أصول النظام السياسي وتطوره وانحطاطه: مراجعة كتابَي فرانسيس فوكوياما عن أصول النظام السياسي
The Origins of Political Order, Political Development and Decay: Review of Fukuyama's Two Books about the Origins of Political
عنوان الكتاب الأول: أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية. المؤلف: فرانسيس فوكوياما. المترجم: مجاب الإمام ومعين الإمام. سنة النشر:.2016 الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة. عدد الصفحات: 735 صفحة. عنوان الكتاب الثاني في لغته:
عنوان الكتاب الثاني: النظام السياسي والانحطاط السياسي: من الثورة الصناعيّة إلى عولمة الديمقراطية. المؤلف: فرانسيس فوكوياما. المترجم: مجاب الإمام ومعين الإمام. سنة النشر:.2016 الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية، الدوحة. عدد الصفحات: 831 صفحة.
Order
. The Origins of Political Order: From Prehuman Times to the French Revolution عنوان الكتاب الأول في لغته:
Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy.
مقدمة
ناشيونال إنترست في عام 1989، نشرت مجلة مقالة للمنظّر السياسي الأميركي فرانسيس فوكوياما بعنوان "أهي نهاية التاريخ؟" History?" of End The"، أشار فيها إلى أنّ العالم لا يشهد نهاية الحرب الباردة فقط، بل نهاية التاريخ ذاته، فلقد بلغت البشرية جمعاء نقطة نهاية التطور الأيديولوجي، وأمست الديمقراطية الليبرالية الغربية نموذجًا كليًا بوصفها شكلً نهائيًا للحكم. وبعد سنوات ثلاث، تأكَّد سقوط الاتحاد السوفياتي والنموذج الشيوعي عمومًا، فتوسّعت المقالة، وصارت كتابًا يقرّر بعنوانه الانتصاري، الذي حُذفت منه علامة الاستفهام، نهاية التاريخ والإنسان الأخير (أو "خاتم البشر" بحسب ترجمة عربية أخرى)، "حقيقة" الانتصار التاريخي للنموذج الديمقراطي الليبرالي الغربي. وكان فوكوياما قد فلسف هذه النهاية على وفق مقولات هيغل، ولكن هيغل كما أوَّلَه ألكسندر كوجيف في كتابه مدخل إلى قراءة هيجل. وفي خاتمة الطبعة الثانية للكتاب نفسه، الصادرة عام 2006، نوّه فوكوياما بالحاجة إلى نظرية عن التطور السياسي مستقلة عن الاقتصاد1. ولغرض تحقيق هذه المهمّة، لا يكتفي فوكوياما بالوقوف عند نهاية التاريخ، بل سيعود القهقرى إلى بدايته، متتبّعًا مسيرته الطويلة إلى عصرنا الحالي. وهذه هي المهمة التي سيضطلع بها كتاب في مجلدين: أولهما بعنوان أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية 2011()، وثانيهما: النظام السياسي والانحطاط السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الثقافة
نظرة عامة على كتاب أصول النظام السياسي
يكتب فوكوياما أنّ لكتابه هذا مصدرين، أولهما كتاب معلمّه صمويل هنتنغتون النظام السياسي في مجتمعات متغيرة)1968(، وثانيهما هو "جملة المشكلات التي تواجهها الدول الضعيفة والفاشلة على أرض الواقع اليوم" (مج 1، ص 12.) ظهر كتاب هنتنغتون بعد عقد واحد من حقبة تصفية الاستعمار في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن كانت قد استجدّت على الساحة الدولية تطورات عديدة، منها، مثلً، انهيار الشيوعية العالمية، وتسارع وتيرة العولمة، وظهور ما سمّ ه هنتنغتون، مطلع التسعينيات من القرن العشرين، "الموجة الثالثة" من الديمقراطية، ويقصد بها موجة الانتقال الديمقراطي التي بدأت في جنوب أوروبا في سبعينيات القرن نفسه. هذا فضلً عن أن هناك العديد من الأسئلة، التي لا يقدّم عنها كتاب هنتنغتون إجابات شافية، منها، مثلً، أسباب وكيفية تحوّل المجتمعات من القَبَلية إلى الدولة، وكيف يحدث أن يرتكس تطور سياسي في مكان ما من نظام سياسي لاشخصاني إلى نظام سياسي يعتمد القرابة والسياسات الشخصانية؟ أو لماذا لا تزال هذه الشخصنة قائمة وراسخة في مجتمعات معينة من عالمنا اليوم؟ لذلك، أمست عملية "إعادة كتابة مؤلف هنتنغتون وتحديثه" حاجة ملحّة، وإن انتهى الكتابان إلى النتائج نفسها.
