سياسة الحراك المدني: حركة "طلعت ريحتكم" اللبنانية أنموذجًا
الملخّص
شهد لبنان، في عام 2015، نشوء حركة مدنية واسعة، عُرفت باسم "طلعت ريحتكم"، ردًا على تفاقم أزمة النفايات، بعد إغلاق المطمر الرئيس المعروف باسم "الناعمة." وتميزت "طلعت ريحتكم" عن حركات معارضة سابقة في فترة ما بعد الحرب، بنجاحها في تهديد ا استمرارية نفوذ ركائز السلطة السياسية الفعلية (النخبة السياسية.) تهدف الدراسة، أول، إلى تحديد المؤثرين في صياغة أجندات البلاد السياسية، الذين استهدفتهم الحركة، وثانيًا، تحليل استكشافي لكيفية تعاطي الزعماء مع الحراك، وتحليل الاستراتيجيات المستخدمة في تعطيله، وذلك من خ لاا الاستناد إلى مقاب تاا شبه منظمة، أجريت مع ناشطين أساسيين في الحركة. وتخلص الدراسة إلى أنه، إضافة إلى استراتيجيات العرقلة التي بدأ الزعماء في اتباعها، تحققت محاذير عملية معينة داخل الحركة نفسها، مث لت "فرصا سياسية" للزعماء لتمكينهم من تعطيل فاعلية الحركة وإضعافها. كلمات مفتاحية: لبنان، حركة "طلعت ريحتكم"، المجتمع المدني. In 2015, Lebanon witnessed the emergence of a massive contentious movement, known as “You Stink”, in response to the unfolding of the waste crisis when the main landfill known as “Naameh” was closed. Though other opposition movements preceded it in the post-war period, “You Stink” succeeded in positioning itself as a threat to the continuity in power of the informal pillars of political power- the “politically relevant elites”. Accordingly, the aim of the paper is to identify first those who are influential in framing national political agendas, hence targeted by the movement itself. Second, based on semi-structured interviews conducted with key activists within “You Stink”, the paper provides an exploratory analysis of the zu’ama’s receptivity to it, unpacking the strategies employed to neutralize the movement. It concludes that in addition to obstructive strategies put into play by the zu’ama, certain operative caveats within the movement itself, acted as “political opportunities” to the former’s capacity to neutralize and weaken the movement. Keywords: Lebanon, You Stink, Civil Society.
The Politics of Contentious Action: Case-Study of the Lebanese "You Stink" Movement
مقدمة
يتميز لبنان في المنطقة العربية بتفاخره الدائم بوجود مجتمع مدني نشط وحريات سياسية ومدنية، وبأنه يملك نظامًا ديمقراطيًا توافقيًا للحكم، شكّل زمنًا طويلً أرضيةً لعمل الأحزاب السياسية. ويقضي هذا النظام بتقسيم السلطة بين دائرة واسعة من النخب السياسية، تُعرف باسم "الزعماء." ويتسم هذا التقسيم بخصائص طائفية بالدرجة الأولى، وذلك لتركيبة البلد المتنوعة دينيًا ومذهبيًا. نجح هؤلاء الزعماء استراتيجيًا، على مر السنين، في عرقلة آفاق أي إصلاح ديمقراطي يطالب به المجتمع المدني وحركات المعارضة، وبهذا استطاعوا المحافظة على حكمهم وتكريس سلطتهم السياسية. ومع توالي جلاء الأحداث، انحصر تركيز غالبية أدبيات الربيع العربي في شرح ظروف إطاحة الحكام المستبدين، وفهم أسباب التباين الصارخ في النتائج بين الدول العربية، ودراسة ديناميات حركات المعارضة، والتنبؤ بالتحولات المستجدة في المنطقة. في حين لم يُول اهتمام يذكر لتفسير قدرة النخبة السياسية، في دول عربية خالية من الاستبداد، على تعطيل قدرة حركات معارضة تتحدى سلطتها على ممارسة النفوذ في العملية السياسية. من هنا تأتي أهمية كشف أسباب عدم قدرة هذه الحركات على اكتساب أي زخم، وإحداث تغيير سياسي.
انطلاقًا من ذلك، يكون السؤال البحثي الأساسي لهذه الدراسة هو كيف تمكنت النخبة السياسية من تعطيل قدرة حراك "طلعت ريحتكم" على التأثير في العملية السياسية، ثم المحافظة على شكل من الاستمرارية في السلطة السياسية؟ تُ كننا الدراسة المفصّلة لهذه الحالة من فهم أسباب عجز حركة "طلعت ريحتكم" عن الضغط على النخبة السياسية الحاكمة أو التأثير في العملية السياسية كلها. وهذا يقدّم بين أيدينا رأيين رئيسين: الأول، يؤكد أن النخبة السياسية اللبنانية لجأت إلى استخدام استراتيجيات خاصة في سعيها لاحتواء الحركة وتعطيلها. والثاني، يؤكد فكرة محورية، هي ضرورة إدراك أن تركيب الحركة وديناميات عملها شكّلت، ربما، أرضية سهّلت تمكّن النخبة السياسية من إسكات الحركة استراتيجيًا. حدّد هذا التركيب وتلك الديناميات "فرصًا سياسية" معينة ولّدتها حركة لم تُدرس بالقدر الكافي، وجرى، تبعًا لذلك، استيعابها وتجييرها لمصلحة النخبة السياسية. وبعبارة أخرى، يُطرح الإطار التفاعلي التالي: إن الذي شكّل قيودًا على ديناميات الحركة كان فرصًا فعلية للنخبة السياسية لتعطيل مفعولها، وتبعًا لذلك، تكريس شكل معين من استمرارية السلطة. ومن هنا، فإن تركيزنا على هذا الجانب في الحركة المعارضة مفيد جدًا في تقديم فهم شامل لحالة السبات فيها. تتضمن هذه الدراسة شقين: أولً، رسم خريطة الواقع الراهن للنخبة السياسية (الزعماء) في لبنان1. وثانيًا، توضيح الفرص الناشئة عن حركة "طلعت ريحتكم" والاستراتيجيات المحددة التي استُخدمت لاحتوائها وتعطيلها وإضعافها. وقد ظهرت الحركة في تموز/ يوليو 2015 في بيروت، ردًا على أزمة النفايات التي حلّت بالبلاد، نتيجة إغلاق مطمر "الناعمة" للنفايات. وتوسعت الحركة لاحقًا لتتبنّى شعارات وطنية أخرى، داعيةً إلى تغيير وإصلاح واضحَي المعالم في النظام. وعلى الرغم من ظهورها بقوة غير مسبوقة في التاريخ اللبناني الحالي، بدأت وتيرتها تتلاشى بسرعة وتفقد شعبيتها، وخصوصًا عندما لم تحقق نتائج ملموسة. تستند الدراسة، كذلك، إلى مقاربة نوعية، وتحديدًا استخدام مقابلات معمقة شبه منظمة أجريت في لبنان مع شخصيات مدنية أساسية وقفت خلف الحركة، وشخصيات تنتمي إلى مجموعات نشاط متخصصة مثل "بدنا نحاسب" و"من أجل الجمهورية" و"مواطنون ومواطنات في دولة" و"عالشارع" و"شباب 22 آب." وأجريت، أيضًا، مقابلات مع ناشطين شاركوا عن قرب في أحداث لاحقة للحركة مثل الحملة الانتخابية "بيروت مدينتي" أثناء الانتخابات البلدية في عام.2016 لهذه الغاية، نعرض تحليلنا بحسب الأقسام التالية: في البداية، نوجز تطور النظام السياسي في لبنان كي نفهم إطار عمل ركائزه الحالية التي تحدد أجنداته الوطنية. ثم ننتقل إلى تعريف النخبة السياسية في لبنان (الزعماء) عبر اعتماد المقاربة النظرية "الدولة-في-المجتمع." وسبب ذلك،
تحديدًا، دراسة الحالة المختارة، حيث تحدّت حركة "طلعت ريحتكم" الركائز الفعلية للسلطة السياسية في لبنان؛ وهي: النخبة السياسية، والذين لا يشغلون، بالضرورة، مناصب حكومية. يتبع ذلك تحليل معمق لتجربة "طلعت ريحتكم" نعرض فيه نتائج محاولة الزعماء تعطيل الحراك وإسكاته. ونوضح، أيضًا، كيف أدرك الزعماء "فرصًا سياسية" معينة ولّدتها الحركة، وجيّ وها لمصالحهم. وأخيرًا، نخلص إلى استنتاجات قد تساهم في إغناء البحث في العلاقة المتبادلة بين النخب السياسية والحركات الجماهيرية في ظروف خالية من الاستبداد.
