المساعدات الأميركية والتحول الديمقراطي في مصر بعد 2011: قراءة نقدية

Alaa Bayoumi علاء بيومي |

الملخّص

تسعى الدراسة إلى تقييم تأثير المساعدات الأميركية لمصر في عملية التحول الديمقراطي بعد ثورة يناير 2011، وذلك ضمن إطار تحليلي ونظري أوسع، يشرح دور الخارج في التأثير في الانتقال الديمقراطي في الدول السلطوية عمومًا، وسياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه نشر الديمقراطية في العالم العربي ومصر على وجه الخصوص. كما تسعى الدراسة إلى تقييم المساعدات الأميركية التي قدمت لمصر بعد الثورة من حيث حجمها وأهدافها ومدى تأثيرها. وتنطلق من فكرة أن الطبيعة الكمية للمساعدات قد تساعد على فهم أوضح لأولويات السياسة الخارجية الأميركية ضمن عوامل أخرى. وتنادي الدراسة في خاتمتها بضرورة ترشيد الجدل العام حول دور المساعدات الأميركية في نشر الديمقراطية في مصر، في ظل ما تكشف عنه من نتائج تتعلق بحجم تلك المساعدات وسبل إنفاقها ومدى تأثيرها المحتمل. كلمات مفتاحية: مصر، المساعدات الأميركية، التحول الديمقراطي. This study evaluates the impact of US aid on Egypt’s democratic transition process following the January 2011 revolution. It uses a broader theoretical and analytical framework to explain the role of external forces in the democratic transition in authoritarian countries, specifically looking at US policy towards the spread of democracy in Arab countries and, focusing on Egypt. The study also assesses the scale, objectives and impact of US aid provided to Egypt after the revolution. It is premised on the principle that the quantitative nature of aid may help better understand the priorities of US foreign policy among other factors. The study concludes by recommending the management of the public debate on the role of US aid to spread democracy in Egypt, in light of results revealing the scale, spending avenues and the potential impact of such aid. Keywords: Egypt, US Aid, Democratic Transition.

US Aid and Post- 2011 Democratic Transition in Egypt: A Critical Review

مقدمة

تعدّ قضية المساعدات الخارجية وتأثيرها في الانتقال الديمقراطي في مصر والعالم العربي من القضايا الخلافية المثارة بقوة وعلى نحو متكرر قبل ثورات الربيع العربي وبعدها؛ فهي تطرح أسئلة عديدة تتعلق بدور الخارج في التأثير في الأنظمة العربية وطبيعة هذا التأثير وأهدافه، وبقوى المعارضة السياسية التي عادة ما تتبادل الاتهامات بخصوص التمويل الأجنبي والتبعية للخارج. وفي هذا السياق، تحاول الدراسة تقييم تأثير المساعدات الأميركية لمصر في عملية التحول الديمقراطي بعد ثورة يناير 2011، ضمن إطار تحليلي ونظري أوسع يشرح دور الخارج في التأثير في الانتقال الديمقراطي بالدول السلطوية عمومًا، وسياسة الولايات المتحدة الأميركية تجاه نشر الديمقراطية في العالم العربي، وسياستها تجاه مصر على وجه الخصوص. كما تسعى الدراسة إلى تقييم المساعدات الأميركية التي قدمت لمصر بعد الثورة من حيث حجمها وأهدافها ومدى تأثيرها. وتنطلق الدراسة من فكرة أن الطبيعة الكمية للمساعدات قد تساعد على فهم أوضح لأولويات السياسة الخارجية الأميركية ضمن عوامل أخرى. وتبدأ الدراسة بإطار نظري يقسّم نظريات الانتقال الديمقراطي ودور الخارج إلى مدرستين أساسيتين، تهتم أولاهما بالسياق، وثانيتهما بالفاعلين السياسيين. ثم تتناول تاريخ المساعدات الأميركية ومدى اهتمام الولايات المتحدة الأميركية باستخدام تلك المساعدات في نشر الديمقراطية بالعالم العربي. أما الجزء الثالث، فيتناول تاريخ المساعدات الأميركية لمصر، وكيف تم تأسيسها، ومدى ارتباطها بنشر الديمقراطية. ويتناول الجزء الرابع المساعدات التي قدمتها الولايات المتحدة لمصر بعد ثورة يناير، من حيث حجمها وسبل إنفاقها. وتنتهي الدراسة بخاتمة تلخص أهم ما توصلت إليه من خلاصات عن حجم التأثير الأميركي في التحول الديمقراطي بعد ثورة يناير.

أول ا: في تعريف الديمقراطية والانتقال الديمقراطي

تنظر الدراسة إلى الديمقراطية بوصفها نظامًا سياسيًا يهدف إلى إشراك المواطنين في حكم بلادهم، وتحقيق أكبر قدر من المساواة السياسية بينهم من خلال إطلاق الحريات السياسية، وإجراء انتخابات حرة تسمح للفائز فيها بإدارة شؤون الحكم سلميًا، ومن دون تدخل مؤسساتٍ وقوى غير منتخبة، سواء أكانت مؤسسات داخلية كرجال الأعمال والجيوش أم خارجية كالقوى الإقليمية والدولية. كما تسمح الديمقراطية بمراقبة عمل الحكومات المنتخبة من خلال مؤسسات تشريعية ومدنية وقضائية حرة ومستقلة. ولعل تحقيق ذلك يتطلب نوعين من العوامل الواجب توافرها. أولهما: يتعلق بالبيئة أو ببنية المجتمع المحيطة ومؤسسات الدولة. وثانيهما يتعلق بالفاعلين السياسيين أنفسهم1. فإطلاق الحريات السياسية وإجراء الانتخابات الحرة، يهدفان إلى تمكين المواطنين وتحقيق أكبر قدر من المساواة فيما بينهم في التأثير في صناعة القرار السياسي. وهو أمر لا يتحقق إلا بتوافر خصائص في البيئة السياسية وبنية المجتمع وطبيعة القوى الحاكمة. فلكي تنشأ الديمقراطية وتترسخ تحتاج إلى بيئة إقليمية ودولية تدعمها، ودولة تتّسم بقدر ملائم من الاستقرار وبالمؤسسات البيروقراطية المهنية القابلة بحكم المدنيين. هذا إضافةً إلى حاجة الديمقراطية إلى انتشار قدر من الوعي السياسي والمساواة الاقتصادية والتنمية؛ حتى يتمكن المواطنون من الدفاع عن النظام الديمقراطي ومتطلباته وبناء المؤسسات المدنية والسياسية والاختيار الواعي بين المرشحين، وإعلامٍ حرٍّ ومستقلٍّ ونخب اقتصادية وطنية مؤمنة بالديمقراطية وداعمة لها. وعلى مستوى الفاعلين، تتطلب الديمقراطية قوى سياسيةً واعية قادرةً ومنظمةً. فالعملية الديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات سياسية كالأحزاب قادرة على التواصل مع المواطنين وتنظيمهم وتطوير البرامج، ومؤسسات مدنية تدافع عن مصالح الفئات المختلفة. ولا يعد الانتقال الديمقراطي الذي تنتقل البلاد خلاله من الاستبداد إلى الديمقراطية عملية خطية أو مضمونة. فليس هناك مسار محدد تنتقل الدول المختلفة عبره من الاستبداد إلى الديمقراطية. كما أن فتح أي نظام سياسي الباب لبعض متطلبات الديمقراطية، كالحريات السياسية المقيدة أو الانتخابات المشروطة، لا يضمن انتقال تلك البلاد بعد فترة إلى الديمقراطية، فقد تستغرق عملية الانتقال الديمقراطي عقودًا في بعض الدول وقد لا تنجح في دول أخرى. لذا يمكن الإشارة إلى الانتقال الديمقراطي بوصفه عملية إعداد النظم السياسية لأكبر عدد من متطلبات الديمقراطية ولكنها ليست عملية خطية أو ميكانيكية2. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى توجهين رئيسين في تعريف الديمقراطية والانتقال الديمقراطي، يمكن وصف أوّلهما بالمنهج التنموي البنيوي والآخر بالمنهج السياسي أو الإستراتيجي. ويتميز المنهج التنموي بنظرته الواسعة إلى الديمقراطية ومتطلباتها التي تركّز على تهيئة المجتمع ومؤسسات الدولة والبيئة الدولية المحيطة بالحكم

  1. International Institute for Democracy and Electoral Assistance, "The Global State of Democracy: Exploring Democracy's Resilience," (Stockholm: 2017), pp. 9-13, accessed on 2019/1/15, at: https://bit.ly/2Ago9vY
  2. Laurel E. Miller et al, Democratization in the Arab World (Santa Monica: RAND Corporation, 2012), p. 16, accessed on 2019/1/15, at: https://bit.ly/2sSYQvx