هناك فكرةٌ أساسية ذات أهمية قصوى كرَّسها هنتنغتون ويتابعها فوكوياما في كتابه هذا، وهي "أنّ التطور السياسي عملية مستقلة عن النمو الاقتصادي والاجتماعي، وقبل أن يصبح الكيان السياسي ديمقراطيًا، يجب أن يوفر نظامًا أساسيًا" (مج 1، ص 19.) لذلك، يولي أصول النظام السياسي الدولة الصينية عناية مميزة ومساحة كتاب واسعة، فهي تشكّلت وضمّت العديد من عناصر الدولة الحديثة قبل 800 عام من ظهورها في أوروبا، فضلً عن أنّها مثال على قيام دولة قبل الثورة الصناعية والاقتصاد الرأسمالي. ويبدأ المجلد الثاني من الكتاب بقصة هذه الدولة. يخصّص فوكوياما المجلد الأول لدراسة التطور السياسي من عصور ما قبل الإنسان حتى قيام الثورتين الفرنسية والأميركية، ثم يتابع المجلد الثاني القصة نفسها إلى يومنا هذا. ولكن يجب الانتباه إلى أنّ التطور السياسي منذ بدايات القرن التاسع عشر إلى الزمن الحاضر يختلف عن كلّ ما سبقه؛ لأنّ العصر الصناعي قد غيّ ما يسمى "الشروط
المالتوسية" التي خبرتها البشرية إلى ذلك العصر، بمعنى أنّ آليات التطور في العصر الصناعي وسرعته تتخطى بكثير نظيرتها في عالم ما قبل الصناعة. أصول النظام السياسي الرئيسة معرفة آلية من موضوعات كتاب المؤسسات السياسية المعاصرة ووظيفتها، وللتوفّر على هذه المعرفة لا بدّ من معرفة أصولها معرفة جيدة. والغرض من ذلك ليس كتابة تأريخ لها، إنما استخلاص نظرية في التطور السياسي والانحطاط السياسي. ولكنّ فوكوياما يعرف جيدًا أنّه يجول في ميدان لا يمكن ضبط عناصره وعوامله ومتغيراته المتداخلة والمتشابكة والمتراكبة، أو ما يسميه "سلاحف متراكبة إلى ما لانهاية" (مج 1، ص 48.) لذلك ينوّه بأنّ هذه النظرية لا ترتقي إلى مصافّ نظرية تنبئية حقيقية، إنّ ا هي بحسب تعبيره "نظرية متوسطة المدى تتجنب مزالق التجريد المفرط[...]والتخصيص المفرط." وتحاول هذه النظرية، عبر الوصف التاريخي للطرق التي سلكها التطور السياسي، أن تجد السلاسل السببية التي أنتجته، ومنها يمكن اصطفاء الأسباب الأعمّ فالأقل عموميةً وهكذا، لأنّ كل عامل تفسيري يعتمد على آخر أعمق غورًا (مج 1، ص 49، 441، 575-574.) زِد على ذلك أن الكتاب لم يبدأ، كما هو معتاد، بإطار نظري، بل يرجئ المؤلّف إطار الكتاب النظري إلى الفصول الثلاثة الأخيرة من المجلد الأول بعد السرد التاريخي استنادًا إلى حقيقة يؤمن بها وهي أنه ينبغي استنتاج الحقائق من الوقائع لا العكس (مج 1، ص.)50 ولتشييد هذه النظرية، أو شبه النظرية، اتبع المنهج المقارن؛ فأغلب الكتابات النظرية والتاريخية التي تناولت تطوّر الأنظمة السياسية تفتقر إلى هذا المنهج. ومن فضائل هذا المنهج أنّه بمقارنة تطور النظم السياسية بين المجتمعات وعبر التاريخ يمكن الوقوف على العوامل أو الأسباب الجوهرية والعَرَضية التي كانت وراء تطورٍ أصاب النظامَ السياسي في هذا المجتمع، ولم يحدث في مجتمع آخر. إنّ هذه النظرية "متوسطة المدى" تستند إلى مجموعة علوم: الأنثروبولوجيا، والاقتصاد، والبيولوجيا، وغير ذلك. ويعيد الكتاب الاعتبار إلى ما يسمّيه "التقاليد الضائعة لعلم الاجتماع التاريخي أو علم الأناسة المقارن في القرن التاسع عشر." ولا تهمل هذه النظرية خصوصية كل إقليم: التاريخية والاجتماعية والجغرافية، فعلى الرغم من طموحها إلى كتابة تاريخ عام، وهو ما سأقف عنده في خاتمة هذه المراجعة، فإنّها لا تلتزم تفسيرًا واحدًا للتاريخ. وفي غضون العرض التاريخي، تجري مناقشة العديد من التفسيرات، ولا سيما التفسيرات الماركسية الاقتصادية، التي يسعى الكتاب، بحماسة منتصر، لتفنيدها. وللبيولوجيا حصة مهمة، بل قد توحي العديد من التفسيرات بأشباح نزعة بيولوجية، وتكاد اللغة والمفاهيم المستعملة هنا أن تكون قريبة، إلى حدّ ما، من معجمية البيولوجيا، ولكن هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أنّه ينساق وراء حتمية بيولوجية. لم يبدأ فوكوياما بالتفتيش عن أصول النظام السياسي بأقدم الحضارات، بل اتّخذ من الثدييات نقطة انطلاق له لتفسير ظاهرة كالحرب مثلً. "فعلم الأحياء، بمعنى ما، يحدد الإطار العام للسياسة الإنسانية قاطبة." والصراع من أجل نيل الاعتراف، الذي كان فوكوياما قد اتخذه مفتاحًا لتفسير نهاية التاريخ، هو أيضًا ذو جذور بيولوجية، ومع ذلك فإن الاعتراف في حالة الإنسان أشد تعقيدًا. فنحن نصارع، أحيانًا، من أجل الاعتراف بأشياء ليست محسوسة أو شخصية، بينما يقاتل الشمبانزي للاعتراف بشخصه (مج 1، ص 42-41، 51، 74-73.) لقد وضع علم البيولوجيا الركائز أو اللبِنات الأساسية للتطور السياسي؛ فالطبيعة البشرية، كما يؤكد فوكوياما، تظل ثابتة عبر المجتمعات المختلفة إلى حد بعيد، أمّا ما يطرأ عليها من اختلافات فإنما هو نتيجة تباين البيئات التي سكنها البشر؛ فتطور كلّ مجموعة بشرية يعتمد على درجة ونوعية صراعها وتكيّفها مع البيئة المحيطة بها، وهذا تحديدًا ما يميّز تطور المجتمعات البشرية. وهو يحدِّد هذه الركائز أو اللبنات التي هي، في الوقت نفسه، ركائز نظريته في تطوّر النظم السياسية في أنَّ البشر كانوا دائمًا اجتماعيين، وهذا ما ذهب إليه أرسطو. ولكن إعادة تأكيد فوكوياما هذه الحقيقة تأتي لتقف ضد ما ذهب إليه أصحاب نظرية الطبيعة أو الفطرة (هوبز، ولوك، وروسو) الذين افترضوا أنّ البشر كان قد مرّ عليهم زمان لم يكونوا فيه اجتماعيين، ثم اجتمعوا لأسباب عقلانية، لذلك هو يكرّس جزءًا لا بأس به من كتابه لبسط نظرياتهم ونقدها. وتستند هذه الطبيعة الاجتماعية إلى مبدأين: الاصطفاء القرابي، والإيثار المتبادل؛ فالبشر يميلون فطريًا إلى أقربائهم، ويميلون إلى إقامة علاقات مع الآخرين على أساس تبادل النفع أو دفع الضرر. كما أن في البشر نزعة فطرية لإيجاد الأعراف أو القواعد واتّباعها. إن في البشر ميلً إلى إيجاد المؤسسات، وهو ميل يشبه بنية عميقة كتلك البنية اللغوية العميقة التي يتحدث عنها تشومسكي. وفي البشر أيضًا نزعة طبيعية نحو العنف، فالعنف ليس مكتسبًا كما ظنّ روسو. ولكن بسبب ميل البشر إلى إيجاد المؤسسات، مالوا إلى إيجاد مؤسسات تسيطر على هذا العنف، وتضبطه وتوجّهه بأشكال مختلفة. أما الركيزة البيولوجية الأخيرة لدى البشر فهي الاعتراف (مج 1، ص 76-53، 579-575.) والاعتراف مفهوم هيغلي، نهاية التاريخ يستعمله فوكوياما، هنا وفي كتابه، بكثافة فاقت ربما هيغل نفسه، لتفسير ميل البشر إلى النظام الديمقراطي.
