الديموغرافوبيا في القدس: الواقع والتحولات والاستشراف
الملخّص
يمثل الصراع على الديموغرافيا والجغرافيا لبّ الصراع الفلسطيني - الصهيوني. وخلال القرن الأخير، حدثت تحولات في حال الديموغرافيا الفلسطينية والإسرائيلية؛ ما أحدث تغيرات جيوسياسية وتحولات في علاقات القوة وتوزيع الموارد والسيطرة عليها في ما بينهما. تتناول هذه الدراسة مفهوم الديموغرافوبيا ومركباته وإسقاطاته في واقع حالة القدس، للاستدلال من خلاله على حالة الصراع العربي/ الفلسطيني - الصهيوني/ الإسرائيلي في فلسطين. وت عرِض الواقع الديموغرافي في القدس وتحلله على محور الانتماءات القومية والإثنية والثقافية والدينية والجيوسياسية. وتحاول مناقشة العلاقة بين المركبات الديموغرافية والجغرافية والديمقراطية وكيفية توظيفها في التخطيط الحيزي والسيطرة على الموارد. كما تحاول وضع استشراف للمستقبل ومناقشة تبعاته، اعتمادًا على منهجية الرصد والتحليل الناقد للمعطيات التي يجري تجميعها من مصادر إحصائية فلسطينية وإسرائيلية، إضافة إلى مراجعة الأدبيات والخطط والبرامج المعمول بها و/ أو المصوغة للقدس ومحيطها. كلمات مفتاحية: الديموغرافوبيا، القدس، إسرائيل، فلسطين. The conflict over demography and geography is at the heart of the Palestinian- Zionist conflict. During the last century, there have been shifts in the state of Palestinian and Israeli demography, which have brought about geopolitical changes, swings in power relations and the distribution and control of resources between them. The study deals with the concept of demographobia and projections for Jerusalem, in order to deduce the state of the Palestinian-Zionist conflict. The study presents the demographic reality in Jerusalem and analyzes it according to national, ethnic, cultural, religious and geopolitical affiliations. The paper discusses the relationship between demographics, geography, and democracy, and how they are utilized in spatial planning and resource control. The paper also seeks to forecast the future outlook and discuss its consequences by monitoring and critically analyzing quantitative data collected from Palestinian and Israeli sources. Keywords: Demographobia, Jerusalem, Israel, Palestine.
Demographobia in Jerusalem: Reality, Transitions and Forecasts
مقدمة
لا يطرح أي حل أو تسوية جيوسياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلا إذا شمل المركب الديموغرافي (عدد السكان وانتشارهم) بوصفه عنصرًا صائغًا ومُشكلً للحل. ويعتمد دافع طرح حل الدولتين (فلسطين وإسرائيل)، أساسًا، من وجهة نظر إسرائيل ومنطلقاتها، على إنجاز الرغبة في الحفاظ على غالبية يهودية صهيونية. وتعرض تيارات سوسيوسياسية في إسرائيل موقفًا يوحي أنها مستعدة للتنازل عن بعض المناطق والأراضي، بما في ذلك في القدس، لتأمين غالبية ديموغرافية يهودية في كل منطقة تسعى إسرائيل للسيطرة عليها. هكذا تمثل الديموغرافيا الفلسطينية "شيطانًا" وهاجسًا يَقُضّ مضجعَ الإسرائيليين الصهيونيين1. لمواجهة هذا "الشيطان" والهاجس الديموغرافي، تمارس إسرائيل، دولة ومجتمعًا، سياسات ديموغرافية وحيزية، تستخدم قوة الدولة ومواردها لأجل تطبيق سياسات كولونيالية إثنية/ قومية تُؤمّن هيمنة ديموغرافية في الحيز، مُسخّرة سياسات الأراضي وتوزيع الموارد والتخطيط الحيزي لتحقيق هذه الهيمنة. ونشهد هذا الصراع الديموغرافي الجغرافي على نحو مكشوف ومُعلنٍ وواضحٍ في واقع القدس، حيث تشكل حالة الصراع الديموغرافي في القدس ومحيطها، الذي سنطلق عليه المتروبولين المقدسي المبتور والمُقطع، نموذجًا للصراع الجيوديموغرافي على المستوى القُطري، المناطقي، المحلي/ البلدي، على الرغم من خصوصية حالة القدس كما سنتناولها في هذه الدراسة. تهدف هذه الدراسة إلى تناول الصراع الجيوديموغرافي في مدينة القدس ومحيطها الذي يمثل المحيط الحضري المقدسي2 أو متروبولين القدس3، كما نوضح لاحقًا، حيث يدور صراع ديموغرافي مُبطن ومُعلن ومُبادَر إليه من السلطات الإسرائيلية القُطرية والبلدية والمؤسسات الأهلية الصهيونية، في المقابل يُواجَه هذا الصراع بردة فعل فلسطينية4. وعلى الرغم من هذا الصراع الطويل، فإن الحضور الفلسطيني الديموغرافي، المستمر والمتزايد، ما زال قائمًا وله حضور مؤثر في القدس ومحيطها، ويمثل هاجسًا للسلطات الإسرائيلية، ويدفعها إلى نهج سياسات ديموغرافية وكولونيالية أوجدت واقعًا ديموغرافيًا سوف نعرضه ونحلله وننقده وننقضه ونستشرف بعض سماته في هذه الدراسة. ونسج هذا الصراع الديموغرافي خوفًا متبادل في ظرفية غير متناظره، بعضه واقعي، وآخر متوقع أو مُتخيل، نطلق عليه مصطلح "الديموغرافوبيا"5، أي الخوف من الديموغرافيا. يتلخص ادعاؤنا المركزي في هذه الدراسة في أن إسرائيل تنسج وتُنتج خطابًا وسياساتٍ ديموغرافوبية انتقائية، تعرض فيها أنها أقلية مُهددة، و/أو في حالات أخرى تمثل غالبية، اعتمادًا على تعريفات جيوسياسية وإدارية تُ كنها من استخدام مصفوفة ضبط ذكية ناعمة وخشنة، لأجل بسط سيطرتها على القدس ومحيطها6. في المقابل، ندعي أنه على الرغم من هذه السياسات والممارسات الكولونيالية واستخدام مصفوفة الضبط، فإن الحضور الديموغرافي والحيزي الفلسطيني ما زال حاضرًا ومشهودًا، وله تأثير في إنتاج الخطاب والسلوك الحيزي الديموغرافوبي الإسرائيلي. بعد تناول مفهوم الديموغرافوبيا وتأطيره نظريًا، سنناقش مركباته وإسقاطاته في واقع حالة القدس نموذجًا، حيث يمكن الاستدلال من خلاله على حالة الصراع العربي/ الفلسطيني - الصهيوني الإسرائيلي في فلسطين. وبعد التأصيل النظري، تَعرِض الدراسة الواقعَ الديموغرافي في القدس وتحلل بعض سماته على محاور الانتماءات القومية والإثنية والثقافية والدينية والجيوسياسية. كما تحاول الإشارة إلى العلاقة بين المركبات الديموغرافية والجغرافية والديمقراطية، وتوظيفها في التخطيط الحيزي والسيطرة على الموارد، اعتمادًا على التأطير النظري ومناقشة الحال، وتحاول أيضًا وضع استشراف موجز للمستقبل ومناقشة تبعاته على الصراع الجيوديموغرافي في محيط القدس، مُعتمدة على منهجية الرصد والتحليل الناقد للمعطيات التي جُمعت من مصادر إحصائية فلسطينية وإسرائيلية، إضافة إلى مراجعة الأدبيات والخطط والبرامج المعمول بها أو/ والمصوغة للقدس ومحيطها.
إطار نظري
صيغ مصطلح الديموغرافيا (وهو دمج بين كلمتي Demos وتعني سكانًا أو شعبًا، وGraphia وتعني بحثًا أو تسجيلً) لوصف علم البحث على/ وعن الناس والسكان والمجالات المتعلقة بهم، بما في
ذلك زيادة السكان والخصوبة والمبنى الجيلي والجنس والتوزيع الجغرافي وميزان الهجرة، وعلى/ وعن صفاتٍ وسماتٍ اجتماعية تتعلق بالتغيرات السكانية لكل مجتمع إنساني، بما في ذلك مستوى التعليم ومكانة المرأة... إلخ7. ويعني علم الديموغرافيا البحث في وصف الواقع العددي للسكان والسياسات الديموغرافية التي تشمل سياسات الهجرة الداخلية والخارجية وسياسات المواليد وما يتعلق بها من سياسات صحية8. لذلك، هناك علاقة بين التحولات الاقتصادية الاجتماعية والتغيرات الديموغرافية، حيث يمثل السكان موردًا إنسانيًا مهمً وفاعلً من ناحية، وهدف سياسات جيو - اجتماعية للدولة من ناحية أخرى9. تمارس دول مختلفة سياسات ديموغرافية متعددة ومُتحولة على محور الزمن والمكان الجغرافي. فمثلً، يسعى بعض الدول التي تعاني انخفاضًا في المواليد وزيادة نسبة المسنين، مثل دول غرب أوروبا، لدعم الأسر لأجل تشجيع المواليد، خوفًا من تغيير مبنى هرم الأجيال، بعكس الدول النامية التي تسعى لخفض نسبة المواليد لأجل ضبط زيادة السكان في الدولة. كما تمارس الدول سياسات هجرة متعددة، حيث يسعى بعضها لاستقطاب هجرة إيجابية، ويمارس بعضها الآخر سياسة هجرة انتقائية على أساس انتماء عرقي/ إثني/ ثقافي/ اقتصادي - اجتماعي؛ بينما تمارس دول أخرى سياسات ضبط هجرة، وتحول دون استيعاب مهاجرين إليها10. يمكن أن نتناول حال الديموغرافيا على نحو وصفي وساكن في مكان وزمان معينين، أو تناوله في حال متحرك وفاعل على مجمل حياة المجتمعات والدول. ويمكن أن يكون رصد الواقع والتحولات الديموغرافية منتجَ صراعٍ على الموارد، أو يكون جزءًا أساسيًا من ال اررع بين جهات تستخدم الديموغرافيا لتهديد أطراف أخرى مشاركة في معادلة الصراع أو التنمية. ولما كانت نظريات علم الديموغرافيا مرتبطة بدراسة حال الإنسان فردًا وجمعًا، فإنها مرتبطة أيضًا عضويًا بالمجالات الأخرى المُشكِلة لحياة الفرد والمجموعة التي ينتمي إليها أو يعيش فيها أو معها. لذا نجد أن هناك خوفًا أو تهديدًا من الديموغرافيا أو تشكيلها، بوصفها رافعة لامتلاك موارد القوة وتأمين، ربما، الهيمنة والسيطرة الداخلية والخارجية. وهكذا، تدفع سُنة الصراع والسعي الإنساني للتسويات إلى التعامل مع المركب الديموغرافي، بوصفه عاملً رئيسًا في نشوب الصراع وتحوله، أو طرح تسويات له تأخذ في الحسبان المركبات الجيوسياسية والسوسيوثقافية والبيئية والبنيوية الاقتصادية والوظائفية. لذلك، تمثل الديموغرافوبيا، أي الخوف والمهابة من الديموغرافيا، التي تشمل عدد السكان وتوزيعهم النسبي وتقسيمهم مجموعات انتمائية وصفاتهم وعلاقتهم بالمركبات المذكورة، حالةً تؤثر في توزيع موارد الجغرافيا والديمقراطية واقتسامها (المشاركة في الحكم وإدارة المؤسسات وتقاسم الموارد) في مكان أو كيان جيوسياسي معين. يمكن أن نشير إلى أن نظرية مالتوس Malthus Theory تُعد علامةً مُميَزةً في تاريخ الدراسات السكانية، وطُرحت جانبًا من الديموغرافوبيا. تتلخص هذه النظرية في أن السكان يميلون إلى النمو بسرعة كبيرة؛ ما يؤدي إلى ظهور الكثير من العَقَبات أمام التقدم والتطور البشريين. ونتيجة للزيادة السريعة في عدد الناس في أعقاب الثورة الصناعية والصحية التي لا ترافقها زيادة مناسبة في الموارد المتوافرة لإطعامهم، تحدث فجوة بين زيادة السكان والموارد تؤدي إلى انتشار المجاعات في العالم11. تناولت نظرية التحول الديموغرافي Demographic Transition Theory، التي تعتمد على الزيادة الطبيعية (الفرق بين المواليد والوفيات)، مفهوم "الانفجار السكاني." ولخص فرانك نوتسين هذا التحول - بوصفه جزءًا من هذه النظرية – في الإشارة إلى أن كل دولة تمر بثلاث مراحل رئيسة من النمو والتطور السكاني: الأولى ارتفاع معدل الولادة، يقابله ارتفاع معدل الوفاة؛ والثانية ارتفاع معدل الولادة، يقابله انخفاض معدل الوفاة، ويُطلق عليه الانفجار السكاني؛ والثالثة انخفاض معدل الولادة، يقابله انخفاض معدل الوفاة12. في كل مرحلة من هذه المراحل، هناك مخاطر وتهديدات، على الدولة والمجتمع الاستعداد لها لمواجهتها بأقل خسارة. وحاليًا، يمر العالم بانفجار سكاني؛ ما يؤدي إلى إسقاطات بيئية وتغيير مناخي13. ولأن حركة
