القوى السلطوية الإقليمية واحتواء التحول الديمقراطي: حالتا السعودية وروسيا

Marwa Fekry مروة فكري |

الملخّص

تتناول الدراسة تأثير الدول الإقليمية السلطوية في عملية التحول الديمقراطي في دول الجوار القريب بالتركيز على حالتي روسيا والمملكة العربية السعودية. وتسعى - من خ لاا الجمع بين نظرية المباريات المتداخلة وأفكار البنائية عن التصورات الحاكمة للفواعل - لإبراز تصوّر روسيا والسعودية ل "التهديد" المرتبط بالتحول الديمقراطي أو تغير النظام في جوارهما القريب عمومًا، وأثر ذلك في طبيعة الإستراتيجيات والسياسات التي صيغت للتعامل مع مثل هذا التحدي. توضح الدراسة انخراط الفواعل الخارجية - روسيا والسعودية في هذه الحالة - في مباراتين أساسيتين: ترتبط الأولى ببقاء النظام، وتتمثل الثانية في تأمين مصالحها الإقليمية الجيوسياسية. وتوصلت الدراسة إلى أن درجة تصور التهديد تؤثر في درجة الدعم السلطوي الخارجي، والتي تؤثر بدورها في فاعلية الأخير بعد تفاعلها مع الظروف الداخلية، ودرجة الدعم الديمقراطي الخارجي. كلمات مفتاحية: السلطوية الإقليمية، التحول الديمقراطي، روسيا، السعودية. The study examines the influence of authoritarian regional powers on the democratization process in the near abroad countries by focusing on Russia and Saudi Arabia as case studies. It seeks to highlight how their "perception of threat" of democratization or regime change in neighboring countries influences the nature and type of strategies and policies employed to deal with such a challenge. The study illustrates how the two regional actors engage in two parallel games related to regime survival and geopolitical interests. It concludes that the effectiveness of external authoritarian support is a function of the degree of this support which, in turn, depends on the level of threat perception. These interactions take place within a specific domestic setting and are being influenced by the degree of external promotion of democracy. Keywords: Regional Authoritarianism, Democratization, Russia, Saudi Arabia.

Authoritarian Regional Powers and Containing Democratic Transition: Saudi Arabia and Russia

مقدمة

ظلت قضية التحول الديمقراطي من القضايا الأك رر حضورًا على الساحتين الأكاديمية والسياسية في فترات مختلفة، وصفت ب "موجات " التحول عن السلطوية. وقد ركّز كثير من أدبيات التحول على العوامل الداخلية، سواء المتصلة بالفواعل/ الوكيل أو الهياكل Agency vs. Structure لتفسير نجاح التحول الديمقراطي أو تدعيم الديمقراطية أو فشلهما بعد حدوث التحول بالفعل1، وهو المجال الذي انفردت به النظم السياسية بدرجة كبرى. ومع تصاعد البعد القيمي المرتبط بدعم الديمقراطية في كثير من خطابات السياسات الخارجية للدول الغربية - في ظل مناخ الحرب الباردة ثم بعد انتهائها - بدأت دراسات العلاقات الدولية تهتم بدور العامل الخارجي في دعم التحول الديمقراطي. ولكن التركيز ظل فترةً طويلة مقتصرًا على دراسة نمط المساعدات وطرق دعم المجتمع المدني أو النخب الليبرالية، وكذلك المشروطية السياسية، وكلها تبرز بالأساس الأثر الإيجابي للعامل الخارجي في الدمقرطة2. وكان لسيادة نمط التحول بالتفاوض أو "الصفقة" Negotiated transition، الذي ساد في ظل الموجة الثالثة للديمقراطية التي أعقبت نهاية الحرب الباردة وشملت العديد من دول الكتلة الاشتراكية السابقة، أثرها في تركيز مجال النظم السياسية على الفواعل باعتبارها المؤثر الأساسي في عملية التحول، ومن ثم تراجع الاهتمام بالعوامل الهيكلية، والتي تشمل البيئة الإقليمية والدولية التي يتم في ظلها التحول. من جهتها، تعاملت اقترابات العلاقات الدولية مع العامل الخارجي بوصفه متغيرًا قائمًا بذاته ومنفصلً عن الهياكل الداخلية3 للدول المستهدَفة بالتدخل، ولا سيما ما يتعلق منها بحسابات الفاعلين المحليين. وانقسمت الدراسات التي اهتمت بأثر الفواعل الخارجية إلى مجموعتين: تركّز الأولى على الهيكل من خلال التركيز على القرب الجغرافي ودرجة الاعتماد المتبادل واختلالات القوة بين الفاعل الخارجي والدولة المستهدفة والبيئة السياسية الدولية4، وإن غاب عنها أثر البيئة السياسية الإقليمية. أما الثانية فتركّز على الفواعل من حيث مدى استجابة النخب السياسية أو عدم استجابتها للمطالب الخارجية5. ومع تتبّع مآلات التحول في دول الموجة الثالثة، لاحظ بعض الباحثين أن التحول، وبخلاف افتراضات نظريات الانتقال الديمقراطي، لا يؤدي بالضرورة إلى الديمقراطية6، وأن الدور الخارجي لا يقتصر على دعم التحول الديمقراطي فقط، وإنما قد يصبّ في اتجاه دعم السلطوية. وقد كان للنفوذ الظاهر لبعض الدول الإقليمية السلطوية مثل روسيا والصين، وكذلك المملكة العربية السعودية، أثره في توجيه اهتمام الباحثين إلى المخاطر التي تحظى بدعم التحول الديمقراطي في الدول الأخرى الواقعة في الإقليم نفسه7. ويلاحظ أن التركيز انصبّ بالأساس على فهم الدوافع الجيوسياسية للدول السلطوية المتدخ لة من دون الربط الكافي بين السياستين الداخلية والخارجية لهذه الدول. ومن هنا برزت الحاجة إلى إعادة النظر في المنطلقات النظرية والمنهجية المتعلقة بالتحول الديمقراطي عمومًا، لفتح مجال أكبر لفهم دوافع العامل الخارجي، وكيفية تأثيره في عملية التحول، سلبيًا أو إيجابًا، من خلال الجمع بين اقترابات النظم السياسية (بتركيزها على البيئة الداخلية)، وتلك الخاصة بالعلاقات الدولية (بتركيزها على البيئة الخارجية.) بعبارة أخرى، كيف يمكن فهم دينامية العلاقة بين العامل الخارجي من جهة ومسار التحول الديمقراطي في الدول المستهدَفة من جهة أخرى؟ وما العوامل التي تؤدي إلى نجاح الدعم السلطوي أو فشله في الدول المستهدَفة؟ تركز هذه الدراسة على حالتي روسيا والسعودية، بوصفهما من الدول الإقليمية السلطوية المؤثرة (كلٌ في إقليمه) منذ منتصف التسعينيات (بالنسبة إلى روسيا) أو حديثًا (كحالة السعودية، إضافة

  1. من الدراسات المهتمة بالفواعل، انظر: Guillermo O'Donnell, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.), Transitions from Authoritarian Rule: Prospects for Democracy (Baltimore, MD: The Johns Hopkins University Press, 1986); ومثال على الدراسات المهتمة بالعوامل الهيكلية، انظر: Larry Diamond, Juan J. Linz & Seymour M. Lipset (eds.), Democracy in Developing Countries , vol. 1: Persistence, Failure and Renewal (Boulder, CO:
  2. Joan M. Nelson & Stephanie J. Eglinton, Encouraging Democracy: What Role for Conditioned Aid? (Washington, D.C.: Overseas Development Council, 1992);
  3. يشير مفهوم الهيكل الداخلي هنا إلى المحددات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية المحلية التي يرى البعض أنها صاحبة الأثر الأكبر في السياسات والتوجهات الخاصة بالدولة والمجتمع أيضًا.
  4. سكَّ برزيفورسكي Przeworski مفهوم البيئة السياسية الدولية، التي تشير إلى عدد الديمقراطيات في العالم. نقلً عن: Camila M. Oliveira Da Silva Nougueira, "The Influence of International Factors in the Process of Democratization," Brazilian Political Science Review , vol. 3, no. 1 (2009), pp. 172 - 179. 5  Jacob Tolstrup, "When Can External Actors Influence Democratization? Leverage, Linkage, and Gatekeeper Elites," Center on Democracy, Development, and the Rule of Law, Working Paper , no. 118 (July 2010), pp. 1 - 32. 6  Larry Diamond, "Thinking About Hybrid Regimes," Journal of Democracy , vol. 13, no. 2 (2002), pp. 21 - 35.
  5. Lynn Rienner Publishers, 1999).
  6. Laurence Whitehead (ed.), The International Dimensions of Democratization: Europe and the Americas (Oxford: Oxford University Press 1996).
  7. Lucan Way, "The Limits of Democracy Promotion: The Case of Russia in the 'Near Abroad'," European Journal of Political Research , vol. 54, no. 4 (2015), pp. 691 - 706.

إلى روسيا أيضًا) في "مصير" التحول في الدول القريبة منها جغرافيًا، ولا سيما أنهما تقعان في إقليمين يمثلان مركزًا للسلطوية في العالم؛ أي الاتحاد السوفياتي السابق والشرق الأوسط. وتسعى الدراسة للإجابة عن التساؤلين الآتيين: كيف أدركت الدول السلطوية الإقليمية، روسيا والسعودية وفقًا للدراسة الحالية، التحولات الديمقراطية في دول الجوار القريب؟ وكيف أثّر ذلك في مسار التحول في الدول المعنية؟ وللإجابة عنهما، تقوم الدراسة باختبار ست فرضيات أساسية: هناك علاقة بين "تصور" خطر التحول الديمقراطي في دول الجوار، وطبيعة الأدوات التي تستخدمها القوى السلطوية الإقليمية. كلما كانت الجبهة الديمقراطية في دول الجوار أشد تماسكًا، حدّت من نفوذ القوى السلطوية الإقليمية. كلما كان النظام السلطوي في الدولة المستهدَفة متماسكًا ومتحكّمً بدرجة كبيرة في مؤسسات الدولة، زادت فرص نجاح دعم السلطوية. هناك علاقة بين ضعف العوامل الخارجية الدافعة إلى الديمقراطية في دولة ما، وتزايد تأثير القوى الإقليمية السلطوية فيها. كلما زاد الاعتماد على القوى السلطوية الخارجية، زادت قدرة هذه القوى على التأثير في النظام السلطوي الداخلي في دول الجوار القريب ودعمه. كلما زادت التحديات الداخلية للنظام الحاكم في القوى السلطوية الإقليمية، نهج هذا النظام سياسة خارجية أكثر تدخلً وغلّب اعتبارات بقائه في سياسته الإقليمية.

أول ا: الإطار النظري

تعتمد الدراسة على نظرية "المباريات المتداخلة" games Nested لجورج تسيبلس، التي أوضح فيها أن الملاحظ قد يبدو له، في بعض الحالات، أن الفواعل تتبع إستراتيجيات لا تمثل أفضل الخيارات على نحو يتعارض مع افتراض العقلانية لنظرية المباريات. وهو ما فسّ ه تسيبلس بحقيقة أن المراقب يركّز فقط على مباراة واحدة، في حين أن الفاعل يكون منخرطًا في أكثر من مباراة في الوقت نفسه8. وفيما يتعلق بالتحول الديمقراطي، طبّق راينر تييل فكرة المباراة المتداخلة لدمج دراسة العامل الخارجي في الدراسات الخاصة بالتحول المهتمة بالعوامل الداخلية الخاصة بخيارات الفاعلين الأساسيين: النظام والمعارضة. ووفقًا له، هناك مباراتان تدوران في الوقت نفسه: مباراة التحول (والتي طرفاها هما النظام والمعارضة)، ومباراة الضغط الخارجي (والتي تتم بين النظام من جهة والقوى الخارجية من جهة أخرى)9. ويوضح تييل تأثير العامل الخارجي في خيارات النظام تجاه المعارضة، خاصة إذا ما كانت الضغوط المستخدمة قوية، لأنها ترفع من تكلفة النظام في قمع المعارضة في مباراة التحول10. بيْد أن تييل قصر المباراة المزدوجة على النظام المستهدَف، ولم يتطرق إلى احتمال أن يكون الفاعل الخارجي منخرطًا هو نفسه في لعبة مزدوجة أخرى. كما أنه حصرها في جهود دعم الديمقراطية، ولم يتطرق إلى الاتجاه المعاكس الخاص بدعم السلطوية، وهي الأبعاد التي تسعى هذه الدراسة لإضافتها إلى نموذج تييل. من ناحية أخرى، تقوم نظرية المباريات عمومًا على افتراض أن كل فاعل يسعى للحصول على المكاسب القصوى (النفعية)، ولديه القدرة على الموازنة بين الإستراتيجيات المتعددة المتاحة، بحيث يختار الإستراتيجية التي تحقق له ذلك (العقلانية)11. ولكن كيف يصل الفاعل إلى بلورة الأهداف التي يسعى إليها؟ هنا تقدم البنائية Constructivism تفسيرًا لما يحدث من خلال اهتمامها بالعملية التي يتم من خلالها فهم المواقف، والتي تتحدد أهداف الفواعل وإستراتيجياتها بناءً عليها. يصبح الاهتمام هنا منصبًّا على اكتشاف الكيفية التي تتصور بها الفواعل مصالحها السياسية والبيئة المحيطة، أي كيف يتم بناء مواقف وتفضيلات سياسية معينة؟ وما المعايير والقيم المطبّقة على أنواع معينة من القضايا؟ وما المشكلات التي يتم التركيز عليها؟ وكيف تؤثر الخبرة السابقة في استجابة الفواعل؟12 يعني كل هذا أن التصورات الحاكمة للفواعل تؤدي دورًا حاسمً في تحديد إستراتيجيات التعامل والسياسات التي يتم انتهاجها13. ويبرز هنا مفهوم إدراك التهديد Perception of threat الذي طوّره أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، ستيفن والت، لفهم تشكّل التحالفات. وكان طرحه يدور حول أن الدول عمومًا تحقق

  1. George Tseblis, Nested Games: Rational Choice in Comparative Politics
  2. Rainer Thiel, Nested Games of External Democracy Promotion (Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 2010), p. 22.
  3. Ibid., p. 23.
  4. العلاقات السياسية الدولية واستراتيجية إدارة الأزمات ثامر كامل الخزرجي، (عمّ ن: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2005)، ص 99 - .101
  5. Richard Snyder & Henry W. Bruck & Burton Sapin, Foreign Policy Decision Making (Revisited) , (New York: Palgrave Macmillan, 2002), p. 136. 13  Thiel, p. 256.
  6. (Berkeley, CA: University of California Press, 1991), p. xx.