الديمقراطي ومتطلباته قبل التسرع في إجراء انتخابات حرة. أما المنهج السياسي، فيركّز أكثر على الفاعلين السياسيين، وعلى بعض مكونات الديمقراطية الأكثر تقدمًا كالانتخابات الحرة والحقوق السياسية والأحزاب، وما يمكن أن يتبناه الفاعلون السياسيون من إستراتيجيات سياسية في مواجهة الاستبداد، ولنشر الديمقراطية وترسيخها3. ويتبنّى أصحاب المنهج التنموي تعريفًا واسعًا وبطيئًا للديمقراطية الديمقراطي، كعمليات تستغرق عقودًا وربما قرونًا والانتقال، وتتضمن تطوراتٍ سياسيةً واجتماعيةً واقتصاديةً وثقافيةً ضخمة تركز على التغيير التدريجي للمجتمع ومؤسساته الأساسية وتهيئته للديمقراطية. وذلك من خلال بناء مؤسسات الدولة وتهيئتها للحكم الديمقراطي، وبناء قوى المعارضة والمجتمع المدني، وتهيئة ظروف المجتمع من اقتصاد وتعليم وثقافة، وانتظار البيئة الدولية والإقليمية المناسبة والداعمة. لذا يرى أصحاب هذا التوجه أن التنمية الاقتصادية ونشر ثقافة الحريات من أهم العوامل التي يجب التركيز فيها في البلاد الساعية إلى الانتقال الديمقراطي. ويعيبون على أصحاب المنهج السياسي تركيزهم في الانتخابات والحريات السياسية. ويرون أنه صدامي من شأنه تقليل فرص العمل مع النظم الاستبدادية من الداخل، ومتسرع قد يؤدي إلى انتخابات حرة لا ينتج منها إلا إعادة بناء النظام القديم4. ويمكن أن يندرج تحت التوجه التنموي أنصار التحليل البنيوي الذي يركز على دراسة بنى المجتمع الأساسية والعلاقات فيما بينها. وذلك مثل الطبقات وطبيعة التاريخ السياسي للمجتمع ونظامه السياسي ومستوى تطوره الاقتصادي والتعليمي والثقافة السياسية السائدة. كما يندرج تحته أنصار التحليل المؤسسي الذي يركز على دراسة مؤسسات الحكم الأساسية وتاريخها وتعبيرها عن علاقات القوى الراسخة بالمجتمع5. أما أصحاب المنهج السياسي، فيرون أن المنهج التنموي ضعيف وخانع ومهادن للسلطويات والاستبداد. وينظرون، في المقابل، إلى الانتقال الديمقراطي كعملية صراع مع السلطوية والاستبداد قد تشهد بعض الفرص والانفراجات السياسية المفاجئة التي يجب الاستعداد لها جيدًا. لذا يركّز أصحاب هذا التوجه على دعم الفاعلين السياسيين من معارضة وأحزاب سياسية وقوى مؤثرة في المجتمع وعلى رأسها مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام. كما يركّزون على الإعداد للانتخابات الحرة، ويهتمون اهتمامًا كبيرًا بالإستراتيجيات التي يمكن أن تتبناها النخب والقوى السياسية لفتح الطريق أمام التحول السريع نحو الديمقراطية، كالتدريب على التظاهر السلمي، ومراقبة الانتخابات، والتواصل مع وسائل الإعلام والقوى الديمقراطية في الداخل والخارج، وتطوير البرامج السياسية. ويندرج تحت هذا المنهج من يمكن تسميتهم بالنخبويين، أو المشغولين بدراسة السلوك السياسي والإستراتيجيات التي يمكن أن تتبعها النخب السياسية في مواجهة الاستبداد، وخلال فترات التحول الديمقراطي التي تشهد انفراجات ديمقراطية وتغيرات سريعة الوتيرة. ويركّز هؤلاء بوضوح على دور النخب السياسية في التحول الديمقراطي وعلى الإستراتيجيات الواجب اتباعها. ولا يجب أن ننسى هنا أن الواقع لا يعرف الفصل الحدي بين دور الفاعلين السياسيين من ناحية، وتأثير المؤسسات والبني السياسية من ناحية أخرى في التغيير السياسي والانتقال الديمقراطي. إذ يصاغ الواقع من خلال التفاعل المستمر بين النخب وإستراتيجيتهم والمجتمع بمؤسساته وبناه القائمة6. وبناء على ذلك، تنقسم الدول والهيئات الداعمة للديمقراطية، حول أفضل السبل لدعم الانتقال الديمقراطي في الدول ذات النظم الاستبدادية. إذ يرفض أصحاب المنهج التنموي ممارسة ضغوط مباشرة على النظم الاستبدادية لفتح المجال سريعًا لإجراء الانتخابات الحرة، كما يرفضون تقديم الدعم المباشر لقوى المعارضة والفاعلين السياسيين. وفي المقابل، يفضلون المساعدات التنموية وغير المباشرة؛ كتلك التي تركّز على نشر ثقافة الحريات ودعم الأقليات. أما أنصار المنهج السياسي، فيفضلون الضغط المباشر على النظم السياسية؛ لفتح المجال للتحول الديمقراطي سريع الوتيرة. وذلك من خلال إجراء انتخابات حرة تشارك فيها المعارضة وتسمح بتوليها مقاليد الحكم. ومن أجل ذلك، تقدم الدول والهيئات دعمً مباشرًا للمعارضة والقوى السياسية في صورة تدريب السياسيين، وتمويل قوى المجتمع المدني. وهنا يسود الاعتقاد أن دول الاتحاد الأوروبي تميل تقليديًا إلى التوجه الأول الداعم للديمقراطية والانتقال الديمقراطي، من خلال المنهج التنموي "الهادئ" أو "العميق" الذي يهادن الأنظمة الاستبدادية، ويعمل من داخلها على البرامج التنموية بعيدة المدى، والتي تهدف في النهاية إلى إعادة بناء تلك النظم وتهيئتها للديمقراطية. وفي المقابل، ينظر إلى الولايات المتحدة بوصفها الأنموذج الأقرب إلى المنهج السياسي

  1. Thomas Carothers, "Democracy Assistance: Political vs. Developmental," Journal of Democracy , vol. 20, no. 1 (Jan 2009), accessed on 2019/1/15, at: https://bit.ly/2LKyL8O
  2. Ibid., p. 9.
  3. Sujian Guo, "Democratic Transition: A Critical Overview," Issues & Studies , no. 4 (July/ August 1999), pp. 133-148, accessed on 2019/1/15, at: http://bit.ly/2D43Dx8
  4. Samsondeen Ajagbe, "Aligning the Two Main Approaches to the Study of Democratization," Transcience , vol. 7, no. 1 (2016), pp. 83-99, accessed on 2019/1/15, at: https://bit.ly/2l5SAMP

بالنخب الذي يركّز على الضغط المباشر على النظم الاستبدادية، لفتح بلادها للتحول الديمقراطي بخطوات سريعة، وتقديم مساعدات مباشرة للمعارضين السياسيين7. ويرفض توجه ثالث التعميم؛ وذلك لتشابه أوجه إنفاق المانحين من ناحية، وتنوع أهداف الجهات المانحة داخل الدول المانحة من ناحية أخرى. ففيما يتعلق بالجهات المانحة وتنوعها، يشار إلى أن الولايات المتحدة تقدم مساعداتها الديمقراطية، من خلال شبكة كبيرة من المؤسسات السياسية الداخلية ذات الأهداف المختلفة. كما تتغير السياسات الأميركية تجاه نشر الديمقراطية بين إدارة وأخرى؛ فعلى سبيل المثال، وضع الرئيس الأسبق جورج بوش الابن سياسة نشر الديمقراطية في قلب سياسته الخارجية لفترة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وحاول نشر الديمقراطية بأساليب يمكن وصفها بالفجاجة كتغيير النظم. وفي المقابل، مال الرئيس السابق باراك أوباما إلى منهج أشد مهادنة، يقوم على التركيز على المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة، والعمل من خلال المؤسسات الدولية. ويتبنى الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب منهجًا قليل الحرص على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان عمومًا. وعلى الجانب الآخر، يشار إلى بعض التفاوت والتنوع بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي ودوله، فقد تتبنى دول الاتحاد الأوروبي أحيانًا سياسات أشد حماسة في نشر الديمقراطية، مقارنة بمؤسسات الاتحاد التي تركز على الجانب التنموي8. وهذا لا يعني أن دور الخارج في دعم الانتقال الديمقراطي أمر إيجابي دائمًا، فهناك انتقادات عديدة توجه إليه، إذ يُعتقد أن تدخل الخارج يمكن أن يؤدي إلى مشكلات عديدة؛ كمحاولة فرض نموذج معي للديمقراطية من دون فهم طبيعة الثقافة السياسية السائدة في الدول الأخرى، وتشويه التطور السياسي للدول النامية، من خلال تسريع عملية التغيير في ظروف غير ملائمة، أو دعم قوى ليس لها تمثيل جماهيري حقيقي، ومن ثمّ تشويه بنية تلك القوى وجعلها معتمدة على الخارج أساسًا. كما أن للخارج مصالحه الخاصة التي تجعله يساند الدكتاتوريات في أغلب الأحيان، ولا يقدم إلا الفتات في صورة مساعدات تنموية أو ديمقراطية من أجل تحسين صورته، أو رفع شعارات الديمقراطية للاستخدام الداخلي. في المقابل، يمكن القول إن دور الداخل هو جزء لا يتجزأ من طبيعة عملية الانتقال الديمقراطي التي تتم في سياق دولي وإقليمي لا مفر منه. وإن المساعدات الخارجية، وخاصة التنموية منها، يمكن أن تساهم في تهيئة البيئة الملائمة للتحولات الديمقراطية. في حين يؤكد فريق ثالث أهمية النظر إلى دور المساعدات الخارجية في سياق كل دولة على حدة، ومقارنة تلك المساعدات بحجم المساعدات الأخرى التي تحصل عليها الدولة من ناحية أخرى، وطبيعة البيئة الإقليمية المحيطة بها، وما إذا كانت تضغط على النظام لفتح المجال للتحول السياسي. هذا إضافةً إلى مدى استعداد المجتمع الداخلي والنظام السياسي في تلك الدولة للتحول الديمقراطي. وهذا يعني أنه لا يوجد وصفة واحدة أو سهلة للحكم على مدى نجاح المساعدات الخارجية أو فشلها في تحقيق الانتقال الديمقراطي9.

ثانيًا: الولايات المتحدة وسياسة نشر الديمقراطية عن طريق المساعدات

تُعدّ الولايات المتحدة أكبر مقدّم للمساعدات الدولية حول العالم. فقد مثّلت المساعدات التنموية الأميركية نحو ربع المساعدات التنموية المقدمة من الدول الكبرى في 2017، وبلغت ميزانية المساعدات الخارجية الأميركية 49.47 مليار دولار في مشروع ميزانية عام 2016، يذهب منها 1.47 مليار دولار لبرامج نشر الديمقراطية والحكم الرشيد، وهي نسبة تعادل 3 في المئة تقريبًا. أما النسبة الأكبر من المساعدات الأميركية فتذهب إلى المساعدات التنموية 37(في المئة)، والمساعدات الأمنية 33(في المئة)، وهو ما يعكس أهمية المساعدات التنموية والأمنية وسيطرتها على المساعدات الخارجية الأميركية10. وتعد منطقة الشرق الأوسط المتلقي الأكبر للمساعدات الأميركية 27(في المئة من تلك المساعدات في 2016)، وذلك مقارنةً بأفريقيا (والتي تحلّ ثانية بنسبة 25 في المئة من المساعدات الأميركية)، وتأتي العراق في قمة الدول المتلقية للمساعدات الأميركية 4.28(مليارات)، تليها أفغانستان 5.06(مليارات)، بينما تحلّ إسرائيل في المركز الثالث 3.11(مليارات)، ومصر في المركز الرابع 1.23(مليار)، ويأتي الأردن خامسًا 1.21(مليار)، ولعل ذلك يمثل تراجعًا في أهمية

  1. Lindsay Lioyd, "European Approaches to Democracy Promotion," International Journal , vol. 65, no. 3 (Summer 2010), pp. 547-559, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2JKZvJ8; Nisreen Khaled El Molla, "The EU's Role in Political Reform and Democracy Building in the southern Mediterranean Region: An Egyptian Perspective," International Institute for Democracy and Electoral Assistance (Stockholm: 2009), p. 5, accessed on
  2. Daniela Huber, "Democracy Assistance in the Middle East and North Africa: A Comparison of US and EU Policies," Mediterranean Politics , vol. 13, no.1 (2008), p. 58, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2y5IDIy 9  Miller et al, pp. 16 - 31.
  3. 15/1/2019, at: https://bit.ly/2yaQB2O
  4. Curt Tarnoff & Marian Lawson, Foreign Aid: An Introduction to U.S. Programs and Policy , Congressional Research Service, 25/4/2018, pp. 5-6, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2BAXx5S

