المؤسسة العسكرية في ميزان الثورتين التونسية والليبية

العربي العربي | Larbi Larbi

الملخّص

أدّت المؤسسة العسكرية دورًا محوريا في صنع المسار السياسي وتوجّهات النخبة وصناعتها للقرار في الدول العربية ومنها الدول المغاربية، سواء من خلال الحركات التحريرية إبان الحقبة الاستعمارية، أم في فترة ما بعد الاستقلال، حيث أخذت زمام الأمور بنواصيها وجمعت بين الأنماط المختلفة من خ لاا إستراتيجيات غلب عليها طابع النسق الأمني والإكراه العسكري ومقاربات الأمن الخشن. تروم هذه الدراسة تسليط الضوء على دور المؤسسة العسكرية والأمنية عقب أحداث "الربيع العربي" التي عرفتها تونس وليبيا من خ لاا وضعها في سياق الأحداث، وإبراز إيجابيات تفاعلاتها وسلبياتها تجاه العلاقات المدنية - العسكرية، وتفكيك رموز الاستملاك والاستعمال الوظيفي لجدلية العلاقة بين الجيش والسلطة، وموقفها من مقاربات التحول والانتقال الديمقراطي في المنطقة المغاربية. كلمات مفتاحية: المؤسسة العسكرية، تونس، ليبيا، الانتقال الديمقراطي، الأمن الخشن. The military establishment played a pivotal role in shaping the political path of the elite and their decisions in the Arab countries, including the Arab Maghreb, whether through liberation movements under colonialism or in the post- independence era. They took control and combined different models through strategies predominantly concerned with security, military coercion and hard security approaches. This study explores the role of the security and military establishment following the events of the Arab spring in Tunisia and Libya. It highlights the positive and negative impact of their interactions on civil-military relations and deconstructs symbols of acquisition and functional use of the relationship between the military and the authority, and its position on approaches to transformation and democratic transition in the Maghreb region Keywords:  Military Establishment, Tunisia, Libya, Democratic Transition, Hard Security.

The Military Establishment in the Balance of the Libyan and Tunisian Revolutions

مقدمة

تعدّ المؤسسة العسكرية إحدى مؤسسات الدولة الحديثة وليست جهازًا تحت إِمرة السلطة. ويكمن دورها في إعادة الضبط المدني في حالة اختلاله وانخفاضه، حفاظًا على الأمن بمستوييه الداخلي والخارجي، وإعادة التوازن إلى الحياة السياسية بين مختلف المتغيرات المكوّنة نسيجها، وتفادي الصدامات التي تؤدي إلى انهيار المؤسسات، وزوال الدولة وأركانها. كان للمؤسسة العسكرية في الدول العربية دورٌ محوري في استرجاع هذه الدول استقلالها من خلال محاربتها الوجود الاستعماري، ما جعل رصيدها معبأً بشرعيةٍ جعلتها تتربع على السلطة السياسية وتُوظِّفها لمصلحتها فترة زمنية امتدَّت عقودًا، بل كانت حافزًا لظاهرة الانقلابات التي انتشرت كالفِطر، وتحكَّمت في صنع القرار في غالبية الدول العربية، وإن كانت بأشكال مختلفة. برز هذا الدور مرةً أخرى في سلوك هذه المؤسسة من خلال ضبط أزمات الأمن الداخلي، ابتداءً من أواخر عام 2010 وبدايات عام 2011، تزامنًا مع ما عُرف ب "ثورات الربيع العربي" التي تميَّزت بخاصية الانتشار والمَدّ الجغرافي بدرجات متفاوتة، مُحدِثةً تغييرًا كبيرًا في المنطقة العربية من خلال إسقاطها الأنظمة السياسية، وهروب بعض رؤساء هذه الدول وزعمائها. إنّ تناول موضوع المؤسسة العسكرية وإدخالها إلى دائرة التداول والمناقشة، بعد أن كان موضوعًا ممنوعًا أو مسكوتًا عنه، يمثل صعيدًا جديدًا من صُعد الاهتمام بمسألة التحول الديمقراطي في الدول العربية؛ نظرًا إلى المؤشرات العلائقية بين هذا المشهد، وتطور دور المؤسسة العسكرية السياسي. وبناءً عليه، تحاول هذه الدراسة رصد الدور المحوري للمؤسسة العسكرية في تحريك مسار الثورتين التونسية والليبية، وموقع كُلٍّ منهما في رسم الخريطة العامة للمشهدين السياسي والأمني خلال الثورة وما تمخّض عنها، مع استشرافٍ لسيناريوهات المستقبل وموقع المؤسسة فيها. تدور إشكالية الدراسة حول الأسئلة التالية: عاشت تونس وليبيا حراكًا قويًّا أحدث ارتباكاتٍ أمنيةً زعزعت مؤسسات الدولة كلها، بل أدّت إلى انهيارها بالكامل في ليبيا، وأ ذْكت نيران التصادم بين أطيافها المتباينة. فما الإستراتيجية التي انتهجتها المؤسستان العسكريتان في تونس وليبيا في إدارة الأزمة لمصلحة الأمن والاستقرار؟ وما العوامل المتحكمة في هذا الدور؟ يخرج من رحم هذه الإشكالية تساؤلات فرعية أهمّها: ما طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية بالسلطة السياسية في تونس وليبيا قبل الأزمة؟ وما أثر ذلك في الارتباكات الأمنية بعد الأزمة؟ ما أوجه الاختلاف والتشابه بين أزمة الأمن الداخلي في تونس وليبيا، من حيث الطبيعة والنتائج؟ وما المتغير التفسيري لهذا التباين والاختلاف؟ • ما طبيعة العلاقة بين العسكري والسياسي قبل الأزمة وبعدها؟ ما التحدّيات التي واجهت كليهما بعد الثورة؟ وما إستراتيجيات المواجهة؟ أمّا أهداف الدراسة فهي: البحث في أسباب الحراك الذي عرفته تونس وليبيا، والنتائج المرتقبة لهذه الاهتزازات، ومحاولة استقراء انعكاساتها على المنطقة المغاربية على المديين القصير والمتوسط. إجراء مقارنة بين المؤسسة العسكرية في الدول الديمقراطية ونظيراتها في الدول المغاربية المعنية بالدراسة، قصد معرفة مكامن الاختلال وزوايا الانحراف؛ بهدف وصف العلاج والعمل على صلاحها وإعادتها إلى وضعها الطبيعي بوصفها مؤسسةً من مؤسسات الدولة الحديثة، وظيفتها الحفاظ على الاستقرار. الاعتماد على التحليل الواقعي، مع إبراز البعد الإستراتيجي والجيوسياسي لهاتين الوحدتين ووزنهما في الشمال الأفريقي، والمجال الحيوي المغاربي. أداء الوظيفة التراكمية في ميدان البحث العلمي عبر النتائج التي توصّلت إليها هذه الدراسة. أهمية الفصل بين دور المؤسسة العسكرية والنشاط السياسي. إعادة المؤسسة العسكرية إلى موقعها الطبيعي، وقيامها بالدور المنوط بها. كما تتطلع الدراسة إلى: العمل ع ىىانتفاء ال وررط المساعدة لحدوث الانقلابات العسكرية. تكثيف الجهد لتجسيد الدولة المدنية. إنجاح التحول الديمقراطي. تبحث هذه الدراسة تونس وليبيا، وذلك بالتركيز على المدة -2011 2015، مع التعرض لمُدَد زمنية قبلها لضرورة فهم الخلفية التاريخية. أما الفرضية الجوهرية، فهي إنه كلما زادت درجة الحياد السياسي للمؤسسة العسكرية، زادت فاعليتها في إدارة الأزمات الداخلية. والفرضيات الفرعية، هي:

كلما كان التنسيق بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية كبيرًا، كان الصدام بين السلطة العسكرية والسلطة السياسية مستَبعدًا. كلما كان التزام الدور المحدَّد للجيش دستوريًا مُحتْرَمًا، كان التحول الديمقراطي ناجحًا. أما منهج الدراسة فقد عملنا على توظيف جهاز مفاهيمي يعتمد على مصطلحات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، وتعدد في المناهج؛ بهدف توضيح الصورة والاقتراب من الحقائق الخفية في إشكالية هذه الدراسة. وتجلَّت هذه المناهج في المنهج التاريخي والمقارن ودراسة الحالة، والاقتراب المؤسساتي، مع العمل على اقتراب الاتصال وأهميته في التعامل مع المعلومة.

أولا: المؤسسة العسكرية بين النظم الديمقراطية والأنظمة العربية

11 المؤسسة العسكرية: تعريف ومفهوم

تعدُّ دراسة المؤسسات على اختلاف أنواعها أحد اهتمامات علم الاجتماع بفروعه المعاصرة. وبناءً عليه، فإنّ "المؤسسة هي مفهوم تصوري لأحد عناصر النظام الاجتماعي Institution Social بصفتها تحتوي على أجهزة عدة وأجزاء متساندة تقوم بوظائف داخل المجتمع"1. أمّا مفهوم المؤسسة العسكرية من وجهة نظر عسكرية فهو "مجموعة القوات المسلحة العسكرية الدائمة منها وشبه الدائمة، والقوات النظامية شبه العسكرية. تضم هذه المؤسسة قيادات ودوائر، ومديريات ومؤسسات، ومراكز وكليات عسكرية متنوعة، إلى جانب مصانع ومنشآت قد تكون عسكرية بحتة، أو مرتبطة بجهات مدنية. وتضم قوات برية وبحرية وجوية"2. إنّ مفهوم المؤسسة العسكرية بوصفها نسقًا في علاقتها بالبناء الاجتماعي من خلال تفاعل الأدوار ضمنَ البناءات الفرعية المرتبط بعضها ببعض بطريقة هرمية منظمة وتكامل في الأدوار الوظيفية، أصبغ عليها التماسك إلى درجة عالية. فغدت بناءًاجتماعيًا مميزًا، من خلال التدرج الهرمي أو التسلسل القيادي  Chain of command 3 القائم على الرتبة العسكرية والمنصب، وهو الذي حقَّق الفاعلية والانضباط في النسق العسكري. ضَ مِنَ هذا التسلسل وصول الأوامر إلى أدنى المستويات، مع قدرة القيادة المركزية الموحدة على السيطرة التامة من غير أيّ إشكال. وبإسقاط خصائص النظام البيروقراطي التي حدّدها ماكس فيبر على النسق العسكري، يتضح في جلاء أنّ التخصص الوظيفي العسكري هو أساس البناء البيروقراطي العسكري، وأنّ كل مؤسسة تؤدي وظائفها المحدّدة. يرى محمد طه بدوي4 أنّ الدولة الحديثة تنقسم إلى مؤسسات رسمية سياسية وأخرى غير سياسية، وهذا بحسب اختصاص كلٍ منها. ويؤكد موقع المؤسسة العسكرية بوصفها مؤسسةً رسميةً، لكنها غير سياسية؛ لقيامها بأدوارٍ دفاعية في تأمين الدولة من الأخطار التي تهدد استقرارها، سواء أكان على المستوى الداخلي أم الخارجي، فهي مؤسسة إدارية بحتة، دورها الأساسي إدارة الحروب من دون اتخاذها قرار الحرب5. ويرى فيبر أنّ البناء الديمقراطي لأي دولة يقتضي الفصل التام بين المؤسسة العسكرية والسياق السياسي التنافسي، وهو ما يعبَّ عنه بدرجة الضبط المدني فوق القوات المسلحة. إنّ عدم تدخّل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية للدولة، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، هو أحد مؤشرات قياس درجة الديمقراطية في الدولة. كما أنّ تدخّلها من دون الاستيلاء على السلطة هو إحدى تقنيات إدارة الأزمة.

جدلية العلاقة بين الجيش والسلطة في النظم الديمقراطية

تُعدُّ المؤسسة العسكرية في الأنظمة الديمقراطية، مؤسسةً سيادية على غرار المؤسسات الأخرى المنصوص عليها دستوريًا مثل البرلمان والقضاء ورئاسة الدولة. وتتمتع بالاستقلال والحياد تجاه النظام السياسي القائم. ما يجعل الساحة السياسية في هذه الدول لا تعرف الانقلابات العسكرية، أو تدخّل الجيش في الأنظمة السياسية والسيطرة عليها. يقتضي البناء الديمقراطي في الدول الغربية الفصل بين المؤسسة العسكرية ومجال التنافس السياسي، بل يفرض خضوع القيادة العسكرية للقيادة السياسية والرقابة البرلمانية والربط بين المجالين المدني والعسكري، من خلال وزارة الدفاع. قال صامويل هنتنغتون: "من المفروض أنّ القوات المسلحة موجودة خارج

  1. أشرف سليمان غابريال، علم الاجتماع العسكري: دور المؤسسة الرئاسية والعسكرية في تحقيق الأمن القومي (الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة، 2010)، ص.85
  2. المرجع نفسه.
  3. فؤاد الآغا، علم الاجتماع العسكري (عمان: دار أسامة للنشر والتوزيع، 2008)، ص.48
  4. النظرية السياسية: النظرية العامة للمعرفة السياسية محمد طه بدوي، (الإسكندرية: المكتب المصري الحديث، 1991)، ص.218
  5. المرجع نفسه.

نطاق السلطة المباشرة للزعماء السياسيين المدنيين[...]وإلّ فإن الجيش يستبدل الاستقلالية الوظيفية بالتأثير السياسي"6. لذلك، ظاهرة الانقلابات العسكرية، تكاد تكون منعدمةً في الأنظمة الديمقراطية، لأنّ الجيش يبقى بعيدًا من التجاذبات السياسية تجاوبًا مع العوامل التالية7: يتمثل العامل الأول بارتكاز المجال السياسي على قاعدة تحييد العنف من حقل الممارسة السياسية، وانتهاج السلوك السلمي في عمليات التغيير السياسي والاجتماعي من خلال العملية الانتخابية. ويتمثل العامل الثاني باحتكار الدولة العنف غير الثوري بحسب ماكس فيبر، وأنّ الجيش يترجم القوة التي تتوخّى الدفاع عن السيادة الوطنية، وسموّ القانون فيها. فالجيش هو المؤسسة الحارسة للبلاد. لكن، لا يعني هذا قطعًا الانفصال الصلب والحياد التام في استقلالية المؤسسة العسكرية عن المؤسسة السياسية في الدول الغربية8، إنما تبرز عاملَ تنافس اجتماعي وسياسي من خلال ممثليها وحلفائها بطريقة مباشرة. ولعلَّ المجمع العسكري في الولايات المتحدة الأميركية، ودوره في إعلان الحرب على العراق أبرز مثال على ذلك.