من منظور تاريخي طويل، يمكن أن نتبيّ أنّ الأنظمة السياسية تتطور على وفق مبدأَي التطور البيولوجيين وهما: التنوع، والانتخاب. فعلى امتداد هذا التاريخ يظهر أنّ الناجح والمفيد هو الذي ساد بعد ذلك. لكنّ هذا التشابه يجب ألّ يُعمي عن ثلاثة أوجه من الاختلاف بين التطورين البيولوجي والسياسي، وهي: أنّ المؤسسات وحدات الانتخاب في التطور السياسي، بينما المورِّثات هي وحدات الانتخاب في التطور البيولوجي. التخطيط، لا العشوائية، هو ما يضبط تنوع المؤسسات في المجتمعات البشرية. في حالة التطور السياسي يكون انتقال السمات المنتخبة انتقال ثقافيًا، وفي حالة التطور البيولوجي يكون وراثيًا (مج 1، ص لطبيعتنا البيولوجية حدود يمكن التعالي عليها عبر وجودنا الاجتماعي العقلاني القائم على حسابات لاشخصانية، وهو تطور لم يظهر ويكتمل إلّ مع ظهور الدولة. فالدولة تطور من وجود اجتماعي يستند إلى ركائز بيولوجية، ووجود مدني يستند إلى حسابات عقلانية. لا يمكن نفي الحسابات العقلانية، ولكن تأتي لاحقًا لوجودنا الاجتماعي. فنحن كائنات اجتماعية بدءًا، ولم نكن، كما توهّم أصحاب نظريات الفطرة والطبيعة، كائنات منفردة ونعيش بمعزل. ولكن تبقى إمكانية انحطاطنا إلى مقومات وجودنا البيولوجي الصرف ممكنة، وهذا ما يفسّ الانحطاط السياسي وظهور الأنظمة السياسية القائمة على المحسوبية والميراثية (مج 2، ص 121-120،.)271 والحسابات العقلانية الواعية تدعمها الثقافة والأفكار ورأس المال الاجتماعي والدين. ولا ينكر فوكوياما أبدًا ما للأفكار من دور مهم في هذا الصدد، بل يشدّد عليها حدّ القول: "من المستحيل وضع نظرية هادفة أو ذات معنى للتطور السياسي من دون التعامل مع الأفكار باعتبارها أسبابًا جوهرية تكمن وراء اختلاف المجتمعات واتباعها سبلً تطورية متمايزة" (مج 1، ص 579.) فإذا كان وجود البشر البيولوجي واحدًا ومتشابهًا، فإنَّ ما يميّز بعضهم من بعض هو تعاملهم مع بيئاتهم، والأفكار والثقافة هي التي تميّز تعامل جماعة معينة من أخرى. كان للأفكار والثقافة أثر حاسم في توحيد الصين، والمحافظة عليها دولةً قوية واحدة، بل هي أول دولة في التاريخ بالمعنى الفيبري للدولة، وفي بناء الدولة البروسية الحديثة التي اعتنقت الكالفينية، وكذلك فعلت الأفكار في حالة الدنمارك. والدين، وليس الاقتصاد، هو ما يفسر طبيعة الدولة والمجتمع الهنديَيّن وتاريخهما، بل إنّ كلّ دولة تقريبًا أضفت على نفسها شرعية دينية. وجميعُ الأساطير المؤسِّسة للدول اليونانية والرومانية والهندية والصينية تُرجع أصل سلالات النظام الحاكم إلى إله، أو على الأقل إلى بطل نصف إلهي. لا شك في أنّ الأفكار المتصلة بالشرعية هي أحد عوامل التطور السياسي. وفكرة المساواة، التي أطلقها الإصلاح البروتستانتي، هي الأساس في فكرة المحاسبة. ولكن ليس هناك تجربة تاريخية تجسّد أهمية الأفكار للسياسة كما تجسّدها تجربة الدولة العربية التي أسّسها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، (مج 1، ص 135، 136، 216، 236، 436، 570؛ مج 2، ص 63-59، 95.) والتطور السياسي هو تطور في القواعد التي تسيّ المؤسسات السياسية وتحكمها، فهو ليس مجرد تغيّ شكلي في الحاكمين والدول. وللتطور السياسي أبعاد وأسباب، ولا سيمّا في حقبة ما بعد الثورتين الأميركية والفرنسية، وهي: التطور الاقتصادي، والتحشيد الاجتماعي، ونمو الأفكار المتعلقة بالشرعية. وفي الحقيقة، فإنّ وجود هذه العوامل معًا لا يحدث دائمًا، وقد لا يؤدي تجمّعها معًا إلى إحداث تطور سياسي إلّ في حالات نادرة كما في حالة إنكلترا (مج 2، ص 37، 67-59،.)72 يتكوّن النظام السياسي من ثلاث مؤسسات: الدولة، وحكم القانون، والحكومة الخاضعة للمحاسبة أو المساءلة. ويستعير فوكوياما تعريفه لمفهوم المؤسسة من كتاب هنتنغتون النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، بأنها "أنماط مستقرة وقيّمة ومتكرّرة من السلوك" (مج 1، ص 589.) وفهم أصول هذه المؤسسات والظروف التي تطوّرت ضمنها، وحيثيات نشأتها، هو ما يساعد على أن نفهم البون الشاسع بين الدول. فوجود هذه المؤسسات جميعًا، أو بعضها وغياب بعض آخر، هو الذي يميّز بين الدول. ولكنّ وجودها جميعًا معًا على نحو متوازن هو ما يكوّن الدولة الديمقراطية الليبرالية. وهذا الشكل من النظام السياسي هو آخر ما أنتجه التطور السياسي عبر التاريخ. وقد وصلت إليه بعض الدول، واتخذت مسارات مختلفة لذلك، وتمثّل الدنمارك اليوم ذروته، ويستعمل فوكوياما تعبير "بلوغ الدنمارك" Denmark to Getting، باعتبار أنّ هذه الدولة تمثّل اليوم نموذج الدولة الليبرالية الديمقراطية. مرّت جميع المجتمعات بالمراحل التطورية الأولى نفسها، ولكنها اختلفت، وما زالت مختلفة، في طريقة ارتقائها، وفي العوامل المنتجة لهذا الارتقاء، والمديات التي بَلَغتها. فجميع المجتمعات مرّت بالمرحلة الأولى، وهي الزُمر والقبائل، ولكن ليس جميعها تعدَّى هذه المرحلة، حتى إن بدا بعضها قد تخطى تلك المرحلة، فهذا لا يعني أنّه قد تخلَّص منها تمامًا، فربما لا تزال بعض المجتمعات تحمل طبائع القَبَلية، بينما تخطّى بعضها تلك المرحلة فعليًا. بعد القبيلة