التوازن من خلال التحالف ضد خطر متصوَّر threat of.Balance وقد حدّد والت أربعة محددات يتم من خلالها تقييم التهديد الصادر من دولة أخرى: عوامل القوة الكلية (الحجم، وعدد السكان، والقدرات الاقتصادية)، والقرب الجغرافي، والقدرة الهجومية، والنوايا العدوانية. وبطبيعة الحال، كلما كان تقييم هذه المحددات إيجابيًا لدى دولة صاعدة، زاد النظر إلى هذه الدولة بوصفها تهديدًا يتطلب التحالف ضده14. ويمكننا، إذًا، توقّع زيادة درجة "التصور" بالتهديد كلما كان مصدره فاعلً قويًا نسبيًا أو قريبًا من الناحية الجغرافية ويساور الأطراف الأخرى الشك في نواياه العدوانية. يمكن تطبيق هذا المفهوم، أي "إدراك التهديد" لدى تصوّر السعودية وروسيا، على عملية التحول الديمقراطي أو تغيير النظام في دول الجوار القريب، وتأثير ذلك في طبيعة الإستراتيجيات والسياسات ونوعها، التي صيغت للتعامل مع مثل هذا التحدي. ويمكن الاستدلال جزئيًا على مثل ذلك التصور الحاكم عبر فحص خطاب الفاعل، وما به من عبارات يعكس تكرارها دلالات عن تصوراته الحاكمة عن ظاهرة أو حدث ما. فعلى سبيل المثال، هناك من يفهم الثورات على اعتبار أنها مرادف "الفوضى" و"عدم الاستقرار." وعلى النقيض، ثمة من يصفها بأنها "انتفاضة شعبية من أجل الديمقراطية وضد النخب الفاسدة المستبدة"؛ فنصبح أمام روايات مختلفة للحدث نفسه تكشف عن التصورات الحاكمة لدى كل طرف وما إذا كان يراه "فرصة" أو "خطرًا محدقًا"15. وبناءً على ما سبق، يتكون الإطار التحليلي للدراسة من فواعل إقليمية سلطوية لها تصورات معينة عن مصالحها والتهديدات المحيطة بها، وتوظّف لذلك أدوات وإستراتيجيات معينة لإحداث نوع من التأثير. إلا أنها تواجه، في سياق زمني محدد، تحدياتٍ مقابلة مضادة (القوى الخارجية التي تدعم الديمقراطية)، وسياقًا داخليًا محددًا (الظروف الداخلية في الدول المستهدَفة)16. في النهاية، يحدد كل ذلك مدى فاعلية الدعم السلطوي الخارجي، بمعنى أن تصور التهديد يؤثر في درجة الدعم السلطوي الخارجي (مقدار الروابط والنفوذ لدى الدولة السلطوية المتدخّلة في علاقتها بالدولة المستهدَفة، والأدوات التي توظّفها في تقديم هذا الدعم)، والتي تؤثر بدورها في فاعلية الدعم السلطوي الخارجي بعد تفاعلها مع الظروف الداخلية (توازن القوى بين النخب في الدولة المستهدَفة، وقرارات النخبة الحارسة في الدولة المستهدَفة، ودرجة تماسك النظام الحاكم، ودرجة تقبّل المجتمع والفواعل المحلية للفاعل السلطوي الخارجي في الدولة المستهدَفة، ومدى استقرار النظام في الدولة المتدخّلة ودرجة مناعته تجاه التحولات)، وتفاعلها كذلك مع درجة الدعم الديمقراطي الخارجي (قوية أو ضعيفة.) ويمكن تلخيص هذا الإطار التحليلي في الشكل.

ثانيًا: روسيا و"الثورات الملونة"

شهدت المنطقة التي كانت تخضع في السابق للاتحاد السوفياتي17 خلال العقدين الأخيرين عدة ثورات شعبية جرى تسميتها "الثورات الملونة." وقعت الثورات الأكثر تنظيمً ونجاحًا في جورجيا (ثورة الورود عام 2003) وأوكرانيا (الثورة البرتقالية عام)2004، وقيرغيزستان (الثورة البنفسجية عام)، وقد 2005 استلهمت الكثير من وسائلها وأساليبها في المقاومة السلمية من حركة أوتبور Otpor في صربيا التي أسقطت حكم سلوبودان ميلوسيفيتش ć Miloševi Slobodan عام 2000. وقد أطاحت ثورة جورجيا الرئيس إدوارد شيفرنادزه Shevardnadze Eduard، وشجّعت القوى السياسية ذات التوجه الغربي في أوكرانيا على الاحتجاجات في نهاية عام 2004 اعتراضًا على ما اعتبروه عمليات تزوير ضد مرشح

  1. Stephen Walt, The Origins of Alliance (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987).
  2. Leva Berzina, "Color Revolutions: Democratization, Hidden Influence or Warfare?" Center for Security and Strategic Research, Working Paper , no. 1 (2014), pp. 1 - 36.
  3. Daneil Silander, Democracy from Outside-In: The Conceptualization and Significance of Democracy Promotion (Gothenburg: Växjö University Press, 2005). شكل توضيحي: العوامل المحددة لفاعلية الدعم الخارجي السلطوي اﻟﻈﺮوف اﻟﺪاﺧﻠﻴﺔ ﻓﺎﻋﻠﻴﺔ اﻟﺪﻋﻢ درﺟﺔ اﻟﺪﻋﻢ ﺗﺼﻮراﻟﺘﻬﺪﻳﺪ اﻟﺴﻠﻄﻮي اﻟﺴﻠﻄﻮي اﺗﺠﺎه اﻟﺘﺄﺛﻴﺮ درﺟﺔ اﻟﺪﻋﻢ اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻲ اﻟﺨﺎرﺟﻲ المصدر: من إعداد الباحثة.
  4. تتكون دول الاتحاد السوفياتي السابق من أربعة تكتلات من: الدول السلافية، ودول البلطيق وآسيا الوسطى والقوقاز. للمزيد من التفاصيل حول الدول المكونة لكل كتلة: Nivedita Das Kundu, "Russia and the Former Soviet States: Dynamics of Relations," Policy Perspectives , vol. 4, no. 1 (2007), pp. 49 - 59.

المعارضة فيكتور يوشينكو Yushchenk Viktor. وفي قيرغيزستان، تمّت إطاحة الرئيس كومانبيك باكييف Kurmanbek Bakiyev الذي جاء بدوره من خلال الانقلاب على الرئيس المخلوع عسكر أكاييف Akayev Askar. كما حدثت احتجاجات على نظام الحكم في أوزبكستان، ولكن الرئيس الأوزبكي إسلام كاريموف Islam Karimov واجهها بكل حسم وعنف18. كذلك شهدت بيلاروسيا احتجاجات مماثلة في عام 2005 مع الانتخابات البرلمانية وإعلان مرشح المعارضة للانتخابات الرئاسية ألكسندر ميلينكيفيتش Alaksandar Milinkievic الإصرار على إسقاط نظام ألكسندر.19لوكاشينكو  Alexander Lukashenko وقد اشتركت هذه الثورات في عدة خصائص منها: أشعلت الانتخابات المزوّرة فتيل الاحتجاجات؛ إذ قامت هذه الثورات في دول ذات نظام هجين. ومع كونه سلطويًا، فإنه قد سمح بتعددية صورية وبسقف معيّ للمعارضة. وظّفت المعارضة وسائل غير تقليدية للضغط على النظام من أجل احترام القواعد الرسمية للعبة السياسية وفقًا للدستور. على سبيل المثال، صاحبت المظاهرات الشعبية اعتصامات كبرى في الميادين الرئيسة والمهمة في العواصم المختلفة، وتم التركيز على قضايا الحريات والفساد20. ادعاء النظام القائم والمعارضة أحقيتهما في السلطة وتمتّعهما بالشرعية. تجنّب الاستخدام الواسع للعنف سواء من النظام أو من معارضيه. ونظرًا إلى الروابط التاريخية والثقافية والجيوسياسية بين دول الاتحاد السوفياتي السابق وروسيا، تحرص الأخيرة على الحفاظ على نفوذها في هذه الدول، وقد دعمت بصورة متزايدة نُظم الحكم السلطوية فيها منذ أواخر التسعينيات، فمع العودة إلى حكم الرجل الواحد21، كان من الطبيعي أن تسعى للحفاظ على الطبيعة السلطوية في الدول المجاورة، وتقويض النظم الديمقراطية في محيطها22. فلماذا اتخذت روسيا هذا الموقف؟ وما الأدوات التي وظفتها لتحقيق هذا الهدف؟

1. تصورات التهديد الداخلي

كما أوضحنا في السابق، يعكس الخطاب المصاحب لوصف حدث أو ظاهرةٍ ما تصورات الفاعل تجاهه والنسق القيمي الذي يحكمه، وهو الأمر الذي يمكن من خلاله معرفة الطريقة التي فهمت بها روسيا "الثورات الملونة." ينبغي بدايةًالإشارة إلى طبيعة النظام الحالي في روسيا، والذي يعلن تمسّكه بالديمقراطية بخلاف طبيعته السلطوية المركزية. ومع تاريخ السلطوية في روسيا، إلا أنها لم تطوّر أبدًا "نظام الثالوث" الذي تسيطر فيه جماعة واحدة على القوة السياسية والثروة وأدوات القمع الخاصة بالدولة، حتى جاء بوتين وبدأت تتشكل ملامح جديدة للسلطوية الروسية23. نظرت القيادة الروسية والخبراء الروس وقادة الرأي العام إلى الثورات الملونة على أنها "انقلابات" على السلطة الشرعية24. وتدرك القيادة الروسية جيدًا خطورة العدوى الديمقراطية كلما انتشرت الديمقراطية في الدول المجاورة25. ومن ثمّ تعمل روسيا، وغيرها من النظم السلطوية، على منع/ عرقلة التحول الديمقراطي في الدول المجاورة قدر المستطاع26. برز هذا الموقف السلبي في العقيدة العسكرية الروسية التي تم التصديق عليها في نهاية عام 2014، والتي أكّدت أن أبرز التهديدات الداخلية لروسيا هي "الأنشطة التي تستهدف تغيير النظام الدستوري في الاتحاد الروسي بشكل قسري وزعزعة استقرار الوضع الاجتماعي والسياسي الداخلي والإخلال بآلية السلطة والمنشآت الدولية والعسكرية والبنية التحتية للمعلومات بالبلاد"، إضافةً إلى "أعمال المنظمات الإرهابية والأفراد التي تهدف إلى تقويض سيادة

  1. خالد ممدوح العزي، "روسيا- قيرغيزستان: الصراع الداخلي في قيرغيزستان والموقف
  2. عاطف السعداوي، "الثورات الملونة في آسيا الوسطى: فشل النموذج الأميركي في
  3. عبد الرحمن ناصر، "الثورات الملونة: وجه آخر للثورة"، ساسة بوست، 2014/5/28، شوهد في 2019/1/21، في http://bit.ly/2RDbfkX:
  4. Lilia Shevtsova, "Forward to the Past in Russia," in: Kenneth Pollack et al., The Arab Awakening: America and the Transformation of the Middle East
  5. Alex Lockie, "Russia has a Grand Plan to Undermine the West's Democracies - and it's working," Business Insider, 30/10/2016, accessed on 21/1/2019 at: https://read.bi/2Hg6aeu 23  Shevtsova, p. 41. وبالقياس على ذلك، يمكن القول إن ملامح سلطوية من نوع آخر آخذة في التشكل في المملكة العربية السعودية. 24  Berzina, p. 11.
  6. الروسي من الإغراءات الأميركية"، الحوار المتمدن، العدد 3533، 2011/1/11، شوهد في 2019/1/21، في http://bit.ly/2VKkrDh:
  7. أمتي في العالم التغيير"،، مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2013/2/27، ص 1 - 29، شوهد في 2019/1/21، في http://bit.ly/2SK2mDk:
  8. قد يكون السبب أيضًا في دعم روسيا القادة الأوتوقراطيين في دول الجوار هو التخوف من عدم الاستقرار الذي قد يصاحب تغيير النظام، ويمكن أن يلقي بظلاله على الداخل الروسي، انظر: Rachel Vanderhill, Promoting Authoritarianism Abroad (Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2013), p. 41. 26  Ibid., p. 16.
  9. (Washington, D.C: Brookings Institute Press, 2011), p. 40.

الدولة ووحدتها وسلامة أراضيها"27. وهي التهديدات التي تم الحديث عنها في سياق التعليق على الثورات الملونة التي حدثت في دول الجوار، ما يدل على ربط صانع القرار الروسي التهديدات الداخلية لروسيا بنمط الثورات الملونة. وازداد الموقف المتشدد لروسيا تجاه هذا النمط في التغيير مع أحداث الربيع العربي عام 2011 لاستشعارها خطر الثورة28، ولا سيما أن روسيا شهدت احتجاجات مناوئة لبوتين عام 2011 احتجاجًا على الانتخابات المزورة للبرلمان الروسي (دوما) في عام 201129، والتي استمرت حتى عام 2013 معارضةً ولاية ثالثة لبوتين وداعيةً إلى انتخابات نزيهة متفقة في ذلك مع النمط العام للثورات الملونة. بيد أن المظاهرات الداعمة لبوتين، فضلً عن استخدام القضاء والشرطة ضد قادة الحركات الاحتجاجية، أثبتت فاعليتها في تحييد المتظاهرين، إذ ساعدت على إظهار وجود دعم شعبي قوي للنظام الحاكم30. وقد انعكس هذا الأمر في تعليق الرئيس الروسي آنذاك، ميدفيديف، على أحداث الربيع العربي بقوله: "يجب أن نواجه الحقيقة. لقد تم استهدافنا بمثل هذا السيناريو في الماضي، وتزيد الآن محاولات إعادة تنفيذه. إلا أن هذه المؤامرة لن تنجح"31. ولذلك اختفى من الخطاب الرسمي الروسي أي إشارة إلى أن الشباب العربي المتعلم ساكن المدن يعبّ عن سخطه من حكامه الفاسدين، وتم التركيز في المقابل على خطورة استيلاء المتشددين على السلطة32. وفي كلمته للسفراء والممثلين الدائمين لروسيا، دعا بوتين إلى ضرورة التشديد على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى في المحافل الدولية، لأن زعزعة الاستقرار السياسي قد يترتب عليها عواقب سلبية جدًا33. وهكذا، أدى التخوف من عدوى الديمقراطية دورًا كبيرًا في معارضة روسيا نمط الثورات الملونة في دول الجوار القريب أو البعيد34، فالربط بين صور المتظاهرين في الميادين المختلفة وتلك الخاصة بالمحتجين في موسكو قد سبّب الكثير من الارتباك لدى الكرملين.

