الإعلام والسُّ لطة: مقاربة مفاهيمية جديدة، مجلة "لوجورنال" نموذجًا

Mehdi K. Benslimane مهدي بنسليمان |

الملخّص

تبقى الدراسات الإعلامية الحلقة الأضعف في البحث السياسي والاجتماعي الذي عُني بدراسة الواقع العربي، وإن وُجد بحث في هذا المجال، فإنه يظل مقتصرًا ومحدودًا في إشكاليات تظل مرتبطة بسؤال الحرية من جهة، وبموقف دفاعي يفتقد إلى التجديد من جهة أخرى. تسلط هذه الدراسة الضوء على الصحافة السياسية، بالتركيز على مجلة لوجورنال (وهي مجلة مغربية فرنكوفونية)، التي صدرت خلال الفترة 1997 - 2010. وتهدف إلى تقديم مقاربة مفاهيمية جديدة لسلطة الإعلام، مفادها أن هذه السلطة تتبلور في إطار شبكة مترابطة من المفاهيم التي يدعم بعضها بعض ا، والمتمثلة بمفهوم الكفاءة والاستقلالية والقيادة. وتفترض أن التحرر الإبستيمولوجي المنهجي يعطي نوعا من الابتعاد عن القراءة المهيمنة للحرية يتبناها الفاعلون (الصحافيون) ويرسخها باحثون في أبحاث أجنبية وغربية في دراسة وسائل الإعلام العربية. كلمات مفتاحية: الدراسات الإعلامية، حرية التعبير، الصحافة السياسية، سلطة الإعلام. Media studies remains the weakest link in political and social research dealing with the Arab region. The research that exists in this discipline remains limited in terms of research questions, restricted in some form to the question of freedom, and set in a defensive position lacking any originality. This study sheds light on the political press, focusing on the Moroccan Francophone journal, Le journal, issued from 1997-2010. The study aims to provide a new conceptual approach to the power of the media that crystallized within the framework of a network of interdependent concepts. These include the concepts of efficiency, independence and leadership. The study hypothesizes that epistemological-methodological liberalization evades the dominant reading of freedom adopted by both journalists and researchers in foreign and Western research on Arab media. Keywords: Media Studies, Freedom of Expression, Political Journalism, Power of the Media.

Media and Power: A New Conceptual Approach, "Le Journal" as a Case Study

مقدمة

في خضمّ ثورات "الربيع العربي"، وعلى هامش ندوة دولية عُقدت في الرباط بشأن موضوع "الإصلاحات الدستورية والتحولات السياسية في الوطن العربي"، جرى حوار بيني وبين باحثة فرنسية متخصصة في علوم القانون والسياسة وفي شؤون الوطن العربي، حين قدّمتُ لها موضوع بحثي لرسالة الدكتوراه، الذي كان يتناول علاقة الصحافة المستقلة بالسلطة. سألتني حينئذٍ إن كانت مقاربتي تتعلق بإشكالية حرية التعبير والرقابة الممارَسة على الصحافيين والإعلاميين، فبادرتها بالقول إنني أعتمد نهجًا مختلفًا، ومقاربة بحثية اجتماعية مختلفة تسعى لدراسة المحيط الخارجي للمجلة المبحوث فيها، في علاقة مؤسسيها بالسلطة السياسية، كما في ماهيّة سلطة الإعلام عمومًا، وكذلك في عمل الصحافيين وعلاقة بعضهم ببعض داخل المؤسسة الإعلامية1، فبدا لي حينها أن ما قلته فاجأها وأثار استغرابها. لهذه المفاجأة أسباب موضوعية، يمكن تبيان أصولها في كون الاهتمام البحثي في العلوم السياسية والاجتماعية، سواء كان أجنبيًا أم عربيًا، ظل مُنصبًّا في العقود الأخيرة على دراسة موضوعات وظواهر محددة تشمل، على الرغم من أهميتها2، "النخب" و"الأحزاب" و"الإسلام السياسي" و"الانتقال الديمقراطي" و"المجتمع المدني" وموضوع "السياسات العامة" بصورة خاصة، إلى درجة جعلت هذه الموضوعات، على اختلاف تشعبات القطاعات (التعليم، والصحة، والنقل، والأمن... إلخ) والمسائل المدروسة والإشكاليات المطروحة فيها، في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، الشغل الشاغل لكثير من الخبراء والباحثين3. في ضوء ما سبق ذكره، يستطيع المُتتبّع أن يلاحظ أن الإعلام، بوسائطه وفاعليه، يبقى الحاضر في الواقع و"شِبه" الغائب في البحث العربي. تجدر الإشارة إلى أن هذا الغياب يمكن أن يُفسره بعض المتتبّعين بالقول إن دراسة وسائل الإعلام لم تمثّل، إلى مدى قريب، موضوعًا جادًا و"علميًا" في "الغرب" نفسه. لهذا، يرى جون باتيست لوغفر أن الصحافة المكتوبة تحديدًا، ظلت مبحثًا منسيًا4. نود أن نبيّ هنا بعض الطبائع/ الاتجاهات الغالبة على الدراسات الإعلامية Studies Media، في شِقيها الأجنبي والعربي معًا؛ فمن جهة، نجد مبحث التفاعلية، إضافة إلى إشكالية بقيت مطروحة منذ سنوات وإلى يومنا هذا، انطلاقًا من أبحاث عالِم الاجتماع الأميركي بول لازارسفيلد عن مدى تأثير Influence الوسائط الإعلامية (المذياع آنذاك) في عموم الجماهير، في سلوكياتهم السياسية واختياراتهم الانتخابية5. ومن جهة أخرى، حاولت دراسات عدة ربط تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا الجديدة بتطور الممارسة الديمقراطية والسياسية في أزمنة ودول مختلفة6. رغم أهمية هذه الدراسات بالنسبة إلى الباحث والمثقف المتتبّع، وهي دراسات عُنيت بوسائل الإعلام، قديمه وجديده (ما اصطُلح عليه "الإعلام الجديد)"، فإنها تظل، في غالبيتها، سجينة مجموعة من الموضوعات والمشكلات، نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر: الرجوع إلى السياقات التاريخية لنشأتها في البلد الواحد، ومقارنة ذلك بالوضع العربي، وتحليل وضع حرية التعبير والصحافة في القوانين والدساتير العربية، وتعداد الصحف أو الفضائيات العربية وإبراز تنوعها المذهبي واللغوي من عدمه7، وجرد "معيقات التطور" و"تحديات المستقبل ورهاناته"، ونقد المحتويات المقدَّمة للمُشاهد العربي، بغضّ النظر عن وجاهة هذا النقد أو عدم وجاهته، وصورة العربي والمسلم في وسائل الإعلام الغربية، وما إلى ذلك. وفي الحقيقة، إنّ إثارة مثل هذه الموضوعات شيءٌ جيدٌ ومثرٍ للإنتاج العلمي، لكن الأمر يمكن أن يصبح عائقًا للتطور المعرفي والمنهجي حين تتّبع دراسات معينة، كيفما كانت، الاتجاه والمنحى نفسيهما8. كما أن هذه الأبحاث، العربية منها والأجنبية، تبقى مطبوعة بالغاية الوظيفية Finalité Fonctionnelle لوسائل

  1. بين جملة من الأطروحات في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية حظيت أطروحة الدكتوراه وطريقة وضع المفاهيم فيها بتنويه خاص من إدغار موران في إطار جائزة Le Monde للبحث الجامعي في عام.2016
  2. من باب المقارنة بالتوجه الأنكلوأميركي (الولايات المتحدة وبريطانيا) في دراسة الشرق الأوسط في كلٍّ من العلوم السياسية والأنثروبولوجيا؛ والمراحل التي اتبعتها الأبحاث، من خمسينيات القرن العشرين إلى تسعينياته، في اختيار موضوعاتها. انظر: عبد الفتاح نعوم، الأنغلوأميركي في صعود دراسة المناطق"، تبيّ، السنة "مساهمة الاستشراق 3، العدد 9 (صيف 2014)، ص.26
  3. في مسألة التقييم عمومًا، وتطبيقه في دراسة السياسات العامة خصوصًا، انظر: Cités , no. 37 "L'Idéologie de l'évaluation, la grande imposture" (Mars 2009).
  4. Jean-Baptiste Legavre (dir.), La Presse écrite: Objets délaissés (Paris; Budapest; Torino: Editions L'Harmattan, 2002).
  5. Elihu Katz & Paul F. Lazarsfeld, Personal Influence: The Part Played by People in the Flow of Mass Communications , with a new introduction by Elihu Katz & a foreword by Elmo Roper, 2 nd ed. (New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2006).
  6. انظر: محمد بنهلال، " الإع ماا الجديد ورهان تطوير الممارسة السياسية: تحليل لاتجاهات عالمية وعربية"، في: مصطفى جاري وإدريس لكريني (تنسيق)، أي دور للصحافة في التأثير على أجندة السياسات العامة؟ أعمال الندوة الدولية المنظمة من طرف مجموعة البحث حول الإدارة والسياسات العامة GRAPP(بتاريخ) 21 - 22 أكتوبر 2010، سلسلة المؤتمرات والندوات 37 (مراكش: منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، 2011)، ص.108–81
  7. يمكن ملاحظة بروز اهتمام بحثيّ في السنوات الأخيرة لا يخلو من الانبهار بقناة الجزيرة الفضائية والتحامل عليها في آن معًا. انظر: Claire-Gabrielle Talon, Al Jazeera: Liberté d'expression et pétromonarchie (Paris: Presses universitaires de France, 2011); Mohamed Zayani (ed.), The Al Jazeera Phenomenon: Critical Perspectives on New Arab Media (London: Pluto Press, 2005).
  8. نضرب مثالً لهذه الموضوعات المؤَلَّف الجماعي: الأميرة سماح فرج عبد الفتاح الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم، تحرير وتقديم عبد الإله بلقزيز [وآخرون]،، سلسلة كتب المستقبل العربي 69 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.)2013