أولا: هيكلة النظام السياسي اللبناني: توافقية طائفية
تقتضي مقاربة "الدولة-في-المجتمع"، التي نعتمدها هنا، شرح تطور النظام السياسي اللبناني، بما يمكّن من فهم المجال السياسي الذي تعمل فيه النخبة السياسية، وركائزه الأساسية ونطاق تأثيرها فيه. إثر تأسيس لبنان المستقل في عام 1943، اتفق ممثلو الطوائف الرئيسة آنذاك، السُّنة والموارنة، على ميثاق غير مكتوب نظّم الحياة السياسية حتى عام 1975 حين اندلاع الحرب الأهلية. وجاء الميثاق نتيجة مفاوضات بين أعيان وزعماء الطوائف المهيمنة، أضفت عليه شكلً توافقيًا للحكم، اعتُقد أنه الخلاص النهائي للثقافة السياسية التعددية القائمة2. وقد فتح اندلاع الحرب الأهلية في لبنان حقبة جديدة من انهيار الدولة. استمرت الحرب الأهلية 15 عامًا، وانتهت باتفاق الطائف الشهير في 22 تشرين الأول/ أكتوبر 1989 الذي شكّل ميثاق اقتسام للسلطة نهائيًا بين الطوائف السياسية. وتوصلت إعادة التفاوض هذه على العلاقات بين الدولة والمجتمع، أو بالأحرى بين النخبة والمجتمع كما سنرى لاحقًا، إلى بناء محكم لنظام الطوائف الذي يُعد في الأساس طائفيًا بطبيعته. وظهر في البلاد شكل جديد من القيادات السياسية، سعت كأسلافها لاحتكار السلطة السياسية عن طريق شبكات محسوبية تستهدف مجتمعاتها الطائفية. ولاحظت سعاد جوزيف أن تمثيلهم هوياتٍ ومصالح طائفية معينة أتاح لهم اكتساب الشرعية3. وهكذا أخذ العديد من زعماء الطوائف في ملء فراغ دولة غائبة. ارتدت الصيغة السياسية اللبنانية قبل الحرب وبعدها شكل حكم ديمقراطي توافقي، تقتسم فيه نخب ذات صلة بالطوائف السلطة،َ إلا أن هذا الميثاق السياسي لا يفترض ضمنًا، وبالضرورة، "توحيدًا" مستقرًا للنخب في جميع الفترات الزمنية. فعلى الرغم من عدم التخلي عن التوافقية بعد الحرب، أ قِر تعديل دستوري أساسي في أيلول/ سبتمبر 1990 لم يعد رئيس الجمهورية بموجبه يتمتع بامتيازات قوية، ونقلت بدلً منه إلى رئيس الوزراء والبرلمان4. وحوفظ على التخصيص الطائفي حتى يومنا هذا بحسب ما يلي: الرئيس من الطائفة المارونية، ورئيس الوزراء مسلم سني، ورئيس البرلمان مسلم شيعي. علاوةً على أن الانتخاب للمناصب البرلمانية يمر عبر نظام انتخابي تؤدي فيه الهوية الطائفية دورًا حيويًا في الترشيح والتصويت والتمثيل5. وبناءً على ذلك، يتألف البرلمان من زعماء طائفيين يتعين تحقيق الإجماع بينهم قبل اتخاذ أي قرارات برلمانية. اتسمت فترة ما بعد عام 2005 بعملية تغيير سياسي قاطع في التاريخ السياسي اللبناني، ولا سيما بعد اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، ما تسبب في انسحاب الجيش السوري من لبنان. وأدى أيضًا إلى استقطاب شديد ضمن الساحة السياسية بين أنصار 8" آذار" وأنصار 14" آذار." تشكّلت المجموعة الأولى من أنصار سورية وإيران، وتمثلت في مظاهرة قادها حزب الله، نُظمت ل "شكر سورية" على مساندتها لبنان، ولإعادة إعلان الولاء لنظام الأسد. بينما تشكّلت المجموعة الثانية من تكتلات معادية لسورية ومؤيدة للولايات المتحدة الأميركية، حيث نزل مليون متظاهر إلى الشوارع مطالبين بانسحاب سورية من لبنان6. لاحقًا، نجم عن تجسد هذا الاستقطاب حالات جمود سياسي عدة، أبرزها استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة في كانون الأول/ ديسمبر 2006 بعد الحرب مع إسرائيل، والعصيان في بيروت بقيادة حزب الله في أيار/ مايو 2008. وأدى ذلك إلى اتفاق الدوحة الذي أعلن عن بدء حقبة جديدة من التكريس العميق للتمثيل الطائفي، نظرًا إلى تكريس دوائره الانتخابية مرة أخرى بين المجموعات الطائفية7.
تكرست حالة أخرى من الجمود الشديد حين أخفق البرلمانيون لأكثر من عامين في انتخاب رئيس جديد، بعد انتهاء ولاية الرئيس ميشيل سليمان في أيار/ مايو 2014، متجاوزين بذلك الموعد الدستوري النهائي. فقد اجتمع البرلمان 37 مرة في تلك الفترة الزمنية، ولم يتحقق النصاب القانوني (أغلبية الثلثين، أي 86 من أصل 128 نائبًا.) وقد مدد البرلمان ولايته غير الدستورية في أيار/ مايو 2013 بسبب غياب التوافق بشأن تطبيق قانون انتخابي جديد. وانتهى الجمود الذي دام ثلاث سنوات أخيرًا في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2016 بانتخاب ميشيل عون، الرئيس السابق للتيار الوطني الحر، رئيسًا بمقتضى صفقة أبرمت مع تيار المستقبل الذي عارض سابقًا ترشيحه بشدة.
