النظرية الواقعية في مواجهة أحادية القطبية الدولية

علي الجرباوي | Ali Jarbawi * ** Lourdes Habash ولورد حبش |

الملخّص

تعالج الدراسة تداعيات تحول النظام الدولي من ثنائي القطبية إلى أحادي القطبية الدولية على النظرية الواقعية؛ حيث تستعرض وتحلل الكيفية التي تعامل بها الواقعيون في الرّد على هذا التحدي الخارجي. وتستعرض أيض ا الردّ التقليدي على "الهجمة " تجاه الواقعية، والذي جاء في محاولة للحفاظ على مرتكزاتها الأساسية. وتشرح بعد ذلك التجديدية المختلفة التي قام بها منظ التوجهات التعديلية - رون من هذه المدرسة في محاولة منهم لمواءمة أسس هذه النظرية ومرتكزاتها مع أحادية القطبية. تتطرق الدراسة إلى أربع محاولات تعديلية: توازن التهديد، والتوازن الناعم، وتوازن المصالح، والتوازن خارج المجال. أخيرًا تسعى الدراسة لتقديم إضافة جديدة، جاءت بعنوان "التوازن من الداخل "، وإن كان هذا العنوان مستل ا من النظرية الليبرالية المناوئة للواقعية، إلا أنه يأتي بتكييف واقعي، لطول أمد حقبة أحادية القطبية الحالية. كلمات مفتاحية: الواقعية، توازن القوى، أحادية القطبية الدولية، التعديلية. This paper addresses the implications of the transformation of the international system from a bipolar to a unipolar system for realist theory. The paper demonstrates and analyzes how realists react to this external challenge. The paper demonstrates the traditional response to the "attack" on realism, in an attempt to preserve its basic premises. It then proceeds to explain the different revisionist orientations undertaken by the theorists of this school in an attempt to harmonize the foundations of this theory with unipolarity. The study deals with four revisionist approaches: "balance of threat", "soft balance", "balance of interests" and "external balancing". This paper presents a new addition, "internal balancing" which, while derived from the liberal theory opposed to realism, comes with a realist adaptation to explain the length of the current unipolar era Keywords: Realism, Balance of Power, International Unipolarity, Revisionism.

Realist Theory in the Face of International Unipolarity

مقدمة

يمتاز حقل العلاقات الدولية بوجود عدة نظريات متنافسة في تقديم تفسيراتها لبنية العلاقات الدولية ومنظومتها، وكيفية صنع السياسات من جانب الفاعلين الأساسيين داخل الساحة الدولية، والذين تختلف النظريات بشأن عددهم وأهمية ومحورية تحكمهم أو تدخلاتهم في إدارة الشؤون الدولية. من أهم هذه النظريات النظرية الواقعية التي دخل مُنظّروها خلال العقود الماضية في سجالٍ مهم مع أقطاب النظرية الليبرالية، التي تعتبر منافِستها الرئيسة في الرؤية والتفسير لكيفية حياكة السياسات والعلاقات الدولية. ومع أن هذا السجال الممتد عبر السنين كان الأهم في أثره في الحقل، وأدى إلى تعميق فهم جوانب متعددة ومتداخلة ضمنه، وكذلك تطوير مناحٍ جديدة في النظريتين المتنافستين، فإنه لا يمكن إغفال أثر نظريات أخرى تشابكت معهما في تقديم تفسيرات من زوايا مختلفة، كالنظرية البنيوية، والماركسية، والتبعية، والنسوية. كل هذه النظريات ومحصلة تفسيراتها المختلفة، المتحاورة حينًا والمتباينة أحيانًا، أغنت حقل العلاقات الدولية وفتحت داخله رحابًا ومسالك منهجية متعددة للباحثين والدارسين. كان لتفكك الكتلة الشرقية، ثم انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991، الأثر الكبير لاحقًا ليس في مسار المجريات الفعلية للسياسة الدولية فقط، بعد تحول النظام الدولي من ثنائي إلى أحادي القطبية، ولكن في ما انتاب أيضًا البعد النظري المواكب لهذا التحول داخل حقل العلاقات الدولية. جرى هذا السجال المهم بين أوساط الواقعيين والليبراليين على خلفية انقضاض الليبراليين على النظرية الواقعية، استغلالً لفرصة اعتقدوا أنها مواتية لإلحاق الهزيمة بهذه النظرية المنافسة وتحقيق الانتصار الحاسم عليها. ولكنّ الواقعيين انتصروا لنظريتهم وقاموا بما يلزم للدفاع عن كينونتها؛ وذلك من خلال التمترس خلف مرتكزاتها التقليدية، أو بتقديم تعديلات مهمة عليها بهدف تطوير الفَهْم المنهجي الذي تقدمه هذه النظرية للحالة الدولية الجديدة. تأتي هذه الدراسة لسبر غور آثار هذا السجال، وما أدى إليه من تحولات داخل النظرية الواقعية. في عام 1988، تنبأ كينيث والتز، أحد أهم منظّري المدرسة الواقعية الجديدة في السياسة الدولية، بأن الحرب الباردة ستستمر؛ لكونها "متجذّرة بقوة في هيكل السياسات الدولية بعد الحرب (العالمية الثانية)، وستبقى ما دام الهيكل الدولي مستمرًا"1. ولكن هذا التنبؤ خاب، إذ لم يمض عام عليه إلا والحرب الباردة قد انتهت. فقد أدّى الانهيار المفاجئ للاتحاد السوفياتي، وتفكك الكتلة الشرقية، إلى حدوث تحوّل جذري في النظام الدولي الذي تأسس في أعقاب معاهدة وستفاليا في عام 1648. فأول مرّة منذ ذلك الحين يقطع النظام الدولي استناده إلى مُرتكز تنظيم العلاقة بين أكثر من لاعب؛ دولٌ تُشكّل أقطابًا في هذا النظام، إما على نحو تعددي كما كانت الحال حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، وإما بثنائية قطبية نتجت من تلك الحرب، وأنتجت الكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية مقابل الكتلة الشرقية بزعامة الاتحاد السوفياتي. وبفعل غياب أحد القطبين الرئيسين ابتداءً من عام 1991، انتقل النظام الدولي إلى حالة جديدة لم يعهدها من قبل؛ حالة ترتكز على أحادية القطبية الدولية التي انبثق منها نظام دولي جديد يقوم على هيمنة دولة عظمى واحدة وتفرّدها، هي الولايات المتحدة. على الصعيد العملي، أربك هذا التغيّ المفاجئُ في النظام الدولي العالمَ. وقد أدى انفراط منظومة سياقاته التي كانت مألوفة ومتعارفًا عليها، حتى ظنّها بعضهم مثل كينيث والتز مستقرة وثابتة وراسخة، إلى إفقاد العالم ركيزة انضباطه؛ على نحوٍ أدى إلى حدوث خلخلة واختلالات في بنيته التقليدية، نجم عنها سلسلة من الاضطرابات والصراعات والحروب عصفت بمناطق مختلفة فيه، ولا زالت آثارها تتفاعل حتى الآن. لم يقتصر حدّ الاضطراب على هذا الصعيد العملي فقط، بل تجاوزه ليضرب في عمق البعد النظري المُفسِّ لماهية عمل النظام الدولي وكيفيته، وبالتحديد من وجهة نظر المدرسة الواقعية. فهذه المدرسة التي ظهرت وانتشرت وعلا شأنها بعد الحرب العالمية الثانية، ارتكزت في أسسها وتفسيرها للسياسة الدولية على ضرورة وجود أكثر من قطب على رأس هرم النظام الدولي. ولذلك، عندما أصبح هذا النظام أحادي القطبية، بوغِت مُنظِّرو هذه المدرسة بواقع جديد لم يكونوا يتوقعونه فحسب، وإنما جاء خارج نطاق منظومة وسياقات فهمهم للسياسة والعلاقات الدولية بالأساس. تفاوتت ردّة فعل هؤلاء المنظرين على هذا التغيّ غير المتوقع. فبينما تمسّك بعضهم بأسس النظرية الواقعية كما هي، واعتبروا أحادية القطبية الدولية حدثًا طارئًا لن يُخلّف أثرًا، ولن يُعمّر طويلً، بل سيزول سريعًا ويعود النظام الدولي إلى سابق عهده2، طرح البعض

  1. Kenneth N. Waltz, "The Origins of War in Neorealist Theory,"  The Journal of Interdisciplinary History , vol. 18, no. 4 (Spring 1988), p. 628.
  2. لمزيد من الاطلاع حول حتمية عودة توازن القوى، انظر: Christopher Layne, "This Time it's Real: The End of Unipolarity and the Pax Americana," International Studies Quarterly , vol. 56, no. 1 (March 2012), pp. 202–213; Waltz, "Structural Realism after the Cold War," International Security , vol. 25, no. 1 (Summer 2000), pp. 5–41; Kenneth N. Waltz, "The United States: Alone in the World," in: I. William Zartman, (ed.), Imbalance of Power: US Hegemony and International Order (London: Lynne Rienner Publishers, 2009), pp. 27 - 36.

في الجهة المغايرة ضرورة إخضاع أسس النظرية الواقعية لإعادة تقييم، معتبرين أن حقبة أحادية القطبية ليست طارئة أو مؤقتة، بل ستستمر طويل3. وبين هذين الاتجاهين الفكريين، قدّم العديد من المنظّرين الواقعيين أطروحات تعديلية متعددة؛ في محاولات لمواءمة الأسس النظرية لمدرستهم مع التغيرات الحاصلة في العالم4. لقد أربكت أحادية القطبية الدولية النظرية الواقعية ومنظّريها، وتركتهم يحاولون إيجاد المخارج التكييفية التي يمكنها أن تحافظ لهم على نظرية كانت سائدة طوال نصف قرن مضى. المهم في الأمر أن تفتّت محاولاتهم واختلاف طروحاتهم قد يكونان أسهما في إنعاش نظريتهم بضخّ مواءمات جديدة لواقعٍ قد تغيّ، وقد تكون أدّت عن غير قصد إلى زيادة حدّة الإرباك وتعميق حالة التشتت الواقعة بين صفوفهم. تحاول هذه الدراسة إلقاء الضوء على وجهات النظر المختلفة التي نجمت ردّاتِ فعلٍ داخل المدرسة الواقعية على مباغتتها بأحادية القطبية الدولية، وتقييم جدوى كل منها في فتح آفاق جديدة للنظرية الواقعية تمكّنها من التأقلم والتطور لأجل فهمٍ واستيعابٍ للمتغيرات المؤثرة والتغيرات الحاصلة في بنية عمل النظام الدولي الجديد وآليته. وأثناء القيام بذلك، تحاول الدراسة أيضًا تقييم الأثر الذي تركته هذه المتغيرات في تماسك النظرية الواقعية وفاعليتها، وفحص مدى قدرتها بصفتها نظرية على الاستمرار في تفسير التغيرات المقبلة والتنبؤ بها. وأخيرًا، تتضمن هذه الدراسة ما نعتقد أنه يمثّل مساهمة جديدة لأجل فهمٍ وتفسير لاستمرارية وجود نظام أحادي القطبية من وجهة النظر الواقعية.

أولا: الافتراضات الأساسية للنظرية الواقعية

غالبًا ما توصف الواقعية بأنها النظرية السائدة في مجال العلاقات الدولية؛ لكونها تقوم على أسس منهجية واضحة ويسيرة، على نحو يجعلها توفّر للباحثين والمهتمين مسارات تحليلية تُسهّل عليهم فهم مقتضيات السياسة الدولية ومجرياتها وتعقيداتها، وتمنحهم المداخل التي تُقدّم أكثر الإجابات مباشَةً وأقلها تعقيدًا لكيفية عمل النظام الدولي. وهذا ما جعل الواقعية حاضرة على مدار النصف الثاني من القرن العشرين في كل النقاشات التي دارت في مجال العلاقات الدولية5، وأدى إلى كونِها إحدى أهم النظريات الدائمة، والمسيطرة، والمثيرة أيضًا للجدل في مجال دراسة السياسة الدولية6. تطورت النظرية الواقعية تدريجيًا بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال سلسلة أعمال لعدد من المنظّرين، ابتداءً من هانز مورغنثاو، وحتى وقتنا الحالي. وخلال هذه الفترة المديدة، عمل عدد كبير من المختصين على شحذ أسس هذه النظرية وتطويرها، وتوسيع رؤاها وتفسيراتها. وهذا ما دعا ستيفن والت، أحد أهم منظّري هذه المدرسة، إلى اعتبار أنّ الواقعية لا تشكّل نظرية واحدة فقط7، وجعل جاك دونللي يصفها بأنها "توجه عام"8، وقاد كولين إيلمان أيضًا إلى مشاركتهما الرأي بوصفه للنظرية الواقعية ب  "الخيمة الكبيرة" التي تُظلّ تحتها عددًا من النظريات المختلفة9، كما اعتبرها روبرت جلبين "توجهًا فلسفيًا" ومجموعة من الافتراضات عن العالم، عوضًا عن النظر إليها على أنها نظرية "علمية" بالمعنى الدقيق للكلمة10. تقوم النظرية الواقعية على مجموعة من الأسس المترابطة والمحبوكة جيدًا، وتنبثق من رؤية محدّدة للإنسان وللعالم الذي يعيش فيه. هذه الرؤية هي بالأساس تشاؤمية، تنطلق من النظرة الهوبزيّة للطبيعة البشرية، بأن الإنسان أناني واستحواذي، وذو نزعة عدوانية تجاه الآخرين. ومن ثمّ، فإن الصراع، وليس التعاون، هو ما يحكم العلاقات بين الأفراد والمجموعات، وبالنتيجة بين المجتمعات والدول عندما يتعلق الأمر بالاستحواذ على المصادر المحدودة. ويعتقد الواقعيون أن أفضل طريقة للحفاظ على حالة السلم والاستقرار في النظام الدولي، الذي يعيش في خضمّ العلاقات الصراعية الدائمة والفوضى العارمة، هي في إيجاد توازن بين الأطراف يردع تعدّي بعضها على بعض. لذلك يُعتبر مبدأ توازن القوة، والحفاظ عليه، المنطلق والهدف الأساسيين

  1. يعتبر وليم ويلفورث المدافع الأول عن استمرار نظام أحادي القطبية وعدم إمكانية موازنة الولايات المتحدة. لمزيد من المعلومات، انظر:
  2. لمزيد من الاطلاع على الأطروحات التعديلية، انظر: Stephen M. Walt, Taming American Power: The Global Response to U.S. Primacy (New York: W. W. Norton & Company, 2006); Robert A. Pape, "Soft Balancing Against the United States," International Security , vol. 30,
  3. Colin Elman, "Realism," in: Martin Griffiths (ed.), International Relations Theory for the Twenty-First Century: An introduction (London; New York: Routledge, 2007), p. 11. 6  Michael C. Williams, The Realist Tradition and the Limits of International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2005), p. 1.
  4. William C. Wohlforth, "The Stability of a Unipolar World," International Security , vol. 24, no. 1 (Summer 1999), pp. 5-41; Stephen G. Brooks & William C. Wohlforth, World Out of Balance: International Relations and the Challenge of American Primacy (Princeton: Princeton University Press, 2008).
  5. Stephen M. Walt, "International Relations: One World, Many Theories," no. 110, Special Edition: Frontiers of Knowledge (spring 1998), pp. 29-32, 34 - 46.
  6. Jack Donnelly, Realism and International Relations , Series Themes in International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2004), p. 6.
  7. Ibid. 10  Robert Gilpin, "The Richness of the Tradition of Political Realism," International Organization , vol. 38, no. 2 (Spring 1984), pp. 289 - 290.
  8. no. 1 (Summer 2005), pp. 7-45; T.V. Paul, "Soft Balancing in the Age of U.S. Primacy," International Security , vol. 30, no. 1 (Summer 2005), pp. 46–71.