يتطور المجتمع إلى المَشيخَة والدولة، وهو تطورٌ من تنظيمات تعتمد القرابة، أو تنظيمات شخصية، إلى تنظيمات لا قرابية ولاشخصية. وهذه اللحظة حاسمة تاريخيًا وبنيويًا في مسيرة مجتمع ما. فهنا، في هذه الانتقالة، نلج فعلًالتطور السياسي الحقيقي (مج 1، ص 88،
والدولة "تنظيم تراتبي ممركز يحتكر القوة الشرعية على منطقة معينة." وبطبيعة الحال، لا تبزغ الدولة كاملة، بل تمرّ، هي أيضًا، بفترة نمو ونضج. ولم تشهد الحضارات القديمة بزوغ دولة، بالمعنى الفيبري الحديث، إلّ في الصين القديمة؛ حيث كانت الحرب الضروس، وليس أي عامل آخر، السبب في قيام الدولة. فالحربُ تقتضي تنظيم بيروقراطيًا ومؤسسات وابتكارات تقنية. فبَنت الدولةُ الصينية، مثل، أمةً صمدت في وجه التحديات المختلفة والعنيفة ألفَي سنة تقريبًا. لقد تفوق الصينيون في إقامة الدولة في مرحلة مبكرة من تاريخهم "وكانوا أول من صمّم نظامًا إداريًا تميّز بالعقلانية، وتنظَّم وظيفيًا، واعتمد على معايير لاشخصية للتوظيف والترقية" (مج 1، ص.)423 وسوف تكون الحرب، في حالات أخرى أحدث، سببًا في تأسيس دولة أو أمّة؛ فالدولة القومية (الوطنية) في أوروبا تشكّلت بفعل الحروب. وكانت الحرب المستمرة مع جيرانها السبب في أن تطوِّر بروسيا جهازًا بيروقراطيًا، الأمر الذي مهّد لقيام ألمانيا الحديثة (مج 1، ص -141 143، 183-147؛ مج 2، ص 97-92.) وبجوار الدولة الصينية القديمة، كانت هناك دولة تنمو وتنضج وتنبني وهي الهند. لكن ما ميّز الهند من الصين قوة المجتمع وضعف الدولة المركزية، لذلك ظهرت الدولة الاستبدادية في الصين وليس في الهند. وكان الدين الهندي، الذي خلق نظامًا اجتماعيًا طبقيًا صارمًا، هو الذي أسهم في قوة المجتمع. فكوّن الدين ثقافة اجتماعية مشتركة قوية وسابقة لأي تطور سياسي أو اقتصادي آخر (مج 1، ص 219-.)263 والمجتمع الإسلامي مثله مثل المجتمعيَن الصيني والهندي، خرج، أو حاول الخروج، من النظام القَبلَي. وقد أسّس دولة قوية استندت إلى شخصية الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، والقوة والأفكار. ولقد استُعمل نظامُ الرِّق العسكري للخروج من ضعف التجنيد القَبلَي. وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك تطبيقًا لمبدأ إسلامي، إنما كان تعبيرًا عن تطور واقعي فرضته شروط تاريخية واجتماعية. حدث هذا على أيدي العباسييّن، وبعدهم اعتمدت الإمبراطورية الغزنوية، والمماليك بمصر، وأخيرًا العثمانيون النظامَ نفسه. وكان العثمانيون هم الذين طوّروا دولة خارج البناء القَبلَي، تقوم على المؤسسات التي أنشؤوها، وفيها بلغ نظام الرّق العسكري حدَّ الكمال (مج 1، ص.)310-267 أمّا الدولة في أوروبا الغربية فكان لها مسار آخر. وعلى عكس ما ذهب إليه الماركسيون وغيرهم بإرجاعهم الروح الفردية في أوروبا إلى التصنيع في العصر الحديث، أو إلى البروتستانتية كما فعل ماكس فيبر، هناك من يرى، ومنهم فوكوياما، أنّ الروح الفردية كانت قد انتشرت في أوروبا، وأنّ الروح القرابيّة قد تدنّ شأنها وحضورها، منذ أن غزت القبائل الجرمانية الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وكانت الكنيسة الكاثوليكية السبب من وراء ذلك من دون أن تهدف إليه فعليًا عبر تحريمها جملة ممارسات أضعفت التوريث بين الأقارب، فزاد التبرع لأملاك الكنيسة، وتمكينها المرأة من التملّك، وتسجيل الأملاك باسمها. أسهم ذلك كله في الحد من سطوة المجتمع الأبوي؛ لذلك سبق التطورُ الاجتماعي التطورَ السياسي. كان ذلك التطور عرضيًا لأنّ السلطات الكنسية لم تكن تطبّق مبدأ دينيًا، بل كانت تبحث عن تحقيق مصالحها الدنيوية (مج 1، ص 334-321.) وجاء بناء دولة مركزية قوية في أوروبا متأخرًا عن نظيرتيها في الصين وتركيا. ويمكن أن يُعزى ذلك إلى قوة الإقطاع، وقوة التجار واكتفائهم الذاتي، ونمو المدن المستقلة التي كانت لها جيوشها الخاصة. ولكن كان هذا التأخر في المنظور التاريخي الطويل مفيدًا لمسيرة أوروبا الغربية لاحقًا. فلقد "شكّل تأخر مشروع بناء الدولة الأوروبية ذاته مصدرًا للحرية السياسية التي سيتمتع بها الأوروبيون لاحقًا" (مج 1، ص
تعاني أميركا اللاتينية تشوهاتٍ في بناء الدولة بسبب الاستعمار الإسباني والبرتغالي، الذي أعاد في هذه القارة إنتاج بنيته الطبقية الصراعية، فضلً عن التصدعات الإثنية والعرقية، فورثت عشية استقلالها دولة مبتلاةً بجميع أشكال الاستبداد والضعف والفساد. ومن المفارقات، أنّ فوكوياما يرى غياب الحروب بين دول أميركا اللاتينية (وليس غياب الحروب الأهلية) سببًا في عدم ظهور دولة قوية، على عكس الدول الأوروبية التي قوي بناؤها المؤسساتي بسبب الحرب (مج 2، ص -327 343.) والدولة في أفريقيا حالة خاصة، فبسبب حلول الاستعمار فيها متأخرًا، وبسبب تحطيم الاستعمار المؤسسات الأفريقية التقليدية
