نهاية التاريخ بطبعته الأميركية: مراجعة في كتابي "نهاية النظام العالمي الأميركي" و"اللفياثان الليبرالي: أصول النظام العالمي الأميركي وأزمته وتحوله"
.The End of American World Order عنوان الكتاب الأول في لغته: عنوان الكتاب: نهاية النظام العالمي الأميركي. المؤلف: أميتاف أشاريا Acharya.Amitav سنة النشر:.2018.Polity الناشر: عدد الصفحات:.138
.American World Order عنوان الكتاب: اللفياثان الليبرالي: أصول وأزمة وتحول النظام العالمي الأميركي. جون إكنبري.Gilford John Ikenberry المؤلف: سنة النشر:.2011.Princeton University Press الناشر: عدد الصفحات:.372
The End of America: Book Review of "The End of American World Order" and "Liberal Leviathan: The Origins, Crisis, and Transformation of the American World Order"
Liberal Leviathan: The Origins, Crisis, and Transformation of the عنوان الكتاب الثاني في لغته:
مقدمة
منذ أن انتُخب دونالد ترامب في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، لم يُخفِ الباحثون المهتمون بمسألة التوازنات الدولية، والسياسة الخارجية الأميركية، توجسَهم وتشاؤمهم المتزايد من حالة ومستقبل ما سمَّوه "النظام العالمي الليبرالي"؛ ذلك أن العودة الأميركية التدريجية إلى تبني الأيديولوجيا الانعزالية، وإن كانت تقليدًا تاريخيًا لطالما لجأت إليه كلما واجهت قيودًا دولية على مصالحها، يمكن أن تكون انعكاسًا لتغير عميق يشمل الفهم الدولي للقواعد والأسس الناظِمة لهذا النظام. ولعل الناظِر إلى عناوين أعمالهم الصادرة في العام نفسه، أو في العام الذي بعده، يتأكد من ذلك مرارًا، إذ اختارت مجلة فورين أفيرز Foreign Affairs عنوانًا كبيرًا لعددها الخاص الصادر في شباط/ فبراير 2017، هو "خارج النظام: مستقبل النظام العالمي." ونشرت الباحثة آن ماري سلوتر مقالة بعنوان "عودة ا كتاب جحيم النيات الحسنة الفوضوية"، وأخ لستيفن وولت، الوهم العظيم: الأحلام الليبرالية والوقائع الدولية لجون ميرشايمر و. إن أزمة النظام العالمي الليبرالي، أو نهايته المفترضة التي تحدث عنها هؤلاء، هي في أصلها سردية أو أسطورة، بحسب تعبير جوزيف جوف، لطالما كانت حاضرة في كتابات منظري السياسة الدولية ومحلِّليها، بل ملازمة لسردية أخرى أكثر تعلقًا بالصعود والأفول الأميركيين على الساحة الدولية، ارتبطت ببعض الأحداث التي اعتبرت مفصلية بالنسبة إلى السياسة الأميركية تحديدًا، داخليًا وخارجيًا، كإطلاق السوفيات القمر الصناعي "سبوتنيك" عام 1957، والأزمة النفطية عام 1973 وفي الثمانينيات؛ مع تحول الاقتصاد الأميركي من اقتصاد صناعي إلى معلوماتي1. وقد تزامنت الفترة اللاحقة لما اصطُلح عليه ب "نهاية الحرب الباردة" مع نقاش حادٍّ آخر حول "الصعود الزئبقي للصين" ومدى انسجام ذلك، أو تعارضه، مع النظام العالمي الليبرالي، انخرط فيه - منهجيًا ومعرفيًا - مختلف منظري السياسة الدولية الذين راوحت وجهات نظرهم بين من نظر إليها بتشاؤمٍ متزايد، ومن اعتبرها فرصة لتأكيد أن حداثة واحدة لا تكفي جميع الشعوب، وأنها الفرصة السانحة لظهور نظام عالمي بديل أكثر تلبية واستجابة لمختلف الضرورات الإنسانية. لذلك، فإن هذه السردية التي عادت للظهور مجددًا في أغلب النقاشات الدولية الحالية ستتعرض لها المقالة بالنقاش والتحليل؛ من خلال مراجعة نقدية لكتابين من أهم الكتب التي تقع على طرفي نقيض فيما يتعلق بصعود النظام العالمي وأفوله ومستقبله. فالكتاب الأول هو لجيلفورد جون إكنبري، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة برنستون، وأحد أشد المدافعين عن الليبرالية الأممية كدعامة للنظام العالمي، أما الآخر فهو لأميتاف أشاريا، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية بواشنطن، وهو من أفضل المتخصصين في شؤون جنوب شرق آسيا وآسيا، والمدافعين عن اللامركزية الغربية في التنظير الدولي، والداعين إلى أن تُؤخذ أهمية القوى الصاعدة في عملية الحوكمة العالمية في الاعتبار. ستكون مراجعة الكتابين من خلال مقارنة واستخلاص لمقاربتَي الباحثين لثلاثة مواضيع رئيسة تقع في صلب التحليل النظمي؛ هي محددات تعريف النظام العالمي، والموقف من القوى الصاعدة (أو القوى غير التقليدية)، والتصور المقدم لمستقبل النظام العالمي الحالي. وفي الأخير ستحاول المراجعة، من خلال استعراضها لأدبيات من مختلف جغرافيات العالم وفلسفاته، الجدال بمدى إمكانية ظهور نظام عالمي بديل.