الشرق الأوسط من حيث كونه متلقيًا للمساعدات الأميركية. فقد استأثر الشرق الأوسط بنسبة 40 في المئة من المساعدات الأميركية الخارجية في 2006، وبنسبة 41 في المئة من تلك المساعدات في.1996 وقد احتلت إسرائيل ومصر بالترتيب قمة الدول المتلقية للمساعدات الأميركية في التسعينيات، قبل أن يزيحهما العراق وأفغانستان في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بعد احتلال الولايات المتحدة البلدين11. ويعكس تراجع نسبة المساعدات الديمقراطية، ضمن المساعدات الخارجية الأميركية، مقارنة بمساعدات أخرى اقتصادية وأمنية، محدودية أهمية قضية الديمقراطية ونشرها في أولويات السياسة والمساعدات الخارجية الأميركية. وتشير دراسة لمركز خدمة أبحاث الكونغرس12، وهو الذراع البحثية للكونغرس الأميركي، إلى أن الولايات المتحدة فضّ لت، بعد الحرب العالمية الثانية، دعم الحكومات الدكتاتورية المستقرة، على دعم الحكومات الديمقراطية الضعيفة؛ خوفًا من اجتياح الشيوعية تلك الدول. كما تشير إلى أنه في حكم الرئيس الأميركي جيمي كارتر في نهاية السبعينيات، كانت بداية اهتمام الإدارات الأميركية بقضية نشر الديمقراطية. فقد سعى كارتر إلى تقليل المساعدات الأميركية المقدمة للنظم المنتهكة لحقوق الإنسان وخاصة في أميركا اللاتينية. ولكن الرئيس الأميركي رونالد ريغان أعاد تلك المساعدات لنظم أميركا اللاتينية، مفضّ لًالتركيز في مكافحة انتشار الشيوعية، مع تحويل قضية نشر الديمقراطية إلى سلاح يستخدمه في مواجهة الشيوعية. فقد تعامل ريغان مع الديمقراطية بمفهوم مؤسسي يهتم أساسًا بفتح البلاد للانتخابات الحرة من دون الاهتمام بنشر ثقافة حقوق الإنسان. كما أسس ريغان نوعًا من الازدواجية في التمويل الأميركي لقضايا نشر الديمقراطية من خلال تأسيسه، في 1983، هيئة مستقلة ممولة. وهو ماNational Endowment for Democracy حكوميًا هي مكن الحكومة الأميركية من تمويل برامج نشر الديمقراطية عبر تلك الهيئة على نحو غير رسمي، في الوقت الذي قدمت فيه مساعدات خارجية مباشرة لنظم دكتاتورية مختلفة. ولعل نهاية الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفياتي، مكنا الولايات المتحدة من التوسع أكثر في برامج نشر الديمقراطية خلال حكم الرئيس بيل كلينتون الذي اهتمّ بفكرة توسيع رقعة الديمقراطية عبر العالم، ضمن إستراتيجية القومية الأميركية، وخاصة أن عقد التسعينيات شهد موجة تحوّل ديمقراطي في العالم، وغياب التهديدات الأمنية الكبرى للولايات المتحدة. وقد أسس كلينتون مكتبًا للديمقراطية بالخارجية الأميركية، وأسس الكونغرس خلال عهده صندوقًا لنشر الديمقراطية وحقوق الإنسان بالخارجية. أما الرئيس بوش الابن، فقد تبنى في بداية عهده توجهًا انعزاليًا راغبًا في التركيز على الداخل الأميركي، وتجنب أداء دور شرطي العالم وتكاليف التدخل الخارجي الباهظة. ولكن صدمة هجمات الحادي عشر من سبتمبر حوّلت بوش على نحو مفاجئ إلى ناشر للديمقراطية والحريات عبر العالم، وخاصة في العالمين العربي والإسلامي. وهي المنطقة التي لم تهتم الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية فيها من قبل، وتعاملت معها تعاملً قائمًا في الأساس على منظور أمني ومصلحي. فلم تتعد ميزانية هيئة المعونة الأميركية لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط أكثر من 1.9 مليون دولار في 1990 لترتفع إلى 188 مليون دولار سنويًا في 2003 13. لقد ربط بوش بين تلك الهجمات وغياب الديمقراطية في الدول العربية والإسلامية، عادًّا نشر الديمقراطية والحريات أمرًا من شأنه تجفيف منابع الغضب التي تؤدي إلى الإرهاب. ويلاحظ هنا أن توجه بوش نحو نشر الديمقراطية في العالم العربي جرى تحت قيود أميركية داخلية كثيرة، كسيطرة لوبيات النفط وإسرائيل واليمين المسيحي المتشدد والمحافظين الجدد داخل أروقة الجمهوريين. وهي قوى لم تؤمن بالديمقراطية دائمًا، ودعمت الاحتلال ودكتاتوريات عربية تحقق مصالحها، وهي تناقضات كانت كفيلة بإفشال ذلك التوجه14. لذا رفع بوش شعار نشر الديمقراطية في غزوه العراق وأفغانستان، كما ضغط على دول عربية مختلفة لفتح المجال السياسي في بلادها للتحول الديمقراطي وعقد انتخابات حرة. ولكنه واجه تحديات عديدة بسبب سياساته؛ فقد قابلته مقاومة عسكرية صعبة في العراق وأفغانستان، وقادت الحرب إلى دمار واسع في البلدين وانهيار مؤسساتهما السياسية، وقادت أيضًا إلى صعود القوى الدينية في الانتخابات التي عُقدت في العالم العربي فيما عرف بمعضلة الإسلاميين. وهو ما دفع كثيرين في الولايات المتحدة وحول العالم إلى التساؤل حول جدوى السياسات الأميركية15.

  1. Ibid., pp. 15 - 16.
  2. Marian L. Lawson & Susan B. Epstein, "Democracy Promotion: An Objective of U.S. Foreign Assistance," Congressional Research Service, 31/5/2017, accessed on 15/1/2019, at: http://bit.ly/2Mxnv1r
  3. Huber, p. 48.
  4. Oz Hassan, American Democracy Promotion and the 'Arab Spring' , LSE Research Online (May 2012), p. 45, accessed on 15/1/2019, at: https://bit. ly/2JNXtb1
  5. مروان بشارة، "أهداف الولايات المتحدة وإستراتيجياتها في العالم العربي"، في: مجموعة التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية مؤلفين، (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص 112؛ Jeremy M. Sharp, U.S. Democracy Promotion Policy in the Middle East: The Islamist Dilemma , Congressional Research Service, 15/6/2006, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2JM4A3U الشكل 1() الإنفاق الأميركي على برامج نشر الديمقراطية حول العالم خلال الفترة 2018-2006 المصدر: Marian L. Lawson & Susan B. Epstein, Democracy Promotion: An Objective of U.S. Foreign Assistance , Congressional Research Service, 31/5/2017, pp. 14-15, accessed on 15/1/2019, at: http://bit.ly/2Mxnv1r

اﻹﻧﻔﺎق اﻷﻣƒ‚ ﻋﲆ ﺑﺮاﻣﺞ ﻧﴩ اﻟﺪﻘﺮاﻃﻴﺔ ﺣﻮل اﻟﻌﺎ ﺧﻼل اﻟﻔﱰة 2018-2006

2.70
1.75
2.14
2.25

ففي العالم العربي قادت الانتخابات الحرة التي عقدت في بعض الدول العربية في 2005، و 2006 إلى صعود جماعات ذات مرجعيات دينية كالإخوان المسلمين في مصر، وحركة حماس في الضفة الغربية وغزة، وحزب الله بلبنان، وجميعها قوى سياسية معارضة أيديولوجيًا للولايات المتحدة، وتعارضها بشدة إسرائيل والجماعات التي تدعمها داخل الولايات المتحدة وقوى اليمين الأميركي المتشدد. وهو ما دفع بوش في نهاية حكمه إلى التراجع عن أجندة نشر الديمقراطية وتخفيض ميزانيتها. وحافظ أوباما في بداية حكمه على التوجه نفسه؛ فحرص على إصلاح علاقة الولايات المتحدة بحلفائها التقليديين في المنطقة كمصر والسعودية16. وعلى الرغم من دعم أوباما، في بادئ الأمر، للربيع العربي بعد انتشار الثورات، أو الانتفاضات السياسية، بالعالم العربي في أوائل عام 2011، فإنه اتبع سياسة مزدوجة؛ إذ دعم التحول الديمقراطي في الدول التي شهدت ثورات من ناحية ودعم الدكتاتوريات المستقرة من ناحية أخرى17. ويعاب على أوباما أيضًا، عدم تطويره أي إستراتيجيات جادة في التعامل مع الثورات العربية ودعم التحول الديمقراطي في البلدان التي شهدت انفراجات ديمقراطية. ففي ليبيا، لم تضطلع الولايات المتحدة بدور يذكر في دعم استقرار البلاد بعد المساهمة عسكريًا في إطاحة القذافي. وفي سورية، رفض أوباما فكرة التدخل العسكري لإطاحة حكم بشار الأسد. وفي مصر لم تقدم الولايات المتحدة مساعدات تذكر للديمقراطية الوليدة، كما سنشير عبر الدراسة فيما بعد18. أما ترامب، فقد تخلى عن سياسة نشر الديمقراطية في العالم العربي مفضل العمل مع الدكتاتوريات في المنطقة وعبر العالم. كما سعى إلى تخفيض المساعدات الخارجية الأميركية عمومًا، وأبدى رغبة مبدئية في تخفيض الإنفاق الأميركي على نشاطات دعم الديمقراطية في الخارج بنسبة الثلث19

  1. بشارة، ص 125؛ Jeremy M. Sharp, Egypt: Background U.S. Relations , Congressional Research
  2. Lawson & Epstein, p. 7.
  3. Samuel Tadros, The Follies of Democracy Promotion: The American Adventure in Egypt (Stanford: Hoover Institution, Stanford University, 2017), accessed on 15/1/2019, at: https://hvr.co/2HMzAvs 19  Lawson & Epstein, p. 1.
  4. Service, 7/2/2011, p. 9, accessed on 16/1/2019, at: https://bit.ly/2y5Maq2