السكان تعتمد على مبدأ السيولة الذي يعني التفاوت والانتقال من حالة إلى أخرى، ويشمل ذلك انتقال الدولة والمجتمع والأسرة بموجب نظرية التحول الديموغرافي، أو من مكان إلى آخر بموجب نظريات الهجرة داخل الدولة من إقليم أو من مدينة إلى أخرى، أو بين الدول، وجدنا بعض الدول جاذبًا للهجرة، وبعضها الآخر دافعًا وطاردًا لها14. يمكن أن ينطلق تطبيق مبدأ السيولة من نظرية الجاذبية التي تعني حركة السكان الأفقية من مكان إلى آخر بحرّية، أو نتيجة سياسات دعم تصوغها الدولة لاستقطاب موارد بشرية نوعية، أو منع دخول هجرة سكان إليها، أو تدفقها. ويمثل تعامل الدولة مع مبدأ السيولة الحرة للسكان في الحيز، في مقابل ضبط هذه السيولة أو منعها وفق اعتبارات انتقائية، مثل الانتماء الإثني والثقافي والأيديولوجي والسياسي والجيلي، مركبًا مركزيًا في سياسات السكان التي تصوغها الدولة15. وهكذا، تتدخل الدولة في مبدأ السيولة الطبيعية لتحقيق أهداف جيوديموغرافية، من خلال صوغ سياسات هجرة تحول دون دخول سكان غير مرغوب فيهم إليها، أو إلى بعض مناطقها من منطلق ديموغرافي. فمثلً، تسعى الولايات المتحدة الأميركية لبناء جدار على حدودها مع المكسيك لأجل ضبط الهجرة إليها. كما تصوغ دول غرب أوروبا سياسات هجرة واستيعاب لضبط الهجرة إليها من الدول العربية الإسلامية؛ خوفًا من تغيير طابع المجتمعات الأوروبية بزيادة عدد العرب والمسلمين فيها، وهناك من يصوغ نظريات جيوسياسية وجيوثقافية يُعبّ عنها بصدام الحضارات16. تعتمد نظرية الصدام الحضاري، في مركّبيها، على التفاوت في الزيادة الديموغرافية لمجموعة ثقافية دينية في مقابل أخرى؛ ما يؤدي إلى صدام وصراع17. أما على مستوى سياسات السكان المتعلقة بمبدأ السيولة العمودية، فنقصد به سياسات تشجيع المواليد أو تقليلها، كما حدث في الصين بعد إقرار سياسة الطفل الواحد18، وتطبيق سياسات رفاه اجتماعي تشمل تقديم سلة خدمات صحية وتأمين اجتماعي وتوعية أسرية وتعليم النساء وتشغيلهن الذي يؤثر في نسبة الخصوبة والعمر الافتراضي والصفات الديموغرافية الأخرى للمجتمع والأسرة والمجتمع والدولة/ الأمة19. تتجانس هذه السياسات المختلفة التي توجه السلوك الديموغرافي مع واقع كل دولة بموجب نظرية التحول الديموغرافي. وبعد أن كان التزايد السكاني في أوروبا في القرن التاسع عشر يمثل تحديًا كبيرًا قائمًا أمام السلطة والمجتمع، تحوّل إلى تهديد ديموغرافي من نوع آخر، يتعلق بانخفاض في المواليد ومعالجة الشيخوخة وضبط الهجرة الوافدة. وأدى هذا التحول إلى التناقص السكاني الذي أصبح يُهدد الدولة والمجتمع، نتيجة انخفاض المواليد الذي سماه ديموغرافيون غير رسميين "تصحرًا سكانيًا"، من حيث التهديد بتقلص عدد السكان، وإقفار جهات أو مجموعات جيلٍ بكاملها، كما يُهدد بما يسميه الديموغرافيون أيضًا "التهرم" السكاني أو"التشيخ" السكاني من حيث تقلص أفواج الأجيال الجديدة وتضخم عدد كبار السن، في مقابل التناقص المتواصل لصغار السن، ما يُهدد توازن البلاد الديموغرافي، بل ويهدد أيضًا التوازنات المالية في ظل تضخم عدد كبار السن الذين يغادرون مجالات العمل ويتقاضون مرتبات تقاعدية تُثقل، أكثر فأكثر، كاهل الصناديق الاجتماعية للتأمينات20. يمثل الخطاب الديموغرافوبي سببًا مركزيًا في إيجاد مناخ وهاجس من التحولات في الديموغرافيا في مكان معين، حيث يعبّ الخطاب عن الموارد الرمزية والأدائية والوظائفية التي يتضمنها التخطيط الحيزي والسياسات الديموغرافية، ويصوغ عمليات إنجازها21. ويتحول هذا الخطاب، متأثرًا بأهداف السياسات الديموغرافية وعلاقات القوة بين الغالبية والأكثرية السكانية والمُنْتَج المرغوب أو المُهدد لهذه العلاقات22. لذا، يُ كّننا عرضنا الموجز للثابت والمتغير
في الخطاب الديموغرافي في إسرائيل، من الإشارة إلى عرضه حالة من التهديد الديموغرافي نتيجة تزايد العرب، حيث يشيع التخويف من هذا الازدياد السكاني العربي الفلسطيني، والمطالبة باستمرار زيادة السكان اليهود، خصوصًا غير الحريديم23. وتظهر مراجعة الخطاب الديموغرافي أن الكلمات المفتاحية المتكررة ركزت، منذ العقد الأول لإقامة إسرائيل، على خطاب بناء أمة وتهويد وصهينة وعبَرَنة الإنسان والمكان، وتوزيع السكان اليهود، واستيعاب الهجرة اليهودية، وإيجاد ميزان جيوديموغرافي، وصوغ الإسرائيلي الجديد، وصهر المهاجرين اليهود من الشتات في الدولة الجديدة، وفصل إثنوقومي حيزي، وتركيز باقي العرب الفلسطينيين الذين تحولوا إلى أقلية مغلوبة بعد النكبة، وإجراء تطهير حضري Urbocide للمدينة الفلسطينية، والتخويف من زيادة العرب، والمطالبة بخفض المواليد، وعدم السماح بعودة العرب الفلسطينيين المُهَجرين إلى وطنهم، وصوغ خطاب يصف حالة التكاثر وزيادة المواليد العرب، باعتبارها جزءًا من حالة مجتمع متخلف غير عصراني، والتشديد على إخراج النساء للتعليم والعمل لتسريع عصرنتهم، بوصفه أداة لخفض عدد السكان وتقليل تكاثرهم من خلال العصرنة، أو نتيجة لها24. بين الديموغرافوبيا وتشكيل الحدود أو إعادة رسمها ارتباط، خصوصًا في حالات تطبيق سياسات الترانسفير25 أو إيريدنتا "تخليص" أو التهجير القسري26 في حالة الصراع الإثنوديموغرافي. رافق قيام الدولة القومية العصرية عملية رسم حدودها الجيوسياسية، من دون أن تحافظ على التجانس الإثنوديموغرافي داخل هذه الحدود27. ونتيجةً لرسم هذه الحدود، نشأت حدود هندسية تقطع مجموعات سكانية تنتمي إلى مجموعات إثنوثقافية متجانسة؛ الأمر الذي حولها من أكثرية إثنوثقافية ديموغرافية في حيزها إلى مجموعات أقليات مُقطعة بين دول متجاورة متصارعة، كما هي حال الدول العربية28، أو دول أخرى تعاني صراعات إثنية/ قومية، وتعيش حالةً من الديموغرافوبيا نتيجة تغيرات في ميزان توزيع السكان بحسب الانتماء الإثني والديني والقومي والثقافي29 في الدولة عمومًا، أو في بعض الأقاليم، أو داخل المدن، كما هي حال البلقان والأكراد ولبنان وإسرائيل/ فلسطين.
أولا: السياسة الديموغرافية في إسرائيل
تتعامل الحركة الصهيونية، وحاليًا إسرائيل، مع الديموغرافيا العربية الفلسطينية بوصفها خطرًا وتهديدًا قُطريًا ومناطقيًا ومدينيًا 30؛ ما يدفعها إلى صوغ سياسات جيوديموغرافية تؤمن غالبية يهودية في محيط تبسط سيادتها عليه. وتُطبق هذه السياسة الديموغرافية على نحو مُبادر ومتواصل في ثلاثة مجالات رئيسة: الهجرة، والزيادة الطبيعية، والانتشار السكاني31، وفق ما سنوضح في ما يلي: تعتبر دولة إسرائيل دولة هجرة، حيث يعتمد المشروع الصهيوني منذ انطلاقه على الربط العضوي بين الديموغرافيا والجغرافيا. وكان السعي لتشجيع الهجرة اليهودية الصهيونية إلى فلسطين، ولما يزل، أحد أسس هذا المشروع. مع زيادة عدد المهاجرين الصهيونيين إلى فلسطين، ازدادت مساحات الأراضي التي تسيطر عليها الحركة الصهيونية، ومعها عدد المستوطنات المُقامة التي يسكنها يهود. وترتبط الأيديولوجيا الصهيونية عضويًا بالهجرة التي أطلقَتْ عليها اسم "عَلِيا"، أي "الصعود"، ومنحتها بذلك دلالات قِيَمِية. كما صاغت قانون هجرة متميزة ومُمَيزة وانتقائية طلق عليه اسم "قانون العودة خاصًا باليهود، أ - شفوت"، ويعني عودة اليهود إلى فلسطين "إيرتس يسرائيل"، على الرغم من أن المهاجرين لم يسكنوها سابقًا، لكن يقصد بالقانون منح حق مكتسب لهجرة اليهود، مبني على قاعدة أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين قيمةٌ وواجبٌ على اليهودي الصهيوني32. سُن قانون شفوت - العودة هذا في عام 1950، ومثل أحد القوانين الرئيسة التي تعبّ عن خصوصية دولة إسرائيل بوصفها دولة يهودية، وحتى صودق على قانون القومية في عام 2018، تم إقرار فكرة العودة وقانونها ضمن قانون أساس: إسرائيل دولة الشعب
اليهودي، وأن حق تقرير المصير حق حصري للشعب اليهودي، وفي البند السادس بعنوان "لم الشتات"، أ شير في القانون إلى: "تكون الدولة مفتوحة أمام قدوم اليهود ولَمّ الشتات"، أي لمّ شتات اليهود وهجرتهم إلى فلسطين - أرض إسرائيل بحسب الرواية الإسرائيلية. مما تقدم، يتضح أن دولة إسرائيل تنتهج سياسة هجرة خاصة تجاه هجرة اليهود إليها. وهي سياسة أعلنت عنها الدولة في وثيقة استقلالها فور قيامها. وفي ما بعد، سُن قانونان: قانون العودة وقانون المواطنة اللذان ينصان على أن من حق كل يهودي القدوم إلى إسرائيل، والحصول مباشرة على المواطنة الإسرائيلية.
