ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي
الملخّص
تسعى الدراسة إلى تحديد مفهوم "العامل الخارجي "، منهجيًا؛ لتتمكن من التعرف إلى فاعليته وتأثيره في عملية الانتقال. ويعني "العامل الخارجي "، بحسب الدراسة، دور العوامل السياسية الخارجية الآني والمباشر في تأثيرها في الانتقال الديمقراطي. وقد لاحظت الدراسة أن دور هذه العوامل في مراحل الانتقال، يختلف عنها في مراحل "ترسيخ الديمقراطية"، فإذا كان التأثير الخارجي في الثورات ضئيل ا، ولا سيما إذا كانت ثورات شعبية عفوية، فإنه قد يكون مؤثّرًا في مرحلة الانتقال الديمقراطي، وإن لم يكن تأثيره حاسمًا إلا بفعل عوامل داخلية محلية، تيسّ ره وتمك نه. وتبين الدراسة العلاقة بين العامل الخارجي والموقع الجيوستراتيجي للدولة في الحالة العربية؛ إذ يزداد العامل الخارجي أهمية بازدياد أهمية موقع الدولة. وتتابع الدراسة تطور مبدأ "دعم الديمقراطية" في السياسة الأميركية الذي ظل مرتبط ا بالمصالح الأميركية، وانتهى لصالح مبدأ استقرار الأنظمة. كما ترصد تيارًا إقليميًا ودوليًا، لم يحظ بالاهتمام الكافي، يدور حول "تعزيز الأوتوقراطية." كلمات مفتاحية: التحول الديمقراطي، الموجة الديمقراطية، ترسيخ الديمقراطية، الأوتوقراطية، السياسة الخارجية الأميركية. The study defines the "external factor" and determines its impact on the transition process. The study notes that the role of these factors in transition is different from that of "democratization " if the external influence of the revolutions is minimal. This is especially so in the case of spontaneous popular revolutions where the external factor may be influential in the democratic transition, although its impact is decisive only when accompanied by facilitating domestic factors. The study shows the relationship between the external factor and the geostrategic location of the Arab state whereby the external factor becomes more important according to the importance of the state. The study follows the evolution of the principle of supporting democracy in US politics, which has been linked to US interests and has ended up supporting regime stability. It also monitors a regional and international trend of "promoting autocracy".
Remarks on External Factors in Democratic Transition
Keywords: Democratic Transformation, Democratic Wave, Consolidating Democracy, Autocracy, US Foreign Policy.
مقدمة
من نافلة القول إن نتائج فعل العامل الخارجي، بمعنى تأثير دول أخرى وسياساتها وعلاقات الدولة المعنية بها في التحول الديمقراطي فيها، لا تتضح بمعزلٍ عن العوامل الداخلية، بل من خلال تفاعل ما نطلق عليه اسم العامل الخارجي معها. فهي التي تحدد مدى تأثيره، وإن لم تتحكم في اتجاهه. ونحن هنا نقوم بذلك بعزل هذا العامل بشكل مصطنع لفائدة البحث في الانتقال الديمقراطي، ويفترض أن يفحص الباحث في هذا المجال مدى تحوّله إلى عامل حاسم في عملية الانتقال، أو معوِّق لهذه العملية، أو مساند لها. ثمة فرق كبير بين دور العوامل الخارجية في عملية الانتقال نفسها ودورها في ترسيخ الديمقراطية بعد الانتقال. ففي حالات متطرفة قد تكون تطورات إقليمية هي القادح لنشوب ثورة على نظام مستبد، كما قد تكون المعوِّق للانتقال بالتدخل المباشر. وهذا يختلف عن دور العوامل الدولية في ترسيخ الديمقراطية وديمومة التجربة، في بلد قد يتعرض للحصار لإجهاض التجربة، أو ربما يتلقى الدعم لإدامتها. فمثلً يمكن ألّ تمانع دول مؤثرة أو مؤسسات دولية، مثل البنك الدولي، في انهيار نظام استبدادي، ولكنها قد لا تقدم المعونات المالية اللازمة أو الدعم الاقتصادي، أو حتى الدعم التقني والسياسي اللازم في أمور حاسمة لمصير التحول الديمقراطي، كإصلاح القطاع الأمني وضبط توازن العلاقات المدنية - العسكرية (مصر، وتونس)، أو حتى نزع السلاح والتسريح أو إعادة الدمج (ليبيا، واليمن)؛ وذلك في مرحلة انتقال من الطبيعي أن يتأثر فيها الاستقرار ويتراجع أداء مؤسسات الدولة، ولا سيما في مجال الخدمات، كما تهبط فيها معدلات النمو على نحو يؤدي إلى تناقص معدلات التأييد للديمقراطية، وحتى إلى صعود نزعات تعبّ عن حنين إلى الدكتاتورية يسهل استخدامها من طرف قوى محلية وإقليمية معادية للديمقراطية، كما جرى في مصر في الفترة الانتقالية الواقعة بين عامي 2011 و 2013. ويمكن ألّ تتحمس دول ومؤسسات مؤثرة لانهيار نظام سلطوي وعملية التحول في حد ذاتها، ولكنها قد تدعم الحكومة الديمقراطية ماليًا بالمساعدات والقروض والاستثمارات خشية الفوضى وعدم الاستقرار، كما يحصل حاليًا في العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتونس. وثمة عوامل خارجية أثّرت بنيويًا في الاقتصاد والمجتمع، ولم يعد من المفيد التعامل معها بوصفها مؤثرات خارجية عند حصول عملية الانتقال ذاتها. خذ مثلًالتبعية الاقتصادية الناجمة عن علاقات المركز الصناعي العالمي المتطور بدول الجنوب، وإعاقتها نشوء برجوازية وطنية محلية منتجة. هذا عامل مهمّ للغاية، وقد يكون حاسمً في إعاقة نشوء مجتمع مدني يقوم على علاقات التبادل الحر، وفي مركزة القوة الاقتصادية والسياسية بِيَد فئات اجتماعية محددة، سواء أكانت بيروقراطية أم عسكرية، تدور في فلكها "رأسمالية محاسيب" غير منتجة. وعلى الرغم من منشئه التاريخي في التفاعل بين "داخل" و"خارج"، هل يمكن التعامل مع هذا المركب الاقتصادي الاجتماعي بوصفه عاملً خارجيًا أثناء عملية الانتقال؟ كلّ بالطبع؛ إذ أضحى واقعًا داخليًا، بامتياز، كما في حالات آثار مرحلة الاستعمار في بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع، وإن كان يعاد إنتاجه بين الاقتصاديات المتطورة وهوامش الاقتصاد العالمي عبر علاقات تجارية غير متكافئة، وديون وصفقات تسليح وغيرها. وهذه العوامل البنيوية التي خلفتها التبعية الاقتصادية لا تؤثر فقط في نمط الدكتاتورية، بل تعود وتفرض ذاتها عند دراسة ديمومة الديمقراطية وفرص نجاحها بعد الانتقال.
ورغم أهمية انتشار الأفكار الديمقراطية عبر وسائل الاتصال والتعليم والتأثير والتأثر الثقافيين، ونشوء ردود الفعل السلبية والإيجابية، فهي ليست من ضمن العوامل الخارجية المقصودة في هذا النوع من الدراسات الذي يميل غالبًا إلى التركيز على العوامل السياسية الخارجية الفاعلة آنيًا، أي أثناء فترة الانتقال. أما التفاعل الثقافي وانتشار فكرة الديمقراطية ومدى جاذبيتها وكيفية استيعابها بعيدًا عن تعقيدات واقعها الحقيقي، فهي عوامل مهمة جدًا في رأيي ولا تحظى باهتمام كافٍ، ولم تعد قابلة للفصل عن الثقافة الشعبية وثقافة النخب على حد سواء؛ إذ لم يعد الفصل بين "الأصيل" و"الدخيل" ممكنًا في الثقافة، كما في الاقتصاد. وينطبق ذلك خاصة على التفاعل الثقافي العربي - العربي الذي يصعب حصر قنواته وأطره، من وسائل إعلام ومنظمات وأحزاب ومؤسسات عربية فاعلة على نطاق إقليمي ووسائل تواصل وأدب وفن. فهذه كلها غدت معطيات ومكونات في الخلفية السياسية والثقافية والاجتماعية القائمة في الدولة التي تجري
فيها عملية التحول وتؤثر فيها. ويجب أن تُؤخذ جميعًا في الاعتبار عند دراسة شروط الانتقال الديمقراطي في الدولة المعنية. إن دراسة الانتقال الديمقراطي هي معالجة لصيرورة من شقين: الأول، نهاية الحكم السلطوي سواء بانهياره بعد إصلاحٍ من أعلى يشق النظام أو بعد انقلاب عسكري1، أم بثورة شعبية تجبر رموز النظام على مغادرة الحكم، أم بكلتا العمليتين. والثاني، نشوء نظام سياسي تعددي بتوافق بين النخب السياسية المشاركة فيه بغض النظر عن نضج النظام الديمقراطي الذي ينشأ في البداية، ومدى الاتفاق على مبادئه. في هذا السياق، يهمنا دور العوامل السياسية الخارجية، الآني والمباشر، في تأثيره في هذين التطورين الكبيرين المترابطين. ويصعب تحديد الموقف من الشق الثاني فيه، إذا لم تكن الديمقراطية مطروحة أصلً (بغض النظر عن مدى اكتمال نموذجها المطروح) بوصفها بديلً من النظام السلطوي، ولم يباشر بتنفيذ أي مرحلة من مراحلها. خذ مثلً حالة الثورة السورية. وهي من الثورات الأكثر عدالة، لناحية الأسباب الداعية إليها، والأكثر مأساوية في مآلاتها. لم تشهد هذه الثورة على نظام سلطوي فريد في عنفه وشراسته لحظة توافق على برنامج ديمقراطي من أي نوع لدى فصائل الثورة المسلحة، ومع أن مؤسسات المعارضة السياسية طرحت برامج ديمقراطية، فإن القوى المسلحة الرئيسة رفضتها، ورفضها النظام بطبيعة الحال. وما لبث الصراع أن اتخذ شكل حرب أهلية بتدخل إيراني وروسي مباشر لصالح الدكتاتورية. وخلافًا لحالتَي اليمن وليبيا المعقدتين واللتين انتهتا إلى حروب أهلية أيضًا، لم تصل الثورة السورية إلى أي مرحلة من مراحل ممارسة الديمقراطية. ففي حين عرفت تجربتَا انهيار النظام السلطوي في ليبيا واليمن محاولات كهذه (الانتخابات في ليبيا، والحوار الوطني وحكومة الوفاق في اليمن)، لم يسقط النظام في سورية، ولم تنجز الثورة بداية تحول ديمقراطي. ولهذا يصعب اعتبار سياسات القوى الإقليمية والدولية في سورية مواقف من التحول الديمقراطي، ولم يختبر توافق أجندات دول مثل تركيا ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية مع المعارضة بشأن الديمقراطية، أما الولايات المتحدة الأميركية وإن كانت تفضّ ل رحيل بشار الأسد في المراحل الأولى من الثورة، فهي لم تكن متأكدة إذا كان البديل الأفضل لها انقلابًا عسكريًا أم محاصصة طائفية، أم بديلً شعبيًا غير واضح المعالم. وما لبثت أن تخلّت عن مطلب رحيل الأسد. وقد قامت إيران وروسيا بدور حاسم في إنقاذ النظام من سقوط محتوم. ولا شك في أنّ أثر إيران وروسيا لن يبقى خارجيًا فقط، فَلِتدخلهما إسقاطات بعيدة المدى على المجتمع والدولة في سورية، لا تنضوي معالجتها في إطار دراسات الانتقال الديمقراطي. فهو لم يبدأ أصلً. ونحن نميزه هنا من تجارب بدأت وفشلت ولا بد من دراستها ضمن دراسات الانتقال. كان تأثير الدول الأجنبية في الثورات ذاتها في مصر وتونس ضئيلً وخافتًا، تجلى في البيانات والاتصالات الهاتفية مع الرؤساء. ولو صمد حسني مبارك وزين العابدين بن علي لصمدت التحالفات الدولية معهما، لا شك في ذلك. كما كان تأثير العامل الدولي محدودًا في انشقاق النظامين في رد فعل كل منهما على الثورة، ثم إطاحة الرئيسين بفعل الثورة الشعبية والانشقاق الذي أحدثته. وثمة مؤشرات متعددة على تشجيع الولايات المتحدة قيادة الجيش المصري على عدم استخدام العنف ضد المتظاهرين خلال ثورة 25 يناير 2011. لكن التأثير الخارجي أصبح فاعلً وملحوظًا في مرحلة التحول الديمقراطي 2011 - 2013، وإن لم يكن تأثيره حاسمً إلّ بفعل عوامل محلية. فلو تخيّلنا توافقًا داخليًا بين النخب السياسية المصرية على مبادئ النظام الديمقراطي والتزامًا حازمًا من طرفها بعملية الانتقال يرفعه الفاعلون فوق خلافاتهم الحزبية والأيديولوجية، ولو كان الجيش المصري مثل الجيش التونسي لناحية عدم تطلعه للحكم، لما كانت العوامل الخارجية على هذه الدرجة من التأثير. إن ما جعل الدعم السعودي والإماراتي الإعلامي (والمالي العلني وشبه العلني) لقوى الثورة المضادة والنظام القديم في مصر2 مؤثرًا، إلى درجة الإسهام في قلب المعادلة، هو العوامل الداخلية المذكورة. أما السياسات الأميركية فلم تكن حاسمة في أي مرحلة. ولكن امتناعها عن تقديم الدعم للحكومة المنتخبة في مصر، ورفضها اعتبار الانقلاب العسكري انقلابًا؛ ما يعني عدم فرض عقوبات عليه، سهلّا على قوى النظام القديم والثورة المضادة مهمة إفشال التحول الديمقراطي. لقد كانت العوامل الداخلية هي العوامل الضرورية، ولكنها لم تكن كافية لقلب عملية الانتقال إلى انتقال إلى الدكتاتورية لولا عوامل التدخل الخارجي.