وعدم تعويضها بمؤسسات جديدة، فضلً عن أنّ أفريقيا (جنوب الصحراء) لم تشهد قيام دولة قبل الاستعمار، كل ذلك أدى إلى ضعف مزمن في بناء الدولة، وفساد مطبق، وكل شيء يدور حول مصالح الرئيس وزبانيته (مج 2، ص 375-371.) أما جنوب شرق آسيا ففيه تقاليد دولة قوية موجودة قبل أي احتكاك لها بالغرب. كانت الدولة هناك قوية، بل أقوى من القانون، واستطاعت، ولا سيمّا اليابان، مواجهة الاستعمار، وحتى عندما أخذت بعضَ قوانينها من الغرب، فكان ذلك على وفق مصلحتها الخاصة. الحرب، أيضًا، أسهمت في بناء الدولة اليابانية، بما وفرته من تنظيم بيروقراطي قوي، وعناية بتطوير مجالات البحث العلمي، ومركزة السلطة (مج 2، ص.)441 والمؤسسة الثانية في النظام السياسي هي "حكم القانون"، التي اختلفت أشكال ظهورها وأسبابه في بقاع العالم المختلفة. ويستعمل فوكوياما تعريف مفهوم "حكم القانون" بما ينسجم مع التفكير الغربي في الظاهرة، فالقانون "هو جملة من القواعد النظرية المجردة للعدالة تجمع المجتمع معًا" (مج 1، ص 338.) هذا التعريف للقانون وجد أصدق تطبيق له في أوروبا؛ فخروجها من التنظيم القَبلَي إلى الدولة لم يكن إلّ لقدرة مؤسسّي هذه الدولة على تطبيق القانون، ولعل تراتبية الكنيسة الكاثوليكية وبيروقراطيتها وخضوعها للقانون صار جميعها نموذجًا لبناة الدولة العلمانية؛ فالقانون الديني الذي انبثق منذ القرن الثاني عشر، كان له تأثير مهم في حكم القانون الحديث عبر مأسسة القانون وعقلنته؛ ففي أوروبا، وليس في غيرها، جرى تدوين جميع المراسيم والقرارات والتأويلات والتعليقات والشروح وتنظيمها تنظيمً متسقًا منطقيًا. فضلً عن أنّ الصراع الذي شهده تاريخُ الكنيسة على المناصب مهّد للفصل الواضح بين الروحي والزمني، لذلك كان حكم القانون في المقام الأول نتاجًا للقوى الدينية لا الاقتصادية، وهو أمر لم يحدث في الكنيسة الشرقية أو في العالم الإسلامي (مج 1، ص.)375-365 وكان للقانون في الصين قصة أخرى، إذ لم تعرف هذه الدولة سلطة دينيةً أعلى من الدولة. لذلك، "لم يكن للدين دور في تكوين القانون، بل كان القانون، في الصين القديمة، هو ما يأمر به الإمبراطور ويقرره، وفي الصين الحديثة، فإنّ الحزب الشيوعي هو صاحب السلطة والسيادة على الدستور" (مج 1، ص 395.) كان تنظيم الدولة والحياة السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية لا يسير على وفق القانون في الصين، بل على وفق الإرادات، وكان أحد أخطار غياب القانون تعرُّض حقوق الملكية للخطر. ومع ذلك، يتوصل فوكوياما إلى نتيجة مفادها أنّ حكم القانون لا يعدّ ضروريًا بالمعنى الدستوري للنمو الاقتصادي. فجمهورية الصين الشعبية اليوم لا تتبنّى "القانون بالمعنى الدستوري، ولا تتمتع الملكية بالأمان الكامل، لكن توجد حقوق ملكية كافية لدعم المعدلات الاستثنائية من النمو" (مج 1، ص 428.) أمّا في العالم الإسلامي، فبسبب عدم استقلالية المؤسسة الدينية عن الحكومة، لم تستطع أن تشكّل تراتبية بيروقراطية مستقلة، لذلك ضعفت سيطرتها على الدولة، أو ضعفت شوكتها في الحد من تغوّل الدولة. وكان ما حدث في القرن التاسع عشر، من إقدام العثمانيين على تبنّي المنظومة القانونية الغربية، مفصلً تاريخيًا مهم في حدوث انقطاع جذري في تراث حكم القانون الإسلامي. لذلك، ضعف الدور الاجتماعي الذي كان يمارسه العلماء طوال التراث الإسلامي، وصاروا موظفين كغيرهم من الموظفين الرسميين العلمانيين (مج 1، ص.)388-387 ونأتي الآن إلى المؤسسة الثالثة في النظام السياسي وهي المسؤولية والمحاسبة. "تَعني الحكومة الخاضعة للمحاسبة اعتقاد الحكام بأنهم مسؤولون أمام الشعب الذي يحكمونه، ويضعون مصالحه فوق مصالحهم" (مج 1، ص 433.) كانت فكرة المساواة فكرة مسيحية مكَّنتها البروتستانتية، لاحقًا، بتحرير المؤمن من سلطة الكنيسة. ومن العوامل الحاسمة لنهوض الحكومة الحديثة الخاضعة للمحاسبة هو التعبير عن هذا المطلب بلغة عالمية شاملة مثلما هو حال وثيقة إعلان الاستقلال، التي صاغها جيفرسون. وما ميز هذه الوثيقة من غيرها أنها لم تطالب بالاعتراف لجماعة معينة، أو أبناء دين معين، أو قومية معينة، أو طبقة معينة، بل للإنسانية جمعاء. والمحاسبة عملية إجرائية تضمنها الدساتير، وتتيح للمواطنين استبدال حكومة جديدة بحكومة غير مرغوب فيها لأسباب تتعلق بالتجاوزات، أو عدم الكفاءة، أو سوء استعمال السلطة. ويفضّ ل فوكوياما مصطلح المحاسبة على الديمقراطية، لأن المحاسبة الإجرائية لا تقتصر على الانتخابات، ففي بعض التجارب السياسية، إنكلترا مثلً، سبقت المحاسبة زمنيًا الديمقراطية. وفي أوروبا، كانت شروط ظهور الدولة القومية قد حدَّت من سلطة الدولة نفسها وهيمنتها، وجعلتها عرضة للمساءلة من قوى عديدة: الطبقة الإقطاعية النبيلة، وطبقة التجار التي بدأت تتكون بفعل نمو الاقتصاد الرأسمالي، والظهور المبكر للقانون. وهذه شروط تاريخية لم يكن لها نظير في التجربة الصينية ولا العثمانية. ولغرض فهم أسباب نجاح المؤسسات التمثيلية في مناطق من أوروبا وفشلها في مناطق أخرى، فإنّه لا يكتفي بمعاينة الحالات الناجحة للمحاسبة والمسؤولية، بل يزيد عليها التجارب الفاشلة، وهي كثيرة. يحدد فوكوياما أربعة نماذج لبناء الدولة الأوروبية: الدولة المستبدة الضعيفة (جسدتها المملكتان الفرنسية والإسبانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر)، والدولة المستبدة الناجحة (الملكية الروسية)، والدولة الأوليغارشية الفاشلة (المجر وبولندا)، والحكومة الخاضعة