المؤسسة العسكرية بين النظري والممارسة في الواقع السياسي الغربي

منذ العهد اليوناني كان ينظر إلى المؤسسة العسكرية بعين الريبة والحذر؛ إذ قال مكيافيلي: "إنّ العسكري لا يمكنه أن يكون رجل صالحًا"9، أما فولتير فقال: "إنّها مظهر من مظاهر القوة الغاشمة، لكن في مظهر رشيد." في حين رأى صامويل آدم "أنّ الجيش دائمًا يُ ثّل خطرًا على حريات الشعوب"10. لكن، تغيرت نظرة الأكاديميين بعد الحرب العالمية الثانية تجاه المؤسسة العسكرية، وتمّت إعادة النظر في أحكامها القديمة حول علاقاتها بالمؤسسات المدنية، وعدّها مؤسسةً إلى جانب المؤسسات الأخرى. أشار الباحثون في علم السياسة إلى الأهمية العلمية والعملية للحيّز الفاصل بين الدولة والسلطة، وأهميتها في تحديد الأدوار والمسؤوليات لكل مؤسسة ووظائفها؛ تفاديًا للتداخل وشرعنة الهيمنة والسيطرة من خلال التمازج بين الوظائف والأدوار وصعوبة الفصل بينها. إنّ الدولة11 عنصر التنسيق الأساسي للمجتمع، وهي بمنزلة الكيان الأم الذي تتمازج وتتفاعل في داخله الكيانات السياسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية والثقافية، وتتكامل فيه مختلف نشاطات المجتمع. كما أنّها12 كيان مجرد ومتعالٍ عن مجال المنافسة؛ لأنّها تمثيل للإرادة والمصلحة العمومية، وتعبير عن السيادة عكس السلطة؛ فالسلطة هي تعبير عن توازن سياسي لا عن إجماع، وعن برنامج مُصوَّت له، مقارنةً ببرامج أخرى. تتغير السلطة بتغير ميزان القوى والخيارات السياسية، أما الدولة فلا تتغير، ولا تتغير ثوابتها؛ لأنّها محطّ إجماع، ولا تقبل الانتهاك، أما السلطة فتتحرك في دائرة الممكن السياسي. إنّ الدولة لا يمكنها التخلّ عن سيادة أراضيها وسيادة رعاياها؛ لأنّها تقع في دائرة الواجب السياسي؛ فالمعارضة في الدول الغربية، تكون للسلطة وليس للدولة. أمّا الجيش في الدول الغربية، فحيادي حياد الدولة، لا يتدخل في الصراعات ولا ينتصر لجهة معينة. لا يتدخل في صنع القرار، ولا إدارة السلطة؛ لأنّ المجتمع لا يحتاج إلى تدخّله في الصراع السياسي بهدف تحقيق الاستقرار؛ إذ ترفض الدول الديمقراطية في الغرب الانقلابات العسكرية. والسياسة في عرفهم لعبة مدنية خالصة، ومجال مفتوح يتنافس فيه المواطنون، محتكمين للدستور والقانون. ويفصل القضاء بين المنازعات، والجيش بوصفه مؤسسة لا يتجاوز الصلاحيات المخوّلة له دستوريًا، وهو حفظ كيان الدولة من الأخطار الخارجية التي تهدِّده. ولا يمكنه نقل جنوده إلى الداخل إلّ في حالات نادرة، أو الانتقال من حدود الدولة إلى حدود السلطة. ساعد في ترسيخ هذا الدور للجيش وجود حقيقتين سياسيتين في العرف السياسي الغربي13: أولاهما أنّ مجال المنافسة والسياسة، مستقل عن مجال السيادة. وثانيتهما، أنّ العنف ليس وسيلةً من وسائل التغيير. فالمجال الأول هو تعبير عن المصالح المختلفة، والتباين في إستراتيجيات تجسيدها اعتمادًا على المشاركة والتمثيل والرقابة.

  1. النظام السياسي لمجتمعات متغيرة صامويل هنتنغتون،، ترجمة سمية فلو عبود (بيروت: دار الساقي، 1993)، ص.281
  2. Robert Dahl, De la démocratie (Paris: Nouveau horizon, 1999), p. 75.
  3. هيفاء رشيد حسن، "الدور السياسي للمؤسسة العسكرية، المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نموذجًا " مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية،، جامعة كركوك/ كلية القانون والعلوم السياسية، مج 4، العدد 13 2015()، ص 389، شوهد في 2019/3/27، في: http://bit.ly/2Yt91Fl
  4. Gerassimos Karabelias, Civil-Military Relations: A Comparative Analysis of the Role of the Military in the Political Transformation of Post-War Turkey
  5. 13 المرجع نفسه، ص.18
  6. حسن أبشر الطيب، الدولة العصرية دولة مؤسسات (القاهرة: الدار الثقافية للنشر، 2000)، ص.40 12 الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي أحمد ولد داداه وآخرون، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص.17
  7. and Greece 1980-1995 , Final Report, North Atlantic Treaty Organization (NATO), (January 1998), p. 7.
  8. 10  Ibid.

أمّا مجال السيادة، فليس مجالً للمنافسة، إنما هو مجال للإجماع عليه، وفيه تفويض الشعب لرئيس الدولة، وتفويض الجيش بالدفاع عن السيادة، والتزام الوظيفة الدستورية والحفاظ على السيادة الوطنية. أما العنصر الثاني، فتحييد العنف من الحياة السياسية؛ إذ الدولة بحسب ماكس فيبر هي الوحيدة التي تحتكر العنف المشروع، في مقابل العنف غير المشروع (الميليشيات والعنف الأهلي.) أما العنف المشروع، فهو حصرًا للدفاع عن الحدود والسيادة حتى تحظى بتقدير المجتمع المدني. وترتكز التنشئة السياسية على ضرورة الفصل بين التغيير السياسي بالقوة والعنف؛ لأنّ الأنظمة الديمقراطية ليست في حاجة إلى العنف من أجل إنجاز التغيير؛ لأنّه مكفول بوسائط سلمية من خلال آلية الاقتراع الحر النزيه؛ إذ لا تحتاج الأحزاب إلى جيش من أجل الوصول إلى السلطة، ولا يحتاج الجيش إلى أحزاب سياسية ليكسب الشرعية؛ لأنّها مكفولة من المجتمع ما دام بعيدًا من لعبة السياسة والسلطة.

ثانيًا: زوايا الاستملاك والاستعمال الوظيفي للمؤسسة العسكرية في الدول العربية

تقوم علاقة الجيش بالسلطة في الدول العربية على ثلاثة أشكال، يمكننا تفصيلها على النحو التالي14: جيش السلطة: هو جيش للسلطة وليس جيشًا للدولة، ويعاين ذلك من خلال: الزاوية الاستعمالاتية والوظيفية: أداة في يد النخبة والنظام السياسي، تُستخدم من أجل قمع المجتمع وقوى المعارضة، وضمان بقاء النظام الحاكم. فالجيش في الكثير من الدول العربية (الثورات العربية) وُظِّف لقمع التظاهرات والاعتداء على الحريات وحقوق الإنسان، ودخل ساحة المواجهة مع المواطنين. فحصد نتائج وخيمة من وراء هذا التصادم، فكانت فقيًا وعموديًا تكلفة المواطنين مرتفعة، وانهارت صورة الجيش أ. الزاوية الاستملاكية للجيش: أخذ شكل مؤسسة خاصة تملكها النخبة الحاكمة، وليس ملكيةً عامة للدولة والأمة، حيث تنفق النخبة الحاكمة على الجيش من تجهيزات وتحفيزات، وتستثمر في قوته لتثبيت سلطانها، فتكون العائدات ضعيفةً وهزيلةً؛ لأنّه استثمار في غير محلِّه، في مقابل أموال طائلة وتجاوزات غير قانونية. الزاوية التحويرية لنصابه في المجتمع: يؤسس على شكل فريق سياسي في مواجهة فرق سياسية أخرى؛ لأنّ انتقاله من جيش للدولة إلى جيش للسلطة، يُدخله في صدام مع المجتمع المدني الذي يراه في غير موقعه المحدد له دستوريًا. فيتحول من جيش للشعب، إلى جيش النخبة الحاكمة، ومن جيش نخبة، إلى جيش جماعة أو شخص معيّ. ويتدرج الولاء من الدولة إلى السلطة، ثم إلى الجماعة، ثم إلى الفرد. فتستولي السلطة على الجيش وتُحوِّله إلى أداة تحت إمرتها، ومن ثمّ فهي تفيض عن حدود جغرافيتها السياسية الطبيعية وتتماهى مع الدولة أو تؤول إلى دولة. وهذا النمط، هو الغالب على المشهد السياسي العربي. سلطة الجيش: يَشقُّ فيها الجيش عصا الطاعة على السلطة، ويعلو كعبه عليها من خلال التسلّط ثمرة للانقلاب العسكري، ومنه يتحول: نخبة سياسية ثم حاكمة: فيتحول العسكريون سياسيين، ثم مدنيين. وتدير النخبة العسكرية السلطة بطريقتين: إما بطريقة مباشرة وفرض الأحكام على الحياة العامة، وإما من وراء ستار بتعيين واجهة وإمساك الجنرالات بمفاتيح القرار. السلطة أداة في يد الجيش: تعمل على بقاء الحكم العسكري، ويقتضي ذلك وضع بعض المساحيق التجميلية، مثل إقرار دستور وانتخابات برلمانية والسماح لأحزاب المعارضة المساندة ومنع قوى المعارضة المدنية من ممارسة نشاطها بدعوى تهديد أمن الدولة. سلطة عسكرتارية شديدة: إفراز لعلاقة قوية بين الجيش والسلطة، تدوس الحريات وحقوق الإنسان وتُعطِّل العمل بالقانون وتُعلن حالة الطوارئ وتُدخل الحياة السياسية في حلقة من الاحتقان والتدحرج نحو توظيف العنف، ويستولي الجيش على السلطة بالانقلاب العسكري. الجيش الأهلي: هو وليد صراعات قبلية وإثنية، حيث تكون الدولة ضعيفة. فلا يغدو الجيش للدولة، إنما لعصبيات وطوائف إثنية معيّنة؛ فتنتقل من مشهد احتكار الدولة للعنف، إلى خصخصة هذا العنف. فلكل عصبيةٍ جيشها الذي تذود به عن كينونتها، وتناضل على مكانةٍ لها في السلطة؛ فرابطة الولاء تغدو للأهل والعشيرة، أكثر منها للدولة والأمة. ويُقسم الجيش عصبيات، ويتماهى معها ويتحوّل إلى ميليشيات أو امتدادًا لها (كالمشهد الليبي مثلً.) وهو بذلك لا يتخلّ عن وظيفة الدفاع عن الوطن، بل يساهم في تمزيقه من خلال الإقحام في الحروب الأهلية، ومن ثمّ الاستماتة في الدفاع عن الأهل والعُصْبة بدلً من الوطن والأمة.

  1. المرجع نفسه، ص.24-20

سجَّلت قدرة الدولة في المجتمعات العربية تراجعًا15؛ ما منح أجهزة الشرطة والأمن القوة قصد المساعدة في الحفاظ على النظام الاجتماعي الأخلاقي والاقتصادي. وكَثَّفت حجَّة محاربة الإرهاب أنماطًا من السلوك العنيف والإفلات من العقاب في قطاع الأمن منذ أمد بعيد. وأثار تراجع موارد الدولة والاقتصاد غير الرسمي، تسهيل الطريق لتورّط في الفساد وتشنجٍ في القطاعات الأمنية المقاومة للإصلاح.

ثالث ا: مجالات التقاطع بين العسكري والسياسي في الدول العربية

خرجت هذه العلاقة عن القاعدة الأصلية المتمثلة بعدم تدخّل المؤسسة العسكرية في صنع الحياة السياسية في الأنظمة غير الديمقراطية على غرار الأنظمة السياسية العربية. ويرجع ذلك إلى عوامل داخلية تتعلق بالمؤسسة، وأخرى خارجية ترتبط بالمحيط الذي توجد فيه16: العوامل الداخلية: تظهر سماتها من خلال البناء التنظيمي للقوات المسلحة ودرجة الوعي السياسي awareness.Political يرى إبرانسون Ibranson وفاينر Finer أنّ كلما كان الوعي السياسي منخفضًا، قلّت احتمالات التدخل العسكري المباشر17. أمّا هنتنغتون18، فيرى أنّ مُسبِّبات التدخل العسكري في السياسة ليست عسكريةً بقدر ما هي سياسية، ولا تعكس الخصائص الاجتماعية والتنظيمية للمؤسسة العسكرية، بقدر ما تعكس البنية السياسية والمؤسساتية للمجتمع. العوامل الخارجية: وتتمثل بمحاور عدة، منها: غياب ميكانزمات واضحة، وأسس شرعية تحكم عملية انتقال السلطة19، ما يجعل المجال متاحًا للعسكريين والوصول إلى السلطة السياسية، عكس الدول الغربية التي تحتكم دائمًا إلى نظام الانتخابات بوصفه أسلوبًا دستوريًا، يتيح للجميع حرية اختيار حكامهم. تدفع الصراعات السياسية بين النخبة الحاكمة وما تُحدثُه من انشقاقات في هرم السلطة، وانعكاسات ذلك على استقرار الدولة ومؤسساتها، بالعسكريين إلى التدخّل بحجة إعادة الاستقرار، ومنه الاستيلاء على مقاليد الحكم والسيطرة عليها. ضعف الممارسة السياسية وغياب هيئات المجتمع المدني، ومن هنا، صعوبة تعبئة الجماهير وهيكلتها سياسيًا، ما يؤدي إلى ظاهرة الاستتباع السياسي للنخبة الحاكمة أو لأطرافٍ خارجية. كذلك وَهَنُ الممارسة السياسية وفسادها، يطرح التدخل العسكري بديلً عند فشل النخب المدنية وعجزها.