2. تصورات التهديد الخارجي

يرى كثير من المحللين أن العامل الأساسي الذي أثار حفيظة روسيا للتحولات الديمقراطية في دول الجوار ليس الإحساس بالتهديد من التحول الديمقراطي فقط، بل للتأثير الغربي، أيضًا، الذي تؤمن موسكو بأنه يكمن وراء هذا التحول، والذي حتمً سيؤثر في النفوذ الروسي35. فالتصور الحاكم لدى قادة روسيا مفاده أنه لو أصبحت دول الجوار ديمقراطية، فسوف تترك مجال نفوذها وتتحالف مع الغرب. وهو ما تراه موسكو ضارًا بأمنها ومصالحها الإقليمية خاصة حال انضمام تلك الدول إلى عضوية الاتحاد الأوروبي والناتو؛ الأمر الذي يعني إمكانية وجود قوات أميركية بجانب الحدود الروسية36.

يصعب فهم هذا التصور الروسي بمعزل عن مرحلة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي التي مرّت بها روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وفقدانها السيطرة على مناطق النفوذ المتاخمة لها. وكما أوجز عزمي بشارة: "كأن سقوط حلف وارسو لم يكن كافيًا، انضمت بعض دول أوروبا الشرقية إلى الناتو، ثم اقترب الناتو من ضم دول كانت جمهوريات سوفياتية سابقًا، جاء هذا بالتوازي مع امتداد الاتحاد الأوروبي ملتهمً أوروبا الشرقية. ومنذ ما بعد تلك الفترة مباشرة، جرت محاولة روسية لاستعادة دور الدولة الكبرى التي

  1. طارق الشيخ، "بعد تحديثهما لإستراتيجياتهما العسكرية: روسيا والصين في مواجهة الأهرام حروب 'الثورات الملونة"'، جريدة، 2015/6/13، السنة 139، العدد 46940، شوهد في http://bit.ly/2sjM9cq 2019/1/21، في:
  2. يرى بعض المحللين أن هناك أبعادًا جيوسياسية لروسيا مرتبطة بسورية تحديدًا - وهي حالة لم تتعرض لها الدراسة - تتعلق بإيجاد موطئ قدم ومنفذ للأسطول الروسي في البحر الأسود إلى مياه البحر المتوسط. للمزيد انظر: "التوازنات والتفاعلات الجيوستراتيجية والثورات تحليل سياسات العربية"،، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (نيسان/ أبريل)2012، شوهد في 2019/1/21، في http://bit.ly/2AF7y4g:
  3. للمزيد حول هذه الانتخابات، انظر: " Russian Election: Biggest Protests since the Fall of USSR," BBC News, 10/12/2011, accessed on 21/1/2019 at: https://bbc.in/2H74KCU
  4. Berzina, pp. 17 - 18.
  5. Cited in: Pavel K. Baev, "Russia: Moscow Does Not Believe in Change," in: Pollack et al., p. 292.
  6. Ibid.
  7. Berzina, p. 11.
  8. Laure Delcour & Katasyna Wolczuk, "Spoiler or Facilitator of Democratization: Russia's Role in Georgia and Ukraine," Democratization , vol. 22, no. 3 (2015), pp. 459 - 478.
  9. Ibid., p. 467.
  10. Vanderhill, p. 9.

تدافع عن مناطق نفوذها القريبة تمهيدًا لاستعادة دور عالمي يتجاوز الأقاليم المتاخمة سواء أكانت آسيوية أم أوروبية"37. وعكست بعض الكتابات الأكاديمية هذه النظرة إلى الثورات الملونة بوصفها خطرًا على روسيا؛ إذ رأى بعض المحللين أن "روسيا هي المحطة النهائية للثورات الملونة، فالهدف الإستراتيجي للغرب هو غمر روسيا في فوضى ديمقراطية تؤدي إلى تفككها النهائي"38. وهي النظرة نفسها التي عبّ ت عنها الدوائر الرسمية، عندما دعا بوتين إلى التخلّ عن "الثورات الملونة" بوصفه أسلوبًا قديمًا لظروف جديدة. مضيفًا أنه "مما لا شك فيه أن التحديات والتهديدات الجديدة تتطلّب رفض المنطق القديم الخاص باللعبة الجيوسياسية الصفرية، ومحاولات فرض وصفات غريبة ونسق قيمي على الآخرين يتم تنفيذها أيضًا من خلال الثورات الملونة"39. خلاصة القول، تمثَّل التصور الروسي في أن الثورات الملونة ما هي إلا أداة خفية لنفوذ الغرب، فكان من المنطقي أن تحاول روسيا إفشال الاحتجاجات الداخلية في الدول المهمة لها، والتشديد على معارضتها التوسّع الغربي في تلك الدول. وإعمالً لذلك التوجه، دعمت روسيا نظام لوكاشينكو السلطوي في بيلاروسيا لمنع موالاتها للولايات المتحدة، وربما عضويتها في الناتو40. وبالمنطق نفسه كان انخراط روسيا في الأزمة الأوكرانية، إذ أتت الاعتبارات الأمنية العسكرية على قمة محددات الموقف الروسي41. وكانت روسيا قد أعلنت رسميًا عدم السماح بوجود قوات للناتو في أوكرانيا لأنها ستحدّ بدرجة كبيرة من وصول روسيا إلى البحر الأسود وإضعاف نظام دفاعها الصاروخي. كما أن تزايد النفوذ الغربي في أوكرانيا سيؤدي إلى توقف التعاون العسكري - الفني بين روسيا وأوكرانيا في المجالات الحيوية مثل إنتاج الصواريخ الباليستية ومحركات المروحيات ومعدات أخرى خاصة بالقوات البحرية42. وبناء عليه، فإن عقلية روسيا لا تزال مسيطرة، على الرغم من انتهاء الحرب الباردة، ما يدفعها إلى النظر إلى دول مثل أوكرانيا وبيلاروسيا، فضلً عن باقي دول الاتحاد السوفياتي السابق، بوصفها مناطق عازلة للمباريات السياسية للمتنافسين، والحرص على إبقائها جزءًا من مجال نفوذها43.

3. الوسائل المستخدمة

تعدّدت الأدوات التي استخدمتها روسيا في التعامل مع "التهديدات" المتصوّرة من الثورات الملونة والتحول الديمقراطي في دول الجوار، وينبغي، لفهم فاعلية هذه الوسائل، الوقوف أولً على الأهداف المرجوّة من استخدامها. من الواضح أن روسيا، تحديدًا منذ تولّ بوتين السلطة أول مرة في عام 2000، تسعى لإقامة ما يمكن تسميته مجالها الحيوي44 في دول الاتحاد السوفياتي السابق، ولكن من دون الاعتماد على البعد الأيديولوجي المرتبط بالحقبة الشيوعية، وأصبحت مصالح الدولة في مجالها الحيوي لها الأولوية45. وهذا يقتضي صدّ الغرب عن التوسع في أوراسيا وخاصة توسع الناتو تجاه حدود روسيا أو نشر قواته في أوروبا الشرقية ودول البلطيق، وحمل الغرب على الاعتراف بمجال نفوذ روسيا في المنطقة، وقطع القنوات التي يمكن الغرب من خلالها ممارسة نفوذ داخل روسيا46. واعتمدت موسكو في سبيل تحقيق ذلك عددًا من الإستراتيجيات في سياستها الداخلية والخارجية عُرِفَت ب "مبدأ بوتين"47؛

  1. عزمي بشارة، "روسيا: الجيوستراتيجيا فوق الأيديولوجيا وفوق كل شيء"، سياسات
  2. Berzina, p. 12.
  3. Ibid., p. 13.
  4. Vanderhill, p. 66.
  5. هناك أيضًا أسباب اقتصادية متعلقة بكون أوكرانيا محطة مهمة للغاز الروسي، وبفقدانها تفقد روسيا التحكم في محطات الطاقة في أوروبا. سياسيًا، يصعب على روسيا تحقيق طموحها في أوراسيا إذا ما اندمج جزء مهم من أوروبا السلافية في الغرب، انظر: Berzina, p. 20.
  6. Ibid. , p. 21.
  7. Kundu, p. 53.
  8. يعد ألكسندر دوغين مهندس هذه الفكرة التي أسماها الفكرة الأوراسية، والتي يقدمها بوصفها بديلً من العولمة أو نسخةً متعددة الأقطاب لها. تقوم الفكرة بالأساس على رفض فرض القيم "الأطلنطية" و"الأميركية" على باقي العالم. وترى الأوراسية، وفقًا لدوغين، العالم بوصفه تجميعًا لمجالات حيوية مستقلة مفتوحة جزئيًا على بعضها. ليست هذه المناطق دولً قومية، بل تحالف دول في شكل اتحادات قارية أو إمبراطوريات ديمقراطية تتمتع بقدر كبير من الحكم الذاتي الداخلي. ويرى بعض الباحثين أن هذه الأفكار هي التي تحرّك السياسة الخارجية الروسية في عهد بوتين، انظر: Alexander Dugin, "The Eurasian Idea," Counter-Currents Publishing, 8/11/2013, accessed on 21/1/2019, at: http://bit.ly/2M3PLbA
  9. بشارة، ص.6 ويوضح بشارة كيف أن سياسة روسيا في عهد بوتين لا تقوم على "أيديولوجية عالمية يحملها معسكر ويبرر سياسته بها، بل تقوم على وطنية ترتكز على رأسمالية دولة تخاطب المشاعر الوطنية وترفض استغلال الغرب فترة ضعفها"، المرجع نفسه، ص.7 46  Shevtsova, p. 44.
  10. عربية، العدد 17 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)، ص .6
  11. عمل بوتين منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000 على استعادة النفوذ السياسي والاقتصادي والجيوسياسي الذي فقده الاتحاد السوفياتي في التسعينيات. ومضى في تحقيق هذا الهدف بحزم وتصميم وانتظام، ولذلك أطلق على هذه السياسة "مبدأ بوتين." ويتم تفعيل هذا المبدأ على مستويين: داخليًا، عمل بوتين على استعادة سيطرة الدولة على الاقتصاد خاصة قطاعي الغاز والنفط، وكذلك النظام القضائي والإعلام والمجتمع المدني، وخارجيًا، انتهجت روسيا سياسة أشد حسمً تجاه دول الجوار كان من أبرزها ضم شبه جزيرة القرم وكذلك التدخل في سورية. للمزيد حول مبدأ بوتين، انظر: Leon Aron, "The Putin Doctrine: Russia's Quest to Rebuild the Soviet State," Foreign Affairs , 8/3/2013, accessed on 30/5/2015, at: https://fam.ag/2TL5IGr

فداخليًا، تم تضييق الخناق على منظمات المجتمع المدني ووقف التمويل الذي تتلقاه من المؤسسات الغربية المختلفة، إضافة إلى التحكّم في الانتخابات والحدّ من حرية التعبير والتجمع48. في الوقت نفسه، عمد الكرملين إلى تأميم النخبة الروسية، إذ طلب النظام من الروس إعادة أصولهم في الخارج والتخلي عن ممتلكاتهم الغربية. وطُلب من البعض في هيكل السلطة تسليم جوازات السفر الخاصة بهم لمنع سفرهم إلى "الدول المعادية"49. أما خارجيًا فتعتبر المساعدات الاقتصادية من أكثر الوسائل التي اعتمدتها روسيا لدعم السلطوية في الدول المجاورة لمقاومة الضغوط الغربية. وعلى سبيل المثال، ظلّت بيلاروسيا - تلك الدولة الحبيسة جغرافيًا بين روسيا السلطوية وأوروبا الديمقراطية والمحاطة من جوانب ثلاثة بالدول الديمقراطية (بولندا وليتوانيا ولاتفيا في الغرب، وأوكرانيا من الجنوب) - تحت حكم نظام سلطوي لما يزيد على عقدين حتى الآن، إذ تفتقد كافة فروع السلطة الاستقلالية وتتركز جميع السلطات في يد الرئيس لوكاشينكو، الذي انتُخب أول مرة في عام 1994، كردّة فعل شعبية على التدهور الاقتصادي والفساد50. وقد ظل متمتعًا بالشعبية بسبب قدرة حكومته على توفير مستوى معيشة مقبول ورعاية صحية وتعليم مجانيَيّن، كما كان الحال في العهد السوفياتي51، بفضل الدعم المالي الروسي، سواء في شكل استثمارات أو إمدادات طاقة بأسعار مخفّضة52. وكان ذلك من عوامل نجاحه في تركيز السلطة في يده تدريجيًا53. رافق هذا الدعم الاقتصادي دعمٌ دعائي وإعلامي كبير أيضًا؛ إذ كانت وسائل الإعلام الروسية، التي تسيطر عليها الدولة، متاحة على نطاق واسع في بيلاروسيا وقدّمت تغطية إيجابية، والتي ثبتت فاعليتها، عن لوكاشينكو وحكومته54. وكما يستخدم العامل الاقتصادي لدعم نُظم معينة، فيمكن أيضًا استخدامه بطريقة سلبية من خلال الضغط على نظام ما لإخضاعه أو إفشاله. هذا ما تم، إلى حد بعيد، مع رئاسة يوشينكو في أوكرانيا، وهو الرئيس الذي جاء على أكتاف الثورة البرتقالية. فعلى الرغم من مشكلات الانقسام السياسي والصراعات بين النخبة التي عانتها حكومته، فإن التدخل الروسي زاد الموقف سوءًا. وكانت الوسيلة الأساسية لدى روسيا هي تحكّمها في إمدادات الغاز إلى أوكرانيا. فقد قامت الشركة الروسية بقطع إمدادات الغاز الطبيعي عن أوكرانيا نتيجة خلافات حول الأسعار في كانون الثاني/ يناير 2006. وتحت وطأة هذه الضغوط، توصّل الطرفان إلى صفقة مؤقتة ترتب عليها عدم استقرار سياسي، إذ وافق البرلمان على إقالة الحكومة لاقتناعه بأن الصفقة كانت منحازة انحيازًا كبيرًا إلى روسيا55. وجاءت الاحتجاجات في موسكو) 2012-2011(المتعلقة بالانتخابات، لتدفع الكرملين إلى تبنّي إستراتيجية بقاء جديدة متمثّلة في "مبدأ بوتين" السابق الإشارة إليه. وكان أول اختبار لهذا المبدأ في عام 2014 بعد الاحتجاجات التي وقعت في أوكرانيا وأدت إلى سقوط الرئيس فيكتور يانكوفيتش المدعوم من موسكو التي قدّمت له دعمًاقتصاديًا واسع النطاق تجاوز بمراحل ما قدّمته المؤسسات الغربية56. وجاء تفعيل "مبدأ بوتين" من خلال ضم القرم ومساندة الانفصاليين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا57،