ا: المساعدات الأميركية لمصر ثالث: نظرة تاريخية

مرت السياسة والمساعدات الأميركية تجاه مصر بمرحلتين؛ أولاهما مرحلة ما قبل 1967، إذ حصلت مصر على بعض المساعدات الأميركية ضمن محاولات الولايات المتحدة كسب ود مصر وجذبها بعيدًا عن المعسكر الشيوعي. وقد توقفت تلك المساعدات بعد 1967، لتعود مجددًا ضمن مرحلة ثانية طغت عليها تفاهمات إستراتيجية جديدة تتمحور حول التحالف المصري مع الولايات المتحدة، وتوقيع مصر اتفاقيات السلام مع إسرائيل، وتوجه مصر نحو الولايات المتحدة في تسليح جيشها وتدريبه، وحصول الولايات المتحدة على ميزات إستراتيجية كحقوق خاصة للطيران في الأجواء المصرية، والملاحة في مياهها الإقليمية، وعلى رأسها قناة السويس20. في مقابل ذلك، بدأت مصر في تلقّي حزمة كبيرة من المساعدات، جعلتها ثاني أكبر متلق للمساعدات الأميركية حول العالم بعد إسرائيل منذ نهاية السبعينيات، وذلك حتى أوائل القرن الحادي والعشرين وغزو الولايات المتحدة أفغانستان والعراق، وما منحته للبلدين الأخيرين من مساعدات بعد غزوهما. وقد سيطرت الاعتبارات الأمنية والسياسية على السياسة الأميركية تجاه مصر تاريخيًا، فالمساعدات الأميركية لمصر لم تكن لأسباب ثقافية كالقرب الحضاري أو التاريخي، ولم ترتبط بأسباب أميركية داخلية كنشاط لوبي داعم لمصر داخل الولايات المتحدة. ولم تكن كذلك لأسباب قيمية تتعلق بالديمقراطية والحريات، أو لأسباب تجارية؛ فمصر ليست قوة اقتصادية دولية. كما أن نشر الحريات والديمقراطية لم يكن عاملً محركًا للسياسة الأميركية تجاه مصر، فقد سيطرت على تلك السياسة اعتبارات إستراتيجية وأمنية تتعلق بالعوامل التي سبقت الإشارة إليها. لذا منحت الولايات المتحدة مصر مساعداتها تاريخيًا من دون شروط ديمقراطية وبأدنى قدر من الشروط الاقتصادية كذلك، فيما عدا رفض الولايات المتحدة، منذ البداية، تقديم مساعداتها لمصر في صورة دعم مالي مباشر للموازنة المصرية. فقد حرصت الولايات المتحدة على تقديم مساعداتها لمصر في صورة سلع، وعلى رأسها الأسلحة العسكرية أو برامج تنموية أطلقت من خلال هيئة المعونة الأميركية وبالتعاون مع الحكومة المصرية. بل سعت الولايات المتحدة خلال الثمانينيات، مستخدمة نفوذها الدولي، إلى حماية مصر من أي ضغوط اقتصادية تذكر من المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي، وذلك حتى لا تعرض الحكومة المصرية لعدم الاستقرار السياسي داخليًا. ولهذا يمكن القول إن المعونة الاقتصادية الأميركية لمصر أدت إلى تأجيل الإصلاحات الاقتصادية الداخلية المطلوبة لعلاج مشكلات الاقتصاد المصري، أو أن النظام المصري استفاد من المساعدات والدعم الأميركيين في تأجيل الإصلاحات المطلوبة21. واستمر الحال على ما هو عليه، تقريبًا، حتى نهاية التسعينيات. فقد قررت الولايات المتحدة تخفيض مساعداتها الاقتصادية لمصر لأسباب أميركية داخلية وخارجة عن إرادة الحكومة المصرية. ففي ذلك الحين، تعرضت إدارة كلينتون إلى ضغوط داخلية للحد من عجز الموازنة وتقليص التزاماتها الخارجية، وتماشيًا مع تلك الضغوط، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 1997 عدم حاجة إسرائيل إلى مساعدات الولايات المتحدة الاقتصادية. لذا قررت الحكومة الأميركية البدء بتخفيض المساعدات الأميركية لمصر وإسرائيل بداية من 1998. بحيث تنخفض المساعدات الاقتصادية بمعدل النصف خلال عشر سنوات. ولتنخفض من حدود 815 مليون دولار سنويًا في 1998 إلى 411 مليونًا في 2008. وعلى الرغم من أن القوانين الأميركية منذ 1979 تضمن تقديم المساعدات الأميركية إلى مصر وإسرائيل بنسبة الثلثين؛ بحيث تحصل مصر على ثلثي المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة لإسرائيل، إلا أن الولايات المتحدة قررت في ذلك الحين ‑ على الرغم من معارضة الحكومة المصرية ‑ تخفيض مساعداتها الاقتصادية للبلدين وزيادة مساعداتها العسكرية لإسرائيل من دون تقديم زيادة مقابلة للمساعدات العسكرية المقدمة لمصر22. وقد ارتبط ذلك التخفيض بتراجع أهمية مصر الإستراتيجية للولايات المتحدة لعدة أسباب. يأتي على رأسها نهاية الحرب الباردة والتنافس الأميركي السوفياتي في مصر، وحرب الخليج الثانية التي قادت إلى وجود عسكري أميركي أكبر في الخليج ونمو علاقات الولايات المتحدة بدول الخليج على نحو قلل من أهمية مصر الإستراتيجية. وبقي دور مصر في مفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين أحد محاور سياسة مصر وأهميتها الإقليمية. وهو دور بدأ في التراجع تدريجيًّا مع تراجع مفاوضات السلام نفسها. هذا إضافةً إلى الركود السياسي والاقتصادي الذي عاشته مصر نفسها في غياب سياسات إصلاحية من شأنها وضع البلاد على سلم التنمية والنفوذ الإقليمي والدولي23.

  1. 23  Ibid., p. 25. الشكل 2() حجم المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية لمصر خلال الفترة 2009 - 2014 (مليون دولار أميركي) المصدر: United States Government Accountability office (GAO), Egypt: U.S. Government Should Examine Options for Using Unobligated Funds and Evaluating Security Assistance Programs , February 2015, p. 15, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2FovRU7
  2. Anne Mariel Zimmermann, US Assistance, Development, and Hierarchy in the Middle East: Aid for Allies (New York: Palgrave Macmillan, 2017), p. 188.
  3. Jeremy M. Sharp, Egypt: Background and U.S. Relations , Congressional Research Service, 8/2/2018, p. 27, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2UmJvi5
  4. 20  Sharp, Egypt , 7/2/2011, p. 26.
256254253259
202246
131112441309130513561323

لذا أقدمت الولايات المتحدة على خفض مساعداتها لمصر؛ فقد فاضلت في ذلك الحين بين خفض المساعدات الاقتصادية والعسكرية، لتميل الكفة إلى مصلحة الإبقاء على المساعدات العسكرية والحفاظ عليها عند مستوياتها التاريخية 1.3(مليار دولار أميركي سنويًا)، وذلك في تأكيد أهمية البعد الأمني للعلاقات المصرية الأميركية، فقد "آمن صناع القرار الأميركي، خاصة في الخارجية والدفاع، أن الجيش هو أهم أعمدة النظام في مصر، وأن المساعدات العسكرية لمصر لا يجب تخفيضها"24. وقد استمر هذا التخفيض على نحو مطّرد، رغم تعاقب الإدارات الأميركية المختلفة، وصولً إلى إدارة ترامب الذي سعى إلى تخفيض المساعدات الاقتصادية لمصر في ميزانية 2018 إلى أقل من 100 مليون دولار سنويًا، لأول مرة منذ عودة المساعدات الأميركية لمصر في نهاية السبعينيات، وذلك على الرغم من تحسن العلاقات السياسية بين إدارة ترامب والنظام المصري الحالي25. لم تظهر قضية الديمقراطية بقوة ع ىى أجندة العلاقات المصرية – الأميركية، إلا فجأةً خلال ولاية بوش الابن الثانية، وبسبب أحداث طارئة وهي هجمات الحادي عشر من سبتمبر. فلم تكن قضية نشر الديمقراطية ضمن أولويات بوش الابن الذي مال في بداية عهده إلى العزلة الخارجية، وتخفيض التزامات الولايات المتحدة الدولية. ولكن أحداث سبتمبر أحدثت صدمة داخل الإدارة الأميركية دفعتها إلى البحث عن سبل مواجهة الإرهاب، وتخفيف منابعه وعلى رأسها الاستبداد. لذا "خلال إدارة بوش الابن الأولى، مارست الولايات المتحدة ضغطًا ضعيفًا جدًا على مصر من أجل الإصلاحات الاقتصادية. ولم تحظ نشاطات الديمقراطية والحكم الرشيد إلا بأهمية شديدة الضآلة مع التركيز أساسًا في الإصلاح الاقتصادي، وتوسيع الحوار (كسبل لتحقيق الديمقراطية")26. ولكن الأمر تغير في نهاية ولاية بوش الأولى وبداية ولايته الثانية. فقد خص بوش مصر بالحديث ومطالب الإصلاح في خطاب حالة الاتحاد الأميركي الذي ألقاه في بداية ولايته الثانية (شباط/ فبراير 2005) قائلً: "الأمة المصرية الفخورة والعظيمة، والتي رسمت طريق السلام في الشرق الأوسط، يمكنها أن ترسم الطريق نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط"27. خلال تلك الفترة، تسارعت الأحداث والضغوط الأميركية على الحكومة المصرية للتحول الديمقراطي على الرغم من المعارضة الشديدة التي تلقتها من الحكومة المصرية. فقد مارست الإدارة الأميركية ضغوطًا مباشرة على الحكومة المصرية لفتح المجال السياسي، وخاصة من