التركيبة الاجتماعية الضعيفة والصراعات العرقية والقبلية والدينية، وما أنتجته من أزمات حادّة، جعلت المؤسسة العسكرية تتدخل بحجة إعادة التماسك إلى النسيج الاجتماعي الممزَّق داخل الدولة. إلى جانب عوامل أخرى غير مباشرة لا يمكن حصرها، تدفع بتدخّل العسكريين في الشؤون السياسية20، وهي مرتبطة بديناميات العلاقة بين مؤسسات الدولة المختلفة، ودرجة المرونة في التنافس السياسي. صاحَب الانقلابات العسكرية في الدول العربية تغيرٌ في التوافقات ولوحات التعارض بين الدول العربية، بل إنّ العلاقات تغيَّ ت؛ ففي البلد الواحد بين الفئات الاجتماعية والقوى السياسية من جهة، والسلطة الانقلابية من جهة أخرى، وبسيطرة الجيش على الحكم21، برزت ظاهرة عسكرة الحياة السياسية، حيث قُلِّص المجال السياسي وبات مطابقًا للمجال الخاص من خلال نزع السياسة من المجتمع أولً، ثم عسكرة مجال الدولة ذاته ثانيًا. عند الوصول إلى السلطة يُحَلُّ البرلمان ويُعطَّل العمل بالدستور والقوانين وتُفرَض حالة الطوارئ ويُضَ يَّقُ على الصحافة ويُحظر

  1. Yezid Sayigh, "Dilemmas of Reform: Policing in Arab Transitions," Paper , Carnegie Middle East Center, 30/3/2016, accessed on 13/3/2019, at: https://goo.gl/JvyGj2
  2. الآغا، ص.51-49
  3. المرجع نفسه.
  4. هنتنغتون، ص.193-192
  5. عبد القادر رزيق المخادمي، الإصلاح الديمقراطي في الوطن العربي بين القرار الوطني والفوضى البناءة (القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، 2007)، ص.133
  6. عبد الإله بلقزيز وآخرون، المعارضة والسلطة في الوطن العربي: أزمة المعارضة السياسية العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص.39
  7. روجر أوين، الدولة والسلطة والسياسة في الشرق الأوسط، ترجمة عبد الوهاب علوب (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2004)، ص.247

نشاط الأحزاب إلّ الموالية للسلطة، وتُلغى المعارضة وتُرْبط المؤسسات التي تؤطر المجتمع المدني بالسلطة، وتُلغى وظيفتها الأصلية (المهنية والتضامنية) إلى وظيفة مصطنعة، تروم الولاء للسلطة. فتغدو العملية السياسية ضمن إطار22: الطابع اللامؤسساتي: أي إنّ القرارات تُصنع خارج الأطر المؤسسية؛ نظرًا إلى هيمنة المؤسسات السلطوية، وضعف المؤسسات التمثيلية والوسيطة. الطابع اللانظامي: أي إنّ النشاط السياسي وعملياته، يجري خارج القواعد الدستورية، وفي منأى عن الأطُر القانونية؛ إذ لا تعترف النخبة العسكرية الحاكمة بوجود قواعد تُحدِّد سلطاتها وصلاحياتها في إصدار القرارات. الطابع الشخصاني: أي اتخاذ القادة القرارات السياسية الإستراتيجية والتكتيكية في إطار نمط ضيِّق من العلاقات. فقد كان الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين يضرب بيده على الطاولة بقوة، ويقول "قرَّرْنا"، وفي الحقيقة قرَّر وحده من دون استشارة غيره. من نافلة القول، إنّه كلما زادت شرعية النظام وتعزَّزت الدولة المدنية، ضاق مجال تحرك المؤسسة العسكرية سياسيًا ووسائل عملها، مثل الضغوط والمساومات. ويبقى مؤشّ الديمقراطية هو الذي يحدِّد العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية، كما أنّ طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية هي أحد مؤشرات قياس الديمقراطية في الدولة.

رابعًا: موقع المؤسسة العسكرية في الهندسة السياسية للنظامين التونسي والليبي

الجيش والنزعة الحداثية في التوجهات السياسية لبورقيبة

كان عام 1955 عامًا لفكّ الارتباط القانوني بالدولة الفرنسية23 وبداية تاريخ توقيع اتفاقات الاستقلال الداخلي الذي أُعلن في عام 1956. وتولّ الحبيب بورقيبة رئاسة الجمهورية في إطار نظام جمهوري رئاسي ودستور عصري ينشد مؤسسات النظام الديمقراطي. يعدُّ الجيش التونسي سليل الجيش الفرنسي24، حيث يعود أصله إلى زمن الحماية الفرنسية 1956-1881()، كما لجأ الجيش الفرنسي إلى توظيف عدد كبير من التونسيين في الحربين العالميتين، وتدريبهم على الطريقة الأوروبية، فكان متطورًا من حيث العُدَّة وطريقة التسيير. سست اللجنة الوطنية التونسية للجيش في عام وأ 1956، عقب استقلال تونس عن فرنسا. ما جعل الجيش التونسي يستقل نهائيًا عن الجيش، وغدا رمزًا من رموز السيادة الوطنية. وأ الفرنسي في عام 1958 سّست البحرية التونسية في عام 1959، والقوات الجوية في عام.1960 يَعُدُّ كثير من المهتمين بالشأن التونسي خطاب 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1965 الذي ألقاه الحبيب بورقيبة رئيس الجمهورية التونسية، مرجعًا أساسيًا في فهم ملامح دور الجيش ومحدِّدات السياسة الدفاعية التونسية، حيث دعا إلى ضرورة تلاحمه مع الشعب والتنسيق مع الغرب. إلّ أنّ تعامله مع الجيش في فترة حكمه تميّزَ بالحيطة والحذر، وعمل على تقليص دوره في العُدَّة والعتاد، حتى لا تكبر تطلّعات العسكريين وتُغريهم بالتدخل في الحياة السياسية25. وعمل على إحداث توازن بين مراكز السلطة السياسية من خلال الاعتماد على دور أجهزة الأمن الداخلي وإعطائها أهمية. وجعل الضعف السياسي للممارسين العسكريين في تونس، عكس نظرائهم في الجزائر أو مصر، احتمالات دخولهم المعترك السياسي مستبعدة. فبعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في عام 1962 لِلَزْهر الشرايطي26، لجأ بورقيبة إلى إعدام الضباط المتورطين. كما عمل على تقزيم دور الجيش منذ عام 1968 من خلال مؤسسات شبه عسكرية، مثل الحرس الوطني، حتى يتفادى أيّ تهديد مستقبلي يتضمن التفكير في انقلاب عسكري يطيح السلطة القائمة. يبدو أنّ تدخل الجيش في قمع التظاهرات كان نسبيًا27، مقارنة بتدخّل الأجهزة الأمنية، حيث تعرّضت "حركة النهضة" للملاحقة والقمع من أجهزة الأمن الداخلي التي كانت مكلفةً أيضًا بمراقبة تحركات كبار العسكريين ورصد اختراق الإسلاميين مؤسسة الجيش.

  1. محمد الرميحي، أولويات العرب، قراءة في المعكوس: خمسون مقالً يبحث عن الحقيقة (بيروت: الدار العربية للعلوم والنشر، 2010)، ص.64
  2. ثناء فؤاد عبد الله، ا 23 لدولة والقوى الاجتماعية في الوطن العربي: علاقات التفاعل والصراع (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001)، ص.182
  3. مجموعة مؤلفين، نحو كتلة ديمقراطية في البلدان العربية، تنسيق وتحرير علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص.203
  4. إبراهيم السعيدي، "دور المؤسسة العسكرية في الانتقال الديمقراطي بتونس"، شبكة ومنتديات أبو شمس، شوهد في 2016/3/27، في: https://goo.gl/cgXcnW
  5. Badra Gaaloul, "Back to the Barracks: The Tunisian Army Post- Revolution," Carnegie Endowment for International Peace, 3/11/2011, accessed on 13/3/2019, at: https://goo.gl/CuAaGW
  6. Emily Parker, "Tunisia's Military: Striving to Sidestep Politics as Challenges Mount," Tunisia Alive, 25/6/2013, accessed on 12/4/2016, at: https://goo.gl/sdJhcv

تميّزت فترة بورقيبة ببناء هياكل للدولة الحديثة مع عصرنةٍ على مختلف الصعد28، لكن في إطار شخصنة للحكم وغلق للمجال السياسي، مع تقليص في فضاء المشاركة السياسية وغياب للتعددية الحزبية، وتقليص لدور وسائل الإعلام وجعلها بوقًا لأجهزة النظام وديماغوجيته، وقمع علني لمختلف أشكال المعارضة، خصوصًا "حركة النهضة" الإسلامية.

المؤسسة العسكرية في ليبيا: خلفية وسلوك

تكونت النواة الأولى للجيش الليبي في عام 1940 في أثر اتفاق بين القيادة البريطانية29 والملك محمد إدريس السنوسي، من خلال الاستعانة بالمهاجرين والأسرى الليبيين لمحاربة الألمان والإيطاليين، طلق عليه اسم "القوة العربية الليبية" أو "الجيش المرابط." وفي وأ 24 كانون الأول/ ديسمبر 1951 نالت ليبيا استقلالها، وبدأت في تأسيس جيشها، ودأبت على إرسال بعثات عسكرية إلى الخارج، وأ نشئت لتخريج الضباط، وأ مدرسة عسكرية في عام 1953 سندت قيادة الجيش إلى ضباط إنكليز، كما اختيرت المملكة العراقية لتدريب الجيش، وبدأ الجيش يزداد عددًا بعدما أصبح الالتحاق به إلزاميًا بعد عام 1976 30 تحت حكم معمر القذافي.)2011-1969(يكاد يكون دور المؤسسة العسكرية في ليبيا منعدمًا في فترة الحكم الملكي 1969-1951، سواء أكان على المستوى الداخلي؛ إذ لم يوظف في قمع التظاهرات أو إخمادها، أم على المستوى الخارجي، حيث عرف نوعًا من الاستقرار مع الجيران، إلى جانب صغر حجمها ووجود قوة الأمن الداخلي إلى جانبها31. لكنّ دور الجيش يكمن في إطاحة النظام الملكي، عبر انقلاب عسكري لجيش ذي تركيبة بدوية، قاده ملازم أول هو معمر القذافي، تذمّرًا من السقوط في أحضان المملكة البريطانية وخضوعها للمصالح السياسية الأميركية، وتجاوبًا مع المد الثوري للحركة الناصرية. فكان الجيش البديل الوحيد في إنجاز التغيير وإنقاذ البلاد. من خلال مقارنة بسيطة، يتضح أنّ الجيشين التونسي في مرحلة بورقيبة والليبي في مرحلة الملك إدريس السنوسي يتقاطعان في الاعتماد على أجهزة الأمن الداخلي، ويتفقان على تقزيم دور الجيش وعزله في خانة بقي فيها بعيدًا من أي تطلّع إلى الممارسة السياسية.

المؤسسة العسكرية في الإستراتيجية الأمنية للرئيسين زين العابدين بن علي ومعمر القذافي

أ  .الجيش في تونس: من التوافق إلى التقليص

إنّ مسار الرئيس زين العابدين بن علي العسكري ومعرفته بالتيارات السائدة داخل الجيش، جعلاه يستميل المؤسسة العسكرية من خلال وعود بإعادة الاعتبار إليها ظرفيًا قصد مساعدته في إنهاء فترة حكم بورقيبة. واستغل استياء كبار بعض الجنرالات من سياسة التهميش المنتهجة من النظام السابق ضدّ العسكريين داخل سلَّم النخب العسكرية، مقارنةً بأجهزة الأمن الداخلية. إنّ تربّع بن علي على كرسي السلطة في الفترة 2011-1987، مكَّنه من نسج علاقات بجميع المؤسسات الأمنية، حيث ساعده في ذلك تخصصه في قضايا الأمن الداخلي32، ومتابعته ملف الإسلاميين في توظيف هذه العلاقات؛ بهدف جلب دعم المؤسسة الأمنية من جهة والمؤسسة العسكرية من جهة أخرى، لإزاحة بورقيبة من السلطة. إنّ تحكُّم بن علي في مفاتيح الأمور، مكّنه من الاستيلاء على السلطة في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1987، وأصبح رئيسًا بمقتضى الفصل 75 من الدستور، وبدعمٍ من المؤسسات الأمنية التي كان يتحكم فيها، ورغبة العسكريين في التخلص من بورقيبة وسلوكه المرفوض. فنُظِّمت انتخابات شكلية كانت محور التوافق بين الجيش والمؤسسة الأمنية، بل إنّها حُبكت بين الوزير الأول بن علي، ورئيس الحرس الرئاسي الحبيب عمار، ورئيس هيئة الأركان عبد الحميد الشيخ. ويبرز ذلك في التركيبة الحكومية بعد الانقلاب؛ إذ تقلَّد عبد الحميد الشيخ مناصب وزارية ودبلوماسية عدة، وعُيِّ عسكريون في مناصب ولائية. إلا أنّ هذا التوجه لم يدم طويلً، فغدت تونس دولةً بوليسية33، تعتمد على جهاز أمني مكوّن من 120 ألف فرد؛ بمعدل 1.3 من عناصر الأمن لكل 100 تونسي، وغدا للشرطة السرية دورٌ في ملاحقة الناشطين السياسيين والنقابيين. وعمل على تكريس سلوك بورقيبة تجاه المؤسسة العسكرية، وحصَ دورها في قضايا الدفاع؛ نظرًا إلى خبرته في مرحلة بورقيبة، واحتلال المنهج الأمني المكتسب مركزًا في نسقه الأمني، ورؤيته في القضايا المتعلقة بالاستقرار والتغيير السياسي.

  1. واجه النقابيين في عام 1978، وتم التدخل بعنف لصد الاضطرابات الاجتماعية التي عرفتها البلاد خلال عامي 1981 و.1984
  2. العربي صديقي، "تونس: ثورة المواطنة، 'ثورة بلا رأس"'، سلسلة دراسات وأوراق بحثية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (تموز/ يوليو 2011)، ص.13
  3. السعيدي.
  4. Anthony H. Cordesman, "The North African Military Balance: Force
  5. Moncef Ouannes, Militaires, Elites et modernisation dans la Lybie contemporaine (Paris: L'Harmatan, 2009), pp. 90-100. 33 كان مديرًا للأمن الوطني في الفترة 1980-1977، ثم عيّ وزيرًا للداخلية في الفترة 1986-1984، ثم أصبح بعد ذلك وزيرًا أوّل محتفظًا بحقيبة الداخلية في عام.1987
  6. Developments in the Maghreb," Working Draft , Center for Strategic and International Studies, 28/3/2005, pp. 58-59.

