثير من الصحف، فإنها تتلقى دعمً ماليًا من الدولة، سواء في الطبع والتوزيع أو في أموال الإشهار العمومي التي تشرف عليها الوكالة الوطنية للنشر والإشهار. وتعود ملكية الكثير من الصحف الخاصة إلى جنرالات متقاعدين أو صحافيين معروفين بانتمائهم إلى جهاز الاستعلام والأمن. وتستخدم هذه الصحف للدعاية، والتشويش، والحرب الإعلامية.
33 الأحزاب
تنشط في الساحة الحزبية الجزائرية عشرات الأحزاب التي تمت صناعتها داخل مقرات جهاز الاستعلام والأمن، إضافة إلى بعض الأحزاب المستقلة عن النظام. أحزاب كثيرة منها لا تكاد تمتلك مقرات ثابتة، وظيفتها هي ممارسة الوساطة الزبونية بين النظام
والإدارة من جهة، أو وظيفة تعويم الساحة السياسية وتشتيتها لتفادي عدم ظهور قوة حزبية قادرة على حصد أغلبية الأصوات في حالة وجود انتخابات شفافة من جهة أخرى. ويستخدم النظام الكثير من الأساليب للتشويش على عمل الأحزاب، أهمها اختراقها بمخبرين للاستعلام والأمن، ووضع مؤامرات لإطاحة رؤساء الأحزاب غير الموالين للسلطة. قامت السلطة قبل ثلاث سنوات من الآن، وبعد غلقٍ للمجال الحزبي أكثر من عشر سنوات، بمنح ما يزيد على 35 ترخيصًا لإنشاء أحزاب جديدة، أغلبها لا يمتلك مقرًا ثابتًا، ولا يتعدّى عدد منخرطيه عدد أعضاء المكتب الوطني. لقد اتبع النظام هذه الطريقة لتمييع الساحة الحزبية، وتقليص الحاجة إلى ممارسة التزوير المباشر في الانتخابات على غرار ما قام به في الاستحقاقات السابقة خلال الأعوام 1997، و 2002، و.2007
استنتاجات
إنّ البحث في العلاقة بين الجيش والسلطة في الجزائر يطرح عوائق موضوعية وإبستمولوجية، يمكن أن تؤدي بالباحث إلى الوقوع في فخ المضاربة والمزايدة الفكرية، أو في السطحية و"البروباغاندا". والسبب هو أن الجزائر من البلدان القليلة التي يصعب أن نحدد فيها مركز السلطة وأصحاب القرار الفعلييّن، خاصة بعد فترة الانفتاح السياسي (بعد.)1989 إنّ تجاهل السياق التاريخي الذي نشأت الدولة الجزائرية فيه، وتشكل فيه النظام السياسي الجزائري قد يحجب عن الباحث إدراك مركز السلطة الفعلي، وقد يقع في استنتاجات متسرّعة حول التطوّرات الأخيرة التي عرفتها الساحة السياسية الجزائرية، وقد يعيد إنتاج مقولات الصحف وإشاعاتها من دون أن يعي ذلك. يمكن أن نذكر هنا دراستين حديثتين، حاولتا قراءة التغيرات الأخيرة على الساحة السياسية من دون الاهتمام الكافي بالتاريخ السوسيولوجي للنظام السياسي الجزائري؛ الدراسة الأولى للباحث السوري الجزائري، ماهر قنديل43، تساءل فيها إن كانت التغييرات التي طرأت على جهاز الاستعلام والأمن (2015) بوادر لتأسيس جمهورية ثانية أم مجرد آلية لإعادة إنتاج النظام. إنّ اعتماد الباحث على التصريحات الصحافية والأخبار التي تتداولها الصحف والاكتفاء بما يجري على سطح الساحة الحزبية والسياسية أدى به إلى تجاهل البنية العميقة للنظام، وآليات اشتغاله واشتغال الصحافة والأحزاب ومؤسسة الرئاسة، وتركيز تحليله كله على المظاهر الشكلية للديمقراطية والأحزاب، مع أنه أقر في خاتمة الدراسة بمدى صعوبة قراءة الوضع السياسي في الجزائر. أمّا الدراسة الثانية فهي للباحثين الجزائريين فوزية قاسي وعربي بومدين44. انطلق الباحثان في هذه الدراسة من مقدمات محل جدل، متداولة في الصحف والإعلام حول نجاح بوتفليقة في مسعاه لتمدين الحكم (وهو بالفعل ما يروج له في الخطاب السياسي)، وعدّ الباحثان بعض التغييرات في جهاز الاستعلام والأمن وفي الدستور مؤشرات على نجاحه في ما أخفق فيه سلفه. ولكن على الرغم من العرض الكرونولوجي المهم لأبرز المحطات التاريخية التي مر بها النظام السياسي الجزائري، فإن طبيعة المراجع والمفاهيم المستعملة في الدراسة جعلتهما يختمانها بتساؤل نسف كل المقدمات والاستنتاجات التي بنيت عليها: لماذا وافق قادة الجيش والمخابرات على السماح لعبد العزيز بوتفليقة بالترشح لعهدة رابعة؟