تقوم السياسة السكانية على تشجيع مُعلن لزيادة المواليد اليهود بوساطة منح مخصصات تأمين وطني، في مقابل كل مولود في الأسرة. كما تتبنى الدولة قيمةً دينية، هي جزء من الفريضة اليهودية، تدعو إلى تشجيع تكاثر اليهود وزيادتهم في البلاد. بحسب هذه الوصية الدينية، على الذكر أن يتزوج ويُنجِب، لذا نجد هذه الفريضة مُطبّقة عند اليهود المتدينين والقوميين والمتزمتين - حريديم. وتشجع السياسة الديموغرافية الإنجاب، خصوصًا لليهود ودعمهم ماديًا، وما زالت تمنع الإجهاض. بموجب سياسة تشجيع التكاثر، تنتمي دولة إسرائيل إلى هكذا تمثل الهجرة اليهودية الخارجية إلى إسرائيل أساسًا قيميًّا وأيديولوجيًّا وجيوسياسيًّا وتنمويا للسياسة الديموغرافية الإسرائيلية. وعلى الرغم من مرور 71 عامًا على تأسيس إسرائيل، فإن نحو 43 في المئة من مواطنيها اليهود لم يولدوا فيها، بل هاجروا إليها. كما تمارس سياسات الهجرة على نحو مُبادِر ومُوجه لتحقيق سيطرة وغالبية ديموغرافية يهودية في مناطق الأطراف الجغرافية والجليل والنقب ومنطقة المثلث، حيث يتركز المواطنون العرب الفلسطينيون في إسرائيل، إضافةً إلى القدس ومنطقتها والمستوطنات الكولونيالية المُقامة في الضفة الغربية المحتلة، كما سنوضح لاحقًا.
عائلة الدول المتطورة اقتصاديًا، لكنها تسير ديموغرافيًا بحسب أنماط الدول النامية. صاغت الحركة الصهيونية، ولاحقًا دولة إسرائيل، سياسات انتشار سكاني يعتمد على قواعد عدة، يمكن تلخيصها في النقاط التالية33:
إقامة مستوطنات جديدة زراعية ولاحقًا مدينية، وتوزيعها في مناطق تم الاستيلاء على أراضيها. استقطاب سكاني يهودي من الخارج، من خلال الهجرة أو التهجير اليهودي إلى البلاد؛ لإشغال وتعبئة مستوطنات جديدة تقام أو/ وإحلالها مكان عرب فلسطينيين بعد تهجيرهم. إقامة مركز مديني وتشكيل عنقود استيطاني يهودي حوله، لاستيعاب زيادة السكان اليهود؛ ما يحقق أهداف السيطرة على الحيز وحصر القرى والمدن العربية الفلسطينية. تطبيق سياسة توزيع السكان اليهود على مناطق الأطراف الجغرافية التي يسكنها العرب، في مقابل السعي لتركيز السكان العرب وتقطيع التواصل في ما بينهم. الخوف والتخويف من ترك مناطق فارغة من دون استيطان يهودي، خصوصًا مناطق الحدود القائمة والممكنة في حالة تسوية جيوسياسية. لإنجاز هذه القواعد الجيو - استيطانية، يجب أن تتوافر كتلة بشرية يمكن للدولة إشغال الأرض بها. لذلك، مكّنت أمواج الهجرة الإيجابية إسرائيل من إقامة مستوطنات في المناطق التي تم تهجير العرب الفلسطينيين منها خلال النكبة، وتطهير حيزي قروي ومديني فلسطيني منها، واستبدلتها السلطات الإسرائيلية بتحويلها إلى بلدات يهودية مع تعديل اسمها، وتسكين جزء من الهجرة اليهودية فور إقامة دولة إسرائيل في بيوت عربية، تم تهجير أهلها وتحويلهم إلى لاجئين خارج وطنهم أو حتى في وطنهم34. تشمل سياسات الانتشار السكاني استخدام سياسات السكان التي تسعى لمنح دعم مالي للأسر كثيرة الأولاد التي تسكن بلدات تقع في الأطراف الجغرافية، بما في ذلك اليهود الحريديم واليهود المتدينين الذين يطبقون فريضة "تكاثروا وتزايدوا" لتوطينهم في أحياء وبلدات خاصة، بما في ذلك في منطقة الضفة الفلسطينية35 والقدس الشرقية ومحيطها. تطبيقًا لجدلية العلاقة بين السياسات الديموغرافية والهجرة، عبر قانون القومية 2018 في البند 7 عن إقامة المستوطنات: "الاستيطان اليهودي: تعتبر الدولة تطوير الاستيطان اليهودي قيمة قومية، وتعمل لأجل تشجيعه ودعم إقامته وتثبيته"، واعتمادًا على قانون القومية 2018()، بوصفه قانونًا أساسًا، دُمجت قيم وأيديولوجيات موجِهة للسياسات الديموغرافية التي تعتمد على استقطاب هجرة يهودية إلى إسرائيل، بما في ذلك القدس والضفة الغربية. ونتيجة لهذه السياسات، ارتفع عدد المستوطنين في الضفة الفلسطينية إلى 653621 مستوطنًا إسرائيليًا (بما في ذلك القدس الشرقية) في عام 2017، في مقابل 2888931 فلسطينيًا، وبذلك بلغت نسبة المستوطنين الإسرائيليين 22.6 في المئة من مجمل السكان36 في الضفة الفلسطينية، موزعين بين 132 مستوطنة أقرتها رسميًا الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى 106 بؤر استيطانية غير مُقرة رسميًا، ويجري نقاش داخل الحكومة الإسرائيلية لشرعنتها بحسب مشروع قانون شرعنة المستوطنات لعام 2017 . نتيجة السياسات الديموغرافية والقيم والأيديولوجيا التي تدعمها أخلاقيًا وسياسيًا وماديًا، ارتفع عدد السكان اليهود في فلسطين من نحو 717 ألف يهودي، في مقابل 156 ألف عربي فلسطيني في عام 1948، إلى نحو 6831000 يهودي، في مقابل نحو 1790000 عربي فلسطيني (يشمل سكان القدس الشرقية) في عام 2016 (ينظر الشكل 2.) وتضاعف عدد العرب الفلسطينيين (بما في ذلك في القدس الشرقية) بين عامي 1948 و 2016، بنسبة 1047 في المئة، ومن دون القدس الشرقية بنسبة 834 في المئة. مقارنة بذلك، ارتفع السكان اليهود وآخرون بنسبة 852 في المئة، أي إن هناك، تقريبًا، تشابهًا في نسبة زيادة السكان اليهود في مقابل العرب الفلسطينيين في إسرائيل، على الرغم من اختلاف مصادر زيادة السكان لدى العرب، التي تعتمد على التكاثر الطبيعي، بينما يعتمد اليهود على الهجرة والتكاثر الطبيعي أيضًا. على الرغم من التفاوت في مصادر زيادة السكان العرب واليهود، فإن نسبة السكان اليهود في مقابل العرب ما زالت أقل من الخمس، مع زيادة عدد السكان (ينظر الشكل.)3 يواجه استمرار زيادة السكان العرب، خصوصًا المسلمين منهم، بسياسة مُعلنة ومُبطنة هدفها خفض هذه الزيادة من خلال استخدام خطاب شيطنة التكاثر الطبيعي للسكان العرب، ودفع النساء العربيات إلى الخروج إلى العلم والعمل بهدف تقليل فترة الخصوبة وتقليص نسبة التكاثر؛ ما يحافظ على نسبة العرب لتشكل نحو خمس سكان مواطني إسرائيل في كل البدائل المتوقعة لزيادة عدد السكان (ينظر الجدول.)1
| 2050 | 2020 | 2017 | البديل/ السنة | ||||
|---|---|---|---|---|---|---|---|
| نسبة | عدد | نسبة | عدد | نسبة | عدد | ||
| 100.0 | 17.603 | 100.0 | 9.371 | 100.0 | 8.798 | مجمل | بديل مرتفع |
| 79.72 | 14.033 | 79.0 | 7.403 | 79.1 | 6.959 | يهود | |
| 20.28 | 3.570 | 21.0 | 1.968 | 20.9 | 1.838 | عرب | |
| 100.0 | 13.793 | 100.0 | 9.221 | 100.0 | 8.798 | مجمل | بديل منخفض |
| 78.94 | 10.888 | 78.96 | 7.281 | 79.1 | 6.959 | يهود | |
| 21.06 | 2.902 | 21.38 | 1.940 | 20.9 | 1.838 | عرب | |
يلخص الشكلان 2(3() و) التحولات في زيادة السكان اليهود في فلسطين منذ الانتداب البريطاني قبل قيام دولة إسرائيل وبعدها. وتُشير المعطيات إلى أن الحروب والتحولات الجيوسياسية كان لها أثر مباشر في التغيرات في توزيع عدد السكان ونسبة انتمائهم الوطني والقومي. قبل النكبة 1948، مثل العرب في فلسطين الانتدابية نحو 68 في المئة من السكان، وانخفضت نسبتهم إلى نحو 18 في المئة بعد الحرب، وبقيت نحو هذه النسبة حتى عام 2016، إذا حسبنا نسبة العرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل، من دون العرب الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية التي احتلت في عام.1967 على الرغم من زيادة اليهود ومضاعفة عددهم نحو عشر مرات منذ إقامة إسرائيل، فإن الهاجس الديموغرافي ما زال مركّبًا مركزيًا في السياسات الديموغرافية وفي الخطاب الديموغرافي الذي يدعو إلى هجرة يهودية إيجابية إليها ودعم التكاثر السكاني، ليس اليهود الحريديم فحسب، بل تشمل الطبقات الوسطى اليهودية. ويشمل هذا الخطاب وهذه السياسات الضفة الفلسطينية والقدس الشرقية. نتيجة هذه التحولات، أصبحت نسبة السكان العرب الفلسطينيين في حدود فلسطين الانتدابية بين النهر والبحر، تعادل، تقريبًا، السكان اليهود في عام 2017، حيث وصل عدد الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية إلى نحو 4733000 نسمة37، إضافة إلى نحو 1460000 عربي فلسطيني من مواطني إسرائيل، أي نحو 6193000 عربي فلسطيني، في مقابل 6959000 يهودي إسرائيلي وآخرين38. تقضّ هذه المعطيات الكمية مضجع متخذي القرار في إسرائيل؛ ما يزيد من تخوفاتهم على مستقبل الدولة، ويدخلهم في مآزق وورطات كثيرة، مثل صراعات داخل المركز السياسي الإسرائيلي بشأن كيفية مواجهة الزيادة الديموغرافية العربية الفلسطينية وانتشارها في الحيز الذي تسيطر عليه إسرائيل39. وتتجلى هذه الورطات الديموغرافية على نحو بارز في واقع القدس.