أثبت الواقع السياسي سيطرة حزب التجمع الدستوري الديمقراطي على مجريات النشاط السياسي في تونس34، على الرغم من إجراء بعض الإصلاحات، وسيطرته على غالبية المقاعد في مجلس النواب (أكثر من 80 في المئة من المقاعد)، على نحوٍ جعل التشريعات كلها تصب في مصلحة النظام الحاكم، مثل التعديلات الدستورية في عام 1998 التي أزاحت العهدات الرئاسية وأبقتها مفتوحةً حتى يبقى زين العابدين بن علي رئيسًا إلى الأبد. وفي تعديلات عام 2002 35، رُفع سن الترشح للرؤساء من 70 إلى 75 عامًا، ما جعل الطريق ممهدة أمام فوز مرشح حزب التجمع الديمقراطي زين العابدين بن علي في الانتخابات الرئاسية للأعوام 1989، 1994، 1999 و 2004 بنسبة 90 في المئة. وبقي حزب التجمع الدستوري الديمقراطي محور الحياة السياسية في تونس، محاطًا ببعض الأحزاب الموالية، مع تصفية للقوى المعارضة الرئيسة، على رأسها حركة النهضة التي تعرّض أعضاؤها لشتى أنواع القمع والإقصاء، ومُنعت من ممارسة النشاط السياسي منذ انتخابات عام.1989 لم يكن انتماء بن علي إلى المؤسسة العسكرية36 عائقًا أمامه لاتهام مجموعة من الضباط في عام 1991 بمحاولتهم إطاحة نظامه. فَسُجِن كثير من العسكريين، وأقيل بعض منهم، ووُجِّهَت ضربة قاسية زعزعت أركان الجيش، واتُّهم بعض الضباط بالانتماء إلى التيار الإسلامي، وبعض آخر بالتحضير لانقلاب عسكري. ثم فُرِضَ التقاعد الإجباري على عدد منهم، بينما حُكِم على آخرين بالسجن والإقامة الجبرية. تواصلت عمليات تهميش الجيش الذي بلغ عدده في الفترة 2011-1991، 40 ألف جندي وضابط؛ فحدَّ من ميزانية وزارة الدفاع، وعطّل ترقيات الضباط، وفَرض التقاعد الإجباري على الكثير منهم، خصوصًا الأكفاء. وحُدد الدور العسكري للجيش في مجالات الدفاع عن الوطن والتنمية ومواجهة الكوارث الطبيعية وحفظ السلام العالمي تحت غطاء الأمم المتحدة؛ ما فتح المجال أمام بن علي للاستفراد بالسلطة، فكان التهميش والإضعاف والإقصاء التام للمؤسسة العسكرية من الساحة السياسية هدفه الأساسي. اعتمد بن علي إستراتيجية في التعامل مع الجيش ترتكز على اثنين من التكتيكات التكميلية37: يشمل الأول تهميش دور القادة العسكريين في مؤسسات الدولة، وصعوبة حصولهم على الموارد، ومن ثمّ ابتعادهم عن الحياة السياسية. أما الثاني فهو إبعاد الجيش كليةً عن القضايا الأمنية اليومية، وجعل هذا الملف بين يدي وزارة الداخلية. إنّ ارتباط قضايا الفساد بعائلتَي الرئيس وزوجته، كان من المؤشرات المؤجِجة لفتيل الثورة في تونس، وبقاء الجيش نظيفًا وعدم اتهامه بالفساد والتورط في الصفقات المشبوهة، جعلاه محلَّ احترام الرأي العام التونسي.

.  ب الجيش وثنائية النظام العسكري في إستراتيجية معمر القذافي

لم يعمد القذافي إلى بناء جيش قوي يتجانس مع حجم الأسلحة المنوعة وغير المتناسقة المكدّسة في المستودعات التي تأكّلت بسبب غياب الاحترافية والمهنية المقصودة، على الرغم من كونه عسكريًا وامتلاك ليبيا قدرات مالية عالية38. فلم يكن الجيش الليبي جيشًا يُحسب له حساب في مواجهة العدو الخارجي، أو ذا نفوذ في السياسة، خصوصًا في العقد الثاني من مرحلة حكم القذافي. ويرجع ذلك إلى انتفاء التهديد الخارجي المباشر، وبُعد ليبيا عن خط المواجهة مع إسرائيل الذي لم يتعدّ مجال الاحتدام والصراعات اللفظية. كما أنّ تخوّف القذافي من وجود جيش قوي يغري ضباطه بالانقلاب وإطاحة حكمه39، جعله يتعامل مع الجيش النظامي بأسلوب التهميش وعدم التمكين، خصوصًا بعد التجارب الفاشلة التي كان الإعدام حليفًا لروّادها؛ إذ انسحب بعض رفقائه من المجلس الثوري، مثل عبد السلام جلود، وحوكم العقيد محمد المقريف في ظروف مشكوك فيها، واغتيل بشير هوادي وعواد حمزة في عام 1975 40، وعمر المعايشي في عام 1984. كما ألغى في عام 1977 نظام صنع القرار الجماعي الذي أنشأه مجلس قيادة الثورة؛ فمن نحو اثني عشر عضوًا، لم يبقَ إل ثلاثة، نتيجة الممارسات القمعية التي انتهجها القذافي، والأحادية في النظرة والسلوك. فالنظام السياسي في ليبيا كان نظامًا شموليًا مغلقًا، ارتكز على أيديولوجيا وأفكار ومعتقدات رسمية ومؤممة، مصدرها إيحاءات الكتاب الأخضر.

  1. التحول الديمقراطي في دول المغرب العربي أحمد منيسي وآخرون، (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، 2004)، ص.192
  2. المرجع نفسه، ص.188
  3. 39 أحمد عبيدات وآخرون، الثورة والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي: نحو خطة طريق (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، ص.231 40  De Eduard Soler i Lecha, "Fuerzas de seguridad y revueltas árabes," La Primavera Árabe, 28/3/2011, accessed on 1/4/2016, at: https://goo.gl/eudou1
  4. بدرة قعلول، '"الجيش سيعود إلى ثكنه' دور المؤسسة العسكرية التونسية في
  5. Risa Brooks, "Abandoned at the Palace: Why the Tunisian Military Defected from the Ben Ali Regime in January 2011," Journal of Strategic Studies , vol. 36, no. 2 (February 2013), p. 208.
  6. 36 صديقي، ص.15-14
  7. المرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية"، مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، 2011/11/3، شوهد في 2015/12/13، في https://goo.gl/ybsLki:

لذلك لا عجب في أن يقف الجيش من النظام السياسي موقف المتفرج، فقام المرتزقة وبعض المتعاقدين من دول أفريقية مختلفة، بالوقوف إلى جانب القذافي وقمع المتظاهرين41، نتيجة مقاربة بناء القوى العسكرية الرديفة والبديلة أو الأمنية الدفاعية التي يكون الولاء فيها إلى القرابة القبلية والعشيرة التي تدين بالانصياع للرئيس. ولم يعمل يومًا على بناء مؤسسات حكومية مستقلة وقوية، بل عزَّز حكمه من خلال القمع والمتابعات وبناء التحالفات القوية. فظهرت في ليبيا في فترة القذافي ثنائية النظام العسكري42: إطار عسكري تقليدي: أي وجود جيش مهمته الدفاع عن الوطن ومواجهة التهديدات الخارجية. وهو ضعيف، على الرغم من توافر السلاح بين يديه، نظرًا إلى انعدام التدريب وطرائق التنظيم الحديثة. إطار غير تقليدي: يضم مجموعةً من الوكالات الأمنية، هدفها الحفاظ على القذافي ونظامه. ويتكوّن من الكتائب والأفواج الخاصة التي يقودها أقارب القذافي والأوفياء له. تتسم بالتنظيم العالي، والأسلحة المتطورة. وكلّها تحت قيادة القذافي، عبر أقارب له من قبائل تدين له بالولاء43، نجد على رأسها اللواء أحمد قذاف الدم القائد الأعلى السابق لبرقة، ثم العقيد عبد الله السنوسي الذي ينتمي إلى قبيلة المقارحة، والرائد مسعود عبد الحفيظ أحمد. لكن أبرز هذه الكتائب وأفضلها تدريبًا الفيلق 32، أو كتيبة خميس التي ضمَّت نحو 10000 رجل، وامتلكت أسلحة ثقيلة ودبابات حربية وراجمات صواريخ. كما أوكلت إلى أبنائه الآخرين قيادة وحدات عسكرية خاصة. وساند هذا الإطار، إطار ثالث يتمثل بالميليشيات الشعبية والقوى شبه العسكرية التي تضُ م مواطنين ومرتزقة أجانب ضمن مسمّيات "الحرس الثوري الليبي" و"الجيش الإسلامي الأفريقي"، والتي كانت ترفض نظام الجيش التقليدي، وفقًا لاعتقاد القذافي بأهمية الدفاع الشعبي ضمن المنظومة القيمية القبلية. استغل القذافي هذا التمايز القبلي44، حيث أكد في الكتاب الأخضر أنّ القبيلة هي شكل مصغر من الأمة، وأنّها رابطة اجتماعية يجب الحفاظ عليها من دون إدخالها في السياسة. لكن النسيج القبلي فرض نفسه في الممارسة السياسية من خلال تقسيم العمل السياسي وتوزيع الوظائف وفقًا لآليات الهوية القبلية. وساعد في ذلك تأطير الحركة السنوسية المجال الاجتماعي في ليبيا قبل عام 1969 في إطار ديني وحَّد المجتمع في أربع مقاطعات، ضمَّت مجموعات قبلية مركزية. تمتَّع النظام الليبي بخصائص انفرد بها عن الدول العربية كونه جماهيريًا. والتزم توجيهات الكتاب الأخ في تنظيم القوى العسكرية داخل ليبيا، من خلال إلزام جميع المواطنين بالتدريب على السلاح واستخدامه. فعوضًا عن جيش منظم45، يوجد شعب مسلَّح مدرَّب على مختلف أنواع الأسلحة، ودفاع محلي لحراسة المرافق العمومية. فالقذافي46 رأى أن الحریة ستظل ناقصة ما لم یكن السلاح بید الشعب، ما يفرض ضرورة تدريب الرجال والنساء على حمل السلاح والانتظام بمراكز التدريب العسكري العام والاستعداد للمواجهة في أي لحظة. فالشعب المسلح لا يهزم ولا یحاصر ولا یجوع. كانت السلطة في أيدي ما يسمى "مجلس الثورة" واللجان الثورية، التي كانت تعمل مباشرة في خدمة القذافي وتمارس وظائف السيطرة الأيديولوجية والتسلل في أجهزة السلطة الشعبية، ومتابعة أي تصريح معادٍ للثورة مع الدور الرقابي الذي تمارسه المنظمات الأمنية التي لم تخضع للسيطرة السياسية لمؤتمر الشعب العام. شارك الجيش الليبي في محطات خارجية لم تعد على ليبيا إلا بالوبال. فكانت محطَّاتٍ غير مدروسة، بل تدفعها نوازع شخصية ودوافع أيديولوجية واهية47، أما على المستوى الداخلي، فكانت اللجان الثورية تصول وتجول. وتمثَّل دورها بتوجيه الجماهير على أدنى المستويات وصنع اختياراتها؛ إذْ لم تكن سوى أجهزة أمنية سرية تدين بالولاء للقذافي، وعدّت نفسها سليلة الضباط الأحرار وملهمة من أفكار القائد الذي عدّها الإطار السياسي والعملي لقوة ثورة الفاتح "العظيمة." وعادةً ما تقوم هذه اللجان بعمليات اغتيال للمعارضين في الداخل والخارج تحت الإشراف المباشر للقذافي.

  1. Rachid Khechana, "How Revolution Became The Only Possibility in Libya," Middle East on line, 20/4/2011, accessed on 14/4/2016, at: https://goo.gl/PkiWZt
  2. Daniel Steiman, "Military Decision-Making During the Arab Spring," Muftah, 29/5/2012, accessed on 12/4/2016, at: https://goo.gl/Vzp9Uo
  3. Derek Lutterbeck, "Arab Uprisings and Armed Forces: Between Openness and Resistance," The Geneva Centre for the Democratic Control of Armed
  4. Saïd Haddadt, "The role of the Libyan army in the Revolt against Gaddafi's Regime," Aljazeera Net, 16/3/2011, p. 3, accessed on 14/4/2016, at: https://bit.ly/2YGysDx
  5. منيسي، ص.214
  6. منصور مخزوم، "الشعب المسلح قوة لا تهزم"، دنيا الوطن، 2010/10/19، شوهد في 2019/3/27، في http://bit.ly/2U5UfG8: 47  Ouannes, p. 136.
  7. Forces, SSR Papers series (2011), pp. 32-33.

عمد القذافي مع بداية عام 1988 إلى تغيير مؤسسة الجيش بمؤسسة حراس الجماهيرية، ترأسها لجنة الدفاع الشعبية. ورأى خطورة استيلاء الجيوش النظامية على القوة العسكرية وتوظيفها في السيطرة على الشعوب، ما يعني استبعاد الجيش عن المجتمع والسياسة، واستبداله بقوات شبه نظامية وتقوية سلطانها48. كما عمد إلى خفض ميزانية الدفاع من 1.3 مليون دولار في عام 1998 إلى 1.2 مليون دولار في عام 2000. فشهدت المؤسسة العسكرية انخفاضًا حادًا في مجال التسلح والعتاد والعنصر البشري. لقد حاول القذافي في أواسط الثمانينيات أن يجري بعض الإصلاحات السياسية، فتحدث عن إلغاء الجيش النظامي وقدّم اقتراحًا لإنشاء "جيش شعبي" ليمثل الجيش الوطني واستبدال الميليشيات بقوى شعبية، بعد انتقادات المجتمع الدولي اللاذعة كون النظام نظامًا شموليًا بامتياز. وأطلق القذافي عقيدة "الجيش المسلح"49، وهي نظرية تنادي بزوال الجيوش النظامية، والعمل على تسليح الشعب وانتهاج الحرب الشعبية، بديلً من الحرب التقليدية. فعمد إلى تجييش الجامعات والمدارس والمدن، وتكوين كتائب المناوبة الشعبية المسلحة التي وصلت إلى أكثر من 400 كتيبة50، ومن ثمّ تذويب الجيش داخل الشعب. كما عمل على تأهيل أبنائه عسكريًا وأكاديميًا، وتكليفهم برئاسة الألوية والكتائب التي فصلها تنظيميًا وإداريًا عن المؤسسة الدفاعية، وضمان جاهزيتها لقمع أي تظاهرة أو محاولة انقلابية. وهي كتائب موالية للقذافي، تُدافع عنه ويقودها أبناؤه. لكن، كان حجم الاحتجاجات التي طالبت بالإصلاحات السياسية في البداية، ثم تغيير النظام، ثقيلً، أدَّت إلى مقتله على يد ثوار الشعب المسلح نفسه. اللجان الثورية ذات أصول عسكرية، لكنها تحولت إلى أجهزة أمن داخلي. ما يجعل النظامين التونسي والليبي يتقاطعان في تغلغل أجهزة الأمن داخل تكوينات المجتمع، وممارستها القمع والمراقبة السياسية. ولذلك يُعدّ النظام الليبي نظامًا عسكريًا بامتياز51، ليس لكونه نتج من انقلاب عسكري، بل في اعتماده على وسائل عسكرية في تسيير المجتمع. بعد اندلاع الاحتجاجات، بقي الجيش التقليدي في البداية على الحياد، وعدّها فرصةً للانتقام ممّن همَّشوه وأ ذلّوه52. وبعد أن اشتد وطيس الاحتجاجات، بدأ في التسلل فرديًا، ثم بالتشكيلات الجماعية إلى جانب الثوار في بدايات الثورة، وإعادة تنظيم المعارك وقيادتها ضد كتائب القذافي في المنطقة الشرقية، وفي الجبل الغربي وفي مصراتة، إلى أن انتهى بانضمام غالبيته إلى الشعب، خصوصًا بعد أن انتقل الملف الليبي إلى المجتمع الدولي، وتدخّل حلف شمال الأطلسي "الناتو." أما القوى غير التقليدية، فالتفَّت حول القائد، وأظهرت استماتةً شرسة في مواجهة القوى الشعبية المطالبة بالتغيير. وعدّت ذلك معركة شخصيةً كونها مهددةً في دائرة المصالح المنتفعة بالسلطة، خصوصًا بعد أن وصف القذافي53 المنشقين بالكلاب الضَّ الة أحيانًا، وبالفئران والصراصير أحيانًا أخرى، يجب القضاء عليهم وإبادتهم. كان للعامل الخارجي دور في إطاحة نظام القذافي54، حيث أصرَّت فرنسا تحت مظلة حلف الناتو على ضرب النظام الليبي وإسقاطه، مُستعملين قرار مجلس الأمن غطاءً يمنحهم شرعية التدخل، كون ليبيا دولة نفطية زادها موقعها الجيوسياسي أهميةً في حسابات الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي الجيوستراتيجية. كان هذا التدخل الفيصل في إدارة المعركة بين الفريقين وتوجيه بوصلتها، وفقًا للمصالح الاقتصادية لهذه الدول وحساباتها الإستراتيجية. يعتبر النفط جوهرة في تاج الموارد الطبيعية الليبية، لذلك كانت الاستجابة من الناتو لمطالب الثوار للتدخل سريعة. ولم يكن الهدف منها "حماية المدنيين" ولا "الديمقراطية"، ولكنها تروم السيطرة على حقول النفط وإنشاء القواعد العسكرية، إلى جانب مواقف القذافي المتذبذبة، وإمكانية ارتمائه من جديد في أحضان الصين أو الهند55. سبق التدخّل حملة إعلامية ضخمة56 قصد تهيئة الجو لتدخّل الحلف تحت دواعي التدخل الإنساني. كما أتاحت الأسلحة والتدريب العسكري لقوات المتمردين مع ضمان الغارات الجوية. ويدخل تصريح كلٍ من ديفيد كاميرون ونيكولا ساركوزي وباراك أوباما، في هذا الإطار قولهم إنّ من الصعب تخيل مستقبل ليبيا والقذافي لا يزال على رأس السلطة.