الإعلام، بتركيزها على دورها في التنمية والسياسة الخارجية، وفي تقييم السياسات العامة، ونحو ذلك. على مستوى الكمّ والكيف (أي المنهج)، يبقى، إذًا، سؤال الإعلام، أو لِنقُل الدراسات الإعلامية، الحلقة الأضعف في البحث السياسي والاجتماعي الذي يخصّ دراسة الواقع العربي9، ولئن وُجد بحث في هذا المجال، فإنه يظل محدودًا ومقتصرًا على إشكاليات تبقى مرتبطة بسؤال الحرية على هذا النحو أو ذاك. فإن اضطلع باحث بمهمة سبر الأغوار والأصول الإبستيمولوجية للدراسات الإعلامية، مع تباين مؤلفيها وموضوعاتها وإشكالياتها، لَتبيّ له بالملموس أنها تدور حول ثنائية الإعلام والديمقراطية، وفي سؤالين اثنين: ماذا يفعل الإعلام بالديمقراطية؟ وماذا تفعل الديمقراطية بالإعلام؟ وليس من الصعب أن نجد إسقاطاتهما في الفكر والبحث العربييَن في سؤالين مماثلين: ماذا يفعل الاستبداد/ السلطوية بالإعلام؟ وماذا يفعل الإعلام بالاستبداد/ السلطوية؟ وكلاهما، كما ذكرنا، متصلان بسؤال الحرية. كثيرة هي، إذًا، الأبحاث الإعلامية التي مثّلت الحرية بأشكالها المختلفة (حرية الرأي والتعبير، وحرية الصحافة... إلخ)، عنوانها الأبرز، بحيث يمكن تلخيص توجهاتها الرئيسة في كون غياب الحرية أو محدوديتها يرجع إلى غياب الديمقراطية، أو إلى محدوديتها في الوطن العربي10. بناءً عليه، تمثّل ثلاثية الوجود والغياب والمحدودية الخط الناظم لسؤال الحرية في دراسات إعلامية متعددة11. وليس من المبالغة القول إن الدراسات الإعلامية، ولا سيما العربية منها، اتسمت بالوصف و"السرد الإعلامي"12، وظلت في موقفٍ بحثي دفاعي تابع يفتقد التجديد. ربما تصبح الحرية، من حيث هي مفهوم، عائقًا معرفيًا، كما تخبرنا بذلك إبستيمولوجيا العلوم، وفي الحصيلة، يجب على الباحث التحرّر منهجيًا من هذا العائق. لكن، كيف السبيل إلى ذلك؟

أولا: من الشعار إلى المفهوم إلى التجربة أو العكس

اتّبع عبد الله العروي في كتابه مفهوم الحرية منهجًا يحرص، كما يكتب، "على البدء بوصف الواقع المجتمعي: آخذين المفاهيم أولً كشعارات تحدد الأهداف وتنير مسار النشاط القومي. وانطلاقًا من تلك الشعارات، نتوخى الوصول إلى مفاهيم معقولة واضحة من جهة، ونلتمس من جهة ثانية حقيقة المجتمع العربي الراهن[...] رافضين البدء بمفاهيم مسبقة نحكم بها على صحة الشعارات إلى جانب تخلّينا عن لعبة تصور واقع خيالي نعتبره مثلً أعلى نقيس عليه الشعارات"13. إن المسارين المضادين ممكنان معًا، بحيث نستطيع منهجيًا أن نبدأ بالشعار، أو لِنقُل بالواقع البحثي السائد في دراسة وسائل الإعلام العربية، كما رأينا، الذي تأخذ الحرية فيه موضوع بُعدًا مميزًا؛ بحيث تكون البحث، شِعاره وغايته معًا، ثم نذهب بعدها إلى تجربتنا الشخصية التي تتطلع إلى إرساء مقاربة جديدة للفعل الإعلامي في علاقته بالحرية والسلطة. أما المسار المنهجي العكسي، أي التجربة والمفهوم والشعار، الذي سنتّبعه، فيعني أننا ننطلق من تجربة تاريخية معيّنة (مجلة لوجورنال موضوع البحث)، لنمرّ بعد ذلك نحو طرح مفاهيم مبتكَرة، كما سنرى في ما بعد، لكي نصل أخيرًا إلى الشعار/ العنوان: "التحرّر من الحرية"، الذي يمرّ، بدوره، عبر تحرّرٍ ثانٍ، هو "التحرّر الإبستيمي - المنهجي"14. وحتى لا يبقى "التحرّر من الحرية" و"التحرّر الإبستيمي - المنهجي" شعارين شفويين فحسب، لا بد من نحت فعلي وإرساء لتلك المقاربة وفق منهج تكاملي مركّب نسمّيه "سوسيوأنثروبولوجيا تاريخية للصحافة السياسية." لا منهج من دون سياق، ولا منهج من دون تجربة. إذا كانت تجربة لوجورنال هي المُنطلق، فإن المنتهى، في البحث، لا حدود له، ومحاولتنا البحثية، تتوخى الغوص في بعض المُمكنات المنهجية والمفاهيمية فقط. وإذا كانت لوجورنال هي النموذج المأخوذ، فإن الورقة تسعى لذكر عدد من التجارب الإعلامية المغربية والعربية التي رأت النور قبل نشأة هذه المجلة وبعدها؛ فالمجلة تمثّل في سياقيها السياسي والإعلامي تجربة فريدة في المشهد الإعلامي المغربي والعربي. وقد أسّسها ثلة من الشباب الاقتصاديين الطموحين في عام 1997، قبيل بدء تجربة حكومة التناوب التوافقي التي قادها المعارض السابق

  1. لتأكيد ذلك، يكفي، على سبيل المثال، الاطلاع على عدد الدراسات الإعلامية، مقارنة بزخم الإصدارات في الدراسات الإقليمية والإستراتيجية في عام 2017، على موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. انظر الموقع الإلكتروني: www.dohainstitute.org، وعددها اثنان فقط.
  2. نضرب أمثلة لذلك: فضل طلال‬ العامري، 10 حرية الإعلام في الوطن العربي في ظل غياب الديمقراطية (القاهرة: دار هلا للنشر والتوزيع، 2011)؛ عبد الحافظ‬ أدمينو، "حرية الصحافة المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، مج وحدودها"، 46، العددان 84 - 85 (كانون الثاني/ يناير - نيسان/ أبريل 2009)، ص 159 - .168
  3. انظر: سليمان جازع الشمري، دراسات في الحرية الإعلامية (القاهرة: مكتبة مدبولي، 2012)؛ محمد الإمام ماء العينين [وآخرون]، حالة حرية الصحافة والإعلام بالبلدان المغاربية غداة ثورات الربيع العربي، سلسلة التقارير المغاربية 3 (وجدة: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2013)؛ Khadija Mohsen-Finan (dir.), Les Médias en Méditerranée: Nouveaux médias, monde arabe et relations internationales (Arles: Actes Sud; Aix-en-Provence:
  4. كما كان السرد التاريخي الحدثي للوقائع محل نقد عند منظري مدرسة "التاريخ
  5. MMSH; Alger: Barzakh, 2009).
  6. الجديد" وأتباعهم، انظر: وجيه كوثراني، تايخ التأريخ: اتجاهات – مدارس – مناهج (الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ص.5 13 عبد الله العروي، مفهوم الحرية، ط 5 (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2012)، ص.5 14 يتساءل العروي: أليس الأنسب هو أن نبدأ بالتجربة ثم نرتقي منها إلى المفهوم، وننهي التحليل بالشعار؟ انظر: المرجع نفسه، ص.9

للملك الحسن الثاني، الوزير الأول الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي في عام 1998 15. وجب الربط هنا بين سياق نشأة هذه الأسبوعية المستقلة الناطقة باللغة الفرنسية والسياق السياسي المغربي، في تسعينيات القرن الماضي، التي شهدت انفتاحًا ليبراليًا نسبيًا مثَّلت الحرية بمختلف تجلياتها سمتها الأساسية، بحيث أُفرج عن المعتقلين السياسيين، وسُ مح لمنظمات المجتمع المدني بممارسة نشاطاتها، كما اتّخذ الخطاب السياسي والإعلامي بشأن حقوق الإنسان طابعًا جديدًا. بطبيعة الحال، لا يمكن إغفال العوامل الخارجية التي كان لها دور بارز في هذا الانفتاح، نذكر منها تباعًا: سقوط جدار برلين؛ وصدور كتاب صديقنا الملك الذي قدّم فيه مؤلِّفه الصحافي الفرنسي جيل بيرو نقدًا لاذعًا لوضعية حقوق الإنسان في المغرب وللسجون السرية، وخاصة معتقل تازمامرت الشهير16، وتقرير البنك الدولي في عام 1995 الذي جعل الملك الحسن الثاني يعلن في خطاب رسمي احتمال حدوث "سكتة قلبية" على المستوى الاقتصادي. عدّ كثير من الملاحظين أن النظام الملكي كان في حاجة إلى صحافة "مستقلة" تُلمّع صورته على المستوى الداخلي، تجاه نُخبه من جهة، وعلى المستوى الخارجي، تجاه شركائه الأوروبيين من جهة أخرى. وبناءً عليه، حظيت تجربة لوجورنال على نحو خاص بمباركة رمزية من القصر الملكي، فقد كان الملك الحسن الثاني ينظر إليها باعتبارها نموذجًا يجب أن تحتذيه الصحف والوسائل الإعلامية الأخرى. تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن تجارب إعلامية متنوعة ظهرت في التسعينيات اتخذت شكل مقاولات إعلامية في إطار تشجيع الدولة للقطاع الخاص من جهة، وسياسة القصر الملكي الذي كان يهدف إلى إضعاف تأثير الأحزاب الوطنية التقليدية عبر إضعافِ صُحفها (الاتحاد الاشتراكي، و العَلم، و ليبراسيون،... إلخ) من جهة أخرى17. نذكر هنا، على سبيل المثال لا الحصر: القناة الإذاعية "ميدي 1" التي استقرت في طنجة منذ عام 1981 ليكونوميست، ويوميات 1991()، و الصباح و الأحداث المغربية 1998()، وأسبوعيات ماروك إيبدو 1993(لاغازيت دي ماروك)، و 1997()... إلخ18. رغم كل ما قيل آنفًا، فإن لوجورنال اعتمدت خطًا تحريريًا نقديًا جعلها تعالج عددًا من التابوهات (سنوات الرصاص، والمَلكية، والحكامة، وحقوق الإنسان، وحرية التعبير... إلخ) بطريقة جريئة ومجددة19. وقد جعلها هذا التوجه التحريري في مواجهة مباشرة مع السلطة عبر محطات عدة قادتها إلى المنع وإلى تعريضها لمحاكمات ومضايقات ومقاطعة المُعلنين لها، وأخيرًا، عجّلت في قيام السلطات بإقفالها في عام 2010 بمبرّر سوء تدبيرها وعدم أدائها المستحقات الاجتماعية للعاملين فيها، وهو في الحقيقة أمر واقع باعتراف مؤسسيها.