"النظام العالمي" في نسخته "الليبرالية:" في أصوله ومكوناته
يكمن الشغل الشاغل في ميدان السياسة العالمية، بحسب إكنبري، في البحث عن منطق الهيمنة وآلياتها، وفي الطريقة التي تخوّل من خلالها توزيعات القوة بين الأمم تشكيل مختلف التكوينات السياسية التي ستنبِئُنا بالطريقة التي تُ ارَس بها القوة، وتُشيَّد قواعد النظام العالمي؛ لذلك فإن "الليفياتان الليبرالي"، في أصله، يُعد بحثًا في أصول النظام العالمي الليبرالي، وفي أزماته التي مرَّ بها، وفي آفاقه المستقبلية. وقد انطلق إكنبري في تحليله من تعريف النظام الدولي بأنه "القواعد والمؤسسات المتفق عليها الموجِّهة لسلوك الدول، والتي تختلف من حيث النطاق (إقليمية أو عالمية)، ودرجة المأسَسَة، وأشكال التعاون، وعدد الدول المهيمنة، والآليات الضامنة لشكله واستقراره، والمراوحة بين توازن القوى أو التسلط أو التوافق الدولي"2. وباستخدام إكنبري مصطلح "النظام الدولي" بدلً من "النظام العالمي"، يكون قد تحيّز إلى ثنائية الدولة والقوة كمعيار محدد لطبيعة التفاعلات العالمية؛ الأمر الذي يثبته توصيفه اللاحق لبِنية النظام الذي لا نزال نعيشه، والمشيّدة قواعده منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك من خلال قوله إنه "نظام هيراركي ذو خصائص ليبرالية، شُيد حول مجموعة من الصفقات السياسية والاقتصادية والأمنية التي عقدتها الولايات المتحدة مع دول أوروبا وشرق آسيا"3. ويقصد بالهيراركية (الهرمية) تمكّن الدولة التي ترتقي أعلى سلم هرم القوة العالمي من تشكيل القواعد والمؤسسات الناظمة للمنظومة العالمية؛ كونها غالبًا ما تسعى لاستعمال مزايا قوتها الخاصة لتغيير بيئة العمل الدولية بما يتوافق ومصالحها. وبقيامها بذلك فإنها، بقصد أو من دون قصد، تقوم بإنشاء النظام الدولي. أما "الليبرالية الهَيْمَنِيّة"
فيقصد بها توظيف الولايات المتحدة، التي انتهت إلى منزلة القوى الكبرى، آليات ليبرالية للسيطرة على باقي الدول. وبقيامها بذلك، فإنها نجحت في قيادة أحد أكثر الأنظمة الدولية تميزًا لم تشنّ فيه حرب بين القوى الكبرى، كما أرست أعظم ازدهار اقتصادي شهده التاريخ4. إن نجاح قيادة الولايات المتحدة لهذا النظام يعزى إلى عوامل عديدة، منها ما هو متعلق بالداخل الأميركي، وما هو متعلق بإستراتيجياتها الموجهة إلى الخارج. ففي الداخل، مع نهاية الحرب العالمية الثانية، كما لاحظ المؤرخ ميلفين ليفلر، تضاعفت القوة الأميركية؛ بسبب امتلاكها ثلثي احتياطيات العالم من الذهب، وثلاثة أرباع رأس ماله المستثمَر، ونصف سفن الشحن الخاصة به، ونصف قدرته التصنيعية، إضافة إلى أن ناتجها القومي الإجمالي كان ثلاثة أضعاف ناتج الاتحاد السوفياتي، وأكثر من خمسة أضعاف من مثيله البريطاني5. وقد استغل صناع القرار الأميركي هذه الفرص، فطوروا إستراتيجية كبرى موجهة إلى الخارج، هدفها جعل البيئة الدولية ملائمة لأمن الولايات المتحدة ومصالحها في المدى البعيد، على خلاف الإستراتيجية الكبرى الموضعية التي اعتادت القوى التقليدية انتهاجها، والتي تقتصر على مواجهة الدول المنافسة والحد من قوتها وتهديدها6. أما في الخارج، فقد أرست الولايات المتحدة معالم "النظام الليبرالي الهيمني" بتطبيقها سبع منطقيات عزّزت كل منها الأخرى؛ إذ كانت البداية بتأكيدها الاقتصاد العالمي المفتوح الميسّ للنفاذية الأميركية إلى أسواق العالم وموارده، ثم تأكيدها ضرورة أن توفر الديمقراطيات الصناعية مستوى جديدًا من الدعم الاجتماعي لمواطنيها؛ لتحقيق الاستقرار وحماية مجتمع السوق، أو ما يُعرف ب "دولة الرفاه"، وهو ما تأكد بعد عام 1950 بسبب الزيادة المطردة في نسبة الإنفاق الحكومي على مختلف برامج الحمائية الاجتماعية. أما المنطق الثالث، فقد تمثل في الدفع إلى "التعاون المؤسسي المتعدد الأطراف"، كآلية لتجاوز عدم كفاية الحلول الوطنية، من أجل تحقيق الاستقرار الاقتصادي والأمن الوطني؛ وهو نوع من الالتزام الذي تقدم فيه الولايات المتحدة بعضًا من التنازلات والقيود على قوتها، مقابل الحصول على نظام تعاوني مستقر، تقيّد من خلاله الدول المشتركة فيه، وتقلل من المخاطر والشكوك المرتبطة بحالة الفوضوية الدولية، والمنافسة الأمنية غير الواضحة فيما بينها. وأما المنطق الرابع، فهو يتمثل في التعزيز الأميركي لمشاعر التضامن الغربي الديمقراطي من خلال تأكيد خطابي مفاده أن أوروبا والولايات المتحدة تشكلان مجتمعًا سياسيًا واحدًا؛ بسبب تقاسمهما تاريخًا وقيمً وممارسات ليبرالية مشتركة. وفضلً عن ذلك، اعتمدت الولايات المتحدة منطق "القيادة الهيمنية" للنظام، بتوليها زمام تقديم الحماية الأمنية لباقي الدول وتحريكها للنمو الاقتصادي العالمي