45 إذا كان بوتفليقة قد نجح في تحييد الجيش سياسيًا، فلماذا إذًا يحتاج ترشحه إلى موافقة الجيش؟ أي ما الفائدة من طرح تساؤل كهذا؟ الإجابة التي يقدمها الباحثان أعلاه تزيد من هشاشة مقدماتهما وتناقضها مع الاستنتاجات. يجيبان كما يلي: "أولً إنه الرئيس المثالي، فهو مريض وفاقد للصدقية...، وثانيًا، لأنه في ظل نظام قائم على الخيار السري، والذي يدعم فيما بعد عن طريق الانتخابات، ليس هنالك من يستطيع الحلول مكان الرئيس الحالي"46. هذان نموذجان لصعوبة دراسة النظام السياسي والسلطة في الجزائر. لهذه الأسباب، وجدت هذه الدراسة في مفهومي الشعبوية والنيوباترمونيالية مفاتيح تساعد الباحث على وضع إشكالية العلاقة بين الجيش والسلطة في سياقها التاريخي المفسر لها. على الرغم من أنه خيار منهجي ونظري ليس محل اتفاق، فإنه يمكننا على الأقل من تجنب الوقوع في القراءات السطحية والاستنتاجات العفوية المؤسسة على ما تروجه وسائل الإعلام
التابعة للسلطة في إطار الديمقراطية الشكلية أو ديمقراطية الواجهة على حد تعبير مجيد بن الشيخ47. إنّ تاريخ تشكيل الدولة الجزائرية الذي ميّزه العنف (الحرب التحريرية) صبغ تجربة البناء الدولتي، وأعطاها شكلها التاريخي المميز؛ إذ يمارس الجيش السلطة ويحتكر الشرعية والسيادة بمبررات مختلفة، تحت غطاء الأيديولوجية الشعبوية التي تنفي السياسي، جوهر المجتمع. كما احتكرت النخب العسكرية السلطة مانحة نفسها مهمة التحديث والبناء، رافضة كل أشكال التداول أو الرقابة عليها. والنتيجة الطبيعية هي أن السلطة المطلقة انزلقت نحو خصخصة الدولة والفساد؛ أي إلى ما يسمى بالدولة النيوباترمونيالية. بينت سنوات التعددية الحزبية في الجزائر استمرار التصورات التقليدية الباترمونيالية للشرعية السياسية لدى النخب الحاكمة. فعلى الرغم من إقرار الشرعية الانتخابية أداةً جديدة تمنح المجتمع السيادة في اختيار المسؤولين لممارسة السلطة، فإن إلغاء أول انتخابات تعددية سنة 1992، وتزوير الانتخابات التي أتت بعد ذلك، وفرض الجيش مرشحين لتزكيتهم في انتخابات صورية شكلية، أثبتت أنّ الجيش لا يزال يساير تلك الصورة ما قبل الحداثية عن السلطة السياسية. انتقلت الجزائر من النيوباترمونيالية القائمة على الرئيس الواحد المهيمن على السلطة خلال فترة بومدين إلى نموذج جديد من الدولة الباترمونيالية، القائمة على حكم جماعة من الضباط النافذين، الرافضين لتوزيع السلطة داخل الجسم الاجتماعي، وتحويل السيادة إلى الشعب ليمارسها عن طريق الاقتراع العام. من هنا يمكن فهم ذلك الشلل الكبير الذي يميز تسيير الدولة منذ سنوات، إنه لا يعود إلى تحييد بوتفليقة للجيش بقدر ما يعود إلى تعدد مراكز صنع القرار خارج المؤسسات الرسمية للدولة (الرئاسة، والحكومة.) بينت لنا تجربة البناء الدولتي في الجزائر أنّ الجيش لا يبني دولة، وتحديدًا لا يبني دولة مؤسسات وقانون، بل يقوم ببناء هيراركية إدارية يمارس بها السلطة على المجتمع. والنتيجة هي خصخصة السلطة، ورهن الدولة لمصلحة الأوليغارشية المتحالفة مع الكمبرادورية العالمية، وإفراغ الدولة من دلالاتها القانونية والأخلاقية، بصفتها فضاء تحل فيه إشكالية السلطة بطريقة سلمية.