إذا كانت الحرية والاستقلالية تعطيان عمل الصحافيين معنى، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الباحثين، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف لنا أن نتحرّر من الحرية؟ أو بتعبير أدق: كيف للباحث أن يتحرّر إبستيمولوجيًا ومنهجيًا من قراءة مهيمنة في العلوم الإنسانية والاجتماعية في موضوع وسائل الإعلام العربية التي غالبًا ما تُدرس من زوايا حرية التعبير والصحافة والرقابة والتنوع الثقافي من جهة، أو في علاقتهم بالانتقال الديمقراطي في الأقطار العربية من جهة أخرى؟ وكيف للباحث أن يمارس قطائع متعددة مع خطاب الفاعلين والباحثين معًا؟ وكيف له أن يمارس قطيعة مع علم اجتماعي نقدي

  1. مثّلت تجربة اليومية الإسبانية 15 إلباييس El Pais التي أُسست في السبعينيات من لوجورنال القرن الماضي، لمواكبة الانتقال الديمقراطي في إسبانيا، نموذجًا بالنسبة إلى مؤسسي، وهُم حسن المنصوري، وعلي عمار، وأبو بكر الجامعي.
  2. انظر: جيل بيرو، صديقنا الملك، ترجمة ميشيل خوري (عمان: دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع،.)2002
  3. Mohammed El Ayadi & Hassan Rachik (eds.), Presse écrite et transition. انظر مثل: Suivi d'une étude sur Le Journal hebdomadaire, année 2005‬ , Les cahiers bleus 5 (Salé: Cercle d'analyse politique, 2006), p. 12.
  4. انظر: حسين مجدوبي، "الصحافة المستقلة في المغرب: النشأة، الخطاب ومعيقات وجهة نظر التطور 2004-2000(، العددان ")، 44 - 45 (ربيع – صيف 2010)، ص 31 - .34
  5. تناول عدد من المواقع الإلكترونية والصحفية، عبر سنوات، تاريخ المجلة وصراعاتها، Youssef Chmirou, "Je ne suis plus recherché par le F.B.I.," Maghress, 26/7/2004, accessed on 17/5/2019, at: http://bit.ly/2WwiVYu

فرنسي وغربي عالج الإعلام ووسائطه وفاعليه بطريقة تشكيكية تُدين غالبًا عمل الصحافيين وتُشكّك في نياتهم؟ كيف يمكن، إذًا، للباحث في علوم الإنسان التجرّد من خطابات ومن قراءات تقليدية نمطية لعلاقة الصحافة بالحرية وبالسلطة؟ هذه هي الأسئلة الجوهرية التي انبثق منها البحث. وتتمثل المقاربة المفاهيمية الجديدة التي نقترحها ببلورة مفاهيم، من قبيل "حُسن الفهم" و"سوء الفهم." إن التنظير لسلطة الإعلام عبر مفاهيم الكفاءة والاستقلالية والقيادة، داخل إطار أدبيات العلوم السياسية وسوسيولوجيا وأنثروبولوجيا الإعلام، يمثّل من منظورنا أفضل جواب عن الأسئلة السابقة، بحيث يستحق أن يكون موضع تساؤل نقدي، مَثلُه في ذلك مَثل المناهج والعلوم الاجتماعية والإنسانية التي تنبثق من صُلبها الأسئلة التي نحاول تجاوزها. ولا يخفى على أحد أنّ بلورة مفاهيم، أو نظريات تتُرجم الواقع السياسي والاجتماعي اعتمادًا على وسائل وتقنيات بحثية هي عين المنهج وغايته. تتجلى الفرضية الأساسية في كون التحرّر الإبستيمي - المنهجي يعطي نوعًا من الابتعادية Distanciation-Detachment تجاه قراءة مهيمنة للحرية يعتمدها الفاعلون المستجيبون (الصحافيون) ويرسّخها باحثون في أبحاث أجنبية وعربية تقع ضمن اهتمام دراسة وسائل الإعلام العربية. لوجورنال في نهاية عام بدأنا البحث في تاريخ 2010؛ أي بعد أن أقفلتها السلطات المغربية. لهذا السبب، تعذّر علينا استعمال تقنية الملاحَظة المشاركة التي كان من المفترض أن تضعنا في قلب حياة المقاولة الإعلامية وإكراهاتها وعمل صحافييها. لتجاوز هذا العائق المنهجي، اعتمدنا، بدلً من ذلك، على أرشيف لوجورنال، إضافة إلى مقابلات كثيرة شبه مُوجّهة أجريناها مع مؤسسي المجلة وصحافييها، ومع صحافيين من منابر إعلامية أخرى، وطنية وأجنبية، ومع مناضلين وجامعيين، ومع وزراء اتصال سابقين في الحكومات المغربية المتعاقبة20، ووظّفنا وثائق وإحصاءات ومراسلات ومواقع رقمية21. وبما أن البحث ينهل من علوم اجتماعية وإنسانية مختلفة عابرة للتخصصات، أعطينا مقاربة البحث تسمية "سوسيوأنثروبولوجيا تاريخية للصحافة السياسية"، وهو ما تتوخى الدراسة التركيز عليه، بسعيها للتوفيق بين دراسة المحيط الخارجي للمجلة (علاقة مؤسسيها بالسلطة) ومحيطها الداخلي (بالتنقيب في عمل الصحافيين داخل المؤسسة الإعلامية.) ويتم ربط هذا وذاك بدراسة سؤال سلطة الإعلام عمومًا، وسلطة أسبوعية لوجورنال خصوصًا. وإن استطعنا الإشارة إلى بعض المفاهيم التي تدخل في قلب المقاربة المتّبعة، فلن يكون بمقدورنا التعمق فيها، نظرًا إلى ضيق المُتّسع، لكننا سنسعى، في المقابل، لبلورة إشكالية سلطة الإعلام وماهيتها، والمفاهيم التي طوّرناها في هذا الصدد، مع التركيز على مفهوم الاستقلالية لارتباطه الوثيق بمفهوم الحرية.

ثانيًا: سوسيوأنثروبولوجيا تاريخية للصحافة السياسية

مثَّل لغز تدهور العلاقات الاجتماعية التي ربطت مؤسسّي المجلة ببعض المُقرَّبين من المحيط المَلكي (مستشاري الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس)، في السياق السياسي المذكور سالفًا، اللغز البحثي الأولّي. وإذا كان تدهور العلاقات الإنسانية ظاهرة اجتماعية يُ كن ملاحظة ملامحها في ميادين عدة (بين الأزواج، والأصدقاء، والموظفين ورؤسائهم... إلخ)، فإنه يشير، في موضوعنا، إلى العلاقات الملتبِسة التي تجمع الصحافيين من جهة والسياسيين من جهة أخرى. يكتب أحمد قرّان الزهراني: "العلاقة بين الإعلام والسلطة، تحمل دائمًا سِمةً إشكالية، يطغى الصراع عليها في معظم الأحيان، ويسود التساكُنُ في أحيان أخرى، وذلك بحسب طبيعة النظام السياسي الذي تتحرك فيه السلطة، وبحسب تفاعل الإعلام معها على المستويَيْ المعروفين في الحياة الإعلامية: النقل والنقد"22. دفعتنا الاكتشافات، التي يُفترض أن تُرافق مسلسل البحث الطويل، إلى التعبير عن هذا التدهور العلائقي بمفهومين، عوض السرد التاريخي لوقائعه وحيثياته23، بحيث إن التحدي الإبستيمولوجي، إن صحّ القول، الذي حفزنا في هذا العمل المرتبط بالإعلام، ينبع من التساؤل الآتي: كيف للباحث في علمَي السياسة والاجتماع أن يُعيد بناء التاريخ، ليس، فقط، بسرده ما وقع من أحداث، وإنما أيضًا بمنهج يجعله يروي ما وقع اعتمادًا على مفاهيم متكاملة يشدّ بعضها بعضًا؟ في دراستنا للمحيط الخارجي، وفي مقابل مفهوم "سوء الفهم" Malentendu, Misunderstanding الفيلسوف طوّره الذي،

  1. وزراء الاتصال هم: خالد الناصري، وإدريس العلوي المدغري، ومحمد العربي المساري.
  2. للمزيد حول مبيعات لوجورنال خلال الفترة 1999 - 2000، انظر: عبد الفتاح بنشنَّة
  3. انظر: أحمد قران الزهراني، السلطة السياسية والإعلام في الوطن العربي، سلسلة أطروحات الدكتوراه 113 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2015)، ص 45. ويستعرض المؤلف، هنا، التجربة الإعلامية السعودية. 23 نشر أحد مؤسسي لوجورنال كتابًا تناول فيه بداية هذه التجربة ونهايتها، وتطرّق إلى وهم الانتقال الديمقراطي وخيبته في المغرب في عهد الملك محمد السادس، انظر: Ali Amar, Mohammed VI: Le Grand malentendu (Paris: Calmann-Lévy, 2009).
  4. وإدريس كسيكس ودومينيك ماركيتي، "حالة الصحافة الورقية والإلكترونية في المغرب: دراسات إعلامية اقتصاد سياسي بامتياز"، مركز الجزيرة للدراسات،، 2019/2/20، شوهد في 2019/5/30، في http://bit.ly/2WgqOlx:

الفرنسي، جانكيليفتش24، نحتَنا مفهوم "حُسن الفهم " Bien-Entendu, Understanding، الذي نرى أنه يمكن أن يُعبّ عن بدايات نجاح تجربة لوجورنال وتطورها بوصفها مشروع ابتكار في نهاية تسعينيات القرن العشرين المتّسِم بالانفتاح السياسي، علاوة على أن ما يفسّ نجاح هذه التجربة، إلى حد ما، هو نشأتها في المكان والزمان المناسبين مع الأشخاص المناسبين، وهو ما يُ يّز الابتكار بحسب الباحثين الاجتماعيين من أهل الاختصاص25. في المقابل، يرمز سوء الفهم إلى تدهور وضع المجلة وعلاقات مؤسسيها ببعض رموز السلطة السياسية، في مرحلة لاحقة، اتخذت فيها السلطة، منذ عام 2000، مجموعة من الإجراءات الزجرية تجاهها. المُراد بسوء الفهم اختلاف المعاني والدلالات التي يُعطيها الصحافيون والسياسيون ل "الانتقال الديمقراطي" في المغرب الأقصى، وللدور المُفترض أن تؤديه الصحافة المستقلة في سياقات مماثلة. ويرمز سوء الفهم، أيضًا، إلى المعاني التي تعنيها حرية التعبير والصحافة للطرفين، وبناء عليه، إلى حدود الحرية المتنازَع فيها. أما دراسة المحيط الداخلي، فتهدف إلى الغوص في سيِر الصحافيين الذين أُتيحت لهم فرصة العمل في مجلة لوجورنال ومساراتهم، سعيًا منا لتجاوز غياب/ تغييب دور الصحافيين بوصفهم مُنتجين للفعل الإعلامي في أبحاث عدة. وجّهت، في هذا الجزء من البحث، ثلاثة أسئلة محورية، يمكن تلخيص عناوينها على النحو الآتي: ما الذي دفع الصحافيين المستجيبين إلى دخول هذه المجلة/ التجربة، والبقاء فيها، ثم الخروج منها؟ وفي الحصيلة، يكتسي الالتزام وفك الالتزام أسئلة محورية في هذا البحث. أخيرًا، رغم وجود دراسات وأبحاث متنوعة تتناول الإعلام والصحافة من جهة أنهما "سلطة رابعة" أو "سلطة مضادة"، أو تتساءل عن مدى امتلاك الصحافيين سلطة حقيقية، فإن هذا البحث يهدف إلى إحلال مقاربة مفاهيمية جديدة لسلطة الإعلام؛ بحيث ننظر إلى السلطة بوصفها جملة من الإستراتيجيات والعلاقات بين الأفراد، على طريقة ميشيل فوكو، لا بوصفها شيئًا قائمًا بذاته26. في هذا الإطار، أصاب عالِم الاجتماع إريك نوفو بحدسه القائل إن سلطة الإعلام والصحافيين تنطوي على شبكة مترابطة Interdépendant Réseau من الفاعلين يدعم بعضُ هم بعضًا، إلا أنه لم يذهب أبعد من ذلك، فلم يصل إلى إطار تنظيري ومفاهيمي لسلطة تأثير الإعلام، بل اكتفى في كتاباته بسرد وتعداد لحالات ووقائع تاريخية محددة، تُظهر بعضًا من أوجه تلك السلطة27.

من جهتنا، نقترح ما مفاده أن سلطة الإع ماا تتبلور في إطار شبكة مترابطة من المفاهيم يدعم بعضها بعضًا: الكفاءة، والاستقلالية، والقيادة. عادة ما تُعرّف الكفاءة بأنها "تمكّنٌ من منطقِ فضاء/ قطاع مُعيّ"؛ فنقول، مثلً، إن الكفاءة السياسية هي التمكّن من منطق الحقل السياسي، وإن الكفاءة الاقتصادية هي التمكّن من منطق الاقتصاد، وإن الكفاءة الإعلامية هي التمكّن من منطق الفضاء الإعلامي، وهكذا دواليك. ماذا لو نظرنا إلى الكفاءة بطريقة مختلفة، معتبرين إياها سلطة، أو بتعبير أدق "سلطة/ قدرة تأقلمية مع الأوضاع/ الحالات الجديدة"28، اعتمادًا على تعريف قدّمه باحثان في علوم التربية بخصوص المساحات المتاحة للمربيّن وللأساتذة أثناء عملهم التعليمي اليومي؟ قياسًا بهذا، سنعتبر الكفاءة الصحافية سلطة تقديرية وتأقلمية يمارسها الصحافيون في حالات محددة، على نحو يجعلهم يلمَسون الهوامش المتاحة لهم، في إطار عملهم المهني، تجاه مصادر أخبارهم29. تشمل هذه السلطة أربعة أنواع من السلطات

  1. Vladimir Jankélévitch, Le Je-ne-sais-quoi et le presque-rien , vol. 2: La Méconnaissance, le malentendu (Paris: Éditions du Seuil, 1980).
  2. في مسألة الابتكار، انظر: Madeleine Akrich, Michel Callon & Bruno Latour, "A quoi tient le succès des innovations, Premier épisode: L'Art de l'intéressement," Annales des Mines , no. 11 (Juin 1988), Serie: Gérer et Comprendre, pp. 4‑17.
  3. 29 نبني الأطروحة انطلاقًا من تجربة صحافيَيّن مختصيَن في مجال المال والأعمال تجاه نخب اقتصادية نافذة، يصعب في هذا الصدد تقديم حيثياتها وتفصيلاتها.
  4. Erik Neveu, Sociologie du journalisme (Paris: La Découverte, 2004), p. 92. ومقاله الأخير في الموضوع نفسه: Erik Neveu, "Quel pouvoir des médias?" in: Jean-Vincent Holeindre (dir.), Le Pouvoir. Concepts, Lieux, Dynamiques (Auxerre: Éditions Sciences Humaines, 2014), pp. 214 - 222.
  5. Domenico Masciotra & Fidèle Medzo, "La Compétence comme pouvoir adaptatif aux situations nouvelles," Document produit pour le ministère de l'Education du Québec dans le cadre de la réforme de l'éducation des adultes, Université du Québec à Montréal (UQAM), Montréal, 2006, pp. 1 - 17.
  6. 26  Céline Spector, Le Pouvoir , Anthologie de textes philosophiques introduits et présentés (Paris: Flammarion, 1997), pp. 68 - 73.

أو القدرات: السلطة على إنشاء الوضعية، والسلطة على التموقع في الوضعية، والسلطة على تغيير الوضعية لمصلحة الفاعل، والسلطة على التفكير عكسيًا وبنوع من الابتعادية في الوضعية المعيشة. أما في موضوع الاستقلالية، فإن أقررنا بأنها تضفي معنى على عمل الصحافيين ووسائل الإعلام عمومًا، فمِنَ اللازم القول إن الاستقلالية تُ ثّل في ذاتها صفة Label ربما تمنحهم دعمً رمزيًا ومعنويًا إلى حد ما. وتأخذ الكفاءة الصحافية والاستقلالية قوة وتأثيرًا خاصين حين تُربطان بمفهوم القيادة Leadership لمديري الوسائل الإعلامية الذين يتمتع بعضهم بكاريزما وشخصية متميزة تمكنانهم من إبراز صحفهم على المستويين الداخلي والخارجي وإظهارها في منابر وطنية وأجنبية، وهي مسألة تَنبّه إليها ماكس فيبر في عام 1910 في مشروع بحثه عن سوسيولوجيا الصحافة حين تساءل: من يصنع صيت الصحافة والصحف حتى تصير مؤثرة؟ ومن الإعلاميون الذين تروقهم الشهرة؟ ولماذا؟30 إن التنقيب في السيرة الذاتية لكاتب افتتاحيات مجلة لوجورنال ومدير نشرها هو الحالة المدروسة هنا. وقد صيغ النموذج، المتعلق بماهية سلطة الإعلام وكيف تتركب أجزاؤها، اعتمادًا على تجربة هذه المجلة. سوف نركز في السطور التالية على الاستقلالية، لارتباطها، كما ذكرنا، بمفهوم الحرية، وسنُشير في ما بعد إلى صلة الاستقلالية بمفهومَي الكفاءة والقيادة.

ثًالث ا: في التحرّر المنهجي من الاستقلالية: ما معنى أن تكون "مستقلا "

صارت كلمة "الاستقلالية" مرتبطة بميادين وقطاعات شتى، حتى أضحى من الممكن، بسبب تكرار استعمالها، وصفها بالظاهرة: صرنا نسمع تارة عن مؤسسة أو منظمة مستقلة أو خبراء مستقلين، ونسمع تارة أخرى عن أعضاء مستقلين في المجالس الإدارية للشركات، وعن مركز أبحاث مستقل، وبطبيعة الحال، عن صحف وصحافة مستقلتين. تُعرّفُ الاستقلالية في القانون وعلم النفس بكونها: "وضعية فرد، أو جماعة، أو وطن يتميزون بعدم خضوعهم لأي قوة خارجية كيفما كانت"31. من جهته، يرى طه عبد الرحمن أن الاستقلالية تعني التحرّر من وصاية السلطة، خارجيةً كانت أو داخليةً32. في موضوع الإعلام، يدعو بيير بورديو الصحافيين والمؤسسات الإعلامية إلى الكف عن انصياعهم لمنطق السوق، أو الرضوخ لمجموعات صناعية ومالية كبرى، ويقترح عليهم، بدلً من ذلك، أن يُح لوا دعم الدولة ومساعدتها لهم محلّ عائدات الإعلانات، غافلً، بطرح كهذا، عن أننا لن نقوم إلا باستبدال التبعية للسوق بتبعية للدولة33. وقد اتّبعت دراسات كثيرة منحى بورديو بتعبيرها تارة عن استحالة استقلالية الحقل الصحافي بسبب خضوعه للحقلين السياسي والاقتصادي34، وتارة أخرى بوضع تصنيفات لمستويات صِ دقيّة الاستقلالية أوردتها بعض الأبحاث بتعبيراتٍ مثل: "الصحافة المستقلة حقيقة" و"الصحافة المستقلة شُبهة"35. انطلاقًا من موضوعنا، نقترح في ما يلي تصنيفًا لمفهوم الاستقلالية اعتمادًا على المقابلات التي أجريناها، والتي تبيّ وجود ثلاثة أصناف: الاستقلالية السياسية: إن ما يُ يّز الصحف الحزبية هو ارتباطها بأحزابها السياسية التقليدية، وبأيديولوجياتها وتوجهاتها ونُخبها. وتتموقع الصحف المستقلة، نظريًا على الأقل، على النقيض من ذلك؛ إذ إن ما يُ يّزها هو عدم ارتباطها بأجندات الأحزاب والحركات السياسية عمومًا، وإن أظهرت في بعض الأوقات نوعًا من التعاطف مع بعضها، كما هي حال لوجورنال مع رموز أحزاب يسارية راديكالية نحو ح زبي النهج الديمقراطي، واليسار الاشتراكي الموّحد. الاستقلالية الاقتصادية والمالية: إذا كانت الصحف الحزبية تموَّل من عائدات الأحزاب السياسية، فإن الصحف المستقلة يموّلها، عادةً، الشركاء المؤسسون للمقاولة الإعلامية. وكانت هذه حال لوجورنال وفق شهادات صحافييها، بحيث لم تكن المجلة تخضع لإملاءات جهات مانحة، كالمجموعات المالية الكبرى، وكان القسم التحريري فيها مستقلً عن القسم التجاري، وفي الحصيلة، غير