اللذين يجتمعان ليشكلّا المرتكز الأساسي لهذه النظرية. ومن دون هذا المبدأ، تفقد النظرية الواقعية مرتكزها وبوصلتها11.

من هذا المنطلق، وعلى أساس هذا المرتكز، تبني الواقعية بنيانها النظري على ما يحدده ميلر ولين - جونز بستة مبادئ مترابطة وهي: اعتبار أن الدول هي الركائز الرئيسة للنظام الدولي والفواعل الأساسية في السياسة الدولية. أن الفوضى هي السمة الطاغية على الحياة والسياسة الدولية. أن الدول تسعى دائمًا لتعظيم قوتها وضمان أمنها. أن الدول في سعيها لتأمين مصالحها وتحقيق أهدافها، تتصرف دائمًا وفقًا لحسابات عقلانية. أن الدول تميل إلى الاعتماد على الذات واستخدام القوة العسكرية لتثبيت مكانتها وتحقيق غاياتها. أن توزيع القوة بين الدول هو المحدد الأساسي لأنماط السياسة الخارجية لهذه الدول، والسياسة الدولية في النظام الدولي12. تعكس هذه المبادئ الستة واقع الافتراض الأساسي للواقعيين، وهو أن الصراع يُشكّل السمة الأساسية الحاكمة داخل النظام الدولي؛ ما يؤدي إلى عدم الاستقرار بسبب التناحر والتنافس الذي لا بدّ أن يحصل بين "اللاعبين"، وخصوصًا الأساسيين منهم. يؤمن الواقعيون بأن الدولة هي حجر الأساس و "اللاعب" الرئيس في عمل النظام الدولي وبنيته. ومن ثمّ، فإن هذا النظام يقوم على أساس التعامل بين الدول. أما الفواعل الأخرى من غير الدول، فتأثيرها بالنسبة إلى الواقعيين ثانوي في أفضل الأحوال. وتدفع مركزية الدولة في النظرية الواقعية إلى الواجهة قوة عنصر سيادتها الذي يرتكز عليه استقلالها، وهو الذي يعني امتلاكها حق السيطرة الداخلية المطلقة، والحرية الخارجية الكاملة. فالدولة السيادية هي وحدها مالكة الحق والقرار بشأن كيفية التعامل مع قضاياها الداخلية والخارجية، وهي التي تحدد طبيعة علاقاتها ب "الآخرين"، إن كان من خلال الدخول في أحلاف، أو تعظيم القوة الذاتية، أو تقييد تصرفات الذات13. باختصار، لا سلطان على الدولة إلا نفسها، وما يفرضه عليها واقع البنية الدولية التي تتشكل من دول مثلها؛ ولكن مع تفاوت عنصر القوة بينها. وفي واقع صراعي - تنافسي، وليس توافقيًا - تعاونيًا، وبغياب سيطرة قوة مركزية ذات سلطة أعلى من سلطة الدولة، أي عدم وجود "حكومة عالمية" تمتلك الحق والقدرة على فرض سيطرتها على أفعال الدول، وتستطيع كبح جماحها وتنظيم علاقاتها فيما بينها، بما يُحققّ استقرار النظام الدولي، ويجلب "السلام الدائم" للعالم، فإن العالم يتحوّل إلى "غابة" تحكمها الفوضى. وفي عالم الفوضى يسود بين الدول مناخ عام يقوم على الريبة والشكّ في نيات كل منها. ومن دون وجود الضوابط الفاعلة والملزمة لفرض الانضباط على تصرفات الدول، تسود حالة خوف الكل من الكل14. هذه الصورة السوداوية لعلاقات الدول فيما بينها، وفقًا لرؤية الواقعيين، هي التي تقود جون ميرشايمر، وهو مُنظّر الواقعية الهجومية الجديدة، في اتجاه اعتبار أن النظام الدولي "مجال وحشيّ تبحث فيه الدول عن فرص للاستفادة بعضها من بعض، ما يؤدي إلى غياب ما يبُرر الثقة فيما بينها"15. في خضم هذه الصورة السوداوية لفوضى العالم العارمة من جرّاء الصراع الدائم، والتي تحفّ الدولَ بالمخاطر من جرّائها، لا مناص أمام كل دولة من السعي للحفاظ على ذاتها، فتصبح حماية نفسها أولى أولوياتها. وقد عبّ عن ذلك والتز، حين أكّد أنه "بعد دافع البقاء، قد تكون أهداف الدول متنوعة بأشكال لا نهاية لها"16. وقد أعاد هنري كيسنجر هذا التأكيد حين اعتبر أن المسؤولية الأولى التي تقع على عاتق الدولة تتمثل في الحفاظ على بقائها، وشدّد على أن هذا الهدف

  1. علي الجرباوي، "الرؤى الإستراتيجية لثلاثي القطبية الدولية: تحليل مضمون مقارن "، سياسات عربية، العدد 31 (آذار/ مارس 2018)، ص.9
  2. Sean M. Lynn-Jones & Steven E. Miller, "Preface," in: Michael E. Brown, Sean M. Lynn-Jones & Steven E. Miller (eds.), Perils of Anarchy:
  3. Moisés Silva Fernandes, "An Assessment of the Major Assumptions of Realism," Repositório Comum, pp. 41-55, accessed on 16/5/2019, at: http://bit.ly/2HrYti6
  4. Gilpin, p. 290.
  5. John J. Mearsheimer, "The False Promise of International Institutions," International Security , vol. 19, no. 3 (Winter 1994/1995), p. 10. تيموثي دن، "الواقعية"، في: جون بيليس وستيف سميث (محرران)، 16 عولمة السياسة العالمية (دبي: مركز الخليج للأبحاث، 2004)، ص.243
  6. Contemporary Realism and international security (Cambridge: MIT Press, 1995), p. ix.

غير خاضع للمساومة. من هذا المنطلق، تشدد النظرية الواقعية على ضرورة استشعار الدولة بأهمية الحفاظ على أمنها بصفته أولوية تسبق غيرها من الأولويات17. إذا كان الحفاظ على الوجود وضمان الأمن هو الدافع المُحفّز لنشاط الدولة، فإن ذلك هو ما أنتج في النظرية الواقعية افتراضًا أساسيًا مفاده أن الدولة كائن عقلاني، يحكم تصرفاتها حسابات الربح والخسارة، ويقودها السعي الدائم لتعظيم المكاسب، وتقليص الخسائر إلى أدنى درجة ممكنة18. هذه الحسابات المُدركة والمُرشّدة تحظى دائمًا بأسبقية وأهمية على الاعتبارات المبدئية والأخلاقية. فما يُحرّك الدولة عند الواقعيين هو تحقيق مصالحها وأهدافها، كيفما تأتّ ذلك، حتى وإن كان على حساب القيم والمعتقدات19. في هذا الشأن، الواقعيون ميكافيليون، و "الغاية" عندهم تبرّر "الوسيلة." والدولة كي تحقق غاياتها، عليها واجب الاعتماد المطلق على الذات. ولذلك فإن تعظيم قوتها واجب أساسي يقع عليها، إذ عليها ألا تعتمد إلا على نفسها في حماية وجودها وملاحقة مصالحها20. وعند الحديث عن الدولة في هذا السياق، فإن الواقعيين يعتبرون أنها في علاقاتها بالآخرين تُشكّل وحدة واحدة موحدّة، بغضّ النظر عن الخلافات الداخلية بين مكوناتها. فعندما يتعلق الأمر بشأن خارجي، تتوحد مكونات الدولة خلفها، تسند مواقفها وتدعمها21. إن انشغال الدولة بتعظيم قوتها، مبدأ واقعي أساسي، فالقوة هي العملة الوحيدة الرائجة عند الواقعيين. فهم يرون أن الدول تتنافس باستمرار فيما بينها لتجميع مختلف عناصر القوة، لتحولها جميعًا في نهاية المطاف إلى قدرة عسكرية؛ ثم "قوة صلبة" يجري دائمًا إعدادها وتطويرها، ليس فقط لمواجهة تحدي المنافسين عندما يلزم ذلك، وإنما لتحقيق الانتصار اللازم عليهم بالأساس. عند الواقعيين أيضًا، ليس مفيدًا للدولة الاعتماد على غيرها من الدول، أو التعاون مع الغير، إلا بما يحقق لها الفائدة المُطلقة، وليس الفائدة النسبية؛ بمعنى القبول بإفادة الغير ما دامت هي مستفيدة. فالنظرية الواقعية لا تؤمن بأن تحقيق الفائدة للدولة يسمح لها بأن تدع غيرها من الدول يستفيد، بل إن العلاقة في هذا المجال بين الدولة والدول الأخرى قائمة على المنافسة، ويجب أن تُبنى على القاعدة الصفرية، فأي ربح لجهة أخرى، حتى وإن كان ضئيلً مقارنة بحجم المكاسب المتحققة للدولة يُعتبر خسارةً لها، ومصدر خطرٍ عليها. وقد لخّص ألكسندر وندت كل ما سبق بصورة مكثفة ودقيقة: إن المجال الدولي يُعتبر بطبيعته مجالً فوضويًا يتكون من وحدات مستقلة تسمى دولً، وأن الدول هي الفواعل الرئيسة التي تمتلك قدرات عسكرية هجومية تجعل بعضها خطرًا على أمن بعضها الآخر، وأن هذه الدول تعاني معضلة الشك الدائم في نيات بعضها تجاه بعض، وأن الحافز المحرّك لسلوك هذه الدول هو الرغبة في البقاء والمحافظة على سيادتها، وأن هذه الدول عقلانية في تصرفاتها وسلوكها وتفكر بطريقة إستراتيجية حول بقائها وأمنها22. كيف يمكن في مثل هذه البيئة الصراعية - التنافسية التي تنشغل فيها كل دولة بتعظيم قوتها، وتتربّص فيها الدول بعضها ببعض، أن تُضبَط الفوضى ويُ نع الانفلات، ويُحَدّ من المواجهات والحروب، وينعم النظام الدولي بالاستقرار؟ سؤال مركزي مهم، واجهه الواقعيون باللجوء إلى معادلة إحداث التوازن في القوة بين الفرقاء؛ لأن ذلك هو الوسيلة الكفيلة والضمانة الفعّالة الوحيدة لردع توجهاتهم العدوانية بعضهم تجاه بعض. فالتفاوت في القوة هو الذي يُحركّ عدوانية دولة على أخرى. في المقابل، توازن القوة بين دولتين هو الذي يضبط عدوانيتهما ويردعهما عن مهاجمة بعضهما بعضًا. باختصار، الدول متوازنة القوة لا يحارب بعضها بعضًا. توازن القوة إذًا أصبح يُ ثّل للواقعيين الغلاف الواقي الذي يمنع النظام الدولي من الانهيار، ويحافظ على ثباته واستقراره. بصيغة أخرى، لا يمكن للنظام الدولي، بالنسبة إلى الواقعيين، أن يستمر كما هو، ولا يمكن فهم مجريات السياسة الدولية، إلا من خلال وجود توازن قوى، إن كان على نحو تعددي كما طرح مورغنثاو، أو بصورة ثنائية القطبية الدولية كما أشار والتز وميرشايمر23. أما هيمنة قوة واحدة وتفرّدها، دولة عظمى وحيدة، بالنظام الدولي، فقد كان ينظر إليها الواقعيون، حتى منذ أيام ثيوسيديوس، على أنها الوصفة الجالبة لخراب هذا النظام. فالنظرية الواقعية لا تؤمن بإمكانية "تقعيد" النظام الدولي على "رِجْلٍ" واحدة، بل لحاجته إلى "أرجل" عدّة (اثنتين أو أكثر) ليتحقق له الارتكاز. لذلك، استقر الرأي الواقعي على أن وقوع أي اختلال بتوازن القوى في النظام الدولي، من جرّاء وقوع حربٍ على سبيل المثال، يؤدي إلى إطاحة قوى رئيسة وازنة، لا بد من أن يتبعه بصورة تلقائية وسريعة إعادة تشكيل للتوازن من جديد. فمن دون التوازن ينهار هذا النظام. وهذا هو أساس النظرية الواقعية.

  1. المرجع نفسه، ص.244
  2. Fernandes, p. 44.
  3. Gilpin, p. 290.
  4. Kenneth Waltz, Theory of International Politics (Massachusetts; California; Amsterdam: Addison-Wesley, 1979), p. 118.
  5. Fernandes, p. 44.
  6. ألكسندر وندت، النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية، ترجمة عبد الله جبر صالح العتيبي (الرياض: جامعة الملك سعود للنشر العلمي والمطابع، 2006-)، ص هو.
  7. لمزيد من الاطلاع على نقاش هذا الموضوع، انظر: ريتشارد ليتل، 23 توازن القوى في العلاقات الدولية: الاستعارات والأساطير والنماذج، ترجمة هاني تابري (بيروت: دار الكتاب العربي؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم،.)2009

ثانيًا: مفاجأة انهيار ثنائية القطبية الدولية

كان تشارلز كراوثامر، الباحث والصحافي الأميركي، أول من أعلن عن تغيّ بنية النظام الدولي، حين صاغ في مطلع تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك الكتلة الشرقية، مصطلح "لحظة أحادية القطبية"24. منذئذٍ، مثّل غياب أحد طرفي معادلة توازن القوى الدولي، وتربّع قوة عظمى وحيدة على هرم النظام الدولي، معضلةً كبرى للنظرية الواقعية؛ ليس فقط لكونها لم تكن قادرة قبل وقوع الأمر على التنبؤ به، وإنما لأنها بالأساس لم تكن تؤمن بإمكانية وقوعه، أولً، واستمراريته، ثانيًا. فمنذ "لحظة أحادية القطبية"، أدى غياب التوازن عن بنية النظام الدولي إلى ارتفاع حدّة الأصوات المناوئة للواقعية - وهي كانت موجودة منذ البداية - واشتداد وتيرة حملة النقد الموجهة ضدها. وبدأت التساؤلات تتوارد وتتعالى: أتكون الواقعية نظرية قائمة على أسس علمية تمنحها قدرة تفسيرية، أم أنها وجهة نظر رؤيوية تستند إلى مجموعة من التكهنات الافتراضية؟ وهل في إمكان نظام أحادي القطبية أن يستمر من وجهة النظر الواقعية؟ وكيف يمكن هذه النظرية أن تتعامل مع مثل هذا الوضع إن استمر من دون أن يُعيد النظام الدولي توازنه؟ وهل ستبقى النظرية قادرة على التحوّل وتقديم رؤية جديدة لواقع أحادية القطبية؟ وبالمجمل، هل ما زال للنظرية الواقعية أهمية تُذكر في حقبة ما بعد توازن القوى الدولية؟ أسئلة صعبة واجهها الواقعيون، ولكنها مُحقّة. فقد واجهت النظرية الواقعية امتحانًا عصيبًا بانهيار منظومة توازن القوى واستمرارية أحادية القطبية. وكان على مختصيها ليس فقط تقديم الإجابات، وإنما القيام أيضًا بما يلزم من مواءمات لاستيعاب المتغيرات الجديدة. لقد كانت المفاجأة صادمة، وأشعلت جدالات وأنعشت نقاشات داخلية بين الواقعيين، وأتت بطيف من الردود المتنوعة التي أضافت إلى النظرية أبعادًا جديدة، ومنحتها جرعة متجددة من الحيوية.