  1. Zimmermann, p. 194.
  2. Sharp, Egypt , 8/2/2018, p. 26.
  3. Zimmermann, p. 196.
  4. Ibid.

خلال إجراء انتخابات برلمانية حرة تسمح بصعود المعارضة. كما مرر الكونغرس الأميركي في 2005 قوانين تفرض على الحكومة المصرية عدم الخضوع لرقابة الحكومة المصرية في تمويل نشاطات دعم الديمقراطية والتحول الديمقراطي بمصر، ومن ثم تقديم المنح للمنظمات الأهلية المصرية بما في ذلك المنظمات غير المرخصة من الحكومة المصرية. فقد قدمت هيئة المعونة الأميركية 80 منحة مباشرة لمنظمات المجتمع المدني بأحجام تراوح بين 192 ألف دولار و 1.4 مليون دولار خلال الفترة 2005 - 2008. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن 38 في المئة من متلقي تلك المساعدات كانوا منظمات غير مرخصة من الحكومة المصرية. وهنا يجب الإشارة إلى أن الحكومة المصرية استخدمت دومًا القوانين الداخلية لإعاقة الموافقة على تأسيس منظمات المجتمع المدني لأسباب سياسية28. وفي 2007، قرر الكونغرس الأميركي إيقاف إنفاق 200 مليون دولار من مساعدات سبقت الموافقة عليها، كما أوقف بوش مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة ومصر؛ بسبب ضعف وتيرة الإصلاح السياسي في مصر، وعدم الإفراج عن المعارض المصري أيمن نور29. في الوقت ذاته، ظهر توجه معارض لسياسات نشر الديمقراطية بمصر والعالم العربي داخل الإدارة الأميركية بعد صعود الحركات ذات المرجعيات الدينية في الانتخابات التي أجريت بمصر وفلسطين المحتلة ولبنان. لذا بدأت إدارة بوش منذ 2007 في تخفيض المساعدات السنوية المخصصة لبرامج نشر الديمقراطية في مصر، بحيث تم تحديد مبلغ 20 مليون دولار سقفًا لتلك المساعدات في 2009، وهو ما التزمته إدارة أوباما في ميزانية 2010. بل قامت بخفض الدعم المقدم من تلك المعونة لمنظمات المجتمع المدني المصرية، وهو الدعم الذي أزعج الحكومة المصرية كثيرًا. وذلك في مقابل زيادة الإنفاق على البرامج المشتركة مع الحكومة المصرية. لذا زار الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك واشنطن في 2009 بعد انقطاع دام سنوات خلال عهد بوش الابن. ويلاحظ هنا أن أوباما سعى إلى المزاوجة بين خطابه البراق المطالب بالديمقراطية والحريات من ناحية، وسياسة أخرى واقعية تطغى عليها الاعتبارات السياسية، وحريصة على إعادة بناء علاقة الإدارة الأميركية بالقوى التقليدية في المنطقة كمصر والسعودية من ناحية أخرى30.

رابعًا: المساعدات الأميركية ونشر الديمقراطية في مصر بعد ثورة يناير

لم تتوقع الولايات المتحدة أحداث ثورة يناير ولم تتنبأ بها، ولم تكن من المطالبين بالثورة على نظام مبارك أو غيره من الأنظمة العربية. وفي بداية أحداثها، وقفت إدارة أوباما موقف المتردد مؤكدةًاستقرار نظام مبارك ومدافعةً عنه. ولكن يبدو أن تدافع الأحداث بعد 25 يناير دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة تقييم مواقفها وتغيير سياساتها ودعم مطالب المصريين بالتغيير. وهو ما انعكس على خطابات إدارة أوباما ومطالبتها مبارك بالتغيير31. وبعد تنحي مبارك سعت الإدارة الأميركية إلى تطوير سياستها للتعامل مع الوضع الجديد في مصر، ففي شباط/ فبراير 2011 جرى إعادة توجيه 50 مليون دولار من المعونة الاقتصادية لدعم نشاطات الديمقراطية في مصر، كما تم تخصيص 15 مليون دولار إضافية، ليرتفع الإنفاق الأميركي على نشر الديمقراطية في مصر في ذلك العام إلى نحو 72 مليون دولار مقارنة بنحو 13 مليونًا فقط في 2010 32. وفي أيار/ مايو 2011، أعلن أوباما حزمة مساعدات جديدة لمصر تقدر بملياري دولار، من بينها مليار دولار في صورة إعفاء من الديون، ومليار دولار إضافية في صورة ضمانات قروض. وبعد ذلك قررت الخارجية الأميركية تسريع المساعدات الجديدة، بتقديم 450 مليون دولار من الأموال المخصصة لإعفاء الديون، في صورة مساعدة نقدية للبنك المركزي المصري، وجرى إخطار الكونغرس الأميركي بذلك في أيلول/ سبتمبر 2011، على أن يقدم هذا المبلغ على قسطين. ولكن الكونغرس وضع حظرًا على تلك الأموال، ودخل في مفاوضات مع الإدارة الأميركية لشهور قبل الإفراج عنها. وهو ما سمح للإدارة الأميركية بتقديم أول دفعة من تلك الأموال 190(مليون دولار) للحكومة المصرية في آذار/ مارس 2013، ولم تتمكن الإدارة الأميركية من تقديم الدفعة الثانية 260(مليون دولار) بسبب انقلاب تموز/ يوليو 2013، حيث أعلنت الإدارة الأميركية في تشرين الأول/ أكتوبر 2013 وقف تقديم الدفعة الثانية من المساعدات التي تم إلغاؤها بعد ذلك33. وضمن حزمة المساعدات السابقة، قررت الولايات المتحدة إنشاء صندوق لدعم القطاع الخاص في مصر، على أن يقدم الصندوق منحًا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويستفيد من خبرات صناديق جرى تمويلها لمساعدة دول أوروبا الشرقية للتحول الديمقراطي في التسعينيات. وقد جرى تأسيس الصندوق في

  1. Ibid., p. 197.
  2. Ibid., p. 199.
  3. Jeremy M. Sharp, "Egypt: Background and U.S. Relations," Congressional Research Service, 6/12/2012, pp. 8-10, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2t3ESNY; Tadros, p. 3.
  4. عزمي بشارة، ثورة مصر- الجزء الثاني: من الثورة إلى الانقلاب (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016)، ص 449؛ Sharp, Egypt , 7/2/2011, p. 10; Tadros, p. 5.
  5. United States Government Accountability office (GAO), Democracy Assistance: Lessons Learned from Egypt Should Inform Future U.S. Plans , 14/7/2014, p. 5, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2FoCZQy
  6. United States Government Accountability office (GAO), Egypt: U.S. Government Should Examine Options for Using Unobligated Funds and Evaluating Security Assistance Programs, February 2015, pp. 17-18, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2FovRU7

تشرين الأول/ أكتوبر 2012. وإلى شباط/ فبراير 2015، تم منح الصندوق 120 مليون دولار من دون أن يبدأ في الاستثمار. وهو ما تنبأت به الوكالة الأميركية في أيلول/ سبتمبر 2013، فقد أصدرت تقريرًا عن عوائد الصندوق توصَّل إلى حاجة مثل هذه الصناديق إلى نحو عامين قبل أن تبدأ بالاستثمار الفعلي34. وبلغ إجمالي التمويل الذي حصل عليه الصندوق من الحكومة الأميركية حتى 2008 مبلغ 242 مليون دولار، لم يقدم منها منحًا إلا بمبلغ 97 مليون دولار35. بعد الانقلاب، وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2013، أعلنت الإدارة الأميركية مجموعة من الإجراءات العقابية والقيود على إنفاق المساعدات المصرية، فقد أغلقت الإدارة الأميركية كل البرامج الموجهة إلى دعم مؤسسات حكومية مصرية، على أن تخصص المساعدات لمجالات تفيد الشعب المصري، كالتعليم والصحة والقطاع الخاص. وجرى تخصيص الجزء الأكبر من المساعدات 119(مليون دولار) في صورة مساعدات تعليمية، ومنح دراسية للنساء في مجالات إدارة الأعمال والتكنولوجيا، والشراكة مع الجامعات المصرية، كما جرى إغلاق برامج تعليمية تخدم الموظفين ومشاريع تقدر بنحو 48 مليون دولار. كما تم أيضًا وقف تسليم بعض الأسلحة للحكومة المصرية، من بينها طائرات أباتشي ودبابات وصواريخ، و"وفقًا لأحد المسؤولين تم اختيار تلك الأسلحة لأنها – ضمن أسباب أخرى – تعتبر غير ضرورية لمواجهة المصالح الأمنية المشتركة"36 بين مصر والولايات المتحدة. كما أصدرت الإدارة الأميركية قرارًا من شأنه الحد من قدرة الحكومة المصرية على شراء منظومات غالية الثمن من الأسلحة الأميركية، من خلال تحديد أوجه إنفاق المساعدات العسكرية الأميركية لمصر، بداية من 2018 على أربع قضايا أساسية، وهي أمن الحدود البرية والبحرية وسيناء ومواجهة الإرهاب. وكانت المساعدات العسكرية الأميركية لمصر 1.3(مليار سنويًا) تقدم في الماضي من دون تحديد أوجه إنفاقها، ما سمح للحكومة المصرية بإنفاقها على منظومات أسلحة عالية الثمن كطائرات.F-16 وبتحديد أوجه إنفاق المعونة على منظومات أسلحة تتعلق بالمجالات الأربعة السابقة جرى تقييد أوجه إنفاق الحكومة المصرية لها، ومنظومات الأسلحة التي يمكنها شراؤها. ولم تستمر الإجراءات العقابية كثيرًا، فقد رفضت الإدارة الأميركية اعتبار إطاحة الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي "انقلابًا عسكريًا"، حتى لا تضطر إلى وقف تقديم المساعدات للحكومة المصرية، تماشيًا مع قوانين داخلية، تفرض عدم تقديم مساعدات خارجية للبلاد التي تعرضت فيها الحكومات المنتخبة لانقلابات عسكرية37. وفي كانون الثاني/ يناير 2014، وافق الكونغرس على السماح للإدارة باستئناف المساعدات لمصر، بشرط أن يقرّ وزير الخارجية الأميركي بأن مصر "ملتزمة بعلاقتها الإستراتيجية بالولايات المتحدة وبالتزاماتها وفقًا لمعاهدة السلام مع إسرائيل"، وهو ما أقرّ به وزير الخارجية كيرر جون كيري في نيسان/ أبريل الأم 2014، ليجري استئناف المساعدات الأميركية لمصر. كما جرى الإعلان عن نية الولايات المتحدة تسليم طائرات الأباتشي للقاهرة38. ولو حاولنا تحليل خصائص المساعدات الأميركية لمصر بعد ثورة يناير، وتأثيرها في التحول الديمقراطي، بناء على ما سبق، لاستوقفتنا الظواهر التالية: المساعدات الأميركية لمصر قبل ثورة يناير وبعدها ضعيفة وفي تراجع مستمر. وهذا يرتبط أساسًا بتراجع أهمية مصر الإستراتيجية للولايات المتحدة لأسباب سبق شرحها؛ كنهاية الحرب الباردة والتنافس الأميركي السوفياتي في مصر، وتراجع أهمية عملية السلام، وصعود قوى إقليمية منافسة؛ كتركيا ودول الخليج، وتراجع مكانة مصر السياسية والاقتصادية، وسعي الولايات المتحدة المستمر إلى تخفيف التزاماتها تجاه منطقة الشرق الأوسط. وقد انعكست كل تلك العوامل على حجم المساعدات الأميركية لمصر التي بدأت الولايات المتحدة في تخفيضها على نحو مستمر منذ نهاية التسعينيات، في صورة خفض المساعدات الاقتصادية مع الحفاظ على المساعدات العسكرية كما هي39. ولما قامت الثورة، لم يتغير الأمر كثيرًا، إلا في محاولة الولايات المتحدة تقديم بعض المساعدات الإضافية (مليارا دولار)، لم يقدم منها في الحقيقة إلا 190 مليون دولار، وهي أموال قليلة جدًا مقارنة بالمساعدات التي تدفقت على مصر من قوى إقليمية ‑ كبعض دول الخليج وتركيا في مسعى منها إلى التأثير في الوضع الجديد ‑ وقد قدرت تلك الأموال بأكثر من عشرة