ثانيًا: هدف "طلعت ريحتكم:" الزعماء الأقوياء
يتناول هذا المحور الدولة اللبنانية، ويسلّط الضوء على زعمائها الذين يمتلكون السلطة السياسية فعليًا، ولذلك استهدفتهم حركة "طلعت ريحتكم." وتعتمد الدراسة على مصطلح فولكر بيرتس "النخبة السياسية" لتحديد مكانة الذين يتمتعون بسلطة سياسية، وبنفوذ كبير في مجتمعاتهم؛ ولذلك تستهدفهم حركات المعارضة، ولا سيما في بلد خالٍ من الاستبداد مثل لبنان، ولكن كيف يتحددون عمومًا؟ يعرف بيرتس هذه الطبقة بأنها "تتشكل من أشخاص في بلد معين، يستخدمون نفوذهم وسلطتهم السياسية في وضع قرارات استراتيجية أو يشاركون في صنع القرار على المستوى الوطني، ويساهمون في تحديد معايير وقيم سياسية، ويؤثرون مباشرة في الخطاب السياسي في القضايا الاستراتيجية"8(. وهذا التعريف يشمل أيضًا أفرادًا لا يشغلون بالضرورة مناصب حكومية أو عسكرية، ولكن يؤثّرون في صياغة الأجندات السياسية ورسم الخطاب الوطني. ولذلك، ليست المناصب المؤسسية مؤشرًا مقبولً وموثوقًا في تحديد النخبة السياسية في بلد ما. من هنا تأتي أهمية الابتعاد عن الهياكل الوظيفية، ودراسة النظام السياسي الفعلي وبنيته وتطوره التاريخي. إذًا، من هم الزعماء اللبنانيون؟ الزعيم اللبناني، كان تاريخيًا، ولا يزال، مكلفًا بتوفير الرعاية والحماية والخدمات لمواطنين لبنانيين ينتمون إلى طائفته ومنطقته. ويلاحظ سمير خلف أن التاريخ الاجتماعي للبنان ليس سوى السعي لنظام زبائني عملي، تديره مجموعات مصالح مختلفة في كل طائفة، ويتعين على الراعي فيه توفير الأمن والراحة للمنتفعين، وهم مواطنون يعيشون في مجتمعه، ويتعيّ عليهم دعم الراعي مقابل الحصول على جميع الخدمات9. ولهذه الغاية، فإن دور الزعماء في لبنان، بلا شك، محوري في العملية السياسية، حيث يشكلون مكونًا أساسيًا ضمن الدولة، إن لم يكن بديلً منها بالفعل. لقد كافح علماء السياسة، منذ زمن طويل، لتقديم تعريف فعّال موحد للنخب السياسية اللبنانية، لكنهم جميعًا متفقون على ارتباطها بنظام الزعامة. ومفهوم الزعيم بالتحديد جرى التعامل معه، لكنه أ عطي تعريفًا وظيفيًا واسعًا يشمل قادة عديدين يختلف بعضهم تمامًا عن بعض، بعلاقاتهم بالشعب وبتطلعاتهم السياسية، غير أن العلماء اعترفوا بالدور المهم للزعماء في الديناميات السياسية للبنان؛ ولذلك تتبنّى الدراسة الرأي القائل بأن النخبة السياسية في لبنان هي، فعليًا، الزعماء وفق المنطق المعروض فيما يأتي. شهدت فترة ما بعد الحرب صعود زعماء جدد إلى السلطة، لكن تصرفاتهم ومواقفهم بقيت كما في السابق. فلقد قسمت رولا الحسيني زعماء ما بعد الحرب إلى ثلاث فئات10: نخب معاد تعريفها نتيجة تغيير موقع أفراد داخل النظام. نخب ظرفية أو عابرة Conjunctural ناتجة من التغير في موازين القوى. نخبة ناشئة. وهذه الأخيرة نتيجة مباشرة للحرب الأهلية التي أتاحت لعدد من الفصائل السياسية دخول اللعبة السياسية رسميًا، بصفتها طرفًا في النخبة السياسية. يقدم حرير دقمجيان معرفة قائمة على الحدس للسمات الرئيسة التي يعرّف بها الزعيم في تصور الجماهير اللبنانية. ويرى أن السمة الأولى هي امتلاك سلطة سياسية متمركزة في منطقة جغرافية واحدة. والثانية هي امتلاك ثروة شخصية تُ نح غالبًا عبر روابط عائلية أو بالوصول إلى سلطة اقتصادية. السمة الثالثة، ولوحظت أيضًا في دول أخرى عدة، هي القدرة على جذب جماعة من المنتفعين، وتعزيز مصالحها نتيجة الموقع الذي تشغله النخبة ونفوذها. وأخيرًا، إن السمة الأساسية للنخب اللبنانية التي شدد
عليها الباحث تمثل امتلاك مكانة اجتماعية بفضل اسم العائلة أو سمعتها11. ويلُاحَظ أيضًا أن هذه السمات لا يشير أي منها بطريقة مباشرة إلى اكتساب المكانة عبر منصب سياسي. وبناءً على ذلك، من الضروري إيلاء بعض الاهتمام للأسس الاجتماعية والثقافية لنستطيع فهم ثقلها في ظروف لبنان. بدوره، يعرف دان نوار الزعيم اللبناني بأنه قائد قرية أو بلدة أو مجتمع أو منطقة، يبسط حمايته ورعايته على سكان منطقته أو طائفته، وجميعهم خاضع لنفوذه12. بينما يحاول ألبرت حوراني في دراسته "أيديولوجيات الجبل والمدينة" وضع تصنيفات أخرى للزعيم اللبناني، أولها الزعيم "الإقطاعي" الذي يحكم رعاياه، باعتباره مالك أراضٍ تحتفظ عائلته تقليديًا بموقع السلطة13، ويسمى هذا النوع أيضًا "الزعامة التقليدية." والنوع الآخر الشائع في السياسة اللبنانية هو "القائد السياسي الشعبي"، وهو السائد غالبًا بين المسيحيين الموارنة في جبل لبنان. وقد وضع حوراني ضمن هذه الفئة عائلات مسيحية مثل الجميّل وشمعون وإدة وفرنجية الذين يحكمون بفضل إمكاناتهم السياسية، إضافة إلى قدرتهم على حماية أتباعهم. والنوع الثالث من القادة في لبنان، بحسب حوراني، هو الزعيم "الحضري" الموجود أساسًا بين زعماء الطائفة السنية في المدن. ومن الواضح أن هذا القائد يستخدم الأيديولوجيا للسيطرة على رعاياه الذين ينتمون إلى طائفته. ومن الأمثلة على هذا النوع عائلتا سلام واليافي في بيروت وكرامي في طرابلس14. لكن رودجر شاناهان يصف دور الزعماء في الطائفة الشيعية بأنهم أصحاب النفوذ المعترف بهم في مجتمعهم15. على صعيد آخر، أولى باحثون آخرون اهتمامًا كبيرًا للدور الذي تؤديه "العائلة" في الزعامة اللبنانية. وتأتي تلك المقاربة من المنفعة الكبيرة التي توفرها العائلة لفهم مفهوم الزعيم في لبنان. فقد درست جوزيف عن كثب ما تسميه "العائلية السياسية"، في إشارة إلى استخدام المواطنين المؤسسات والأيديولوجيات والممارسات العائلية في لبنان، لتفعيل احتياجاتهم ومطالبهم حيال الدولة أو النظام السياسي16. وبالمثل، تستخدمها الدولة أو أطراف فيها لتهيئة أرضية عملية وأخلاقية للحكم قائمة على أساس ميثولوجيا مدنية للقرابة وخطاب عام يعطي مكانة خاصة للعائلة17.