1. رد الفعل التقليدي

كان من المتوقع أن يأتي ردّ فعلٍ من داخل نواة الواقعيين الصلبة على حملة الانتقادات وجملة التساؤلات التي تعرضت لها النظرية الواقعية، وأن يكون هذا الردّ دفاعيًا، يحامي إيجابيًا عن التأصيل التقليدي لهذه النظرية، وعن بنيتها ورؤيتها، وخصوصًا ما يتعلق بمرتكزها المحوري القائم على أساسية توازن القوة. وكان من المتوقع أيضًا أن يكون كينيث والتز على رأس هؤلاء المدافعين؛ كونه أحد أهم أعمدة النظرية الواقعية، والمُنظّر الرئيس لتوجهها الدفاعي الجديد تحديدًا. منذ البداية أرسى والتز رؤيته بشأن السياسة والعلاقات الدولية على ضرورة توازن القوة بين الدول ومحوريته، وهي الوحدات الأساسية التي يتشكل منها، وبسببها، النظام الدولي الفوضوي. هذه الوحدات، وبغضّ النظر عن تفاوت القوة فيما بينها، تتشابه في كيفية تصرفها فيما بينها، يقودها دائمًا قلقها المستمر على وجودها، وسعيها الدائم لتعزيز أمنها. ولكن، بالرغم من هذا التشابه، آمن والتز، وهو في ذلك على رأي مورغنثاو نفسه، بأن الدول الكبرى هي التي تتحكم في سياق النظام الدولي؛ ما يعني أن توازن القوة فيما بينها أساس الحفاظ على استمرار هذا النظام واستقراره، والذي اعتقد، بخلاف مورغنثاو، أن ثنائية القطبية وليس تعدديتها هي البيئة الأفضل لتحقيق ذلك.

يأتي استقرار النظام الدولي، بالنسبة إلى والتز، من استقرار حالة التوازن فيه. لذلك عندما يختل التوازن، فإن الوحدات الأساسية في النظام، وهي الدول الكبرى تحديدًا، تتخذ ما يلزم من مواقف وإجراءات لإعادة تشكيل حالة التوازن من جديد. على هذا الأساس، فإن النظام الدولي لا يمكن أن يكون ثابتًا وجامدًا، بل هو في حالة حراك دائم لأن "توازنات القوة تتشكل فيه بشكل مستمر"25. أما ما يدفع الدول للاستمرار في هذا الحراك فهو خوفها وقلقها من نياتها وأفعالها، ما يجعلها دائمة المراقبة لغيرها، وتتصرف بصورة دفاعية. فهي في العادة لا تسعى لتعظيم قوتها، وإنما تستهدف منع الدول الأخرى من تحقيق ذلك. فإذا استشعرت دولة أن أخرى تقوم

  1. لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: Charles Krauthammer, "The Unipolar Moment," Foreign Affairs , vol. 70, no.
  2. 1, America and the World (1990/91), pp. 23 - 33. 25  Waltz, Theory of International Politics , p. 128.

بتعظيم قوتها لتهيمن على النظام الدولي، فإن ردّ الفعل المتوقع منها هو إما السعي الجاد لتعظيم قوتها الذاتية (التوازن الداخلي)، وإما الاصطفاف مع دول أخرى (التوازن الخارجي)، لموازنة ذلك. ومن ثمّ، فإن الانخراط في التحالفات لا يتم لزيادة قوة الدولة، وإنما لكبح جماح زيادة قوة دولة أخرى. هذا هو أساس توازن القوى عند والتز: منع الآخرين من زيادة قوتهم إلى درجة تهدد الاستقرار الدولي. بعد انهيار ثنائية القطبية، واختفاء الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية عن الخريطة السياسية للنظام الدولي، واختلال معادلة توازن القوى لمصلحة قوة عظمى وحيدة متبقّية، هي الولايات المتحدة، جاء موقف والتز متوقعًا: سيعيد النظام الدولي توازنه من جديد، ولو بعد حين. فأمر مسألة إعادة التوازن كان بالنسبة إليه محسومًا بصفته حتمية تاريخية، تدلّل عليها أمثلة ما حدث لآل هابسبورغ ونابليون وهتلر. فالطبيعة "تكره الفراغ، لذلك فإن السياسة الدولية تكره القوة غير المتوازنة. وفي مواجهة القوة غير المتوازنة، تحاول بعض الدول زيادة قوتها الخاصة، أو تتحالف مع الآخرين لجعل التوزيع الدولي للقوة متوازنًا"26. أما بالنسبة إلى توقيت عودة التوازن مجددًا للنظام الدولي، فلم يكن والتز بدرجة اليقين نفسها ليتنبأ بموعد محدد لتحقق ذلك، بل ترك الأمر مفتوحًا ومعتمِدًا على كيفية تصرف الولايات المتحدة، من جهة، والدول الأخرى المقابلة لها، من جهة أخرى27. للاسترشاد بإشارات على طريق عودة توازن القوى للنظام الدولي، نوّه والتز إلى ضرورة مراقبة الكيفية التي ستتصرف بها الولايات المتحدة بعد أن أضحت الدولة العظمى المهيمنة على النظام الدولي. فالتحلي بدرجة عالية من الاعتدال وضبط النفس في تعاملاتها الدولية، يمكن أن يطيل من أمد تربّعها على قمة الهرمية الدولية. أما إذا اتسمت تصرفاتها بالعدائية والتوسعية، وبدأت في التمدد المفرط خارج حدودها، فإنها، وبالتوافق مع طروحات بول كيندي حول أسباب سقوط القوى العظمى، ستستهلك طاقتها وتبدّد مواردها بسرعة، وستفشل في صدّ رد فعل الدول الأخرى، كألمانيا والصين واليابان، التي توقع لها أن تصبح دولً كبرى، وتأتلف في السعي لتقليص قوة الولايات المتحدة، وإعادة التوازن للنظام الدولي من جديد28. باعتماده مبدأ والتز الأساسي بأن بنية النظام الدولي الفوضوي - الصراعي تُحتّم، لتحقيق استقراره، ضرورة توازن القوى داخله، اعتبر كريستوفر لاين هيمنة دولة عظمى واحدة على هذا النظام، أي أحادية القطبية الدولية، ظاهرةً عابرةً لا يمكن أن تستمر. ومن هذا المنطلق شنّ هجومًا قاسيًا على أصحاب نظرية استقرار الهيمنة، لكونهم يعززون الآمال الزائفة بإمكانية استمرار تفرّد الولايات المتحدة وتصدّرها النظام الدولي، من ناحية، واستقرار هذا النظام على هذه الوضعية طوال القرن الحالي، من ناحية أخرى29. في "وهم أحادية القطبية"، وهو عنوان لمقالة نشرها عام 1993، قدّم لاين أطروحته الدفاعية عن النظرية الواقعية، معتبرًا أن أحادية القطبية ليست سوى "لحظة" تُعبّ عن "فترة جيوسياسية فاصلة" سوف تعود وتستسلم للتعددية القطبية في الفترة 2000 - 2010. فأحادية القطبية الدولية حالة تحتوي بذور فنائها لسببين: الأول، أن هيمنة قوة واحدة على النظام الدولي تُقلق الدول الأخرى على مكانة قوتها النسبية داخل النظام، ما يخلق البيئة المحفّزة لهذه الدول كي تسعى لموازنة هذه الهيمنة، ويؤدي بالمحصّلة لبزوغ دول عظمى جديدة. والثاني، أن دخول دول عظمى جديدة للنظام الدولي، ومنافستها للدولة المهيمنة عليه، لا بد من أن يؤدي إلى تأكّل القوة النسبية لهذه الدولة، من خلال إعادة توزيع القوة بين الدول داخل النظام، ومن ثمّ إلى إنهاء تفوّق الدولة المهيمنة عليه. فالدول المؤهلة والقادرة على المنافسة لا بد من أن تتحدى فردانية القوة العظمى في نظام أحادية القطبية؛ لأن استكانتها وعدم قيامها بذلك سيُعرّضانها لوطأة الخضوع رهينة لاستغلال الدولة المهيمنة. لذلك فإن عملية كبح انحراف منحنى القوة الذي يميل في اتجاه الدولة المهيمنة لا بد من أن يتمّ، ويؤدي إلى حتمية عودة التوازن للنظام الدولي، على هيئة تعددية قطبية جديدة30. من خلال استحضار أمثلة تاريخية تدلّل على "لحظية" أحادية القطبية، يستنتج لاين أن قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على تفرّدها وهيمنتها على النظام الدولي ستكون محدودة وستفشل في نهاية المطاف. فدول مؤهلة ستنافسها، وتوقّع أن تكون اليابان في مقدمتها، وستسعى لأن تصبح دولً عظمى تحقق التوازن معها، وتنهي هيمنتها التي لن يتجاوز بقاؤها، وفقًا لتوقعاته حينئذٍ، عام 201031. ولكن في عام 2006، عاد لاين في مقالة جديدة حول الموضوع نفسه ومدّد الموعد المرتقب لانتهاء الأحادية القطبية لما بعد عام 2010، ولكن بما لا يتجاوز عام 2030، مؤكدًا أطروحته

  1. Waltz, "Structural Realism after the Cold War," p. 28.
  2. Ibid.
  3. Ibid., pp. 27 - 28.
  4. لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: Christopher Layne, "The Unipolar illusion: Why New Great Powers Will Rise," International Security , vol. 17, no. 4 (Spring 1993), pp. 5 - 51.
  5. Ibid., pp. 7 - 8.
  6. Ibid., pp. 7, 51.

السابقة بشرحٍ مفصلٍ حول نواحي تأكّل القوة النسبية لهيمنتها على النظام الدولي32. وفي مقالة جديدة نشرها عام 2018، عاود لاين هجومه على دعاة استقرار الهيمنة الذين ما فتئوا يبشّون بديمومة بقاء الولايات المتحدة قوةً عظمى وحيدة على رأس هرم النظام الدولي، أو باستمرارية سيطرة "العهد الأميركي" Americana Pax على مقدّرات النظام الدولي خلال القرن الحادي والعشرين، حتى في حالة تراجع القوة النسبية للولايات المتحدة. ومن خلال استعراض واقع تراجع الولايات المتحدة في المجالات العسكرية والاقتصادية والمؤسساتية، وفي حيوية قوتها الناعمة وجاذبيتها، بيّ لاين هشاشة موقف مُنظّري استقرار الهيمنة، وعبّ عن قناعته بأن الصين ستكون المنافس الذي لن يقبل باستمرار "العهد الأميركي" على حاله، وإنما ستقوم باستخدام أسسه، والنفاذ من داخله، لتحقيق أمر تقويضه، وإيجاد نظام دولي جديد تكون لاعبًا رئيسًا فيه33. انطلاقًا من ذلك، يرى لاين أن الحفاظ على الهيمنة الأميركية سياسة لم تعد تستحق العناء، بل قد يكون لها نتائج عكسية تسُرّع نهاية الهيمنة، لأنها ستحفّز منافسة الدول الأخرى لها، وتزيد من وتيرة سرعة قوة هذه المنافسة وعنفوانها. فالتغيير قادم لا محالة، بطريقة سلمية أو بالحرب، وستكون منطقة شرق آسيا مسرح الصراع بين الصين والولايات المتحدة. وفي مثل هذا الواقع التنازعي على القيادة الدولية في العقود المقبلة، يعتقد لاين أن على الولايات المتحدة، كي تحافظ لنفسها على موقع متقدم في النظام الدولي الجديد الناشئ، ألّ تستمر في الإصرار على التفرّد، وتقف معانِدة وعدائية لفكرة التشارك، بل أن تقوم هي، ومن خلال اتّباع منهجية ضبط النفس، بالإشراف، والدفع في اتجاه إشراك القوى الأخرى، وتحويل النظام الدولي إلى التعددية القطبية. فعوضًا عن أن يجرفها التغيير نحو ذلك، من الأفضل لها أن تسيطر عليه وتقوده هي إلى ذلك34.

2. التحدي من الداخل

على العكس من لاين، وفي مواجهة منظّري التيار المركزي التقليدي نشر وليم وولفورث في عام 1999 مقالة، كانت مهمة ومثيرة في آن واحد. تكمن أهمية هذه المقالة في أنها مثّلت المَعْلَم الأبرز لتحدي النظرية الواقعية من داخلها؛ من بين صفوف أتباعها الذين كان وولفورث أحدهم. فحتى ذلك الحين، كانت النظرية الواقعية، بعامة، تواجه منتقديها الخارجيين، من الليبراليين والبنائيين وغيرهم، بمتانة خطوط دفاعها الذي كان يُعبّ عنها وحدة أتباعها وتماسكهم الذين كانوا يدافعون بقوة عن مرتكزاتها وافتراضاتها الأساسية. ولكن، بهذه المقالة من وولفورث بدأت هذه الخطوط الدفاعية في التشقق، ليس بفعل الهجمات الخارجية، وإنما بسبب الانشقاق الداخلي. كانت المقالة مثيرة؛ لأن وولفورث تحدّى فيها الافتراضات الأساسية للنظرية الواقعية، وخاصة مرتكزها الأساسي المتمثل بحتمية توازن القوة بين المكونات الرئيسة للنظام الدولي، أي الدول الكبرى، للحفاظ على استقراره، ومن ثمّ استمراره. ففي هذه المقالة يعارض وولفورث التنبؤ الواقعي التقليدي بعدم إمكانية استقرار نظام أحادي القطبية الدولية، ويختلف مع الافتراض بأن النظام الدولي كفيل بأن يعيد بنفسه التوازن الداخلي لذاته، من خلال العودة إلى التعددية القطبية (الثنائية أو المتعددة.) باختصار، يُقوّض وولفورث في مقالته، وهو واقعيّ التوجه، المستند الأساسي لنظريته، ولكن مع استمرار الادعاء بأنه لا يقوم بذلك، كون الواقعية، بالنسبة إليه، نظريةً "حمالة أوجه" متعددة. وقد أثار رأيه هذا نقاشًا داخليًا عميقًا استمر حتى الآن بين أقطاب النظرية الواقعية، وأعطى مناوئيها مدخلً ملائمًا لمحاولة النيل منها. ارتكز رأي وولفورث حول "استقرار عالم القطب الواحد" على فكرة أساسية مفادها "أن الأحادية القطبية بنية تتعاظم فيها مقدّرات إحدى الدول بحيث تعجز أي قوة أخرى على موازنتها"35. ينبع هذا العجز من التكلفة الباهظة التي على القوة، أو القوى، التي ستحاول موازنة الدولة المهيمنة، أن تتحملها للقيام بفعل التوازن، وهي تكلفة أكبر من قدرة المنافسين المحتملين على تحمّلها. إن "فجوة القوة الشاملة"36 التي تتمتع بها الدولة المهيمنة، القطب الواحد، على جميع مَن سواها من القوى المنافسة، تؤدي بهؤلاء إلى التحسّب من مواجهتها وتجنّب تحدي مكانتها المهيمنة، وذلك من باب حفاظ هذه القوى على مصالحها الذاتية، والتي تقوم بالأساس على حسابات الربح والخسارة. فالمواجهة في ظل الاختلال الكبير في ميزان القوة تجعل مواجهة الدولة المهيمنة أمرًا خاسرًا، لذلك لن تقوم بها الدول الأخرى. بل هي ستسعى، من باب الحفاظ على مصالحها، إلى مهادنة، ومسايرة، والسير في ركاب الدولة المهيمنة، كي لا تستثير عداءها، بل

  1. Christopher Layne, "The Unipolar Illusion Revisited: The Coming End of the United States Unipolar Moment," International Security , vol. 31, no. 2 (Fall 2006), p. 39.
  2. لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: Christopher Layne, "The US–Chinese power shift and the end of the Pax
  3. Layne, "The Unipolar Illusion Revisited," p. 41; Layne, "The US–
  4. Americana," International Affairs , vol. 94, no. 1 (2018), pp. 89 - 111.
  5. Chinese power shift," p. 111. 35 وليم وولفورث، استقرار عالم القطب الواحد، سلسلة دراسات عالمية 36 (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2001)، ص.11 36 المرجع نفسه، ص.33