لم تُفضِ السياسات الأوروبية، التي اشترطت الدعم المالي بتنفيذ إصلاحات إدارية وحقوقية، إلى تحفيز أي نظام سلطوي للقيام بإصلاحات جذرية فضلً عن أن تقود إلى انتقال فعلي، كما أنّ أوروبا كانت دائمًا مستعدة للتخلي عن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية مقابل خدمات الأنظمة السلطوية في منع الهجرة ومكافحة الإرهاب، واستمرار صفقات بيع السلاح. ولكن الدعم الأوروبي للاقتصاد التونسي بعد الثورة، على الرغم من تلكّئه كان مهمً، مثلما كان فك العزلة عن مصر بعد الانقلاب مهمً في استقرار نظام حكم انقلابي سلطوي يفرغ الفضاء العام في مصر، ويقمع المعارضة، ويسجن رئيسَ دولة منتخبًا. وقبل ذلك لم يَحظَ هذا الرئيس المنتخب والفاقد للتجربة في إدارة الدولة، بتعاون أميركي أو أوروبي جدّي لدعم الاقتصاد المصري وعبور المرحلة الصعبة بعد الثورة، حين كان في سدة الحكم.
إعادة الاعتبار للعامل الخارجي
كان القائمون بدراسات الانتقال الديمقراطي - مدركين بلا شك - أهمية العوامل الدولية، ولا سيما الإقليمية، لكنهم لم يولوها أهمية كبيرة، ولم تفرد لها معالجات خاصة. وإن أحد أهم استنتاجات المجلد الرابع من كتاب الانتقال من الحكم السلطوي3 هو أن العوامل المحلية تقوم بالدور الرئيس في الانتقال، وهذا يناقض طبعًا نظريات التبعية ونظريات المنظومات الدولية. إن منطلقهم الفكري هو المحرك الرئيس الذي دفعهم إلى التركيز على العوامل الداخلية وإهمال الخارجية، أو تحييدها. فغايتهم كانت البرهنة على أهمية الفعل السياسي في التغيير الديمقراطي. لقد أراد هؤلاء دفع النخب السياسية إلى الإيمان بإمكانية إسقاط الدكتاتورية والانتقال إلى الديمقراطية. مع أنه إذا أخذنا سياق دراسات الانتقال المذكورة سابقًا، وهو التحولات في أميركا اللاتينية، نجد أن تعديل السياسات الأميركية تجاه الدكتاتوريات فيها منذ مرحلة التأكيد على حقوق الإنسان في فترة حكم جيمي كارتر كان له أثر غير حاسم، ولكن لا يجوز تجاهله؛ إن لم يكن في الحث على الديمقراطية، فعلى الأقل في وقف عرقلة الانتقال التي دأبت عليها الولايات المتحدة في سياساتها الداعمة للدكتاتوريات الحليفة ضمن إطار الحرب الباردة، ولا سيما حين كان خصم الأنظمة السلطوية هو اليسار (الذي قاد مطالب شعبية ضد الظلم وطالب بالعدالة الاجتماعية ولكنه لم يكن ديمقراطيًا بدوره.) وفي حالة أميركا الجنوبية التي عدتها منطقة نفوذ، لم تشأ الولايات المتحدة المجازفة حتى ببديل ديمقراطي ليبرالي للأنظمة السلطوية خشية فقدان السيطرة4. وقد نشرت مؤخرًا دراسات تبيّ أنّ التدخل الأميركي لم يكن مباشرًا في الانقلابات العسكرية الشهيرة المفصلية على أنظمة ديمقراطية (البرازيل 1964، وتشيلي 1973)، بل حصل تلاقي مصالح بين الموقف الأميركي المستنفر ضد نشوء حكومات يسارية منذ الثورة الكوبية مع قوى اجتماعية وسياسية محافظة في هذه البلدان، انضم إليها العسكر حين تضرر هو أيضًا. وهذا لا ينفي الدعم الأميركي لهذه التحركات بل ينفي أن الولايات المتحدة هي التي بادرت وخططت5. ويردّ كورت فيلاند على الفرضية الشائعة من ليفيتسكي وواي6، بأنّ العلاقة بالغرب تؤثر في الحكام غير الديمقراطيين للتحول إلى الديمقراطية أو للسير في اتجاه الإصلاح الديمقراطي. يقول الكاتب إنّ العقدين الأخيرين يثبتان عدم صحة هذه النظرية. هذا ما حصل في فنزويلا التي تربطها بالولايات المتحدة علاقة اقتصادية وسياسية قوية؛ إذ
توجّهت نحو نظام سلطوي تنافسي7. ومع ذلك، فإن هذه الأبحاث لا تنقض تأثير المعسكرات المتصارعة إبان الحرب الباردة في إعاقة الديمقراطية. فالإعاقة حقيقة ثابتة أكثر من الدفع المؤثر في اتجاه التحول الديمقراطي من الخارج، فهو نادر إبان الحرب الباردة. وهو على ندرته كان حاسمً في حالة التدخل المباشر، إذا كانت الشروط الداخلية مواتية (قارن بين فرض الديمقراطية في ألمانيا واليابان وفرضها في العراق.) وقد ترافق تعديل أجندات الولايات المتحدة مع صعود قوى ديمقراطية معارضة وتعديل أفكار القوى اليسارية بشأن الديمقراطية الليبرالية بقبولها، بوصفها إطارًا ممكنًا لتحقيق العدالة الاجتماعية. وهو تحول سبق أن مر به اليسار الأوروبي؛ أما إذا عدنا إلى التحولات في بلدان جنوب أوروبا، فنجد أنه لا يمكن الاستغناء عن عنصر أساسي في فهم التحول وهو السياق الديمقراطي الأوروبي الغربي، ليس فقط من حيث جاذبيته، وليس فقط بوجود شعور عام غير مريح بالاستثناء في الإطار الثقافي الأوروبي ذاته عند شعوب إسبانيا واليونان والبرتغال، بل أيضًا لناحية الرغبة في الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة ثم الاتحاد الأوروبي، والقائمة على مصالح طبقات اقتصادية وتجارية صاعدة. هذا بالنسبة إلى الانتقال، أما بالنسبة إلى ديمومة الديمقراطية في تلك الدول، فلا شك في أهمية احتضان السوق الأوروبية ثم الاتحاد الأوروبي لها في نهوضها الاقتصادي، بما في ذلك ارتفاع مستوى المعيشة، بعد الدكتاتورية. لقد كانت شروط التحول الديمقراطي في جنوب أوروبا (اليونان، والبرتغال، وإسبانيا) داخلية أساسًا. ولكن لا شك في مساندة البيئة الأوروبية هذه الشروط، وتأثيرها القوي في ديمومة الديمقراطية. لم يعد إهمال العامل الخارجي ممكنًا في حالة انتقالات يستحيل معالجتها في عصرنا من دون فهمه؛ كما في حالات تأثيره الحاسم في دمقرطة دول شرق أوروبا بعد الإصلاح في الاتحاد السوفياتي ورفع الحماية عن أنظمة الحزب الشيوعي فيها. ولهذا استنتج فيليب شميتر أنه آن الأوان لإعادة تقييم تأثير البيئة الدولية في تغيير النظام من دون رفعها إلى درجة المحرك الرئيس8. هذا، مع أن العامل الخارجي كان جوهريًا في إعاقة الديمقراطية خلال مرحلة الحرب الباردة، قبل أن تنتبه له دراسات الانتقال الديمقراطي، بل أصبح هو ذاته عاملً داخليًا في الحفاظ على أنظمة الاستبداد الحليفة للمعسكرين، مثلً في حالتَي أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، فضلً عن الشرق الأوسط وشرق آسيا9. كان من الضروري تعديل منهج دراسات التحول في حالة أوروبا الشرقية؛ إذ لم يكن الانتقال إلى الديمقراطية في أوروبا الشرقية ممكنًا من دون العامل الخارجي المتمثل بأزمة الاقتصاد السوفياتي التي تبعها الإصلاح من أعلى قمة الهرم، ورافقه تخلٍّ سوفياتي واضح عن حماية الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية من الإصلاح وخطر الهبّات الشعبية، وهو ما فهمته قيادة تلك الدول وقواها المعارضة في الوقت ذاته. وقد منع هذا الإدراك المتزامن استخدام العنف وسقوط العديد من الضحايا؛ إذ أدرك الجميع أن هذه الأنظمة آيلة حتمً إلى السقوط، فلا قاعدة اجتماعية حقيقية لها ولا شرعية تاريخية (وذلك خلافًا لحالات مثل كوبا والصين.) ولم يتوقف دور العامل الخارجي على العامل الإقليمي (إقليم جغرافي ومعسكر اشتراكي وتحالف عسكري في الوقت ذاته)؛ إذ لم يكن ممكنًا أيضًا فهم خيار الإصلاح السوفياتي وتوقيته في نهاية الثمانينيات من دون عامل خارجي هو سياسة إدارتَ رونالد ريغان ومارغريت تاتشر التصعيدية، ولا سيما في مجال سباق التسلح النووي وتصعيد الخطاب الإعلامي ودعم المجاهدين الأفغان، وخسارة السوفيات الكاملة في التنافس لناحية معدلات النمو الاقتصادي كمً ونوعًا، وانهيار أسعار النفط الذي ساهمت فيه دول الخليج العربية وعلى رأسها السعودية. ولكنه كان، على أي حال، خيارًا محليًا لنخب سياسية. أي إن ثمة قوى داخلية في جهاز المخابرات، ممثلة بيوري أندروبوف، وفي الحزب الشيوعي، ممثلة بميخائيل غورباتشوف، كان هذا استنتاجها من هذه الخسارة، كما أن ثمة مركبًا من اهتراء اقتصادي وإداري داخل الدولة، وتجوّف أيديولوجي، وأزمة اقتصادية وركود اقتصادي وإداري واجتماعي، دفعها إلى هذا الاستنتاج، وثمة أيضًا نظام طاعة مركزي داخل الحزب الشيوعي مكّن هذه القوى الإصلاحية من فرض سياسة الانفتاح والإصلاح من أعلى. وتجلّت أهمية العامل الخارجي مع قيام الاتحاد الأوروبي بدور مركزي في إنجاح تحوّل بعض دول أوروبا الشرقية إلى ديمقراطيات ليبرالية (بدرجات متفاوتة للغاية.) وظلت الدول التي انشقت عن الاتحاد السوفياتي واقعة تحت تأثير روسيا الاتحادية، فلم تصبح دولً ديمقراطية. وبعضها نجح في التحول بعد صراع مع روسيا إبان ضعف الأخيرة في فترة حكم يلتسين.