أما بخصوص وصول الزعماء إلى السلطة، ومع أن القاعدة العامة هي أن مقعد البرلمان هو المسار الأكثر شيوعًا نحو عضوية النخبة السياسية، فإن القضية لا تبدو كذلك في لبنان، بل يبدو أن دخول البرلمان أو الحكومة هو أحد آخر "شروط" الانتساب إلى هذه النخبة. وبدلً من ذلك، نعتبر الزعامة إحدى أهم ركائز تعريف النخبة السياسية. ولكن هذا لا يعني أنها الشرط الوحيد لتحديد شخصية سياسية بأنها تنتمي إلى هذه الدائرة. ويدعم هذا الافتراض أيضًا البيانات المتعلقة بتصور المواطنين اللبنانيين للأكثر نفوذًا في مجتمعهم في أوقات مختلفة، فبحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (2008-2009) UNDP يعتقد المستجيبون أن الزعماء هم الأكثر نفوذًا، يليهم القادة الدينيون وقادة الأحزاب، وأخيرًا ضباط الجيش18. وهكذا، نجح الزعماء اللبنانيون، على مر السنين، في بناء سلالاتهم الحاكمة ذات النفوذ، وصاغوا بناءً على ذلك تبعية وولاء المواطنين لهم، وكان هذا النفوذ يتعزز بعد تقلّدهم مناصب حكومية. ومن المهم أن نلاحظ هنا أن هذا المسار ليس وحيدًا بالضرورة، رغم اتباعه من غالبية الزعماء، حيث امتلك آخرون السلطة والنفوذ بعد وصولهم إلى السلطة الحكومية.
وما يجب التشديد عليه هنا هو أن طريقة عمل هؤلاء الزعماء في لبنان متطابقة إلى حد ما؛ فهم يعملون على تقوية ولاء جماهيري شعبي محلي أو طائفي أو مناطقي مقابل تقديم
| زﻋﻴﻢ ﺣﺮﻛﺔ اﳌﺮدة | |
|---|---|
| ﺳﺎﻣﻲ اﻟﺠﻤﻴّﻞ | |
| ﻧﻬﺎد اﳌﺸﻨﻮق | ﻃﻼل أرﺳﻼن |
| ﺟﱪان ﺑﺎﺳﻴﻞ | ﺳﻴﺰار أ ﺧﻠﻴﻞ |
| ﻓﺮﻳﺪ ﻫﻴﻜﻞ ﺧﺎزن | ﻋﲇ ﺣﺴﻦ ﺧﻠﻴﻞ |
| إﻳﲇ ﻓﺮزﱄ | ﻣﺮوان ﺣ دة |
| ﻣﻴﺸﻴﻞ اﳌﺮ | ﺑﻬﻴﺔ اﻟﺤﺮﻳﺮي |
| ﻣﻴﺸﻴﻞ ﻣﻌﻮض | أﴍف رﻳﻔﻲ |
| ﻣﺤﻤﺪ رﻋﺪ |
ثالث ا: حركة "طلعت ريحتكم" في عام 2015
"يوجد في لبنان قدر كبير من الحرية، لكن لا توجد ديمقراطية. الديمقراطية تسلسل تاريخي، وصراع طوال مسار تاريخي، وليس نتيجة قابلة للتحقق الفوري"19. لم يكن صيف عام 2015 عاديًا بالنسبة إلى الشعب اللبناني عمومًا ومجتمعه المدني خصوصًا، فبسبب الشحن الذي ولّدته في بيروت أزمة القمامة التي بلغت ذروتها في آب/ أغسطس 2015، اكتسح الشوارع خدمات وتلبية احتياجات. ولتوضيح شبكة الزعامة في لبنان بطريقةٍ أفضل، رسمنا الخريطة السياسية للنخبة في الشكل التوضيحي.
أناس محبطون في سلسلة احتجاجات طالبت بحل الأزمة، بل ذهبت أبعد من ذلك وطالبت بإزاحة النخب السياسية عن السلطة. فعند إغلاق مطمر الناعمة20 من دون توفير بديل من شركة "سوكلين" الخاصة المكلفة بإدارة نفايات بيروت وجبل لبنان، تسببت أكوام القمامة في الشوارع بموجة واسعة من الحراك السياسي المعارض، فما بدأ بمشاركة فردية خجولة تطور بسرعة إلى حراك واسع، شهد وتيرة غير مسبوقة في السنوات القليلة الماضية. وباتخاذه شعار "طلعت ريحتكم"21، في إشارة معبّة إلى أكوام أكياس القمامة المتناثرة في
الشوارع والفساد المعمم في لبنان، بدأ الحراك سريعًا في اكتساب زخم كبير، ولا سيما على مواقع التواصل الاجتماعي. قاد حملة "طلعت ريحتكم"مجموعة أفراد جاؤوا من خلفيات ومهن متنوعة (فبينهم مدونون وفنانون وأصحاب مهن حرة، ومستشارون لديهم تاريخ حافل بالنشاط في المجتمع المدني اللبناني.) وبحسب ما روى
| المهنة | انتماء/ منصب في جماعة فرعية |
|---|---|
| مدير/ كاتب | طلعت ريحتكم، عضو أساسي |
| استشاري خدمات رقمية | طلعت ريحتكم، عضو أساسي |
| محامٍ | "بدنا نحاسب"، أحد المؤسسين |
| باحث | طلعت ريحتكم، عضو أساسي |
| صحافي | بدنا نحاسب |
| معلم متقاعد | مؤسس "لجنة المفقودين والمخفيين قسريًا في لبنان" |
| محامٍ | جماعة "من أجل الجمهورية" |
| مهندس | ناشط في طلعت ريحتكم |
| مهندس | ناشط مستقل |
| وزير سابق | مجموعة خاصة "مواطنون ومواطنات في دولة" |
| عضو في طلعت ريحتكم | موظف في منظمة غير حكومية |
| مستشار سياسي | ناشط مستقل في المجتمع المدني |
لكن أين تقف حركة "طلعت ريحتكم"؟ لقد جرّب لبنان قدرًا كبيرًا من حركات المعارضة على مر السنين، لكن لم ينجح أي منها في جذب مشاركة جماهيرية واسعة. لماذا؟ إما لأنها كانت تستسلم بعد ضغط متصاعد من النخب السياسية الطائفية وإما لأن النظام السياسي نفسه يستوعبها. جرت المحاولة الأحدث للمجتمع المدني في عام 2011 عندما احتشدت حركة "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي"22 في الشوارع لإسقاط الكثير منهم، كان أمرًا مدهشًا مشاهدة الحركة تتطور من 20 شخصًا بالحد الأقصى انضموا بعفوية إلى الاحتجاج الأول إلى نحو 20 ألف شخص نزلوا إلى الشوارع لاحقًا. ولتفادي أي محاولة لاختطاف الحراك من الفصائل السياسية، اعتنق المحتجون شعار "كلن يعني كلن"، في رسالة تعني إدراج الطبقة السياسية بأكملها في نضاله ضد الفساد وشلل الدولة.