  1. United States Government Accountability office (GAO), Enterprise Funds: Egypt and Tunisia Funds Are Established; Additions Steps Would
  2. Sharp, Egypt , 8/2/2018, p. 29.
  3. United States Government Accountability office (GAO), Egypt , pp. 19 - 20. 37 بشارة، ص.461
  4. Strengthen Compliance with USAID Grant Agreements and Other Requirements (February 2015), pp. 1-4, accessed on 28/8/2018, at: https:// bit.ly/2t3QKzt
  5. United States Government Accountability office (GAO), Egypt , p. 21.
  6. Deniel Benaim, Mohktar Awad & Brian Katulis, Setting the Terms for U.S. – Egypt Relations , Center for American Progress, February 2107, p. 2, accessed on 15/1/2019, at: https://ampr.gs/2LL7lQl

مليارات دولار قبل انقلاب تموز/ يوليو 2013، وربما ضعفها بعد الانقلاب40. وكما أوضحت الدراسة، عجزت الولايات المتحدة عن تقديم المساعدات المطلوبة، وتأخرت في تقديمها بسبب تعقيدات داخلية كمعارضة الكونغرس. لذا لم يصل مصرَ إلا مبلغ صغير منها، كما وصل متأخرًا في آذار/ مارس 2013، بعد أن وصلت الأوضاع الداخلية في مصر إلى درجة كبيرة من التعقيد. وهنا يعاب على إدارة أوباما عدم تطويرها أي إستراتيجية شاملة للتعامل مع الربيع العربي في مصر، والدول العربية عمومًا. فقد ظل أوباما مترددًا بين رغبته في الانسحاب من المنطقة، وتقليل التزامات بلاده تجاهها، وحفاظه على موازين القوى القائمة وتحالفات بلاده التقليدية مع إسرائيل والدكتاتوريات من ناحية، وبين خطابه المثالي ورغبته في دعم التحول الديمقراطي والتغيير من ناحية أخرى. وقد انعكس هذا التردد على إستراتيجية أوباما تجاه مختلف دول الربيع العربي؛ إذ رفض التدخل العسكري الحاسم في سورية، وطور ما أطلق عليه إستراتيجية القيادة من الخلف في ليبيا التي لم تمتلك أي تصور جاد لمساعدة البلاد بعد إطاحة القذافي، وترك ملف اليمن لدول الخليج أساسًا. وفي مصر، لم يقدم أوباما مساعدات اقتصادية تذكر، ولم يتدخل للضغط على نحو كافٍ من أجل تحول ديمقراطي أفضل بعد الثورة، أو لمنع الانقلاب والحد من انتهاكاته41. ظلت المساعدات، وربما العلاقات الأميركية بمصر، أسيرة المنظور الأمني أساسًا. وقد أشرنا في بعض أجزاء الدراسة إلى أن المساعدات الأميركية الراهنة لمصر وليدة اتفاقات كامب ديفيد، ولم تكن نتاجًا لعلاقات اقتصادية أو ثقافية أو تاريخية مميزة بين الولايات المتحدة ومصر. فما كانت المساعدات إلا وسيلة للحفاظ على النظام المصري - متمثلً أساسًا في مؤسساته الأمنية الضامنة (القوات المسلحة) - بعيدًا عن الاتحاد السوفياتي، وملتزمًا باتفاقيات السلام مع إسرائيل. لذا خفضت المساعدات الاقتصادية الأميركية لمصر تباعًا، حتى وصلت إلى نحو 250 مليون دولار سنويًا في 2011. وهو مبلغ ضئيل، مقارنة بحاجات مصر الاقتصادية من ناحية، والمساعدات الاقتصادية التي تدفقت عليها من دول إقليمية من ناحية أخرى، في حين حافظت الولايات المتحدة على المساعدات العسكرية كما هي42. وهنا يشير تقرير حكومي أميركي إلى أن المساعدات العسكرية الأميركية لمصر تقدم من دون أدنى رقابة حقوقية تذكر؛ إذ تفرض القوانين الأميركية على الإدارات الأميركية المختلفة مراقبة سبل إنفاق مساعداتها الخارجية، للتأكد من عدم وصولها إلى منتهكي حقوق الإنسان. ويشير تقرير صادر في نيسان/ أبريل 2016، عن مكتب المحاسبة الحكومية الأميركي - وهو مكتب تابع للكونغرس الأميركي يُصدر تقاريرَ عن إنفاق الإدارة الأميركية لأموال دافع الضرائب الأميركي ومدى التزامها القوانين المختلفة - إلى أن الغالبية العظمى من المساعدات العسكرية الأميركية (أكثر من 99 في المئة) تذهب عمومًا، إلى تمويل صفقات ضخمة من الأسلحة، وتدريب القوات عليها عمومًا، ولا تخضع لرقابة تذكر، وجزء صغير جدًا من تلك المساعدات يذهب إلى تسليح مؤسسات أمنية أخرى وتدريبها، وهي أموال تخضع لبعض الرقابة غير المكتملة، ويتابع التقرير: "الحكومة الأميركية لم تقم على نحو منتظم بالتأكد من عدم انتهاك أشخاص ووحدات أمنية مصرية لحقوق الإنسان قبل تلقيها التدريبات." وهو ما يوضح حجم الحماية الهيكلية والسياسية التي تحظى بها تلك المساعدات43. بل إن المساعدات العسكرية نفسها تقدم من دون دراسة جادة لمدى تحقيقها أهداف الولايات المتحدة الإستراتيجية، فيقول تقرير حكومي أميركي آخر: "على الرغم من عمل الحكومة الأميركية على تطوير خطة إستراتيجية لإرشاد المساعدات الأميركية المستقبلية لمصر، فإن المعروف عن فعالية المساعدات السابقة في تحقيق أهداف الولايات المتحدة الإستراتيجية قليل. حيث اعترف المسؤولون الأميركيون بوجود تحديات تحول دون ربط المساعدات المقدمة لمصر بنتائج محددة. على وجه الخصوص، لاحظ المسؤولون الأميركيون أنه من الصعب تحديد مدى مساهمة المساعدات الأمنية في تحقيق أهداف إستراتيجية مثل دعم الاستقرار الإقليمي وإعلاء اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل ومواجهة الإرهاب والتطرف والحفاظ على المزايا الإستراتيجية"44. أما المساعدات الاقتصادية لمصر، فلعل تراجع حجمها شجع الحكومة المصرية على معارضة سبل إنفاقها، ولو أدى ذلك إلى وقف صرفها أو تحويلها إلى دول أخرى، فيشير تقرير حكومي إلى أن الحكومة الأميركية لم تتمكن من إنفاق 460 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية المقدمة لمصر، خلال الفترة 2009 - 2014، بسبب ظروف تتعلق بمصر نفسها45.

  1. Zimmermann, p. 222.
  2. Tadros; Hassan, p. 49.
  3. بشارة، ص.463
  4. United States Government Accountability office (GAO), Security Assistance: U.S. Government should Strengthen End-use Monitoring and Human Rights Vetting for Egypt , April 2016, p. 47, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2JF1Ema
  5. United States Government Accountability office (GAO), Egypt , p. 44.
  6. Ibid. الشكل 3() حجم الإنفاق الأميركي على برامج نشر الديمقراطية في مصر (مليون دولار) وعدد المنح المقدمة خلال الفترة 2009 - 2013 المصدر: United States Government Accountability office (GAO), Democracy Assistance: Lessons Learned from Egypt Should Inform future U.S. Plans , July 2014, p. 1, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2FoCZQy جدول توضيحي: حجم الإنفاق الأميركي على برامج نشر الديمقراطية في مصر خلال الفترة 2008 - 2010 وأوجه إنفاقها على المؤسسات المختلفة (ألف دولار) المصدر: Jeremy M. Sharp, Egypt: Background and U.S. Relations , Congressional Research Service, 7/2/2011, p. 29, accessed on 15/1/2019, at: https://bit.ly/2y5Maq2
37.0
20 6
37.0
20.6
13.4
2010 (أولي)
تم إنفاق 13.4 مليونًا فقط
20092008
290002353954850إجمالي المساعدات
25000953927900مجتمع مدني
20001482925مؤسسات مصرية غير مرخصة
1000050005669مؤسسات مصرية مرخصة
100010005801مؤسسات أميركية مرخصة
2000205715503مؤسسات أميركية غير مرخصة