بسبب عولمة عملتها (الدولار)، وسوقها الداخلية7. إن أسطورة "النظام الليبرالي الهيمني" لم تصمد طويلً أمام الانتقادات الموجهة إليها من داخل الحقل الأكاديمي الدولي، حتى من أشد المدافعين عنها من أمثال إكنبري الذي صعّد امتعاضَ ه، بعد عام 2017، بمقالته "هل هي نهاية النظام العالمي الليبرالي؟" التي يوحي عنوانها بأنه اعتراف مبطن بأن النظام الذي كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة وأوروبا يفسح المجال اضطرارًا لدول صاعدة، تحمل أفكارًا وممارسات وأجندات في أصلها غير ليبرالية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى أشاريا في نهاية النظام العالمي الأميركي الذي أكّد فيه الطبعة الثانية من كتابه، على غرار ادعائه السابق في الطبعة الأولى منه، أنه إذا كانت نهاية هذا النظام تُعزى إلى عوامل خارجية تتعلق أساسًا بالصين وغيرها من القوى الصاعدة، فإن ترجيح الناخب الأميركي لدونالد ترامب، وإصرار البريطانيين على "البريكست"، هما نتيجتان وليسَا سببين لنهاية هذا النظام، وتأزمه من الداخل8.
النظام العالمي في نسخته الليبرالية: في نقد سردياته
كانت الباحثة إيزابيل غرونبرغ قد فككت، سابقًا، أسطورة "نظرية الاستقرار بالهيمنة" التي تماهت فرضياتها كثيرًا وأسطورة "النظام العالمي الليبرالي" (الأميركي)، من خلال الاستعانة بتحقيقات تاريخية في أهم سردياتها، فنجحت في إثبات فشل النظرية في تلبية معايير معقولة من حيث الدقة التجريبية والاتساق التحليلي، فضلً عن محتواها الأسطوري. فسردية الارتباط الوثيق بين الهيمنة والانفتاح الاقتصادي، فككتها الباحثة مستعينةً بتحقيق ستيفن كراسنر النظري الذي أثبت عدم تطابقهما خلال ثلاث فترات متتالية؛ عام 1951 في الولايات المتحدة، حيث فُرضت حصص الاستيراد على المنتجات الزراعية الجديدة، وأصبحت قطاعات كبيرة من الصناعة والزراعة محمية بالتعريفات عام 1953 بعد تسنم أيزنهاور هرم السلطة، بل شملت اتفاقيات التجارة، في كثير من الأحيان، إعلانًا مفاده أن مشروع القانون لا يعني الموافقة على الاتفاقية العامّة للتعريفات والتجارة9. وقد باشر أشاريا، متبعًا الطريقة نفسها ومؤيّدًا لصحّتها، انتقاده لسرديّات "النظام العالمي الليبرالي"، بدءًا بمصطلحاته المتداولة، كالنظام الأطلسي، وتجمع الديمقراطيات، والعالم الحر، وغيرها المناقضة لبعضها؛ كونها لم تقدّم إشارة واضحة بشأن الامتداد الجغرافي بالنسبة إلى من ينتمي إلى هذا النظام أو العضوية فيه. فالعالم الأطلسي، مثل، يستثني جغرافيًا كلً من أستراليا ونيوزيلاندا، و"العالم الحر" المشحون أيديولوجيًا استخدم أداة للدعاية الغربية في أثناء الحرب الباردة10.
إن الفكرة الرئيسة التي أراد أشاريا إيصالها إلى قارئ كتابه تكمن في الابتعاد عن الرؤية الأحادية للعالم التي تختصر تجارب الأمم التاريخية، وأفكارها وممارساتها، في قالب واحد، وتحجب مساهماتها السابقة والحالية والمستقبلية؛ حتى في إطار الأفكار والأعراف الليبرالية. وهذه الرؤية المستندة إلى تعددية مصادر المعايير الليبرالية وتفسيراتها من شأنها أن تمنح باقي الفواعل غير الليبرالية فضاءً أوسع، وشعورًا بملكية النظام الذي تعيش فيه، وهو ما يمكنها من التلاؤم ومعاييره، بل إنه يساعدها على تطويرها، فقد جادل أشاريا بأن الدول النامية ساهمت فعلً في تطوير معايير وأنماط حَوكمية عالمية، مستندًا إلى مجموعة من الأبحاث قُدمت في هذا الإطار؛ كأعمال سيكينك كاثرين التي جادلت بدور دول أميركا اللاتينية المؤسس لمعايير حقوق الإنسان بسبب تطويرها أحد أكثر الصيغ القانونية قوة لمبدأ عدم التدخل، و"إعلانها الأميركي الخاص بحقوق الإنسان وواجباته" الصادر عن منظمة الدول الأميركية، في نيسان/ أبريل 1948، قبل أشهر من اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان11. أما الباحث إيريك هيلينر، فأوضح المساهمات المهمة لدول أميركا اللاتينية، ودول أوروبا الشرقية، إضافة إلى الصين والهند، في إنشاء المؤسسات الاقتصادية العالمية ودعمها، في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، بما فيها مساهمات بريتون وودز، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي12. وقد واصل أشاريا إشاراته إلى المساهمات غير الغربية في مجال التنمية والسلام العالمي؛ كنموذج غرامين للتمويل الصغير، وتنمية المجتمع المخالف للممارسات المصرفية التقليدية الذي طوره أستاذ الاقتصاد البنغالي محمد يونس، وأفكار التنمية البشرية والأمن البشري التي طورها الاقتصادي الباكستاني محبوب الحق والاقتصادي الهندي أمارتيا صن، والتي كانت بمنزلة نقد لاذع لليبرالية الاقتصادية المستندة في تقييمها للتنمية