تستأثر برضاها37. بمعنى آخر، إن فرق القوة الهائل لمصلحة الدولة المهيمنة هو ما يؤدي بالدول الأخرى إلى القبول بهيمنتها، وعدم الدخول في محاولة خاسرة لموازنتها. ف "التفوق الواضح لدولة في الصدارة تتوافر لها عناصر القوة الشاملة من شأنه أن يستأصل أي تنافس يرمي إلى إحراز التفوق"38. بانحسار خيارات الدول الأخرى للمنافسة أمام سطوة الدولة المهيمنة، وطالما استطاعت هذه الدولة الحفاظ على اتساع فجوة سطوتها، يستنتج وولفورث أن أحادية القطبية لا تُشكّل "لحظة فانية"39 في سيرورة النظام الدولي. بل يؤكد أن من الخطأ "أن نتوقع العودة إلى سياسات توازن القوى على طريقة الأقطاب المتعددة، وذلك لسبب بسيط هو "أننا نعيش في أول نظام قطبية أحادية يشهده العالم الحديث"، وهو نظام "شديد الرسوخ، وله مقومات الديمومة لعقود كثيرة"40. لقد بشّ وولفورث في عام 1999 بأن النظام أحادي القطبية الذي تقبع على رأسه الولايات المتحدة سيستمر فترة ممتدة، أطول بكثير مما تنبأ به دعاة التعددية القطبية الناجمة حُكمً عن حتمية توازن القوة لضمان استقرار النظام الدولي. فأميركا، وفقًا له، "هي أول قائدة في التاريخ الدولي الحديث يتحقق لها تفوق حاسم في كل ركائز القوة، أي الاقتصادية والعسكرية والتقنية والجيوسياسية"41. كما أن لديها ميزة الجغرافيا التي تمنحها أربعة حلفاء هم "الأكثر وثوقًا، كندا والمكسيك والمحيط الأطلسي والمحيط الهادي"42. وفي ضوء هذه الميزة، واستمرار القدرة على الحفاظ على اتساع فجوة القوة، يتوقع وولفورث بقاء الهيمنة الأميركية على النظام الدولي فترة طويلة مقبلة. فأحادية القطبية الدولية جاءت، بالنسبة إليه، لتبقى وتُعمّر. في مواجهة الانتقادات المستمرة التي تعرّض لها بسبب رأيه، والتي تدفقت عليه من منظّري الواقعية التقليديين، استمر وولفورث في التنظير لوجهة نظره "الجديدة" الوافدة على النظرية الواقعية من رحمها. وفي هذا السياق، نشر في عام 2007 مقالة مشتركة مع ثمانية باحثين آخرين، تم فيها استعراض ثماني حالات قديمة في تاريخ النظام الدولي. وكانت نتيجة دراسة هذه الحالات إثبات عدم حصول عمليات توازن في نظم دولية سابقة كانت متعددة الدول، بل استقرار هذه النظم بوجود دولة مهيمنة في كل حالة من تلك الحالات43. وكان الاستخلاص أن نظام أحادي القطبية هو "نسق تاريخي موجود"44، وليس "أمرًا طارئًا من ناحية تاريخية، أو مدهشًا من ناحية نظرية"45. في عام 2008 عاد وولفورث، في كتاب مشترك نشره مع ستيفن بروكس، عنوانه "عالم خارج التوازن"، ليؤكد مجدّدًا افتراضه الأساسي بإمكانية استقرار نظام أحادي القطبية واستمراره46. في هذا الكتاب، يتم تقديم مقاربة جديدة ومهمة بشأن النظرية الواقعية وافتراضها الرئيس المتعلق بتوازن القوة. تقوم هذه المقاربة على أن هذا التوازن المطروح بصفته أساسًا للنظرية الواقعية يتعلق بالتنبؤ أن الدول ستحاول منع صعود دولة ما لمكانة الهيمنة على النظام الدولي؛ ولكن هذا التنبؤ لا يشمل ما الذي سيحصل بعد أن تحقق دولة ما مكانة الهيمنة على النظام الدولي47. يبدو من هذا التفريق كأن وولفورث وبروكس يقبلان إمكانية تفاعل عامل توازن القوّة للحدّ من احتمال وصول دولة ما إلى مكانة الهيمنة الدولية، ولكنهما ينفيان أثر هذا العامل بعد أن تُحقق دولة ما هيمنتها على النظام الدولي. في الحالة الثانية، يكون أمر الهيمنة قد حُسم لمصلحة الدولة المهيمنة، ولا تتوافر، وفقًا لهما، إمكانية للحدّ من هذه الهيمنة بموازنتها من جانب دول أخرى. في هذا الوضع لا تتحقق هيمنة هذه الدولة على النظام الدولي فحسب، وإنما تكون مرشّحة للاستمرار؛ وذلك لأن تكلفة موازنتها من جانب دول أخرى ستكون مرتفعة جدًا، وستشكّل عبئًا ليس بمقدور هذه الدول أن تتحمله. فليس بمقدور دولة وحدها أن تتحمل تكلفة تعظيم قوتها لتحقيق التوازن الداخلي مع الدولة المهيمنة48. كما أن تحقيق التوازن الخارجي، الذي يعتمد بالأساس على تعاضد عدة دول وتعاونها للتصدي للدولة المهيمنة، يصبح صعبًا أيضًا؛ لأن كل دولة ستحاول تمرير المواجهة لغيرها كي لا تُغضب الدولة المهيمنة، على نحوٍ يجعل إقامة تحالف مضاد ضد هذه الدولة أمرًا مستبعدًا، إن لم يكن مستحيل 49. بناءً على ما سبق، أكّد الباحثان حينذاك أن مكانة الولايات المتحدة، من حيث هي دولة مهيمنة على النظام الدولي أحادي القطبية، أمر راسخ وبائن. فالولايات المتحدة تقبع على قمة هذا النظام، في وضعٍ متفرد لا إمكانية لمضاهاته، فهي فائقة القدرة وعظيمة القوة؛ ما

  1. المرجع نفسه، ص.29
  2. المرجع نفسه، ص.30
  3. المرجع نفسه، ص.9
  4. المرجع نفسه، ص.44
  5. المرجع نفسه، ص.9
  6. المرجع نفسه، ص.33
  7. William Wohlforth et al., "Testing Balance-of-Power Theory in World History,"
  8. Ibid., p. 176.
  9. Ibid., p. 179.
  10. لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، انظر: Brooks & Wohlforth, World Out of Balance: International Relations and the Challenge of American Primacy.
  11. Ibid., p. 35.
  12. Ibid., p. 38. 49  Ibid., pp. 36 - 37.
  13. European Journal of International Relations , vol. 13, no. 2 (June 2007), p. 160.

يجعل تكلفة موازنتها من جانب الآخرين أعلى من أي وقت شهده النظام الدولي عبر التاريخ50. وبعد مرور حوالى عقد من الزمن على هذا الاستنتاج، عاد الباحثان لفحص صحّة ادعائهما في ضوء الصعود الصيني المتسارع، وخصوصًا في المجال الاقتصادي، الذي أثار تكهنات بتغيّ طبيعة النظام الدولي في اتجاه ثنائية القطبية الدولية. ففي كتاب جديد صدر لهما عام 2016، بعنوان "أميركا في الخارج"، فحص بروكس ووولفورث قوة الصين من جوانب متعددة مقارنة بالولايات المتحدة. وجاء استنتاجهما الجديد متوائمًا مع القديم، مع تعديل جزئي مفاده أن "لدى الصين وحدها (من بين الدول الكبرى) إمكانية أن تصبح في يوم من الأيام قوة عظمى مساوية للولايات المتحدة"، ولكن مع الاستدراك بأن ذلك "لن يحصل في المستقبل المنظور"51.

ثًالث ا: التوجهات التعديلية: محاولات لتكييف التوازنات

في ضوء استمرار هيمنة الولايات المتحدة قوةً عظمى على النظام الدولي، وتحوّل أحادية القطبية من "لحظة عابرة" إلى ما يبدو أنه أصبح وضعية مستمرة، وعلى خلفية ما تعرضت له النظرية الواقعية من انتقادات خارجية وداخلية، انبرى عدد من الواقعيين للدفاع عنها. لم يكن هذا الدفاع تقليديًا، يتمترس في خنادق المرتكزات الأساسية لنظريتهم، خصوصًا ما يتعلق بمبدأ توازن القوة، بل جاء الدفاع تحديثيًا، ومن خلال إدخال تعديلات تحويلية في هذا المبدأ لتحيط بمجرى المتغيرات الجارية في النظام الدولي؛ ما يمكّن النظرية الواقعية من تقديم تفسير مواكب لصمود أحادية القطبية الدولية فترة أطول مما كان يتوقعه الواقعيون التقليديون. لقد جاءت هذه المحاولات لضخّ مدلولات جديدة في النطاق النظري للواقعية؛ وذلك بهدف توسيع مدى قدرتها التفسيرية لواقع لم تكن تتوقعه، أو تقدر على تفسيره، وفقًا لمرتكزاتها التقليدية. حافظ التعديليون على مفهوم التوازن مبدأ أساسيًّا في النظرية الواقعية، ولكنهم قاموا بتحوير دلالاته من خلال إضافة مفاهيم جديدة إليه، مثل "توازن التهديد" و"التوازن الناعم" و"توازن المصالح" و"التوازن خارج المجال"، وذلك ليفتحوا أمام هذا المبدأ آفاقًا جديدة للتحليل، ويمنحوا النظرية الواقعية قدرة إضافية ومتجددة على التفسير.

1. توازن التهديد

مع وجود مؤشرات عديدة تدلّل، وفقًا للنظرية الواقعية، على ضرورة قيام دول أخرى بمحاولات لموازنة الولايات المتحدة بعد تشكّل أحادية القطبية، إلا أن ستيﭬن والت، أحد أهم منظّري الواقعية الجديدة، يلحظ أن "لا أحد يقوم بجهد جدّي لتشكيل تحالف ضدها"52. وفي محاولته تفسير ذلك، اختلف والت مع رؤى أخرى حاولت القيام بذلك. فهو لم يوافق وولفورث الرأي بأن الحائل أمام التوازن هو الهيمنة الطاغية والتفوق الشاسع للولايات المتحدة على غيرها من الدول التي لا تستطيع، بل تخشى، الدخول في محاولة توازن مع القوى العظمى53. كما لا يقبل برأي جون أكنبري القائل بأن المانع يتمثل بمتانة علاقة الولايات المتحدة بحلفائها، على نحو يجعل من التحالف الغربي "حالة فريدة" من تشابك القيم والمعتقدات وترابط المؤسسات. وهذا ما يجعل الدخول في عملية توازن أمرًا غير مرغوب لدى المشاركين في التحالف، وغير مقدور عليه لمن هم خارج هذا التحالف54. ولا يوافق والت على رأي ثالث يقول بأن قلق دول عديدة من إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من مناطقها، وتركها تواجه التحديات الإقليمية والدولية بمفردها، هو ما يدفع هذه الدول إلى عدم الدخول في محاولة لموازنة الولايات المتحدة، بل اللحاق بركبها والقبول بقيادتها المتفرّدة للنظام الدولي55. ففي أبحاثه يستنتج والت أن الدول، مهما كانت ضعيفة، لا تفضّ ل تذييل نفسها لغيرها من الدول الأقوى منها؛ لأن ذلك سيكلّفها أكثر مما لو واجهتها وحاولت التوازن معها56. كيف يُفسّ والت إذًا استمرار أحادية القطبية الدولية، وعدم وجود محاولات جادّة من دول كبرى لموازنة الولايات المتحدة المتفرّدة حاليًا في قيادة النظام الدولي، وهو النظام الذي يُفترض أن يرتكز، وفقًا للنظرية الواقعية، على مبدأ توازن القوة؟ وبمعنى آخر، كيف يُدافع الواقعي عن استمرار أهمية مبدأ التوازن في العلاقات الدولية، والنظام الدولي الحالي غير متوازن، بل مستمر على أساس أحادية القطبية الدولية؟ منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، انبرى والت للدفاع عن النظرية الواقعية التي وُوجِهَت منذ انتهاء الحرب الباردة بانتقادات بشّت

  1. Ibid., p. 23.
  2. Stephen G. & William C. Wohlforth, America Abroad: Why the Sole
  3. Stephen Walt, "Keeping the World 'Off-Balance': Self-Restraint and U.S. Foreign Policy," in: G. John Ikenberry (ed.), America Unrivaled: The Future of the Balance of Power , Cornell Studies in Security Affairs (New York; London: Cornell University Press, 2002), p. 126.
  4. Ibid., p. 128.
  5. Ibid., pp. 129 - 130.
  6. Ibid., p. 132. 56  Kenneth N. Walt, "Alliances in a Unipolar World," World Politics , vol. 61, no. 1 (January 2009), pp. 108 - 109.
  7. Superpower Should Not Pull Back from the World (Oxford: Oxford University Press, 2016), p. 47.

ب"شطبها" لانعدام صلاحياتها أن تكون أداةً تحليليةً ناجعة للسياسة الدولية. وصف والت الاستنتاج الناجم عن هذه الانتقادات ب "الادعاء المتسرّع"57، مُعربًا منذ ذلك الحين عن اقتناعه باستمرارية حيوية النظرية الواقعية وقدرتها على تقديم تفسيرات مفيدة للعلاقات بين الدول، حتى في ضوء أحادية القطبية الدولية. ولتأكيد ادعائه هذا، استند والت إلى تعميق دراسته لدوافع إقامة التحالف بين الدول، والاستدلال من خلال استعراض أنواعها ليس على أهمية مبدأ التوازن في رسم العلاقة بين الدول الكبرى فقط، وإنما أيضًا إلى تقديم تفسير واقعي لاستمرارية الأحادية القطبية، وذلك بواسطة إجراء تعديلي سحب مبدأ التوازن من محيط "القوة" وانتقل به إلى دائرة "التهديد." فقد عاد والت إلى التكييف الذي كان قد قدّمه في ثمانينيات القرن الماضي، وأحلّ من خلاله مبدأ "توازن التهديد"، ليصبح المرتكز الأساسي للواقعية السياسية مكان "توازن القوة"، واستخدم ما منحه ذلك التعديل من توسعة للفسحة التفسيرية للنظرية الواقعية، لتقديم مقاربة تجمع بين أمرين يبدوان متناقضين: استمرار أهمية مبدأ التوازن الذي ترتكز عليه النظرية الواقعية، من جهة، واستطالة أمد أحادية القطبية الأميركية، من جهة أخرى. في كتابه "أصل التحالفات"58، الصادر عام 1987، قدّم والت صورة مستفيضة عن معالم نظريته الجديدة "توازن التهديد"، والتي اعتبرها لاحقًا "استكمالية"59 وليست استبدالية لنظرية "توازن القوّة" لكينيث والتز. أكد والت في كتابه أن تحقيق التوازن هو النزعة المسيطرة على تصرفات الدول، وخصوصًا الكبرى، في السياسة الدولية60. بالنسبة إلى والتز كان هذا التوازن يتحقق من خلال توزيعٍ وإعادة توزيع للقوة بين الدول. والقوة في هذا السياق كانت تعني القوة الصلبة، المُعبَّ عنها بالقدرات المادية المتوافرة للدولة، من عدد السكان، والقدرة العسكرية والاقتصادية، والمهارة التكنولوجية، والتماسك السياسي61. تخشى الدولة، إذًا، زيادة القوة لدى الدول الأخرى، فيراقب بعضها بعضًا باستمرار، بشكٍّ وريبة. فإن تحققت دولة من أن أخرى منافسة لها تُعاظم من قدراتها المادية، بصورة ذاتية أو من خلال الدخول في تحالف، فإن الدولة الأولى تسارع إلى موازنتها بتعظيم مقابل لقدراتها المادية، بصورة ذاتية أو من خلال الدخول في تحالف مضاد، وهكذا، فإن السياسة الدولية، من منظور والتز، تتمثل بالمراقبة المستمرة والسباق الدائم لتعظيم قوة الدولة والحدّ من قوة الدول الأخرى المنافسة. جاءت وجهة نظر والت مغايرة لتلك التي كان والتز قد قدّمها في نظريته عن "توازن القوة"، والتي أصبحت أساسًا للرؤية الواقعية للسياسة الدولية. بالنسبة إلى والت، فإن الدول تسعى دائمًا لتحقيق التوازن، ولكن الجديد الذي جاء به يتعلق بأن ما يثير السعي لتحقيق هذا التوازن هو ليس عامل القوة، بعناصرها المادية، فقط، وإنما أثر عامل "التهديد" بالأساس. فالدول تخشى تهديد بعضها بعضًا أكثر مما تخشاه من تفوق قوة بعضها على بعض. وما يدخل في تشكيل عامل التهديد هو عناصر مختلفة عن تلك التي تدخل بصفتها مكوّنات في عامل القوة. فالدول بالنسبة إلى والت تقلق من مقدار القوة، ومدى القرب الجغرافي، وامتلاك القدرة الهجومية، والانطباع حول النيات العدائية. هذه هي العناصر التي تُشكّل تهديد الدول بعضها بعضًا، والقوة ليست سوى عنصر واحد منها فقط62. اعتبر والت أن الدول يوازن بعضها بعضًا، وتختار التحالفات، لتواجه بالأساس التهديدات التي تتعرض لها، وليس لإعادة توزيع القوة مع غيرها63. ومن وجهة نظر الدولة، وفي حساباتها، ليس شرطًا أن يكون التهديد الذي تتعرض له من دولة، أو دول أخرى، حقيقيًا وفعليًا؛ إذ يكفي أن يتشكّل لديها الانطباع بكونه كذلك64. وينجم هذا الانطباع عن كيفية تقييم هذه الدولة سلوك غيرها من الدول. فإن تكوَّن لديها الانطباع بعدائية نيات دولة ما، أو تحالف من الدول، ضدها، فإن ذلك يقلقها ويستحثها على السعي لحماية نفسها. وعلى الأغلب أن يأتي ردّ الفعل الوقائي في اتجاه سعي الدولة نحو تحقيق التوازن مع الجهة التي يتكوّن لديها انطباع بأنها تُشكّل تهديدًا لها، وذلك إما من خلال السعي لتعظيم قوتها الذاتية، وإما الدخول في حلف مضاد65. ومما يزيد من قوة أثر هذا الانطباع عند الدولة التي تشعر بالتهديد هو مدى القوة والقدرة الهجوميتين اللتين تمتلكهما الجهة المهدِّدة، ومدى قربها الجغرافي من تلك الدولة. فالدول الأقرب يكون تهديدها أكبر، ويتصاعد كلما زادت قوتها المادية66. استحضر والت نظريته حول "توازن التهديد"، والتي كان طوّرها في نهاية مرحلة ثنائية القطبية، بعد انهيار تلك الثنائية. فهو يرى أن