ومن تلك الأموال مبلغ 260 مليون دولار من المساعدات الاقتصادية العاجلة، التي أقرتها الإدارة بعد كانون الثاني/ يناير 2011 بغرض دعم مصر خلال فترة التحول الديمقراطي. وهي المساعدات التي سبق الحديث عنها. فقد حاولت الإدارة الأميركية دعم الموازنة المصرية بمبلغ 450 مليون دولار. لم تقدم منها إلا 190 مليونًا في أوائل 2013. في حين صرفت النظر عن تقديم المبلغ المتبقي 260(مليون دولار) بعد انقلاب 2013 الذي رفضت الولايات المتحدة تسميته انقلابًا كما أشرنا. أما الأموال الأخرى 280(مليون دولار) التي عجزت الحكومة الأميركية عن صرفها من المساعدات الاقتصادية لمصر، فيرتبط ذلك أساسًا بالأوضاع السياسية المتقلبة بمصر بعد ثورة يناير، ومعارضة الحكومة المصرية الإنفاق الأميركي على برامج دعم الديمقراطية وتمويل المجتمع المدني قبل الثورة وبعدها، ودور الكونغرس في حظر بعض المساعدات المقدمة لمصر مؤقتًا بسبب مخاوف مختلفة؛ كالتزام مصر بتعهداتها السياسية من ناحية، وبعض انتهاكات حقوق الإنسان من ناحية أخرى. ولعل عدم تمكن الولايات المتحدة من تقديم تلك المساعدات 460(مليون دولار)، خلال فترة ست سنوات، وهو ما يعادل قيمة المساعدات الاقتصادية المقدمة لمصر خلال عامين تقريبًا، ولأسباب يتعلق بعضها برفض الحكومة المصرية سبل إنفاق المساعدات الأميركية، يوضح تراجع أهمية تلك المساعدات بالنسبة إلى الحكومة المصرية نفسها. وهو أمر يتضح أكثر لو قارنّاه بحجم المساعدات الاقتصادية التي حصلت عليها مصر من دول خليجية بعد انقلاب تموز/ يوليو 2013. فلو كانت تلك المساعدات الأميركية ذات ثقل، فربما حرصت الحكومة المصرية أكثر على الحصول عليها والاستجابة لشروطها. تمثل المساعدات الموجهة مباشرة إلى دعم نشاطات الديمقراطية في مصر جزءًا ضئيلً جدًا من المساعدات الأميركية، قد لا يتعدى 4.5 في المئة في أوج الإنفاق الأميركي كما كان الحال في العام التالي للثورة. فبعد ثورة يناير، رفعت الإدارة الأميركية حجم التمويل المخصص لنشاطات نشر الديمقراطية في مصر ليصل إلى نحو 72 مليون دولار سنويًا. وهو ما لم يتكرر قبل ذلك أو بعده. وهو العام نفسه الذي قدمت فيه الإدارة الأميركية لمصر مساعدات شاملة (عسكرية واقتصادية وديمقراطية) بلغت 1559 مليار دولار. كيرر، صادر في تشرين الأول وجاء في تقرير حكومي أم/ أكتوبر 2009، أن "تأثير برامج هيئة المعونة الأميركية الخاصة بالديمقراطية والحكم الرشيد، كان غير ملحوظ في المقاييس الخاصة (بتهيئة) البيئة الديمقراطية في مصر"46. وذلك في إشارة إلى انخفاض حجم المساعدات الأميركية لمصر، وتأثيرها المحتمل على الرغم من ارتفاع الإنفاق الأميركي خلال تلك الفترة على برامج نشر الديمقراطية، فقد أنفقت الحكومة الأميركية نحو 50 مليون دولار سنويًا من المعونة الاقتصادية لمصر على برامج نشر الديمقراطية خلال الفترة 2008-2006 47. ولعل انخفاض نسبة المساعدات الموجهة إلى الديمقراطية، بالنسبة إلى مجموع ما تقدمه الولايات المتحدة لمصر من مساعدات، يوفر دليلً كميًا على طبيعة أولويات السياسة الخارجية الأميركية، ومدى اهتمامها بنشر الديمقراطية في البلاد. ويضاف إلى ذلك حقيقتان إضافيتان: أولاهما السياق التاريخي لفرض تلك المساعدات، الذي ارتبط أساسًا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وشعور بوش الابن بحاجة إلى تغيير سياساته نحو المنطقة دراماتيكيًا، وهو شعور لم يدم طويلً. فقد تراجع عنه بوش سريعًا بعد صعود التيارات الدينية في الانتخابات التي جرت في المنطقة، وبسبب الضغوط التي تعرض لها من اللوبيات الداخلية، ومن النظام المصري والدول الإقليمية الحليفة للولايات المتحدة كإسرائيل والدكتاتوريات العربية. وهي السياسة التي حافظ عليها أوباما خلال السنوات الأولى من حكمه. فلم تنفق الولايات المتحدة على برامج نشر الديمقراطية في العام السابق لثورة يناير أكثر من 13.4 مليون دولار من الأموال المخصصة لذلك كما أشرنا (مع ضرورة عدم تكرار الأرقام التي سبق أن أوردتها الدراسة إلا في حدود قليلة جدًا إذا اقتضت الحاجة.) أما الحقيقة الثانية، فهي أن التمويل الأميركي لنشر الديمقراطية في مصر، كما يوضحه الجدول، لا يذهب كله لدعم منظمات المجتمع المدني المصرية، بل يذهب جزء لا يستهان به - قد يصل إلى النصف – إلى دعم برامج تتم بالشراكة مع الحكومة المصرية نفسها، كتدريب الموظفين الحكوميين على برامج كالشفافية المالية وتنظيم الانتخابات وغيرها. أما الجزء الثاني، فيذهب نصفه أيضًا إلى المؤسسات الأميركية العامة في مصر، ويبقى الربع أو أقل يجري توجيهه في صورة منح مباشرة لمنظمات مصرية. ففي 2008 الذي شهد إنفاق الولايات المتحدة نحو 55 مليون دولار على نشاطات دعم الديمقراطية في مصر، ذهب 28 مليونًا منها إلى دعم نشاطات المجتمع المدني، حصلت المنظمات الأميركية العاملة في مصر منها على 21 مليون دولار تقريبًا، وذهب الباقي إلى منظمات مجتمع مدني مصرية، وهي ميزانية تبلغ 7 ملايين دولار سنويًا، في أوج الإنفاق الأميركي على نشاطات دعم الديمقراطية في مصر في سنوات ما قبل الثورة، وضمن الضغوط التي مارسها بوش الابن على مصر في ذلك الحين.

  1. Sharp, Egypt , 6/12/2012, p. 10.
  2. Kristina Kausch, Assessing Democracy Assistance: Egypt , FRIDE (May 2010), p. 4, accessed on 2019/1/15, at: http://bit.ly/2ThPLaG

لم يرتبط الضغط الأميركي على مصر، لفتح النظام أمام التغيير السياسي، بخفض المساعدات المقدمة للبلاد، وإنما ارتبط بزيادة حجم الإنفاق على نشر الديمقراطية في مصر. وهو إنفاق محدود كما أشرنا سابقًا، لم يتعد 50 مليون دولار خلال الفترة 2006 - 2008، و 72 مليون دولار في 2012. ففي فترة حكم بوش الابن التي شهدت ضغطًا سياسيًا واضحًا على النظام المصري لإجراء إصلاحات اقتصادية، ظلت المساعدات الأميركية لمصر عند معدلاتها الطبيعية التي ورثتها إدارة بوش عن إدارة كلينتون. ولم تشهد تلك المساعدات تخفيضًا يذكر إلا نتيجة للتخفيض المتفق عليه خلال حكم كلينتون المرتبط أساسًا بتراجع أهمية مصر الإستراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وكعادة الولايات المتحدة، جرت المحافظة على الدعم العسكري كما هو، وخفضت المساعدات الاقتصادية. وبسبب تضييق النظام المصري على معارضيه السياسيين، تعرض مشروع قانون بالكونغرس لخفض 100 مليون دولار من المعونة الأميركية المقدمة لمصر، للهزيمة، في ربيع 2006 48 ينطبق الأمر نفسه على الفترة التالية لثورة يناير، فضغط إدارة أوباما على مبارك للتخلي عن الحكم لم يرتبط بتهديدات تتعلق بالمساعدات المقدمة لمصر. ولما اقترح بعض أعضاء الكونغرس في 3 شباط/ فبراير 2011 قطع بعض المساعدات عن مصر بصفته وسيلة للضغط على النظام، لم تناقش الإدارة المقترح49. بل على العكس، حافظت الولايات المتحدة على علاقات جيدة بقادة الجيش المصري خلال فترة تخلي مبارك عن الحكم، مستفيدة من علاقاتها التاريخية بتلك المؤسسة وقادتها، كما لم تعاقب إدارة أوباما النظام المصري بخفض المساعدات العسكرية بعد انقلاب تموز/ يوليو 2013. وكل ما حدث هو تجميد بعض المساعدات لفترة، والحفاظ على المساعدات العسكرية مع التوجه المستمر إلى خفض المساعدات الاقتصادية50. وما فعله أوباما، بعد ثورة يناير، هو سعيه إلى زيادة المساعدات الموجهة إلى برامج نشر الديمقراطية. وهو ما تحقق لعام بعد ثورة يناير قبل أن تدخل الإدارة الأميركية في صراع مع المؤسسة العسكرية المصرية التي سيطرت على فترة التحول الديمقراطي، وقامت بإغلاق أكبر المنظمات الأميركية غير الحكومية العاملة في مجال دعم الديمقراطية في مصر في تحد مباشر لسياسات الحكومة الأميركية في نهاية 2011، لتقوم الإدارة الأميركية بعد ذلك بخفض إنفاقها على نشر الديمقراطية في مصر على نحو كبير؛ ما أدى إلى انخفاض الإنفاق الأميركي على نشاطات نشر الديمقراطية في مصر إلى أكثر من 65 في المئة، ليصل إلى نحو 24.5 مليونًا في 2012، مقارنة بنحو 72 مليونًا في 2011. أما في 2013 فلم تنفق الولايات المتحدة على نشر الديمقراطية في مصر أكثر من 6 ملايين دولار51. وهذا يعني أن الإنفاق على نشر الديمقراطية في مصر ليس إلا أداة محدودة ضمن أدوات السياسة الخارجية الأميركية تجاه مصر، وضمن أدوات الضغط الأميركية على مصر في مجال الديمقراطية والانفتاح السياسي كذلك. إذ يبدو الضغط السياسي أو الدبلوماسي الأميركي كما حدث في منتصف حكم بوش الابن وبعد ثورة يناير هو الأداة الأشد تأثيرًا وفعالية52. وهذه أداة تستخدمها الإدارة الأميركية على نحو نادر في تاريخ علاقتها بمصر، وارتبط استخدامها أساسًا بحدثين استثنائيين، وهما هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وثورة يناير. وفي الحالتين، تراجعت الولايات المتحدة سريعًا بسبب ضغوط داخلية، وبسبب مقاومة النظام المصري وحلفائه الإقليميين للتغيير، وتخويفهم الغرب بسلاح صعود "الإسلاميين" وعدم الاستقرار. لا يجب أن يدفعنا هذا إلى التقليل من أهمية المساعدات الأميركية بصفتها دافعًا نحو التحول الديمقراطي في مصر لأسباب عديدة. يأتي على رأسها ما أشرنا إليه في القسم الأول من هذه الدراسة، المتعلق بطبيعة عملية الانتقال الديمقراطي نفسها بوصفها عملية معقدة تستغرق عقودًا، وتتطلب تفاعلً مستمرًا بين البيئة والعوامل البنيوية من ناحية، وسلوك الفاعلين السياسيين من ناحية أخرى. وخلال عقود، قدمت الإدارة الأميركية عشرات المليارات من الدولارات الأميركية لمصر في صورة مساعدات عسكرية وسياسية. ويصعب القول إن تلك المساعدات لم تساهم على نحو مزدوج في تثبيت الاستبداد من ناحية، وربما في فتح المجال أمام التحول الديمقراطي ولو بدرجة بسيطة من ناحية أخرى، فالمساعدات كما أشرنا سابقًا عسكرية أمنية أساسًا وتقدم من دون شروط تذكر، والمساعدات الاقتصادية في تراجع، ولا بد من أن تكون قد ساهمت في تثبيت أركان نظامي السادات ومبارك ودعمهما وتأجيل الإصلاح. ولكنها قد تكون ساهمت كذلك في دعم التحول الديمقراطي من خلال المنح التعليمية والاقتصادية والأمنية كذلك، وذلك من خلال دعم مؤسسات الدولة وتطوير أدائها. هذا إضافةً إلى المساعدات التي قدمت منذ منتصف العقد الماضي على نحو مباشر لناشطي المجتمع المدني ومنظماته. ولم تخلُ المساعدات الأخيرة من عيوب، فقد ميزت أساسًا فئات على فئات أخرى، فلم تقدم للجماعات ذات المرجعية الدينية التي سعت المنظمات الأميركية العاملة في مصر إلى تجنبها خوفًا من

  1. United States Government Accountability office (GAO), Egypt , p. 15; Sharp, U.S. Democracy Promotion Policy , p. 25.
  2. Sharp, Egypt , 7/2/2011, p. 10.
  3. بشارة، ص 462 - .463
  4. United States Government Accountability office (GAO), Democracy Assistance , p. 12.
  5. Sharp, U.S. Democracy Promotion Policy , p. 9; Kausch, p. 16.