  1. Gilles Bastin, "La Presse au miroir du capitalisme moderne. Un projet d'enquête de Max Weber sur les journaux et le journalisme," Réseaux , vol. 5, no. 109 (2001), p. 207.
  2. Madeleine Grawitz, Lexique des sciences sociales , 8 ème éd. (Paris: Dalloz, 2004), p. 220.
  3. عبد الرحمن طه، روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية (الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي، 2006)، ص 26،.273
  4. يجب ألا ننسى أن منطق بورديو يُفهَم داخل منظومته التاريخية والفكرية، أي في إطار أنظمة أوروبية ديمقراطية توزع، مبدئيًا، دعمً على نحو شفاف وعادل بين المؤسسات الإعلامية. انظر: Pierre Bourdieu, "L'emprise du journalisme," Actes de la recherche en sciences sociales , vol. 101 - 102 (Mars 1994), p. 5.
  5. Patrick Champagne, "La double dépendance: Quelques remarques sur les rapports entre les champs politique, économique et journalistique," Hermès , no. 17 - 18 (1995), p. 218.
  6. الصحافة المستقلة شُبهة" ترتبط، بحسب واضع التصنيف، بالسلطة السياسية والاقتصادية، أي بالجهات الرسمية، لكن على نحو غير واضح، انظر: Enrique Klaus, "La presse non partisane marocaine: Enjeux de professionnalisation et d'autonomisation," sous la direction de Vincent Geisser, mémoire du diplôme d'études approfondies: Science politique comparative, option monde arabe et musulman, Institut d'études politiques, Aix-en-Provence, 2003.

خاضعٍ لشروط المُعلِنين. مثَّل هذا الأمر في رأيهم شيئًا مفصليًا، إذا علِمنا اليوم أن القسط الأكبر من العائدات المالية لوسائل الإعلام المستقلة يتأتى من الإشهار لا من مداخيل المبيعات التي تمثّل جزءًا يسيرًا منها لا أكثر. الاستقلالية التحريرية: يحيل هذا الصنف من الاستقلالية إلى حرية التعبير وحرية عمل الصحافيين داخل المقاولة الإعلامية، كما يحيل إلى انعدام الرقابة داخلها. ويظل الصحافيون أحرارًا في اختيار الموضوعات والمقاربة من جهة، وتمثِّل اللقاءات اليومية أو الأسبوعية لأعضاء هيئة التحرير فضاءً حرًا لتبادل الآراء ووجهات النظر من جهة ثانية، بعيدًا عن أي قيود أو وصاية يفرضها مديرو التحرير. تجدر الإشارة إلى أن هذه الاستقلالية التحريرية هي من بين العوامل التي دفعت كثيرين من صحافيي المجلة إلى البقاء داخلها أطول وقت ممكن، وعيًا منهم بأن الحرية المتاحة داخل لوجورنال غير متوافرة في التجارب الإعلامية التي مرّوا بها. نقدّم هنا بعض الشهادات الصحافية التي تُعزز ما سبق ذكره: "في أثناء اجتماعات هيئة التحرير، كنا نُقدم مواضيعنا لمناقشتها، لم يكن أحد يتدخل ليقول لنا لا تتناولوا هذا الموضوع أو لا تكتبوا هذا الشيء أو ذاك. كنا مستقلين حقًا. لم يحدث أن تدخّل الشركاء المساهمون فيما كنا نكتبه، لقد أفسحوا لنا المجال لنشر أشياء ما كان لآخرين أن يسمحوا لنا بنشرها. لم نكن مرتبطين بمجوعة اقتصادية كبرى، بحزب أو بجمعية ما. كان لدينا حقًا شعور بالاستقلالية"36. تُحيط بالاستقلالية اليوم هالة من التقديس لدرجة جعلت بعض الباحثين يعتبرون أنها صارت، بالنسبة إلى الصحافيين، في منزلة "الأيديولوجيا المهنية"37. وما ابتغيناه من الحفريات في سؤال الاستقلالية هو ملاحظة ما يربط (الروابط) بينها وبين سلطة تأثير الإعلام. ومن ثمَّ، لا نسعى منهجيًا لقياس، إن استطعنا إلى ذلك سبيلً، مدى استقلالية لوجورنال أو مدى ارتباطها بجهات ما مقارنةً بمدى استقلالية، أو ارتباط، صحف ووسائل إعلامية منافسة لها. أن تكون لوجورنال أو أي صحيفة أخرى مستقلة أو لا تكون، أو أن تَدّعي ذلك، فهذا لا يُقدّم شيئًا في موضوع البحث ولا يؤخره؛ بمعنى أن الإجابة بنعم أو بلا عن سؤال الاستقلالية لا تفيد تساؤلات الباحث، فهل نستطيع إذًا، أن نُسائل الاستقلالية بطريقة مختلفة ومبتكرة؟ ماذا لو تساءلنا على النحو الآتي: فيم تُفيد صفة (إيتكيت) الاستقلالية؟ وما معنى أن تكون "مستقلً "؟ أن تكون مستقلً، فهذا يعني أن تكون حُرًا إلى حد ما؛ يكفي لتأكيد ذلك أن نشير إلى أنه غالبًا ما تُنعت الصحافة المستقلة بأنها صحافة حرة38؛ فأن تكون جريدة مستقلة فهذا يعني أنك تختلف اختلافًا شديدًا عن الصحافة الحزبية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأحزاب والتكتلات السياسية من جهة، ويعني من جهة أخرى أنك تختلف مع الصحافة الاقتصادية المرتبطة بمجموعات اقتصادية أو بجهات مانحة، كيفما كانت، تمنحها دعمً ماليًا. أن تكون مستقلً إلى حد ما أو أن تدّعي ذلك، فهذا يعني أن "الآخرين" غير ذلك، أي إنهم "خاضعون" و"مرتبطون" تجاه جهات (أشخاص، ومؤسسات) معيّنة كيفما كانت. في هذا السياق، يخبرنا هاورد بيكر أن صفة "فنان" أو "عالِم" أو "باحث" تُ كّن أصحابها من تلقّي أصناف من الدعم المادي والرمزي، ومن المشاركة في ملتقيات، والدخول إلى فضاءات لم يكن ليتسنّى لمن لا يملكون هذه الصفة التمتع بها39. من جهة أخرى، إن ما يميّز صفة الاستقلالية ويزيد من قوتها الرمزية هو تداولها الدوراني بين مؤسسات تصِ ف نفسها بالاستقلالية وتصف الآخرين (المؤسسات، والصحف، والأفراد... إلخ) بذلك، بمعنى أن من شروط الاستقلالية، المسكوت عنها، هو هذا التداول الدوراني المتعدد الأطراف والأبعاد، الذي يُشبه إلى حدٍ ما نظرية التبادل عند مارسل موس40. لاحظنا هذا في تجربتنا، فقد كانت أسبوعية لوجورنال تُقدم هيئاتٍ وصحفًا على أنها مستقلة، وفي المقابل، كانت هذه المؤسسات تصف لوجورنال بأنها صحيفة مستقلة، معتبرة إياها من بين الصحف المستقلة النادرة في الوطن العربي41. تمكنّت لوجورنال من الفوز بكثير من الجوائز العالمية في مجالَ حرية التعبير والصحافة في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. وكانت "جائزة جبران تويني لحرية الصحافة" التي تلقّتها من الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأنباء WAN-IFRA في عام 2010 آخر جائزة

  1. أحمد وبشرى (أس ءاا مستعارة لصحافيين)، مقابلات شخصية، الدار البيضاء،
  2. Ivan Chupin & Jérémie Nollet, "Jalons pour une sociologie historique
  3. مجدوبي، ص.31
  4. Howard Saul Becker, Outsiders: Etudes de sociologie de la déviance , J. P. Briand & J. M. Chapoulie (trad.), préf. de J. M. Chapoulie (Paris: Editions Métailié, 1985), p. 243. 40 يستطيع الباحث أن يُبيّ، ويُقرّ هذا التداول الدوراني لصفة الاستقلالية (أو لصفات دورانها بين أصحابها أخرى)، لكن يستحيل عليه عمليًا تبيان كيفية. 41 انظر، مثلً، تقارير منظمة "مراسلون بلا حدود" ودعمها للصحافة المستقلة، ومقالات لأكاديميين ومثقفين مغاربة (مثل محمد الساسي ونجيب أقصبي) وأجانب يُعبّ ون فيها عن لوجورنال، العدد دعمهم للمجلة، انظر: 229 2005/11/11-5()؛ العدد 243.)2006/2/24-18(
  5. آذار/ مارس.2011
  6. des interdépendances du journalisme à d'autres univers sociaux," in: Ivan Chupin & Jérémie Nollet (dir.), Journalisme et dépendances (Paris: Editions L'Harmattan, 2006), p. 15.