والحقيقة أنه إذا دققنا نجد أنّ ما يسمى هنا العامل الخارجي هو في غالبية الحالات العوامل الإقليمية، أو البيئة الإقليمية. وبعدها سوف ننتبه إلى أنّ ما يسمى "موجات الديمقراطية" الأولى والثانية والثالثة، وغيرها، هي جميعها في الحقيقة موجات إقليمية وليس دولية: شمال أوروبا، والولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، وجنوب أوروبا، وأميركا اللاتينية، وأفريقيا، وشرق آسيا، وربما العالم العربي الذي لم تنتهِ فيه موجة التحولات العاصفة التي يمر بها، ويصعب التنبؤ بنتائجها. إن موجات الانتقال الديمقراطية عبر التأثر والجاذبية هي غالبًا موجات إقليمية تتأثر فيها شعوب وأنظمة من دول قريبة جغرافيًا وثقافيًا، وأحيانًا تتشابه بنية مجتمعاتها وأنظمتها. نستثني من ذلك حالات بناء النظام بتأثير قوة احتلال خارجية؛ كما في اليابان وألمانيا وإيطاليا، ومؤخرًا العراق (الذي لم يتضح نجاح نموذجه بعد) بالتعاون مع قوى محلية. أما العامل الإقليمي فيؤثر مباشرة في الدولة المعنية. ويشهد هذا التأثير المواطن العربي في تدخلات المملكة السعودية ودولة الإمارات في إعاقة عملية التحول الديمقراطي في المنطقة العربية، والعمل ضدها ودعم معارضيها في أي دولة عربية. وعمومًا، يمكن القول إنه لم تكن دول المنطقة العربية مساندة للتحول الديمقراطي حين حصل في دولة من دولها، على النقيض من الحماس الشعبي له. فالبيئة الإقليمية هي من عناصر تعقيد صيرورة الدمقرطة عربيًا. ويرى الباحث أتيلا آغ أن الاعتماد في دول أوروبا الشرقية والبلقان كان على الخارج بعد انهيار حكم الحزب الواحد، وأن تأثير البيئة الإقليمية أشدّ أهمية من الدينامية الداخلية؛ لأنّ الدول الصغيرة والضعيفة شبه الهامشية كانت أكثر اعتمادًا في تطورها على إملاءات العامل الخارجي الذي أثّر في طبيعتها السياسية10. لقد أصبحت قواعد المؤسسات الأوروبية، ولا سيما مجلس أوروبا Council of Europe ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا Organization for Security and Co-operation in، ملزمة لجميع الدول الأوروبية، وأُEurope مليت تلك التعليمات الحيوية لعملية الدمقرطة على الدول الأعضاء أو تلك التي ترغب في العضوية بوصفها شروطًا مسبقة. وفي بعض الحالات، أصبحت المؤسسات الأوروبية نوعًا من سلطة عليا في عدد من دول أوروبا الشرقية والبلقان11. بهذا المعنى فإن السيادة المقيّدة لهذه الدول، بحسب عقيدة ليونيد بريجنيف، استبدلتها سيادة أخرى مقيّدة بالمؤسسات الأوروبية. وأصبحت قواعد مثل الإجماع الديمقراطي، وحرية الصحافة، وحقوق الإنسان، والهجرة، وحقوق الأقليات، تُنظّم وتراقب من طرف المؤسسات الأوروبية، على نحو لم يقيّد السيادة تجاه الخارج فقط، بل السيادة الداخلية لهذه الدول أيضًا12. أما بخصوص السياسة الخارجية، فلم تكن ثمة إملاءات أوروبية عمليًا. ولم تستنتج هذه الدول من غياب سياسة أوروبية خارجية موحدة يمكن إملاؤها تطوير سياسة خارجية خاصة بها، بل أصبحت الأشدّ ارتباطًا من بين دول الاتحاد الأوروبي بسياسات الولايات المتحدة الخارجية، ولا سيما في الموقف من القضية الفلسطينية الذي يتطلبه التقرب من الولايات المتحدة. وكأنها عوّضت عن التبعية لدولة عظمى في سياستها الخارجية بالتبعية للدولة العظمى في المعسكر الجديد الذي تنتمي إليه. وتبيّ لاحقًا أنّ التأثير الأوروبي ليس أحادي البعد، ولا في اتجاه واحد، فقد تحوّل إلى سلاح في أيدي قوى قومية شعبوية تؤكد رفض التأثير الغربي من منطلقات السيادة الوطنية والخصوصية الثقافية، وصعدت إلى الحكم في بعض الحالات (هنغاريا مثلً)، تحاول الارتداد حتى عن إنجازات ديمقراطية. وقد شجعت سياسة فلاديمير بوتين اليمينية الشعبوية وعودة روسيا إلى القيام بدور أشد تأثيرًا على المستوى الدولي عبر البوابة السورية، وكذلك عبر سياسة أشدّ حزمًا في التصدي لتمدد منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في شرق أوروبا، النزعاتِ اليمينية القومية الشعبوية في هذه الدول المتحولة حديثًا إلى الديمقراطية، وفي أوروبا عمومًا. وفي مرحلة ترامب الذي يتبنى بدوره خطابًا مناهضًا لليبرالية، كان من السهل أن تتعايش هذه النزعات القومية الشعبوية البوتينية مع تحالف هذه الدول مع الولايات المتحدة. أكدت معايير كوبنهاغن للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي وضعت في حزيران/ يونيو 1993، بدايةً، على استقرار المؤسسات الديمقراطية بواسطة سيادة القانون وحقوق الإنسان. لكن الشرط الثاني كان التأكيد على أهمية احترام الأقليات وحمايتها. دفع هذا الشرط الدول التي ستنضم إلى الاتحاد الأوروبي إلى اعتماد نوع من التوافقية وقبول الحقوق الجماعية للأقليات، مع أنّ هذا المعيار يُ كن أن يخلق مشاكل حتى لدول أعضاء قديمة في الاتحاد الأوروبي ترسخت فيها الديمقراطية من دون أدوات دستورية للديمقراطية التوافقية13. لقد فُرضت بعض ملامح الديمقراطية التوافقية على
الأعضاء الجدد بقناعة أنه في حالة وجود أقليات قومية كبيرة، كما في الحالة الإسبانية، يصعب ترسيخ الديمقراطية من دون دستور ذي مزايا توافقية. وأصبحت هذه الشروط من أهم أدوات محاسبة دول مثل هنغاريا وكرواتيا وسلوفاكيا وغيرها بشأن حقوق الأقليات فيها. ويعلل أتيلا آغ التفاوت بين دول البلقان ودول شرق أوروبا في الانتقال الديمقراطي بأن غالبية دول شرق أوروبا مرّت بمراحل ديمقراطية في الماضي. وهو تأكيد على عامل التجربة السابقة مع الديمقراطية الذي سبق أن أشار باحثون إلى دوره في ترسيخ الديمقراطية بعد الانتقال. أما دول البلقان، فلم تشهد، غالبًا، مرحلة ديمقراطية في تاريخها، ولا وجود لإرث ديمقراطي يمكن الاستناد إليه. ومن ناحية ثانية، فإن الشعوب في الدول ذات التجربة الديمقراطية سابقًا قاومت الاشتراكية المفروضة من السوفيات عام 1956 في هنغاريا، وفي عام 1968 في تشيكوسلوفاكيا، وفي عام 1980 في بولندا، فاكتسبت الشعوب خبرة في الاحتجاج14، وتشكلت لديها رموز مطالبة بالديمقراطية ومقاومة للتأثير السوفياتي يمكن إحياؤها. كما أنها أسست إرثًا يمكن الاستناد إليه مع نشوء معارضة بولندية وتشيكية أصبحت مؤهلة للتفاوض مع النخب الحاكمة حين لاحت الفرصة لذلك، أي مع بدء الإصلاحات في الاتحاد السوفياتي وضعف الأنظمة. أما في دول البلقان، فقد بادرت النخب الحاكمة إلى التحول بضغط من عوامل خارجية، وذلك في محاولة لتجنّب إفلات زمام المبادرة منها بالانزلاق إلى سلسلة لا تنتهي من تلبية المطالب الديمقراطية. ولاحقًا تحرّكت الشعوب في رد فعل متأخر، وحاولت النخب الحاكمة الحفاظ على سلطتها وقدمت تنازلات قليلة للمعارضة. وكانت النتيجة حصول تغيّر جذري اقتصادي وسياسي سلمي ومتدرج في دول أوروبا الشرقية، أما في البلقان فقد كانت التحولات أقل جذرية وأشدّ عنفًا وتحوّلت إلى ما يشبه الحرب الأهلية في بعض الحالات. والحقيقة، في رأيي، أنّ السبب الأول هو أن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكن كافيًا لإفقاد الأنظمة السلطوية مصادر شرعيتها في البلقان مع أنه كان شرطًا ضروريًا. فقد كانت أنظمة دول البلقان السلطوية غير خاضعة لإملاءات السوفيات خلافًا لأنظمة دول أوروبا الشرقية مثل ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وبولندا التي لم تكن لديها أيّ مصادر شرعية تاريخية، وانهارت مع رفع الحماية الروسية من دون أن تطلق رصاصة واحدة. أما السبب الثاني فهو التركيب القومي والإثني الذي عقّد عملية الانتقال الديمقراطي. فأصبح حلّ القضايا الإثنية، ولو بالعنف، شرطًا لنشوء الكيانات الوطنية التي تؤطر التعددية السياسية داخلها. لقد مثّل البلقان "الجانب المظلم للديمقراطية" الذي تمثّل بالتطهير العرقي15.