  1. قصْف المدفعيات الليبية مدينة السلوم المصرية في عام 1977، وما أفرزه من ردات فعل قوية أدّت بمصر إلى تدمير قاعدة طبرق الجوية، ومشاركة الجيش الليبي في عام 1979 لدعم المنشقّ التشادي كوكني ودادي ضدَّ حسين حبري المدعوم من فرنسا، فخرج من تشاد يجر
  2. منيسي وآخرون، ص.238
  3. عبيدات وآخرون، ص.247
  4. James M. Dorsey, "Role of Arab Militaries in Popular Uprisings," Middle East Journal , vol. 3, no. 6 (2011), p. 475.
  5. Ouannes, p. 136. 53 عبيدات وآخرون، ص.232
  6. أذيال الخيبة والفشل، واشتباكات جوية في الثمانينيات مع سلاح الجو الأميركي، حيث لاحقت الطائرات الأميركية طائرتين من الطائرات المقاتلة الليبية خلال مناورات بحرية في خليج سرت، وفي 15 نيسان/ أبريل 1986 هاجمت 100 طائرة أميركية مجمعين عسكريين وقاعدتين جويتين، ومنفذًا في ليبيا، فأطلقت زوارق دورية ليبية صاروخين على باخرة للاتصالات البحرية الأميركية الموجودة في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية، ولم تصبها بأي أضرار تُذكر.
  7. Maya Bhardwaj, "Development of Conflict in Arab Spring Libya and Syria: From Revolution to Civil War," p. 82, accessed on 14/4/2016, at: https://goo.gl/cCSCGP
  8. Samir Amin, "Primavera Árabe?" Anuari del conflict social , no. 1 (October 2011), p. 146.
  9. Alan Woods, "After the death of Gaddafi: Revolution and Counter- revolution in Libya," Marxism, 21/10/2011, accessed on 14/4/2016, at: https://goo.gl/Zmnxym

فقتل القذافي في اليوم التالي لزيارة هيلاري كلينتون ليبيا57؛ استجابة لقولها الصريح بوجوب قتله أو القبض عليه لمحاكمته. وتمَّ ذلك فعل في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 خارج مدينة سرت مسقط رأسه. هناك العديد من الروايات حول مقتل القذافي58 فمنها التي تقول إنه تم اكتشاف القافلة التي تحرك ضمنها من قبل الناتو وتم قصفه من المقاتلة الفرنسية ميراج 2000. وقد أشار مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية إلى أن طائرة أميركية شنَّت هجومًا آخر عليه بعد الهجوم الفرنسي. أما النسخة الأخرى فأشارت إلى أن القذافي اختبأ في حفرة أسفل منزل في خارج مدينة سرت وتم القبض عليه. بعد أيام من وفاته، ظهرت مقاطع فيديو تظهر الطريقة البشعة والملاحقة الشرسة له من القوى المعارضة. لكن لم تشفع له المناجاة والندم، ولم يرحمه الثوار وعدّوه غنيمة حيًا أو ميتًا، وأفرغوا فيه جام غضبهم، وعرض جسده المشوّه مدة خمسة أيام59، مع ابنه، ثم دُفن بعدها في مكان سري. وأعلن المجلس الوطني الانتقالي، المنظمة السياسية العسكرية المسؤولة عن جمع القوى المعارضة للقذافي بعد دخوله مدينة طرابلس في أواخر آب/ أغسطس 2011، تحرير البلاد. ولم يكن القذافي في أيامه الأخيرة إلّ حليفًا للقوى الكبرى، وفيًّا لها بعد تخلِّيه عن المشروع النووي وتسليمه ترسانته إلى الولايات المتحدة60، أسابيع قليلة وانقلبت عليه وفقًا لمبدأ لا صداقة ولا عداوة دائمة تقف أمام المصالح القومية والإستراتيجية. يرجع تباين موقف الجيش الليبي من الأحداث في ليبيا إلى العوامل التالية61: خروج الشعب على النظام، يعني فقده شرعيته. ميل الجيش إلى الانتقام من القذافي. تأكد الجيش من استحالة النصر لنظام القذافي بعد التدخل العسكري لحلف الناتو وفقًا لقرار مجلس الأمن.1973 خلاصة القول، إنّ تهميش الجيش في مرحلة الرئيس زين العابدين بن علي، ومقاربة العقيد القذافي من انتهاج ثنائية النظام العسكري وعزل الجيش وعدم التمكين له، كانا لغرض واحد وهو إبعاده عن الحياة السياسية وضمان نأيه عن المطالبة بالسلطة أو التفكير في تزعّم انقلاب عسكري يُنهي فترة تربعهما على كرسي السلطة، ومنعهما من التمتع بالامتيازات المصاحبة له.

الجيش في ميزان الثورة التونسية: من الحياد إلى إدارة الأزمة

إنّ الانتفاضة الشعبية التي اندلعت عقب إشعال الشاب البوعزيزي النار في جسده يوم 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 عقب إهانته من عون للأمن62، جعلت مدينة سيدي بوزيد تشتعل على آخرها بداية من 24 كانون الأول/ ديسمبر 2010، إلى جانب الولايات المجاورة (المحافظات) على غرار القصرين، ووصولها إلى العاصمة تونس في 12 كانون الثاني/ يناير.2011 بدأت الفوضى المدنية وأزمة الأمن الداخلي في تونس في أثر الاحتجاجات الشعبية63 التي كانت سلميةً في بدايتها، وفرضت على السلطات توظيف أجهزة الأمن الداخلي لقمعها. لكن انتشار هذه التظاهرات وتوسّع مجالاتها64 وعجز قوى الأمن عن مواجهتها، استوجب الاستنجاد بالجيش للوقوف أمامها وفقًا لما يخوّله الدستور. فأعلن الرئيس التونسي زين العابدين بن حالة الطوارئ مدة ستة شهور، امتدَّت بعدها إلى غاية عام 2011. ثم أصدر بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة دستوريًا أمرًا إلى الجيش البرّي بالنزول إلى الشارع ومواجهة الاحتجاجات. لكن الجيش مبدئيًا التزم الحياد65، ولم يطلق الرصاص على المتظاهرين، بل رام الحفاظ على المؤسسات وتفادي انهيار الدولة. إلا أنّ ارتفاع درجة الاحتجاجات، جعل الجيش يميل إلى الشعب ويقف إلى جانبه. حاول الرئيس امتصاص الغضب، فأعلن في 13 كانون الثاني/ يناير عن نيّته تجسيد حزمة من الإصلاحات السياسية66؛ كإجراء انتخابات برلمانية نزيهة وعدم ترشّحه لعهدة رئاسية مقبلة، لكن ارتفاع حدَّة

  1. Devon Douglas-Bowers, "Arab Spring: Revolutions, Lies, and Intervention," Center for Research and Globalization, Global Research, 31/8/2011, accessed on 26/3/2016, at: https://goo.gl/WqHnEs
  2. Ortiz Aranda & María Teresa, "La Primavera Árabe: El despertar de
  3. علي حرب، ثورات القوة الناعمة في العالم العربي: من المنظومة إلى الشبكة:(بيروت الدار العربية للعلوم ناشرون، 2012)، ص.90
  4. Las Cuatro caras de la Primavera Árabe," Elmundo , 24/11/2011, accessed on 16/9/2015, at: https://goo.gl/CUw39A
  5. Lance Selfa, "Libya's Revolution, U.S. Intervention, and The Left,"
  6. عبيدات وآخرون، ص.233 63  Adam Roberts, "Por qué fracasó la Primavera Árabe," El Diario (España), 16/1/2016, p. 2, accessed on 10/4/2016, en: https://goo.gl/ynH9ke
  7. los pueblos sometidos," Universidad de Jaén, Facultad de Humanidades y Ciencias de la Educación Junio (Junio 2016), p. 60, at: https://goo.gl/qT8r55
  8. في مدينة سيدي بوزيد تضامنًا مع الشاب التونسي محمد البوعزيزي الذي أحرق نفسه في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 احتجاجًا على مصادرة سلعته وتعرّضه لإهانة اجتماعية، تمثلت بصفعة من أحد أعوان الأمن وإغلاق الأبواب كلها أمام سماع شكواه، فكانت القطرة التي أسالت الكأس، وانفجار الوضع.
  9. صديقي، ص.30 66 بشير عبد الفتاح، '"الأدوار المتغيرة' للجيوش في مرحلة الثورات العربية"، السياسة الدولية، 2011/8/8، شوهد في 2019/3/13، في: https://goo.gl/AN1dyg
  10. International Socialist Review , no. 77, accessed on 13/3/2019, at: https://goo.gl/y6XWDb

الغضب الشعبي دفع إلى إخراج قوات الأمن إلى الشارع، مع منحها الضوء الأخضر لإطلاق النار على المتظاهرين. إنّ رفض الجنرال رشيد عمار الخضوع لأوامر الرئيس بن علي كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، إطلاق النار، وإبلاغه الرئيس منذ الأسبوع الثاني "أنّه غير مستعد مطلقًا لإطلاق النار على المتظاهرين"، كان عنوانًا لموقف المؤسسة العسكرية مما يجري في تونس. وعندما تعاظم الحراك واستحالت السيطرة عليه وبات الانهيار وشيكًا، تدخّل الجيش في صورة مهذبة مع الرئيس من دون استعمال القوة والعنف، قصد إقناعه بضرورة المغادرة ولا جدوى من البقاء، فساهم ذلك في تسريع سقوط نظام بن علي وهروبه. إنّ قرار رئيس هيئة أركان الجيش البري الجنرال رشيد عمار في 13 كانون الثاني/ يناير عدم الوقوف أمام المتظاهرين وإطلاق النار عليهم، وحصاره قصر قرطاج، دفع بالرئيس التونسي إلى الاستسلام ومغادرة البلاد، وأ سقط النظام. كان هذا الموقف نتاج قناعة عسكرية عبَّ عنها الجنرال في 24 كانون الثاني/ يناير 2011 67 بأن مهمة الجيش هي الحفاظ على الثورة، مع حماية الشعب والدولة، فالجيش حامٍ للدستور، ولا يخرج عن هذا الإطار. لم يبدِ الجيش رغبته في الاستيلاء على السلطة على الرغم من شغور منصب الرئاسة، ولم يقبل بانهيار مؤسسات الدولة، وساهم في التأسيس للتحول من نظام استبدادي إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي، وحماية الحالة المتشكلة مدنيًا بتأثير الحراك الشعبي، ما أكسبه صدقيةً وشعبيةً خوّلتاه ترتيب المرحلة الانتقالية68 التي بدأت بتعيين محمد الغنوشي رئيسًا للدولة بمقتضى الفصل 56 من الدستور، ثم نقل السلطة الرئاسية إلى رئيس البرلمان فؤاد المبزع، تبعًا للفصل 57 من الوثيقة الدستورية. إنّ تفسير موقف الجيش وهذا السلوك، يمكن تلخيصه في النقاط التالية69: التهميش والفتور في العلاقة بين المؤسسة العسكرية ورئاسة الجمهورية، والصراع الخفي مع جهاز الحرس الرئاسي. إدراك المؤسسة العسكرية انتهاء مرحلة بن علي، وضرورة الحفاظ على الدولة ومؤسساتها، وتفادي المواجهة مع الشعب للحفاظ على الصدقية. سلمية الاحتجاجات، واستحالة تبرير اللجوء إلى السلاح. التكوين، وارتباط الضباط بالنظام الجمهوري مهنية، واحترام الدستور. موقفه الوسطي من إشكالية الإسلام والعلمانية، ومحاولة إيجاد الحلول العقلانية لها وليس الصراع، وقدَّم نفسه الحامي للنظام الديمقراطي الجمهوري الذي يستوعب الجميع. أحقية المطالب الرافضة الفساد والإقصاء، فهي انتفاضة شعبية تقارب في تصنيفها الثورات. الخوف من التدخل الأجنبي الذي كان مستعدًا لإرسال قوات لحماية نظام بن علي. كان موقف الجيش واضحًا، ببعده عن الرغبة في الاستيلاء على السلطة، بل عمل على تهدئة الأوضاع وإعادة الاستقرار إلى مؤسسات الدولة ودعم الشرعية الدستورية لهذا التحول، خصوصًا بعد صدور القائمة التي أعلن عنها الصحافي المعارض سليم بقة70، والتي تحتوي على 133 شخصية من النظام السابق تقلّدت مناصب جديدة، أربع عشرة شخصية منها عُيِّنت في مناصب عليا في الدولة، إضافةً إلى تعيين ولاة جدد على مستوى 24 ولاية (محافظة) في تونس، ما أثار امتعاضًا كبيرًا واحتجاجاتٍ دفعت بالجيش إلى التدخل قصد تهدئة الوضع. كما عمل الجيش على التنسيق مع الشرطة ولجان أهلية لحماية الأرواح والممتلكات71، ومراقبة الحدود البرية مع ليبيا 459(كم) والجزائر 965(كم)، وحركة الأشخاص والتصدِّي للإرهاب، تماشيًا مع مطالب الانتفاضة الشعبية التونسية المتمثلة في بناء مجتمع ديمقراطي قائم على القانون، بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية المفقودة. ومن مصلحة الجيش أن يتحقق انتقال سلس للسلطة السياسية وليس عنيفًا، يمنحه هيبةً وصدقيةً أكبر؛ لأن تعداد الجيش التونسي لم يكن يزيد على 35 ألف مجنَّد، واعتماده بدرجة أكبر على جنود الاحتياط، ولا يستفيد بأكثر من 1.4 في المئة من الناتج المحلي الخام الموجّه إلى قطاع الدفاع. إنّ عدّ الجيش التونسي جيشًا للدولة والوطن72 يكمن في طاعته وانصياعه إلى السلطة السياسية، من دون أن يتحول إلى جيش شخص أو فئة، هو الذي صنع هذا السلوك تجاه الحوادث في تونس؛ إذ تشبَّع بالمبادئ الفرنسية منذ إنشائه، وهي مبادئ قائمة على الولاء للوطن والاحترافية والانضباط، قصد المحافظة على المصلحة الوطنية من دون الاهتمام بالتوجّهات القومية أو الدينية73.