ثانيًا: الواقع الديموغرافوبي في القدس
تعتبر الديموغرافيا في القدس إحدى القضايا الشائكة والمعقدة لارتباط المكان/ المدينة بقيم وعقائد دينية، وسرديات، وواقع جيوسياسي مركّب. واجهت هذه المدينة، في عام 1948، تقسيم، وهُجّر الفلسطينيون من المناطق التي احتلت في عام 1948؛ ما أدى إلى انخفاض نسبتهم فيها بين عامي 1948 و 1967 إلى ما يقل عن 1.5 في المئة من مجمل سكان القدس الغربية، بعد أن مثل العرب الفلسطينيون فيها نحو 40 في المئة قبل عام 1947 وقبل تقسيم المدينة (ينظر: الشكلان 4 و.)5 بعد احتلال القدس الشرقية وضمها إلى القدس الغربية، بموجب حدود صاغتها وأقرتها الحكومة الإسرائيلية، مخالفة بذلك الشرعية الدولية مرة أخرى، بحسب قرار هيئة الأمم المتحدة رقم 181 الذي بموجبه قُسمت فلسطين إلى دولة يهودية ودولة عربية، كان من المفروض أن تُ نح القدس مكانة خاصة تحت وصاية دولية، لكن إسرائيل احتلتها ووضعتها تحت سيادتها. والمرة الثانية، كانت بعد احتلال الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وضمتها إلى القدس الغربية، مُخالفة أيضًا بذلك القانون والشرعية الدولية والقرارات الأممية. وسكن داخل الأراضي الفلسطينية التي ضُ مت إلى القدس الغربية تنوع من السكان الفلسطينيين الحضريين والقرويين، وبعضهم بدو من عرب السواحرة. واتبعت هذه المجتمعات نماذج المجتمعات التقليدية التي تتميز بارتفاع نسبة التكاثر؛ ما ساهم في زيادة الفلسطينيين على نحو ملحوظ، اعتمادًا على التكاثر الطبيعي في الأساس. وعلى الرغم من سياسة إسرائيل الديموغرافية التي سعت لمنع عودة لاجئين ومهجّرين فلسطينيين إلى القدس أو تشجيع هجرة فلسطينية إليها، فإن نسبة ملحوظة من السكان ذوي أصول من الخليل ومنطقتها سكنت القدس، وكانت جزءًا من النسيج السكاني الفلسطيني المنوع40. في المقابل بادرت إسرائيل إلى تغيير ديموغرافي، تمثل في مصادرة أراض فلسطينية في المدينة وإقامة مستوطنات إسرائيلية عليها؛ ما يحول دون إمكان تسوية جيوسياسية. ومثلت هذه المستوطنات حزامًا ديموغرافيًّا واستيطانيًّا، أحاط بالأحياء والقرى الفلسطينية التي استمرت في النمو والتوسع عدديًا وحيزيًّا، وقطع التواصل الحضري بينها، على الرغم من الضبط والمعوقات الإسرائيلية. وصل عدد السكان المقدسيين الفلسطينيين في عام 2016 إلى نحو 332 ألف شخص، مشكلين نحو 37.7 في المئة من عدد سكان القدس (ينظر الشكلان 3 و 4.) وفي الفترة 1967 - 2016، ازداد عدد المقدسيين الفلسطينيين بنحو 385 في المئة، وفي المقابل ازداد الإسرائيليون بنسبة 178 في المئة41. وعلى الرغم من سياسة الحصر الإسرائيلية ومنع دخول هجرة إيجابية فلسطينية إلى القدس، وعلى الرغم من تشجيع تكاثر الإسرائيليين وهجرتهم إلى المدينة، فإن نسبة زيادة المقدسيين الفلسطينيين مثلت أكثر من ضعف زيادة الإسرائيليين، علمانيين وحريديم.
جعلت هذه الزيادةُ السلطات الإسرائيليةَ تستخدم مصفوفة ضبط ديموغرافية، تخطيطية وحيزية؛ لحفظ غالبية يهودية في القدس بموجب تعريف أحياز إدارية وجيوسياسية متعددة مفروضة. وجدير بالذكر أن الإشكاليات الديموغرافية في القدس تتجاوز الصراع الديموغرافي الفلسطيني - الإسرائيلي الذي يمثل الأساس، إلا أن هناك صراعًا بين اليهود المتزمتين دينيًا (الحريديم) والمجموعات اليهودية التي تؤثر في طابع المدينة، ومستوى سكانها الاقتصادي الاجتماعي. واليوم، سكان القدس الإسرائيليون مُقسمون ثلاث مجموعات: علمانيون يمثلون 33 في المئة؛ وآخرون معرفون بصفتهم متدينين، نسبتهم 33 في المئة أيضًا؛ والباقون حريديم يسكنون في أحياء خاصة بهم، ونسبتهم نحو 34 في المئة. تعاني القدس، حاليًا، هجرة سلبية، خصوصًا من أبناء الطبقة الوسطى العلمانيين الإسرائيليين؛ ما يُضعف الوضع الاقتصادي في المدينة ويساهم في تردي الحياة فيها42.
ساهم موقع القدس الجيوسياسي، والتغيرات التي حدثت في تشكيل حدودها الإدارية، في إيجاد خريطة انتشار ديموغرافي مبنية على تطبيق مبدأ حسبة، تمارس إسرائيل من خلالها محاولات حثيثة لحفظ غالبية ديموغرافية. ويقف هذا الأمر حائلً أمام تسويات جيوسياسية مستقبلية مع الفلسطينيين تشمل القدس، ويمنع هذه التسويات الجيوسياسية، ويؤمّن سيطرة إسرائيلية جيوديموغرافية على الحيز من دون دفع ثمن المشاركة السياسية للفلسطينيين. ويكون ذلك بإنتاج الحيز أو بتقاسم موارد القوة والمؤسسات السياسية، لهذا نهجت إسرائيل منهجًا مميزًا ومتميزًا مع واقع القدس، نلخص بعضه في النقاط التالية: المكانة بوصفها مؤشرًا على الديموغرافوبيا؛ حيث مُنح الفلسطينيون المقدسيون مكانة "مقيمون ثابتون"، بوصفها تعريف مكانة جديدًا لسكان أصلانيين. ومُنحت هذه المكانة للمقدسيين الذين تعرضوا لاحتلال إسرائيلي بموجب قانون "الدخول إلى إسرائيل، 1952"، وهي مكانة تُ نح لمن يدخل إسرائيل لغرض العمل، مُتنكرة لكونهم مواطنين أصلانيين. كما مُنح المقدسيون بطاقة الهوية الإسرائيلية، ولم يُ نحوا المواطنة، أو تفرض عليهم المواطنة بحسب قانون المواطنة الإسرائيلي لعام 1950. من جهة ثانية، رفض الفلسطينيون طلب الجنسية الإسرائيلية، وفي المقابل، ترفض إسرائيل، غالبًا، طلبات الجنسية المقدمة من المقدسيين الفلسطينيين. ومنذ عام 2003، قدم نحو 15 ألف شخص فلسطيني مقدسي طلب الجنسية الإسرائيلية، من أصل نحو 330 ألف مقدسي فلسطيني، وصادقت إسرائيل على أقل من ستة آلاف طلب فقط. وهذه المكانة المميزة هي نتاج بقاء المقدسيين الفلسطينيين في حالة الموقت المشروط، حتى إنها أوجدت عندهم ثقافة الموقت، المنتظر أن تتغير مكانته وحاله. ضمت إسرائيل القدس الشرقية المحتلة وبسطت سيادتها عليها، مخالفة القانون والشرعية الدوليين، كما أشرنا سابقًا. في المقابل، أحالت القوانين الإسرائيلية كلها على الأرض والإنسان، باستثناء قانون المواطنة. وعلى الرغم من أن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية تشمل سكان القدس الفلسطينيين في عرضها معطيات عن مجمل عدد السكان العرب الفلسطينيين في إسرائيل، فإن إسرائيل تتجاهل مكانتهم المميزة، وبذلك تزيد نسبة العرب في إسرائيل على 21 في المئة، بينما لا تتجاوز نسبة المواطنين العرب فيها 18 في المئة. بحسب مكانة "المقيم الثابت"، مُنح المقدسيون الفلسطينيون حق المشاركة في الانتخابات البلدية، لكنهم لم يُ نحوا حق المواطنة بحسب القانون الذي يُ كنهم من الانتخاب في البرلمان والحصول على جواز سفر إسرائيلي، وبذلك، بقوا عرضةً للتهديد بنزع هويات الإقامة والطرد، وإشكاليات متعددة تتعلق بالسفر إلى خارج بلدهم. وخير نموذج فعلي لهذا التهديد يتمثّل في بناء إسرائيل الجدار العازل بعد عام 2002؛ هذا الجدار الذي قَطع الأحياء الفلسطينية وأبقى خارجه نحو خمسين ألف مقدسي فلسطيني يحملون بطاقة الهوية الإسرائيلية43. وزاد التهديد من هذه المكانة، بعد أن أقرت إسرائيل سياسة "مركز الحياة" للمقدسيين الفلسطينيين منذ عام 1995، التي تنص على أن كل مقدسي لا يثبت أن مركز حياته القدس، أي يسكن في القدس ويعمل فيها خلال الأعوام السبعة الأخيرة له، مُعرض لفقدان الإقامة الثابتة وسحب بطاقة الهوية منه، والإعلان عن أملاكه أملاك غائبين، حيث تُصادر أراضيه وعقاراته وتُحوّل إلى إدارة الدولة وتصرفها فيها. وفعلً، سُحبت هويات 14595 44 مقدسيًا فلسطينيًا بين عامي 1967 و 2016، من خلال الاعتماد أساسًا على هذه السياسة. من ثم، هناك جزء من السياسة الديموغرافية يتعلق بتسجيل السكان في سجل النفوس وتوحيد عائلات فلسطينية، ويمارس في القدس وسائر الضفة الفلسطينية لأجل تقليل الوجود الفلسطيني، حيث ما زالت إسرائيل تسيطر على سجل النفوس الفلسطيني حتى في الضفة الغربية وقطاع غزة. صحيح أن السلطة الوطنية الفلسطينية تصدر بطاقات هوية للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، باستثناء القدس الشرقية، لكنه يجري بالتنسيق مع إسرائيل التي تستطيع أن ترفض أو تُلغي طلب/ طلبات هويات، أو التسجيل في سجل النفوس، كما تفعل منذ عام 1967؛ حيث رفضت وألغت أكثر من 230 ألف هوية بحجة مكوثهم فترة طويلة خارج الأراضي المحتلة45. رسم الحدود؛ صاغت الأممُ المتحدة قرارَ تقسيم فلسطين بالاعتماد على اعتبارات جيوديموغرافية، لتشمل الدولة