إلى ناتج الدول المحلي ونموذج "الأمن القومي" الذي روجت له الأكاديمية الأميركية كذلك13. إن سردية الدور الحميد ل "النظام العالمي الليبرالي"، وللولايات المتحدة، اعتبرها أشاريا مبالغًا فيها لعدة أسباب. فممارسات الولايات المتحدة غير الليبرالية التي ميزت "الحرب الأميركية على الإرهاب"، وغزوها لأفغانستان والعراق، كانت من بين المؤشرات الواضحة الدالة على تبديد أسطورة ارتباطها بالقيم الليبرالية وباقي الدول التي أضفت الطابع المؤسسي على حقوق الإنسان كدعامة للنظام العالمي. وعلى الرغم من أن أشاريا لم ينكر المساهمة الإيجابية للمعايير الليبرالية، كالاعتمادية المتبادلة والمؤسسات والديمقراطية في تحقيق السلام، فإنه أكد ضرورة الاعتراف بعدم كفايتها14. أما الباحثان إدوارد مانسفيلد وجاك سنايدر، فقد فنَّدا في أعمالهما الفكرة الراسخة في العلاقات الدولية التي مفادها أن "الديمقراطيات لا يقاتل بعضها بعضًا"؛ واستدلَّ بما حدث في يوغوسلافيا السابقة وإندونيسيا على أن التحول نحو الديمقراطية يمكن أن يزيد من خطر الاضطراب الداخلي، ومن الحروب بين الدول؛ على الأقل في الأمد القصير15. كما أن المؤسسات المتعددة الأطراف تعرّضت، أيضًا، لإساءة الاستخدام من طرف القوى الكبرى وتحالفات القوى الصغرى، وما حال الأزمتين الليبية والسورية إلّ مثال صارخ لهذا التلاعب. وبالنسبة إلى الصعود الصيني، والدول الصاعدة الأخرى، ممثلة في البريكس BRICS، ومجموعة العشرين G20، رأى إكنبري أن التحول الحاصل ليس انتقالً من نظام هَيمني أميركي إلى آخر صيني، بل هو انتشار تدريجي للسلطة، بعيدًا عن الغرب16. فالنظام العالمي الليبرالي كافأ هذه الدول بسبب انفتاحها الاقتصادي وتبنّيها نموذجًا تنمويًا قائمًا على التجارة الخارجية، بقدر ما قيَّد نفوذها وحدَّ من نزعتها العدائية بسبب آلياته ومؤسساته. وعلى سبيل المثال، مُنحت الصين من خلال عضويتها الدائمة في مجلس الأمن صوتًا مساويًا، وفرصًا للقيادة العالمية، إلى جانب القوى العالمية الأخرى، كما أنها لا تزال تدرك حاجتها إلى النظام الاقتصادي المفتوح الذي انخرطت فيه؛ وليس ذلك لاستمرارية تيسيره ولوج اقتصادها إلى أسواق العالم فقط، بل لتوفيره أيضًا آليات لتسوية النزاعات في حال تعرضها لإجراءات تمييزية أو حمائية من دول أخرى، وهذه حال الاقتصاديات الناشئة17. إن هذه الحجة هي الحجة نفسها التي ذهب إليها راندل شولر وشياو يو بو؛ إذ جادلا بأن الصين تمارس "المقاومة الحَقانية" التي تعني ضمنيًا قبول الفواعل الضعيفة لشرعية المهيمن وسعيها لاغتنام فرص النمو وتحدي الظلم الواقع عليها من ناحية أخرى. فسعي الصين لتوسيع اقتصادها، وزيادة نفوذها وهيبتها السياسية، وتعزيز وضعها، بوصفها لاعبًا سياسيًا في النظام العالمي الحالي، مع تجنبها ما من شأنه أن يكون تحديًا مباشرًا للهيمنة الأميركية، واعتمادها تقنيات العمل الإقليمي والمؤسسي المتعدد الأطراف، ودفاعها عن هذه التقنيات، كل ذلك يقع في سياق مشاركتها النشطة في النظام القائم، بدلً من مواجهته18. لقد وافق أشاريا هذا الطرح بسبب عدم كفاية قدرة هذه الدول الاستعراضية للقوّة ومحدودية قدرتها الترويجية والجاذبة لأيديولوجياتها،
فضلً عن صراعاتها العديدة مع دول جوارها؛ كالتوتر بين الصين والهند بسبب النزاع الحدودي في منطقة دوكلام، ومعارضة الصين محاولة الهند الانضمام إلى مجموعة مورّدي المواد النووية، وإحباطها إدراج مسعود أزهر، زعيم تنظيم "جيش محمد" المعادي للهند، ضمن قائمة مجلس الأمن السوداء، وفي المقابل تُعارض الهند المبادرةَ الصينية "حزام واحد طريق واحد"، وهي كلّها مؤشرات تدل على أن أقوى دولتين صاعدتين لا تملكان رؤية مشتركة للنظام العالمي19. وعلى الرغم من ذلك، فإن انخراط إحدى هذه الدول في مؤسسات هذا النظام وقواعده، بحسب ما رأى ماركوس تورينو، لا يعني قبولها بالهيمنة الأميركية عليه؛ لأنها لا تزال رافضةً ومقاومةً لممارسات الهيمنة المصاحبة له، كالبرازيل مثل20. وبحسب أشاريا، ستظل الدول الصاعدة مُرتابة في أي مخطط جديد قد تضعه الدول الغربية للحفاظ على النظام القائم، وستطالب بمزيد من الإصلاحات على مستوى المؤسسات الدولية؛ لعلها تُ نح صوتًا أعلى فتكون أقدر على التأثير. وهذه الملاحظة نفسها قدمتها كريستين هوبويل التي اعتبرت أن صعود دول البريكس ليس وهمً، وأنها أصبحت قوة سياسية مهمة في نظام الحوكمة الاقتصادية العالمي؛ لأنها أظهرت درجة ملحوظة من الوحدة والتعاون، والعمل بتناغم تامٍّ، ونجحت في تحدي الهيمنة الأميركية. وما جولة الدوحة، عام 2001، إلّ مثال بارز على عرقلة هذه الدول لإحدى المؤسسات التقليدية الأساسية في النظام الاقتصادي الليبرالي21.