  1. Walt, "International Relations: One World, Many Theories," p. 35.
  2. للمزيد، انظر:
  3. Walt, "Keeping the World 'Off-Balance'," p. 134.
  4. Walt, The Origins of Alliances , p. 276.
  5. Ibid., p. 265.
  6. Stephen M. Walt, "Testing Theories of Alliance Formation: The Case of Southwest Asia," International Organization , vol. 42, no. 2 (Spring 1988), p. 281. 63  Walt, "Keeping the World 'Off-Balance'," p. 133.
  7. Stephen M. Walt, The Origins of Alliances , Cornell Studies in Security Affairs (New York: Cornell University Press, 1987).
  8. Walt, The Origins of Alliances , p. 264.
  9. Stephen M. Walt, "Alliance Formation and the Balance of World Power," International Security , vol. 9, no. 4 (Spring 1985), p. 13.
  10. Walt, "Keeping the World 'Off-Balance'," p. 136.

الدولة التي تتربع على قمة أحادية القطبية يمكن أن تمثّل في نظر الدول الأخرى انطباعًا بأنها "قوة فائقة"، وتصبح مصدرًا للتهديد؛ ما يستدعي ضرورة مواجهتها، والسعي لموازنتها67. من هذا المنطلق، كان من المتوقع أن تقوم الدول الكبرى بمحاولة موازنة تفرّد الولايات المتحدة بالأحادية القطبية، وإعادة النظام الدولي سريعًا إلى ثنائية أو تعددية القطبية، كما كان والتز قد توقّع. هذا التوقع، بالنسبة إلى والت، كان يمكن أن يكون صحيحًا لو أن التوازن بقي منحصرًا في التفسير الذي تعطيه نظرية توازن القوة، والذي يقوم على أساس أن الدول تقوم بعملية التوازن لإعادة توزيع القوة. لكن الدول، وخصوصًا الكبرى منها، لم تقحم نفسها في عملية إعادة التوازن لنظام أحادي القطبية؛ لأن الدولة التي تقبع على رأس هذا النظام هي الولايات المتحدة. والأخيرة، مع قوتها المتفرّدة، لا تسبّب قلقًا للدول الأخرى، كونها بعيدة جغرافيًا، ولا يوجد انطباع عنها بأنها عدائية، لذلك لا تُشكّل تهديدًا بارزًا يستدعي من الدول الأخرى الإسراع في الانخراط في عملية لموازنتها. لهذا لم تسعَ أي دولة أخرى لتعظيم قوتها لمواجهة الولايات المتحدة، أو الدخول في حلف مضاد لها. فهي "أقوى دولة في العالم، ولكنها لا تُشكّل تهديدًا كبيرًا لمصالح معظم الدول الكبرى الأخرى"68. يستنتج والت أن مكانة الولايات المتحدة على قمة نظام أحادي القطبية ستبقى مستقرة، ما دام انطباع الدول الأخرى عنها بأنها غير عدوانية أو توسعية باقيًا؛ فهي في تلك الحالة لا تُ ثّل خطرًا على وجود هذه الدول، أو تهديدًا لمصالحها. أما إذا غيّ ت من تصرفاتها، وتغيّ هذا الانطباع عنها، فإن الدول الكبرى ستدخل حينئذٍ في عملية محمومة لمواجهتها وتحقيق التوازن معها. وعلى هذا الأساس، في عام 2009 نصح والت الولايات المتحدة بعدم التهور في سياساتها تجاه الدول الأخرى، بل ممارسة قدرٍ عالٍ من "ضبط النفس" على الصعيد الدولي؛ كون ذلك يمثّل المدخل والضمانة لاستمرار ريادتها وقيادتها النظام الدولي. وكانت رؤيته أنَّ أخْذَ الولايات المتحدة بهذه النصيحة سيقود إلى أن تُركّز الدول الأخرى جهودها ليس في اتجاه فتح مواجهة شاملة لتحقيق "التوازن الصلب" معها، أي موازنتها عسكريًا، بل التركيز على اتباع وسائل "التوازن الناعم" الذي تؤثر هذه الدول من خلاله في سياسات الولايات المتحدة بالوسائل السياسية والدبلوماسية. وسيؤدي ذلك إلى أن تستعيض هذه الدول عن سباق "التوازن الصلب" مع الولايات المتحدة بتحقيق "التوازن الإقليمي" فيما بينها. ويُلخّص والت رؤيته هذه كالتالي: "إذا كانت الدولة المهيمنة بعيدة جغرافيًا، تضبط نفسها بطريقة معقولة في الطموحات والسلوك، والأهم أنها لا تحاول احتلال الآخرين، فمن المُرجح ألّ تواجه أكثر من حالات محددة من التوازن الناعم، ومن الممكن أن تجتذب حلفاء كثُرًا يقدّرون ما يمكن الدولة المهيمنة أن تقدمه من حفاظ على النظام، ومن الإسهام بقوتها في معالجة القضايا المهمة لهم"69. وعاد والت بعد ذلك بعامين، أي في 2011، وأشار إلى أن اقتراف العديد من الأخطاء على صعيد السياسة الخارجية الأميركية أدّى إلى أن يحلّ "عصر الانحطاط الأميركي قبل أوانه"70. وطالب بأخذ العبر لتفادي الوقوع في المزيد من الأخطاء، مُشدّدًا على ضرورة تركيز السياسة الأميركية على "إعادة التوازن في الأعباء الدولية والتركيز على الضرورات المحلية"71. لقد مثّلت نظرية "توازن التهديد" المنفذ الملائم لوالت، لإنعاش النظرية الواقعية في حقبة أحادية القطبية الدولية. فقد وظّف تفسيره لعدم الحاجة إلى تحقيق التوازن مع التفرد الأميركي في أحادية القطبية الحالية، للدفاع عن استمرارية أهمية مبدأ التوازن في السياسة الدولية وحيويته.

2. التوازن الناعم

استعار والت مفهوم "التوازن الناعم"، المُشار إليه، من مُنظّرين واقعيين جدد، مثل روبرت ﭘابي وت. ﭬي. بول، ليرفد تفسيره لاستمرارية أحادية القطبية الأميركية، ويُبيّ من خلاله الطريقة المحتملة، لتصرف الدول الكبرى تجاه الولايات المتحدة المتربعة على قمة النظام الدولي. وكان ﭘابي وبول قد قاما في العقد الأول من هذا القرن، كل على حدة، باستنباط هذا المفهوم وتقديمه مدخلً نظريًّا تعديليًّا جديدًا على النظرية الواقعية، ليمكنها من درء قصورها في تفسير استمرارية عدم التوازن المرافق لأحادية القطبية الأميركية72. ويرجع السبب في استحداث هذا المفهوم إلى السياسات التي اعتمدتها إدارة جورج بوش الابن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، من إقرار للحرب الاستباقية ولبرنامج الدرع الصاروخي، واعتبرها العديد من الواقعيين سياسات مثيرة ستؤدي إلى تململ دول من الصفّ الثاني كانت مستكينة وقابلة بهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي.

  1. 71 المرجع نفسه، ص.2
  2. 72 للمزيد من الاطلاع، انظر.Pape; Paul:
  3. Walt, "Alliances in a Unipolar World," p. 120.
  4. ستيفن والت، الجدل حول مستقبل القوة الأمريكية، ترجمة وتعليق محمد العربي، سلسلة أوراق 4 (الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، 2012)، ص.19
  5. 67  Ibid., p. 135.
  6. 68  Ibid., p. 139.

يؤكد ﭘابي أن أحادية القطبية الدولية تتحقق عندما تتوافر للدولة المهيمنة قوة لا تملكها أي دولة أخرى، خاصة في المجال العسكري الصلب. ومن ثمّ، لا تستطيع أي دولة من قوى الصف الثاني النجاح بموازنتها بصورة أحادية، أو من خلال تشكيل تحالف ناجز للقيام بذلك. فالدول لا ثقة بينها، ولن تدخل في حلف غير مضمون أن تلتزمه الدول الأخرى، ويُغضب الدولة المهيمنة. تستقر الدولة العظمى في موقعها المتفرد، وتستطيع أن تحافظ على هيمنتها، ما لم تتَّبِع سياسات عسكرية عدائية تثير غيرها من الدول، وتفرض عليها، حتى وإن لم تكن هذه الدول راغبة أو قادرة، ضرورة الشروع في تحقيق التوازن الصلب معها. يستهدف السعي لتحقيق هذا التوازن، في هذه الحالة، منع الدولة المهيمنة من استخدام أفضليتها العسكرية للهجوم على غيرها، أو تقليص إمكانية إحرازها النصر في الحرب، على أقل تقدير73. على الأغلب ألّ تتمكن دول الصف الثاني من مجابهة الدولة العظمى المهيمنة عسكريًا، أي بتحقيق توازن صلب، لأنها ستخسر. كما أنها لا تستطيع التغاضي والصمت على السياسات العدائية التي تبديها هذه الدولة؛ لأن ذلك يمكن أن يؤدي بها إلى الوقوع فريسة لهجوم عسكري من هذه الدولة، يؤدي إلى احتلالها وإفقادها، كما يؤكد بول، سيادتها74. لذلك، وعوضًا عن اللجوء إلى التوازن الصلب غير المقدور عليه، تتجه هذه الدول في محاولتها كبح جماح قوة الدولة المهيمنة إلى استخدام أسلوب التوازن الناعم، أي بمواجهتها بصفة غير مباشرة، وبما لا يؤدي إلى تحمّل هذه الدول تكلفة عالية لو هي اختارت التوجه إلى التوازن الصلب المباشر مع الدولة المهيمنة، في ظل الاختلال الكبير في توازن القوى بينهما. بخلاف التوازن الصلب الذي يسعى لتحويل ميزان القوة، ويعتمد على تعظيم الدول لقدراتها العسكرية في مواجهة الدولة العظمى، يرمي التوازن الناعم إلى فتح الإمكانية أمام هذه الدول، لتؤثر في اتجاه ضبط سلوك هذه الدولة، وتقييد تفرّدها والحدّ من هيمنتها. ولا يتأتى ذلك من خلال اتّباع وسائل عسكرية تُدخل الدول الكبرى من مستوى الصف الثاني في مواجهة مباشرة ومفتوحة، وعلى الأغلب غير مرغوبة، مع الدولة المهيمنة، بل من خلال توظيف هذه الدول لطرق مبطّنة، واستخدامها لوسائط غير مباشرة، لإحباط سطوة هذه الدولة عليها، وعلى النظام الدولي، وإعاقتها وعرقلتها. التوازن الناعم، إذًا، هو الوسيلة المتاحة أمام الدول الأضعف لكبح جماح تغوّل الدولة الأعظم. ولتحقيق ذلك تلجأ هذه الدول إلى اتّباع مزيج من الأساليب، والوسائل المؤسسية، والدبلوماسية، والاقتصادية75. فيمكنها أن تتعاون وتناور دبلوماسيًا لعرقلة السياسات التي تحاول الدولة العظمى تمريرها داخل المؤسسات الدولية، وخصوصًا تلك المتعلقة بشنّ الحرب؛ ما يؤدي إلى تقليص عنصر المفاجأة، ومنح الطرف المستهدف وقتًا للاستعداد، أو يُقلّل مع مرور الوقت من أهمية التوجه إلى الحرب ويدفع في اتجاه التوصل إلى تسوية سياسية. كما يمكّن هذه الدول، ثانيًا، أن تنسق فيما بينها لإيجاد شراكات اقتصادية، قد تكون إقليمية، يقام من خلالها تكتلات تجارية تستثني مشاركة الدولة العظمى؛ ما يؤثر سلبيًا في نموّها الإجمالي وقوّتها الاقتصادية مع مرور الوقت. وثالثًا، يمكن استهداف الدولة العظمى وتقليص قدرتها العسكرية من خلال ممارسة الحرمان الإقليمي عليها، والذي يتضمن عدم منح حقوق القواعد العسكرية التي تتمتع بها الدولة العظمى في دول أخرى أو إنهاءَها، وعدم السماح لها بالوصول إلى أراضي دول عبر المرور بأراضي دول أخرى. في إمكان أي من هذين الإجراءين التأثير سلبيًا في النشاطات العسكرية للدولة العظمى، ويزيد من تكلفة تدخلاتها عبر العالم. ويمكن أيضًا أن تمارس الدول التوازن الناعم عن طريق تقديم المساعدة لخصوم الدولة العظمى وتدعيم مواجهتهم لها76. يؤكد باﭘي أن ممارسة التوازن الناعم، بالإجراءات سابقة الذكر، يمكن إن تمّت بصورة منظّمة ومنتظمة، أن تكون فعّالة في تأثيرها السلبي في الدولة العظمى؛ إذ يتوقع أن تؤدي إلى تقليص ما تتمتع به سياساتها من تأييد، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وتزيد من الأعباء الملقاة عليها. كما أن التنسيق بين الدول المشاركة في التوازن الناعم، يمكن أن يوطد العلاقة ويزيد الثقة المتبادلة بينها، خاصة كلما امتد فترة زمنية أطول؛ ما يؤدي إلى تعميق التعاون فيما بينها. وهذا يزيد من ثقتها بقدرتها على مواجهة الدولة العظمى، والتي إن تمادت في هيمنتها، فإن تفاعل العامليْ من الممكن أن يقود في اتجاه تحوّل التوازن الناعم إلى توازن صلب77. معنى ذلك أن أهمية التوازن الناعم لا تكمن فقط في قدرته التأثيرية الكابحة لتمدد هيمنة الدولة العظمى على الدول الكبرى في الحاضر، بل تمتد أيضًا لتصل إلى إمكانية تغيير سياق هذه العلاقة من خلال زيادة قدرة هذه الدول على حساب تراجع قوة الدولة العظمى في المستقبل. ولكن ما الذي يعنيه كل ذلك للنظرية الواقعية التي اعتبر خصومها أنها لم تعد صالحة لتفسير السياسة الدولية في حقبة

  1. Pape, pp. 11-18, 38.
  2. 77  Pape, pp. 36 - 42.
  3. Pape, p. 10; Paul, p. 58.
  4. Keir A. Lieber & Gerard Alexander, "Waiting for Balancing: Why the World is Not Pushing Back," International Security , vol. 30, no. 1 (Summer 2005), p. 126.
  5. 74  Paul, p. 47.