اليهودية غالبية اليهود في فلسطين آنذاك46. وفي أعقاب الحرب، نشأت حدود وقف إط قاا نار/ هدنة، أصبح يطلق عليها اسم "الخط الأخضر"، والمطلب، حاليًا، أن تمثل هذه الحدود أساس التوافق على حل الدولتين، فلسطين وإسرائيل47. ورُسمت هذه الحدود على أساس الانتشار الديموغرافي، والعلاقة بين غالبية يهودية نشأت بعد النكبة من خلال الهجرة وتحول الفلسطينيين إلى أقلية عددية بعد التهجير والإحلال العرقي، نسبتها لا تتجاوز 18 في المئة من سكان إسرائيل، بما في ذلك القدس الغربية. وبعد حرب 1967 واحتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية، لم يجر تطهير حيزي مديني وقروي وطرد سكاني، كما جرى في المناطق التي أقيمت عليها إسرائيل بعد حرب 1948 48. بعد حرب 1967، ضمت إسرائيل أراضي من الضفة الغربية الفلسطينية إليها، شملت حدود بلدية القدس العربية ومناطق مجالس قروية ألغتها إسرائيل، وضمتها إلى بلدية القدس الإسرائيلية الموسعة، وزادت مساحة هذه الأراضي التي ضمتها على 71 ألف دونم، على المستوى القُطري. وبذلك، رسمت إسرائيل حدودها على اعتبارات جيوسياسية وديموغرافية، شملت حدود بلدية القدس الموسعة التي شملت 28 قرية فلسطينية: صور باهر والعيسوية وشعفاط، إضافة إلى القدس العربية التي لم يتجاوز عدد سكانها 68 ألف فلسطيني آنذاك، يمثلون نحو 26 في المئة من مجمل سكان بلدية القدس بعد الضم الإسرائيلي. تدلنا مراجعة عملية رسم حدود بلدية القدس الإسرائيلية على اعتماد مبدأ ضم أكبر مساحة من الأرض التي تخدم الأهداف الإسرائيلية وروايتها، في مقابل أقل عدد من السكان الفلسطينيين. ووفقًا لهذا، سيطرت إسرائيل على مطار "قلنديا"، في شمال القدس، وعلى حوض البلدة القديمة، وعلى السفوح الشرقية لجبل المشارف؛ ما وفر أراضي لإقامة مستوطنات إسرائيلية لأجل زيادة عدد السكان اليهود واستيعاب هجرة يهودية، وإخراج القدس من حالة "الحصار" بحسب الرواية الإسرائيلية49. ومثل المركّب الديموغرافي الفلسطيني وتوزيعه أساسًا لرسم الحدود، كي تكون نسبة الفلسطينيين في حدود البلدية أقل من 30 في المئة من مجمل سكان القدس بعد الضم. نتيجة هذه السياسة، استُثني مخيم اللاجئين في قلنديا وبلدات محاذية أخرى، مثل قلنديا والرام وبير نبالا وبيت حنينا وعناتا وحزما وأبوديس... إلخ، التي مثلت قاعدة حفظ نسبة 30 في المئة من الفلسطينيين، في مقابل نسبة 70 في المئة إسرائيليين، باعتبارها أساسًا للسياسة التخطيطية الديموغرافية. ولم تُصادق بلدية القدس ولجان التخطيط اللوائية والقُطرية الإسرائيلية على مخططات هيكلية تسمح بتجاوز نسبة الفلسطينيين المقدسيين ال 30 في المئة؛ ما دفع الفلسطينيين إلى البناء العشوائي من دون تخطيط هيكلي منظم، ومن دون ترخيص لتلبية حاجاتهم الأساسية، خصوصًا بعد زيادة عددهم. وبذلك طُبقت على نحو فاعل قاعدة نسبية 70-30(في المئة) في الميزان الديموغرافي بين أقلية وأكثرية قومية، وإثنية وثقافية تعاني حالة صراع وتصدع50، وذلك كله من منطلق استمرار السيطرة الإسرائيلية على المدينة، وكانت موجهة لبناء الجدار الفاصل. الجدار الفاصل بوصفه نتاجًا للديموغرافوبيا؛ جرى تطبيق السياسة الديموغرافية التي تهدف إلى إبقاء الفلسطينيين المقدسيين أقليةً لا تتجاوز نسبتهم 30 في المئة في حدود مدينة القدس؛ من خلال تشجيع الهجرة الإيجابية إليها والتكاثر الطبيعي اليهودي فيها، وإقامة مستوطنات في حدود بلدية القدس الموسعة ومحيطها لاستقطاب هذه الزيادة اليهودية واستيعابها. في المقابل، تم ضبط زيادة السكان الفلسطينيين وحصرها، من خلال منع هجرتهم الإيجابية إليها، وتشجيع تمدن المجتمعات القروية التي تمثل غالبية سكان القدس لخفض التكاثر الطبيعي الفلسطيني فيها. وعلى الرغم من ذلك، ارتفع عدد السكان الفلسطينيين من 68 ألفًا في عام 1967 إلى نحو 330 ألف نسمة في عام 2016 داخل حدود بلدية القدس. مثلت هذه الزيادة جزءًا من الامتداد المديني والقروي الفلسطيني في المحيط الحضري المقدسي/ متروبولين القدس، الذي يمتد من بيرزيت شمالً حتى بيت ساحور جنوبًا، مرورًا برام الله، والقدس وبيت لحم ومحيطها (ينظر الشكل.)5
ولتقطيع هذا الامتداد والتواصل السكاني الفلسطيني، بادرت إسرائيل إلى إقامة مستوطنات إسرائيلية في دائرتين، داخلية وخارجية. شملت الدائرة الداخلية إقامة 11 مستوطنة (حي، بحسب التعريف الإسرائيلي) في القدس الشرقية، يسكنها نحو 209 آلاف مستوطنٍ في عام 2016، وتحيط بالبلدة القديمة وحوضها. أما الدائرة الخارجية، فشملت إقامة 28 مستوطنة في متروبولين القدس، سكنها في عام 2016 نحو 178 ألف مستوطن. تهدف هذه المستوطنات إلى السيطرة على الحيز وتهويده، وتقطيع التواصل الجغرافي الفلسطيني والتغلغل فيه؛ لمنع إيجاد غالبية ديموغرافية فلسطينية في الحيز. إضافة إلى هذه المستوطنات، أقامت إسرائيل جدارًا فاصلً لتأمين عدم دخول الفلسطينيين إلى القدس إلا من خلال بوابات وحواجز مُسيطر عليها ومرصودة بإِحكام من السلطات الإسرائيلية. لم يُقَم هذا الجدار حول المستوطنات، أو على حدود البلدية بحسب التعريف الإسرائيلي، بل ليقطع الأحياء الفلسطينية ويمنع استمرار تواصلها الحيزي العضوي والطبيعي51. ويمكن القول إن هذا الجدار أقيم بادعاء دوافع أمنية، وكانت الاعتبارات الديموغرافية جزءًا من هذه الدوافع. كما أشرنا آنفًا، أبقى الجدار جزءًا من المقدسيين الفلسطينيين، عدده نحو خمسين ألف شخص، خارج الجدار المحيط ببلدية القدس، بحسب التعريف الإسرائيلي، على الرغم من أنهم يحملون بطاقة الهوية الإسرائيلية، مثل: منطقة كفر عقب وضاحية البريد ومخيم شعفاط والسواحرة والولجة. في المقابل، شمل الجدار مستوطنات خارج حدود بلدية القدس: معاليه أدوميم وجبعات زئيف. وهكذا، مثلت الاعتبارات الديموغرافية بوصلة موجهة لتحديد موقع الجدار، لأجل خفض نسبة المقدسيين الفلسطينيين بحسب حدود يرسمها الإسرائيليون ينتجونها لصوغ خطاب ووعي يفيدان بأن الإسرائيليين هم غالبية في هذا الحيز.
ثًالث ا: إنتاج أحياز ديموغرافوبية
لفهم الخطاب الديموغرافي والسياسات الديموغرافية فهمً أعمق، يجب ربطهما بالحيز المشار إليه وبالكثافة السكانية وتوزيع نسب السكان بينها بحسب الانتماء القومي/ الوطني. في دراستنا هذه قمنا بفحص نسب توزيع السكان الفلسطينيين مقابل الإسرائيليين، ذلك بحسب التعريفات الإسرائيلية في التقسيم الإداري والوظائفي والجيوسياسي للحيز، في مقابل التعريف الفلسطيني. نتيجةً لهذه التعريفات المتعددة والمنوعة لحدود المناطق المستخدمة على نحو انتقائي من قبل ذوي العلاقة، يكون عرض المعطيات وتفسيرها على نحو مغاير، ليخدم الخطاب الديموغرافي والأهداف الجيوديموغرافية والجيوسياسية. كما يتمّ تقسيم توزيع السكان في الحيز على أساس انتماءات قومية ووطنية وإثنية وثقافية، كما هي الحال في القدس ومحيطها الحضري الذي أطلقت عليه إسرائيل مصطلح متروبولين القدس52؛ وهذا المصطلح غير مستخدم فلسطينيًا؛ لأنه يعبر، من وجهة نظرهم، عن سيطرة إسرائيلية، على الرغم من أنه في ماهيته يعبر عن العلاقة الوظائفية في محيط حضري معين. وفي حالة الصراع في القدس ومحيطها، يعبر هذا المصطلح عن سيطرة حيزية إقليمية إسرائيلية. وما يؤكد هذه السيطرة الإقليمية تركيز إسرائيل على حدود بلدية القدس بوصفها قلب المتروبولين ودائرته الوظائفية الداخلية، وعرض المستوطنات الإسرائيلية، بما في ذلك تلك المقامة في الضفة الفلسطينية، بوصفها جزءًا من الدائرة الخارجية للمتروبولين، متجاهلة ومتنكرة للوجود المديني والقروي الفلسطيني الذي يمثل جزءًا عضويًا من نسيج حضري لمحيط القدس ومكملً لها وظائفيًّا وعمرانيًّا53. يُظهر هذا التنكر، والعرض الانتقائي الإسرائيلي على الخرائط وطرح المعطيات ووضع المخططات للوجود الفلسطيني، الوجودَ الإسرائيلي بوصفه إنجازًا للمشروع الصهيوني ودولة إسرائيل في القدس ومحيطها، في المقابل، عرض الوجود الفلسطيني وزيادة السكان باعتباره تهديدًا للإسرائيليين. درسنا هذه الحرب - شبه الهادئة التي يُعبر عنها بعرض الخرائط وتحديد الأحياز الإدارية التي تخدم الأهداف والمصالح الإسرائيلية ورسمها، وحساب نسب السكان الفلسطينيين فيها وعرضها، في مقابل الإسرائيليين - ولخصنا بعضًا من نتائجها في الجدول 2() والشكل 5()، بهدف عرض الأرقام والنسب في الحيز والجداول والاستدلال من نتائجها على حالة الديموغرافوبيا الموجودة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خصوصًا في منطقة القدس.