  1. Delcour, p. 467.
  2. Shevtsova, p. 45.
  3. Yauheniya Nechyparenka, "Democratic Transition in Belarus: Cause(s) of Failure," Institut Barcelona d'Estudis Internacionals (IBEI), Student Paper Series , no. 3 (2011), accessed on 21/1/2019, at: http://bit.ly/2TJAmA2
  4. Vanderhill, p. 68.
  5. مع اندلاع الثورات الملونة في جورجيا وأوكرانيا وتوجههما القوي تجاه أوروبا والناتو، أصبح الاحتفاظ ببيلاروسيا واحدة من أولويات موسكو. وقد امتنعت روسيا خلال انتخابات عام 2006 في بيلاروسيا عن القيام بأي خطوة من شأنها تقويض سمعة لوكاشينكو أو التأثير
  6. يعتبر استفتاء عام 1996 بمنزلة نقطة تحول في النظام السياسي لبيلاروسيا، إذ دعمت غالبية الناخبين 80(في المئة) الاقتراحات الخاصة بتركيز السلطة في يد الرئيس. وبحلول عام 1997، أصبح الرئيس يعيّ أعضاء السلطتين التشريعية والقضائية مباشرة. وفي عام 2004، تم الاستفتاء على إلغاء تحديد المدد الرئاسية الذي، ووفقًا للأرقام الرسمية، حصل على دعم حوالى 80 في المئة من الهيئة الناخبة، انظر: Nechyparenka, p. 23. 54 الدعاية المضادة للغرب (خاصة ضد الولايات المتحدة) تظل واحدة من أكثر الوسائل فاعلية في مواجهة النفوذ الغربي، انظر: Shevtsova, p. 43.
  7. السلبي في أداء حكومته، ولذلك حجب بوتين قرار زيادة أسعار الغاز الطبيعي حتى عام 2007، انظر: Nechyparenka, p. 24. يطلق البعض على هذا الدور الذي تقوم به النظم السلطوية لدعم مرشحين محددين في الانتخابات ب "الفارس الأسود في دعم الانتخابات"، لأنها تجعل النظم السلطوية أشد صلابة تجاه تحديات الانتخابات وتزيد من فرصها في الفوز من خلال توظيف خمس آليات:
  8. Vanderhill, p. 59.
  9. Delcour, p. 466. 57 يتشابه ذلك إلى حد ما مع سيطرة روسيا على إقليم أوستيا الجنوبية وأبخازيا ودعم انفصالهما عن جورجيا. وكانت أوستيا الجنوبية سببًا في الحرب التي وقعت بين روسيا وجورجيا في عام 2008، وانتهت بانتصار روسيا السريع في خمسة أيام. للمزيد انظر: Maia Otarashvili, "Russia's Quite Annexation of South Ossetia," Foreign Policy Research Institute , E-Notes (February 2015), accessed on 21/1/2019, at: http://bit.ly/2M5UZDD
  10. مساعدة النظام القائم على إظهار القوة وعدم القهر، وردع انشقاق النخبة، وإضعاف المعارضة، وإخماد الاحتجاجات الشعبية، وتعويض الضغوط الخارجية لداعمي الديمقراطية. انظر في هذا الطرح: Jacob Tolstrup, "Black Knights and Elections in Authoritarian Regimes: Why and How Russia Supports Authoritarian Incumbents in post-Soviet States," Journal of Political Research , vol. 54, no. 4 (2015), pp. 673-690.

وهي الخطوة التي قد يراها البعض غير عقلانية لما ترتب عليها من عقوبات غربية قاسية على روسيا. إلا أن روسيا، فيما يبدو، قد حققت هدفين من هذه الخطوة: من ناحية عقَّدت عمليًا من أي فرصة لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي أو الناتو، ومن ناحية ثانية وُظفت هذه الخطوة في تعبئة المشاعر الوطنية وتشتيت الانتباه عن المشكلات الداخلية الحادة، إضافة إلى تصوير بوتين في صورة القائد الذي يعيد الأمجاد الوطنية. وكما وصفت ليليا شيفتسوفا، كأن لسان حال القيادة الروسية يقول للمواطن "سوف نذكرك بشعور الدولة العظمى إذا ما نسيت مشكلاتك ووعودنا"58. ونظرًا إلى أن تعبئة المشاعر الوطنية عن طريق الحروب عادة ما تكون قصيرة المدى، تظل الحاجة إلى تغذيتها من خلال الانتصارات على أعداء حقيقيين أو متخيلين. وهو الأمر الذي يتعزز أكثر كلما تم إراقة المزيد من الدماء59.

واتّبعت روسيا إستراتيجيتين انتخابيتين متناقضتين في مولدوفا في خلال أربع سنوات فقط. فخلال الانتخابات البرلمانية في عامَي 2005 و 2009، كان الحزب الشيوعي المولدوفي PCRM هو الحزب الحاكم تحت قيادة فلاديمير فورونين Voronin Vladimir. ومع ذلك، لم تدعم روسيا نظام فورونين إلا في عام 2009 60. وبالنظر إلى سياق انتخابات عام 2005، استطاع فورونين، في الفترة التي تولّ فيها السلطة، تحويل مولدوفا تدريجيًا إلى نظام سلطوي ناعم، وتعمّد توسيع التعاون الاقتصادي والجيوسياسي مع روسيا مقابل الدعم المالي والسياسي لمشروع بناء الدولة السلطوية الخاص به. غير أن العلاقات الدافئة بين الجانبين أخذت منحى آخر في أواخر عام 2003 عندما رفض فورونين، تحت ضغط غربي هائل، توقيع خطة سلام مقدمة من روسيا (مذكرة كوزاك) لإنهاء الصراع المجمد بين إقليم ترانزنيستريا الانفصالي المدعوم من روسيا وحكومة مولدوفا. إلا أنها تضمنت أيضًا شروطًا كان من شأنها زيادة التحكم السياسي والعسكري لروسيا في البلاد. ولذلك قررت روسيا معاقبة فورونين بسحب دعمها له قبيل الانتخابات البرلمانية في عام 2005. وكان الحزب الحاكم يواجه في تلك الفترة معارضة ديمقراطية مفككة وضعيفة في ظل استقرار الأوضاع الاقتصادية آنذاك، وعدم ضغط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بقوة من أجل تغيير النظام. وهي كلها عوامل تشير إلى أن القرار الروسي كان محسوبًا ولم ينطوِ على مجازفة غير عقلانية كما قد يبدو61. ولكن الأمور تبدّلت مع انتخابات عام 2009، إذ أثّرت الأزمة المالية العالمية في أداء النظام، ومن ثمّ في معدلات قبوله، وبدأت تظهر معارضة ديمقراطية قوية ومنظمة. ومن هنا سرعان ما عادت العلاقات بين البلدين، لحرص موسكو على بقاء النظام، ودعمته بوسائل عدة، مالية وإعلامية، من ضمنها تصوير المظاهرات المحتجة على نتائج الانتخابات على أنها انقلاب دبّرته رومانيا (الدولة المجاورة.) وأفشلت قوة المعارضة وتوحّدها وتنظيمها هذه المرة تشكيل الحزب الشيوعي الحكومة منفردًا بفارق صوت واحد، على الرغم من إعلان فوزه بالانتخابات. وتحت ضغط الاتحاد الأوروبي، اضطر فورونين إلى الدعوة إلى انتخابات جديدة62. وتعتبر موسكو أيضًا مصدر دعم ومساعدة لقيرغيزستان المحدودة في الموارد والقوى البشرية، وذلك بوصفها منطقة نفوذٍ خاصة لكونها إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق وفيها قواعد عسكرية روسية. وقد تبلور هذا الدعم على نحو بعيد في اتفاقية التعاون في مجال النفط بين البلدين الموقعة في حزيران/ يونيو 2016، والتي يصل بموجبها النفط الروسي إلى قيرغيزستان بلا رسوم جمركية63. وكان لعدم رغبة واشنطن في إقحام نفسها في قيرغيزستان الفقيرة الموارد والمشحونة بالصراعات وعدم الاستقرار أثره في ازدياد نفوذ روسيا فيها. على الصعيد السياسي، تبنّت روسيا مع الصين فكرة تأسيس "منظمة شنغهاي للتعاون"، التي تضم أيضًا كلً من كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. وتعكس المنظمة التقارب بين القوتين الكبُريين المتنافستين على النفوذ في آسيا الوسطى وحرصهما على مواجهة الوجود الغربي في الإقليم باعتباره نوعًا من التهديد السياسي والعسكري في الوقت نفسه. ووفقًا لوثائق المسؤولين في المنظمة وتصريحاتهم، يتمثل التصور الحاكم في أن تحقيق الأمن

  1. Shevtsova, pp. 42 - 43.
  2. Ibid., p. 43.
  3. Tolstrup, p. 685.
  4. Ibid.
  5. Ibid., p. 687.
  6. النفط الروسي إلى قيزغيزستان دون رسوم جمركية"، روسيا اليوم، 2016/6/16، شوهد في 2019/1/21، في http://bit.ly/2D4aQ2P:

يعني الحفاظ على الاستقرار القومي والإقليمي، والإبقاء على الوضع السياسي القائم وحماية السيادة الوطنية. ويلاحَظ توظيف المنظمة مفاهيم الإرهاب والتطرف في وصف الحركات الانفصالية والديمقراطية، وهو الأمر الذي من شأنه نزع الشرعية عن مطالب المعارضة السياسية وتبرير الإجراءات القمعية ضدها، واستخدام ذلك في الدعاية المضادة للغرب عمومًا. وكلها أمور تصبّ في مصلحة دعم النظم السلطوية والأوتوقراطية64. تكشف هذه الأدوات والإستراتيجيات والسياسات المتّبعة عن الربط بين بقاء النظام بشكله المشخصن الحالي واستعادة المكانة الروسية على المستويين الإقليمي والدولي.

ثًالث ا: السعودية والربيع العربي

تعدّ المملكة العربية السعودية واحدة من المَلَكيات المطلقة القليلة في العالم اليوم. وقد تفاجأت المملكة بالاحتجاجات التي بدأت في تونس ثم تدحرجت ككرة الثلج إلى باقي أرجاء الوطن العربي، ليسقط في شهرين فقط اثنان من أقدم الرؤساء في المنطقة (زين العابدين بن علي في تونس، ومحمد حسني مبارك في مصر) وبسرعة غير متوقعة. وأضاف إلى القلق السعودي حقيقة أن الملك وولي العهد آنذاك كانا في صحة غير جيدة، وهو الأمر الذي كان يلقي بظلاله على عملية نقل السلطة، نظرًا إلى البعد الإقليمي الذي تتم فيه، ويجعلها محاطة بقدر كبير من عدم اليقين65. فلماذا رأت المملكة أن تلك الأحداث تستدعي القلق؟

1. تصورات التهديد الداخلية

لمعرفة التصورات الخاصة بالمملكة عن أحداث "الربيع العربي"، ينبغي لنا في البداية الإشارة إلى بعض المحددات الداخلية التي من المحتمل أن تكون قد أثّرت بدرجة كبرى في فهم الأحداث. بداية، وصلت بطالة الشباب في السعودية إلى 39 في المئة في عام 2010 مسجّلة ارتفاعًا قدره 11 في المئة عن عام 2000، وتزداد دلالة هذه الأرقام عند معرفة أن المجتمع يشهد تضخمً في عدد الشباب، إذ إن معظم السعوديين تحت سن ثلاثين عامًا66. في الوقت نفسه، يعدّ النظام السياسي السعودي سلطويًا مغلقًا أمام من هم خارج العائلة المالكة ويفتقر بدرجة كبرى إلى الشفافية، الأمر الذي يؤدي إلى تفشّ الفساد وزيادة الإحباط عند الشباب67. يجعل كل هذا احتمال التعبئة الأيديولوجية من ناحية، أو تقليد أساليب الاحتجاجات الشعبية من ناحية أخرى، أمرًا واردًا بدرجة كبرى. ولهذا استشعرت المملكة الخطر من موجة الاحتجاجات التي ضربت المنطقة في عامي 2010 و 2011، خاصة بعد امتدادها إلى الخليج كما تمثّل في احتجاجات البحرين في عام.2011 راقب السعوديون الأحداث في البحرين بقلق؛ لأن الروابط الثقافية والمذهبية والعائلية بين دول الخليج تزيد من احتمال العدوى؛ فقيام حكم دستوري أو تعبئة للمجتمع المدني في أي دولة خليجية يمكن أن يمتد بسهولة إلى الدول المجاورة. إضافة إلى أنه إذا ما نجحت الغالبية الشيعية في البحرين في التعبئة السياسية وإجبار النظام على تبنّي الحكم الدستوري، فقد يشجّع هذا الأقلية الشيعية في الإقليم الشرقي في السعودية على اتخاذ الخطوة نفسها، أضف إلى ذلك تشجيع الإصلاحيين السُّنَّة في السعودية أنفسهم68. وكان التخوف كبيرًا من التجربة المصرية أيضًا، إذ تحضر خبرة فترة عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات والتعبئة الأيديولوجية والتحريض ضد "النظم الرجعية" التي تمثّلها المملكة، إضافة إلى خطورة التحول الديمقراطي في مصر حتى لا تصبح نموذجًا جذابًا للسعوديين نظرًا إلى ثقلها الثقافي والحضاري في المنطقة العربية69. ولا تقتصر التعبئة الأيديولوجية على الأفكار الديمقراطية والليبرالية فقط، ولكنها تشمل أيضًا خطر التيارات المتشددة مثل تنظيم القاعدة الذي لا تزال آراؤه تلقى صدى وقبولً لدى قطاع من الوهابيين، خاصة في إقليم عسير المتاخم لليمن. ولذلك فإن انهيار السلطة المركزية في اليمن، وما ترتب عليه من تعزيز التنظيم مواقعه في جنوب اليمن وشرقه، أثار قلق الرياض خشية تجدد تهديده لها. وكانت المملكة قد شنّت حربًا شرسة ضد التنظيم داخل أراضيها ما بين عامي 2003 و 2006، وكان تهديد القاعدة واحدًا من أكثر التهديدات الداخلية للعائلة المالكة منذ قيام الدولة في عام 1932 70. إضافة إلى تهديد القاعدة وأيديولوجيتها المتشددة، هناك أيضًا تصور لتهديد آخر، ولكن من تيارات إسلامية سُنّية أقل تشددًا وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين؛ فعلى الرغم من أن الإخوان وجدوا ملاذًا آمنًا لهم في السعودية ودول خليجية أخرى أثناء فترة قمع عبد الناصر، فإن العلاقة بدأت في التوتر عندما بدأت أفكارهم عن