تفوز بها، تقديرًا من القيّمين على الجائزة لاستقلالية المجلة وشجاعة مسؤوليها وصحافييها42. ونشير في هذا الإطار إلى أن الجائزة تُ نح لإعلاميين وناشري صحف، يُوافق عملهم روح القيم التي جسّدها الإعلامي اللبناني جبران تويني (الذي اغتيل في عام 2005) والمتمثّلة في التشبث بحرية الصحافة والشجاعة وروح القيادة والطموح والكفاءة الإدارية العالية والمهنية الرفيعة المستوى43. يحيلنا هذا إلى المستوى الثالث والأخير من مستويات القوة الرمزية للاستقلالية، وهو وجوب اتصالها وتكاملها Interdépendance مع مفاهيم أخرى تُكسبها، كما ذكرنا، تأثيرًا أقوى: الكفاءة الصحافية والقيادة الإعلامية. ربما يتساءل أحدهم عن المقاربة المتّبعة عن الرابط بين المحيط الخارجي (حُسن الفهم وسوء الفهم) والمحيط الداخلي (الالتزام وفك الالتزام)، وعلاقة هذا وذاك بمفاهيم الكفاءة والقيادة والاستقلالية التي تُؤسس لسلطة الإعلام نظريًا وعمليًا. على مستوى المنهج، نعي ضرورة الوصل، بدلً من الفصل، بين العلوم الإنسانية والمفاهيم النظرية والمحاور البحثية المعبّة عنها، بحيث ترتبط، من منظورنا، ارتباطًا شديدًا، من بعض أوجهه: يفيدنا المحيط الخارجي في فهم تقلبات المحيط الداخلي، إذ إن تدهور الأول (المحيط الخارجي) بسبب مضايقات السلطة ومقاطعة المُعلنين يشرح تدهور الثاني (المحيط الداخلي)، وكون هذا يؤثر في عمل الصحافيين داخل الجريدة، وربما يدفع بعضهم إلى ترك العمل والخروج من المؤسسة. من جهة أخرى، فإن "الاستقلالية" سلاح ذو حدين، إذ يدافع الصحافيون، تحت رايتها، عن حريتهم وخط تحريرهم وطريقة عملهم، لكن الاستقلالية تستطيع، في الوقت نفسه، أن تستجرّ متاعب لهم حين يرفضون باسمها الانصياع للسلطة الحاكمة، بُغية متابعة عملهم بشجاعة ومهنية. وتُ كّنهم "كفاءتهم"، إذًا، من تفكيك آليات اشتغال السلطة و"ميكانيزمات"44 الهيمنة الاقتصادية (ما أثار استياء القصر هو المتابعة التقنية الدقيقة التي قامت بها مجلة لوجورنال على مدى سنوات لحيثيات التدبير المالي، وللتداول في بورصة القيم للمقاولات التابعة للمؤسسة الملكية.) في المقابل، حين يفكك صحافيون أكفاء آليات الهيمنة، تتخذ السلطة حينها إجراءات قمعية ضدهم وضد الصحف المستقلة التي يعملون فيها. يرجعنا هذا مرة أخرى، في حركة دوران، إلى التأثير السلبي الذي ينتج ويصيب المستويين/ المحيطين الخارجي والداخلي (حسن الفهم ثم سوء الفهم، وفك الالتزام)، وهكذا دواليك. تؤدي طبيعة شخصية القائد الإعلامي المؤسس دورًا مفصليًا في حركات المد والجزر مع السلطة. ونشير إلى أن أبو بكر الجامعي، مدير تحرير لوجورنال وكاتب افتتاحياتها، سليل عائلة وطنية ذات باع طويل في النضال؛ فجدّه بوشتى الجامعي، كان من الوطنيين الموقّعين وثيقة المطالبة بالاستقلال في عام 1944، ووالده خالد الجامعي، شغل، على مدى سنوات، مسؤوليات في المكتب السياسي لحزب الاستقلال، وعمل صحافيًا ثم مسؤولً عن التحرير في جريدة لوبينيون، لسان حال الحزب الناطق بالفرنسية، كما أنه مرّ بتجربة الاعتقال السياسي في السبعينيات. وكان لكل من الجد والأب بالغ التأثير في تنشئته، كما يحكي هو نفسه45. لئن أجمع المستجيبون كلهم على نزاهة أبو بكر الجامعي الفكرية، وعلى أهمية دوره نبراسًا وملهمً لصحافيي لوجورنال على امتداد سنوات، فيجب ألا يجعلنا هذا نغفل عن أن في أزمنة الصراع، ربما يُسبب عناد القائد ونرجسيّته وعدم رضوخه لأوامر السلطة، عكس الإعلاميين والصحافيين الآخرين، تعميقًا للهوة بين الوسيلة الإعلامية التي يقودها والسلطة السياسية، أي، بمعنى آخر، يُسبب نوعًا من سوء الفهم. هذا ما أوضحه لنا أبو بكر الجامعي في قوله ضاحكًا إن "السلطة لم تفهم سيكولوجيتنا، وإن آل الجامعي عُنُدٌ في أمزجتهم"!46. تخلص الدراسة في آخر المطاف إلى أن ثمة دورًا أدته مجلة لوجورنال رغمً عنها، وبسبب تضافر مجموعة من العوامل الذاتية والموضوعية معًا، هو دور المُساند للعرش، في سياق كانت فيه الملَكية المغربية في تسعينيات القرن الماضي في حاجة ماسة إلى وجود صحافة وإعلام مستقلين تستغلهما من أجل تسويق صورتها في الخارج على وجه الخصوص، كنظام ودولة يسيران على طريق الانفتاح السياسي والديمقراطي، وتسمح لصحافييها بالتعبير عن آرائهم بحرّية ومن دون قيود كبرى.

  1. تسلّم مدير تحرير لوجورنال، أبو بكر الجامعي، الجائزة في بيروت من ناشرة صحيفة النهار اللبنانية نايلة تويني.
  2. Moroccan Journalist Wins Gebran Tueni Prize," World Association of Newspapers and News Publishers (WAN-IFRA), 21/12/2010, accessed on 17/5/2019, at: https://bit.ly/2QaOcum
  3. يرى تشومسكي أن كل ما يستطيع أن يُقدمه العِلم هو أن يُحدّثنا عن الميكانيزمات، لا أن يُخبرنا بكيفية الفعل بين الفاعلين، انظر: Noam Chomsky, Comprendre le pouvoir: L'Indispensable de Chomsky. Deuxième mouvement , Hélène Hiessler (trad.) (Bruxelles: Édition Aden,
  4. انظر: سلسلة الحوارات التي أجراها مع يومية المساء، أيار/ مايو  - حزيران/ يونيو.2012 46 أبو بكر الجامعي، مقابلة شخصية، أيكس أون بروفانس، تشرين الأول/ أكتوبر.2014
  5. 2006), p. 208.

لم يكن لأسبوعية لوجورنال خط تحريري واحد طوال فترة وجودها في سوق الصحف المغربية، بل كان لها خطوط متعددة بتعدّد القيّمين عليها وحساسيّاتهم وتوالي السياقات السياسية المختلفة التي تولّ فيها أشخاص عدة مهمات إدارة الجريدة؛ فأبو بكر الجامعي، على سبيل المثال، قام بدور مفصلي خلال السنوات الأولى من تأسيس المجلة، وهو اختيار صحافييها على أساس تكوينهم الاقتصادي والمالي، وأنهم تلقوا تكوينهم برفقته داخل المعهد العالي للتجارة، وكذلك الشأن بالنسبة إلى علي عمار، الذي كان يركّز في انتقائه الصحافيين على عنصرَي الثقافة العامة والتمكّن اللغوي، غاضًّ ا الطرف عن إلزامية التكوين الصحافي للصحافيين المُلتحقين بالمجلة والمتخرجين في المعاهد العمومية للصحافة والإعلام، والذين كان يطغى عليهم، بحسب علي عمار، القالب الرسمي للدعاية التي تصب في مصلحة النظام.