النظام العالمي في نسخته الليبرالية: بين الاستمرار والأفول
بناءً على ما تقدم، نجد أن "النظام العالمي الليبرالي" في طريقه إلى الأفول، بغض النظر عن قوة الولايات المتحدة، أو ضعفها، فهو يعاني تأزمًا مهما تعددت تسميات الأزمة؛ "أزمة سلطة" كما سمّ ها إكنبري، أي عجز الولايات المتحدة عن قيادة العالم بمفردها، أو "أزمة صدقية" بحسب رأي أشاريا. إذًا، ما المستقبل الذي ينتظر العالم؟ أهو الأفول التام أم الجزئي؟ وهل ثمة إمكانية لظهور بديل؟ يرى إكنبري أن النظام الليبرالي، حتى إن تعرض لأزمات متتالية، يملك آليات ذاتية المنشأ تحفز دوله وتمنحها فرصًا للاندماج في ميادينه السياسية والاقتصادية الأساسية، تحقيقًا لمصالحها؛ ومن ثم تَضمن بقاءه واستمراريته22. فالدول الليبرالية ستمكِّن من ظهور "النظام الليبرالي ما بعد الهيمني"، نسخةً ثالثة من "الليبرالية الأممية"، بعد نسختها الثانية في عهد فرانكلين روزفلت، ونسختها الأولى في عهد وودرو ويلسون، في حال تمكّنها من تجاوز أخطائها السابقة، واعتمادها "التوسع" منطقًا لعملها الدولي، سواء كان توسعًا من حيث الفواعل غير الغربية التي يجب إشراكها في هياكل الحوْكمة العالمية، أو توسيعًا للسيادة "الويستفالية" بسبب عقيدة "مسؤولية الحماية"، إضافة إلى اعتمادها أنظمة أمنية واقتصادية، تترابط وتتداخل على نحو متزايد23. من جانب آخر، رأى أشاريا أنه لن يكون النظام العالمي الناشئ نسخة مستحدثة من العالم الليبرالي، ولا عالَمً متعدد الأقطاب، بل سيكون "النظام العالمي التعددي" Order World Multiplex الذي يختلف عن سابقيه بكونه عالمًا يتسم بالتنوع الثقافي والسياسي، وبالاعتمادية المتبادلة الكبيرة بين فواعله، كما أن التركيز فيه لن يكون على عدد القوى الكبرى وقدراتها المادية، بل على طبيعة تفاعلها. فهو عبارة عن عالم لامركزي حيث لا دولة واحدة مهيمنة عليه، بل مستويات متعددة متداخلة من الحوكمة العالمية والإقليمية والمحلية24. إن النظام التعددي سيحتفظ بخصائص النظام الليبرالي، لكن الاختلاف يكمن في الحضور الموازي لفلسفة "الليبرالية الأممية" وللغرب من حيث هو كتلة جيوسياسية وباقي فلسفات العالم ودوله التي لكل منها مقاربة مغايرة للأفكار والنُهُج التي تُدار بها قواعد النظام العالمي ومؤسساته. وسيكون هذا النظام كذلك أشد تركيزًا على ظاهرة "الإقليمية" التي أصبحت، بعد التغييرات المفاهيمية والنظرية الكبيرة التي أحدثت لإطارها المعرفي، عاملً مهمً في تشكيل العلاقات السلمية بين دول الإقليم، وفي تحديد الدور والتأثير الإقليميين والعالميين للدول25. إن التصور الذي قدمه أشاريا للنظام العالمي يعتبر امتدادًا لمشروعه الأوسع في الحقل الدولي. فالأساس لتقديم أي فهم معياري للنظام العالمي يكمن، بحسبه، في شرعيته المرتكزة على التمثيل والمشاركة؛ أي المدى الذي يشمل فيه النظام الجزء الأوسع من المنظومة العالمية، وما إذا كان لا يتمتع بدعم القوى القائمة فيه ومشاركتها فقط، بل باقي الفواعل أيضًا، سواء الضعيفة أو الجديدة أو الصاعدة إقليميًا، المالكة فهمً مختلفًا لما يشكل نظامًا عالميًا مشروعًا وفعّال26. النظام العالمي التعددي ما هو، إذًا، إلّ استعارة من تعددية الوكلاء Agency في عملية هيكلة النظام العالمي، وهذه التعددية تعتبر جوهر فكرة "العلاقات الدولية العالمية الناشئةIR" Global، بوصفها دعوة نظرية للباحثين من عالم الجنوب إلى توسيع مشاركتهم في