النظام الطائفي مع نخبه السياسية، ولأن هذه الحركة حدثت بالتزامن مع الربيع العربي آنذاك، فقد كان من الواضح أنها تبنّت مع بعض التعديل الشعار التونسي "الشعب يريد إسقاط النظام"23، إلا أنها سرعان ما تراجعت وانفصمت عراها بسبب ضعف التنظيم والضغط المتواصل من السياسيين الطائفيين24. وبعبارة أخرى، عندما
تحاول حركة ما الاقتراب من النظام الطائفي المتمترس مع رمزه الأكبر (الزعماء)، فإنها بالتأكيد ستقابل بمحاولات الاحتواء والتعطيل.
1. ظهور مجموعات بمطالب محددة
في الوقت الذي جذبت فيه حركة "طلعت ريحتكم" معظم اهتمام الجمهور، من المهم الإشارة إلى أن مجموعات أخرى بدأت تتكاثر بسرعة من تلقاء نفسها تحت صيغ "هاشتاغات" مختلفة، مثل "بدنا نحاسب" و"الشعب يريد" و"ثورة 22 آب" و"عالشارع" وغيرها. والسبب الأساسي لظهور مجموعات معارضة أخرى هو اختلاف المطالب وكذلك التوجهات الأيديولوجية. فعلى الرغم من اتحاد الحراك في الرؤية، ظهرت في داخله مجموعات متمايزة تختلف في التوجهات الأيديولوجية والسياسية وفي آليات التعبئة، بسبب مطالبتها بأهداف مختلفة. وهكذا، طالبت حركة "بدنا نحاسب"، وهي مجموعة بارزة أخرى، ولا تزال، بوطنية بعيدة المنال إلى حدٍ ما، إذ يشكّل الإصلاح الجذري للنظام المتمترس الهدفَ الرئيس لناشطيها، وأغلبهم محامون وصحافيون، وتضم أربعة أحزاب سياسية يسارية التوجه، إضافة إلى شخصيات مستقلة على النحو التالي: الحزب السوري القومي الاجتماعي، واتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني25، وحزب طليعة لبنان العربي الاشتراكي، وحركة الشعب. وهذا التوجه بالتحديد هو الذي أثار جدلً مع المجموعات الأخرى، وخاصة "طلعت ريحتكم." فالسبب الأساسي لبروز هذه الأخيرة هو تبنّيها شعار "كلن يعني كلن"، بينما لا تتفق "بدنا نحاسب" معها في استهداف الطبقة السياسية كلها، أي السياسيين جميعهم. تريد "طلعت ريحتكم" التأكيد أل أحد مستثنى من المساءلة العامة، ولذلك أثارت بعض الشكوك بشأن الأجندات السياسية ل "بدنا نحاسب" وارتباطاتها. يقول أسعد ذبيان، أحد مؤسسي "طلعت ريحتكم:" "هنا تكمن المشكلة الرئيسة مع هذه الجماعة لأنهم لا يصرحون علنًا من هم بالفعل"26. تكمن إحدى نقاط الاختلاف الرئيسة في تأطير التعاون المحتمل مع النخبة السياسية في لبنان، إذ تدعم "طلعت ريحتكم" سياسة صارمة بعدم التعاون مع المؤسسة السياسية، في حين تعتبره "بدنا نحاسب" وناشطون آخرون مسارًا لا مفر منه، إذ كانوا يأملون في تحقيق أي تغيير مهما يكن. ولقناعة كهذه أهمية أساسية في الإدراك الكامل لدور الزعماء اللبنانيين، المباشر أو غير المباشر، في أي عملية تغيير اجتماعي تنشأ في لبنان. بعبارة أخرى، إن اعتبار التعاون مع الزعماء مسارًا "لا مفر منه"، لتحقيق أي تغيير مهما يكن، يعطي فكرة واضحة تمامًا عن وزن الزعماء ونفوذهم في العملية السياسية. أما الأحزاب السياسية المرتبطة بالدولة، فكانت مشاركتها في الحراك نقطة خلافية أخرى بين جماعتي الحراك البارزتين. ويتذكر الناشط وارف سليمان حملة "إسقاط النظام الطائفي في لبنان" في عام 2011 قائلً: "لقد كانت لدينا تجربة سابقة بخصوص مشاركة الأحزاب السياسية في حركات المعارضة مثل تلك التي كانت في عام 2011، حيث استثمرت مختلف الفصائل السياسية الأحداث السياسية لصالحها ووفقًا لمصالحها الضيقة. ولذلك، فإن مشاركتها المحتملة تصاغ دائمًا بطريقة غامضة، ومع ذلك، أنا شخصيًا أعتقد أنها ساحة حراك مفتوحة، ويجب أن تتاح لكل فرد فرصة المشاركة"27. في المقابل، يخالف ذبيان هذه النقطة، إذ يقول: "نحن نرفض التعاون مع أي حزب سياسي، ونعتقد أن النخبة السياسية النافذة بأكملها فاسدة، فحتى الذين لم يشاركوا في الفساد بأنفسهم غطوا عليه على الأقل مدة عشرين عامًا. إذا كنت عضوًا في حزب سياسي، فنحن نرحب بك للمشاركة، ولكن فقط ضمن طروحات حركتنا." للأسف، سرعان ما انتشرت علنًا الخلافات المتصاعدة بين مختلف مجموعات ومنظمات الحراك، وبلغت ذروتها أثناء مداولات "لجنة التنسيق" التي كانت محاولة لإيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف المختلفة، ولكنها لم تستطع بلوغ هدفها على الإطلاق، كما ذكر شربل نحاس، الوزير السابق ومؤسس الجماعة المدنية "مواطنون ومواطنات في دولة"28. ولوحظ ذلك أيضًا على مواقع التواصل الاجتماعي في بيانات إعلامية للمجموعات، وتصريحات رسمية وأعمال مواجهة، وأثارت الخلافات المتصاعدة انتقاد الجمهور للانقسامات الداخلية بين الناشطين. هناك نقطة خلاف أخرى تتعلق بالهيكلية الداخلية للحراك، وهو ما تكرر التركيز عليه في معظم المقابلات مع ناشطين من مجموعات مختلفة. يقول أحدهم: "لا نريد تنظيمً أو وضع شكل معين من الهيكلية الداخلية في 'طلعت ريحتكم'، لأن هذا يضعنا في وضع مماثل تمامًا للأحزاب السياسية القائمة. ومن دون تنظيم سيكون أفضل بكثير"29. ويقول ناشط آخر من حركة "عالشارع"، وهي مجموعة مهمة من "طلعت ريحتكم:" "هناك جيل شباب كامل ترهبه كلمات مثل سياسة وأحزاب سياسية وسياسيين. نحن بحاجة إلى استيعاب ذلك بصفتنا حركة معارضة، فلهذه الكلمات وقع سلبي بين المواطنين