وقد تراجعت أهمية العامل الخارجي في إعاقة الديمقراطية في بقية مناطق العالم التي تأثرت بالحرب الباردة عند انتهاء هذه الحرب مع زوال نظام القطبين. ولم تعد الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، متحمسة لدعم الاستبداد. ولكن هذا لا يعني أنها أصبحت متحمسة لدعم الديمقراطية أو مستعدة لخوض الحروب لهذا الغرض. ثَ ة خَلط لدى الباحثين والمعلقين في هذا الشأن؛ فالولايات المتحدة لم تصبح قوة تحمل راية دعم الديمقراطية في العالم بعد الحرب الباردة، بل أصبحت أقل التزامًا بدعم حلفائها المستبدين (وهذا ليس في جميع الحالات، فقد غَيّ ما يُسمّى الحرب على الإرهاب الصورة، ولا سيما في المنطقة العربية). بعد الاحتلال الأم كيرر لأفغانستان والعراق لأسباب لا تتعلق بالديمقراطية، جرت محاولتان لم تترسخا بعد لدعم إقامة مؤسسات منتخبة ودستور ديمقراطي في العراق وأفغانستان في ظل الاحتلال. ولكن هاتين المحاولتين لم تقدّما نموذجًا جذابًا؛ وذلك لأنهما ترافقتا مع احتلال أجنبي و"عملية سياسية" تجري بوصاية أميركية16، ولأنهما ارتبطتا أيضًا في الأذهان بأخبار الحروب الأهلية والطائفية وغيرها، وفشل النظام في ضمان الأمن وتقديم الخدمات الأساسية للسكان. كانت الدول العظمى إبان الحرب الباردة مستعدة للتدخل بطرق غير مباشرة مثل الانقلاب العسكري الذي يجهض احتمالات تغيير نظام الحكم (الأمثلة كثيرة للغاية)، وأحيانًا مباشرة، لمنع تغيير نظام
حليف (هنغاريا، تشيكوسلوفاكيا، أفغانستان، فيتنام الجنوبية، كوريا الجنوبية، هذا عدا التدخلات الفرنسية الكثيرة في أفريقيا.) أما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة فقد أصبحت العوامل الداخلية أشدّ قدرة على حسم مسألة تغيير نظام الحكم. وقد تبين أنه بعد أن تحسم مسألة النظام فإن النظام الدولي يسلّم عادة بحكم القوى التي حسمت السلطة لصالحها إذا نجحت في إحكام قبضتها وفرض سطوتها على الأرض، بغض النظر عن الطريقة. وحتى بعد حدوث هذا التغيير ما بعد الحرب الباردة، ظلت العوامل الإقليمية فاعلة بقوة في تشجيع الانتقال أو عرقلته، وربما حتى إفشاله بعد أن تمّ. ويمكن اعتبار سياسات روسيا البوتينية ضمن العوامل الإقليمية فيما اعتبرته منطقة لها نفوذ في آسيا الوسطى والقفقاز، وأوكرانيا، وذلك حتى التدخل في سورية الذي يشكل تغيرًا نوعيًا في السياسات الروسية بعد الحرب الباردة. وقد اهتمت دراسات الانتقال بالعامل الإقليمي؛ إذ كان موضوعها، أصلً، موجتين من الانتشار الإقليمي للديمقراطية في جنوب أوروبا وفي أميركا اللاتينية، ولاحقًا في أوروبا الشرقية. وبالنسبة إلى انتشار الديمقراطية إقليميًّا، يشير لورانس وايتهيد إلى ثلاث طرق: أولً، الانتشار بالعدوى. ثانيًا، الرقابة والسيطرة كما في حالة شروط الاتحاد الأوروبي والناتو وصندوق النقد الدولي وغيرها. ثالثًا، الاتفاق (الموافقة Consent) الذي لا يمكن أن يتوقف على عامل خارجي17. واستدراكًا لهذا النقص قسّمت أدبيات التحول الديمقراطي العوامل الخارجية في الانتقال الديمقراطي إلى خمس صيرورات؛ الأولى هي الانتشار، والمقصود هو انتشار المعلومات المحايد نسبيًا عبر الحدود بتأثرٍ من عمليات الدمقرطة في دول مجاورة، أو عبر التأثر بنماذج ناجحة نتيجة لانتشار المعلومات وتكنولوجيا الاتصال. الثانية، تعزيز الديمقراطية بشكل مباشر من طرف دول غربيّة وتحديدًا الولايات المتحدة، حيث يتمّ الضغط من أجل التحول الديمقراطي أو فرض الديمقراطية كما حصل في هاييتي وبنما وصربيا، أو الغزو المباشر كما حصل في العراق. الثالثة، المشروطية المتعددة الأطراف في حالات ارتباط الدعم الاقتصادي وقبول العضويّة في منظمات دولية بأداء الحكومات في مجالات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ومن أنجح الأمثلة على ذلك شروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. الرابعة، المعونات الخارجيّة لتعزيز الديمقراطية، حيث زادت الدول الغربيّة بعد التسعينيات مساعداتها للتدريب والتثقيف المدني والمساعدة في تنظيم الانتخابات والإصلاح في الأنظمة الانتخابيّة وفي الجهاز القضائي وفي دعم وسائل الاتصال المستقلة. و أخيرًا، شبكات المنظمات العاملة في مجال "المرافعة"18 Advocacy، أو "التمكين" Empowerment، بمعنى المرافعة عن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية أو الانتخابات وغيرها عبر شبكات غير حكومية بدعم من صناديق تمويل أوروبية وأميركية، وتمكين قوى اجتماعية من التأثير سياسيًا. وأعتقد أن هذه العوامل لم تكن فاعلة في المنطقة العربية، فهي إما غابت (العوامل الثلاثة الأولى)، أو كان تأثيرها محدودًا للغاية (العاملان الأخيران.) ويمكن أن نضيف إلى هذه العوامل نشوء منظومة إقليمية رافضة للانقلابات العسكرية كما في حالة الاتحاد الأفريقي، أو مساندة للديمقراطية كما في أميركا اللاتينية (قبل مرحلة ترامب)، وكلاهما غير متوافر في الحالة العربية. والحقيقة أنه لا يمكن فهم هذه العوامل إلا انطلاقًا من اعتبارات الدول الكبرى ومصالحها، والظروف العينية لكل بلد، وذلك إذا توافرت الإرادة السياسية للدولة التي تمثل "العامل الخارجي" الأقوى في ممارسة التأثير في اتجاه محدد. ففرض الديمقراطية في صربيا وقع مثلً في مرحلة الصراع على تقليص بقايا النفوذ الروسي في شرق أوروبا، بعد أن وقع تدخل عسكري لأسباب غير متعلقة بالديمقراطية بل بحروب الإبادة والتطهير الإثني؛ ولكنه لم يتكرر في سورية في ظروف مشابهة من المجازر وعمليات التهجير لأسباب متعلقة بإعادة تقييم التدخل العسكري الأميركي بعد احتلال العراق، وعدم الثقة بالبدائل المطروحة للنظام، والخشية من عدم الاستقرار على حدود إسرائيل. لقد أصبح أمن إسرائيل من أهم اعتبارات الولايات المتحدة في الخوف من التحولات الديمقراطية في الدول المحاذية لفلسطين، ولا سيما مصر وسورية. وقد استغلت هذه السياسة الأميركية في توسيع النفوذ الروسي الذي يقوم على عقيدة جيوستراتيجية تتضمن عنصرًا يشكك في الديمقراطية باعتبارها من أشكال النفوذ الثقافي والسياسي الغربي. وقد تفاقمت النزعة الأميركية للانكفاء وعدم التدخل بعد انتخاب ترامب الذي يدعم الدكتاتوريات الحليفة علنًا، مع الفرق أنه يطالبها بمقابل للحماية Money Protection، يتلخص في دفع المال وشراء السلام والولاء غير المشروط للسياسة الأميركية.
تحولات أميركية
شكّل النموذج الأميركي، بما في ذلك الديمقراطية ومجتمع الوفرة ونمط الحياة، عامل جذب على المستوى العالمي قبل الحرب العالمية الثانية. ولكن لم يكن تصدير الديمقراطية سياسة أميركية على أي مستوى.
وخلال الحرب الباردة دعمت الولايات المتحدة الدكتاتوريات الحليفة تمامًا مثلما فعل ذلك الاتحاد السوفياتي. ولذلك لا يجوز إغفال تراجع الدعم الأميركي للدكتاتوريات في أميركا اللاتينية في مرحلة حكم الرئيس جيمي كارتر في نهاية سبعينيات القرن الماضي، قبل نهاية الحرب الباردة؛ إذ على الرغم من إقرار الكونغرس في 4 أيلول/ سبتمبر 1961 قانون المساعدة الخارجية، والذي على إثره تأسست الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID بموجب قرار من الرئيس جون كينيدي، فقد شاركت هذه الوكالة في بعض المساعدات الإنمائية السياسية المحدودة في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، ولم يكن الدعم الأميركي مشروطًا بالديمقراطية أو حتى حقوق الإنسان. وبقيت المساعدة التقنية التي تستهدف الترويج للديمقراطية تحديدًا تُشكّل جزءًا صغيرًا من جميع المساعدات. وبدأت مساعدات التنمية من الولايات المتحدة إلى دول أميركا اللاتينية ترتبط ب "التنمية السياسية" في نهاية السبعينيات من القرن الماضي. ففي عام 1975، أضيف بند 116 إلى قانون المساعدة الخارجية الأميركية؛ حيث رُبط استلام المساعدات الاقتصادية باحترام حقوق الإنسان. وفي عام 1978 أضاف الكونغرس بند 116 e() إلى قانون المعونات الخارجية منح الصلاحية لوكالة التنمية الدولية Agency for International Development – AID لتعمل على تطوير برامج لتعزيز الحقوق والحريات في الخارج. وقبل ذلك، بدأت العمل على اعتبار "عقيدة حقوق الإنسان" أساسية في العلاقات الدولية. وفي الثمانينيات، في مرحلة ريغان، بدأ مشروع الديمقراطية Project Democracy بتمويل من الإدارة الأميركية لخلق برنامج حكومي للمساعدة في نشر الديمقراطية، وتأسس الصندوق الوطني للديمقراطية National Endowment for Democracy –، والذي أُNED في تشرين الثاني/ نوفمبر 1983 نشئ بالاشتراك بين الجمهوريين والديمقراطيين، من خلال لجنة متوازنة بين الحزبين تحظى بدعم الكونغرس من مختلف الانتماءات السياسية، وذلك بهدف تحقيق النمو وتعزيز المؤسسات الديمقراطية في جميع أنحاء العالم19. كما دفع ريغان بهذا التوجّه إلى إنشاء مكتب تابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، في عام 1985، مُخصص للمساعدة في الديمقراطية. وبحلول عام 1989، أنفقت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية نحو 100 مليون دولار أميركي على برامج الديمقراطية، والتي ركزت على حقوق الإنسان والمشاركة الديمقراطية وسيادة القانون والانتخابات. لكن بقي التركيز في فترة الثمانينيات مقتصرًا بالأساس على أميركا اللاتينية، باستثناء بعض المحاولات على نطاق صغير في آسيا20. في هذه المرحلة أصبح دعم الديمقراطية جزءًا من أدوات السياسة الأميركية خلال الحرب الباردة. ويجب تمييز ذلك عن اختلاف السياسة الأميركية بعدها. ويمكن تمييز ذلك في البحث، أما بالنسبة إلى الشعوب فلم يكن التمييز سهلً؛ إذ ظل دعم الولايات المتحدة للديمقراطية مرتبطًا بسياساتها المتعلقة بالصراع على النفوذ وما أطلق عليه "ازدواجية المعايير" منذ مرحلة الحرب الباردة. وشهدت مرحلة بيل كلينتون عملية دعم نشوء الديمقراطيات في شرق أوروبا والتوسع في قضم أجزاء من مناطق النفوذ القريبة من روسيا نفسها، وكذلك التحولات في أفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب شرق آسيا وشرقها. ودفع ذلك الولايات المتحدة إلى زيادة تمويلها بشكلٍ ملحوظ وتوسيع نطاق المساعدات لدعم هذا الاتجاه. وأُعلنت "مبادرة الديمقراطية" العالمية Initiative Democracy في عام 1990. وفي عام 1993، اتخذت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية سلسلة من الخطوات لإضفاء الطابع المؤسسي على المساعدات السياسية؛ أهمها: أولوضع مسألة دعم الديمقراطية والحكم باعتبارها ركيزة من "الركائز" الأساسية الأربع للوكالة. وثانيًا إنشاء مركز للديمقراطية والحكم في داخل الوكالة ليكون بمنزلة مركز للخبرة في هذا الموضوع. وثالثًا استقطاب كادر من المتخصصين في الديمقراطية والحكم. ورابعًا إنشاء مكتب متخصص بمبادرات الانتقال Office of Transition Initiatives لتقديم المساعدة بسرعة في سياقات الانتقال السياسي السريعة التطور؛ وخامسًا العمل على إصدار سلسلة من الدراسات لاستخلاص الدروس المستفادة من برامج دعم الديمقراطية التي تقوم بها الوكالة. وتضاعف إنفاق الوكالة الأميركية للتنمية الدولية على برامج دعم الديمقراطية والحكم في هذه السنوات، من 165 مليون دولار في عام 1991 إلى 635 مليون دولار أميركي بحلول عام 1999. وتم توزيع التمويل على نطاق أوسع في جميع المناطق التي عملت فيها الوكالة. فعلى سبيل المثال، توزّع الإنفاق على الديمقراطية والحكم في عام 1999 بمبلغ 288 مليون دولار في أوروبا الوسطى والشرقية والاتحاد السوفياتي السابق؛ و 123 مليون دولار في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ و 111 مليون دولار في آسيا والشرق الأوسط؛ و 86 مليون دولار في أميركا اللاتينية؛ و 27 مليون دولار على البرامج العالمية21.