حقل العلاقات الدولية27؛ لذلك، فإن فهمنا العميق للعالم التعددي، وللعلاقات الدولية العالمية، يتطلب منّا بحثًا في مدى إمكانية القدرات المادية والتصورية والتفاعلية لمختلف الفواعل، سواء الدول أو غيرها، بخصوص التأثير المتعلق بممارساتها، والتي يمكن أن تكون إنشاءً، أو رفضًا، أو مقاومة، أو إعادة تشكيل للأنظمة الإقليمية والعالمية. ففي السياق الصيني، استنادًا إلى بعض المفاهيم المتجذرة في الفلسفة الكونفشيوسية والتاريخ الإمبراطوري الصيني؛ كمفهومي "الجميع تحت السماء" Tianxia، و"نظام الروافد" system Tributary، قدم الباحثون الصينيون فهمً مغايرًا للنظام العالمي، يقر بحقيقة العلاقات الاجتماعية غير المتكافئة، كالتي بين الأب وأبنائه؛ فهي غير متكافئة، لكنها حميدة وليست كنظام "ويستفاليا" الذي يساوي بين الدول مقابل وضعها في تنافس وصراع. إن الطريقة الصينية التقليدية للحكم التي اصطلح عليها العالم الصيني فانغ لي تشي Lizhi Fang، هي الحكم استنادًا إلى الأحكام الأخلاقية، والتي ارتكزت على العلاقات الخمس (بين الأب والابن، والإمبراطور والوزير، والأخ الأكبر والأصغر، والزوج والزوجة، والصديق وصديقه)، وعلى الأواصر الاجتماعية الأربع (الأدب والاستقامة والصراحة والإحساس بالخجل)28. فالنظام العالمي، وفقًا لذلك، هَرَمي، تقع مسؤولية الحفاظ عليه على عاتق دولة هَيْمَنية حميدة تديره لصالح الجميع الواقعين تحت السماء، حتى أولئك الذين لا تتوافق ثقافاتهم والكونفوشية، وسيكون ارتقاء الصين تقديرًا لإنجازاتها الثقافية، وتفوقها المعترف به، وليس بسبب حجمها الكبير، أو قوتها العسكرية، أو الاقتصادية29. ومن جانبهم، قدّم الباحثون الهنود تصورًا بديلً للنظام العالمي في خ ضم إجابتهم عن إشكالية: كيف يمكن لمفهوم "الوحدوية الأدفايتية"30 monism Advaitic، بوصفه مصدرًا إبستيمولوجيًا محتملً، أن يمهد الطريق لبناء نظرية دولية ما بعد غربية؟ إن الفهم الوحدوي ل "الأدفايتا" ينطلق من تصور الكوكب بأكمله، باعتباره حقيقة واحدة مرتبطة مسبقًا؛ حيث الأهمية الوجودية المتساوية لكل من الدولة والعالم. وبالنظر إلى هذا الوضع الأنطولوجي المتكافئ، فإن مسألة إعطاء الأولوية لكيان أنطولوجي معيّ، باعتباره وحدة التحليل الأساسية، يبقى مسألة اختيار ذي دوافع سياسية31. إن الافتراضات المنهجية البديلة للوحدوية الأدفايتية تفيد أن مكونات الكوكب (الأفراد والدول والطبقات والمجتمعات والثقافات والشعوب والإيكولوجيا) هي حقائق فرعية متنوعة، متضَ منة في الحقيقة العالمية النهائية، وأن الإدراك الفكري ل "ترابط هذه المكونات" يمكن أن يدفعنا إلى إعادة تفسير تنوع الهويات السياسية القائمة فيه، ومن ثم سيسمح بخلق مجال أخلاقي جديد لإدانة السياسات المحلية والدولية المثيرة للانقسام32. وفي موضوع النظام العالمي، حاججت الباحثة الهندية مِدْها بيشت، بوجود تصور متقدم للنظام، يمكن استخلاصه من وظائف الدولة الداخلية والخارجية المذكورة في المدونة الهندية القديمة أرتاشاسترا Arthaśāstra التي اعتاد الواقعيون تقديمها بوصفها أحد روافدهم الفكرية. ففي الداخل يجب على الدولة، ممثلة بالملك، أن تحقق الإدارة العادلة كشرط أساسي ومسبق؛ ليس لاستقرارها وازدهارها فقط، بل لتراكم ثروتها، ثم توسعها أيضًا. أما خارجيًا، فقد استرشدت الباحثة بنظرية "الماندالا"33 التي قدمت تصورًا لكل مكون من مكونات النظام التي وضعها باحثو المدرسة الإنكليزية ل "المجتمع العالمي"، وهي: المؤسسات: تعني - بحسب أرتاشاسترا - "المبادئ الستة" التي تمثل دليل السياسة الخارجية للدول، وهي: زيادة القوة، والنفوذ، والتفوق الدبلوماسي على العدو، وتشكيل الحلفاء، والحرب ملاذًا أخيرًا. أما المبدأ السادس الذي ركزت أرتاشاسترا عليه، فهو أهمية اتباع الدولة السلوكيات العادلة، واتفاقيات السلام. وقد لخص باتريك أوليفيل هذه المبادئ تحت مسمى "الأنماط المجنبة للحرب والمسهلة للسلام"34؛ إذ يرى أن الحرب والسلم إستراتيجيات سياسية لا تعني حرفيًا المعنى الموضوع لهما، بل تعني المبادئ العملية لتنفيذ السياسة الخارجية، وهي نوع من إستراتيجيات إضعاف الخصم؛ من خلال القدرة على مقاومة هجماته، وتدمير مصادر دخله. وهذه الإستراتيجيات هي مؤشر دال على مأسسة النظام عالميًا لتجنب الفوضوية. الوكلاء والبنى: منحت أرتاشاسترا مكانة خاصة للدولة، ولمدى اتباعها السلوكيات السبع التي وُضعت أساسًا لتنفيذ قراراتها، وللحفاظ على مركزها المهيمن في دائرة الدول - الماندالا. وقواعد السلوك هذه مهمة؛ لأنها مؤشر لقياس مدى نجاح الدبلوماسية من خلال معرفة الهدف الذي تريد كل دولة تحقيقه، ويصنفها ضمن دائرة الماندالا، إما حليفًا وإما عدوًا وإما محايدًا35، فالعدالة، إذًا، من حيث هي القيام بالمهمات المنوطة، وفق