أحادية القطبية؟ وما الجديد الذي يضيفه مفهوم التوازن الناعم لإنعاش هذه النظرية التي تعرضت لنكسة بسبب غياب التوازن المتوقع مع الدولة العظمى، واستمرارها وحيدة متفرّدة على رأس النظام الدولي؟ يتفق باﭘي وبول على أن المواجهة المباشرة من جانب الدول الكبرى، والهادفة إلى تعديل ميزان القوة مع الولايات المتحدة بعد أن أصبحت القوة العظمى الوحيدة، لم تحصل بالصورة الانسيابية والحتمية التي توقعها والتز وأتباعه. ولكن من الواضح أن كُلً منهما لم يقبل بالاستنتاج المتسرع والقاضي بأن النظرية الواقعية فقدت قدرتها التفسيرية في حقبة أحادية القطبية، وبسبب استمرارية هذه الأحادية. يوافق الاثنان على آراء من سبقهما من واقعيين تعديليين بشأن صمود فكرة التوازن، وخصوصًا الإضافة التمديدية التي استحدثها والت على نظرية توازن القوة بضخّ توازن التهديد عليها. وبالاعتماد على مفهوم التوازن هذا عند والت، يستنتج باﭘي أن الولايات المتحدة استمرت متفرّدة قوةً عظمى وحيدة لأنها ليست عدائية، ولم تعطِ الدول الكبرى سببًا للدخول في مواجهة معها78. يؤيد بول ذلك، ويؤكد أن الولايات المتحدة "مهيمن منضبط"79. هذا الانطباع الخارجي عن عدم عدائية الولايات المتحدة، بل انضباطيتها بصفتها دولة عظمى تحترم القواعد الأساسية للتشاركية الدولية، وليس عدم رغبة الدول الكبرى أو قدرتها على الموازنة، هو ما يقف، بالنسبة إلى باﭘي وبول، وراء استمرارية أحادية القطبية الدولية. فالدول بعامة، والكبرى منها بخاصة، تدافع باستمرار عن بقائها ومصالحها، وهي على استعداد دائم للدخول في عملية موازنة مع غيرها إذا اقتضت الضرورة ذلك. هي على استعداد للدخول مباشرة من الباب الرئيس في مواجهة توازن صلب إن توافرت لديها القدرة، وإن لم تتوافر فستدخل من الباب الخلفي في عملية توازن ناعم يمكن أن يتحول مع الوقت واكتساب القدرة إلى سعي لتحقيق التوازن الصلب. الأمر إذًا لا يتعلق بالدولة المتوقع منها ردّ الفعل، وإنما بالانطباع الذي تتركه تصرفات دولة الفعل، أي الدولة العظمى في هذه الحالة، عن نفسها عند الآخرين المتوقع منهم ردّ الفعل. لذلك يرى باﭘي أن سياسات إدارة بوش المتجهمة ذات الطابع العدائي هي المسؤولة عن تغيّ الانطباع الإيجابي السابق للدول الكبرى عن الولايات المتحدة، والسبب الذي استدعى دخول هذه الدول في عملية توازن ناعم معها. لذلك ينصح باﭘي تلك الإدارة بضرورة إحداث تغيير سريع على سياساتها، كي يُستعاد الانطباع الإيجابي السابق عند الدول الأخرى عن الولايات المتحدة، ما يُنهي الدافع لمواجهة الآخرين لها بتوازن ناعم يمكن أن يتحول مع الوقت إلى مواجهة صلبة، ويضمن لها استمرارية تبوُّئِها قمة هرم أحادية القطبية الدولية80. الاستخلاص، إذًا، من ضخّ مفهوم التوازن الناعم لتفسير عدم حصول التوازن التقليدي القائم على إعادة توزيع القوة بين الدول الكبرى والدولة العظمى المهيمنة في حقبة أحادية القطبية، هو تأكيد أن مبدأ التوازن في فهم السياسة الدولية والعلاقات بين الدول وتفسيرها، لا يزال قائمًا وضروريًا في هذه الحقبة، كما في سابقاتها. ومن ثمّ، لم تفقد النظرية الواقعية حيويتها التفسيرية المستندة إلى هذا المبدأ، وإنما اكتسبت من خلال ضخّ مفهوم التوازن الناعم مرونة إضافية وديناميكية جديدة لفهم الواقع المتغير في الساحة الدولية.

3. توازن المصالح

اقترح راندال شويلر، في سياق نقده نظرية توازن التهديد لستيﭬن والت، إضافة جديدة إلى مجال تشكيل التحالفات وتحقيق التوازنات في إطار النظرية الواقعية، أطلق عليه تعبير "توازن المصالح." اعتقد شويلر أن والت غالى في اعتقاده أن دول الصف الثاني تسعى دائمًا لتحقيق التوازن مع الدولة الأقوى منها، وليس تذييل نفسها لهذه الدولة81. كانت وجهة نظر والت تفيد أنّ لحاق دول الصف الثاني بالتحالف الذي تقوده الدولة المهيمنة لا يحقق لهذه الدول الفائدة المرجوّة. فدوافع اختيار تذييل هذه الدول لنفسها تقوم على تحقيق الأمن لهذه الدول من سطوة الدولة المهيمنة، إما بقبول الاستسلام للجهة الأقوى وإلحاق نفسها بها استرضاءً ووقاية من أن تتعرض لهجوم هذه الجهة عليها، وإما لضمان الاقتتات على البقايا عند توزيع الغنائم بعد تحقيق الدولة المهيمنة الانتصار على أعدائها82. لا يجد والت في هذه المبررات ما يكفي لذهاب دول الصف الثاني في اتجاه التذييل؛ كونه لا يضمن تحقيق أمنها، بل يجادل بأن أمن هذه الدول لا يمكن أن يتحقق إلا بمواجهة الدولة المهيمنة من خلال مواجهتها بحلف مضاد. لذلك فإن تحقيق التوازن، بالنسبة إلى والت، وليس قبول تذييل دول الصف الثاني لنفسها، هو الخيار الأسلم والمُفضّ ل لهذه الدول في سعيها لدرء الخسارة عن نفسها83. لا يشارك شويلر والت الرأي أن التذييل يتم فقط من باب الاضطرار والإرغام، فيفرض نفسه فرضًا على دول الصف الثاني، والتي ستخسر

  1. 82  Ibid., pp. 94-95
  2. 83  Ibid., p. 74.
  3. Pape, pp. 44 - 45.
  4. Randall L. Schweller, "Bandwagoning for Profit: Bringing the Revisionist State Back in," International Security , vol. 19, no. 1 (Summer 1994), p. 79.
  5. 78  Ibid., p. 20.
  6. 79  Paul, p. 53.

في حال ذهبت في اتجاهه. بل هو يجادل بأن التذييل يمكن أن يكون خيارًا مفتوحًا، وليس اضطراريًا، تختاره دول الصف الثاني برغبة ورضا منها، ليس فقط سعيًا للحفاظ على أمنها، وإنما لكونها تجد فيه منفذًا لتحقيق مصالحها. من هذا المنطلق تُفضّ ل هذه الدول في الكثير من الأحيان تذييل نفسها للدولة المهيمنة على تحقيق التوازن معها84. وفي هذا ما يمكن أن يُفسّ استمرارية نظام أحادي القطبية الدولية؛ إذ إن "توازن مصالح" الدول من الصف الثاني هو الذي يحدّ من توجهها نحو مواجهة هيمنة الدولة العظمى والسعي للتوازن معها. أي إنّ المنافع التي تحصل عليها هذه الدول، من قبول استمرارية هيمنة دولة القطب الواحد، تفوق تلك التي من الممكن أن تحصل عليها هذه الدول في حال اختارت مواجهة الدولة المهيمنة، والتصدي لها بحلف مضاد. باختصار، لا تُحقق استمرارية نظام أحادي القطبية مصلحة الدولة العظمى المهيمنة عليه فقط، وإنما مصالح الدول الكبرى الملتحقة بها أيضًا. وعندما ينهار "توازن المصالح" هذا، يبدأ نظام أحادي القطبية في مواجهة تحدي موازنته من جانب الدول الكبرى المنضوية فيه. بيّ شويلر لاحقًا، بالاشتراك مع زياوو بو، أن تحقيق التوازن في ظل أحادية القطبية الدولية أمر ليس باليسير، بل يتطلب الكثير من جهد القوى المواجِهة للدولة العظمى. أما السبب في ذلك فيعود، بالنسبة إليهما، إلى أن تحقيق التوازن في النظام الأحادي القطبية يتطلب من الدول التي تواجه الدولة العظمى أن تدخل في عملية مقارعة جذرية لتغيير النظام الدولي برمّته، وليس لإحداث تغيير ضمني داخله فقط. معنى ذلك أن التوازن، كي يتحقق، يجب أن ينمّ عن اتّباع سياسة تحويلية للنظام، وليس العمل من داخل الوضعية القائمة للنظام. وهذا أمر يتطلب الدخول مع القوة العظمى المهيمنة في مواجهة تستهدف نزع الشرعية عن استمرار هيمنتها، أولً، و"فكفكة" مصادر قوتها، ثانيًا؛ وذلك لإحلال نظام دولي جديد وفق أسس توازنية مختلفة عن تلك التفرّدية للدولة العظمى. باختصار، يتطلب تحقيق التوازن في ضوء أحادية القطبية الدولية إطاحة هذه الأحادية واستبدالها بتعددية قوى جديدة. وبالطبع، هذا ليس بالشأن اليسير في ضوء الممانعة والمقاومة اللتين ستبديهما القوة العظمى للحؤول دون فقدان مكانتها المتفرّدة؛ على نحو سيؤدي إلى صبّ جام غضبها على الدولة (أو الدول) التحويلية، واستهدافها بإجراءات متعددة يمكن أن تصل إلى شنّ الحرب عليها85. يعتقد شويلر وبو أن إمكانية حصول هذا الاستهداف لن تؤدي إلى توقف الدول الكبرى عن محاولات إحداث الموازنة وتغيير طبيعة النظام أحادي القطبية. وهما يعتقدان أن العديد من الدول تتجرّأ على مكانة الدولة العظمى، من خلال اتّباع أساليب "التوازن الناعم"، و"المقاومة اليومية"، و"المقاومة الصحيحة"86؛ وذلك لسبر غور قوة هذه الدولة وامتحان قدرتها على مجابهة تحديها لهيمنتها المتفرّدة. وعلى الرغم من أن هذه المحاولات لا تزال في مهدها، فإنهما يجدان في الصين قوة تحويلية أساسية ستقوم مع مرور الوقت وتراكم القوة لديها بمواجهة الولايات المتحدة وإحداث التوازن معها، وهذا يعني السير في اتجاه تغيّ طبيعة النظام الدولي إلى التعددية القطبية، التي ستحلّ محل أحادية القطبية الحالية في إطار "توازن عالمي جديد للقوة"87.

4. التوازن خارج المجال

لم يكن كريستوفر لاين، كما بيّنا سابقًا، من هواة أحادية القطبية الدولية، أو من المعجبين بنظرية استقرار الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، أو الداعين لاستمرار فرض الهيمنة على العالم. بل كان من الواقعيين المؤمنين بأن توازن القوة هو مُستَقر النظام الدولي، وحمل رؤية تقوم على أن مطالع القرن الحادي والعشرين ستشهد انتهاء حقبة أحادية القطبية والعودة إلى التعددية الدولية، مطالبًا الولايات المتحدة بأن تقود العالم في هذا الاتجاه، أفضل من أن تقاد إليه وتخسر من جرّاء ذلك ما تتمتع به من قوة نسبية. من هذه الخلفية الفكرية استنبط لاين، في عام 1997، مفهوم توازن تعديلي جديد، أطلق عليه تعبير التوازن خارج المجال، وطالب بأن يصبح هذا التوازن هو أساس الإستراتيجية الأميركية في القرن الحادي والعشرين، كي تبقى الولايات المتحدة قوية ولا تتورط في حروب لا طائلة منها88. يقوم مفهوم التوازن خارج المجال، وفقًا للاين، على أساس ضرورة إنهاء "التوسع المفرط" في الدور الذي تأخذه الولايات المتحدة على عاتقها في السيطرة على الشؤون الدولية؛ إذ يعتقد أنه دور مكلف وضار بالمصالح الأميركية، إذ يراكم اعتمادية حلفائها عليها، ويزيد الأعداء الساخطين عليها89. في التوازن خارج المجال تنتهي الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، ويستعاض عنها بإستراتيجية توازن القوة في عالم تعددي الأقطاب. في ضوء التوازن خارج المجال تتوقف الولايات المتحدة عن سعيها

  1. 88  Christopher Layne, "From Preponderance to Offshore Balancing: America's Future Grand Strategy," International Security , vol. 22, no. 1 (Summer 1997), p. 87. 89  Ibid., p. 98.
  2. Randall L. Schweller & Xiaoyu Pu, "After Unipolarity: China's Visions of International Order in an Era of U.S. Decline," International Security , vol.
  3. Ibid., pp. 48 - 51.
  4. Ibid., p. 45.
  5. 84  Ibid., p. 106.
  6. 36, no. 1 (Summer 2011), pp. 46 - 47.