للمحاسبة (إنكلترا والدنمارك.) ثم يخصص فصلً لكل حالة من هذه الحالات، متابعًا بالتفصيل تطور النظام السياسي فيها، ومبرزًا خصوصياتها المحلية (مج 1، ص 449.) مثّلت إنكلترا النموذج لحكومة تخضع للمحاسبة، رغم محاولات ملوكها نهج المسيرة نفسها التي انتهجها ملوك أوروبا الآخرون، ولكن الطبقات الاجتماعية الإنكليزية الممثّلة بالبرلمان حالت دون ذلك بتلاحمها وتضامنها. أما أصول هذا التضامن فهي: أولً، كان التضامن في المجتمع الإنكليزي منذ البدايات المبكرة سياسيًا أكثر منه اجتماعيًا. ثانيًا، اعتبُر القانون العام والمؤسسات القانونية الإنكليزية شرعيَيّن على نطاق واسع، وكان من مصلحة ملّ ك الأراضي الدفاع عنها. أخيرًا، مع أن الدين قسَّم الإنكليز على نحو حاد في هذه الحقبة، فقد منح البرلمان إحساسًا قويًا بسمو الهدف، ما كان ليشعر به لو أن الخلاف مع الملك انحصر في مجال الأملاك والموارد (مج 1، ص.)534-533 بيْد أنَّ فوكوياما ينتخب تجربةً أخرى وصلت إلى ما وصلت إليه إنكلترا ولكن بطرق مختلفة، وهي الدنمارك. والسبب في اختياره هذا البلد أنه كيان سياسي ديمقراطي وملتزم بالقانون ومزدهر تحت حكم رشيد، وأحد أقل البلدان في العالم فسادًا سياسيًا. وقد تكون حالة الإصلاح البروتستانتي فيه أمثل حالة يمكن أن ينطبق عليها التفسير الفيبري الشهير. ومن وسائل هذا الإصلاح تشجيع القضاء على الأمية، فظهر الفلاحون على شكل طبقة اجتماعية متعلمة نسبيًا وحسنة التنظيم. وكان التحشيد الاجتماعي أساسيًا في هذا النموذج، ولكنه لم يحدث على أساس اقتصادي، بل على أساس ديني. وكان للعامل الخارجي أثره الرئيس، حيث أصبحت الدنمارك، نتيجة متغيرات في السياسات والصراعات الدولية آنذاك، بلدًا صغيرًا متجانسًا. فتميزت من إنكلترا وبقية بلدان أوروبا بأن كان تطور الديمقراطية والاقتصاد الحديث أقل عنفًا وإثارة للنزاع. وبخلاف غيرها، لم تشهد الدنمارك حربًا أهلية طويلة، ولا حركة تسييج، ولا حكمَ طغيانٍ استبداديًا، ولا فقرًا طاحنًا من جرّاء التصنيع المبكر. باختصار، تضافرت عدة عوامل لتحقيق النموذج الدنماركي، قد لا تحدث في أماكن أخرى من العالم. ومن هذه الحالة يريد فوكوياما القول "إنّ هناك طرقًا عديدة لبلوغ الدنمارك" (مج 1، ص.)570
الانحطاط السياسي
ما يميز مفهمة فوكوياما للتطور السياسي اشتمالها، أيضًا، على الانحطاط السياسي، إذ لا يمكن فهم التطور من دون فهم الانحطاط. وفي الحقيقة، فهو حتى في هذه النقطة يمضي على خطى هنتنغتون، الذي لم يرَ سببًا منطقيًا يرجّح التطور السياسي على الانحطاط السياسي. كانت الموضوعة الرئيسة هي أنّ الحفاظ على التطور السياسي ناجم عن التوازن بين قوى المجتمع المتنافسة، ويبقى هذا التطور ويدوم ما بقي هذا التوازن ودام، ولكنّ الاستقرار في حد ذاته مصدر للانحطاط، إذ لا بدّ من أن يتصف النظام السياسي بمرونة عالية تؤهله لمواكبة التغيرات واستيعابها وتمثّلها. وفي عملية التمثّل قد يحدث خلل داخلي أو خارجي في عملية التوازن، وليس الخلل في التوازن بين اللاعبين الاجتماعيين المتنافسين فقط هو ما يحدث الانحطاط، فلعل هناك عوامل وأسبابًا أخرى تسهم في ذلك، منها الغزو الخارجي، وتغير الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، أو مواجهة أفكار جديدة مستوردة. وفي جميع هذه الاحتمالات، وربما هناك غيرها، فإنّ جوهر الانحطاط هو عدم القدرة على التكيّف. وما من ضمان لأي نظام سياسي، بما في ذلك الديمقراطية الليبرالية، من أن يصيبه الانحطاط، فكل شيء يتوقف على الأداء. ويجب ملاحظة أن الانحطاط قد لا يصيب النظام السياسي أو الحضاري، عمومًا، فربما يصيب الانحطاط مؤسسة دون أخرى. وقد يكون الانحطاط السياسي للنظام القديم بشارة لتطور سياسي نحو نظام جديد، ولكن قد تكون عملية التغيّ هذه فوضوية، ولا تعود قادرة على إعادة الاستقرار. وهناك عمليتان يحدث بهما الانحطاط، تتمثل الأولى في الفشل في التكيّف مع المستجدات، أما أسباب هذا الفشل، فهي: 1. معرفي؛ لاعتقادنا أن ما لدينا من مؤسسات أفضل من غيرها، 2. دور النخب أو الفاعلين الراهنين في نظام سياسي ما باستيلاء النخبة على مقدّرات الدولة وإعادة العمل بالميراثية، 3. عندما يسعى الرابحون في اقتصاد السوق لتحويل التفاوت في الثروات إلى تفاوت في التأثير السياسي، ومثال ذلك اليوم ضعف الثقة بالكونغرس الأميركي، لإحساس الجمهور بأن جماعات المصالح تقدم مصالحها أولً (مج 