| نسبة الإسرائيليين | نسبة الفلسطينيين | عدد السكان | الحيز الإداري/ الوظائفي |
|---|---|---|---|
| 8.6 | 91.4 | 34960 | البلدة القديمة |
| 39.58 | 60.42 | 542400 | القدس الشرقية |
| 62.3 | 37.7 | 882700 | القدس بحسب حدود البلدية المحددة من إسرائيل التي تُعتبر نواة المتروبولين بحسب التعريف الإسرائيلي. |
| 67.7 | 31.3 | 1357696 | يشمل متروبولين القدس بحسب التعريف الإسرائيلي النواة والدائرة الخارجية، ويتجاهل الوجود الفلسطيني في دائرة المتروبولين الخارجية. |
| 66.89 | 23.11 | 474996 | الدائرة الخارجية للمتروبولين، تشمل لواء القدس بحسب التعريف الإسرائيلي، ويُتجاهل الوجود الفلسطيني فيها. |
| 63.18 | 36.82 | 281896 | الدائرة الخارجية للمتروبولين في محافظة القدس لا تشمل نواة المتروبولين (بحسب التعريف الفلسطيني.) |
| 21.63 | 78.37 | 823418 | الدائرة الخارجية للمتروبولين تشمل الفلسطينيين في محافظة القدس وبيت لحم ورام الله (بحسب التعريف الفلسطيني.) |
| 48.8 | 51.2 | 1899218 | النواة والدائرة الخارجية للمتروبولين في محافظة القدس تشملان الإسرائيليين والفلسطينيين في لواء ومحافظة القدس وبيت لحم ورام الله |
| 65.29 | 34.71 | 2803411 | سكان متروبولين القدس الفلسطينيون من مجمل السكان الفلسطينيين في الضفة الفلسطينية. |
| 62.21 من المستوطنين | 37.79 من المستوطنين يسكنون خارج منطقة القدس | * 622670 | المستوطنون الإسرائيليون في متروبولين القدس من مجمل المستوطنين في الضفة الفلسطينية. |
تُظهر مراجعة فاحصة لعرض المعطيات، بحسب الانتماء الوطني (فلسطينيون في مقابل إسرائيليين)، والأحياز الإدارية والوظائفية والعمرانية، تفاوتًا في الميزان الديموغرافي بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وتشير المعطيات إلى أن الفلسطينيين في بلدة القدس القديمة يمثلون غالبية مطلقة 91.4(في المئة فلسطينيون، في مقابل 8.6 في المئة إسرائيليون)، وعلى الرغم من السياسة الحثيثة لتهويد حيز البلدة القديمة ودفع سكان يهود للسكن فيها، فإن نسبة العرب الفلسطينيين في حوض البلدة القديمة، أو كما يعرف بحسب التعريف الإسرائيلي "الحوض المقدس"، تمثل غالبية مطلقة حيث تتجاوز 95 في المئة. كما أن نسبة السكان الفلسطينيين في القدس الشرقية تجاوزت 60.42 في المئة، في مقابل 39.58 في المئة هي نسبة المستوطنين الإسرائيليين. أما إذا أخذنا في الحسبان مجمل السكان في مدينة القدس، بحسب الحدود التي وضعتها إسرائيل، فسنجد أن الميزان الديموغرافي لمصلحة الإسرائيليين الذين يمثلون نسبة 62.3 في المئة، في مقابل 37.7 في المئة للفلسطينيين في عام 2016. وبالمقارنة، فإن نسبة الفلسطينيين في محيط متروبولين القدس (الدائرة الداخلية - نواة المتروبولين) تنخفض إلى 31.3 في المئة من مجمل السكان، وتتقلص إلى 23.11 في المئة من سكان الدائرة الخارجية للمتروبولين، الذي يشمل لواء القدس بحسب التعريف الإسرائيلي، ويتجاهل الوجود الفلسطيني فيها بوصفه جزءًا من سكان المتروبولين. أما إذا أخذنا في الحسبان السكان الفلسطينيين في الدائرة الخارجية للمتروبولين الذي يشمل محافظة القدس وبيت لحم ورام الله، فإن نسبة الفلسطينيين ترتفع إلى 78.37 في المئة، وتنخفض إلى نحو 51.2 في المئة في نواة المتروبولين. وإذا حسبنا عدد السكان الذين يعيشون في نواة المتروبولين والدائرة الخارجية له في محافظة القدس، ويشمل الإسرائيليين والفلسطينيين في لواء/ محافظة القدس وبيت لحم ورام الله في عام 2016، فسنجد أن الغالبية فلسطينية. وإذا حسبنا نسبة السكان الفلسطينيين في متروبولين القدس في عام 2016، فسنجد حاليًا أن 34.71 في المئة من سكان الضفة الفلسطينية تعيش في متروبولين القدس، في مقابل 62.21 في المئة من المستوطنين الإسرائيليين الذين يستوطنون الضفة الفلسطينية ويعيشون في متروبولين القدس.
نستنتج من المعطيات المعروضة في الجدول 2() والخريطة 1() أن النسب المئوية لعدد السكان تتغير بحسب تحديد المنطقة، وتسعى إسرائيل لتركيز المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية ومحيطها، حيث وصل عددها إلى 39 مستوطنة، يعيش فيها نحو 388 ألف مستوطن. بينما بلغ عدد الفلسطينيين نحو 973 ألف نسمة، في 161 قرية ومدينة54. لكن عندما تعرض إسرائيل ومؤسساتها القُطرية والبلدية الخرائطَ والمُعطيات55، فإنها تتجاهل وجود الفلسطينيين وارتباطهم وتواصلهم الحضري والوظائفي بالقدس، وتتعامل معهم كأنهم غير مرئيين من ناحيتها، على الرغم من وجودهم في محيط متروبولين القدس المبتور والمقطع. ويهدف هذا البتر والتقطيع الحضري والوظائفي إلى حالة يسعى الإسرائيليون بها لإبعاد الفلسطينيين عن القدس بفرض حالة إعطاء ظهرهم إليها، وفي المقابل، تقريب المستوطنين إليها وتنمية حالة وجهتهم إليها. كما أن عرض المعطيات الديموغرافية الانتقائية، وتحديد حدود أحياز، يخدمان الخطاب الديموغرافي الإسرائيلي والسياسات السكانية والاستيطانية الإسرائيلية في حيز مدينة القدس ومحيطها.
رابعًا: نظرات استشرافية
نشأ الواقع الديموغرافي في القدس بوصفه نتاج تحولات جيوسياسية وجيوديموغرافية56، حيث تُوج المشروع الصهيوني بإقامة دولة قومية يهودية في فلسطين واستيعاب اليهود الصهيونيين فيها، بحكم الانتماء العرقي بوصفه جزءًا من لمّ الشتات اليهودي. وترجمت هذه الدولة روايتَها في قانون القومية لعام 2018 57 الذي تبنى مركّبات من "وثيقة استقلال إسرائيل" في عام 1948، وصاغها في قانون أساس. وينص القانون على أن حق تقرير المصير في فلسطين (أرض إسرائيل) يقتصر على اليهود، وأن الهجرة اليهودية التي تؤدي إلى المواطنة المباشرة هي لليهود فحسب، وأن القدس الكاملة والموحدة هي عاصمة إسرائيل. ولم يشُر القانون إلى مساواة مع المواطنين العرب الفلسطينيين، وتجاهل، طبعًا، الوجود العربي الفلسطيني الأصلاني الذي يمثّل حاليًا نحو نصف سكان البلاد، وحقه في تقرير مصيره في وطنه. ويُعد هذا القانون بمنزلة إعلان حرب على إمكان الوصول إلى تسويات جيوسياسية مع الفلسطينيين، بما في ذلك إنجاز حق عودة الفلسطينيين المهجّرين/ اللاجئين إلى وطنهم. وترى إسرائيل أن عودة اللاجئين تمثّل إعلان حرب ديموغرافية عليها. لذا، فإن التخويف/ الخوف هو جزء من مركّبات الأيديولوجيا الصهيونية التي تسعى لبناء الذات وصوغ خطاب جمعي مميز من الآخر، في حالتنا، الفلسطيني بوصفه مهددًا للمشروع الصهيوني، وأن الديموغرافوبيا جزء من حالة إبقاء هاجس الخوف. وسوف يبقى هذا الهاجس بوصلةً موجهةً للخطاب الديموغرافي والسياسات الديموغرافية ومخططاتها الحيزية الرسمية والتوجيهية التي تُطبقها الدولة، وتشارك الوكالة الصهيونية في وضع بعضها، مع مؤسسات وجمعيات أهلية ومدنية صهيونية. يُساهم استمرار تبني الديموغرافوبيا في الخطاب والسلوك الصهيوني الإسرائيلي بزيادة الضوابط على الفلسطينيين، خصوصًا في القدس ومنطقتها؛ لخفض نسبتهم السكانية، وعدم تجاوزها ال 40 في المئة، وربما السعي لخفضها إلى 30 في المئة، وإبقاء مكانتهم "مقيمون ثابتون"، ورعايا في دولة إسرائيل. تسعى الدولة للحفاظ على نسبة الأقلية فيها بشكل لا يتجاوز 30 في المئة من عدد سكانها، حتى تحافظ الغالبية اليهودية على سيطرتها على الموارد، وتحول دون مطالبة الأقلية بالمشاركة في تقاسم قوة الدولة ومواردها باستخدام حق التصويت والمشاركة السياسية أو المطالبة بحق تقرير المصير؛ إذ يؤثر الموقع الجغرافي ومكانة الأقلية السكانية وحالتها في مطالبها بالانفصال والمطالبة بالتحرر من سيطرة الغالبية. وفي حالة الصراع الجيوديموغرافي الصهيوني - الفلسطيني الأمر أشد تعقيدًا، خصوصًا في منطقة القدس، حيث تتغير علاقة الغالبية بالأقلية الديموغرافية بتغيير الحيز الجيوسياسي والإداري، كما أوضحنا في الخريطة 1() في حالة القدس على المستوى المديني والمتروبوليني. أما على المستوى القُطري، فتقريبًا، هناك مساواة بين عدد الفلسطينيين والإسرائيليين. أما على المستوى الإقليمي، فيمثل الإسرائيليون أقلية في "جزيرة" محاطة بمحيط غالبية عربية، ولن تتغير هذه العلاقة كثيرًا، ما يزيد من هاجس الديموغرافوبيا الإسرائيلية، الذي سيدفع الإسرائيليين إلى استمرار تطبيق السياسات الديموغرافية، والتشدد فيها. وتتمثل هذه السياسات في استمرار استقطاب الهجرة اليهودية إليها وتشجيع التكاثر السكاني اليهودي وتشجيع الهجرة الداخلية الصهيونية إلى المستوطنات في منطقة القدس الشرقية ومحيطها؛ لأجل إخراج القدس، بحسب التعريف الإسرائيلي، من حالة شبه الجزيرة الديموغرافية وتعزيز دائرة المستوطنات الخارجية المحيطة بمدينة القدس، خصوصًا من الشرق (منطقة معاليه أدوميم) لأجل تقطيع التواصل الجيوديموغرافي
الفلسطيني على محور شمال/ جنوب، حيث يمثل الفلسطينيون غالبية في القدس الشرقية ومحيطها (ينظر الشكل.)6 ربما يكون هناك استشراف إسرائيلي يتلخص في أن زيادة الحصار على الفلسطينيين سوف تدفعهم، خصوصًا الشباب منهم، إلى الهجرة إلى خارج منطقة القدس وربما إلى خارج الوطن. هذه الهجرة الفلسطينية السلبية القسرية، المرغوبة إسرائيليًّا، يُفترض أن تخفض نسبة الفلسطينيين على المدى الطويل. ووفق تقويمنا، فإن هذا الاستشراف بعيد المنال، على الرغم من الممارسات الإسرائيلية في زيادة الضغط وشد الخناق على المقدسيين. لذا، سوف تستمر حالة التكاثر الفلسطيني والإسرائيلي في المنطقة؛ ما يحافظ على التوزيع النسبي، على الرغم من الزيادة العددية لدى الفلسطينيين والإسرائيليين. سوف يدفع ارتباط الفلسطينيين والإسرائيليين بالقدس، لدوافع متعددة وجدانية وسياسية ووظائفية، إلى استمرار زيادة السكان فيها وفي محيطها بنسبة أعلى من زيادة السكان في فلسطين كلها، وسوف تكون زيادة الفلسطينيين أعلى من زيادة الإسرائيليين. وعلى الرغم من استمرار تفعيل السياسات الديموغرافية وتوسيع الاستيطان الكولونيالي في محيطها، فإن موقع القدس ومحيطها في قلب الضفة الفلسطينية سوف يزيد تَرَكّز عدد السكان الفلسطينيين في محيطها المديني والقروي. وسوف تعتمد الزيادة الفلسطينيين في محيط القدس، وداخل الدائرة الخارجية للمتروبولين المقدسي، على التكاثر الطبيعي والهجرة الإيجابية من أطراف الضفة الفلسطينية، ومن عودة فلسطينيين إلى الوطن. في المقابل، سوف يزداد الإسرائيليون في داخل الدائرة الداخلية للمتروبولين التي تشمل حدود مدينة القدس بحسب التعريف الإسرائيلي، إضافة إلى المستوطنات القريبة منها، تحقيقًا لسياسة إسرائيل الجيوديموغرافية في إخراج القدس، بحسب التعريف الإسرائيلي، من حال الجزيرة داخل المحيط الحضري المقدسي الذي يتعزز على