أرتاشاسترا الشروط المنصوص عليها في، تُعتبر العامل الرئيس في إضفاء المعنى على النظام، على المستويين الداخلي والعالمي36. وفي السياق الإسلامي، وجب في البداية توضيح أنه يوجد نوعان من الكتابات التي تناولت مسألة الربط بين الإسلام والعلاقات الدولية. فالنوع الأول حصر فيه غير المتخصصين في الحقل الدولي تركيزهم في دراسة القواعد المقننة لعلاقات المسلمين بغيرهم في زمن السلم والحرب، أو ما عُرف ب "دار السلم"، و"دار الحرب"، و"دار العهد." ومثل هذا التقسيم، فضلً عن كونه خاضعًا لواقع معيّ هو واقع القوّة زمن الفتوحات الإسلامية، وفضلً عن عدم مساءلة هؤلاء الباحثين لأسباب ظهوره، ومدى صلاحيته، ومدى الخلاف بين الأسانيد الشرعية لدُوره الثلاث37، هو تقسيم يقلّل من أيّ إمكانية لإجراء حوار حقيقي وباقي الحضارات. أما النوع الثاني، فهو متعلق بمحاولة المتخصصين تطوير نظرية إسلامية للعلاقات الدولية عبر عدة مستويات، هي: التقديم لأصول التعامل مع المصادر الإسلامية وقواعده ومناهجه عند التنظير للعلاقات الدولية، وتقديم إمكانية معرفية لاستنباط العلاقات الدولية، سواء من الأصول الإسلامية التقليدية، كالقرآن والسُنة وخبرة الخلفاء الراشدين، أو المستمدة من التجربة التاريخية للمسلمين، أو المستمدة من الفكر السياسي الإسلامي38. هذه الأبحاث، على أهميتها وقدرتها العالية على التعامل النقدي مع المحطات الفكرية المختلفة التي مر بها الحقل، اكتفت بطرح الأسئلة أكثر من تقديم البدائل النظرية والمفاهيمية التي يمكن استخدامها لردم الفجوة الحاصلة لحظة التخلي الإبستيمولوجي عن المفاهيم الغربية للعلاقات الدولية. فعلى الرغم من اعتراف هذه الأبحاث بأن ولوجها إلى الحقل سببه انفتاح الحقل نفسه على دراسة القوة التفسيرية للمعايير والقيم والدين، في تحليل سلوك الدول والعلاقات بينها، فإنها لم تتمكن من تقديم فهم ديني - سياسي جديد للدولة، يتجاوز البعد العَقَدي الذي اعتاد الباحثون اعتماده أساسًا للتقسيم، ولم تتمكن من الموازنة بين المعايير والقيم المستمدة من التراث التاريخي والديني، والمصالح والتفاعلات الحالية للشعوب الإسلامية في علاقاتهم بغيرهم. لذلك، يمكن أن تركز النظرية الإسلامية للعلاقات الدولية (في حالة اختيار الدين معيارًا للنظرية) على البعد المعياري؛ بالنظر إلى امتلاك الإسلام، بوصفه بديلً دينيًا وأخلاقيًا وحضاريًا، فهمً مغايرًا لمصدر الحقيقة الدولية؛ كما فعل علي أكبر علي دخاني بتقديمه ثلاث بنى مستقاة مباشرة من القرآن والسنة النبوية يمكنها أن تكون حاكمة للعلاقات بين الأمم والدول: المعرفية - الإبستيمولوجية: أي الأسس المعرفية والإدراكية للقادة والأنظمة السياسية المشكِّلة لقوام صنع السياسة دوليًا، وهي تبني موقف محترم تجاه البشر، والاعتراف بتعددية الأديان واقعًا، وأصالة الإرادة الحرة، والاختيار الحر للبشر. العقلانية - الأخلاقية: أي القواعد السلوكية التي تتأسس الأنظمة الاجتماعية بموجبها، وتتمّ المحافظة عليها؛ وهي التعايش السلمي، وتجنب العنف، والالتزام بالمبادئ الأخلاقية. العملية والسلوكية: تُعنى بالأساليب التي يجب على الدول اتباعها في تفاعلها مع الدول الأخرى. وتتلخص في تعزيز الحوار، وأهمية الالتزام بالاتفاقات والمعاهدات، وبالعدالة آليةً عملية، والاعتراف بحقوق الأطراف المتنازعة، وتأكيد الإطار الأخلاقي للانتقام، وتعزيز القوات المسلحة لأغراض وقائية39.