  1. Alexis Arieff, "Political Transition in Tunisia," Congressional Research Service, Political Transition in Tunisia , 4/3/2011, p. 3, accessed on 7/10/2015, at: https://goo.gl/qbRQR1
  2. Carlos Echeverría Jesús, "Las Fuerzas Armadas y de Seguridad y las revueltas en Túnez y Egipto," Real instituto Elcano, 8/2/2011, p. 1, accessed
  3. 73 عبيدات وآخرون، ص.223
  4. عبيدات وآخرون، ص.226
  5. Echeverría Jesús, p. 2. 72 منيسي، ص.192
  6. on 19/9/2015, at: https://goo.gl/66QKRr
  7. 69 السعيدي.

جعلت مغادرة بن علي البلاد، القوات المسلحة تتولّ مسؤولية الحفاظ على الأمن، وزاد من شعبيتها عدم تلَطُّخ أيادي جنودها بدماء التونسيين ولا ممارسة القمع ضدّهم74. كما أنّها لم تر فائدة في الحفاظ على نظام بن علي، والصور النمطية السلبية لأجهزة الأمن ودفاعها عن مصالح بن علي وعائلته. لم يكن المجتمع المدني مرتاحًا للحكومتين اللتين ترأسهما محمد الغنوشي لوجود عدد من وزراء النظام السابق فيهما، فأدَّت الاحتجاجات إلى حلِّهما. كما أنّ حكومة الباجي قايد السبسي لم تستطع الإجابة عن سقف المطالب الجماهيرية. ولم يتدخل الجيش في هذه التجاذبات السياسية، بل عمل على حماية المواطنين والحفاظ على مؤسسات الدولة. وجاء على لسان ممثل وزارة الدفاع، أنّ هدفها حماية المسار السلمي للتحول الديمقراطي75، وليس فرض القوانين العسكرية، خصوصًا بعد أن طُرح تساؤل عقب الثورة، حول طبيعة العلاقات الجديدة العسكرية - المدنية. في أول خطاب رسمي وجّهه رئيس أركان الجيش التونسي رشيد عمار إلى الشعب، في أثر التظاهرات المطالبة بإسقاط حكومة الغنوشي، أكد المبادئ الأساسية التي تؤطر عمل المؤسسة العسكرية، وهي76: التزام الدستور وحماية الثورة وضمان سلميتها وعدم قمع المتظاهرين السلميين، مع السماح لهذه الحكومة أو غيرها من الحكومات بمواصلة العمل والاهتمام بشؤون المواطنين. وبناءً عليه، فإنّ الجيش هو حامي الديمقراطية والشرعية الدستورية، وحامي البلاد والشعب. وفُنِّدت الفرضيات التي كانت تدور في الساحة السياسية التونسية على أنّ الجيش سيستولي على السلطة. وطرح وزير الداخلية في الحكومة الموقتة التي ترأسها الباجي قايد السبسي77، فرضية تقديم الجيش بديلً علمانيًا لتيار الإسلام السياسي الممثل في حركة النهضة من خلال انقلاب عسكري. لكن جاء النفي سريعًا من وزارة الدفاع من خلال التزامها البقاء على الحياد، فهي فوق التجاذبات السياسية والتحالفات المصلحية للأحزاب. وتجسَّد ذلك في نتائج انتخابات المجلس التأسيسي في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 وفوز حركة النهضة بالمركز الأول، ونأي الجيش عن أي تدخّل أو تزوير. عملت الجبهة الشعبية على استغلال الوضع الإقليمي الذي أدى في 3 تموز/ يوليو 2013 إلى إطاحة الإخوان المسلمين في مصر78. فحاولت توظيف الاحتجاجات من خلال حشد الشارع في صيف 2013 في إطار ما سمّي ب "اعتصام الرحيل"، لتأليب الرأي العام ضد النهضة والائتلاف الحاكم معها. وتأييدًا للنواب الستين المنسحبين من المجلس التأسيسي، والمحتجيّن على اغتيال محمد براهمي وشكري بلعيد، تمت مطالبة الحكومة الائتلافية بالاستقالة الفورية. وحاولوا استمالة الجيش ورجال الأمن من خلال دعوتهم إلى مساندة الحراك الاحتجاجي والاستيلاء على السلطة. لكن الجيش حافظ على الحياد، والتزم الوقوف على مسافة واحدة من الفرقاء السياسيين، رافضًا الدخول في معترك السلطة؛ ما جعل احتمال دخول تونس حربًا أهلية مستبعدًا79، كون الجيش بقي بعيدًا من الساحة السياسية، وترك المجال للأحزاب السياسية، خصوصًا للاتحاد العام التونسي للشغل لتسيير المرحلة الانتقالية. واستطاع هذا الاتحاد أن يقنع غالبية الفاعلين السياسيين في الساحة التونسية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات قصد غلق ملف الأزمة السياسية والانتهاء من تنقيح الدستور الجديد الذي حظي بتصويت الغالبية في 27 كانون الثاني/ يناير.2014 رأى الباحث التونسي عبد السلام مغراوي80 أنّ دور المؤسسة العسكرية اقتصر على تأمين الانتقال السياسي والحياد إزاء العملية السياسية وفقًا لما يقتضيه الدستور. ولم يحدث في تاريخ المؤسسة العسكرية في تونس أنْ تدخّلت في الشأن السياسي بطريقة مباشرة، بل تدخّلت في الأزمات الاجتماعية، مثل أزمة الخبز في عام 1978، والاضطرابات العمالية في عام 1984. وأوجد هذا الدور الإيجابي للمؤسسة العسكرية انطباعًا إيجابيًا دفع بكثير من الشبان إلى الانضمام طوعيًا، حيث زاد عدد المجندين طوعيًا بعد عام 2011 أكثر من خمس مرات، ولجوء حكومة النهضة إلى التقليل من حيّز سلطات أجهزة الأمن الداخلي لمصلحة المؤسسة العسكرية.

  1. تقسم الجيوش على صعيد العقيدة والتأهيل إلى جيش عقائدي وآخر غير عقائدي. فالعقائدي هو الجيش الذي ينشأ ويُدرّب على عقيدة وطنية، تشمل عقيدة قتالية هي العقيدة العسكرية، وعقيدة سياسية تحاكي الأهداف الإستراتيجية الكبرى عبر سلطتها السياسية، مثل الجيش السوري والعراقي والمصري. أما الجيش غير العقائدي، فمرتبط بشخص أو فئة، ويتأثر بمراحل قوة الأشخاص وضعفهم. فيزيد انضباطه عندما يحس باتساع دائرة المغريات المقدمة إليه، ويتشظى إذا وجد ضعفًا في الحاكم وانحسارًا في دائرة المصالح، مثل الجيش الليبي، للمزيد انظر: عبيدات وآخرون، ص.221
  2. Risa, p. 207.
  3. Yezid Sayigh , "The Tunisian Army: A New Political Role?" Carnegie Middle East Center, 31/10/2011, accessed on 12/4/2016, at: https://goo.gl/JrYQFg
  4. Terrence Hopmann & I. William Zartman (eds.), "Tunisia: Understanding Conflict 2012," Johns Hopkins University, School for Advanced International Studies (2012), p. 145, accessed on 12/4/2016, at: https://goo.gl/4P8C3o
  5. المنجي السعيداني، "تونس: المؤسسة العسكرية تنفي نيتها التدخل في الشأن السياسي"، الشرق الأوسط، 2012/4/4، ص.17
  6. أنور الجمعاوي، "المشهد السياسي في تونس: الدرب الطويل نحو التوافق"، سياسات عربية، العدد 6 (كانون الثاني/ يناير 2014)، ص.6
  7. Landry Signé & Remy Smida "The Army's Decision to Repress: A Turning Point in Tunisia's Regime Change," Center on Democracy, Development, and the Rule of Law, Stanford University, Working Paper (April 2014), p. 24. accessed on 13/3/2019, at: https://goo.gl/c1uLRV

لهذه العوامل والأسباب، ونتيجة المواقف الإيجابية للمؤسسة العسكرية، لم توضع في خانة التهديدات في عملية التحول الديمقراطي في تونس، بل عُدّت من الآليات الضامنة لإنجاح هذا التغيير، حيث ساعدت القوى السياسية والنقابية والمدنية في تحريك المشهد السياسي في إطار سلمي بعيد من العنف؛ وعملت على إنجاح امتحانات البكالوريا والانتخابات من خلال وجود ما يفوق 20 ألف عسكري لضمان المسار السلمي لهذه المحطات، وعلى الجيش العودة إلى الثكنات، فهي موقعه الطبيعي الذي يجب ألّ يحيد عنه. ترك ابتعاد الجيش عن السياسة في تونس المجال لتحرّك المجتمع المدني وتكثيف نشاطه، وقيامه بدور مميز لتمتعه بخاصية الانسجام والتنسيق، حيث شكَّل مجموعات إخبارية بلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، هدفها تزويد مختلف شبكات العالم بتطورات الأوضاع في البلاد. إلى جانب الاتحاد العام التونسي للشغل وتفاعل العديد من الأحزاب السياسية والتنظيمات المختلفة مع مطالبه ودعمهم لمسيرته النضالية المطلبية، خاصة القضايا الاجتماعية والمسائل الاقتصادية التي تشكل خطوط التقاطع مع مختلف التيارات السياسية في البلاد، ومن هنا تجسيد أهداف الشعب التونسي وترجمتها على أرض الواقع من خلال ثورة 14 يناير 2011 81. أجري استطلاع للرأي العام في مطلع كانون الثاني/ يناير 2012 82، أعرب فيه 73 في المئة من التونسيين عن ثقتهم بالجيش الوطني التونسي، في مقابل 4 في المئة فقط أبدوا الارتياب في المقام الأول. وفي عام 2014 أبدى أربعة من كل خمسة تونسيين ثقةً أكبر بالمؤسسة العسكرية، في مقابل المؤسسات الأخرى83، وهي ثقة تقارب الثقة الأسرية، خصوصًا بعد تحمّل الجيش أعباء جديدة بعد رحيل بن علي؛ مثل قضايا الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب على الحدود الجزائرية منذ عام.2013 وفقًا لدراسة حديثة أنجزتها جامعة مريلاند الأميركية84، فإنّ نحو 22 في المئة من التونسيين يثقون بالأحزاب السياسية، في حين يحظى الجيش الوطني بثقة أكثر من 95 في المئة، وذلك خلال الأعوام 2015-2013. لذلك غدت المؤسسة العسكرية في تونس بمنزلة العمود الفقري في الحفاظ على استقرار البلاد والمؤسسات، ولم تطرح إشكالية موقع المؤسسة العسكرية في النظام الديمقراطي الجديد، بل واجهت إكراهات المؤسسة الأمنية وضغوطها. إنّ الجيش اليوم مكوّن من أبناء الفقراء الموجودين في الأرياف، ومستواهم التعليمي متدنٍ. ما يستدعي إعادة النظر في تشكيلة الجيش؛ إذ ما عاد بوتقةً للمجتمع، يلتقي الفقراء بالأغنياء، والجامعيون بذوي مستوى محدود؛ ما اضطر الجيش إلى النظر في السبل الملائمة لجعل الخدمة العسكرية أكثر جاذبيةً، وتقديم مناصب شغل ملائمة. إلّ أنّ الإكراهات المالية تعوّق إصلاحًا عميقًا؛ ففي ميزانية عام 2015 فُتح 7000 منصب، لكنها تتعلق بالذين أنهوا الخدمة والمتعاقدين. وبدأ بعض أعضاء اللجنة البرلمانية للأمن والدفاع في المطالبة بإصلاح التجنيد وفقًا لسياق إعادة تنظيم كامل لسياسة الدفاع التونسي. جعلت هذه التحديات الجيش التونسي يعجز عن إيجاد الحلول الملائمة لهذه الإكراهات، من حفظ النظام ومواجهة الاحتجاجات، على الرغم من الانضباط والاحترافية85، لانعدام الموارد العسكرية اللازمة. لذلك ارتفعت ميزانية الدفاع من 719.7 مليون دولار في عام 2013 إلى 901.1 مليون دولار في عام 2014، إلا أنّها لا تزال غير كافية، مقارنة بالتحديات الجديدة. كما قدّمت الولايات المتحدة زيادةً بمقدار ثلاثة أضعاف من المساعدات العسكرية لتونس في عام 2015. إلى جانب المشاركة السنوية في اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة والتدريبات العادية86، واستفادت المؤسسة العسكرية التونسية من المساعدات المالية في إطار التمويل العسكري الخارجي Foreign Military Financing، والتعليم العسكري الدولي والتدريب International Military Education and Training الذي قارب 17 مليون دولار. إنّ التحدي الآخر الذي يواجه المؤسسة العسكرية هو تجنّب التطفل على النشاطات المحفوظة تقليديًا لقوى الأمن الداخلي87، مع الحفاظ على تقسيم واضح للعمل والتنسيق بين مختلف الوحدات الأمنية؛ إذ لم يسجل أيّ فاعلية، كونه اقتصر على التدابير الأساسية كالدوريات المشتركة. إنّ تبادل المعلومات الاستخبارية حول الجماعات المتطرفة لا يزال ضعيفًا ويفتقر إلى الدقة، ولا يمكن أحيانًا الاعتماد عليه. ودفع هذا الضعف التشغيلي في قوى الأمن الداخلي والنقص في التعاون والتشرذم، الجيش إلى تكوين مصالح استخبارية خاصة به، بعد فشل المحاولات الكثيرة في عام 2014 في التنسيق بين وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والشؤون الخارجية، بل إنّه يواجه ضغوطًا عدة قصد إنشاء

  1. كربوسة عمراني، "المجتمع المدني في ظل الحراك العربي الراهن: أي دور؟ بالإشارة مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية لحالة المجتمع المدني في الجزائر"،، مج 6، العدد 16 (أيلول/ سبتمبر 2014)، ص.159
  2. Housem Darwisheh, "Trajectories and Outcomes of the Arab Spring: Comparing Tunisia, Egypt, Libya and Syria," Institute of Developing
  3. Tunisia: Army Critic Sentenced to Two Months in Prison," global
  4. Hamza Meddeb, "Conscription Reform Will Shape Tunisia's Future Civil-Military Relations," Carnegie Endowment for International Peace,
  5. Economies, Wakaba, Japan, March 2014, p. 6.
  6. Voices, 10/11/2011, accessed on 14/3/2019, at: https://goo.gl/95xbD3
  7. Washington, 21/10/2015, accessed on 25/1/2016, at: https://goo.gl/eFNHku 85  Marc F. Plattner et al., "Comparing the Arab Revolts," Journal of Democracy , vol. 22, no. 4 (October 2011), p. 32. 86  Anouar Boukhars, "Strengthen Tunisia's Army, But Keep It Out of Politics," Carnegie Endowment for International Peace, Washington, 20/10/2015, accessed on 12/4/2016, at: https://goo.gl/PqbJBi 87  Risa, p. 214.