محور الجبل في اتجاه الشمال في محافظة رام الله، وفي اتجاه الجنوب في محافظة بيت لحم، مرورًا بمركز محافظة القدس. أما المحور الجيوديموغرافي الذي يسعى الإسرائيليون لتعزيزه، فيتركز في محور شرق - غرب؛ أي توسيع عنقود مستوطنات معاليه أدوميم ومحيطها في الشرق، حتى مبسيرت تسيون قيمت ضمن حدود بلدية القدس غربًا، مرورًا بالمستوطنات التي أ، خصوصًا في القدس الشرقية. يميل كلا المجتمعين الفلسطيني والإسرائيلي إلى التدين والمحافظة على قِيم التكاثر السكاني الطبيعي وسلوكه، على الرغم من حالة التمدن والعصرنة التي يمران بها. لذا، تنطبق نظرية التحول الديموغرافي عليهما، لكن لا يؤدي الأمر إلى حال يميل فيها التكاثر إلى الصفر، كما هو شأن المجتمعات الأوروبية والغربية في الدول المتطورة. وما زال هذان المجتمعان يسلكان ديموغرافيًا أطراف مرحلة الانفجار السكاني، وما يبقي على هذه المرحلة هو استمرار الصراع الجيوسياسي الذي يستخدم الديموغرافي جزءًا من هذا الصراع. وسترتفع عملية التدين والتزمت المتزايدة في المجتمع الإسرائيلي؛ ما يدفع إلى زيادة السكان اليهود الحريديم والمتدينين القوميين، في المقابل، تنخفض نسبة اليهود العلمانيين في منطقة القدس ومحيطها. لاستيعاب هذه الزيادة، سوف يعزز الاستيطان اليهودي المجتمعات المتدينة القومية والحريديم؛ ما يمثل شبكة استيطان استعمارية إسرائيلية داخل شبكة الاستيطان القروية والمدينية الفلسطينية في القدس ومتروبولينها المزدوج والثنائي المشرذم والمقطع بحدود إدارية وجدار فصل عنصري. يحول هذا دون الانتقال الحر بين شبكتي الاستيطان الموجودتين في محيط المتروبولين المقدسي نفسه؛ شبكة الاستيطان المديني والقروي الفلسطيني التي تتطور عضويًا، في مقابل شبكة المستوطنات الإسرائيلية الكولونيالية المنشأ. سوف يدفع تداخل تشكيل شبكة الاستيطان القروي والمديني والمجتمعي الفلسطيني وتشابكه، الذي نشأ وتطور عضويًّا وتراكميًّا وبعضه عشوائيًّا، في مقابل شبكة الاستيطان الإسرائيلي الكولونيالي المنشأ والمخطط لتحقيق أهداف السيطرة على الحيز من خلال زيادة المستوطنين، نحو نشوء منظومة الفصل العنصري الزاحف المنشأ وحالته وتعمقها وتطورها. وسيزيد التقاطع وعدم التكامل الحيزي والوظائفي بين شبكتي الاستيطان الفلسطيني، في مقابل الكولونياليات الإسرائيلية وعلاقتها بمدينة القدس وقلب المتروبولين، والتسابق المستمر بدفع زيادة السكان وتوطنها في محيط القدس، من حالة الصدامات والمواجهات بين الفلسطينيين والإسرائيليين في القدس ومحيطها الحضري. ومن المتوقع أن تكون نسبة السكان الفلسطينيين، في مقابل الإسرائيليين 60-40(في المئة) في الدائرة الداخلية للقدس، أي داخل حدود بلدية القدس وعلى محور شرق - غرب، أما على محور الدائرة الخارجية للمتروبولين وعلى محور شمال - جنوب فستكون النسبة 40-60(في المئة) لمصلحة الفلسطينيين (ينظر الخريطة.)2 لن يجلب إقرار قانون القومية الإسرائيلي في عام 2018، وحال القوة غير المتناظرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وحال الخطاب والسلوك السياسي الإسرائيلي، وعجز الشرعية الدولية عن تطبيق قراراتها الأممية والدولية، تغييرًا ملحوظًا في الواقع الجيوسياسي، بما في ذلك إقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس. وذلك يعني استمرار السيطرة الإسرائيلية على حيز القدس ومحيطها وإدارته ديموغرافيًا، من دون تغير مكانة السكان بتحولهم من مُحتلين إلى
مواطنين، لهم حق الانتخاب والمشاركة السياسية؛ لأن هذه المشاركة تعني تغيير النظام السياسي في إسرائيل نتيجة للمبنى الديموغرافي والتغيرات العددية فيه. وهذا يعني أن إسرائيل تتعمق لتكون ذات نظام ديمقراطي لليهود الإسرائيليين، وديمقراطية مشروطة وجزئية للعرب الفلسطينيين مواطني إسرائيل، أما الفلسطينيون المقدسيون فيستطيعون، نظريًا، المشاركة الديمقراطية المشروطة على المستوى المديني/ البلدي، في مقابل حرمانهم المشاركة السياسية على المستوى القُطري في إسرائيل، وتطبيقها في النظام السياسي القُطري الفلسطيني بمنحهم إمكان المشاركة السياسية في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية. أما مشاركة الفلسطينيين السياسية المشروطة في خارج القدس، فتتركز في البلديات والمجالس القروية الفلسطينية على المستوى المحلي. أما على المستوى القُطري، فسيشاركون في مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية. في المقابل، سيحمل المستوطنون الإسرائيليون الذين يسكنون في الأراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967 المواطنة الإسرائيلية، على الرغم من سكنهم في أراضٍ محتلة بحسب القانون الإسرائيلي، وسيشاركون على نحو فاعل في النظام السياسي الإسرائيلي. من المتوقع أن تستمر منظومة الأبرتهايد الإدارية، التصنيفية والحيزية المنشأ الموجودة في القدس ومحيطها المتروبوليني وتتعقد مع زيادة عدد السكان في القدس ومحيطها، خصوصًا إذا ما ضمت إسرائيل رسميًّا أراضي فلسطينية من المنطقة المسماة (ج) التي صنفتها الاتفاقات المرحلية بين إسرائيل ومنظمة التحرير سست على نموذج (براديغم الفلسطينية. هذه الاتفاقيات المرحلية أ) فصل تعسفي بين الأرض والإنسان الفلسطيني؛ حيث أبقت معظم الأرض تحت السيطرة السكانية، ومنحت إدارة السكان الفلسطينيين للسلطة الوطنية الفلسطينية، وأبقت مسألة القدس وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة بحسب الشرعية الدولية، للحل أو التسوية الجيوسياسية التي ما زال الفلسطينيون في انتظارها. ينطلق هذا النموذج من حال هاجس الديموغرافوبيا الذي يعوق كل تسوية جيوسياسية مستقبلية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
تلخيص واستنتاجات
تُعبر حالة الصراع الجيوديموغرافي في القدس ومحيطها بوضوح عن الصراع الديموغرافي في فلسطين كلها، مع الأخذ في الحسبان مكانة القدس وحالها المميز من حيث السرديات وارتباط كل الديانات الموحدة بها عقائديًّا. وعلى الرغم من تنوع مصادر الزيادة السكانية التي تعتمد الهجرة والتكاثر الطبيعي، ما زال الفلسطينيون والإسرائيليون موجودين في القدس ومنطقتها في مرحلة "الانفجار السكاني" بموجب نظرية التحول الديموغرافي. وعلى الرغم من الفروق الطفيفة نسبيًا في ما بينهم، فإن زيادة السكان مستمرة في واقع صراع مستمر، وموازين قوى غير متناظرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. تظهر قراءة الماضي البعيد والقريب أن إمكان التغلب الديموغرافي لطرف على آخر، أي تغلب مطلق فلسطيني أو إسرائيلي، غير وارد في المدى المنظور، إلا في حالات حرب يمارس فيها تطهير عرقي أو حيزي. وحصول هذا التطهير الديموغرافي صعب في الواقع الفلسطيني والإسرائيلي والعالمي المشهود والمنظور؛ ما يدفع إلى زيادة احتمال تطوير قناعات وأفكار تسويات جيوسياسية من منطلقات ديموغرافية. إن أساس طرح تسوية جيوسياسة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي تعتمد حل الدولتين، تطور قناعات مبنية على عدم قدرة الغلبة الديموغرافية لطرف على آخر. وسوف يؤدي استمرار سيطرة جانب على آخر وحرمانه من حقوقه الجيوسياسية، بالضرورة، إلى نشوء نظام فصل عنصري ‑ أبرتهايد، إن كان على المستوى المديني أو/ والقُطري. تشير الدراسات إلى أن علاقات الغالبية المُسيطَر عليها من الأكثرية المسيطِرة، سوف تتزعزع وتتحول إلى صدامات إذا ما وصلت أو تجاوزت الأقلية المقهورة والمغلوبة نسبة 30 في المئة من الحيز المحدد. وتطالب هذه الأقلية بحقوقها في المشاركة المتساوية والمنصفة لها في الموارد والقرار السياسي. وحاليًا، تجاوز الفلسطينيون المقدسيون هذه النسبة على مستوى المدينة، خصوصًا في محيط القدس الشرقية وعلى مستوى الوطن القُطري؛ ما يدفعهم إلى المطالبة بحقوقهم في المشاركة في الوطن والمدينة على نحو نِدي ومتساوٍ؛ أي تحويل المدينة والوطن من حالة احتلال وسيطرة وتمييز على أساس عنصري إلى وطن ومدينة مشتركة، فيها تنوع يتساوى الجميع فيه، وهو ما يعرف بحل الدولة الواحدة. هذا الحل يرفضه الإسرائيليون على نحو قاطع على المستوى القُطري والمديني؛ لأسباب ديموغرافية وتقاسم الموارد والرواية والقرار السياسيين. وإن تسوية الصراع الديموغرافي والحقوقي في القدس على مبادئ العدل والإنصاف وتوفير الحياة الكريمة غير متوقعة في المدى المنظور؛ ما يؤجج الصراع. وعلى الرغم من حال الفلسطينيين ومكانتهم وواقعهم نتيجة سياسات الضبط في ظل احتلالهم، فإن تسويات بين الإسرائيليين والفلسطينيين وتأمين حق الفلسطينيين في المدينة ومحيطها ربما يمثل مختبرًا لطرح تسوية جيوسياسية على مستوى الوطن. منذ بداية المشروع الصهيوني في فلسطين ودفع الهجرة اليهودية إليها، خصوصًا الهجرة اليهودية المتدينة إلى مدينة القدس، ارتفع عدد اليهود وغير العرب الفلسطينيين فيها من نحو 33.9 ألفًا في عام 1922 إلى نحو 100 ألف في عام 1946، وارتفعت نسبتهم من 54.3 في المئة إلى 60.3 في المئة في الفترة نفسها (ينظر الشكلان 4 و.)5 وعلى الرغم من التحولات في حجم توزيع السكان العرب واليهود ونسبته نتيجة التغيرات الجيوسياسية، فإن استمرار التركيز على ربط العدد السكاني، بحسب الانتماء العرقي والديني، مع وحدات جيو - إدارية في المكان، ما زال يمثل بوصلة الخطاب والسلوك الديموغرافوبي الإسرائيلي والفلسطيني. أوجد هذا الارتباط خطابًا وسلوكًا ديموغرافيين يعتمدان على تحقيق الميزان الديموغرافي لمصلحة اليهود بموجب تقسيم الحيز وحدات، لإظهار أنفسهم بأنهم غالبية ويستحقون حقوقًا في هذا الحيز المديني والإقليمي والقُطري، حتى صيغت قرارات تقسيم فلسطين على أسس وجود غالبية يهودية. وما زال هذا المنطق قائمًا وممُارسًا في مدينة القدس ومحيطها، كما بيّنا في الجدول 2() والخريطة.)1(وهكذا، فإن عرض معطيات كمية تتعلق بعدد السكان ونسبتهم يجب أن يرتبط بالحيز المنسوب إليه هذا العدد وهذه النسبة، كي نتجاوز الروايات والسرديات نحو صوغ عرض معطيات ديموغرافية موضوعية؛ إذ يُعد عرضُ المعطيات والنسب السكانية بحسب أحياز وعلى نحو انتقائي نوعًا وشكلً من التلاعب، وربما التضليل، لإيجاد أجندة تخويف وتشكيل هاجس لتحقيق أهداف مُعلنة ومُبطنة. وفي حالات أخرى، يُستخدم عرض هذه التحولات الديموغرافية والاستيطانية باعتبارها جزءًا من خطاب عرض الإنجازات والتمكين الجمعي الصهيوني، على الرغم من خطورتها على المديين المتوسط والبعيد. لذلك، لا بد من فهم العلاقة بين الديموغرافيا والجغرافيا والديمقراطية كي تُصاغ سياسات واستراتيجيات من الأطراف ذات العلاقة بالمكان، وفي حالنا، القدس خصوصًا، وفلسطين عمومًا.