ودلالة مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفساد؛ لهذا السبب امتنعت عن الانضمام إلى 'طلعت ريحتكم' لأني لا أريد أن أكون طرفًا في أي هيكلية منظمة، وبدلً من ذلك، انضممت إلى 'عالشارع' مع مجموعة شباب يعرفون بعضهم. قررنا تشكيل مجموعتنا المدنية الخاصة عندما شعرنا أن 'طلعت ريحتكم' تتخذ موقفًا عدائيًا ضد 'المندسين'30. وبحسب رأينا، هؤلاء الأفراد هم أناس مضطهدون مثلنا تمامًا، لكنهم يعبّ ون عن غضبهم من الوضع على طريقتهم الخاصة"31. ومع ذلك، لم يكن هناك مفر من شكل معين من التنظيم للحراك بمختلف مجموعاته. ومن المهم جدًا فهم الطريقة التي نظمت هذه المجموعات نفسها في غياب هيكلية رسمية صارمة. شكلت المجموعتان الأساسيتان "طلعت ريحتكم" و"بدنا نحاسب" من أعضائهما "لجنة النواة الأساسية" و"لجنة المتطوعين." وقد راوح عدد المشاركين في الأولى بين 10 - 15 ناشطًا موزعين على لجان تنظيمية متعددة: إعلام وسياسة وتنسيق وتمويل وغيرها. أما الثانية فتشكّلت من متطوعين ضمن الحراك لم يسمح لهم بالمشاركة في الاجتماعات التنظيمية للجان، واقتصر دورهم على تقديم الدعم الميداني أثناء الاحتجاجات والاعتصامات المتفرقة، على حد قول ذبيان. وبدوره تحدث الناشط في "طلعت ريحتكم" لوسيان بورجيلي، وهو مخرج أفلام وكاتب، عن لجنة النواة الأساسية التي ضمت 5 - 20 شخصًا في أوقات مختلفة32. وعند هذه النقطة، يطرح السؤال التالي: كيف يصبح الناشط عضوًا في مثل هذه اللجان؟ أوضحت مقابلات أفراد "طلعت ريحتكم" أن أعضاء اللجنة هم من شارك بنشاط في الاحتجاجات الأولى منذ بداية تشكيل المجموعة، في حين لجأت "بدنا نحاسب" إلى الانتقاء الهادف لممثليها من ناشطيها ومن مستقلين اكتسبوا ثقة أعضائها، بحسب ما أوضح الناشط واصف الحركة33. وفي هذا السياق، صرح أحد الناشطين: "تساءل عدد من الناشطين عن أسباب هذا الاستبعاد، لكن، للأسف، لم يحصلوا على إجابات مرضية. لقد تُركوا 'مهمشين' داخل الحراك، وغير قادرين على المشاركة في عملية صنع القرار، بل كانوا يسمعون بالخطوات الاحتجاجية الأخرى من وسائل الإعلام. وأدت كل هذه الأسباب إلى انسحاب الكثير من المتطوعين"34. ولم يُخفِ بعض الناشطين حقيقة أن هذا الفصل الداخلي أثار استياء جميع الأعضاء، وكان التبرير كما يلي: "لا يمكننا كشف تحركاتنا وقراراتنا وخططنا المستقبلية لكل الجمهور الداعم. علينا الاحتفاظ بدرجة من الخصوصية، ولهذا نمتنع عن عقد اجتماعات عامة تضم جميع الأعضاء والمتطوعين، ولا يمكننا تجاهل حقيقة أن ليس كل الأفراد المشاركين يمتلكون المستوى نفسه من الوعي السياسي، ومن الضروري أن يؤخذ هذا في الاعتبار أيضًا." ولذلك وفي محاولة لاحتواء التناقضات المتصاعدة، أخذت "الحركة البيئية اللبنانية" المبادرة لعقد اجتماع مغلق مدة يومين كاملين من أجل التحديد الدقيق للهيكلية التنظيمية لما يدعى "هيئة التنسيق"، إضافة إلى النظام الداخلي. لكن الاجتماع، بحسب ما ذكر الوزير السابق نحاس في مقابلة معه، قاطعته مجموعتا الحراك المدني الرئيستان "طلعت ريحتكم" و"بدنا نحاسب"، إذ بررت الأولى عدم مشاركتها برفضها أي شكل من أشكال "التنظيم" وتمسّكها بالمرونة. وأعلنت الثانية أنه من غير الممكن مناقشة قضايا تنظيمية قبل التوصل إلى اتفاق على رؤية واحدة وعلى الأهداف الرئيسة للحراك، وتوحيد مجموعات الحراك جميعها.
2. مواقف الزعماء: محاولات الاحتواء والتعطيل والإسكات
نظرًا إلى اكتسابها هذه الجماهيرية غير المسبوقة، تعرضت "طلعت ريحتكم"، بلا شك، لمحاولات تعطيل مباشرة وغير مباشرة من النخبة السياسية في المؤسسة السياسية، كما أفاد معظم الناشطين. فمثلما أظهرت هذه النخبة مقاومة قوية للضغط في الماضي، لم تتراجع عن ذلك أمام هذه الحركة التي ما زالت نشطة حتى اليوم، وإن بوتيرة أقل بكثير. والخطر الأكبر بالنسبة إلى النخبة هو أن الحراك لم يندلع بسبب استياء المواطنين من أزمة النفايات فقط، لكن أيضًا بسبب استياء شديد من مسؤولية النخبة عن شلل الدولة، وعن خلل أدائها لوظائفها في السنوات القليلة الفائتة. وباختصار، كشفت أزمة النفايات كشفًا كامل إفلاس النخبة التي قاومت سنوات، واستطاعت البقاء في السلطة. الملاحظ من المقابلات مع ناشطي الحراك، بغضّ النظر عن المجموعة التي يشاركون فيها، هو تطور رد فعل النخبة السياسية على الحراك ودلالاته. وقد حاولنا تصنيف هذا الرد في ثلاثة تصرفات: تجاهل تام للحراك، أو محاولات تعطيله وإسكاته، أو مهاجمة الحراك والناشطين الأفراد. وسأفصل كل نقطة في ما يلي، في ضوء المعلومات المجمعة من المقابلات. نظّمت "طلعت ريحتكم" احتجاجها الأول في 22 آب/ أغسطس 2015، ولم ينضم إليه حينها إلا "حفنة" من الأشخاص. يقول لوسيان بورجيلي إن عدد وسائل الإعلام في ذلك اليوم كان أكثر من عدد الأشخاص