رابعًا: علاقات لوجورنال بالفضاء الإعلامي المغربي

كانت علاقات المجلة بالفضاء الإعلامي المغربي متسمة بالتعاون تارة وبالمواجهة والتوجس تارة أخرى؛ إذ كانت الصحافة المنافسة لها، الحزبية و"المستقلة" على حد سواء، تنظر إليها، في الغالب، على أنها تخدم مصالح القصر وأنها وُجدت بعد تجربة التناوب التوافقي لإحباط هذه التجربة. وقد ظهر هذا جليًا من خلال افتتاحيات صحف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي قاد زعيمه آنذاك، عبد الرحمن اليوسفي، حكومة التناوب التوافقي. و"فُضحت" المجلة ومسيِّ وها في يومية الاتحاد الاشتراكي الناطقة بالعربية و ليبراسيون الناطقة بالفرنسية، وهما تابعتان للحزب؛ فكلتا الجريدتين هاجمت تجربة لوجورنال بقوة؛ كون مؤسسيها يخدمون مصالح القصر ويعيقون تجربة الاشتراكيين في الحكومة. من جهة أخرى، ظهر نوع من التحامل الممنهج على الاشتراكيين وعلى مسار عبد الرحمن اليوسفي تحديدًا في أعداد متتالية من مجلة لوجورنال لسنة 2001، بعد صدورها عقب المنع الذي تعرضت له بقرار من الوزير الأول آنذاك، وبعد أن أظهرت في أحد أعدادها تواطؤ أعضاء مهمين داخل حزب الاتحاد الاشتراكي مع بعض القيادات البارزة في الجيش المغربي، في فترة الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال محمد أوفقير في عام.1972 أغضب هذا التحامل التحريري المتكرّر على الاشتراكيين والملكية على حد سواء، بعض الصحافيين داخل المجلة، ثم أتعبهم نظرًا إلى تشبثهم بمبدأي المهنية والحياد، وأدى ببعضهم إلى مغادرتها بعد نشوب خلافات مع مؤسسيها. يجرّنا هذا إلى الحديث عن أبو بكر الجامعي الذي لم تكن اختياراته وكتاباته محل إجماع الجميع دومًا، وهو ما دفع بعضهم إلى مغادرة المجلة وتأسيس صحفهم الخاصة بهم، واختيار بعضهم الآخر مزاولة الصحافة بطرق مختلفة وبمهنية أكبر في وسائل إعلامية أخرى، بعيدًا عن الأجواء المُسيّسة والذاتية داخل لوجورنال المهووسة، بحسب تعبير بعضهم، وفي موضوعات تصبّ على نحو أو آخر في مصبّ أمور القصر والملَكية وأصدقاء المَلك. أما علي عمار، الذي تولّ إدارة المجلة بعد مغادرة أبو بكر الجامعي لها في عام 2007، فلم يكن، بدوره، محل إجماع الصحافيين. ورغم زعمه مواصلة الخط التحريري الذي رسمه الجامعي للأسبوعية، فإنه حاول رسم طريقته الخاصة، مركّزًا على موضوعات جديدة، ومعدِّلً في شكل المجلة الخارجي، ومنفقًا عليها على نحو لا يتناسب مع وضعها المالي الهش بعد تراكم الديون عليها بسبب سوء تسييرها، فقد كانت فترة رئاسته هيئة التحرير أقل تسيّسًا وأقرب إلى موضوعات الجنس والدين والتابوهات الاجتماعية؛ إذ إنه اتبع في نهجه هذا تجربة مجلة تيل كيل Telquel، التي كانت آنذاك (في عام 2008) تحتل المرتبة الأولى في المبيعات ضمن صنف المجلات الناطقة بالفرنسية. هذا التوجه الجديد، أزعج بعض الصحافيين الملتزمين سياسيًا ومبدئيًا بالخط السياسي الأصلي للمجلة، فاتهموه بأنه جعل لوجورنال تقليدًا ل  تيل كيل Telquelisation، وأنه انقلب على هويتها السياسية النقدية الأصيلة.

خامسًا: حدود المقاربة والمفاهيم

إذا كانت مفاهيم الاستقلالية والكفاءة والقيادة تنبثق نظريًا من تجربة لوجورنال، وتذهب في الوقت نفسه إلى إبراز تجارب أخرى عربية وأجنبية، فإن هذه المفاهيم ليست كلية مطلقة ولا ثابتة، بل يتفاوت تعميمها وتطبيقها بقدر تفاوت التجارب المعبِّة عنها وتفاوت سياقاتها السياسية والاجتماعية التي تتفاوت بدورها بتفاوت مستويات الحرية المتاحة فيها. ومن جهة أخرى، يسعى هذا البحث للدفاع عن فكرة أساسية مفادها إمكان دراسة "المعتاد" انطلاقًا من أطرافه؛ لأن المقارنة بين صحيفتيَن أو أكثر، إن وُجدت، لا تستطيع أن تُعبّ، من منظورنا، ومهما بلغت من الدقة والرصانة، عن الكل الإعلامي المغربي أو العربي أو العالمي. حين يتعذر استعمال تقنية الملاحَظة المشاركة بسبب الطابع التاريخي للموضوع (أي بسبب "موت" الشيء المبحوث فيه)، تمنح المقاربة التاريخية اعتمادًا على الأرشيف، ثم على تقنية المقابلة، ابتعادية مزدوجة، فتضاف ابتعادية Double Distanciation الباحث إلى ابتعادية المستجيبين (وهُم الصحافيون في حالتنا هنا)، بمعنى

أننا نفترض أن عامل الزمن (مرور الوقت) يعطي الاثنين المسافة والموضوعية اللازمتين تجاه التجارب المعيشة. وتقوم الابتعادية المتوخاة على شِقين: الأول هو الموضوع والمبحوث فيهم (لوجورنال، والصحافيون، والسياسيون)، و الثاني هو اتخاذ المسافة الضرورية تجاه أنماط بحث الزملاء الباحثين واتجاهاتهم. في مقارنة بين موضوعية عالِم الاجتماع والصحافي، يرى سيريل لوميو، مثلً، أن الباحث الاجتماعي بابتعاده عن مستجيبيه الصحافيين يلتزم، أو يقترب، بتعبير أدق، من زملائه الباحثين، أي تجاه مجموعة انتمائه الفكري والمهني. لكن إن أردنا تتبّع هذا المنطق عند لوميو، فإننا لا نرى كيف للباحث أيضًا أن يتخذ مسافة معيّنة تجاه زملائه47. في هذا السياق، نُذكّر بأن أحد جوانب مقاربتنا البحثية يركّز على الأنثروبولوجيا التي تُعرَّف بأنها "فن الابتعادية"48. ومن الأجدر القول إن على كل عِلم، طبيعيًا كان أم إنسانيًا، أن يكون فنًا للابتعادية والأنثروبولوجيا وحدها.

سادسًا: في التحرّر الإبستيمي - المنهجي

بعد سرد تجربة لوجورنال وطرح المفاهيم، نصل أخيرًا إلى ا لشعار، وهو، للتذكير، المنهج المُتّبع في محاولتنا البحثية. إذا سلّمنا الآن بأن التحرّر من الحرية يمُر عبر التحرّر الإبستيمي - المنهجي، يغدو لزامًا علينا شرح المراد من هذا التحرّر الثاني؛ أي إيضاح بعض حيثياته. تنادي العلوم الإنسانية الحديثة ب ورررة التحرّر من المعرفة النمطية الجاهزة ومن المسَلمّات والأقوال الشائعة. لكن رغم ذلك، فإن قطاعات واسعة من هذه العلوم صارت تُكرّس أنواعًا جديدة من النمطية تحت لواء التخصص والاستقلالية الشعبوية. ويمكّن التحرّر، من منظورنا، من الحدّ من سلبيات التخصّص المُبالغ فيه Hyperspécialisation والمبكِّر، باعتباره، وِفق ألبرت أينشتاين "يقتل العقل ويلغي التطور في علوم المستقبل بمبرّر الفاعلية"49. التوازن، إذًا وأساسًا، أحد أوجه التحرّر الإبستيمي يمثِّل - المنهجي؛ فهو يعطي الباحث إمكان النهل من علوم ومناهج ومدارس متنوعة. أما التكامل بين علوم الإنسان المختلفة، وهو ما يُسمّيه بعضهم مقاربة متعددة أو عابرة للتخصصات، فإنه ليس في الواقع غاية في حد ذاته، ويجب ألا يكون مظهرًا من مظاهر "الموضة" العلمية. إن هذا النهل من علوم الإنسان والاجتماع هو أحد أوجه التحرّر الإبستيمي – المنهجي المنشود، إذ يمنح الباحثَ شيئًا من الابتعادية تجاه تخصّصه بالدرجة الأولى (علم الاجتماع وعلم النفس وغيرهما من العلوم)، حتى لا يبقى سجينه، وحتى لا يصير متعصّبًا له. والمقصد من هذا التحرّر، أن يذهب بالباحث إلى النبع من علوم إنسانية أخرى شرط ألّ يسقط في "شَكَِها" هي الأخرى. على مستوى أعمق، يعني التحرّرُ التجرّدَ من منظور أحادي لمدرسة بعينها، بحيث يمكن أن تكون البنيوية أو البنائية تارة، أو التركيبية تارة أخرى؛ إذ لا تناقض، من وجهة نظرنا وعلى مستوى البحث، في الاستعانة بمفاهيم أو مقولات وظفها بورديو وموران، أو عبد الله العروي وطه عبد الرحمن، على سبيل المثال، ما دامت تخدِم البحث، وإن كان اثنان من كل فريق كما هو معلوم على خلاف واختلاف في الرؤى. نكون بذلك قد وحّدنا الباحثين على ما يجمعهم، وغضضنا الطرف عمّ يفرّقهم، ما دامت أعمالهم كلها تندرج في إطار علوم الإنسان، التي تسعى في النهاية إلى "أن يزداد الإنسان وعيًا بإنسانيّته"50. أخيرًا، لهذا التحرّر الإبستيمي - المنهجي وجه آخر أهم بحسب منظورنا: إنه تحرّر الباحث من مفاهيمه الخاصة. والمُراد بهذا القول أنّ ابتكار نماذج Modèles ومفاهيم جديدة من جهة، أو حُسن استخدامها من جهة أخرى، قد يُولّد عند الباحث رغبة (فطرية؟) في تعميمها حتى تُضحي شمولية مطلقة تُفَسّ بها الظواهر كلها، وتصير إطاره النظري الذي تُقرأ في ضوئه أبحاثه اللاحقة؛ فأن يتحرّر الباحث من رؤيته للأشياء ونظرته إليها هو عين التحرّر. هذا الفعل التحرّري والنقدي المتواصل هو المبتغى من عملية التحرّر الإبستيمي - المنهجي المنشود، الذي يطمح، في النهاية، إلى أن يكون أحد أوجه حلّ "أزمة الإنسانيات" التي يلمسها الباحثون في بقاع مختلفة من العالم.