  1. Inna Melnykovska, Hedwig Plamper & Rainer Schweickert, "Do Russia and China Promote Autocracy in Central Asia," Asia Europe Journal , vol. 10, no. 1 (2012), pp. 75 - 89.
  2. Bruce O. Riedel, "Saudi Arabia: The Elephant in the Living Room," in:
  3. F. Gregory Cause, "Saudi Arabia in the New Middle East," Council on Foreign Relations, Council Special Report , no. 63 (2011), p. 5.
  4. Riedel, pp. 146 - 156.
  5. Federic Wehrey, "Saudi Arabia's Anxious Autocrats," in: Pollack et al., p. 165. 69  Riedel, p. 165.
  6. Pollack et al., p. 159.
  7. Ibrahim Sharqieh, "Yemen: The Search for Stability and Development," in: Pollack et al., p. 227.

النشاط والانخراط السياسي تزاحم الأفكار السلفية عن المهادنة وطاعة الحاكم السائدة في المملكة. وتبلور هذا في صعود ما عرف ب "علماء الصحوة"، الذين سيطر عدد منهم على كليات الشريعة في الجامعات السعودية. ووجهت هذه الشخصيات نقدًا سياسيًا غير مسبوق للعائلة الحاكمة خلال تسعينيات القرن العشرين إبّان حرب الخليج، عندما دعت المملكة القوات الأميركية لحمايتها، وكذلك اعتراضًا على قبولها الحرب ضد العراق71. وبناءً على هذه الخلفية، يمكن فهم سياسات الملك عبد الله ومن بعده الملك سلمان تجاه الإخوان المسلمين بعد عام 2011 72. فمن ناحية، كان هناك التخوف من إعادة سيناريو التسعينيات، ومن ناحية أخرى، ازداد القلق من القوة الناعمة لنموذج إسلامي سُنّي أكثر اعتدالً من النسخة الوهابية السعودية، ومن ثم منافسًا للرياض في ما يتعلق بالهيمنة على العالم السُنّي وتمثيله73. في وسط هذه البيئة الإقليمية المتقلّبة، توفي الملك عبد الله في عام 2015. ووقع اختيار مجلس البيعة على الملك سلمان ملكًا جديدًا وتنصيب أخيه غير الشقيق، مقرن، وليًا للعهد، واختيار محمد بن نايف وليًا لولي العهد. ولكن في تحرّك غير مسبوق، أعفى الملك سلمان ولي عهده وعيّ محمد بن نايف مكانه. وعيّ نجله محمد وليًا لولي العهد وزيرًا للدفاع. حدث هذا في الوقت الذي استولى فيه الحوثيون المدعومون من إيران على العاصمة اليمنية وطردوا الرئيس عبد ربه منصور هادي، في خطوة أنذرت بالانهيار الكامل للدولة. وبمرور الوقت بدأت تتضح ملامح ولاية سلمان، وازدادت التكهنات حول تعزيز فرع الملك سلمان في الحكم، خاصة في ظل طموح ابنه محمد الذي أشرف على الحملة العسكرية المعروفة ب "عاصفة الحزم" في اليمن، وتبارى الإعلام السعودي في نسج هالة حوله بما يشبه ما يُعرف ب "عبادة الشخصية." ووفقًا لمضاوي الرشيد، الباحثة السعودية المعارضة، "من خلال تضخيم التهديد الإيراني يقوم الأمير محمد بتكبير دوره بصفته منقذًا للسعودية والعالم العربي بشكل عام من (التفريس) و(التشييع")74، وتصويره حاميًا للإسلام السُنّي في مواجهة المد الشيعي75. وبالفعل كان كل ذلك تمهيدًا لتوليه ولاية العهد في حزيران/ يونيو.2017

2. تصورات التهديد الخارجية

واجهت السياسة الإقليمية السعودية عددًا من الإخفاقات قبل حدوث الثورات العربية في عام 2011، إذ أخفقت في تحجيم النفوذ الإيراني في كل من العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية. وبناءً على هذه الخلفية، واجهت السعودية الثورات العربية وتعاملت معها على أنها ألغام تهدد عرش المملكة. فمن ناحية ازداد النفوذ الإيراني، إذ بسطت طهران نفوذها على ثلاث عواصم عربية (بغداد، وبيروت، وصنعاء)، إضافة إلى محاولة طهران "ربط مناطق نفوذها في لبنان عبر سورية"76، ومن ناحية أخرى، كان صعود تيار الإسلام السياسي المتمثل في الإخوان المسلمين، إذ حملت أول انتخابات بعد الثورة في مصر وتونس نجاحًا كبيرًا للإسلاميين، إضافة إلى دورهم المؤثر في الثورة اليمنية وكذلك في ليبيا بعد مقتل العقيد معمر القذافي. وأخيرًا، ظهور جيل جديد من التيارات الجهادية أشد شراسة وتطرفًا تمثّل في تنظيم الدولة الإسلامية الذي استفاد من مناخ الطائفية في العراق والفوضى التي صاحبت الثورة السورية في بسط سيطرته على مساحات من الأرض في الدولتين، مهدّدًا من الناحية العملية والفكرية المكانة الإسلامية للسعودية ونظامها السياسي77. وإذا كانت الثورات العربية كلها مثّلت تهديدًا للنظام السعودي خوفًا من انتشار العدوى وتشجيع السعوديين على معارضة حكم آل سعود، فإنها حملت أيضًا أبعاد تهديدٍ خارجية على الرياض. بالنسبة إلى الثورة المصرية في عام 2011، خشيت الرياض من خسارة مكانة إستراتيجية تمتعت بها نتيجة لضعف القاهرة، ولا سيما أن تجربة عبد الناصر ودور القاهرة القيادي والمهيمن، والمناوئ للسعودية أيضًا، لا يزالان حيّيَن في الذاكرة السياسية للمنطقة، وينعكسان في التصورات الخاصة بتهديد المكانة للدول الإقليمية الكبرى أو حتى الساعية للمكانة. ويلاحظ ازدياد حدة السياسة الخارجية السعودية مع ازدياد تصور التهديد الإيراني وتوسع نفوذ طهران. برز ذلك في احتجاجات عام 2011 في البحرين وتخوّف الرياض ليس من أثر العدوى فقط، بل من قيام حكومة شيعية على حدود السعودية تدور في فلك طهران كما حدث في العراق. ولذلك لم تتردد السعودية في استخدام القوة العسكرية لوأد هذه الحركة الاحتجاجية وإبعاد النفوذ الإيراني عن جوارها القريب78.

  1. Cause, p. 9.
  2. Wehrey, p. 166.
  3. بيفرلي ميلتون-إدواردز، "أثر العدوى واللعبة السعودية الكبرى في الشرق الأوسط"، مقال، بروكينغز، 2017/11/8، شوهد في 2019/1/21، في: https://brook.gs/2DSyEY1
  4. Madawi Al-Rasheed, "What Fuels the Saudi Rivalry with Iran," The New York Times , 23/4/2018.
  5. يرتبط دعم السنة في لبنان أيضًا بشرعية آل سعود من الناحية الرمزية وإن كانت في حقيقتها مرتبطة بالحسابات الإقليمية المتعلقة بتحجيم النفوذين السوري والإيراني، انظر:
  6. مروان قبلان، "الثورة والصراع على سورية: تداعيات الفشل في إدارة لعبة التوازنات سياسات عربية الإقليمية"،، العدد 18 2016()، ص .73
  7. Wehrey, p. 167.
  8. Cause, p. 19. Ibid.

ثم جاءت ثورة اليمن وما فرضته من معادلات صعبة للسياسة السعودية. لم تكن المملكة راغبةً في رؤية زعيم عربي آخر يتم إطاحته من خلال ثورة شعبية، على الرغم من خلافات الرياض مع علي عبد الله صالح لوقوفه مع صدام حسين في التسعينيات في أزمة غزو الكويت، ومحاولة المملكة إطاحته في الحرب الأهلية اليمنية في عام 1994. وبالتأكيد، كان سيناريو الفوضى في اليمن مقلقًا أيضًا لاحتمال انتقالها إلى السعودية عن طريق الروابط بين شمال اليمن وعسير وانتشار الزيديين على الحدود الجبلية. إضافة، بطبيعة الحال، إلى قلق الرياض من فرع القاعدة الذي يتخذ من اليمن قاعدة له، كما أوضحنا. مرة أخرى، لم تتردد الرياض في استخدام القوة العسكرية عندما ازدادت حدة الخطر "المتصوّر" مع استيلاء الحوثيين على العاصمة اليمنية وتحكّمهم في العديد من مؤسسات الدولة. وهو الأمر الذي كان يعني ببساطة تحكّم إيران في فناء السعودية الخلفي79، ولم تسكت الرياض عنه، على الرغم مما سبّبته هذه الحملة العسكرية من ضرر لصورة المملكة في اليمن، وكذلك على المستويين الإقليمي والدولي في وقت تسعى فيه الرياض لتجميل وجه النظام الجديد وإظهاره بمظهر أقل تشددًا وأكثر انفتاحًا من الوجه الذي يعرفه عنها العالم بالفعل.

3. إستراتيجيات التعامل

أدت التصورات الحاكمة للرياض عن التهديدات المصاحبة للربيع العربي دورًا في رسم سياستها وإستراتيجيات التعامل مع التطورات التي لحقت بالمنطقة، بحيث أصبحت تقود فعليًا الثورة المضادة في البلاد العربية. وظهرت بوادر ذلك في تقديم الملاذ للرئيس التونسي المخلوع، واستياء الرياض من تخلّ واشنطن عن مبارك في مصر80. وقد وظّفت الرياض أساليب مختلفة اقتصادية وسياسية وعسكرية للتعامل مع هذه التهديدات. أدى المال دورًا محوريًا في تنفيذ الرياض رؤيتها والعمل على حماية نفسها، إذ استخدمت المملكة عوائد النفط لدعم حلفاء إقليميين سواء بالسلاح أو بالمعونات الاقتصادية. كما استخدمت المال أيضًا بصورة سلبية من خلال وقف المعونات والمساعدات الاقتصادية لنُظم معينة لتضغط عليها وتقوّض استقرارها وربما لتفشلها. ففي حالة مصر، سارعت السعودية إلى التعهد بأربعة مليارات دولار لدعم الاقتصاد في الفترة الانتقالية التي تولّ فيها المجلس العسكري السلطة بعد إطاحة مبارك لقطع الطريق أمام توجه مصر الجديدة تجاه إيران. فقد أربك سقوط مبارك الرياض نظرًا إلى أنه كان حليفًا لها ضد إيران. كما قامت السعودية بتمويل حزب النور السلفي، الأقرب فكريًا ومذهبيًا إلى الرياض، خلال الانتخابات البرلمانية في عام 2011 81، بحيث أصبح الحزب بمنزلة الحصان الأسود الذي عقَّد الكثير من الحسابات السياسية لتيار الإخوان المسلمين، ثم وظّفه النظام في حربه مع التنظيم. كما تم دعم التيار السلفي من خلال تمويل العديد من القنوات المعبّ ة عن أفكاره وما يتبنّاه من مبدأ الاستكانة السياسية المناقض لنمط الإسلام السياسي النشط للإخوان المسلمين؛ وهو النمط الذي تخشاه المملكة وتعمل على محاربته. وعندما فاز محمد مرسي، مرشح الإخوان المسلمين، في انتخابات الرئاسة المصرية في حزيران/ يونيو 2012، تباطأت وتضاءلت المعونات والمساعدات الاقتصادية المقدّمة لمصر من السعودية، ودول خليجية أخرى. في الوقت الذي تدفقت فيه بسخاء بعد الانقلاب العسكري عليه في حزيران/ يونيو 2013. فقد وصلت المعونات الخليجية لمصر منذ عزل مرسي إلى أكثر من 23 مليار دولار82 (سواء في صورة إمدادات للوقود أو ودائع في البنك المركزي.) وبدأت تتكشف تدريجيًا الأدوار التي مارستها السعودية، والإمارات العربية المتحدة أيضًا، في تمويل حركات المعارضة، وعلى رأسها حركة "تمرد" التي قادت مظاهرات 30" يونيو" الممهدة للانقلاب، وكذلك العديد من الأبواق الإعلامية والشخصيات العامة التي عبّأت الرأي العام ضد مرسي، ودعت المؤسسة العسكرية إلى التدخل. ومن المؤكد أن السعودية دعمت السيسي سياسيًا وماديًا على النحو الذي قوّض بدرجة كبرى قدرة الفواعل الخارجية الأخرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الضغط على النظام المصري من أجل حلول أكثر سلمية والمزيد من الإصلاحات السياسية83. وبهذا أصبحت