لتصدير الديمقراطية وتشكيل النظم السياسية على شاكلتها، وحماية الدول الفاشلة، والمشاركة في عمليات حفظ السلام، واستخدام القوة العسكرية للتدخلات ذات الطابع الإنساني90. فهذه شؤون بالنسبة إلى لاين لا تخدم المصالح الأميركية، بل تزيد العبء على الولايات المتحدة من دون تحقيق المرجو من المردود. فالجهود يجب أن تتركز على اهتمام الولايات المتحدة بشؤونها الداخلية، وليس على رعاية الولايات المتحدة للشؤون الدولية. "أميركا أولً " هو الشعار الذي يجب أن تتبناه الإستراتيجية الأميركية مع بداية القرن الحادي والعشرين، وبناء عليه يجب أن تقلص الولايات المتحدة تدخلاتها الخارجية، وأن تركز مساعيها على الاهتمام بتحسين أوضاعها الداخلية91. هذا لا يعني أن لاين يتبنى ويدعو من خلال مفهوم التوازن خارج المجال إلى اتّباع سياسة أميركية انعزالية، بل على العكس من ذلك فهو يريد من الولايات المتحدة أن تفتح المجال لغيرها من الدول لمشاركتها الأعباء الدولية، وقبولها تبعًا لذلك بتعددية القطبية الدولية. ركّز لاين في تحليله على أن أوروبا وشرق آسيا هما المنطقتان الحاويتان للمصالح الأميركية. وجادل بأنه بدلً من أن تقوم الولايات المتحدة بحماية مصالحها من خلال الوجود العسكري فيهما لإسناد حلفائها، ومنع ظهور مهيمن محتمل، عليها أن تنسحب من هاتين المنطقتين، وتترك للدول فيهما مهمة موازنة بعضها بعضًا. أما دورها هي، فيتقلص للقيام بدور الموازنة من الخارج، إذ يقع عليها للحفاظ على التوازن داخل الإقليم أن تقوم دائمًا بالاصطفاف إلى جانب الجهة الأضعف في الموازنة الإقليمية؛ ما يعنيه ذلك انتهاء دور التحالفات الدائمة، والانتقال إلى مرحلة التحالفات المرحلية المؤقتة. ولا تتدخل الولايات المتحدة عسكريًا مباشرة على الأرض، إلا في حالات الضرورة القصوى، لتقوم بمنع سيطرة قوة مناوئة على الإقليم، وذلك من خلال القيام بعملية تدخل سريع، تنتهي بالخروج مجددًا منه92. باختصار، تحافظ الولايات المتحدة من خلال التوازن خارج المجال على مصالحها في العالم عن بعد، وليس من خلال الانخراط المباشر والدائم في الهيمنة على شؤونه والإنهاك المستمر في ترتيب أوضاعه ورعايتها. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وشن الولايات المتحدة الحرب على الإرهاب، عاد لاين ليؤكد ضرورة أن تتبنى الولايات المتحدة إستراتيجية التوازن خارج المجال، وأعطى هذه الإستراتيجية أبعادًا إضافية لما كان مستندًا إليه سابقًا93. فبعد أن أعاد تأكيد أنه من الجيد أن تكون الدولة قوية داخل النظام الدولي، رأى أن زيادة قوتها أمر غير محبذ لكونه يؤدي بالضرورة إلى تشكل حلف مضاد لها94. لذلك يجد أنه من الأنسب للولايات المتحدة عدم الاستمرار في اتّباع سياسة تدعيم هيمنتها على النظام الدولي، بل أن تقوم بعد الانتهاء من الحرب على الإرهاب بانتهاج سياسة التوازن خارج المجال، والتي تقوم على قبولها بظهور قوى عظمى أخرى تقبل بأولوية الولايات المتحدة في الساحة الدولية، ولكن مع وجود مصالح لها في أقاليمها. أما مهمة تحقيق التوازن داخل كل إقليم فتتُرك لدول الإقليم ذاته، على نحوٍ يزيل عن كاهل الولايات المتحدة تحمّل تكلفة عبء الموازنة الإقليمية، ويحولها إلى داخل الإقليم؛ ما يعطي الدول العظمى الجديدة إمكانية تحقيق مصالحها داخل أقاليمها، ولكن من دون المساس بمكانة الولايات المتحدة ومصالحها في العالم. باختصار، فإن إستراتيجية التوازن خارج المجال تقوم، بالنسبة إلى الولايات المتحدة، على تحويل الأعباء، وليس تقاسمها، داخل النظام الدولي؛ ما يتيح لها إطالة أمد سيطرتها عليه95. في مرحلة لاحقة، التقطت الواقعية الدفاعية ممثلة بستيﭬن والت، والواقعية الهجومية بمنظّرها جون ميرشايمر، أهمية مفهوم التوازن خارج المجال، إذ تبنى كلٌّ منهما هذا المفهوم، ودفعا به ليشكّل أساس الإستراتيجية الأميركية في عهد الرئيس باراك أوباما، وخصوصًا بعد إخفاقات السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس بوش الابن. فقد ارتأى والت أن الموقع الجغرافي الحصين للولايات المتحدة، الذي يحميها من تهديدات جيران محتملين، يخوّلها أن تتبع إستراتيجية التوازن خارج المجال، وخصوصًا أن التدخلات الأميركية في تسيير شؤون دول أخرى لم تكن ناجحة أو مفيدة للولايات المتحدة، وليست ضرورية أو تنمّ عن سياسة حكيمة96. أما ميرشايمر، فقد نادى بضرورة أن تتبع إدارة الرئيس أوباما إستراتيجية التوازن خارج المجال أساسًا لسياستها في منطقة الشرق الأوسط، وأن تترك لدول المنطقة مسؤولية موازنة بعضها بعضًا، ولا تتدخل إلا في حالة الضرورة القصوى. فالولايات المتحدة، من وجهة نظر ميرشايمر، لا تحتاج إلى أن تسيطر على المنطقة، وإنما إلى أن تمنع غيرها من السيطرة عليها. لذلك عليها أن تنهي بسرعة الحرب على العراق، وأن تتوصل إلى تفاهمات مع إيران، وأن تُخرِج قواتها من المنطقة، وتتركها لدولها تتصارع لتحقيق الموازنة الإقليمية،

  1. Ibid., p. 112.
  2. Ibid., p. 124.
  3. Ibid., p. 116.
  4. Christopher Layne, "Offshore Balancing Revisited," Washington Quarterly , vol. 25, no. 2 (Spring 2002), pp. 233 - 248.
  5. Ibid., p. 237.
  6. Ibid., pp. 245 - 247.
  7. Stephen M. Walt, "Offshore Balancing: An Idea Whose Time Has Come," Foreign Policy , 2/11/2011, accessed on 20/1/2019, at: https://bit.ly/2TBGlXW

وتكون هي مستعدة فقط للتدخل العسكري، والخروج بسرعة إذا اقتضت الضرورة ذلك، أي في حال حاولت دولة من دول المنطقة الهيمنة على الإقليم97. من أجل المحافظة على "الريادة الأميركية أمدًا بعيدًا في المستقبل"، دعا ميرشايمر ووالت في مقالة مشتركة نشراها عام 2016 إلى ضرورة أن تتوقف الولايات المتحدة عن اتباع سياسة "الهيمنة الليبرالية" التي تحاول من خلالها فرض رؤيتها وتحكمها في النظام الدولي، وأن تستبدل ذلك بإستراتيجية التوازن خارج المجال التي تتجنب إهدار الموارد على "حملات صليبية" مضُرّة98. فتحقيق المصالح الأميركية لا يتطلب "حراسة" الولايات المتحدة للعالم، وإنما منح المبادرة لدولٍ في الأقاليم الثلاثة المهمة للولايات المتحدة؛ أوروبا، وشرق آسيا، والخليج العربي، لتقوم ب "عرقلة" محاولات القوى الصاعدة للهيمنة على هذه الأقاليم99. أما مكانة الولايات المتحدة فلن يضيرها انسحابها من هذه الأقاليم، والتدخل فقط عند ال ورررة؛ لأن مكانة هيمنتها الدولية تتأتى بالأساس من "الحفاظ على الهيمنة في القسم الغربي من العالم"، وهو أمر لا ينازعها عليه أحد. من هذا المنطلق، على الولايات المتحدة، ومن خلال توظيف إستراتيجية التوازن خارج المجال، أن تسعى لضرورة احتواء الصين في آسيا، وأن تترك أوروبا للأوروبيين، وأن تساعد دول الخليج العربي في سعيها للتوازن مع إيران. كل هذا يجب أن يتم مع تقليص الوجود العسكري الأميركي في الخارج، وإعادة ترتيب الأولويات الأميركية للتركيز في جميع الأوقات والأحوال على السياسات الداخلية، لا على الترويج للديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان خارجيًا100. يمكن الاستنتاج أن التوازن خارج المجال كان يُ ثّل عند لاين الوسيلة الأفضل للدفع في اتجاه العودة إلى تعددية القطبية الدولية، وإنهاء الهيمنة الأميركية على النظام الدولي الحالي. أما بالنسبة إلى ميرشايمر ووالت فإن المفهوم نفسه يمكن أن يُوظّف إستراتيجيًا لإطالة أمد أحادية القطبية الدولية من خلال تقليص تمدد الولايات المتحدة خارج إقليمها الحيوي، وترك الآخرين يتصارعون تحت رقابتها ورعايتها على تحقيق الموازنة في الأقاليم المختلفة.

5. التوازن من الداخل

كما بيّنا، تركزّت المحاولات التعديلية ل "تحديث" النظرية الواقعية وملاءمتها مع حقبة أحادية القطبية الدولية على ضخّ تفسيرات جديدة لعلاقة التوازن بين الدول. بقيت هذه المحاولات أمينة للمبادئ الأساسية التقليدية التي تقوم عليها رؤية النظرية الواقعية للسياسة والعلاقات الدولية. فهي تنبثق من استمرار الارتكاز على أن الدول هي البنى الأساسية للنظام الدولي، وأن العلاقة بين كبرياتها هي التي تُشكّل ماهية النظام الذي يحتاج إلى توافر نوع من أنواع التوازن في العلاقة بين هذه الدول لاستمرار استقراره. لهذا السبب حاول التعديليون، كل من زاوية، تقديم إضافة جديدة، ولكن لا تزال قائمة على مرتكز التوازن بين الدول، لتفسير حقبة أحادية القطبية واستمرارية تربّع الولايات المتحدة على قمة النظام الدولي. قد تكون هذه الزوايا التعديلية أدّت، كما يصُرّ منتقدوها، إلى "تمييع" النظرية الواقعية. ولكن مما لا شكّ فيه أن كل واحدة من هذه الزوايا أضافت قدرة تفسيرية إلى النظرية الواقعية، ومنحتها حيوية متجددة من خلال فتح مسارب جديدة لتعميق فهم مكنونات السياسة الدولية والعلاقات بين الدول. نحن في هذه الدراسة نريد أن نطرح إضافة زاوية جديدة قد تُسهم في تفسير استمرارية أحادية القطبية فترة أطول مما كان متوقعًا في النظرية الواقعية التقليدية. الجديد في هذه الزاوية أنها لا ترتكز على مبدأ تحقق التوازن بين الدول، ولا تبحث عن صيغة مستجدة لهذا التوازن. بل هي تستند في تفسيرها لاستمرارية أحادية القطبية الدولية إلى أن الدولة المتربّعة على قمة النظام الدولي حاليًّا، أي الولايات المتحدة، هي من النوع الذي يرتكز نظامه السياسي على وجود توازن داخلي. هذا التوازن الداخلي، والذي هو سمة النظام الديمقراطي، هو الذي يمنح الولايات المتحدة حتى الآن القدرة على استمرارية التفرد. فهو يعطيها أطيافًا من المناعة أمام الدول الأخرى، والتي تستخدم هذا التوازن الداخلي للنظام السياسي الأميركي مدخلً لتحقيق مصالحها، من دون الاضطرار إلى الدخول في عملية مواجهة مُكلفة مع الولايات المتحدة لتحقيق الموازنة الصلبة معها. ونعتقد أن التفرد الأميركي سيستمر ما دام التوازن الداخلي للنظام السياسي الأميركي يبقى فعالً، وحيويًا، ومستجيبًا لإمكانيات التأثير فيه من خارجه، أي من الدول الأخرى على وجه التحديد. من الممكن أن يُظّن أن ما نحاول إضافته هنا حول "التوازن من الداخل" يأتي من صميم مرتكزات النظرية الليبرالية المنافسة للنظرية الواقعية، وأن هذه الإضافة تتكئ على النظرية الليبرالية من أجل

  1. John J. Mearsheimer, "A Return to Offshore Balancing," Newsweek , 30/12/2008, accessed on 20/1/2019, at: https://bit.ly/2UOjcl5
  2. John J. Mearsheimer & Stephen M. Walt, "The Case for Offshore Balancing: A Superior U.S. Grand Strategy," Foreign Affairs , vol. 95, no. 4 (July 2016), pp. 71, 78.
  3. Ibid., pp. 71 - 72.
  4. Ibid., pp. 81 - 83.

إعطاء نفحة حياة مستجدة للنظرية الواقعية. ولكن يجدر التشديد على أن ما يبدو عليه الأمر من تماهٍ من خلال الاستعارة ليس سوى شكل مظهري لا يلحق الاختلاف المنهجي بين النظريتين. يتعلق مدخلنا في طرح هذا التعديل الجديد بالعدسة التي تنظر وتقيّم من خلالها الدول الأخرى ماهية الدولة المتربعة على قمة النظام الدولي أحادي القطبية، واستغلال هذه الماهية لاتباع المسار الأقل تكلفة من ناحية، والأكثر نجاعة لها في تحقيق أهدافها في مواجهة الدولة العظمى، من ناحية أخرى. ما يعنيه ذلك أن الآليات الداخلية لعمل النظام السياسي الديمقراطي للولايات المتحدة يمكن أن تكون المدخل الأسلم لدول أخرى، لتلافي المواجهة المفتوحة معها، والتي يمكن أن تكون مكلفة وغير ناجعة لهذه الدول في آن، والاستعاضة عن ذلك إما باستغلال مفاتيح النظام الأميركي ومفاعيله لإحداث التغيير الذي تتوخاه هذه الدول، وإما بالاحتمال والصبر عليها؛ توقعًا لحدوث هذا التغيير. يجدر التنويه أن الموضوع المتعلق بنوعية النظام السياسي للدولة العظمى، وأثره في استمرارية قدرتها على التربع على قمة النظام الدولي، ليس موضوعًا جديدًا. فقد وردت حوله إشارات عدد من منظّري الواقعية، ولكن المثير للانتباه، وربما للدهشة أيضًا، أن تلك الإشارات بقيت مقتضبة ومفككة، ولم يلتقطها أحد حتى الآن ويحوّلها إلى إطار تفسيري ناظم لما يمكن أن يُكسبه التوازن الداخلي للدولة العظمى من مناعة أمام التحديات الواردة عليها من الدولة الأخرى. في عام 2009، التقط روبرت جيرفز أهمية نوع النظام السياسي ومواصفات القيادة للنظام الأحادي القطبية. وقد أشار إلى أن العالم، ونظامه الدولي، كان سيختلف عمّ هو عليه الآن لو أن الولايات المتحدة هي التي انهارت وليس الاتحاد السوفياتي الذي اعتبره "دكتاتورية" كان تفردها سُينتج "كوارث" في السياسة الدولية101. أما جون أكنبري فقد كان سبقه في طرح أهمية تأثير المنظومة الليبرالية في ممارسة القوة102. فقد بيّ أن المؤسسات السياسية الأميركية "منفتحة، وشفافة، ومنظمة في إطار القانون"، وهذا يُسهّل على الآخرين توقع تصرفاتها، ويُقلّص من عنصر مفاجأتهم بقراراتها. ومن ثمّ تستطيع الدول الأخرى استنباط المواقف والتوجهات الأميركية، وبناء مواقفها وعلاقاتها مع الولايات المتحدة تبعًا لذلك، مع توافر إمكانية التأثير الخارجي في السياسة الأميركية نظرًا إلى انفتاح النظام السياسي ولامركزية العملية السياسية في الولايات المتحدة103. وفي إشارة عابرة، ذكر ستيفن والت أن طبيعة النظام السياسي الأميركي تتيح لمجموعات المصالح إمكانية التأثير في صنع السياسات. وبالنتيجة، فإن نظامًا أحادي القطبية تقبع على قمته الولايات المتحدة لا بدّ أن يكون أكثر انفتاحًا أمام المؤثرات، واستجابة للضغوط التي يمكن أن تُ ارس عليه من الخارج104. بالتقاط هذه الإشارات وتجميعها والإضافة إليها يمكن استخراج سياق يقوم على أساس أن التوازن الداخلي الذي يتمتع به النظام السياسي الأميركي يُشكّل عاملً أساسيًا، ليس فقط في استقرار التفرد الأميركي الحالي على الساحة الدولية، وإنما أيضًا في اعتبار أن وضعية أحادية القطبية الأميركية هي حالة فريدة قد لا تتكرر في مستقبل النظام الدولي. النظام السياسي الأميركي هو نظام ديمقراطي رئاسي؛ ومن ثمّ ينجم عن هذا ثلاث مواصفات مهمة لأحادية القطبية الدولية: أن هذا النظام يتشكّل من ثلاث سلطات، ليست فقط منفصلة بعضها عن بعض، وإنما متوازنة فيما بينها؛ ما يعني أن القرار السياسي مُفتّت بينها، ولكي يمرّ يجب أن يُجمّع، الأمر الذي يحتاج إلى توافقات، خصوصًا بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. هذا النظام المتوازن داخليًا، أفقيًا في العلاقة بين سلطاته الثلاث، وعموديًا في علاقة سلطاته بأطراف وأطياف مجتمعية متنوعة ومتعددة، مفتوح لتأثير وسائل الإعلام والرأي العام، والسياسة الداخلية تؤثر فيه، كما تؤكد المدرسة الليبرالية المنافسة للمدرسة الواقعية، على السياسة الخارجية. وهكذا، فإن المواقف الأميركية تجاه الدول الأخرى والقضايا الدولية تتأثر بمؤثرات داخلية لا سلطان لمركز القرار السياسي عليها. وهذا يعني أن النظام السياسي الأميركي مفتوح أمام التأثيرات الداخلية. أن هذا النظام ليس مفتوحًا فقط للتأثيرات الداخلية، وإنما هو عُرضة أيضًا للتأثيرات الخارجية. فمجموعات الضغط الداخلية والخارجية، على السواء، تستطيع السعي لتحقيق

  1. Robert Jervis, "Unipolarity: A Structural Perspective," World Politics , vol. 61, no. 1, International Relations Theory and the Consequences of Unipolarity (January 2009), pp. 204 - 205.
  2. G. John Ikenberry, "Power and Liberal Order: America's Postwar World Order in Transition," International Relations of the Asia-Pacific , vol. 5,
  3. Ibid., p. 140. 104  Walt, "Alliances in a Unipolar World," p. 119.
  4. no. 2 (January 2005), pp. 133 - 152.