وحدات لمكافحة التمرد في المناطق الحضرية والريفية، كون الجيش أفضل هذه المؤسسات تنظيمً في الأوضاع الحالية. نظرًا إلى الاضطرابات التنظيمية المستمرة في الشرطة وغيرها من قوات الأمن الداخلي المرتبطة بها، دعا بعض ضباط الجيش إلى وضع ترسيم جديد للأدوار الخارجية والداخلية للمؤسسات الأمنية، وتوسيع مجال الجيش في جمع المعلومات الاستخبارية المحلية، ومن ثمّ التقاطع مع صلاحيات الشرطة القضائية. إنّ الأوضاع الأمنية الهشَّة التي تعيشها تونس، خصوصًا تهديد الحركات الإرهابية88، لم تجعل المؤسسة العسكرية ترتكب أي تجاوز، عكس المؤسسة الأمنية التي ارتكبت بعض التجاوزات؛ مثل الهجوم الذي قام به العشرات من ضبّاط الشرطة الذين ينتمون إلى الاتحاد الوطني لقوى الأمن الداخلي، وهو اتحاد الشرطة الأبرز الذي نشئ بعد انتفاضة عام أ 2011. كان هذا الهجوم على مقر المحكمة في مدينة سوسة؛ لأنّها دانت شرطيًا بالقتل العمدي لمواطن في أثناء قيامه بعمله، ما دفع زملاءه إلى المطالبة بالإفراج الفوري عنه. وحوصرت المحكمة مدة ثلاثة أيام بالسلاح والمركبات الحكومية، ودخلوا على القاضي في مقر عمله. إلى جانب هجوم الوحدة نفسها في آذار/ مارس 2014 على بناية المقر الإقليمي للجنة العليا للانتخابات في تونس بعد رفض الوالي منحهم إياها لاستعمالها مقرًّا للشرطة. حمل التحول نحو الديمقراطية في تونس89، الكثير من تطلّعات عدد كبير من التونسيين المتمثلة بملفات مهمة جدًا، مثل التنمية والشغل والعدالة الاجتماعية. لكن الحكومات المتتالية التي مرَّت على تونس بعد ثورة 17 ديسمبر 2010، لم تنجح كلها في حل المشكلات ورفع التحديات التي تبنّتها الثورة. ولم تستطع أن تجد حلولً لهذه الإكراهات كلها، ما رفع من حدة التوتر السياسي وتصاعد الاحتجاجات المطلبية. ولم يُسجَّل على المؤسسة العسكرية أي تجاوز، على الرغم من الهزَّات العنيفة التي مرّت بها البلاد، لعدم تشبثها بمصالح أو امتيازات سابقة يمكن أن تتأثر بالتغيير السياسي، ولم تكن لاعبًا يعارض التغيير المرغوب فيه اجتماعيًا، ما جعلها محلّ احترام وتقدير تحظى بهما لدى جميع مكوّنات الطيف السياسي. إنّ الخبز والحرية والعدالة الاجتماعية90 التي طالب بها المحتجون منذ اندلاع الثورة لا تزال قضايا معلقة يمكنها أن تؤدي إلى موجة ثورية ثانية، يزيد من تأجيجها الاستياء العميق من النخب الحاكمة الذي يمكن أن يكون نقطة انطلاق لتعبئة شعبية جديدة. كان لتهميش الجيش في تونس الأثر السلبي في صانعي القرار الذين أبعدوه، حيث انقلب السحر على الساحر. فهو الذي أطاح الرئيس بورقيبة وبعده الرئيس بن علي91، من دون رغبة في الاستيلاء على السلطة واحتكارها، لكن وفقًا لقواعد الانتقال السلمي للسلطة وضمان استمرار مؤسسات الدولة وعدم انهيارها. وهي تجربة من التجارب الفريدة في الدول العربية.

ما بعد الثورة في ليبيا وإشكالية بناء الجيش

فرض الوضع بعد الثورة الحديث عن مشروع بناء المؤسسة العسكرية الغائبة وإصلاحها ضمن إطار أيّ تحوّل أو إصلاح سياسي جديد، حيث تفكَّك الجيش إلى ميليشيات تتجاذبها التركيبات القبلية، وعجزت السلطة السياسية ممثلةً في المجلس الوطني الانتقالي عن السيطرة عليها؛ فلم تقبل التخلّ عن السلاح، ورأت فيه الضامن الوحيد للحصول على السلطة. وتقوم هذه الميليشيات المسلّحة بدوريات في الشوارع بحجة حماية البلاد وضمان الأمن، منتهكةً حقوق الإنسان، غير آبهة بقرارات الحكومة الموقتة، بل تمتعت بسلطات أكبر من سلطة حكّام ليبيا الرسميين. وشجعتها حصانتها من العقاب على المزيد من الانتهاكات، وأدّت إلى استمرار انعدام الأمن والاستقرار في ليبيا92. يكمن الإشكال العويص في كيفية توحيد الجهود بين الكتائب المتعددة في الساحة الليبية، على غرار كتيبة راف الله السحاتي93 أو كتيبة شهداء 17 فبراير وكتيبة الشهيد أبو سليم وأنصار الشريعة في بنغازي، وبناء مؤسسة عسكرية موحدة وضبط علاقاتها المدنية في إطار الدولة الديمقراطية. جَنّدت ليبيا عددًا من الذين ساهموا في إطاحة القذافي، وطلبت من المحيط الإقليمي والدولي تقديم يد العون والمساعدة. فأعلنت الجزائر قبولها المساعدة في تشكيل الجيش وتدريب الشرطة. كما

  1. Boukhars.
  2. Omar Belhaj Salah, "Liberty and Security in Tunisia," The Cairo Review of Global Affairs , The American University in Cairo, 24/9/2014, accessed on 13/4/2016, at: https://goo.gl/QEVGn2
  3. الجمعاوي، ص.28
  4. Ignacio Álvarez - Ossorio, "Primavera árabe: esperanzas frustradas," El País, 23/12/2014, accessed on 14/4/2016, at: https://goo.gl/EA8WAe
  5. José María Blanco Navarro, "Primavera Árabe. Protestas y revueltas, Análisis de factores," Instituto Español de estudios estratégicos, Documento de Opinión , no. 52 (julio de 2011), p. 5, accessed on 14/3/2019, at: https://goo.gl/shgY8X
  6. Jon Mitchell, "War in Libya and its Futures 1: State of Play- Islamist & Misrata Forces (1)," 5/1/2015, accessed on 14/4/2016, at: https://goo.gl/AancnQ

ساهمت مصر في تدريب القوات الجوية والعتاد الجوي. ووقّعت عقود تدريب للقوات الجوية الليبية في بريطانيا وفرنسا. كما حاولت تركيا، كونها أول دولة أقامت علاقات دبلوماسية مع المجلس الانتقالي، تقديم الدعم العسكري والفني قصد إنجاح المرحلة الانتقالية. لكن هذا التهافت لتكوين الجيش الليبي، يرى بعض المتخصصين في الشأن الأمني أنه يوجد مؤسسةً عسكريةً يغيب فيها الولاء القبلي، لكنها تؤسس لعلاقات يحكمها الولاء الأجنبي. يُعدّ تشكيل مؤسسة عسكرية لا تتدخل في الحياة السياسية وتعمل على حماية الحدود والدفاع عنها، تحدّيًا يعترض قيام دولة ليبية ديمقراطية فيها اختلاف في التيارات السياسية وتنوّع في توجهاتها، وتهديدات أمنية تقليدية، وأخرى لا تماثلية جديدة، فرضها الانفلات الأمني على دول الجوار؛ الساحل الأفريقي والمنطقة المتوسطية. أدى تدهور الوضع الأمني94 وتأخّر بناء مؤسسات أمنية بهذه الميليشيات إلى السيطرة على أرض الواقع، والتحدي الصارخ للحكومة والمؤتمر الوطني الذي تعرّض للاقتحام وتعطيل أعماله بصورة متواصلة، على نحو دفع بعض أعضائه إلى تقديم استقالته خوفًا على حياته. أما مؤسسات الحكومة، فكانت مسرحًا للإقفال والاقتحام، ومُنع الموظفون من الدخول إليها، كما تعرّض وزراؤها للاعتداء، وممتلكاتها للنهب والتدمير، إلى جانب الارتباط الوثيق بينها وبين الإرهاب والأعمال الإجرامية. منذ سقوط نظام القذافي انتفى الإجماع حول أي شيء، وتضاعفت النزعة القبلية، الجهوية والإثنية، وبرز الاقتتال، واتخذ الصراع طابعًا إثنيًا، خصوصًا ما جرى في أواخر عام 2012 و 2013. وأصبح بناء الجيش مجالً للتنافس والصراع وتبادل الاتهامات بالعمالة للخارج، بينما يزداد عدد التشكيلات والكتائب المسلحة. كما واجهت عملية إدماج المسلحين في الجيش والسلطة، الكثير من التساؤلات: هل تتم بطريقة منفردة؟ أم بجماعات كاملة؟ وما يحمل ذلك من تهديدات لتماسك بنية المؤسسة العسكرية والأمنية وتمثيلها للوطن وخضوعها للعرف العسكري، إلى جانب التخوف من تسرب عناصر متطرفة، وتأثيرها في مؤسسات الجيش والأمن لمصلحة قوى سياسية أو مناطقية معينة. ربما كان نموذج السيسي مغريًا لبعض الأطراف في ليبيا95؛ فالأوضاع ازدادت سوءًا؛ في منطقة سرت، مثلً، حاولت الكتيبة 166، وهي قوات عسكرية وموظفون موالون لحكومة طرابلس إلى جانب أعضاء من الإخوان المسلمين، السيطرة على وسط مدينة سرت والجامعة وغيرها من المناطق الموالية، مستعملةً نحو 300 مدرعة عسكرية، بحسب محمد عبد الله عضو المؤتمر الوطني العام. كان الهدف منها القضاء على المعارضة، ما يُعزّز الحرب الأهلية في ليبيا، ويزيدها تأجيجًا. فليبيا اليوم تواجه مؤسستها العسكرية عراقيل وتحدّيات96، يمكن إجمالها في التحديين التاليين: التحدّي الأول: وجود عدد كبير ممن يرغبون في الانضمام إلى الجيش والمؤسسة الأمنية، ولهم ولاءات قبلية ومناطقية ضيقة، ولم يبدوا رغبةً في التنازل عن أسلحتهم، بل أعلن بعضهم تشكيل أحزاب سياسية مسلحة، معلنين عدم تسليم أسلحتهم حتى إقرار الدستور الجديد. ولم تنجح المؤسسات الرسمية الموقتة في إنهاء فوضى السلاح وسحبه من الكتائب والمدن، بل أرادت فرض توجّهاتها على صانعي القرار، ضاربةً عرض الحائط رفض الرأي العام هذه المظاهر كلها، ودعوته إلى حلّ جميع التشكيلات المسلحة وحصر السلاح في يد الجيش والأمن. التحدي الثاني: إشكالية ضمّ المحترفين في النظام السابق، حتى إن كانت أياديهم نظيفة، وبروز الاختلافات السياسية والمناطقية حول هذه المسألة وكيفية حلِّها، خصوصًا بعد لجوء بعض القادة السياسيين إلى تشكيل مجموعات مسلّحة تحت قيادتهم، أو تأييدهم قوى عسكرية قائمة. فنجح بعض منها في فرض إرادته على المؤتمر الوطني؛ قصد إصدار تشريعات تحت تهديد السلاح. إلا أنّ قرارات المؤتمر الوطني للمصالحة المنعقد في بنغازي، في 28 تموز/ يوليو 2011، رفضت أيّ حوار أو مشاركة لمن عمل في النظام السابق، حتى إن شارك في الثورة ضدَّه، وتجسيد نظام العزل السياسي. لم تكتف المؤسسة العسكرية في ليبيا، عكس نظيرتها في دول عدة من "الربيع العربي"، بإسقاط النظام ورئيسه، بل أحدثت تغييرًا جذريًا في النظام السياسي97، حيث نجحت القوات الموالية للثورة في الفترة آب/ أغسطس 2011 - أيار/ مايو 2014 في إحداث تغييرات كبيرة في الوضع الراهن، آخرها إعلان خليفة حفتر في أيار/ مايو 2014 انقلابه عبر وسائل الإعلام، فزادت حدّة الصراعات المتعددة الأبعاد، وجعلت الخيار المسلّح في المقام الأول لبدائلها. فكان الانقسام، وظهور حكومة في طبرق تتكوّن من تحالف غير متجانس لفصائل مسلحة وقوات جهوية، وعناصر مؤيدة للثورة مع فصيل عسكري بقيادة خليفة حفتر.

  1. Jon Mitchell, "War in Libya and its Futures 2: State of Play-Islamist
  2. يوسف محمد جمعة الصواني، ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة (بيروت: مركز
  3. Forces (2)," 26/1/2015, accessed on 14/4/2016, at: https://goo.gl/NXG7rj
  4. دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص.211 96  Omar Ashour, "Between ISIS and a failed state: The Saga of Libyan Islamists," Brookings Institution, Washington, Working Paper (August 2015), p. 9. 97  Mitchell, "War in Libya and its Future 1."