ملاحظات ختامية
مما تقدم، يمكن القول إن "النظام العالمي"، باعتباره مبادئ وتوجيهات ناظِمة لكل الفواعل في العالم لتحقيق غايات وأهداف معيارية معينة، لا يمكن أن تعرّفه وتفرض تطبيقه فواعل بعينها على البقية؛ ذلك أن إصرار أنصار الليبرالية الأممية على رفضهم أي بديل لنموذجهم الليبرالي، قابله إصرار التعدديين على تقصي أي بديل معرفي أو ممارساتي يفضي إلى تحدي خ طَاب "المهَيْمِن"، حتى إن تطلب الأمر توجههم المعرفي نحو آسيا التي لم تعُد موقع التركز العالمي للقوة والثروة فقط، بل باتت بديلً محتملً لتطوير صيغ تعددية للحقل الدولي أيضًا. إذًا، هل هي حقًا نهاية النظام العالمي الليبرالي؟ هذه إشكالية لا يمكن أن تجد لها إجابة واحدة؛ لأن الرؤى المتعددة حولها - كما حاولت هذه المراجعة تقديمها - تقع، في أصلها، في صلب النقاشات في حالة التأزم التي وصل إليها الحقل الدولي، ولا سيما مسألة عدم توافق مصادر التنظير فيه والمواضيع العالمية المختلفة التي لم يعُد في الإمكان مقاربتها بالمفاهيم التي أنتجتها مرحلة ما بعد الحداثة الغربية؛ لذلك فإن السؤال الذي طرحه مارتن وايت، منذ أكثر من أربعين عامًا: "لماذا لا توجد نظرية دولية؟" سيظل يتردد في أذهان باحثي الحقل وكتاباتهم، في محاولة استفزازية لهم لتطويره الدائم؛ تماشيًا والحقائق العالمية - الدولية المتغيرة، حتى إن تغيرت صيغة السؤال وصارت: "لماذا لا توجد نظرية دولية غير غربية؟"، وهي الصيغة التي طرحها كل من أشاريا وباري بيوزان مرتين، عامَي 2007 و.2017
المراجع
العربية
أبو أتلة، خديجة. الإسلام والعلاقات الدولية في السلم والحرب. القاهرة: دار المعارف،.1983 العلاقات الدولية في الإس ماا. ب الزحيلي، وهبة. وررت: مؤسسة الرسالة،.1981 العلاقات الدولية في الإسلام مصطفى، نادية محمود.. ج 1. المقدمة العامة للمشروع. القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي،.1996
الأجنبية
Abdelkader, Deina, Nassef Manabilang Adiong & Raffaele Mauriello (eds.). Islam and International Relations Contributions to Theory and Practice. UK: Palgrave Macmillan, 2016. Acharya, Amitav & Barry Buzan (eds.). Non-Western International Relations Theory Perspectives on and beyond Asia. England: Routledge, 2010. Acharya, Amitav. "After Liberal Hegemony: The Advent of a Multiplex World Order." Ethics & International Affairs. vol. 31. no. 3 (2017). ________. "Global International Relations (IR) and Regional Worlds: A New Agenda for International Studies." International Studies Quarterly. vol. 58. no. 4 ________. Constructing Global Order Agency and Change in World Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2018. ________. The End of American World Order. 2nd ed. UK: Polity, 2018. Bisht, Medha. "The Concept of 'Order' in Arthashastra: Re-engaging the Text." South Asian Survey. vol. 21. no. Dreyer, June Teufel. "The 'Tianxia Trope': Will China Change the International System?" Journal of Contemporary China. vol. 24. no. 96 (2015).
Grunberg, Isabelle. "Exploring the 'Myth' of Hegemonic Stability." International Organization. vol. 44. no. 4 (Autumn 1990).
Helleiner, Eric. Forgotten Foundations of Bretton Woods: International Development and the Making of the Post war Order. New York: Cornell University Press, 2014. Hopewell, Kristen. Breaking the WTO: How Emerging Powers Disrupted the Neoliberal Project. Stanford: Stanford University Press, 2016. Ikenberry, G. John. "Liberal Internationalism 3.0: America and the Dilemmas of Liberal World Order." Perspectives on Politics. vol. 7. no. 1 (March 2009). ________. "The end of liberal international order?" International Affairs. vol. 94. no. 1 (January 2018). ________. "The Rise of China and the Future of the West: Can the Liberal System Survive?" Foreign Affairs. vol. 87. no. 1 (January-February 2008). ________. "Why the Liberal World Order Will Survive." Ethics & International Affairs. vol. 32. Special Issue. no. 1. Rising Powers and the International Order (Spring 2018). ________. Liberal Leviathan: The Origins, Crisis, and Transformation of the American World Order. Princeton University Press, 2011. Joffe, Josef. The Myth of America's Decline: Politics, Economics, and a Half Century of False Prophecies. New York: Liveright, 2014. Mansfield, Edward & Jack Snyder. "Democratization and the Danger of War." International Security. vol. 20. no.1 (Summer 1995). Schweller, Randall L. & Xiaoyu Pu. "After Unipolarity: China's Visions of International Order in an Era of U.S. Decline." International Security. vol. 36. no.1 (Summer 2011). Shahi, Deepshikha & Gennaro Ascione. "Rethinking the Absence of Post-Western International Relations Theory in India: 'Advaitic monism' as an Alternative Epistemological Resource." European Journal of International Relations , vol. 1. no. 22 (2015). Sikkink, Kathryn. "Latin American Countries as Norm Protagonists of the Idea of International Human Rights." Global Governance. vol. 20. no. 3 (2014).