إغضاب النظام من ناحية، وبسبب الضغوط الداخلية على الحكومة الأميركية من ناحية أخرى، دفعتها دومًا إلى البعد عن التعامل مع "الإسلاميين." وذلك على الرغم من أن الكونغرس الأميركي فرض على الحكومة الأميركية منذ 2005 عدم الخضوع لأي قيود من الحكومة المصرية في تمويلها مؤسسات المجتمع المدني المصري، وذلك لضمان وصول تلك المساعدات لمنظمات المجتمع المدني غير المرخصة. ومع ذلك التزمت الحكومة والمؤسسات الأميركية بعدم تمويل الناشطين والمنظمات ذات العلاقة بالتيار الديني53. ويمكن القول أيضًا إن تلك المساعدات قد تكون ساهمت في إضعاف منظمات المجتمع المدني، من حيث إنها أضعفت قدراتها على البحث عن تمويل داخلي، وبناء قواعد شعبية. وربما عانت تلك المساعدات شبهات كالفساد، وتمييز ناشطي القاهرة والمدن على حساب منظمات الأقاليم. هذا إضافة إلى شبهة التدخل في الشأن المصري بوصفها مساعدات سياسية أجنبية تقدم مباشرة لفاعلين سياسيين مصريين54. وعلى الجانب الآخر، كانت المساعدات الأميركية قليلة، ولم تتعد المنح المقدمة لمنظمات المجتمع المدني بضعة ملايين في العام الواحد. وهو مبلغ ضئيل مقارنة بحاجات مجتمع مدني ببلد كبير كمصر. ومع ذلك قد تكون بعض منظمات المجتمع المدني المصري وناشطوها قد ساعدوا في ظل الحصار الذي يفرضه النظام المصري على نشاطات تلك المؤسسات وتمويلها.

خاتمة

تدفعنا الحقائق السابقة إلى الدعوة إلى ترشيد الجدل حول تأثير المساعدات الأميركية في التحول الديمقراطي في مصر، وخاصة في أوساط المعنيين بالديمقراطية والتحول الديمقراطي في البلاد. فبدل من تحويل القضية لأحد أسباب الخلاف بينهم، عليهم ملاحظة التالي: دور الخارج في الانتقال الديمقراطي هو دور أصيل لا يمكن تلافيه، فالخارج يؤثر في بيئة الانتقال الديمقراطي من ناحية وفي الفاعلين السياسيين على حد سواء، وذاك من خلال أدوات عديدة أهمها الضغط السياسي المباشر. أما التمويل الدولي للانتقال الديمقراطي، فيحتل مكانة متأخرة ضمن المساعدات الأجنبية مقارنة بالمساعدات الأمنية والاقتصادية. تسيطر على نظرة الخارج نحو مصر والعالم العربي اعتبارات أمنية ومصلحية أساسًا. وتُعدّ قضية الديمقراطية ثانوية، ولم تطرح بجدية إلا على نحو محدود خلال بعض سنوات حكم بوش الابن، وبعد انتفاضات الربيع العربي. وفي الحالتين لم تصبر الولايات المتحدة كثيرًا على دعم التغيير الديمقراطي في العالم العربي ومصر لاعتبارات داخلية ومصلحية أساسية وعلى رأسها إسرائيل والنفط. وفي الحالتين لم تجر الولايات المتحدة حوارًا يذكر مع دول المنطقة والقوى المعنية بالديمقراطية فيها. فسياسة الولايات المتحدة مبنية على اعتبارات داخلية مصلحية أساسًا. فلا يمثل العالم العربي للولايات المتحدة أو الغرب ما تمثله دول قريبة منها كدول أوروبا الشرقية بالنسبة إلى غربها. إن العالم العربي بعيد نسبيًا عن الطرفين، ويجري التعامل معه من منظور مصلحي سياسي. اهتمام الولايات المتحدة بمصر في تراجع مستمر منذ التسعينيات؛ ما يمثل تهديدًا جادًا لأي محاولة لتفعيل جهود الولايات المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي في مصر. فالأمر هنا لا يُعدّ مطالبة بزيادة بعض المساعدات المقدمة إلى دعم الانتقال الديمقراطي أو حتى المساعدات الاقتصادية والتنموية، بل بات يرتبط بتراجع أهمية مصر الإستراتيجية لدى صانع القرار الأميركي على نحو عام ومستمرٍّ؛ ما يجعله أقل رغبة في استثمار أي رأسمال سياسي أو اقتصادي فيها. أضف إلى ذلك أن العلاقات المصرية - الأميركية تدار منذ عقود وفقًا لمنظور أمني سياسي بامتياز. تبدو المساعدات الأميركية لنشر الديمقراطية في مصر ضئيلة على نحو قد لا يستحق كل الجدل المثار حولها. فلو لاحظنا حجم الأموال التي تنفق إقليميًا للتأثير في صناعة القرار المصري كتمويل وسائل الإعلام والاستثمارات الاقتصادية والمساعدات المالية والدعم السياسي، لوجدنا أن تمويل بعض ناشطي المجتمع المدني ومنظماته بعدة ملايين من الدولارات على أقصى تقدير، في أوج الإنفاق الأميركي على نشر الديمقراطية في مصر، هي قضية ثانوية قد لا تستحق كل الجدل الإعلامي والسياسي المثار حولها. ولا ننفي هنا أن طبيعة هذا التمويل جزء أصيل من أسباب الجدل حوله، بوصفه تمويلً أجنبيًا يميز بين الفاعلين السياسيين، من دولة لها مصالح إستراتيجية يتعارض بعضها مع رغبة المصريين في بناء ديمقراطية حقيقية حرة ومستقلة.

المراجع

العربية

بشارة، عزمي. ثورة مصر: الجزء الثاني من الثورة إلى الانقلاب. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 مجموعة مؤلفين، التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014

  1. Sharp, U.S. Democracy Promotion Policy , p. 23-24; Kausch, pp. 14 - 19.
  2. Ibid., p. 9 - 13.

الأجنبية

Ajagbe, Samsondeen. "Aligning the Two Main Approaches to the Study of Democratization." Transcience. vol. 7. no. 1 (2016). at: https://bit.ly/2l5SAMP Benaim, Deniel, Mohktar Awad & Brian Katulis. Setting the Terms for U.S.‑Egypt Relations. Center for American Progress. February 2107. at: https://ampr.gs/2LL7lQl Carothers, Thomas. "Democracy Assistance: Political vs. Developmental." Journal of Democracy. vol. 20. no. 1 (Jan 2009), at: https://bit.ly/2LKyL8O at: El Molla, Nisreen Khaled. "The EU's Role in Political Reform and Democracy Building in the southern Mediterranean Region: An Egyptian Perspective." International Institute for Democracy and Electoral Assistance. Stockholm: 2009. at: https://bit.ly/2yaQB2O Guo, Sujian. "Democratic Transition: A Critical Overview." Issues & Studies. no. 4 (July/ August 1999). at: http://bit.ly/2D43Dx8 Hassan, Oz. American Democracy Promotion and the 'Arab Spring'. LSE Research Online. May 2012. at: https://bit.ly/2JNXtb1. Huber, Daniela. "Democracy Assistance in the Middle East and North Africa: A Comparison of US and EU Policies." Mediterranean Politics. vol. 13. no.1 (2008). at: https://bit.ly/2y5IDIy. International Institute for Democracy and Electoral Assistance. "The Global State of Democracy: Exploring Democracy's Resilience." Stockholm: 2017. at: https://bit.ly/2Ago9vY Kausch, Kristina. Assessing Democracy Assistance: Egypt. FRIDE (May 2010). at: https://bit.ly/2FrOomN Lawson, Marian L. & Susan B. Epstein. Democracy Promotion: An Objective of U.S. Foreign Assistance. Congressional Research Service. 31/5/2017. at: https://bit.ly/2FnVSmJ Lioyd, Lindsay. "European Approaches to Democracy Promotion." International Journal. vol. 65. no. 3 (Summer 2010). at: https://bit.ly/2JKZvJ8 Miller, Laurel et al. Democratization in the Arab World. Santa Monica: RAND Corporation, 2012. at: https://bit.ly/2sSYQvx Sharp, Jeremy M. Egypt: Background and U.S. Relations. Congressional Research Service. 7/2/2011. at: https://bit.ly/2y5Maq2 ________. Egypt: Background and U.S. Relations. Congressional Research Service. 6/12/2012. at: https://bit.ly/2t3ESNY ________. Egypt: Background and U.S. Relations. Service. Research Congressional https://bit.ly/2UmJvi5 ________. U.S. Democracy Promotion Policy in the Middle East: The Islamist Dilemma. Congressional Research Service. 15/6/2006. at: https://bit.ly/2JM4A3U Tadros, Samuel. The Follies of Democracy Promotion: The American Adventure in Egypt. Stanford: Hoover Institution, Stanford University, 2017. at: https://hvr.co/2HMzAvs Tarnoff , Curt & Marian Lawson. Foreign Aid: An Introduction to U.S. Programs and Policy. Congressional Research Service. 25/4/2018. at: https://bit.ly/2BAXx5S United States Government Accountability office (GAO). Democracy Assistance: Lessons Learned from Egypt Should Inform Future U.S. Plans. July 2014. at: https://bit.ly/2FoCZQy ________. Egypt: U.S. Government Should Examine Options for Using Unobligated Funds and Evaluating Security Assistance Programs. February 2015. at: https://bit.ly/2FovRU7 ________. Enterprise Funds: Egypt and Tunisia Funds are established; Additions Steps Would Strengthen Compliance with USAID Grant Agreements and Other Requirements. February 2015. at: https://bit.ly/2t3QKzt ________. Security Assistance: U.S. Government Should Strengthen End-use Monitoring and Human Rights Vetting for Egypt. April 2016. at: https://bit.ly/2JF1Ema Zimmermann, Anne Mariel. US Assistance, Development, and Hierarchy in the Middle East: Aid for Allies. New York: Palgrave Macmillan, 2017.