مصالحها من خلال ممارسة الضغط المشُرّع والمنظم قانونيًا. من هذا المنطلق تستطيع الدول المختلفة، إن هي أرادت، أن تُ ارس ضغوطها، وممارسة التأثير لتحقيق مصالحها من داخل "الشقوق" القانونية المسموح بها في النظام السياسي الأميركي، ولدرجة توظيف "وك ءاا" أميركيين للقيام بهذه المهمة، وإيجاد "لوبيات" لتحمل مصالحها وتحميها. هذا الانفتاح الذي يوفره التوازن الداخلي للنظام السياسي الأميركي من ناحية فعلية، والانطباع الذي يتركه عند الدول الأخرى، يمكن أن يكون لهما بالغ التأثير في كبح رغبتها في السعي لتحقيق التوازن الصلب مع الولايات المتحدة، وهو أمر مُكلف؛ لكونه يضع من يحاول ذلك في مواجهة مباشرة مع القوة العظمى في العالم. سيكون أسهل وأقل تكلفة على الدول المعنيّة أن تقوم عوضًا عن المواجهة بممارسة التأثير من خلال العمل من داخل النظام الأميركي نفسه لتغيير السياسات والمواقف الأميركية لصالحها. يتسم النظام السياسي الأميركي بكونه نظامًا رئاسيًا، والمدّة التي يقضيها الرئيس وإدارته محدودة ومحددة دستوريًا بفترتين على أقصى تقدير. معنى ذلك أن الرئيس لا يمكن أن يستمر في الحكم مدة تتعدى الثماني سنوات. هذه المحدودية الزمنية لها دور بالغ الأهمية في تشكيل الانطباع حول السياسة الأميركية عند الدول الأخرى، وبالتحديد في اتجاه أن السياسات الأميركية ليست بالضرورة ثابتة، وإنما هي عرضة للتحول المستمر المرتبط بتغيّ الرؤساء والإدارات. فإن كانت السياسات الأميركية تجاه دولة ما غير مواتية في عهد رئيس وإدارة مُعينيْ، فإن من الممكن أن يتغير ذلك في عهد رئيس وإدارة جديديْن. وبحساب التكلفة، يمكن بسهولة أن تجد الدول أن من الأجدى لها ألّ تواجه الولايات المتحدة ذات القوة الفائقة، بسبب سياسات رئيس بذاته، بل أن تنتظر حتى يُنهي فترته وتأتي إدارة جديدة قد تكون ذات سياسات مختلفة تأتي لمصلحتها. وعندما تستقي هذه الدول العبرة من دراسة التاريخ السياسي الأميركي الحديث، تجد أن تغيّ الإدارات الأميركية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية جلب دائمًا معه إمكانية حدوث تغيّ في التوجهات والسياسات. وهذا ما يمنح الدول المختلفة أملً في تغير السياسة الأميركية، كل منها لمصلحته، ولا يدفعها للعمل مع الرئيس والإدارة الموجودين في الحكم حينئذٍ فقط، بل مع من يمكن أن يأتي بعد ذلك أيضًا لتغيير هذه السياسة. لنأخذ في هذا السياق، مثلً، إدارة الرئيس ترامب حاليًا، التي تمارس على دول عديدة، حليفة كانت أم منافسة، حملات ضغطٍ مفتوحة، خصوصًا فيما يتعلق مثلً بتعديل ميزان التبادل التجاري لمصلحة الولايات المتحدة، وتحمّل الدول الأخرى نسبة إضافية من التكاليف المادية لاستمرار التحالفات التقليدية معها، والخروج من معاهدات ومواثيق دولية، والتحلل من التزام قواعد القانون الدولي ونواظمه وتقليص التعاون مع الدول الأخرى داخل الهيئات والمنظمات الدولية. السؤال الذي يحتاج إلى تفسير هو: لماذا لم تؤدِّ هذه السياسات ذات النزعة الهجومية - العدائية تجاه العديد من الدول، والتي تثير الاضطراب الشديد على صعيد العلاقات الدولية، إلى استنفار عند متلقيها، والاندفاع نحو تشكيل تحالف مضاد يواجه هذه الإدارة ويسعى لتحقيق التوازن مع الولايات المتحدة؟ قد يكمن الجواب، أو بعضٌ منه، في أن هذه الإدارة الأميركية ستكون عابرةً كغيرها من الإدارات، قد تذهب بعد انتهاء فترتها الأولى الممتدة أربع سنوات فقط، وقد تمتد لولاية ثانية فقط. بعدها قد تأتي إدارة جديدة بتوجهات وسياسات مختلفة. لذلك لا داعي لفتح مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة بسبب إدارة رئاسية مؤقتة. ما يتسم به النظام السياسي الأم كيرر من وجود عوامل عديدة تعمل مجتمعةً لضمان سمة التوازن الداخلي لهذا النظام تعطي الآخرين خارجه، خصوصًا الدول الأخرى، الانطباع بتوافر الإمكانية لديهم بالتأثير في هذا النظام. فالسياسة الأميركية وصناعة السياسات ليست ثابتة، نهائية، وقطعية، بل متغيّ ة تعمل وفق مبدأ تحرُّك "بندول" ساعة الحائط الذي يستمر في التأرجح يمينًا ويسارًا. هذا التأرجح، وإمكانية استغلاله للتأثير الخارجي، يمكن أن يعطي الدول الأخرى، حتى الكبرى منها، بديلً أشدّ ملاءمةً من الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، والذهاب في اتجاه القطيعة معها. وقد يكون في هذه الميزة ما يطيل أمد تفرد الولايات المتحدة على قمة هرم نظام أحادي القطبية، ولحين تضافر عوامل خارجية مختلفة تسمح لدولة كبرى أو لمجموعة دول بمواجهتها بصفة مباشرة في مسعى استعادة توازن القوى على الصعيد الدولي.

خاتمة

عالجت هذه الدراسة طبيعة المأزق الذي واجهته النظرية الواقعية عندما تفككت الكتلة الشرقية وانهار الاتحاد السوفياتي، مخلّفًا نظامًا دوليًا جديدًا، لم تكن هذه النظرية تتوقعه أو مؤهلة لتفسيره، ألا وهو نظام أحادي القطبية. بعد خلفية عالجت المرتكزات الأساسية للواقعية، بحثت هذه الدراسة في ردّ الفعل التقليدي الذي جاء سريعًا، بل متسرعًا، بعد انهيار ثنائية القطبية الدولية، وبشّ بضرورة العودة القريبة لتوازن القوى على الساحة الدولية، ويسُرها. وعندما لم يتحقق ذلك بالسرعة المتوقعة، بدأت النظرية الواقعية تتعرض لوابل من الانتقادات من مناوئيها، وحتى من داخل صفوفها، واعتبُرت في "ورطة"105؛ على نحو دفع عددًا من الواقعيين لتطوير منافذ تعديلية لمواءمة القدرة التفسيرية لنظريتهم مع طول بقاء أحادية القطبية الدولية. لهذا الغرض تم استعراض "توازن التهديد" و"التوازن الناعم" و"توازن المصالح" و"التوازن خارج المجال." وقد قمنا بإضافة تعديل جديد نعتقد أنه يُشكّل إضافة تفسيرية لاستمرارية أحادية القطبية، وهو "التوازن من الداخل."

طرأ تغيّ جذري على النظام الدولي بعد انهيار ثنائية القطبية في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وتم توجيه العديد من الانتقادات إلى النظرية الواقعية من جرّاء ذلك، غير أن هذه النظرية تستمر في كونها إحدى أهم النظريات في مجال العلاقات الدولية. فقد تمتعت الواقعية بقدرة تفسيرية عالية لمجريات ما شهده العالم سابقًا من نظام دولي متعدد الأقطاب، ومن ثم ثنائي القطبية. وهي الآن تشهد تطورات وتحولات داخلية عميقة، تفتح أمامها الآفاق لفهم مكنونات حالة أحادية القطبية الدولية، وتقديم التحليلات المُفسرة لاستمرارية هذه الأحادية. لا تزال النظرية الواقعية مفعمة بالنشاط ومليئة بالحيوية، وسيستمر لها شأن كبير، وأثرٌ قوي في مجال دراسة السياسة والعلاقات الدولية.

المراجع

العربية

بيليس، جون وستيف سميث (محرران.) عولمة السياسة العالمية. دبي: مركز الخليج للأبحاث،.2004 الجرباوي، علي. "الرؤى الإستراتيجية لثلاثي القطبية الدولية: تحليل سياسات عربية. العدد مضمون مقارن." 31 (آذار/ مارس.)2018 ليتل، ريتشارد. توازن القوى في العلاقات الدولية. بيروت: دار الكتاب العربي؛ دبي: مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم،.2009 والت، ستيفن، نهاية العصر الأميركي. ترجمة وتعليق محمد العربي. سلسلة أوراق 4. الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية،.2012 ونت، ألكسندر. النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية. ترجمة عبد الله جبر صالح العتيبي. الرياض: جامعة الملك سعود للنشر والمطابع،.2006 وولفورث، وليم. استقرار عالم القطب الواحد. سلسلة دراسات عالمية 36. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2001

الأجنبية

Brooks, Stephen G. & William C. Wohlforth. World Out of Balance: International Relations and the Challenge of American Primacy. Princeton: Princeton University Press, 2008. ________. America Abroad: Why the Sole Superpower Should Not Pull Back from the World. Oxford: Oxford University Press, 2016. Brown, Michael E., Sean M. Lynn-Jones & Steven E. Miller (eds.). Perils of Anarchy: Contemporary Realism and international security. Cambridge: MIT Press, 1995. Donnelly, Jack. Realism and International Relations. Series Themes in International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2004.

  1. Jeffrey W. Legro  & Andrew Moravcsik, "Is Anybody Still a Realist?" International Security , vol. 24, no. 2 (Fall 1999), p. 5.

Gilpin, Robert. "The Richness of the Tradition of Political Realism." International Organization. vol. 38, no. 2 (Spring 1984). Griffiths, Martin (ed.). International Relations Theory for the Twenty-First Century: An introduction. London; New York: Routledge, 2007. Ikenberry, G. John (ed.). America Unrivaled: The Future of the Balance of Power. Cornell Studies in Security Affairs. New York; London: Cornell University Press, 2002. ________. "Power and liberal order: America's postwar world order in transition." International Relations of the Asia-Pacific. vol. 5, no. 2 (January 2005). Jervis, Robert. "Unipolarity: A Structural Perspective." World Politics. vol. 61, no. 1. International Relations Theory and the Consequences of Unipolarity (January 2009). Krauthammer, Charles. "The Unipolar Moment." Foreign Affairs. vol. 70, no. 1. America and the World

Layne, Christopher. "The Unipolar illusion: Why New Great Powers Will Rise." International Security. vol. 17, no. 4 (Spring 1993). _____. "From Preponderance to Offshore Balancing: America's Future Grand Strategy." International Security. vol. 22, no. 1 (Summer 1997). _____. "Offshore Balancing Revisited." Washington Quarterly. vol. 25, no. 2 (Spring 2002). _____. "The Unipolar Illusion Revisited: The Coming End of the United States Unipolar Moment." International Security. vol. 31, no. 2 (Fall 2006). _____. "This Time it's Real: The End of Unipolarity and the Pax Americana." International Studies Quarterly. vol. 56, no. 1 (March 2012). ________. "The US–Chinese power shift and the end of the Pax Americana." International Affairs. vol. 94, no. 1 (2018). Legro, Jeffrey W. & Andrew Moravcsik. "Is Anybody Still a Realist?" International Security. vol. 24, no. 2 (Fall 1999). Lieber Keir A. & Gerard Alexander. "Waiting for Balancing: Why the World is Not Pushing Back." International Security. vol. 30, no. 1 (Summer 2005). Mearsheimer, John J. "The False Promise of International Institutions." International Security. vol. 19, no. 3 (Winter 1994/1995). Mearsheimer, John J. & Stephen M. Walt. "The Case for Offshore Balancing: A Superior U.S. Grand Strategy." Foreign Affairs. vol. 95, no. 4 (July 2016). Pape, Robert A. "Soft Balancing Against the United States." International Security. vol. 30, no.1 (Summer 2005). Paul, T.V. "Soft Balancing in the Age of U.S. Primacy." International Security. vol. 30, no.1 (Summer 2005). Schweller, Randall L. "Bandwagoning for Profit: Bringing the Revisionist State Back in." International Security. vol. 19, no. 1 (Summer 1994). Schweller, Randall L. & Xiaoyu Pu. "After Unipolarity: China's Visions of International Order in an Era of U.S. Decline." International Security. vol. 36, no. 1 (Summer 2011). Walt, Stephen M. "Alliance Formation and the Balance of World Power." International Security. vol. 9, no. 4 (Spring 1985). _____. The Origins of Alliances. Cornell Studies in Security Affairs. New York: Cornell University Press, 1987.

_____. "Testing Theories of Alliance Formation: The Case of Southwest Asia." International Organization. vol. 42, no. 2 (Spring 1988). _____."International Relations: One World, Many Theories." no. 110. Special Edition: Frontiers of Knowledge (spring 1998). _____. Taming American Power: The Global Response to U.S. Primacy. New York: W. W. Norton & Company, 2006. Waltz, Kenneth N. "Alliances in a Unipolar World." World Politics. vol. 61, no. 1 (January 2009). _____. Theory of International Politics. Massachusetts; California; Amsterdam: Addison-Wesley, 1979. _____."The Origins of War in Neorealist Theory." The Journal of Interdisciplinary History. vol. 18, no. 4 (Spring 1988). _________. "Structural Realism after the Cold War." International Security. vol. 25, no. 1 (Summer 2000). Williams, Michael C. The Realist Tradition and the Limits of International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. _________. "The United States: Alone in the World." in: I. William Zartman (ed.). Imbalance of Power: US Hegemony and International Order. London: Lynne Rienner Publishers, 2009. Wohlforth, William C. "The Stability of a Unipolar World." International Security. vol. 24, no. 1 (Summer 1999). Wohlforth, William C. et al. "Testing Balance-of- Power Theory in World History." European Journal of International Relations. vol. 13, no. 2 (June 2007).