المراجع
العربية والعبرية
أبو شارون، منير إسماعيل [وآخرون.] دراسات في الجغرافيا والديموغرافيا (السكانية). عمان: مكتبة المجتمع العربي للنشر والتوزيع،.2010 أبو قرين، عنتر عبد العال. "محاضرة: السكان والتنمية في العالم النامي: الوهم والحقيقة." جامعة الدمام. الدمام.)2016(أبو مخ، مرسي. "عوامل الصراعات الإثنية في الدولة القومية ووظيفة رأس المال الاجتماعي في صقل سلام مستدام في مجتمعات إثنية منشطرة: البوسنة، وهيرتسوفيغينا، ورواندا، وسريلانكا كحالات دراسة." رسالة دكتوراه. جامعة حيفا. حيفا، 2019. (بالعبرية.) أوساتسكي-لازار وسارة وأسعد غانم وإيلان بابه (محررون.) سبعة طرق: خيارات نظرية حول مكانة العرب في إسرائيل. جبعات حبيبا: معهد بحث السلام، 1999 (بالعبرية.) الهجرة: كيف تؤثر في عالمنا؟ بول، كوليير. ترجمة مصطفى ناصر. سلسلة عالم المعرفة 439. الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2016 بيستروف، يفغيني وأرنون سوفير. ديموغرافيا إسرائيل 2010 - 2030، نحو دولة دينية. الدراسات الجيوستراتيجية. حيفا: جامعة حيفا، 2010 (بالعبرية.) بيغمان، عكيفا. "الشيطان الديموغرافي: أسطورة أم حقيقة." مجلس المستوطنات ليهودا والسامرة. 2011/8/24:. في https://bit.ly/2LverLQ الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. كتاب فلسطين الإحصائي السنوي. رقم 31. رام الله/ فلسطين 2016(:.) في https://bit.ly/2RMrt8I في https://bit.ly/2VLNMN0:.) 2017(إحصاءات سنوية._______._______ عدد المستعمرين في المستعمرات وعدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية حسب المحافظة 2017(:.) في https://bit.ly/31ZO9qU حزان، آنه. حدود نفوذ القدس 1948 - 93 19. القدس: معهد القدس لأبحاث السياسات،.1995 حسون، شلومو. التنظيم البلدي لمتروبولين القدس: بدائل فكرية. القدس: معهد القدس لأبحاث السياسات، 1997 (بالعبرية.). بلورة الحيز في إسرائيل، خريطة الإسكان والأراضي _______. كيتر وكيرن كييمت. القدس، 2012 (بالعبرية.) حوشن، مايا [وآخرون.] كتاب الإحصاء السنوي للقدس. رقم 32. القدس: معهد القدس لأبحاث السياسات، 2018:. في https://bit.ly/2FH3RxC خمايسي، راسم. "متروبولين القدس المبتور." مجلة السياسة الفلسطينية. مج 4. العدد 14.)1997(.______ الراع على المسكن: قطاع الإسكان في القدس، الواقع، والاحتياجات المستقبلية والسياسات المعيقات. القدس: مركز التعاون والسلام الدولي،.2006 ____.___ "إعادة تشكيل المحيط الحضري المقدسي قلب الدولة حوليات القدس الفلسطينية.". العدد 16 (خريف - شتاء.)2013 ____.___ "الثابت والمتغير في نمط الانتشار الجغرافي للعرب الحصاد الفلسطينيين في إسرائيل.". العدد.)2013(3 ____.___ "مصيدة التخطيط الحضري المُتَهِم في القدس." مجلة المستقبل العربي. العدد.)2018(475 الزاغة، عادل. "استشراف التغير الديموغرافي بفلسطين في أفق 2030، قراءة في تقرير 'فلسطين 2030، التغير الديموغرافي: فرص للتنمية."' استشراف للدراسات المستقبلية.)2017(زريق، إيليا. "الديموغرافيا والترانسفير: طريق إسرائيل إلى اللامكان." مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 55 (صيف.)2003 زغه، مورن. "من حدود اجتماعية لإقليمية؛ كيف تغير مفهوم الحد في العالم العربي." رسالة دكتوراه. جامعة حيفا. حيفا، 2018. (بالعبرية.) عالم الفكر سكيكر، فياض. "أثر النمو السكاني في البيئة." (الكويت.) مج 38. العدد 1 (تموز/ يوليو- أيلول/ سبتمبر.)2009 شارون، سمدار. هكذا يحتلون وطنًا: تخطيط واستيطان في منطقة لخيش في سنوات الخمسون. حيفا: برديس، 2017 (بالعبرية.) كل حدود إسرائيل شاؤول. أرئيلي.. تل أبيب: يديعوت سفريم، 2017. (بالعبرية) شوهم، ملمد. "أمهات، خصوبة والتهديد الديموغرافي." نظريات ونقد. العدد 25 2004() (بالعبرية.) عبد الرضا، سهاد كريم. "السياسة السكانية وأثرها في تحقيق الأمن الغذائي في العراق." لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية. العدد 23.)2016(غفيزون، روت. ستون سنة لقانون العودة؛ تاريخ، أيديولوجيا وعدل. القدس: مركز متسيلا، 2009 (بالعبرية.)
فياض، هاشم نعمة. "مفاهيم نظرية في الهجرة السكانية: دراسة عمران تحليلية مقارنة.". العددان /26 27 (خريف.)2018 فينكلر، أورن. "ما وراء الأرقام؛ ديموغرافيا سياسية في إسرائيل، كتيدرا حييكن لجيوستراتيجيا." جامعة حيفا. حيفا 2015() (بالعبرية.) كتاب المجتمع العربي في إسرائيل 4. القدس: معهد فان لير، 2009 (بالعبرية.) كرمي، نعمه. قانون العودة- حقوق الهجرة وحدودها. تل أبيب: جامعة تل أبيب، 2003 (بالعبرية.) كرين، كيت وستيفن سايمون وجفري مارتيني. التحديات المستقبلية العربي: تداعيات الاتجاهات الديموغرافية والاقتصادية للعالم. نيويورك: مؤسسة راند، 2011:. في https://bit.ly/31ZLFZE كوب، يعقوب (محرر.) تخصيص موارد لخدمات اجتماعية، 92 - 93 19. القدس: المركز لبحث السياسات الاجتماعية في إسرائيل، 1993 (بالعبرية.) كورح، ميخائيل وحوشن مايا. على معطياتك يا قدس 2018، الواقع الحالي واتجاهات التغيير. القدس: معهد القدس لبحث السياسات، 2018 (بالعبرية.) يوسف، قاسم عايش أحمد. "الصراع الديموغرافي الفلسطيني الإسرائيلي 2030-2000." رسالة ماجستير. جامعة الأزهر. القاهرة،.2012
الأجنبية
"Statistics on Settlements and Settler Population." B'Tselem. 16/1/2019. at: https://bit.ly/2Ti4lCe Balls, Stephen J. Foucault and Education, Disciplines and Knowledge. London: Routledge, 1990. Blommaert, Jan. Discourse: A Critical Introduction. Cambridge: Cambridge University Press, 2005. Bloom, David E. & David Canning. "Global Demographic Change: Dimensions and Economic Significance." Proceedings of a Symposium Sponsored by the Federal Reserve Bank of Kansas City. Jackson Hole. Wyoming. 2004. Bystrov, Evgenia & Arnon Soffer. "Israel: Demography and Density 2007 - 2020." Chaikin Chair in Geography, University of Haifa. Haifa, 2008. Dajani, Muna Daniela DeLeo & Nura AlKhalili. "Planned Informality as a by Product of the Occupation: The Case of Kufr Aqab Neighborhood in Jerusalem North." Planum, The Journal of Urbanism. vol. 1. no. 26 (2013). Hajer, Maarten A. City Politics: Hegemonic Projects and Discourses. Avebury: Aldershot, 1989. _______. The Politics of Environmental Discourse: Ecological Modernization and the Policy Process. Oxford: Clarendon Press, 1995. Hasson, Shlomo. (ed.), Israel 2048; Spatial Development and Planning. Jerusalem: Ministry of Finance, Planning Administration and The Shasha Center for Strategic Studies, The Hebrew University, 2016. Huntington, Samuel P. The Clash of Civilizations and the Remaking of Word Order. New York: Simon and Schuster Rockefeller Center, 1996. Jonstone, Barbara. Discourse Analysis. 2 nd ed. Malden, MA, USA: Blackwell, 2008. Kedar, Alexandre, Ahmad Amara & Oren Yiftachel. Emptied Lands: The Legal Geography of Bedouins in the Negev , Stanford: Stanford University Press, 2018. Khamaisi, Rassem. "From Imposed Ceasefire Line to International Border: The Issue of the Green Line between Palestine and Israel." Journal of Borderlands Studies. vol. 23, no. 1 (2008). _______. "The Separation Wall Around Jerusalem/al- Quds: Truncating the Right to the City of the Palestinians." 43 rd. ISOCARP Congress (2007). at: https://bit.ly/2YqaknX Kirk, Dudley. "Demographic Transition Theory." Population Studies. vol. 50, no. 2 (1996). Leuinberger, Christine. "Maps as Politics: Mapping the West Bank Barrier." Journal of Borderlands Studies.vol. 31, no. 3 (2016). at: https://bit.ly/32r6kpQ Massey, Douglas S. "A Missing Element in Migration Theories." Migration Letters. vol. 12, no. 3 (2015). McGarry, John. "Demographic Engineering: The State–Directed of Ethnic Group as a Technique of
Conflict Regulation." Ethnic and Racial Studies. vol. 21, no. 4 (1998). Murphy, Alexander. "Territorial Policies in Multi-ethnic States." Geographical Review. vol. 79 (1989). Murphy, Alexander B. "Historical Justification for Territorial Claims." Annals of the Association of American Geographers. vol. 80, no. 4 (1990). National Academy of Sciences. Rapid Population Growth: Consequences and Policy Implications. Baltimore/ London: Johns Hopkins University Press, 1971. Paydarfar, Ali A. "Modernisation Process and Demographic Changes." The Sociological Review. vol. 15, no. 2 (1967). Peterson, William. Malthus: Founder Of Modern Demography. 2 nd ed. New Bruncewick, NJ: Transaction publishers, 1999. Robert, Home. Of Planting and Planning: The Making of British Colonial Cities , 2 nd ed. New York: Routledge, 2013. Sharp, Liz & Tim Richardson. "Reflections on Foucauldian Discourse Analysis in Planning and Environmental Policy Research." Journal of Environmental Policy and Planning. vol. 3, no. 3 (2001). Troen, S. Ilan & Noah Lucas (eds), Israel, The First Decade of Independence. Albany: State University of New York Press, 1995.