2، ص.)591-587 وتتمثل العملية الثانية في عودة الميراثية، أي محاباة الأقرباء. في مراحل معينة من تاريخ النظام السياسي، كانت الميراثية الشكل الوحيد للتنظيم السياسي. لكن مع ارتقاء المؤسسات، وهو أمر شهدته حضارات عديدة، تصبح الموهبة أو الوظيفة أساس تقلّد المناصب، فيصبح النظام السياسي لاشخصيًا. لذلك، فإنّ عودة الميراثية، أو شيوعها في أنظمة سياسية معينة، انحطاط سياسي (مج 1، ص -592 594.) ويقدّم فوكوياما أمثلةً على الانحطاط السياسي، منها ما تعانيه إدارة الغابات في أميركا بسبب الانحطاط في النظام السياسي، وهو يختار هذه الإدارة مثالً لأنها كانت في نهايات القرن التاسع عشر النموذج الأبرز على بناء الدولة في أميركا في وقت كان فيه النظام السياسي نفسه نظامًا زبائنيًا، تُوزّع فيه الوظائف والمناصب على أساس الرعاية والمحسوبية. والنظام السياسي الأميركي الزبائني في القرن التاسع عشر، الذي تلاشى تقريبًا، هو نفسه قد أخلى مكانه لما
يسمى فئات المصالح. لذلك "عادت مقايضة النفوذ السياسي بالمال إلى السياسة الأميركية على نحو واسع، وبشكل قانوني هذه المرة، بحيث صار من الأصعب القضاء عليها" (مج 2، ص.)608
الديمقراطية والربيع العربي
يرى فوكوياما أنّ عمومية الديمقراطية اليوم جعلت حتى من يناصبونها العداء لا يجهرون بعدائهم لها. بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، صارت الديمقراطية كلمةً يلوكُها الجميع، وليس بالضرورة يطبّقها الجميع. عالمية هذه القيمة الأخلاقية والسياسية تثبت أنّ الديمقراطية مطلب عزيز على كلّ إنسان، إن عرف الإنسانُ نفسَه حقًا. ولكن ليس كل نظام ديمقراطي هو كذلك حقًا. إنّ علاقة الديمقراطية بالدولة علاقة معقدة وتحتاج إلى ضبط. وعلى الرغم من ارتباط القانون والمحاسبة أحدهما بالآخر، فإنهما منفصلان نظريًا، وهذا يعني أنّ وجود أحدهما لا يعني وجود الآخر من الناحية التاريخية، بل قد يتحققان ويترافقان ويتلازمان على التعاقب؛ فالثورة الفرنسية، مثلً، جلبت لأوروبا حكم القانون ولكنها لم تجلب الديمقراطية. وتبيّ بعض التجارب أنّ قيام الديمقراطية قبل قيام الدولة القوية قد يؤدي إلى إضعاف الأداء الحكومي، ما يعني أنّ بناء الدولة وبناء الديمقراطية ليسا الشيء الواحد نفسه. فهناك دول وأنظمة سياسية أداؤها فعال ومؤثر رغم أنّها ليست ديمقراطية، وهناك ديمقراطيات ولكن في دول ضعيفة وحتى فاشلة. لا بدّ من وجود المؤسسات الثلاث معًا وبشكل متوازن، فذلك فقط ما يحقق نظامًا سياسيًا رشيدًا (مج 1، ص 628؛ مج 2، ص 680-648.) مرّت الديمقراطية بموجات ثلاث: كانت الأولى في عشرينيات القرن التاسع عشر واستمرت حتى نهايته، وظهرت الثانية بعد الحرب العالمية الثانية، في حين شهدت بداية السبعينيات الموجة الثالثة. وذهب بعضهم إلى عدّ حركات الربيع العربي الموجة الرابعة، ولكن ما تعرضت له من انتكاسات هائلة في سورية وليبيا ومصر، قد صرف الأذهان عن ذلك. ومع ذلك، فلقد أثبتت حركات الربيع العربي خطأ من يرى في العرب شذوذًا وسلبيةً يدفعانهم إلى القبول بالدكتاتورية. ولا يفضِّ ل فوكوياما مقارنة الربيع العربي بالتحولات الديمقراطية التي شهدتها أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية منذ سبعينيات القرن العشرين، بل يعدّ أي مقارنة من هذا القبيل مضلِّلة، ولذلك يفضّ ل مقارنة الربيع العربي بأوروبا القرن التاسع عشر بوصفها سابقة للتغيير السياسي، لأنه في كلتا الحالتين ليس ثمة "تجربة ديمقراطية سابقة"، وثمة تشابه آخر يتمثل في حراك اجتماعي، قاده في حالة أوروبا تقدّم التصنيع، وفي حالة دول الربيع العربي تزايد ظاهرة التمدن. فكانت "الطبقات الوسطى الفاعل المفتاحي في تنظيم الثورة والضغط باتجاه التغيير السياسي" (مج 2، ص 548)، لكن يظل الدين، الإسلام السياسي، الذي ظهر منذ سبعينيات القرن العشرين في الوطن العربي، الفارق الأساسي بينهما، فلقد كانت الطبقة والقومية "أكثر أهمية من الدين كمصدر للهوية في أوروبا" (مج 2، ص.)546 وتكمن قوة الإس ماا السياسي في دول الربيع العربي، بعد فشل الحركات العلمانية التي قادت حركات التحرر من الاستعمار، في أنّه "يخاطب قضايا الهوية والدين والطبقة الاجتماعية في الآن ذاته" (مج 2، ص 549.) ومن هذه المقارنة يريد أن يخلص إلى أنّ الدرب لا يزال طويلً أمام دول الربيع العربي لتحقيق التغيير الاجتماعي والسياسي صوب الديمقراطية مثل أوروبا القرن التاسع عشر. تظل الديمقراطية الليبرالية عند فوكوياما، هي الأكثر عدلً وخدمة لمواطنيها، والأكفأ اقتصاديًا، وهي النظام الذي يضمن للمواطن جميع الحقوق الفردية والاقتصادية والسياسية، أي ما يضمن كرامته: الحرية والمساواة. وهي النظام الذي يعترف بأن المواطن كائن أخلاقي راشد قادر على الاختيار. ويثير فوكوياما السؤال الذي كان قد أجاب نهاية التاريخ عنه كتابُه، حول ما إذا كانت الديمقراطية الليبرالية تمثل قيمةً سياسيةً كونية. ويجيب إجابة أكثر اعتدالً: "من الواضح أنّ نظامًا