الذي لم يتجاوز 20 شخصًا. تعاون المتظاهرون مع قوات الأمن باتباع قواعد الانضباط التي أمليت عليهم، باستثناء رمي ثلاثة أكياس قمامة أمام السراي الحكومي وسط بيروت. عقب هذا الاحتجاج، واصل هؤلاء الأشخاص العشرون أو نحوهم عقد سلسلة اجتماعات لبدء نوع معين من التنظيم للأحداث التالية، وخاصةً عندما شعروا بأن الجمهور سينضم إليهم بأعداد أكبر، فما بدا مشاركة عفوية للناس سرعان ما تطور إلى حراك ذي اسم مميز. ووفقًا لناشطي "طلعت ريحتكم"، فإنهم ركّزوا على اختيار اسم مميزٍ للمجموعة، وإنشاء صفحات لها في وسائل التواصل لجذب الجمهور وإيصال رسائل سياسية بكفاءة. وكان ذلك ما ميزهم إيجابًا من مجموعات أخرى سرعان ما بدأت تظهر كذلك. بدأ في الوقت نفسه إجراء توزيع للمهمات وتكليف الناشطين بمسؤوليات ميدانية وفي وسائل التواصل الاجتماعي وفي الإعلانات. ووفقًا لناشطين، تميزت الفترة بين 22 و 29 آب/ أغسطس 2015 بتجاهل تام للحراك من النخبة السياسية التي بدا أنها تتجاهل التطورات في الشوارع ومطالب الناس، وهذا التصرف لا ينسجم مع أسلوب الزعماء اللبنانيين، ما عنى استخفافهم بنجاعة مثل هذه الحركات في حشد جمهور واسع والتحول فعلً إلى مجموعة ضغط مميزة. إذًا، كيف تمكنت النخبة السياسية من تعطيل تأثير "طلعت ريحتكم" في العملية السياسية؟ أولً، بدأت بتبنّي خطاب الحراك، والأهم نكران أي مسؤولية لها. فمثلً، أعلن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، في 23 آب/ أغسطس 2015 عن تضامنه مع المتظاهرين، ومضى في اتهام وزير الداخلية، نهاد المشنوق، بالعجز عن تنفيذ مهماته، وبالمثل نزل وزير التعليم، إلياس أبو صعب، إلى الشوارع للانضمام إلى الاحتجاج، لكن الناشطين منعوه وطلبوا منه المغادرة فورًا، بسبب الجدال الذي ستثيره حركته، كونه في الواقع طرفًا في النخبة السياسية التي يناضل المحتجون ضد ممارساتها الفاسدة، لكن النخبة لم تتخذ أي تدابير قانونية أو سياسية أو سياسات معينة، بل عبّ وا عن استيائهم من الأزمة، وطالبوا بمعالجة المشكلة. لكن في 29 آب/ أغسطس 2015، الذي شهد واحدًا من أكبر الاحتجاجات بعد عام 2005، انتقلت النخبة إلى استراتيجية أشد حدةً؛ فاحتلال أعداد كبيرة من المحتجين، من طوائف ومناطق وطبقات مختلفة، الساحات العامة سبّب تنافرًا مؤقتًا في صفوف السلطات35. ولذلك، ركزت النخبة السياسية تاليًا على إعادة تأكيد قاعدة دعمهم الشعبية، فبدؤوا تنظيم مظاهرات موازية في محاولة لإعادة تشديد قبضتهم على أتباعهم. وألقى نبيه بري، رئيس البرلمان منذ 32 عامًا (وأعيد انتخابه في أيار/ مايو 2018 لولاية أخرى)، خطابًا طائفيًا أمام مظاهرة حاشدة إحياءً لذكرى اختفاء الإمام موسى الصدر، لتأكيد سيطرته على جزء مهم من الجمهور الشيعي. وبالمثل، اتهم الرئيس ميشيل عون، رئيس التيار الوطني الحر حينذاك36، "طلعت ريحتكم" بسرقة شعاراته، ودعا أنصاره إلى التظاهر. وهنا يقول ذبيان: "إنها طريقتهم في القول: نحن هنا، لدينا شعبنا ونحن أقوياء أكثر من أي وقت مضى." شملت استراتيجية تعطيلٍ أخرى تكتيكات التسلل في مواجهة الحراك، فبدأ بعض العناصر الحزبية بالانضمام إلى المظاهرات المنظمة معلنين تأييدهم الكامل لمطالب الحراك. وعلى الرغم من رفض ناشطي "طلعت ريحتكم" انضمامهم لأنهم "حزبيون"، أصدر هؤلاء بيانات لصالح قادة أحزابهم. واستخدم آخرون العنف في محاولة للتخفيف من حدة الحراك، إذ هاجم شبان صغار موالون لنبيه بري الناشطين في ساحة الشهداء، وخربوا مخيمهم الاحتجاجي37. يقول بورجيلي: "اخترق أنصار أحزاب سياسية عدة المظاهرات، وحاولوا تشويهها عن طريق إثارة الشغب بين المتظاهرين وقوات الأمن. ولجأ آخرون إلى حرق الإطارات متسببين بإغلاق بعض الطرق، لمنع المواطنين من الوصول والمشاركة في احتجاجات منظمة. وتم توثيق أعمال أنصار حركة أمل هذه في صور وأشرطة فيديو." وأكد من قوبل من الناشطين تحيّز بعض عناصر قوات الأمن العام، وخصوصًا قوات السراي الحكومية التي كانت واضحة في محاولاتها إجبار الحراك على الانصياع بوسائل عنيفة. لكن النقطة التي أثارها ناشطون بخصوص تسلل "ميليشيات" حزبية إلى المظاهرات أثارت جدالً بين قسم من الجمهور الداعم. فقد اتُهمت "طلعت ريحتكم" باستبعاد متظاهرين، ينتمون إلى طبقة الفقراء، من الانضمام إلى الحراك والمشاركة بنشاط فيه، وسماهم الناشطون "مندسين" أرسلهم زعماؤهم السياسيون لهدفٍ وحيد وهو تثبيط الحراك. ورفض ناشطون يساريون بحزم الدلالات السلبية لهذه التصرفات و"سخروا من ديناميات الإقصاء، بارتداء قمصان مطبوعٌ عليها اندساس"38. ونتيجةً لذلك، ظهرت انقسامات داخل الحراك أبطأت زخمه، وقاد سلوك الإقصاء إلى تثبيط همة كثيرين عن المشاركة في احتجاجات مستقبلية.