  1. Ibid.
  2. فُهِم هذا الاستقبال على أنه محاولة من الرياض لطمأنة جيرانها العرب بأنها تقف بحزم في مواجهة أي مد ثوري وأنها تضع ثقلها وراء استمرار تلك الأنظمة، وذلك على الرغم من أن تونس ذاتها لم تكن لتمثل خطرًا إستراتيجيًا على المملكة لقلة الروابط بينهما مقارنة بتلك بين الرياض والقاهرة وصنعاء. انظر: فرج العكلوك، "السياسة السعودية تجاه ثورات الربيع العربي"، تقارير،
  3. Cause, p. 20
  4. وهو مبلغ يجعل من المساعدات التي تعهدت بها واشنطن والاتحاد الأوروبي 2.8(مليار) ضئيلة جدًا. واستخدم المال أحيانًا بطريقة سلبية لإثناء القاهرة عن بعض المواقف المضادة لمواقف الرياض. ويعد الموقف من الأزمة السورية من أبرز الأمثلة على ذلك، إذ تمسكت المملكة بإسقاط نظام بشار، على خلاف أولويات القاهرة وتفضيلاتها. ولذلك عندما صوّتت مصر بالإيجاب على مشروع قانون مقدّم من روسيا في عام 2016، يتجاهل وقف الغارات الجوية على حلب، ويركّز على إحياء اتفاق وقف الأعمال القتالية، وفصل المعارضة السورية عن جبهة فتح الشام، تأخرت مخصصات المساعدات النفطية السعودية لشهر تشرين الأول/ أكتوبر. للمزيد انظر: "علامات فتور العلاقات المصرية - السعودية،" ساسة بوست، 2016/10/10، شوهد في 2019/1/21 في: http://bit.ly/2QADL20 83  Wehrey, p. 102.
  5. مركز الجزيرة للدراسات، 2011/8/24، شوهد في 2019/1/21، في: https://bit.ly/2E9qWtS

مصر بمنزلة الجبهة الأساسية في الصراع السياسي والأيديولوجي للرياض ضد جماعة الإخوان المسلمين84. وفيما يتعلق باليمن، مثّلت الثورة اليمنية تحدّيًا كبيرًا للرياض للأسباب السابق توضيحها. وعمدت السعودية، بمساندة واشنطن، إلى تجديد النظام وليس تغييره من خلال عدم الضغط على صالح بدرجة كافية كي يرضخ لمطالب نقل السلطة ويستجيب لمطالب المحتجين. وهو الأمر الذي جاء متمثلً في المبادرة الخليجية للأزمة اليمنية، والتي كان من أهم بنودها تشكيل حكومة وفاق وطني ومنح صالح الحصانة85. ولن يكون من باب المبالغة القول إن مثل هذا الاقتراب كان من الأسباب التي دفعت بالبيئة السياسية اليمنية تجاه الحرب الأهلية86. ومع استيلاء الحوثيين على العاصمة صنعاء وإطاحة الرئيس عبد ربه منصور هادي، علّقت الرياض كل معوناتها الاقتصادية لليمن، وأخذت في دعم السلفييّن بصورة أدت دورًا كبيرًا في تعبئة الحوثيين بوصفهم حركة إحيائية زيدية مضادة. واعتبرت السعودية أن استيلاء الحوثيين على السلطة بمنزلة استكمال للمخطط الإيراني الهادف إلى تطويق المملكة. ومن هنا كان القرار بالتدخل العسكري في اليمن تحت مسمى "عاصفة الحزم" في آذار/ مارس 2015، التي بدأت بتوجيه الضربات الجوية، إلا أنها تضمّنت شيئًا فشيئًا استخدامًا للقوات البرية. ولا تزال الحملة العسكرية بقيادة السعودية تدور رحاها في اليمن ونتج منها معاناة إنسانية كبيرة. وكما اليمن، تمثّل البحرين أهمية إستراتيجية للسعودية، ومن هنا حشدت الرياض المَلكيات الست لمجلس التعاون لدول الخليج العربية للموافقة على إخماد أي حركة ثورية في الخليج. ومن هنا كان تدخّل السعودية بقواتها في آذار/ مارس 2011 لإخماد حركة الاحتجاجات في البحرين87، وذلك تحت مظلة قوات درع الجزيرة المشتركة التي تأسست في البداية بهدف مواجهة أي عدوان خارجي وليس لقمع حركات احتجاج داخلية. وقد أتاح دخول القوات السعودية وحمايتها النقاط الأساسية الفرصة لقوات الأمن البحرينية لقمع المتظاهرين بعنف88. كما وقفت المملكة بقوة خلف آل خليفة كي لا يقدّموا أيّ تنازلات أو إصلاحات سياسية من شأنها أن تشجع على المزيد من المطالب. يرجع هذا الموقف المتشدد للسعودية إلى اختلاف نظرتها عن النظرة الغربية، الولايات المتحدة تحديدًا، فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الوضع في البحرين. فقد رأت واشنطن أن بعض الإصلاحات السياسية المتسقة مع حقوق الإنسان قد ينزع فتيل الأزمة، على الرغم من دعمها آل خليفة. وهو ما اعتبرته الرياض بالنظرة غير الواقعية التي تعكس الحسابات الخاطئة نفسها لواشنطن في إدارتها اللعبة مع إيران في العراق. ولذلك استقر في التصور السعودي احتمال خسارة البحرين كما حدث مع غيرها إن مرّرت الرياض المقترحات الغربية. في المقابل، رأت السعودية أن الحل هو استخدام القبضة الأمنية وتوظيف القوة89. أثّرت الديناميات الجديدة في الوطن العربي أيضًا في التحالفات التقليدية للمملكة. ففي بداية ثورات الربيع العربي، كان من الواضح عدم التوافق بين القيادة السعودية وإدارة أوباما، وبرود العلاقات بينهما خاصة بعد تخلّ واشنطن السريع عن مبارك. تدرك الرياض تمامًا عدم إمكانية تجاهل واشنطن، إلا أنها بدأت في الانفتاح على بدائل أخرى، ربما لتوجيه رسالة ما إلى الولايات المتحدة. ومن هنا كان توجهها لإعادة تأكيد التحالف مع باكستان وفتح المزيد من القنوات مع الصين أيضًا90. إلا أن وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض سرعان ما أعاد العلاقات الحارة بين الدولتين. وبدأت تظهر ملامح تحالفات جديدة في المنطقة تؤدي فيها السعودية دورًا محوريًا ومتغيرًا في الوقت نفسه. ففي مقابل مواجهة إيران من ناحية، وتأمين تولّ محمد بن سلمان العرش من ناحية أخرى، بدأت ملامح للتقارب السعودي - الإسرائيلي، تمثّل أول مؤشراته في ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، بحيث تضمّ الأخيرة جزيرتي تيران وصنافير، وهو ما اعتبره المحللون ضمًّ غير مباشر للرياض في معاهدة كامب ديفيد، ما يمهّد لتطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب، أو يبرّر المزيد من التنسيق الأمني بينهما

  1. عملت السعودية أيضًا بعد سقوط القذافي من خلال الإمارات ونظام السيسي في مصر على دعم القوات المناهضة للفصائل الإسلامية بقيادة الجنرال المتقاعد خليفة حفتر الذي أصبح منذ أيار/ مايو 2014 لاعبًا أساسيًا في الحرب الأهلية الليبية. وقاد حفتر حملة عسكرية تضم القبائل الشرقية وضباطًا من الجيش الليبي وبعض الليبراليين لدفع الميليشيات العسكرية خارج بنغازي، في حين أن الهدف الأكبر غير المعلن هو إقصاء الإسلاميين، خاصة الإخوان المسلمين، من الحياة السياسية الليبية، انظر: Wehrey, p. 102; وبالنسبة إلى تونس، تقدّمت الإمارات العربية المتحدة الصف فيما يتعلق بإجهاض التجربة التونسية ومحاولات إقصاء حزب النهضة، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، من الحياة السياسية التونسية على غرار ما حدث في مصر. وتشير بعض التقارير إلى أن حزب نداء تونس الذي يضم بقايا نظام بن علي قد تلقى الكثير من الدعم المالي من الإمارات والسعودية ما مكّنه من الفوز بانتخابات الرئاسة التونسية، انظر: Ibid., p. 103.
  2. للمزيد من التفاصيل حول المبادرة الخليجية، انظر: "المبادرة الخليجية المعدلة"، الجزيرة نت، 2011/4/3، شوهد في 2019/1/21، في: http://bit.ly/2RHlQLx
  3. Sharqieh, p. 228.
  4. Cause, p. 19.
  5. Wehrey, p. 105.
  6. حمزة الحسن، "مستقبل انتفاضة البحرين: الدور السعودي والرهانات الإقليمية والدولية"، مركز البحرين للدراسات في لندن، 2012/6/12، شوهد في 2019/1/21، في: http://bit.ly/2smTSXg
  7. Riedel, p. 159.

على الأقل91. ثم كان الموقف من نقل السفارة الأميركية إلى القدس مؤشرًا آخر على دور الرياض في تمرير ما عرف ب "صفقة القرن"، إذ جاءت ردة فعل الرياض باردة جدًا، وتجاهل محمد بن سلمان الأمر في زيارته الولايات المتحدة في آذار/ مارس 2018، وحينما سُئل عن رأيه في القرار علّق قائلً: "نحن نحاول التركيز على الجهود التي تحفز السلام للجميع. لا نحاول التركيز على أي شيء قد يثير التوتر"92. وبهذا تتغير خريطة التحالفات الإقليمية للسعودية بحيث يصبح هناك محور سعودي - إسرائيلي مضاد لإيران. وهكذا تكشف دراسة إستراتيجيات التعامل في الحالتين السعودية والروسية أن الدول الإقليمية السلطوية تعمل على احتواء المد الديمقراطي على مستويات ثلاثة؛ يتعلق المستوى الأول الداخلي، لمنع أي عدوى ديمقراطية، بالتضييق على منظمات المجتمع المدني أو الحراك الشعبي في التعبير والتنظيم، وقطع التمويل الخارجي لهذا. ويتمثل المستوى الثاني في محاولة التأثير في الدول التي تشهد تحركًا شعبيًا باستخدام أدوات ووسائل مختلفة. في حين ينطوي المستوى الثالث أخيرًا على محاولات إقامة تكتلات إقليمية من أجل إدارة منافسة إقليمية واسعة93.

رابعًا: نتائج الدراسة: العامل الخارجي بين النجاح والفشل

باستعراض الحالتين الروسية والسعودية فيما يتعلق بدعم النظم السلطوية، يمكن تحديد بعض العناصر التي يمكن أن تؤثر في قدرة الفاعل الخارجي على التأثير، والتي يثبت بعضها الافتراضات الأساسية للدراسة، ويمثل بعضها الآخر نتائج غير مباشرة تكشّفت أثناء القيام بالبحث ذاته. درجة تصور التهديد لدى الفاعل الخارجي السلطوي: كلما تعاظم تصور التهديد القادم من دول الجوار للقوى السلطوية الخارجية الإقليمية، وظّفت هذه الدول أدوات أشد حدة وحسم في التعامل مع التحول الديمقراطي في محيطها الإقليمي، ومن ثمّ تكون أكثر فاعلية. ولا تعني الفاعلية هنا، بالضرورة، النجاح في كل ما يهدف إليه الفاعل السلطوي، بل يكفي تعويق مسار التحول الديمقراطي أو تعقيد العملية السياسية عمومًا في الدولة المستهدَفة. على سبيل المثال، عندما اندلعت حركة احتجاجية في أوكرانيا في عام 2013 أطاحت الرئيس الذي تدعمه روسيا، وبات واضحًا انتصار التوجه تجاه الغرب وبعيدًا عن روسيا، تدخّلت موسكو سريعًا وضمّت القرم ودعمت الحركات الانفصالية في الشرق الأوكراني. وهو ما أجهض بالفعل فرص أوكرانيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى الناتو، لعدم تمكّنها في ظل تلك الأوضاع من تحقيق متطلبات الانضمام إلى هذه المنظمات. وبالمثل، أخرج الدور السعودي الثورة اليمنية عن مسارها، بحيث سيتطلّب الأمر الكثير من الجهود المضنية الطويلة الأمد للتفكير مرة أخرى في إصلاحات سياسية ديمقراطية في اليمن. فقد تحوّل الاهتمام حاليًا إلى كيفية الحفاظ على الدولة نفسها من الانهيار أو التفكك. الظروف الداخلية: يؤدي توحد المعارضة الديمقراطية الداخلية أو تشرذمها دورًا كبيرًا في نجاح الفاعل الخارجي أو فشله. كلما كانت هذه المعارضة موحدة وقوية، قلّت قدرة الفاعل الخارجي السلطوي على التأثير والعكس صحيح؛ فقد فشلت روسيا في تنصيب رئيس مقرب منها في أوكرانيا في عام 2004 بسبب قوة المعارضة الديمقراطية والتفافها حول شخص واحد. وعلى العكس، نجح الدعم الروسي في بيلاروسيا نتيجة تفكك المعارضة وضعفها94. بالمثل، نجحت السعودية في دعم مخططها السلطوي في مصر نتيجة تشرذم النخبة المعارضة وغياب القوى الديمقراطية الحقيقية التي قد تقف حائط صدّ أمام تدخلات الفواعل الإقليمية السلطوية. في المقابل، فشلت جهود إفشال التجربة الديمقراطية في تونس حتى الآن نظرًا إلى وجود قوى ديمقراطية قوية ونخب لديها القدرة على التوصل إلى حلول وسط من أجل هدف واحد وهو إقامة دولة ديمقراطية. وإذا ما نظرنا إلى تجربة البحرين سنجد أن اللعب على ورقة الطائفية قد أضعف الحراك الشعبي ومهّد لاستخدام العنف، ما يعني أن دعم السلطوية يكون فعالً عندما يكون السياق الداخلي مستقبلً جيدًا له. يندرج أيضًا تحت الظروف الداخلية ما يتعلق بمدى تماسك النظام الحاكم وتحكّمه، إذ إنه كلما كان النظام متماسكًا ومتحكمً بدرجة كبرى في مؤسسات الدولة، وخاصة ما يتعلق باستخدام العنف، زادت فرص نجاح جهود دعم السلطوية والعكس صحيح. تكاد تجمع أدبيات التحول الديمقراطي على أن سحب النخبة الحاكمة دعمها عن النظام الحاكم يعجّل

  1. للمزيد حول التنازل عن تيران وصنافير، انظر: "لعبة تيران وصنافير: كيف خططت السعودية للانضمام لكامب ديفيد"، ساسة بوست، 2016/4/12، شوهد في 2019/1/21، في: http://bit.ly/2SOrOrx
  2. محمد بن سلمان عن لقاء القدس قبل لقاء ترامب: لا نركز على ما يثير التوتر"، سي إن إن بالعربية، 2018/3/16، شوهد في 2019/1/21، في: https://cnn.it/2RjY4WG
  3. Bulnet Aras & Richard Falk, "Authoritarian 'Geopolitics' of Survival in
  4. the Arab Spring," Third World Quarterly , vol. 36, no. 2 (2015), pp. 322 - 336. 94  Vanderhill, pp. 32 - 33.