من هذا النوع لا يمثل قيمةً إنسانيةً كونية، كونه تشكّل قبل بضع قرون فقط، وهي بمجملها ذرة زمنية في تاريخ النظام السياسي الإنساني" (مج 2، ص.)688-687 ومع ذلك، فهو ما زال لا يرى إلّ الديمقراطية الليبرالية نظامًا سياسيًا ينسجم مع طبيعة الإنسان. فلا أنظمة الحكم في إيران ولا في الخليج العربي ولا في روسيا ولا في الصين يمكن أن تُقارن بالديمقراطية الليبرالية. لذلك يتساءل عن إمكانية تعميم هذا النموذج على العالم أجمع. وهو يدرك مدى خطورة هذا التساؤل، لأنّ النظام الديمقراطي الليبرالي، حتى إن افترضنا أنّه نتاج مرحلة تطور طويلة بدأت بالزمرة ثم القبيلة ثم المشيخة ثم الدولة، فإنّ تحقيقه على أرض الواقع قد يتّخذ أشكالً عدة مختلفة وصيغًا مؤسساتية مختلفة. وما تقدّمه الولايات المتحدة من نموذج هو ليس النموذج الكوني، بل يمكن المجتمعات أن تقيم نماذجها الخاصة، ولكن المهم في جميع هذه النماذج أن تكون غاياتها الموضوعية واحدة (مج 2، ص .)691-688 خفّت روح فوكوياما الأميركية الانتصارية التي اتسم بها كتابه نهاية التاريخ، حتى إنّه لاحقًا قال عن كتابه هذا إنّه كان "مناقشة حول التحديث"، وصار أكثر اعتدالً إلى حدٍ ما خصوصًا بعد خروجه من حظيرة المحافظين، وبدأ ينظر إلى الديمقراطية الليبرالية الدنماركية نموذجًا يُحتذى.
واليوم، فإنّ الصين هي التحدي الأكبر والوحيد تقريبًا للديمقراطية الليبرالية. وإزاء ذلك يعلِّق فوكوياما حكمه على كونية القيم الديمقراطية الليبرالية في انتظار ما سيصدر عن الطبقة الوسطى الصينية في المستقبل من مواقف تجاه دكتاتورية نظام الحزب الواحد: فإن قنع الصينيون بذلك "فعلى المرء القول إن الصين مختلفة ثقافيًا عن باقي المجتمعات حول العالم في دعمها للحكم الاستبدادي. أما إذا ولدت مطالب بالمشاركة لا يمكن استيعابها ضمن النظام السياسي القائم، فإنها تتصرف ببساطة بطريقة مشابهة لسلوك الطبقة الوسطى في بقية أرجاء العالم" (مج 2، ص.)693-691 ما الغاية من كتابة هذا التأريخ الواسع والضخم لجميع التجارب السياسية التي عرفتها الحضارات البشرية؟ هل كانت فقط من أجل تكوين نظرية سياسية عبر استقراء جميع تلك التجارب؟ إن الهدف المعلن، والواضح، هو تكوين نظرية سياسية تحاول بحدود معينة تفسير تلك التجارب عبر تقديم سرود مطولة، كان يمكن اختصار بعضها، لكيفية حدوث ما حدث وأسبابه وعوامله. ويمكن أن نزيد على ذلك هدفًا آخر، ولكن غير معلن، وإن كان متصلً به تكوينيًا، ويُستنتج محصلةً ونتيجة؛ إذ يبدو أنّ فوكوياما، الذي كان قد أعلن عن النهاية، ومَنَحَها الشرعية التاريخية المطلقة، في كتابه نهاية التاريخ، لم يكتفِ بذلك، فآثر، في كتابه الضخم هذا، العودة إلى البداية للكشف عن الأصول، ولكن أراد أن يوضح بدقةٍ وتفصيل الصلة التي تربط البداية بالنهاية، لأنها هي التي سوف تمنح النهاية شرعيتها. وأشدّد على كلمة صلة، لتُفهم هنا علاقة سببية ظاهرة أو خفية، تؤسس تاريخًا متسقًا مترابطًا. وهذا كلّه لصالح كتابة تاريخ عام بكل معنى الكلمة، يوضح الخطوط العامة والأسباب والحركات، التي يقود بعضها بعضًا سببيًا إلى الغاية النهائية. وهذا هو العمل الذي يكشف عمّ كان قد سمّ ه النمط ذا المغزى أو المعنى، أو الخطة الخفية بحسب عبارة كانط. ولا يعني التاريخ العام أنّ العالم كله قد سار عليه خطوة بخطوة، بل يعني فقط أنّه النمط ذو المعنى، الذي يحققه بعضهم ويخفق في تحقيقه بعض آخر، ويصله بعضهم قبل بعض آخر، وطرق وصولهم إليه مختلفة. وهذا أحد جوانب اختلافه عمّ يسمى التاريخ الليبرالي، الذي يرى الماضي تطورًا محتومًا نحو الديمقراطية. ولكنه فعليًا يرى الديمقراطية الليبرالية النموذج النهائي الذي ينتهي إليه التاريخ. فالتاريخ العام الذي يرسم فوكوياما خطوطه العامة بيان وإعلان عن النهاية التي كانت قد تحقّقت فعلً. وخطورة هذه الفكرة، الخطورة بكل معانيها الأيديولوجية والإستراتيجية وفي العلاقات الدولية، أنّها تجعل من الذي بلغ النهاية "الظافرة" المعيار لما يجب أن يكونه ويفعله "الآخرون."
المراجع
العربية
فوكوياما، فرانسيس. أصول النظام السياسي: من عصور ما قبل الإنسان إلى الثورة الفرنسية. مج 1. ترجمة مجاب الإمام ومعين الإمام. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2016.________ النظام السياسي والانحطاط السياسي: من الثورة الصناعية إلى عولمة الديمقراطية. مج 2. ترجمة مجاب الإمام ومعين الإمام. الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2016
الأجنبية
Fukuyama, Frances. The End of History and the Last Man, with A New Afterword. New York: Free Press, 2006. ________. The Origins of Political Order from the Prehuman Times to the French Revolution. vol. 1. London: Profile Books, 2011. ________. Political Order and Political Decay: From the Industrial Revolution to the Globalization of Democracy. vol. 2. London: Profile Books, 2014.