المراجع
العربية
إبراهيم، حافظ. الزبونية السياسية في المجتمع العربي: قراءة اجتماعية سياسية في تجربة البناء الوطني في تونس. سلسلة أطروحات الدكتوراه 59. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2006
حربي، محمد. الجزائر 1962-1954: جبهة التحرير الوطني، الأسطورة والواقع. ترجمة كميل قيصر. بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية،.1983
دريس، نوري. "العنف السياسي في الجزائر المعاصرة من الأيديولوجية الشعبوية إلى اليوتوبيا الإسلامية: عناصر تحليلية في سياقات تاريخية غير معلمنة." عمران. العدد 14 (خريف 2015.)قاسي، فوزية وعربي بومدين. "العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية في الجزائر: بين حكم الواقع ونزع الطابع العسكري"، سياسات عربية. العدد 19 (آذار/ مارس.)2016
قنديل، ماهر. "الجزائر: التأسيس لجمهورية ثانية أم إعادة إنتاج النظام السياسي؟." تقييم حالة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2016/6/3:. في http://bit.ly/2hyPXU5 هارون، علي. خيبة الانطلاق أو فتنة صيف 1962. ترجمة الصادق عماري وآمال فلاح. الجزائر: دار القصبة،.2003
الأجنبية
Addi, Lahouari. "Les Partis Politiques en Algérie." Revue de l'Occident Musulman et de la Méditerranée. CNRS Aix-en-Provence. 2005. ________. Algérie: Chronique d'une Expérience Postcoloniale de Modernisation. Alger: Ed. Barzakh, 2012. ________. l'Algérie et la Démocratie. Paris: Ed. la découverte, 1994. ________. l'impasse du Populisme. Alger: ENAG, 1990. Benchikh, Madjid. L'Algérie: un Système Politique Militarisé. Paris: La découverte, 2000. Bendib, Rachid. L'Etat Rentier en Crise. Alger: OPU, 2006.
Colas, Dominique. Dictionnaire de la Pensée Politique: Auteurs, Oeuvres, Notions. Paris: Larousse, 1997. Eisenstadt, Shmuel Noah. Traditional Patrimonialism and Modern Neopatrimonialism. Beverly Hills, Calif: Sage Publications, 1973. El Malki Habib. & Santuci, Jean Claude. Etat et Développement dans le Monde Arabe. Paris: éd. CNRS, 1990. Gallisot, R. Populismes du Tiers Monde. Paris: L' Harmattan, 1997. Gèze, François. "Armée et Nation en Algérie: L'irrémédiable Divorce?" Hérodote. vol. 1. no. 116 (2005). Hachemaoui, Mohammed. "La Corruption Politique en Algérie: L'envers de L'autoritarisme." Esprit. vol. 6 (Juin 2011). Harbi, Mohammed. 1954, La Guerre Commence en Algéri e, 3eme ed. Bruxelles: Editions Complex, 1998. Haroun, Ali. L'Eté de la Discorde, Algérie 1962. Alger: Ed. Casbah, 2000. Liabès, Djillali. La Quete de la Rigueure. Collectif. Alger: Ed. Casbah, 2002. Mauger, Gérard. "Populisme (2)." Savoir/Agir. vol. 1. no.
Médard, Jean-François. "Clientélisme Politique et Corruption." Tiers-Monde. vol. 41. no. 161 (2000). Reynié, Dominique. les nouveaux Populismes. Paris: Fayard/ Pluriel, 2013. Sifaoui, Mohamed. Histoire Secrète de l'Algérie Indépendante. L'Etat- DRS. Paris: Ed. Nouveau monde, 2012. Weber, Max. Economie et Société: les Catégories de la Sociologie. Tom 1. Traduit par Julien Freund, et al. sous la direction de Jacques Chavy & d'Éric de Dampierre. France: Pion, 1971.