بانهياره، وكذلك فإن انقسام النخبة الحاكمة بين متشددين ومعتدلين يسهّل عملية التحول الديمقراطي95. على سبيل المثال، نشأت المعارضة القوية للنظام الحاكم في جورجيا وأوكرانيا من الدائرة المحيطة بالرئاسة، ما يعني افتقار النظام إلى التماسك، الأمر الذي سهّل التخلص منه. على العكس من ذلك، كان النظام الحاكم في بيلاروسيا على قدر كبير من التماسك والتحكّم في مؤسسات العنف، على نحو مكّن جهود دعم روسيا للسلطوية في بيلاروسيا. وفي سياق الربيع العربي، كان تماسك النخبة الحقيقية الحاكمة في مصر (المؤسسة العسكرية) من أهم أسباب نجاح تدعيم السلطوية مرة أخرى. في المقابل، فإن تباين مواقف النخبة المدنية الحاكمة عن تلك العسكرية في التجربة التونسية أدى إلى التزام الأخيرة الحياد، وهو الأمر الذي كان بمنزلة رفع الدعم والانشقاق عن النظام الحاكم، ما مهّد للانفراجة الديمقراطية في البلاد. وكذلك الوضع في اليمن، فبغضّ النظر عن تطورات الأحداث في التجربة اليمنية، إلا أن الانقسامات في النظام الحاكم كانت من الأسباب التي عجّلت بإقصاء صالح عن الحكم. دور الفواعل الخارجية الداعمة للديمقراطية: كلما ضغطت الفواعل الخارجية الداعمة للديمقراطية بقوة على النظام السلطوي، وازنت هذه الفواعل من نفوذ القوى الإقليمية السلطوية وحدّت من قدرتها على التأثير. على سبيل المثال، عزّز الدعم الدولي لتوشينكو في أوكرانيا عام 2004 من موقفه ورفع من تكلفة توظيف النظام العنف وقبول الدعوة إلى انتخابات جديدة بدلً من المسار الروسي الأكثر ميلً إلى استخدام القوة لقمع الاحتجاجات96. على العكس، تأتي حالة بيلاروسيا التي فشلت الجهود الغربية مدة تزيد على عشر سنوات في تشجيع الديمقراطية لضعف جهود دعم الديمقراطية مقارنة بالدعم الروسي المقدّم للنظام هناك. كما كان للتناقضات بين جهود الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في دعم الديمقراطية أثر سلبي في الإصلاح السياسي في البلاد. ففي الوقت الذي توجّهت فيه الأولى إلى منظمات المجتمع المدني، ركّز الاتحاد الأوروبي على تحسين الأحوال المعيشية للمواطنين وليس للنشاطات المرتبطة بالدمقرطة97. وعمومًا، لم تكن الضغوط والجهود الغربية لدعم الديمقراطية على الدرجة نفسها من القوة ولم تمارس الضغوط نفسها التي مارستها في الحالة الأوكرانية98. تتشابه حالة مصر مع حالة بيلاروسيا فيما يتعلق باختلال التوازن بين جهود دعم الديمقراطية وتلك الرامية إلى احتواء التحول الديمقراطي لصالح الأخيرة. فالموقف الغربي، خاصة الأميركي، جاء مترددًا فيما يتعلق بثورة 25 يناير 2011، على الرغم من خطابه الرسمي الداعي إلى المزيد من الإصلاحات السياسية. ولم يتم دعمها إلا بعد أن بات واضحًا أن حركة الاحتجاجات ماضية في تحقيق هدفها بخلع مبارك. وعندما وقع الانقلاب العسكري في عام 2013، لم تتخذ الدول الغربية موقفًا رافضًا بقوة لما حدث، بل إن الولايات المتحدة نفسها ابتعدت عن تسميته انقلابًا. وبعد فترة من وقف المعونات، عادت هذه الدول إلى التطبيع مع النظام الجديد والتنسيق معه في حربها على الإرهاب ومحاولة إعادة الاستقرار في المنطقة. ويلاحظ عمومًا أن المساعدات المقدمة من الاتحاد الأوروبي يذهب الجزء الأكبر منها إلى الحكومة المصرية، خاصة المؤسسة العسكرية المتلقي الأول للمعونة الأميركية99. وهذه أيضًا مؤشرات على مدى جدّية الفواعل الغربية في دعم جهود الديمقراطية في مصر. في المقابل، تدفقت المعونات السعودية، والخليجية عمومًا لدعم نظام السيسي ومساندته في مقاومة أي ضغوط خارجية. ولم يختلف الوضع في اليمن والبحرين. فجهود دعم الديمقراطية لم تكن بقوة الدعم السلطوي السعودي نفسه. وسرعان ما عادت الدول الغربية إلى تفضيل الأمن والاستقرار على حساب الحرية والديمقراطية من خلال الحفاظ على حلفائها وتحالفاتها في المنطقة بغضّ النظر عن سجلهم المتدني في حقوق الإنسان والإصلاحات السياسية عامة100.

  1. من أمثلة هذه الدراسات: Bruce Bueno de Mesquita et al., The Logic of Political Survival (Cambridge, MA: The MIT Press, 2003); Michael Burton & John Higley, "The Study of Political Elite Transformations," International Review of Sociology , vol.
  2. Vanderhill, p. 45.
  3. Nechyparenka.
  4. حدثت بعض التغيرات على ساحة بيلاروسيا منذ ضم روسيا إلى جزيرة القرم في أوكرانيا. وقد تخوّف لوكاشينكو من فكرة استخدام روسيا القوة لتغيير الحدود، في الوقت نفسه بدأت الدول الأوروبية في فتح قنوات اتصال مع لوكاشينكو لتقديم بديل آخر من روسيا، إذ أصبح التحول الديمقراطي هدفًا ثانويًا، يسبقه إقامة علاقات أفضل مع بيلاروسيا لموازنة نفوذ موسكو. ولذلك رفع الاتحاد الأوروبي في شباط/ فبراير 2016 العقوبات عن بيلاروسيا، كما خففت الحكومة الأميركية من موقفها تجاهها؛ فقد عادت الحسابات الجيوسياسية مرة أخرى لتتصدر قائمة أولويات الدول، انظر: Chris Miller, "Belarus and the Failure of the Russian World," The American Interest (April 2017), accessed on 21/1/2019, at: http://bit.ly/2AE6bmI 99 على العكس من ذلك، نجد أن المعونة الأميركية مولت سنوات عدة قبل عام 2004 برنامجًا لتقوية الإدارة الانتخابية والعمل على تحسين البيئة التنظيمية والتشريعية للانتخابات في أوكرانيا، انظر: Vanderhill, p. 52.
  5. 11, no. 2 (2001), pp. 181-199; O'Donnell, Schmitter & Whitehead (eds.); Jennifer Gandhi & Adam Przeworski, "Authoritarian Institutions and the Survival of Autocrats," Comparative Political Studies , vol. 40, no. 11 (2007), pp. 1279 - 1301.
  6. Aras, pp. 322 - 336.

درجة الارتباط بالدول السلطوية الإقليمية: كلما زاد الاعتماد على القوى السلطوية الخارجية، زادت قدرة الأخيرة على التأثير في النظام السلطوي الداخلي ودعمه، وهو ما عبّ عنه تولستروب بمفهومَي النفوذ Leverage والروابط  Linkages 101. على سبيل المثال، كانت توليفة المساعدات الاقتصادية الكبيرة من روسيا في مقابل المستوى المنخفض من التجارة والاستثمار مع أوروبا، وضعف احتمال عضوية الاتحاد الأوروبي من أهم العوامل التي ساهمت في ضعف جهود دعم الديمقراطية في بيلاروسيا102. أما أوكرانيا فقد كان لها روابط علاقات اقتصادية قوية بروسيا والاتحاد الأوروبي، وهو الوضع الذي يؤدي إلى تنوع في مصالح النخب ويحدّ من قدرة القوى الإقليمية السلطوية على التأثير103. وفي مولدوفا، منحت القيادة الروسية مزايا تصديرية ودعمً للطاقة وأفضلية الوصول إلى سوق العمل الروسية لتمكين النظام الاقتصادي104. في حالة السعودية، نجد أن الدعم الاقتصادي السخي لنظام السيسي قد أدى إلى ضعف أي جهود لدعم الإصلاح السياسي105، والأمر نفسه مع البحرين التي تعتمد اقتصاديًا بصورة تامة على الرياض، ومن هنا فاعلية الضغوط السعودية عليها. واتخذ الدعم السعودي أيضًا شكل الدعم العسكري في حالة البحرين، أو تعزيز القدرات العسكرية من خلال المساعدة في شراء الأسلحة وأدوات القمع كما هي الحال مع مصر. درجة استقرار النظام في الدولة المتدخ لة: يلاحظ من دراسة حالتَي السعودية وروسيا أن الدول الإقليمية السلطوية تكون أكثر تدخّلً وأكثر استعدادًا لتوظيف العنف، كلما كان استقرار النظام مهدَّدًا في الداخل أو عندما يمر بمرحلة انتقالية حاسمة تتأثر بالتطورات في دول الجوار. وهذا ما قد يفسر لماذا كانت موسكو أكثر حسمً وعنفًا مع الاحتجاجات الأوكرانية في عام 2013 مقارنة باحتجاجات الثورة البرتقالية في عام 2004، إذ تم تقليد السيناريو الأوكراني في الانتخابات الروسية في عام 2011، ومن ثم تحسب موسكو من تكراره مع ترشّح بوتين لولاية خامسة في عام 2018. كما يفسر هذا أيضًا التدخل السعودي في البحرين ثم اليمن. فإضافةً إلى ما مثّلته الحالتان من أخطار خارجية، كان توقيت الأحداث عاملً أساسيًا في تبلور ردة الفعل. ففي حالة البحرين، كان هناك ترقّب في انتقال السلطة في ضوء اعتلال صحة الملك عبد الله آنذاك؛ ففترات انتقال السلطة في الأسر الحاكمة عادة ما تكون مصحوبة بنوع من التوجس والشك خاصة في حالة مثل السعودية التي ينتقل فيها العرش من الأخ إلى الأخ في الجيل الذي وصل درجة من الهرم، بحيث وجب البدء في التفكير في قواعد جديدة لنقل السلطة. وكذلك كان وضع اليمن المتزامن مع ترتيبات صعود محمد بن سلمان ومحاولة اكتسابه الشعبية والشرعية من خلال إثارة المشاعر المذهبية والوطنية المرتبطة بالحرب. ويتضح هنا الترابط بين الداخلي والخارجي، فكلتا الدولتين قد طورتا خطابًا سياسيًا عن العدو داخليًا وخارجيًا؛ فعلى الصعيد الداخلي، تم التركيز على الحركات التي قد تشكّل تهديدًا أو جبهة معارضة، وتم التعامل معها في الغالب من منطلق "الحرب على الإرهاب" (حركات المعارضة والمجتمع المدني في حالة روسيا، والإخوان المسلمون والحركات الجهادية الأكثر تطرفًا في حالة السعودية.) أما خارجيًا فتضمّن الخطاب الإشارة إلى عدو يهدف إلى تقويض الاستقرار وبسط سيطرته ونفوذه (الغرب في حالة روسيا، وإيران في حالة السعودية.) ويتلاقى الخطابان في نقطة أساسية وهي الربط بين استقرار النظام وبقائه وقدرته على مواجهة التحديات الخارجية. مدى تقبّل المجتمع المستهدَف دور القوى الإقليمية السلطوية: نجد، على سبيل المثال، أن المجتمع في أوكرانيا كان منقسمً حول هويته: غربية أم سلافية ترتبط بموسكو. عقَّد هذا الاختلاف من مهمة روسيا وأضعف قدرتها على التأثير، وينطبق هذا أيضًا على جورجيا ذات التاريخ العدائي مع روسيا. في المقابل حالة بيلاروسيا التي يتعاطف فيها قطاع كبير من المجتمع مع روسيا نظرًا إلى تأثير القنوات الروسية التي كان لها دور كبير في دعم شعبية لوكاشينكو وشرعيته. فيما يتعلق بدور السعودية، لا يمكن إغفال أن الرياض تمتلك أدوات إعلامية واسعة الانتشار في المنطقة تحاول من خلالها تمرير العديد من الرسائل، والتي كان أهمها إلصاق وصف المؤامرة على الثورات العربية والربط المستمر بينها وبين الفوضى والدمار والعنف. إلا أن المهم في الحالة المصرية ما تم ترديده حول تمويل المملكة الحملات الإعلامية التي استهدفت رئاسة محمد مرسي، إضافة إلى حصول عدد من الإعلاميين المصريين المؤثرين في الرأي العام على أموال من

  1. Tolstrup, pp. 1-32
  2. Vanderhill, p. 85.
  3. Ibid., p. 50.
  4. John Gravingholt et al., "The Influence of China, Russia and India on the Future of Democracy in the Euro-Asian Region," German Development Institute, Briefing Paper , no. 2 (2011), accessed on 21/1/2019 at: http://bit.ly/2Chyqau
  5. عن المساعدات الخارجية لمصر، انظر: محمد يوسف، "المساعدات الخليجية لمصر: تقارير التقديرات وسيناريوهات المستقبل"،، مركز الجزيرة للدراسات، 2015/4/26، شوهد في 2019/1/21، في http://bit.ly/2D3m6fL:

الرياض في مقابل إنتاج مواد تحسّن صورة المملكة وتجمّلها في مصر والمنطقة كلها106. وقد برز ذلك على نحو بعيد في دفاع الإعلام المصري المستميت عن صفقة تيران وصنافير. مدى قدرة الدول السلطوية المتدخّلة على الاستمرار في تحمّل تكاليف دعم السلطوية خارجيًا: من الملاحظ أن الحالتين اللتين ركّزت عليهما الدراسة هما دولتان تعتمدان بالأساس على العوائد النفطية. ومع تذبذب أسعار النفط، يصبح التساؤل: إلى متى تستطيعان الحفاظ على مستوى التمويل الإقليمي، والدولي في حالة روسيا، الذي تقومان به حاليًا؟ ولا تتعلق التكلفة بالبعد الاقتصادي فقط، بل ترتبط أيضًا بالتكلفة السياسية؛ بمعنى مدى نجاح الدولة الإقليمية المتسلّطة في إقامة تحالف سلطوي يدعم بعضه بعضًا إقليميًا ودوليًا، سواء اتخذ شكل المنظمات الإقليمية (مثل منظمة شنغهاي)، أو تحالفات عسكرية كمبادرة السعودية لإنشاء التحالف الإسلامي العسكري لمواجهة خطر "الإرهاب"107، أو الشكل التقليدي للتحالفات الخاص بالمحاور، مثل محور الرياض - أبوظبي - القاهرة، وكذلك إسرائيل.