وخلال الفترة الأولى من مرحلة بوش الابن، انكفأت سياسة نشر الديمقراطية، وانخفض التمويل للوكالة بشأن برامج دعم الديمقراطية بصفة عامة؛ إذ لم يكن الرئيس وفريقه مهتمين بالوكالة وعملها. وقامت إدارة بوش باتخاذ بعض الإجراءات التي قللت من عمل الوكالة الذي دلّ على عدم وجود التزام "رفيع المستوى" بمسألة تعزيز الديمقراطية؛ إذ جرى إعادة تنظيم الوكالة في عام 2002 وتغيير صفة "مركز الديمقراطية والحكم" and Democracy for Center Governance التابع للوكالة من "مركز" إلى "مكتب"، وطغت عليه المساعدات الإنسانية وغيرها من القضايا التي اعتبُرت ذات أولوية. كما أوقفت الوكالة عملها، أو قلّلته في بعض الأحيان، بخصوص برامج التدريب المتعلقة بالديمقراطية والحكم كجزء من التخفيض العام. وفي، أُعام 2006 لغي عمل "مكتب السياسات" في الوكالة نتيجةً لوضع عمل الوكالة بالكامل تحت إشراف وزارة الخارجية الأميركية، مما حدّ من قدرة الوكالة على المساهمة في قضايا الديمقراطية والحكم. وفي أواخر فترة بوش الابن، وعلى الرغم من تركيزه الخطابي على "أجندة الحرية العالمية"، لم يكن لدى الوكالة أي مسؤول رفيع المستوى يُركز تركيزًا كاملً على قضايا الديمقراطية. وواصل المتخصصون في مسألة الديمقراطية والحكم في "مكتب الديمقراطية والحكم" بإجراء دراسات في هذا الشأن، على الرغم من عدم إعطاء الإدارة العليا في الوكالة أولوية للعمل على الديمقراطية22. ومنذ عام 2006، أصبحت أعمال الوكالة في دعم الديمقراطية تتمثل في هدف إستراتيجي من أهداف وزارة الخارجية تحت مسمّى "الحكم الديمقراطي العادل" Governing Justly and Democratically/ GJD، ويُغطي ذلك مجموعة واسعة من النشاطات من خلال المساعدة في أربعة مجالات: 1. سيادة القانون وتعزيز حقوق الإنسان، 2. الحكم الرشيد، 3. دعم المنافسة السياسية وبناء التوافق بين الآراء، 4. دعم المجتمع المدني. استمرت الوكالة في العمل، على الرغم من انخفاض التمويل، نتيجة زيادة التمويل الذي كان مخصصًا للإنفاق على العراق وأفغانستان. لم يكن الهدف من هاتين الحربين نشر الديمقراطية، ولكن القوى المؤيدة لنشرها في الإدارة مثل المحافظين الجدد عَدُّوها كذلك، وكانت للإدارة (بواقعييها ومحافظيها) مصلحة في تصويرها على هذا النحو. ونظّر المحافظون الجدد لاستكمال حرب بوش الأب "غير المنتهية" في العراق، وانضم إليها المحافظون الذين وافقوا على ضرب أفغانستان، ثم العراق، وهذه المرة تحت عنوان "الواقعية الديمقراطية." فلم يكن من مبرر سياسي أو أمني لضرب العراق. والمقصود بالواقعية الديمقراطية هو نشر الديمقراطية فقط إذا كانت في خدمة السياسة الخارجية الأميركية. كان هذا عنوان مقال نشُر عام 2004 لتقديم تبرير نظري للتدخل الأميركي في العراق عام 2003. ف "الغرب" بموجب هذا المنطق لا يستطيع أن يُهاجم جميع الطغاة دفعة واحدة، إلّ أنه يجب أن يفعل ذلك انتقائيًا بالارتباط بمصالحه الإستراتيجية. ولكنه لا يشير إلى الوجه الآخر لهذه السياسات التي لا تتحرج من التحالف مع الطغاة أيضًا. أما في حالة محاربة بعضهم "انتقائيًا" فكلمة الديمقراطية تستخدم لتجميل دوافع الحرب فقط، لأن الأمر الرئيس الذي يدفع إلى التدخل ضد نظام معين بدلً من آخر هو المصلحة الإستراتيجية، وليس الديمقراطية؛ فهي ليست سببًا ضروريًّا ولا كافيًا لتفسير التدخل في أي مكان. لكن الإدارة الأميركية تستطيع لاحقًا أن تدّعي أن التدخّل حاول تأسيس الديمقراطية، ونجح أو فشل. وليس صعبًا شرح علل الفشل، ولا سيما أن الأنظمة الديمقراطية تتقبل النقد. وفي النهاية يمكن الشرح بأن الديمقراطية في البلد المعني مفيدة أو مضرة للمصالح الإستراتيجية الأميركية. وقد شهدت المنطقة العربية التردد الأميركي بشأن الديمقراطية بعد أن أظهرت نتائج الانتخابات في بعض البلدان العربية تقدمًا للقوى الإسلامية؛ فيمكن أن نذكر مثلً، ما حققته جماعة الإخوان المسلمين من مكاسب في انتخابات مجلس الشعب في مصر عام 2005؛ بحيث أصبحت أكبر كتلة معارضة في البرلمان، وكذلك فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006 في فلسطين، بعد أن ظهر ذلك في الأردن في الانتخابات النيابية عام 1989 بحصول الحركة الإسلامية على 25 في المئة من مقاعد البرلمان والذي اعتبُر مؤشرًا واضحًا على تنامي شعبية الحركة في البلاد، وعلى 20 في المئة من مجمل مقاعد البرلمان في انتخابات 1993، على الرغم من اعتماد قانون "الصوت الواحد" في هذه الانتخابات. أما متلازمة الجزائر 1992-1991() فظلت ماثلة في الأذهان. وقام تشارلز كراوثهامر بمحاولة لصياغة البديهية التي تُ ثلها الواقعية الديمقراطية: "سوف ندعم الديمقراطية في كل مكان، ولكننا سنضحي بالدم والثروة فقط في الأماكن التي توجد فيها ضرورة إستراتيجية؛ أي في الأماكن المركزية بالنسبة إلى الحرب الكبرى ضد العدو الوجودي، العدو الذي يُشكّل تهديدًا مميتًا للحرية على المستوى العالمي[...] العدو الوجودي في عصرنا هو الشموليّة العربية الإسلامية التي هددتنا بأشكالها العلمانية والدينية ربع قرن منذ ثورة الخميني عام "197923. وهي تحل محل بديهيات دعم الديمقراطية بأي ثمن وفي كل مكان. ولكن هذه البديهيات المزعومة لم تكن قائمة أصلً. ولذلك فهذه البديهية ليست جديدة، بل هي سياسات الحرب الباردة التي وجدت لها عدوًا جديدًا على المستوى العالمي. ومع أنه لا مقارنة بينه وبين العدو القديم لناحية حجمه وخطره وتهديده، فقد صُوِّر باعتباره خطرًا وجوديًا عالميًا.
| الصندوق الوطني للديمقراطية National Endowment for Democracy (NED) | التمويل لصالح وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID | السنة المالية FY | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|
| الهدف الإستراتيجي: دعم الحكم الديمقراطي العادل* Governing Justly and Democratically (GJD) | ||||||
| المجموع | املمجتمع المدني | دعم المنافسة السياسية ومبناء التوافق بين الآراء | الحكم الرشيد | سيادة القانون وتعزيز حقوق الإنسان | ||
| 42 | 1,297 | -- | -- | -- | -- | 2003 |
| 40 | 2,925 | -- | -- | -- | -- | 2004 |
| 59 | 3,115 | -- | -- | -- | -- | 2005 |
| 74 | 1,758 | 480 | 203 | 638 | 437 | 2006 |
| 74 | 2,141 | 541 | 305 | 763 | 532 | 2007 |
| 99 | 2,259 | 593 | 295 | 762 | 608 | 2008 |
| 115 | 2,702 | 482 | 433 | 1,088 | 699 | 2009 |
| 118 | 3,269 | 543 | 321 | 1,518 | 888 | 2010 |
| 118 | 2,517 | 554 | 231 | 974 | 758 | 2011 |
| 118 | 2,826 | 603 | 247 | 1,037 | 940 | 2012 |
| 112 | 2,701 | 516 | 226 | 942 | 1017 | 2013 |
| 135 | 1,952 | 458 | 168 | 690 | 636 | 2014 |
| 135 | 1,934 | 396 | 163 | 716 | 659 | 2015 |
| 170 | 2,273 | 429 | 164 | 886 | 794 | 2016 |
| 170 | 2,769 | 705 | 221 | 1,014 | 829 | 2017 |
| 170 | 2,309 | -- | -- | -- | -- | **2018 |
| 67 | 1,413 | 299 | 106 | 616 | 392 | ***2019 |
ويُ يّز كاتب مقال "الواقعية الديمقراطية" بين الديمقراطيين والجمهوريين، وذلك في أنّ تدخُّل الجمهوريين يكون غالبًا من منطلق الواقعية السياسية ومحاولة ربط المصالح بالخيار الديمقراطي، أو من أجل المصالح وحدها، في حين أن الديمقراطيين يعتبرون أن التدخل المشروع هو التدخل غير المرتبط بالمصالح والقائم على القيم وحدها24. وهذا غير صحيح طبعًا. وقد دحضه مؤخرًا سلوك باراك أوباما السياسي، وهو الرئيس الديمقراطي "الأكثر ديمقراطية"، إذا صح التعبير، حين تردد كثيرًا قبل أن يدعم التحول في مصر، وذلك في الموقف العلني وليس أكثر، أما هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية ومرشحة الحزب الديمقراطي للرئاسة فطالبت بدعم مبارك25. وما لبث أن تخلى أوباما عن دعم الثورات الديمقراطية معنويًا مفضلًاتباع سياسات حذرة لا تجازف بانتظار نتائج انتخابات مصرية كل أربع سنوات، ولا سيما في قضايا أمن إسرائيل والخوف من الإسلاميين. ولم يتخذ أوباما موقفًا واضحًا مؤيدًا للثورة في تونس قبل ذلك. لقد عادت الواقعية الديمقراطية نهجًا سائدًا في الإدارة بعد الحرب على العراق. وظل الخطاب الرسمي الأميركي في مرحلة أوباما داعمً لفظيًا للديمقراطية على المستوى العالمي، ولكنه كان حذرًا جدًا في مناهضة الأنظمة السلطوية ودعم الديمقراطية فعلً، بسبب الخشية من النتائج، ودروس التدخل الأميركي في مناطق مختلفة من العالم، وأحيانًا بتبرير "ديمقراطي" آخر رائج لدى حركات السلام في الغرب التي تمثّل قاعدة انتخابية لرؤساء مثل أوباما، وهو عدم جواز التدخل في الدول الأجنبية، واحترام نمط عيش الشعوب الأخرى. ففي بعض أوساط حركات السلام في الغرب لم يَجرِ التمييز بما يكفي بين العداء للإمبريالية والتعاطف مع الدكتاتوريات. ينسب كراوثهامر فكرة تصدير الديمقراطية أو اعتبار أن إرادة الحرية هي محرك التاريخ وليست إرادة السلطة إلى عقيدة ترومان عام 1947 المعادية للشيوعية، وإلى كندي في خطابه الافتتاحي عام 1961، وفي خطاب ريغان من عام 1983 حول إمبراطورية الشر. ويعتبر خطاب جورج بوش عشيّة الحرب ضد العراق خطاب الحرية ضد الطغيان، والعدو فيه هو "الشمولية العربية الإسلامية" سواء أكانت دينية أم علمانية26. والحقيقة أنّ ثمة فرقًا بين الخطاب السياسي
الأيديولوجي والممارسة السياسية الواقعية. فجميع الرؤساء الأميركيين المذكورين أعلوا من شأن مصالح الدولة على تصدير الديمقراطية، كما أن الولايات المتحدة لم تدخل الحرب العالمية الثانية لنشر الديمقراطية، ولكن احتلال ألمانيا واليابان مثّل مناسبة لبناء أنظمة ديمقراطية حليفة للولايات المتحدة، مع أنها لم تشنّ أي حرب في حينه، أو بعد ذلك لغرض تأسيس ديمقراطية. ولم يَخلُ الأمر من تأثير مستشارين ذوي توجهات عقائدية في معاداة الأنظمة الشمولية. فعقيدة المحافظين الجدد تختلف في سعيها لنشر الديمقراطية عن نهج وودرو ويلسون في أنه ليس لديها أوهام فيما يتعلق بالمؤسسات الدولية، أو ما يُسمى الشرعية الدولية. كما أنها تؤمن بالحرب الوقائية وعدم انتظار حصول فعل عدائي ضد الغرب؛ فبحسب وجهة نظرهم، لا ينفع الردع فقط في صد الفاعل الذي يعمل سرًا أو الذي لا يخشى الموت، أي الانتحاري، بل يجب مواجهته من خلال العمليات العسكرية الوقائية على أراضي دول أجنبية. وقد اعتقد هؤلاء فعلً أنّ الأنظمة السلطوية من أهم أسباب نشوء الإرهاب. ولو كانوا مجرد باحثين لقلنا إنهم لم يجانبوا الصواب في التشخيص، لكنهم برروا به سياسات عدوانية أميركية منسّقة مع أجندات إسرائيلية. ولم يُتَّخَذ موقف أميركي فاعل في دعم ثورة ديمقراطية، أو في حماية نظام ديمقراطي عربي منتخب، فضلً عن التدخل العسكري. والحقيقة أنّ الموقف السلبي الفاعل من الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي كان انتقائيًا حتى في مرحلة المحافظين الجدد الذين تخلّوا عن حذر سابقيهم في الإدارة عند تعلُّق الأمر بالعالم العربي، فقد وضعوا نصب أعينهم التدخل ضد دول سلطوية معادية لإسرائيل والتي يمكن أن تبني جيوشًا قوية: العراق أولً. وأدى التورط في العراق إلى التخلي عن تنفيذ خطط أخرى. واكتفوا بضغط طفيف على الدول الحليفة، وجرى إرضاؤهم بإصلاحات شكلية، أو بمؤشرات استعداد للتطبيع مع إسرائيل بدلً من الإصلاحات الديمقراطية. وفهمت الأنظمة السلطوية ذلك فتبنّت سياسة مكافحة الإرهاب والتخويف منه، واستخدمتها ضد المعارضين السياسيين السلميين أيضًا، كما تبنت ما سُمي خطاب "الاعتدال" فقط فيما يتعلق بقضية فلسطين.