كما هاجم فجر ليبيا وحلفاؤه في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2014 منطقة السرير، وهي أكبر محطة نفطية في ليبيا، وأكبر مصفاة في منطقة راس لانوف. وهي أكبر معركة بين الحكومتين المتنافستين؛ حيث استخدم فجر ليبيا (تحالف يضم كتائب مصراتة وغرفة عمليات ثوار ليبيا وقوات درع وسط ليبيا وميليشيات الزاوية وفرقة فرسان الجنزور) ما يقارب 300 مدرعة حربية، بغية السيطرة على المصدر الوحيد للصادرات الليبية وعوائدها من الريع. في خضم التجاذبات السياسية التي تتحكم فيها النزعات القبلية، جعل هذا الصراع الكبير الجلوس إلى مائدة التفاوض والاتفاق على خريطة طريق بين الفصائل المختلفة أمرًا ليس من الهيّ تجاوزه في الساحة السياسية الليبية، وسلاسة الحلول فيها. حاول مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا برناردينو ليون Bernardino Leon أن يجمع للمرة الثانية في 5 كانون الثاني/ يناير 2015 كلً من ممثلي فجر ليبيا ومجلس النواب في طبرق، وأعضاء المؤتمر الوطني العام لمناقشة ثلاثة عناصر حيوية لخريطة الطريق الليبية من أجل السلام: حكومة وحدة وطنية وتحقيق الاستقرار في البلاد من خلال وقف إطلاق النار من الميليشيات ووضع دستور جديد. إلا أنّ هذه المحاولات لم تنجُ من القنابل الموقوتة والملفات الشائكة والمعقدة، وعلى رأسها ملف الكتائب والميليشيات وكيفية قيام مؤسسة عسكرية تنضوي تحت راية واحدة لجيش وطني يروم الدفاع عن الوطن واحترام الدستور. بقي الجيش في تونس مؤسسةً تحمي الدستور وترعى الانتقال الديمقراطي، عكس المؤسسة العسكرية في ليبيا التي شاركت في إطاحة النظام، وما زالت تقوم بدور تفكيكي بانضوائها تحت قبعات كتائب وميليشيات تعمل على إيجاد مكان لها؛ بهدف اقتسام كعكة المكاسب السياسية، ولا تتوافر لديها الرغبة في العودة إلى الثكنة، المكان الطبيعي لوجودها.

خاتمة

على الرغم من الاختلاف في المحددات الاجتماعية والاقتصادية، فإن هناك تشابهًا في الأنظمة السياسية بين تونس وليبيا، يتمثل بتضييق الحريات وانخفاض مستوى الممارسة الديمقراطية. غدا الجيش في تونس، على الرغم من صغر حجمه، مؤسسةً عسكرية على الشاكلة الأوروبية وقام بدور إيجابي في المرحلة الانتقالية، حيث لم يجنح إلى الاستيلاء على السلطة، بل حاول مواكبة التغيير، فكان بمنزلة الحامي لمرحلة التحول الديمقراطي، عكس المؤسسة العسكرية الليبية التي غاب دورها وتلاشت قوّتها أمام اللجان الثورية والقوات الخاصة وميليشيات النظام. إنّ غياب جيش نظامي في مرحلة القذافي، جعل الأمور تزيد تعقيدًا، وفسح المجال أمام الكتائب والميليشيات لتكون حاجزًا أمام التحول الديمقراطي، وغدا بناء جيش حديث ليس من السهل تجاوزه. فبناء دولة ديمقراطية، يعني بناء مؤسسة عسكرية بمواصفات حديثة، تنأى عن التناحر السياسي وتروم الحفاظ على مؤسسات الدولة من الانهيار وتدافع عن الحدود ضد التهديدات الخارجية. إنّ الانضباط والاحترافية في الجيش التونسي لم يقدرا على منحه مفاتيح إيجاد حلول ملائمة لبعض التحديات التي يطرحها المشهد التونسي من تحديات إقليمية، وأخرى لا تماثلية جديدة، ومواجهة الاحتجاجات المتكرّرة لانعدام الموارد العسكرية اللازمة. أما التحدّي الأكبر بالنسبة إلى الجيش الليبي فيكمن في الطريقة المثلى لبناء جيش لا يتدخل في السياسة من خلال توحيد الميليشيات والكتائب كلها، والقضاء على التجاذبات السياسية التي تتحكم فيها النزعات القبلية. وبناءً عليه، يمكن تقديم بعض التوصيات قصد تفادي الصدام بين العسكري والسياسي: ضرورة تجنّب إنشاء جيش الشخص أو الفئة أو الحزب أو الطائفة، بل جيش يدافع عن الدولة ويصون الوطن. فيجسّد الاستقرار في المؤسسة العسكرية، ويجعل قوتها تراكميةً لا تجهضها أي عملية تغيير سياسي. السهر على تحييد العمل السياسي عن المؤسسة العسكرية، وفصل كلّ من تَحزَّب أو تَ ذْهب. استقلالية المؤسسة العسكرية في تسيير شؤونها، وضبط علاقتها بالسلطة السياسية. تفادي استبعاد المكوّنات الشعبية والشرائح المجتمعية في نسيج المؤسسة العسكرية. وضع كوتا، حيث لا تتجاوز نسبة أي طائفة أو قبيلة نسبة معينةً في المؤسسة العسكرية وفقًا لعدد السكان العام، ما يؤدي إلى إيجاد نوع من الحياد نسبيًا. خروج العسكريين من جميع الوظائف المدنية للدولة، قصد تعزيز مدنية الدولة. تحدي التداخل بين الجيش والمؤسسات الأمنية، وضرورة التنسيق بين مختلف الوحدات. ترسيم جديد للأدوار الخارجية والداخلية للمؤسسات الأمنية، وتحديد مجالات التقاطع بين الجيش ومختلف الأجهزة الأمنية.

المراجع

العربية

الآغا، فؤاد. علم الاجتماع العسكري. عمان: دار أسامة للنشر والتوزيع،.2008 أوين، روجر. الدولة والسلطة والسياسة في الشرق الأوسط. ترجمة عبد الوهاب علوب. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة،.2004 بدوي، محمد طه. النظرية السياسية: النظرية العامة للمعرفة السياسية. الإسكندرية: المكتب المصري الحديث،.1991 بلقزيز، عبد الإله وآخرون. المعارضة والسلطة في الوطن العربي: أزمة المعارضة السياسية العربية. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 الجمعاوي، أنور. "المشهد السياسي في تونس: الدرب الطويل نحو سياسات عربية التوافق.". العدد 6 (كانون الثاني/ يناير.)2014 حرب، علي. ثورات القوة الناعمة في العالم العربي: من المنظومة إلى الشبكة. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون،.2012 حسن، هيفاء رشيد. "الدور السياسي للمؤسسة العسكرية، المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نموذجًا." مجلة كلية القانون للعلوم القانونية والسياسية. جامعة كركوك/ كلية القانون والعلوم السياسية. مج 4، العدد 2015(13 في http://bit.ly/2Yt91Fl:). الرميحي، محمد. أولويات العرب، قراءة في المعكوس: خمسون مقال بيحث عن الحقيقة. بيروت: الدار العربية للعلوم والنشر،.2010 السعيداني، المنجي. "تونس: المؤسسة العسكرية تنفي نيتها التدخل في الشأن السياسي." الشرق الأوسط.2012/4/4. صديقي، العربي. "تونس: ثورة المواطنة، 'ثورة بلا رأس."' سلسلة دراسات وأوراق بحثية. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (تموز/ يوليو.)2011 الصواني، يوسف محمد جمعة. ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 الطيب، حسن أبشر. الدولة العصرية دولة مؤسسات. القاهرة: الدار الثقافية للنشر،.2000 عبد الفتاح، بشير. '"الأدوار المتغيرة' للجيوش في مرحلة الثورات العربية." السياسة الدولية. 2011/8/8:. في https://goo.gl/AN1dyg عبد الله، ثناء فؤاد. ا لدولة والقوى الاجتماعية في الوطن العربي: علاقات التفاعل والصراع. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2001 عبيدات، أحمد وآخرون. الثورة والانتقال الديمقراطي في الوطن العربي: نحو خطة طريق. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2012 عمراني، كربوسة. "المجتمع المدني في ظل الحراك العربي الراهن: أي دور؟ بالإشارة لحالة المجتمع المدني في الجزائر." مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية. مج 6، العدد 16)أيلول/ سبتمبر.)2014 غابريال، أشرف سليمان. علم الاجتماع العسكري: دور المؤسسة الرئاسية والعسكرية في تحقيق الأمن القومي. الإسكندرية: مؤسسة شباب الجامعة،.2010 قعلول، بدرة. " 'الجيش سيعود إلى ثكنه' دور المؤسسة العسكرية التونسية في المرحلة الانتقالية إلى الديمقراطية." مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي 2011/11/3. في https://goo.gl/ybsLki:. مجموعة مؤلفين. نحو كتلة ديمقراطية في البلدان العربية. تنسيق وتحرير علي خليفة الكواري وعبد الفتاح ماضي. ب وررت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2010 المخادمي، عبد القادر رزيق. الإصلاح الديمقراطي في الوطن العربي بين القرار الوطني والفوضى البناءة. القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع،.2007 منيسي أحمد وآخرون. التحول الديمقراطي في دول المغرب العربي. القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية،.2004 النظام السياسي لمجتمعات متغيرة هنتنغتون، صامويل.. ترجمة سمية فلو عبود. بيروت: دار الساقي،.1993 ولد داداه، أحمد وآخرون. الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002

الأجنبية

Álvarez - Ossorio, Ignacio. "Primavera árabe: esperanzas frustradas." El País. 23/12/2014. at: https://goo.gl/EA8WAe Amin, Samir. "Primavera Árabe?" Anuari del conflict social. no. 1 (October 2011). Aranda Ortiz. & María Teresa. "La Primavera Árabe: el despertar de los pueblos sometidos." Universidad de Jaén, Facultad de Humanidades y Ciencias de la Educación Junio (Junio 2016). at: https://goo.gl/qT8r55

Arieff, Alexis. "Political Transition in Tunisia." Congressional Research Service. Political Transition in Tunisia. 4/3/2011. at: https://goo.gl/qbRQR1 Ashour, Omar. "Between ISIS and a failed state: The Saga of Libyan Islamists." Brookings Institution, Washington. Working Paper (August 2015). Bhardwaj, Maya. "Development of Conflict in Arab Spring Libya and Syria: From revolution to Civil War." at: https://goo.gl/cCSCGP Boukhars, Anouar. "Strengthen Tunisia's Army, But Keep It Out of Politics." Carnegie Endowment for International Peace. Washington. 20/10/2015. at: https://goo.gl/PqbJBi Brooks, Risa. "Abandoned at the Palace: Why the Tunisian Military Defected from the Ben Ali Regime in January 2011." Journal of Strategic Studies. vol. 36, no. 2 (February 2013). Cordesman, Anthony H. "The North African Military Balance: Force Developments in the Maghreb." Working Draft. Center for Strategic and International Studies. 28/3/2005. Dahl, Robert. De la démocratie. Paris: Nouveau horizon, 1999. Darwisheh, Housem. "Trajectories and Outcomes of the Arab Spring: Comparing Tunisia, Egypt, Libya and Syria." Institute of Developing Economies. Wakaba. Japan (March 2014). Dorsey, James M. "Role of Arab Militaries in Popular Uprisings." Middle East Journal. vol. 3, no. 6 (2011). Douglas-Bowers, Devon. "Arab Spring: Revolutions, Lies, and Intervention." Center for Research and Globalization. Global Research. 31/8/2011. at: https://goo.gl/WqHnEs Gaaloul, Badra. "Back to the Barracks: The Tunisian Army Post-Revolution." Carnegie Endowment for International Peace. 3/11/2011. at: https://goo.gl/CuAaGW Haddadt, Saïd. "The Role of the Libyan Army in the Revolt against Gaddafi's Regime." Al Jazeera Net. 16/3/2011. at: https://bit.ly/2YGysDx Hopmann, Terrence. & I. William Zartman (eds.). "Tunisia: Understanding Conflict 2012." Johns Hopkins University. School for Advanced International Studies (2012). at: https://goo.gl/4P8C3o Jesús, Carlos Echeverría. "Las Fuerzas Armadas y de Seguridad y las revueltas en Túnez y Egipto." Real instituto Elcano. 8/2/2011. at: https://goo.gl/66QKRr Karabelias, Gerassimos. Civil-Military Relations: A Comparative Analysis of the Role of the Military in the Political transformation of Post-War Turkey and Greece 1980-19 95. Final Report. North Atlantic Treaty Organization (NATO). (January 1998). Khechana, Rachid. "How Revolution Became The Only Possibility in Libya." Middle East Online. 20/4/2011. at: https://goo.gl/PkiWZt Lecha, Eduard Soler i. "Fuerzas de seguridad y revueltas árabes." La Primavera Árabe. 28/3/2011. accessed on 1/4/2016. at: https://goo.gl/eudou1 Lutterbeck, Derek. "Arab Uprisings and Armed Forces: Between Openness and Resistance." The Geneva Centre for the Democratic Control of Armed Forces. SSR Papers Series (2011). Meddeb, Hamza. "Conscription Reform Will Shape Tunisia's Future Civil-Military Relations." Carnegie Endowment for International Peace. Washington. 21/10/2015. at: https://goo.gl/eFNHku Mitchell, Jon. "War in Libya and its Futures 1: State of Play- Islamist & Misrata Forces (1)." The Red (Team) Analysis Society Strategic Foresight & Warning, Risk Management, Horizon Scanning. 5/1/2015. at: https://goo.gl/AancnQ

. "War in Libya and its Futures 2: State of Play- Islamist Forces (2)." The Red (Team) Analysis Society Strategic Foresight & Warning, Risk Management, Horizon Scanning. 26/1/2015. at: https://goo.gl/NXG7rj Navarro, José María Blanco. "Primavera Árabe. Protestas y revueltas, Análisis de factores." Instituto Español de estudios estratégicos. Documento de Opinión. no. 52 (julio de 2011). at: https://goo.gl/shgY8X Ouannes, Moncef. Militaires, Elites et modernisation dans la Lybie contemporaine. Paris: L'Harmatan, 2009. Parker, Emily. "Tunisia's Military: Striving to Sidestep Politics as Challenges Mount." Tunisia Live. 25/6/2013. at: https://goo.gl/sdJhcv Plattner, Marc F. "Comparing the Arab Revolts: The Global Context." Journal of Democracy. vol. 22, no. 4 (October 2011). Roberts, Adam. "Por qué fracasó la Primavera Árabe." El Diario (España). 16/1/2016. at: https://goo.gl/ynH9ke Salah, Omar Belhaj. "Liberty and Security in Tunisia." The Cairo Review of Global Affairs. The American University in Cairo. 24/9/2014. at: https://goo.gl/QEVGn2 Sayigh, Yezid. "Dilemmas of Reform: Policing in Arab Transitions." Paper. Carnegie Middle East Center. 30/3/2016. at: https://goo.gl/JvyGj2 Sayigh, Yezid. "The Tunisian Army: A New Political Role?" Carnegie Middle East Center. 31/10/2011. at: https://goo.gl/JrYQFg Selfa, Lance. "Libya's Revolution, U.S. Intervention, and the Left." International Socialist Review. no. 77. at: https://goo.gl/y6XWDb Signé, Landry. & Remy Smida. "The Army's Decision to Repress: A Turning Point in Tunisia's Regime Change." Center on Democracy, Development, and the Rule of Law. Stanford University. Working Paper (April 2014). at: https://goo.gl/c1uLRV Steiman, Daniel. "Military Decision-Making During the Arab Spring." Muftah. 29/5/2012. at: https://goo.gl/Vzp9Uo Woods, Alan. "After the death of Gaddafi: Revolution and Counter-revolution in Libya." Marxism. 21/10/2011. at: https://goo.gl/Zmnxym