خاتمة

توضح دراسة حالتي روسيا والمملكة العربية السعودية كيفية انخراط الفواعل الخارجية في مباراتين أساسيتين؛ ترتبط الأولى ببقاء النظام والعوامل المؤثرة في استقراره، وتتعلق الثانية بتأمين مصالحها الإقليمية الجيوسياسية. ويحدد الطريقة والأدوات المستخدمة للفوز في هاتين المباراتين "تصور" درجة التهديد التي تشكّلها التطورات السياسية في دول الجوار، ما يعني أن دعم السلطوية ذاته لا يمثل بالضرورة، أو دائمًا، أيديولوجيا تتبناها القوى الإقليمية السلطوية، وإنما هي أداة للتعامل مع إدراك هذه الدول التهديدات المحيطة بها. فالسعودية، على سبيل المثال، تحارب إيران الشيعية وكذلك تحارب الفرع النشط للإسلام السياسي السُ نّي المتمثل في جماعة الإخوان المسلمين، كما أنها دعمت الانقلاب على محمد مرسي وباركت تحرك الجيش المصري على الرغم من أفكار طاعة الحاكم التي يردّدها علماء الدين السعوديون التي يستند إليها النظام في تدعيم شرعيته108. جاء إدراك روسيا والسعودية الاحتجاجات وحركات التمرد على أنها "مصدر التهديد" ونمط يمكن إعادة إنتاجه على المستوى الداخلي. ولذلك أصبحت محاربة الثورات حجر زاوية في إستراتيجية الأمن القومي لموسكو والرياض، والتي تعني بالأساس أمن النظام واستمراره. يؤثر هذا الموقف في مباراة مزدوجة أخرى تدور بين النخب الحاكمة وتلك المعارضة في الدول المستهدَفة من خلال التأثير في إستراتيجيات النخبة وقدراتها، وترجيح قدرات طرف على حساب طرف آخر. يمكن أن تقدّم الدول حوافز إيجابية مثل اتفاقيات التجارة والإمداد الرخيص لمصادر الطاقة، وذلك لتبديل حسابات النخبة حول التكلفة والفائدة المرتبطة بالإستراتيجيات المتعددة. يمكن أيضًا أن تقدّم الدول حوافز سلبية مثل منع إمداد مصادر مهمة للطاقة وذلك لتغيير إستراتيجيات النخبة. يمكن أيضًا أن تقدّم الفواعل الخارجية مصادر مالية إضافية تمكّن القادة السلطويين من شراء الدعم أو زيادة قدراتهم القمعية109. ومن هنا، فإنه في الوقت الذي تعتمد فاعلية الدعم السلطوي الخارجي على عوامل ثلاثة تتمثل في درجة الدعم الخارجي السلطوي (النفوذ والروابط والأدوات والإستراتيجيات المستخدمة)، ودرجة الدعم الخارجي للديمقراطية (قوي أو ضعيف)، والظروف المحلية وقرارات النخبة الحارسة110، فإن تصور التهديد هو ما يحدد درجة الدعم السلطوي والأدوات الملائمة وكمّ الروابط المطلوبة لتحقيق ذلك. وتزداد فاعلية الدعم السلطوي الخارجي كلما كان تصور التهديد قويًا مع وجود معارضة ديمقراطية ضعيفة في الدولة المستهدفة واحتفاظ النظام الحاكم بتماسكه وعدم توافر دعم ديمقراطي خارجي قوي. بينما تقل فاعلية الدعم السلطوي الخارجي، حتى في حالة ما إذا كان تصور التهديد لدى الدولة المتدخ لة قويًا، كلما كانت هناك معارضة ديمقراطية قوية في الدولة المستهدَفة وضعف تماسك النظام الحاكم ووجود دعم ديمقراطي خارجي قوي. ويمكن رصد العديد من السيناريوهات الناتجة من اختلاف أي من المتغيرات المذكورة، وهو أمر يتطلب المزيد من الدراسة لحالات تحوّل النظم لاختبار هذه العلاقات.

  1. للمزيد من التفصيل، انظر: حسام بهجت، "ويكيليكس: طابور طالبي التمويل السعودي 'الإعلامي' في مصر"، مدى مصر، 2015/6/28، شوهد في 2019/1/21، في: http://bit.ly/2TLeQLb
  2. بعد تسعة أشهر من العمليات العسكرية ضد الحوثيين في اليمن، أعلنت السعودية عن تحالف إسلامي عسكري بمشاركة 35 دولة. وهي الخطوة التي يراها البعض محاولة
  3. وينطبق الأمر نفسه على سورية التي لم يتم التطرق إلى حالتها في هذه الدراسة، حيث تدعم الرياض أطيافًا من المعارضة في سورية التي خرجت ضد نظام بشار الأسد مطالبةً بإسقاطه.
  4. Vanderhill, p. 8. 110 لا يُنظر هنا إلى النخب الداخلية على أنها أداة في يد التأثير الخارجي فحسب، بل بوصفها حارسًا يسهل أو يعرقل الروابط مع الفواعل الخارجية، الأمر الذي يؤثر بدوره مباشرة في القدرات التي تحدد درجة الدعم الخارجي، ومن ثم فاعليته، انظر: Tolstrup, 2010, p. 3.
  5. للمملكة لمحاربة الصورة المنتشرة عنها بوصفها راعية للتطرف الديني، وهي أيضًا وسيلة لتثبيت الدور القيادي للمملكة في قيادة المنطقة. للمزيد من التفاصيل: '"التحالف الإسلامي العسكري:' مبادرة سعودية للبحث عن القيادة في الشرق الأوسط"، ساسة بوست، 2015/12/17، شوهد في 2019/1/21، في http://bit.ly/2D3acT4:

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. "روسيا: الجيوستراتيجيا فوق الأيديولوجيا وفوق كل سياسات عربية شيء.". العدد 17 (تشرين الثاني/ نوفمبر.)2015 "التوازنات والتفاعلات الجيوستراتيجية والثورات العربية." تحليل سياسات. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (نيسان/ أبريل 2012 في http://bit.ly/2AF7y4g:). الحسن، حمزة. "مستقبل انتفاضة البحرين: الدور السعودي والرهانات الإقليمية والدولية." مركز البحرين للدراسات في لندن. 2012/6/12 في http://bit.ly/2smTSXg:. الخزرجي، ثامر كامل. العلاقات السياسية الدولية واستراتيجية إدارة الأزمات. عمّ ن: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع،.2005 السعداوي، عاطف. "الثورات الملونة في آسيا الوسطى: فشل النموذج كيرر في التغيير أمتي في العالم الأم.". مركز الحضارة للدراسات السياسية 2013/2/27. في http://bit.ly/2SK2mDk:. العزي، خالد ممدوح. "روسيا- قيرغيزستان: الصراع الداخلي في قيرغيزستان والموقف الروسي من الإغراءات الأميركية." الحوار 2011/1/11 في http://bit.ly/2VKkrDh:. العدد.3533. المتمدن العكلوك، فرج. "السياسة السعودية تجاه ثورات الربيع العربي." تقارير. مركز الجزيرة للدراسات. 2011/8/24:. في https://bit. ly/2E9qWtS قبلان، مروان. "الثورة والصراع على سورية: تداعيات الفشل في إدارة سياسات عربية لعبة التوازنات الإقليمية.". العدد.)2016(18 ميلتون-إدواردز، بيفرلي. "أثر العدوى واللعبة السعودية الكبرى في مقال الشرق الأوسط.". بروكينغز. 2017/11/8:. في https://brook. gs/2DSyEY1 يوسف، محمد. "المساعدات الخليجية لمصر: التقديرات وسيناريوهات تقارير المستقبل.". مركز الجزيرة للدراسات. 2015/4/26:. في http:// bit.ly/2D3m6fL

الأجنبية

Aras, Bulnet & Richard Falk. "Authoritarian 'Geopolitics' of Survival in the Arab Spring." Third World Quarterly. vol. 36. no. 2 (2015). Aron, Leon. "The Putin Doctrine: Russia's Quest to Rebuild the Soviet State." Foreign Affairs. 8/3/2013. accessed on 30/5/2015. at: https://fam.ag/2TL5IGr Berzina, Leva. "Color Revolutions: Democratization, Hidden Influence or Warfare?" Center for Security and Strategic Research. Working Paper. no. 1 (2014). Burton, Michael & John Higley. "The Study of Political Elite Transformations." International Review of Sociology. vol. 11. no. 2 (2001). Cause, F. Gregory. "Saudi Arabia in the New Middle East." Council on Foreign Relations. Council Special Report. no. 63 (2011). Da Silva Nougueira, Camila M. Oliveira. "The Influence of International Factors in the Process of Democratization." Brazilian Political Science Review. vol. 3. no. 1 (2009). De Mesquita, Bruce Bueno et al. The Logic of Political Survival. Cambridge, MA: The MIT Press, 2003. Delcour, Laure & Katasyna Wolczuk. "Spoiler or Facilitator of Democratization: Russia's Role in Georgia and Ukraine." Democratization. vol. 22. no. 3 (2015). Diamond, Larry. "Thinking About Hybrid Regimes." Journal of Democracy. vol. 13. no. 2 (2002). Diamond, Larry, Juan J. Linz & Seymour M. Lipset (eds.). Democracy in Developing Countries. vol. 1: Persistence, Failure and Renewal. Boulder, CO: Lynn Rienner Publishers, 1999. Dugin, Alexander. "The Eurasian Idea." Counter-Currents Publishing. 8/11/2013. at: http://bit.ly/2M3PLbA Gandhi, Jennifer & Adam Przeworski. "Authoritarian Institutions and the Survival of Autocrats." Comparative Political Studies. vol. 40. no. 11 (2007). Gravingholt, John et al. "The Influence of China, Russia and India on the Future of Democracy in the Euro-Asian Region." German Development Institute. Briefing Paper. no. 2 (2011). at: http://bit.ly/2Chyqau

Kundu, Nivedita Das. "Russia and the Former Soviet States: Dynamics of Relations." Policy Perspectives. vol. 4. no. 1 (2007). Melnykovska, Inna, Hedwig Plamper & Rainer Schweickert. "Do Russia and China Promote Autocracy in Central Asia." Asia Europe Journal. vol. 10. no. 1

Miller, Chris. "Belarus and the Failure of the Russian World." The American Interest (April 2017). at: http://bit. ly/2AE6bmI Nechyparenka, Yauheniya. "Democratic Transition in Belarus: Cause(s) of Failure." Institut Barcelona d'Estudis Internacionals (IBEI). Student Paper Series. no. 3 (2011). at: http://bit.ly/2TJAmA2 Nelson, Joan M. & Stephanie J. Eglinton. Encouraging Democracy: What Role for Conditioned Aid? Washington, D.C.: Overseas Development Council, 1992. O'Donnell, Guillermo, Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.). Transitions from Authoritarian Rule: Prospects for Democracy. Baltimore, MD: The Johns Hopkins University Press, 1986. Otarashvili, Maia. "Russia's Quite Annexation of South Ossetia." Foreign Policy Research Institute. E-Notes (February 2015). at: http://bit.ly/2M5UZDD Pollack, Kenneth et al. (eds.). The Arab Awakening: America and the Transformation of the Middle East. Washington, D.C: Brookings Institute Press, 2011. Silander, Daneil. Democracy from Outside-In: The Conceptualization and Significance of Democracy Promotion. Gothenburg: Växjö University Press, 2005. External of Games Nested Rainer. Thiel, Democracy Promotion. Wiesbaden: VS Verlag für Sozialwissenschaften, 2010. Tolstrup, Jacob. "When Can External Actors Influence Democratization? Leverage, Linkage, and Gatekeeper Elites." Center on Democracy, Development, and the Rule of Law. Working Paper. no. 118 (July 2010). ________. "Black Knights and Elections in Authoritarian Regimes: Why and How Russia Supports Authoritarian Incumbents in post-Soviet States." Journal of Political Research. vol. 54. no. 4 (2015). Tseblis, George. Nested Games: Rational Choice in Comparative Politics. Berkeley, CA: University of California Press, 1991. Vanderhill, Rachel. Promoting Authoritarianism Abroad. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2013. Walt, Stephen. The Origins of Alliance. Ithaca, NY: Cornell University Press, 1987. Way, Lucan. "The Limits of Democracy Promotion: The Case of Russia in the 'Near Abroad'." European Journal of Political Research. vol. 54. no. 4 (2015). Whitehead, Laurence (ed.). The International Dimensions of Democratization: Europe and the Americas. Oxford: Oxford University Press 1996.