1. عربيًا
كُتب الكثير عن التغيرات في السياسة الأميركية بشأن أنظمة الاستبداد بعد الحرب العالمية الثانية، وقيل الكثير عن تعزيز سياسة نشر الديمقراطية. وسبق أن بينت أنّ التغيير الأساسي منذ مرحلة كارتر تمثل في تناقص الأهمية الإستراتيجية للحلفاء، وعدم الاستعداد لدفع ثمن متمثل بحياة جنود أميركيين؛ لإنقاذ حليف متمثل بنظام سلطوي، وتعمقت هذه النزعة بعد الحرب العالمية الثانية. ولقد دخلت هذه السياسة في التاريخ المعاصر بوصفها "عدم وفاء أميركا لحلفائها" (شاه إيران، وماركوس، وسوهارتو، وغيرهم، ولاحقًا مبارك.) وقد استغلت السياسة الخارجية الروسية في مرحلة بوتين هذه النقطة لتتقمص شخصية الحليف الأشد وفاء. والحقيقة أنه لم يكن بالإمكان فعل الكثير لإنقاذ دكتاتور من ثورة شعبية إذا لم تتحول إلى حرب أهلية تبرر تدخلً ما، أو إذا لم يقف جيشه إلى جانبه. ولكن، على أي حال، ومهما كان التصور لتغير الموقف الأميركي بشأن الديمقراطية، ظلت منطقة الشرق الأوسط موضع اهتمام الدول الغربية بعد الحرب الباردة. وارتبطت مصالح الغرب في المنطقة بهموم أمنية استمرت إلى ما بعد الحرب الباردة، وأهمهما استمرار تدفق النفط وصعود ما سمي "التهديد الإسلامي" بعد الانسحاب الروسي من أفغانستان، ولا سيما بعد عام 2001 27، على الرغم من تبنّي الولايات المتحدة خطاب الديمقراطية في سياستها الخارجية. ونضيف إلى ذلك الاهتمام الأميركي بمصالح إسرائيل وأمنها كأنها قضية أميركية داخلية. والمشكلة الأكبر أنّ هذا يعني عادة قبول تصورات إسرائيل ذاتها لأمنها، وهي تصورات تتناقض مع وجود الشعب الفلسطيني ومصالح دول المنطقة وسيادتها. وكانت الولايات المتحدة مستعدة للقبول بإصلاحات شكلية بمبادرة الأنظمة الحليفة، واعتبرت أي انتخابات في ظل الحكم السلطوي تقدمًا كبيرًا. وقد احتفت بالإصلاحات التي جرت في مصر واليمن وأنظمة ملكية قبل 2011، مع أن هذه الإصلاحات لم تحوّلها إلى ملكيات دستورية في أي حالة من الحالات التي شهدها الأردن مع الانفتاح السياسي بعد انتفاضة معان في عام 1989، والمغرب مع جملة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تسعينيات القرن الماضي، لا سيمّا مع الإصلاح الدستوري لسنة 1992 وسنة 1996، وكذلك البحرين في نهاية التسعينيات مع تسلّم الملك الحالي مقاليد الحكم في آذار/ مارس 1999، وإصداره قراراتٍ في عام 2001 ألغى بموجبها قانون أمن الدولة لسنة 1974، وإصدار ميثاق العمل الوطني لسنة 2001. ولم تضغط الولايات المتحدة لتوسيع الإصلاحات، ولم تحتجّ على التراجع عنها حين وجد أي نظام الظرف مناسبًا لذلك، ولا سيما حين جرى التراجع بحجة مكافحة الإرهاب، بعد أن ارتقت مكافحة الإرهاب إلى مستوى "حرب عالمية"، كما أنها لم تضغط على نظام سلطوي مثل الأوتوقراطية السعودية للقيام بإصلاحات ديمقراطية، بل تربوية ودينية، حتى بعد أحداث 11 سبتمبر، واكتفت بالتعاون السعودي في مكافحته وبإقدام السعودية على طرح مبادرة السلام العربية من عام.2002
عمومًا، تلخّص الموقف الأميركي إبان الحرب الباردة في ضمان تدفق النفط، والعمل على الحفاظ على أمن إسرائيل، ووقف تمدد النفوذ السوفياتي في المنطقة، بدعم الأنظمة الاستبدادية الملكية الحليفة له في مواجهة "خطر الشيوعية"، والنظام المصري الذي غيّ تحالفاته من الاتحاد السوفياتي إلى الولايات المتحدة وأقدم على توقيع اتفاق سلام منفرد مع إسرائيل في مرحلة أنور السادات. والحقيقة أنه وإن كنا لا نتعامل مع الصراع العربي مع إسرائيل بوصفه عاملً خارجيًا في هذه الورقة، فإنه عامل مؤثر في إعاقة التحول الديمقراطي. فمنذ النكبة كان قد أدى من بين عوامل أخرى إلى وقف عملية اللبرلة والدمقرطة المحدودة التي بدأتها النخب العربية، والتي ورثتها إجراءاتها الإدارية عن الإدارات الاستعمارية في مصر وسورية والعراق ولبنان والأردن. ولا شك في أنه كان لخسارة هذه النخب في حرب 1948 وربطها بالفشل في فلسطين، إضافة إلى عوامل أخرى مثل فوضى الأحزاب النخبوية التي نشأت وزالت كالفطر وعبرت عن صراعات نخب تقليدية على السلطة (في مقابل أحزاب أيديولوجية غير ديمقراطية) وعدم حل المسألة الزراعية، دورٌ في الانقلابات العسكرية ونشوء الخطاب الشعبوي الذي رافقها، والذي كان يستهل دائمًا بالعمل على تحرير فلسطين و"استعادة الكرامة العربية"، ويرفع أولوية المعركة على الحقوق المدنية والسياسية، بمعنى أن فلسطين تحولت إلى أداة تبريرية لأنظمة مستبدة حتى بعد أن توقفت هذه الأنظمة عن محاربة إسرائيل فعلً. أما بالنسبة إلى الأنظمة التي تخلّت عن هذا الخطاب، فقد أعاق السلام مع إسرائيل الديمقراطيةَ على عدة مستويات: احتياج النظام إلى أدوات قمعية في مواجهة القوى الشعبية الواسعة لهذا السلام، وخوفه من أي انتخابات ديمقراطية فعلً حتى لو كانت لاختيار أعضاء برلمان محدود الصلاحيات بسبب شعبية الخطاب المعادي للسلام مع إسرائيل. تجاهل الأنظمة الغربية الخطوات القمعية إذا كانت في خدمة "السلام"، واعتبار السلام مع إسرائيل أهمّ من حقوق الإنسان والمواطن. التنسيق الأمني مع إسرائيل ذاتها لمواجهة المخاطر المحدقة بالنظام. ويبدو أن هذا العنصر يكتسب أهمية حاليًا في علاقات نظام السيسي بإسرائيل. وفي الحالة المصرية ترافقت اتفاقيات السلام منذ ثمانينيات القرن الماضي مع ربط الجيش بأميركا تسليحًا وتدريبًا ثم دخوله مجالَ التجارة والاقتصاد، على نحوٍ خلق مصلحة له للإبقاء على الوضع الراهن والاستفادة منه. وذلك كله تفعيل اشتراطات المعونة العسكرية التي من ضمنها بنود متعلقة بالسيطرة المدنية على القوات المسلحة وحماية حقوق الإنسان. بالنسبة إلى تدخّل الغرب تاريخيًا، تشير ليزا أندرسن إلى تعبير مورو بيرجر Berger Morroe، أول رئيس لجمعية دراسات الشرق الأوسط MESA التي تأسست في ستينيات القرن الماضي، الذي عرَّف لغز ما أسماه "السياسة الغربية" كما يلي: "إن ما يواجهه الغرب هو معضلة الاختيار بين دعم الحكام السلطويين التقليديين أو المثقفين الحداثيين الذين يريدون التخلص من سلطة الغرب"28. وهذا صحيح، فقد كانت القوى الحداثية في البلدان العربية غالبًا نخبًا قومية أو يسارية ذات خطاب "معادٍ للإمبريالية"، متأثرة بحركات التحرر الوطني عالميًا، وتعتبر التحالف الأميركي مع إسرائيل استمرارًا للمسألة الاستعمارية في المنطقة. كان حل هذا اللغز سهلً من منظور المحافظين الجدد، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع الأهمية الإستراتيجية للدول الحليفة. ومع رفع "الإرهاب" إلى مستوى عدوّ كوني، ربط هؤلاء بين الاستبداد وتوليد الإرهاب. وقد قال جورج بوش الابن في خطاب شهير إنّ "الاستقرار على المدى البعيد لا يمكن أن يكون على حساب الحرية"، في اختلاف واضح مع منطق مرحلة الحرب الباردة التي فضّ ل فيها الأميركيون والسوفيات الاستقرار والحكومات القائمة التي يمكن الاعتماد عليها على قيمهم التي يدعون إليها29. وبهذا المعنى بدا المحافظون الجدد أكثر مبدئية في موقفهم من الدكتاتوريات، بما في ذلك تلك الحليفة. ولكن تنظيرهم للتدخل العسكري في العراق من دون مبرر واضح وبعد حصار غير مسبوق في مدته وشموليته، وافتضاح أمر الاعتبارات الإسرائيلية في ذلك، وتعاملهم مع إسرائيل بوصفها ديمقراطية حليفة مهددة وتجاهل سياساتها الاستعمارية وقضية الشعب الفلسطيني، أسهم كل ذلك في تعبئة الرأي العام العربي ضد "نشر الديمقراطية" على ظهور الدبابات. وما لبثت الولايات المتحدة أن تخلّت عن مقاربة المحافظين الجدد. واتفق المعارضون للسياسة الأميركية في المنطقة مع متخصصين في الدراسات الإقليمية على أن مصالح الغرب في استمرار تدفق النفط،
وعلى أن قلقه يأتي من ازدياد منسوب التهديد الإسلامي السياسي: "قدمت منطقًا مقنعًا لصُنّاع السياسة الغربيين للاستمرار في رعاية الأنظمة السلطوية في المنطقة"30. فقد ظلت هذه الهموم قائمة بعد نهاية الحرب الباردة، ويضاف إليها ضرورة دعم أجهزة الأمن والجيوش التي تمنع عدم الاستقرار ونشوء خطر على أمن إسرائيل. وفي رأيي، قاد هذا المنطق في النهاية، يضاف إليه فشل احتلال العراق، إلى تخلي الإدارة الأميركية ليس فقط عن فكرة تصدير الديمقراطية، بل أيضًا عن فكرة دعمها، ولا سيما بعد أن تبين أن الديمقراطية توصل إسلاميين إلى الحكم في انتخابات السلطة الفلسطينية وزيادة قوة الإخوان المسلمين في الانتخابات المصرية عام 2005. وتكرر ذلك لاحقًا بعد الثورة المصرية. فقد اتخذت الإدارة الأميركية موقفًا متسامحًا مع الانقلاب العسكري أقرب إلى التواطؤ الكامل31.