خاتمة

ثمة أسئلة كثيرة تظل معلَّقة على مستوى الفكر وعلى مستوى المنهج، وكلاهما مرتبطان: ما مستويات الحرية في مسألة التحرّر الفردي، والجماعي، والوطني، والعربي... إلخ؟ ما حدود هذا التحرّر؟ وكيف نجعل منه منطلقًا لمسلسل متواصل يُساءَل

  1. Cyril Lemieux, "L'objectivité du sociologue et l'objectivité du journaliste. Convergences, distinctions, malentendus," in: Jacqueline Feldman et al., Ethique, épistémologie et sciences de l'homme (Paris: Editions L'Harmattan, 1996), pp. 147 - 163.
  2. Roberto Miguelez, "Anthropologie et méthodologie," Anthropologie et Sociétés , vol. 13, no. 3 (1989), pp. 10 - 12.
  3. انظر مؤلَفه: Albert Einstein, Comment je vois le monde , Maurice Solovine & Régis Hanrion (trad.) (Paris: Flammarion, 2009), p. 34. إضافة إلى الفصل المعنون ب "دراسات علمية" (ص. 157-245) من جهة أخرى، يُوجه إدغار
  4. موران النقد نفسه إلى هذا التخصص المُبالغ فيه، باعتباره يُلغي النظرة الشمولية إلى الأشياء. 50 فؤاد زكريا، التفكير العلمي (الإسكندرية: دار الوفاء، 2004)، ص.191

باستمرار بلا كَلل أو مَلل؟ في هذا السياق، يَخلص العروي، استنادًا إلى كتاب محمد عزيز الحبابي من الكائن إلى الشخص، إلى خلاصة مهمة تتجلى في كون الحرية مفهومًا تامًا ومستقرًا، على عكس "مفهوم التحرّر الناقص والمتطور الذي يُعبّ عن الارتقاء من حالة إلى حالة"51. مرّ التحرّر المنشود في هذا البحث عبر مقاربة أطلقنا عليها تسمية سوسيوأنثروبولوجية تاريخية للصحافة السياسية التي تمنح ابتعادية وحرية، إلى حدٍ ما، في التوفيق بين المدارس البنيوية، والبنائية، والتفاعلية، والتركيبية، وتسمح بغضّ الطرف عن الخلافات الإبستيمولوجية والمنهجية تارة، والشخصية تارة أخرى، بين "شيوخ" هذه التوجهات العلمية والفكرية و"مريديها." غالبًا ما يحارَب التحرّر الإبستيمي - المنهجي بمبرّر عدم تجانس النظريات والمناهج في العلوم الإنسانية والاجتماعية وذريعة لرفضه، بحيث يكفي ملاحظة الفاعلين المستجيبين (أي الإنسان نهاية) لتبيّ أنهم في الوقت نفسه بنيويون، ومتفاعلون، ومركّبون... إلخ، في آن واحد في فعلهم الدائم، لكن الباحث وحده من يختار بِحكم توجهاته عِلمً معيّنًا، وتيارًا نظريًّا معينًا، ومنهجًا معينًا قد يتنافى وتنوعَ أفعال الإنسان موضوع علوم الإنسان وغايته وتركيبته. في السعي وراء حريتنا الفكرية والعلمية الفردية، قمنا بمحاولة منهجية نقدية، تُرسي كما رأينا مفاهيم جديدة في موضوع الإعلام والسلطة لتجاوز تناول الحرية من جهة (حرية التعبير والإعلام)، والاستقلالية من جهة أخرى على نحو مكثف في مقالات وأبحاث عدة. كل هذا يؤكد أن "النقاش حول المفهوم (الحرية) يتخذ أبعادًا جديدة مع ظواهر العولمة واتساع السوق الحرة وثورة الاتصال، ما يعطيه مشروعية آنية في كل وقت وإمكانيات جديدة للتفكير والإبداع"52.

المراجع

العربية

أدمينو، عبد الحافظ‬. "حرية الصحافة وحدودها." المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. مج 46، العددان 84 - 85 (كانون الثاني/ يناير - نيسان/ أبريل.)2009 يتفكرون. العدد أمهال، إبراهيم. "الحرية: منعرجات المفهوم."‬ 1 (ربيع.)2013 بنشنَّة، عبد الفتاح وإدريس كسيكس ودومينيك ماركيتي. "حالة الصحافة الورقية والإلكترونية في المغرب: اقتصاد سياسي بامتياز." دراسات إعلامية مركز الجزيرة للدراسات.. 2019/2/20. في: http://bit.ly/2WgqOlx بيرو، جيل. صديقنا الملك. ترجمة ميشيل خوري. عمان: دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع،.2002 جاري، مصطفى وإدريس لكريني (تنسيق.) أي دور للصحافة في التأثير على أجندة السياسات العامة؟ أعمال الندوة الدولية المنظمة من طرف مجموعة البحث حول الإدارة والسياسات العامة GRAPP(بتاريخ) 21 - 22 أكتوبر 2010. سلسلة المؤتمرات والندوات 37. مراكش: منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية،.2011 التفكير العلمي. الإسكندرية: دار الوفاء زكريا، فؤاد.،.2004 الزهراني، أحمد قران. السلطة السياسية والإعلام في الوطن العربي. سلسلة أطروحات الدكتوراه 113. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2015 الشمري، سليمان جازع. دراسات في الحرية الإعلامية. القاهرة: مكتبة مدبولي،.2012 طه، عبد الرحمن. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2006 العامري، فضل طلال.‬ حرية الإعلام في الوطن العربي في ظل غياب الديمقراطية. القاهرة: دار هلا للنشر والتوزيع،.2011 عبد الفتاح، الأميرة سماح فرج [وآخرون.] الإعلام وتشكيل الرأي العام وصناعة القيم. تحرير وتقديم عبد الإله بلقزيز. سلسلة كتب المستقبل العربي 69. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2013 مفهوم الحرية. ط العروي، عبد الله. 5. الدار البيضاء؛ بيروت: المركز الثقافي العربي،.2012 كوثراني، وجيه. تايخ التأريخ: اتجاهات – مدارس – مناهج. الدوحة؛ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2012 ماء العينين، محمد الإمام [وآخرون]، حالة حرية الصحافة والإعلام بالبلدان المغاربية غداة ثورات الربيع العربي. سلسلة. التقارير المغاربية 3 وجدة: مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية،.2013

  1. العروي، ص.133
  2. إبراهيم أمهال، "الحرية: منعرجات المفهوم"، يتفكرون، العدد 1 (ربيع)2013، ص.263

مجدوبي، حسين. "الصحافة المستقلة في المغرب: النشأة، الخطاب وجهة نظر ومعيقات التطور 2004-2000(. العددان 45 - 44)". (ربيع – صيف.)2010 الأنغلو أميركي في نعوم، عبد الفتاح. "مساهمة الاستشراق-صعود تبيّ. السنة دراسة المناطق." 3، العدد 9 (صيف.)2014

الأجنبية

Akrich, Madeleine, Michel Callon & Bruno Latour. "A quoi tient le succès des innovations, Premier épisode: L'Art de l'intéressement." Annales des Mines. no. 11 (Juin 1988). Serie: Gérer et Comprendre. Amar, Ali. Mohammed VI: Le Grand malentendu. Paris: Calmann-Lévy, 2009. Bastin, Gilles. "La Presse au miroir du capitalisme moderne: Un projet d'enquête de Max Weber sur les journaux et le journalisme." Réseaux. vol. 5, no. 109 (2001). Becker, Howard Saul. Outsiders: Etudes de sociologie de la deviance. J. P. Briand & J. M. Chapoulie (trad.). préf. de J. M. Chapoulie. Paris: Éditions Métailié, 1985. Bourdieu, Pierre. "L'emprise du journalism." Actes de la recherche en sciences sociales. vol. 101 - 102 (Mars 1994). Champagne, Patrick. "La double dépendance: Quelques remarques sur les rapports entre les champs politique, économique et journalistique." Hermès. no. 17 - 18 (1995). Chomsky, Noam. Comprendre le pouvoir: L'indispensable de Chomsky. Deuxième mouvement. Hélène Hiessler (trad.). Bruxelles: Édition Aden, 2006. Chupin, Ivan & Jérémie Nollet (dir.). Journalisme et dépendances. Paris: Editions L'Harmattan, 2006. Cités. no. 37 "L'Idéologie de l'évaluation, la grande imposture" (Mars 2009). Einstein, Albert. Comment je vois le monde. Maurice Solovine & Régis Hanrion (trad.). Paris: Flammarion, 2009. El Ayadi, Mohammed & Hassan Rachik (eds.). Presse écrite et transition. Suivi d'une étude sur Le Journal hebdomadaire, année 2005‬. Les cahiers bleus 5. Salé: Cercle d'analyse politique, 2006. Feldman, Jacqueline et al. Ethique, épistémologie et sciences de l'homme. Paris: Editions L'Harmattan, 1996. Grawitz, Madeleine. Lexique des sciences sociales. 8 ème éd. Paris: Dalloz, 2004. Holeindre, Jean-Vincent (dir.). Le Pouvoir. Concepts, Lieux, Dynamiques. Auxerre: Éditions Sciences Humaines, 2014. Jankélévitch, Vladimir. Le Je-ne-sais-quoi et le presque- rien. vol. 2: La Méconnaissance, le malentendu. Paris: Éditions du Seuil, 1980. Katz, Elihu & Paul F. Lazarsfeld, Personal Influence: The Part Played by People in the Flow of Mass Communications , with a new introduction by Elihu Katz & a foreword by Elmo Roper, 2 nd ed. New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 2006. Klaus, Enrique. "La presse non partisane marocaine: Enjeux de professionnalisation et d'autonomisation." sous la direction de Vincent Geisser. mémoire du diplôme d'études approfondies: Science politique comparative. option monde arabe et musulman, Institut d'études politiques. Aix-en-Provence, 2003. Legavre, Jean-Baptiste (dir.). La Presse écrite: Objets délaissés. Paris; Budapest; Torino: Editions L'Harmattan, 2002. Masciotra, Domenico & Fidèle Medzo. "La Compétence comme pouvoir adaptatif aux situations Nouvelles." Document produit pour le ministère de l'Education du Québec dans le cadre de la réforme de l'éducation des adultes. Université du Québec à Montréal (UQAM). Montréal, 2006.

Miguelez, Roberto. "Anthropologie et méthodologie." Anthropologie et Sociétés. vol. 13, no. 3 (1989). Paris: Mohsen-Finan, Khadija (dir.). Les Médias en Méditerranée: Nouveaux médias, monde arabe et relations internationales. Arles: Actes Sud; Aix-en-Provence: MMSH; Alger: Barzakh, 2009. Neveu, Erik. Sociologie du journalisme. Paris: La Découverte, 2004. Spector, Céline. Le Pouvoir , Anthologie de textes présentés. et introduits philosophiques Flammarion, 1997. Talon, Claire-Gabrielle. Al Jazeera: Liberté d'expression et pétromonarchie. Paris: Presses universitaires de France, 2011. Zayani, Mohamed (ed.). The Al Jazeera Phenomenon: Critical Perspectives on New Arab Media. London: Pluto Press, 2005.