العامل الدولي هو عنصر بالغ الأهمية في خريطة العالم العربي الاقتصادية والسياسية. فلا توجد علاقات اقتصادية غير متأثرة بالسياسة. ويشمل ذلك أهمية المساعدات الخارجية القائمة على الاعتبارات السياسية والجيوستراتيجية، كما يرتبط تحديد أسعار النفط بالمفاوضات السياسية والصفقات الاقتصادية ذات الدوافع السياسية. ومن الواضح أن ثمة حرصًا على استقرار الأنظمة بغضّ النظر عن طبيعتها، على الرغم من إثارة بعض القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان، ولكنها لا تقود إلى ضغط فعلي. ففيما عدا حالات نادرة مثل السويد، لا توجد آلية محاسبة داخلية ملزمة للحكومات الغربية في برلماناتها عن مصير المساعدات التي تقدّمها. ومن الممكن تمرير بعض الخطوات التي تقوم بها الأنظمة موضع النقد كأنها خطوات إصلاحية، حتى لو كانت تجميلية. كما لا يؤثر النقد غالبًا في العلاقات الإستراتيجية والأمنية والمتعلقة بصفقات بيع السلاح وتبادل المعلومات المخابراتية وغيرها. ويزداد قلق الولايات المتحدة والدول العظمى على استقرار الأنظمة كلما كان النظام مهمًّ من الناحية الإستراتيجية وقريبًا من منابع النفط ومحاذيًا لإسرائيل. ولذلك؛ كلما ابتعد بلدٌ عربي عن المناطق الغنية بالنفط وعن جبهة الصراع مع إسرائيل، قلّ احتمال تدخّل العوامل الدولية السلبي في عملية الانتقال الديمقراطي خشيةً على "الاستقرار"، والمثال الأبرز على ذلك هو الحالة التونسية حيث كانت هامشية تونس الجيوستراتيجية والاقتصادية في صالح نجاح التحول الديمقراطي فيها. أما أهمية مصر الجيوستراتيجية فكانت عاملً مهمًّ في تدخّل قوى أجنبية (إسرائيل، والولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات) تعتبر الديمقراطية بحد ذاتها في العالم العربي حالة من عدم الاستقرار، وتخشى تأثير الرأي العام ووصول قوى إلى الحكم لا تأخذ مصالحها في الاعتبار. لقد شمل الحرص على استقرار الأنظمة حتى نظامًا مثل نظام معمر القذافي الذي يحكم بلدًا غنيًا بالنفط. وذلك مع أنّ القذافي ناصب السياسات الأميركية والأوروبية العداء فترة طويلة واعتبر داعمً للإرهاب. لكنه بدأ في تعديل سياسته بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقُبِل في نادي الدول التي يحرص الغرب على علاقات معها لأسباب، مثل الحرص على تدفق النفط ووقف الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. وحين وقع تدخّل دولي في ليبيا بقيادة الناتو فإنما فرضته ثورة شعبية تحولت إلى حرب أهلية. وبعد تردد، فضّ لت بعض الدول الغربية أن تسهم في حسمها لصالح فصائل الثورة والمجلس الوطني المؤقت، لا سيما أن دولً عربية صديقة للغرب أسهمت في دعم الثورة لأسباب متعلقة بالعلاقات العربية البينية. ولا تزال الولايات المتحدة نادمة على خطوتها بالتدخل عسكريًا إلى حدٍ بعيد لأنها تفضّ ل الاستقرار في ظل القذافي على الفوضى التي نشأت32. ولم تقم الولايات المتحدة بعد الحرب بأي خطوة لتعزيز الديمقراطية الوليدة. لقد انجرت إلى التدخل ضد النظام الليبي في القصف من الجو، ولكنها أدركت بسرعة أنّ البديل كان عدم الاستقرار، وانتشار قوى إسلامية. وتركت الساحة للدول الأوروبية. جرى التعامل مع الأنظمة التي اتخذت مواقف معادية للولايات المتحدة والسياسات الغربية في المنطقة عمومًا مثل النظامين السوري
والليبي، ببراغماتية بعد الحرب الباردة، إذا أخضعت سياستها لقضايا إستراتيجية في الإقليم، وكانت جاهزة للتنسيق الأمني معها في قضايا الحرب على الإرهاب وغيرها، لا سيما في الحالات التي بينت هذه الأنظمة فيها للولايات المتحدة أنها في حاجة إليها، كما في حالة دعم سورية في مراحل معينة مقاومة الوجود الأميركي في العراق، بفتح الطرق أمام الجهاديين للوصول إلى العراق ودعم بعض الجماعات المسلحة. ولكن الولايات المتحدة لم تمانع سقوط هذه الأنظمة عندما تحركت الشعوب ولاحت الفرصة. أما في سورية فقد تفاءلت السياسة الأميركية بدايةً بالثورة وقدمت بعض الدعم السياسي والمالي، ولكنها ترددت لاحقًا خشية انعدام الاستقرار على حدود إسرائيل، وتخوّفًا من الصعود الخطير لحركات سلفية جهادية. وفي المقابل، اعتبر الروس الذين دخلوا بقوة إلى المنطقة، في سياق استعادة دورهم العالمي عن طريق الشرق الأوسط، كلَّ تحول ديمقراطي تمددًا للنفوذ الغربي ونموذجه في الحكم، واعتبروا أن هذا في الحقيقة ما جرى في شرق أوروبا ومنعوا حصوله بصعوبة في بعض الجمهوريات السوفياتية السابقة.
2. تصدير الأوتوقراطية
منذ انهيار الشيوعية لم يعد ثمة نموذج عالمي لنظام الحكم يشمل القيم وأساليب الحكم قابل للتسويق عدا النظام الديمقراطي. على المستوى العالمي، لم يعد لروسيا والصين نماذج للتصدير، لكنهما بقيتا تخشيان التحولات الديمقراطية، كما أنهما تميلان إلى الأنظمة السلطوية مع تفضيل للأنظمة الديماغوغية الوطنية، ولكن ذلك ليس بالضرورة. وثمة اعتبارات متعلقة بالنفوذ (الاقتصادي في حالة الصين)، وأخرى متعلقة بالتنافس الإستراتيجي مع الولايات المتحدة، بوجود قناعة عميقة مفادها أن تمددًا للديمقراطية هو تمدد للنفوذ الغربي. وقد تبنّت روسيا رسميًا خطابًا يضع التقاليد والقيم الغربية في مقابل القيم الروسية والأوروآسيوية، والليبرالية العابرة للحدود في مقابل الوطنية والقومية وغيرها. وصرح الرئيس الروسي بوتين عن الثورات في العالم العربي وبعض دول أوروبا الشرقية قائلً: "كانت هناك سلسلة من الثورات "الملونة." ومن الواضح، أن شعوب هذه الدول، التي شهدت تلك الأحداث، كانت قد اكتفت من الطغيان والفقر، ومن فقدان الأفق. لكنّ هذه المشاعر استُغلّت بخبث. وفُرضت معايير على هذه الشعوب لا تتلاءم مع طريقتها في الحياة، وثقافتها وتقاليدها. ونتيجة لذلك، وبدلً من الديمقراطية والحرية، نشأت فوضى، واندلع العنف وانتفاضات متعددة. وتحوّل الربيع العربي إلى عربيّ. ونشأت حالة شبيهة في أوكرانيا. في عام شتاء 2004، حين حاولوا [يقصد الغرب] الدفع بمرشح معيّ للانتخابات الرئاسية[...]نفهم أن هذه العمليات كانت موجهة ضد أوكرانيا وروسيا وضد الاندماج الأوروآسيوي. حدث كل هذا عندما كانت روسيا تسعى للدخول في حوار مع زملائنا في الغرب"33. نلاحظ أن بوتين جمع بين الاعتبارات المتعلقة بالصراع على النفوذ في مناطق يعتبرها مناطق نفوذ روسي، والاعتبارات المتعلقة بالثقافة مستخدمًا حججًا كانت تعتبر يمينية محافظة وعنصرية في أوساط اليسار العربي (التي يتعاطف بعضها حاليًا مع بوتين)، لناحية العلاقة العضوية بين جواهر ثقافية للشعوب والنظم السياسية الملائمة لها. ومع أنَّ أنظمة مثل النظامين السعودي والإماراتي من جهة والإيراني من جهة أخرى واصلت التأثير في محيطها فإنه ليس لديها نموذج للتصدير، لكنها صدرت ثقافة سياسية من نوع معين، كما دعمت أنظمة سلطوية تختلف عنها جذريًا، إمّا لأسباب جيوستراتيجية متعلقة بالنفوذ، وإمّا لإعاقة تمدد النظام الديمقراطي خشية تأثيره فيها. وقد قامت السعودية بدور حاسم في إعاقة التحول الديمقراطي في اليمن بفرض المبادرة الخليجية ومساندة قوى غير ديمقراطية، ثم قامت إيران بدور في إعاقة تطبيق مخرجات الحوار الوطني بدعم الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء في 21 أيلول/ سبتمبر 2014، وما لبث اليمن أن أصبح مسرحًا لحرب إقليمية ضروس بتدخل سعودي - إماراتي مباشر. كما أن الصراع الإيراني - السعودي في العراق يستمر في إعاقة تطور الديمقراطية، حتى بعد الانتقال من دعم قوى مسلحة إلى دعم قوى سياسية طائفية في الانتخابات العراقية؛ فهذا الدعم يروم النفوذ، ويسهم في التشظي الطائفي وليس في نشر قيم المواطنة الديمقراطية. وينطبق الأمر ذاته على لبنان أيضًا. يتواصل النشاط السعودي والإماراتي الذي يستخدم الدعم المالي في ترسيخ نظام السيسي وفي شراء صحف ومؤسسات إعلامية تشوّه الثورات العربية وتحمّلها المسؤولية عن نكبات سورية واليمن وليبيا مبرِّئةًالأنظمة العربية من مسؤوليتها، كما تدعم قوى سياسية سلفية متعصبة من المدرسة التي تدعو إلى طاعة وليّ الأمر وترفض التدخل في السياسة، وأيّ قوى سياسية أخرى تساند السلطوية وترفض الديمقراطية. لقد اتخذ دعم الاستبداد في العالم أشكالً دولية وإقليمية، كما تضمّن الدعم العسكري والعلاقات التجارية. وفي مقابل انتشار الدراسات حول دعم الديمقراطية خارجيًا، لم تحظَ فكرة تعزيز الأوتوقراطية من
الخارج Autocracy Promotion بالاهتمام الكافي34. وقد ظهرت بعض الأدبيات في العقد الأول من هذا القرن تُشير إلى أن الحكم الاستبدادي أو شبه الاستبدادي في ازدياد، وكذلك احتمالات تأثيره دوليًا. ومن هذه الأدبيات آخر الاستطلاعات السنوية التي أجرتها مؤسسة فريدوم هاوس حول الحقوق السياسية والحريات المدنية في العالم، إضافة إلى كتاب روبرت كاغان35، الذي اقتُبس بشكل واسع في هذا المجال، والذي يُشخّص فيه التنافس الجيوسياسي بين الأنظمة الديمقراطية وغير الديمقراطية، لا سيما مع نهاية الحرب الباردة وصعود منافسين للديمقراطية الليبرالية من قوى غير ديمقراطية واستبدادية36. وقد ظهرت دراسات تتناول حالات بعينها، مثل تلك التي تُركز على نمو القوة الناعمة للصين ودور نموذجها الاقتصادي السياسي في جذب بعض البلدان النامية37. وصدرت دراسات أخرى تناولت تدخلات بوتين في دول آسيا الوسطى وأوكرانيا وجورجيا وبيلاروسيا، والمحاولات الروسية لتقويض مساعي مراقبة الانتخابات التي تقوم بها منظمة الأمن والتعاون في أوروبا38. ويمكن حاليًا أن تضاف سورية وأوكرانيا إلى القائمة. والحالة السورية تهمنا خاصة لأن التدخل الروسي فيها كان عسكريًا مباشرًا وحاسمً في تحقيق هدفين: الحفاظ على النظام السوري، ومضاعفة التأثير الروسي في المنطقة العربية. وقد كانت راية التدخل الروسي الحفاظ على السيادة الوطنية ضد التدخل الغربي الذي يجري من دون إذن الأنظمة الاستبدادية المعنية التي ترحب، في المقابل، بتدخله لصالحها بالطبع. وهنا جرت الاستعانة بالشرعية الدولية ومفهوم السيادة. وتحت راية الحفاظ على السيادة الوطنية، تُ رّر العقيدة الدموية أنّ من حق أي نظام أن يفعل بشعبه ومواطنيه ما يشاء وأن يستدعي التدخل الأجنبي ضد التحول الديمقراطي، على نحو يضع مواثيق القانون الدولي المتعلقة بحماية سيادة الدول في مواجهة مواثيق حقوق الإنسان. ومن الأمثلة الدالة على تدخلات الأنظمة غير الديمقراطية في دفاعها عن الحكم الاستبدادي، أشار بورنيل إلى سعي منظمة شنغهاي للتعاون The Shanghai Cooperation Organisation، ومنظمة الدول المستقلة The Commonwealth of Independent States، التي تأسست بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، والتي تضم في عضويتها عددًا من جمهوريات سوفياتية سابقة، في دفاعهما عن الاستبداد عبر تقديم الدعم المتبادل بين هذه الدول، فضلً عن دور الصين في مساعدة السعودية وفيتنام في حجب المواقع الإلكترونية التي لا ترغب في أن يقرأها مواطنوهما39. وقد قامت الصين وروسيا40 مؤخرًا بعرض المساعدة على السعودية بعد أزمة اغتيال الصحفي دااه في إسطنبول يوم جمال خاشقجي (في قنصلية ب 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2018)، وذلك عبر التسليح وتقوية العلاقات التجارية حين كانت الحملة على الممارسات السعودية فيما يتعلق بحقوق الإنسان في أوجها في الغرب، والتي لم تؤثر في دعم إدارة ترامب للسعودية على كل حال. لقد طرح الروس عقيدة تبنّتها أنظمة الاستبداد في المنطقة تتلخص في رفع السيادة الوطنية بوصفها مبدأً يتفوق على أي مبدأ آخر في السياسة الدولية. وتقلّص مفهوم السيادة من سيادة الدولة بما فيها الشعب ليقتصر على سيادة النظام الحاكم، بما يشمل حرية التصرف الكاملة لأي نظام مع شعبه باعتبارها تعبيرًا عن السيادة. فشعبه هو شأنه، أما التدخل الخارجي فيتاح إذا طلبه
النظام الشرعي، ألا وهو النظام القائم والممارس للسيادة بحسب تعريفهم. كما أصبح نموذج بوتين في الحكم الفردي السلطوي بغطاء انتخابي، وتوسيع صلاحيات الرئيس المحاط بنخبة أمنية واقتصادية موالية، والقادر على قمع معارضيه بأدوات الدولة، نموذجًا جذابًا لأنظمة الاستبداد، وحتى لبعض القادة المنتخبين في أنظمة ديمقراطية ناشئة حديثًا والطامحين إلى المزيد من السلطة وإلى تأبيد وجودهم فيها. لم يعد ممكنًا تجاهل مدّ الشعبوية السياسية اليمينية القومية المعادية للديمقراطية الليبرالية الذي شهدته الولايات المتحدة وأوروبا عشية انتخاب ترامب وبعدها، وتصاعد تأثير سياسات الهوية والسياسات الثقافوية والإثنية، وتأثيره في تعزيز ثقة الأنظمة الاستبدادية بنفسها في المشرق، لا سيما أن الديمقراطية تشهد أزمة في "بلادها"، وهذه القوى تستخدم بعض مفردات الأنظمة الاستبدادية العربية الأثيرة41.
خلاصة
بينّا في هذه الدراسة ما يلي: لا يمكن تجاهل العامل الدولي في تفاعله مع الظروف الداخلية عند إطاحة نظام سلطوي وبدء عملية التحول الديمقراطي. تبقى الأولوية للعوامل الداخلية (غالبًا)، ولا سيما إذا لم يقع تدخل أجنبي عسكري مباشر. فقضية الانتقال إلى الديمقراطية هي قضية داخلية قبل كل شيء. يصعب على العامل الدولي إحباط التحول الديمقراطي في حالة ثورة شعبية إذا كان هناك توافق عليه بين النخب السياسية. ثمة فرق بين فعل العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي وفعله في ترسيخ الديمقراطية. قد يكون العامل الخارجي حاسمً في حالة انهيار الاستبداد في الدول التابعة. ما يسمى موجات عالمية للتحول الديمقراطي هو غالبًا موجات إقليمية. لم تصبح الولايات المتحدة داعمة للديمقراطية والتحولات الديمقراطية بعد الحرب الباردة، بل أصبحت أقل اكتراثًا بحماية حلفائها السلطويين. والصيغة الترامبية لهذا التحول تتلخص في طلب مقابل للحماية. في حالة المنطقة العربية ظلت قواعد الحرب الباردة قائمة إلى حد بعيد في السياسات الأميركية. تُعلي الدول الغربية مسألة تدفق النفط ومنع الهجرة وحماية أمن إسرائيل ومكافحة الإرهاب على حقوق الإنسان والديمقراطية في العالم العربي، ولم تقتنع بعد بأهمية الديمقراطية في هذا السياق. نظرًا إلى تخوّفها من نتائج صناديق الانتخابات الحرة على مصالحها تلك. تزداد فرص الدولة العربية التي تمر بتحول ديمقراطي في تحييد العرقلة من الخارج كلما كانت الدولة غير منتجة للنفط وبعيدة عن إسرائيل. مع استعادة روسيا والصين دوره اا العالمي فإن تأثيرهما يتجه إلى تفضيل أنظمة الاستبداد، وفي غياب نموذج للتصدير لديهما، تستخدم هاتان الدولتان خطابًا يتقاطع مع ثقافة اليمين الشعبوي في الدول الديمقراطية أو تلك المعنية بالانتقال إلى الديمقراطية.
المراجع
العربية
بشارة، عزمي. ثورة مصر. الجزء الثاني: من الثورة إلى الانقلاب. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ________. في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2018
الأجنبية
Ágh, Attila. "Processes of Democratization in the East Central European and Balkan States: Sovereignty-Related Conflicts in the context of Europeanization." Communist and Post-Communist Studies. vol. 32, no. 3 (September 1999). at: http://bit.ly/2NbPAuC Ambrosio, Thomas. Authoritarian Backlash: Russian Resistance to Democratization in the Former Soviet Union. Aldershot: Ashgate, 2009. Anderson, Lisa. "Searching Where the Light Shines: Studying Democratization in the Middle East." Annual Review of Political Science. vol. 9, no. 1 (2006). at: http://bit.ly/2wcZSDi Ashour, Omar. "Collusion to Crackdown: Islamist- Military Relations in Egypt." Brookings Papers (March 2015). at: https://brook.gs/2RF7pn4 Bellin, Eva. "The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative Perspective." Comparative Politics. vol. 36, no. 2 (January 2004). Berger, Morroe. The Arab World Today. New York: Doubleday, 1964. Burnell, Peter J. "Promoting Democracy and Promoting Evaluation." a Comparative Towards Autocracy: Journal of Politics and Law. vol. 3, no. 2 (2010). at: http://bit.ly/2QGKnfS Carothers, Thomas & Christopher Carothers. "The One Thing Modern Voters Hate Most Charges of Corruption are Toppling leaders at a Growing Clip. That's a Good thing for Global Politics." Foreign Affairs. July 24, 2018. at: https://bit.ly/2mKUgfn Carothers, Thomas & Richard Youngs. "Democracy Is Not Dying." Foreign Affairs. April 11, 2017. at: https://bit.ly/2GLrZyZ Carothers, Thomas. Revitalizing U.S. Democracy Assistance. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace, 2009. Clinton, Hillary Rodham. Hard Choices. New York: Simon & Schuster Paperbacks, 2014. Gates, Robert M. Duty: Memoirs of a Secretary at War. New York: Alfred A. Knopf, 2014. Goldberg, Jeffrey. "The Obama Doctrine." The Atlantic (April 2016). at: http://bit.ly/2DbyDgY Kagan, Robert. The Return of History and the End of Dreams. New York: Barnes & Noble, 2008. Kirkpatrick, David D. Into the Hands of the Soldiers: Freedom and Chaos in Egypt and the Middle East. New York: Viking, 2018. Krauthammer, Charles. Democratic Realism: An American Foreign Policy for a Unipolar World. Washington, D.C.: The AEI Press, 2004. at: http://bit.ly/2PQ25Av Lawson, Marian L. & Susan B. Epstein. "Democracy Promotion: An Objective of U.S. Foreign Assistance." Congressional Research Service. January 4, 2019. at: http://bit.ly/2v3FLY2; Levitsky, Steven & Lucan A. Way. Competitive Authoritarianism: Hybrid Regimes after the Cold War. New York: Cambridge University Press, 2010. Lewis, Anthony. "The Kissinger Doctrine." February 27, 1975. The New York Times. at: https://nyti.ms/2VyekEW
Mann, Michael. The Dark Side of Democracy: Explaining Ethnic Cleansing. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. McGiffert, Carola (ed.). Chinese Soft Power and Its Implications for the United States: Competition and Cooperation in the Developing World. CSIS Report. Washington, D.C.: Center for Strategic and International Studies, 2009. at: http://bit.ly/2Q5Ycrd McGowan, Patrick. "African Military Coups d’Etat, 1956–2001: Frequency, Trends and Distribution." The Journal of Modern African Studies. vol. 41, no. 3 (2003). Naazneen Barma & Ely Ratner. "China’s Illiberal Challenge: The Real Threat Posed by China isn’t Economic or Military it’s Ideological." Democracy: A Journal of Ideas. no. 2 (Fall 2006). at: http://bit.ly/2KfhbKM O’Donnell, Guillermo & Philippe C. Schmitter & Laurence Whitehead (eds.). Transitions from Authoritarian Rule. Four Volumes. Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press, 1986. Rhodes, Ben. The World as It Is: A Memoir of the Obama White House. New York: Random House, 2018. Stephan, Maria J. & Erica Chenoweth. "Why Civil Resistance Works: The Strategic Logic of Nonviolent Conflict." International Security. vol. 33, no. 1 (Summer 2008). at: https://bit.ly/2CXKiSq Weyland, Kurt. "Limits of US Influence: The promotion of Regime Change in Latin America." Journal of Politics in Latin America. vol. 10, no. 3 (2018). Whitehead, Laurence (ed.). The International Dimensions of Democratization: Europe and the Americas. Oxford: Oxford University Press, 2001.