بدأ بعد فترة وجيزة ظهور مزاعم عن رعاية الولايات المتحدة ل"طلعت ريحتكم" وتمويلها من مصادر أجنبية. وغرّد وزير الداخلية، حينذاك، نهاد المشنوق متهمً "طلعت ريحتكم" بأنها ممولة من بلد أجنبي، لكنه تراجع وحذف التغريدة في اليوم التالي. وبالمثل استُخدمت وسائل الإعلام منصةً للتحريض على الحراك لأنه يصل إلى قطاعات واسعة من الجمهور؛ فقد كتب صحافي له صلة قرابة النهار بأحد أفراد النخبة السياسية مقالً في جريدة ، متهمًالحراك بأنه "سرايا المقاومة"، ومدفوعون من حزب الله لإثارة البلبلة في البلاد ثم قلب النظام السياسي، في حين مضى آخرون باتهامهم بأنهم السفير جواسيس لإسرائيل. ويروي مقال في صحيفة بعنوان "القاعدة في الحراك" اعتقال شخصين اعترفا بالتخطيط لتفجير نفسيهما في مظاهرة مقررة في اليوم التالي. واستنادًا إلى ذلك، دعا وليد جنبلاط أنصاره عبر تغريدة إلى الامتناع عن الانضمام إلى تلك المظاهرة. ولقد تأثرت ديناميات الحراك بالتأكيد، حيث اقتنع بعض المواطنين بهذه التصريحات وامتنعوا عن المشاركة في المظاهرات. كان نشر الاتهامات ضد الحراك في الواقع إحدى آليات الإسكات التي استخدمتها النخبة السياسية، غير أنها لم تتوقف عند ذلك، بل مضت لاستهداف الناشطين الأفراد أيضًا، فقيل إن شخصيات مدنية بارزة مثل عماد بزي ونزار غانم ومروان معلوف وأسعد ذبيان كانوا بين منظّمي مظاهرات الربيع العربي في تونس وتركيا ومصر، أي جماعة سرية تدفع لها الولايات المتحدة لتنظيم أحداث مماثلة في لبنان. ويروي ذبيان كيف استُهدف شخصيًا عندما جمع موقع إنترنت تابع لحزب سياسي تعليقات من صفحته الشخصية على فيسبوك، تضمنت فكاهات دينية، ونشرها ضمن مقال على الموقع المذكور بعنوان "أسعد ذبيان يهين الدين المسيحي"، وقال ذبيان إنه، نتيجة لذلك، تلقّى أكثر من 50 تهديدًا عبر الإنترنت وراقبته المخابرات أيضًا. وبالمثل، استُهدف المحامي واصف الحركة من مجموعة "بدنا نحاسب"، بسبب معتقداته العلمانية في مجتمعه الشيعي المحافظ في الضاحية الجنوبية لبيروت، وصوّر باعتباره "تهديدًا" لهم. يصف الحركة ذلك بأنه آلية تدمير، هدفها محاصرة الناشط داخل مجتمعه لأن مجتمعنا ديني طائفي بطبيعته. وورد في سلسلة الاتهامات ضده ما يلي: "إنه ضد التقاليد والأعراف الدينية لأنه يشرب وتوجهاته علمانية، وهو بذلك يستهدف المجتمع الشيعي. إنه ضد مقاومة حزب الله. إنه ينتمي إلى مجموعة من الجواسيس"39. مما لا شك فيه أن مثل هذه الاتهامات تهدف إلى تحريض محيطه عليه، وتحطيم صدقية الناشطين الرئيسين في الحراك، وتحطيم الحركة أيضًا. لجأت النخبة السياسية أيضًا في مهاجمة الحراك والناشطين البارزين فيه إلى آلية أخرى، أفضلُ وصف لها هو التخويف. وقد أخذ هذا التخويفُ مسارات عدة، منها الملاحقات القضائية لبعض الناشطين أمام المحكمة العسكرية التي استخدمتها النخبة السياسية بكثرة، لكن بأسلوب "ماكر" جدًا، كما أوضح أحد الناشطين، فقد كان ملفتًا جدًا أن أكثرية الذين رفعت دعاوى قضائية ضدهم، وتعيّ عليهم حضور المحاكمات، ليسوا من الناشطين "الأساسيين"، بل كانوا مشاركين عاديين في المظاهرات. واتُبعت هذه الاستراتيجية بهدف إثارة الريبة عند الجمهور من هذه الاعتقالات، أي جعل الجمهور يتساءل: هل الناشطون "الأساسيون" يتبعون سلطات أجنبية تحميهم؟ ولهذا لم يتم اعتقالهم ومحاكمتهم. وتلقى ناشطون أفراد رسائل تخويف شديدة الفجاجة، فقد روى لوسيان بورجيلي حادثة ظهر فيها رجل مدني مجهول الهوية أثناء ورشة تمثيل كان بورجيلي يدرّب فيها مجموعة من الطلاب في مسرح، ورفض الرجل التصريح عن سبب حضوره واكتفى بالجلوس والمراقبة. ذهبت مساعدة بورجيلي للتحدث إليه جانبًا، وذكرت لاحقًا أنه كان مسلحًا وسأل بالتفصيل عن الورشة40. يقول بورجيلي: "صحيح أنه لم يهددني مباشرةً، لكنه أوصل الرسالة بوضوح: 'نحن نراقبك."' وحدثت محاولات تخويف كهذه مع ناشطين آخرين أيضًا. وهي طريقة تضمن فيها النخبة السياسية القوية ألا يكون الناشطون مرتاحين أو تجعلهم يدخلون في نوع من "البارانويا" بأنهم مراقبون وملاحقون باستمرار. على مستوى آخر، عملت النخبة السياسية على تعطيل مصادر دخل الناشطين الأساسيين في مجموعات متنوعة في الحراك، وهي قضية حساسة جدًا، فضرب مصادر الرزق يمسّهم شخصيًا، ويدفعهم إلى إعادة حساباتهم في النشاط المدني ومواجهة النخبة السياسية. فقسم كبير من هؤلاء الناشطين يعملون في مهن حرة (محامون أو مخرجون أو منتجو أفلام) تعتمد اعتمادًا كبيرًا على سمعتهم. فمثلً يروي المحامي واصف الحركة كيف انخفض دخله بعد ذروة احتجاجات 2015 بنسبة 40 في المئة. من المؤكد أن انشغاله بتنظيم الاحتجاجات وتخطيطها صرفه جزئيًا عن عمله، غير أن 13 شركة، كما قال، أنهت عقودها معه صراحةً بسبب نشاطه في الحراك. وبالمثل، منعت قوى الأمن الداخلي مسرحيتين لبورجيلي من العرض، إحداهما "متلازمة بيروت" متعلقة بالفساد السياسي في البلاد. وطُلب منه حذف بعض الأجزاء لإعادة السماح بعرضها، لكنه رفض وفضّ ل عدم عرضها. ثمة استراتيجية أخرى تستخدمها النخبة السياسية، يمكن وصفُه ا ب "الإلهاء"، فعندما يتحدث الجمهور اللبناني كله عن الحراك وعن انضمام عدد متزايد إلى احتجاجاته، كانت النخبة السياسية اللبنانية تعمد إلى خلق قضايا أكثر إثارةً للانتباه. وقد نجحت هذه النخبة، بذكاء، في التعتيم على مطالب الحراك المدني، عبر إبراز نزاعات وطنية مثيرة للجدل ذات "أهمية أكبر" وأكثر جذبًا للجمهور، في محاولة
لتحقيق توافق آراء حولها. وفضلً عن ذلك، تهدف تلك القضايا أيضًا إلى جعل الجمهور يعتقد أن هذه النخبة تعمل لمصلحته. وهكذا، طرح الزعماء سجالات حول ثلاث قضايا فساد كبرى لتحويل انتباه المواطن عن ديناميات الحراك، أولها "اكتشاف" شبكة إنترنت غير شرعية تغطي 50 في المئة من خدمات الإنترنت في البلاد، بما في ذلك وزارة الدفاع. والمفارقة في "اكتشاف" كهذا بحسب الناشط وارف سليمان هو أن برج الشبكة المذكورة ظاهر بوضوح، حيث يبلغ ارتفاعه ثمانية أمتار على جانب إحدى الطرق السريعة. وطُرحت أيضًا أسئلة أخرى حول كيف وصلت المعدات الثقيلة اللازمة لتوصيل الإنترنت بطريقة غير شرعية، وجرى تثبيتها لاحقًا تحت سمع وبصر قوى الأمن المعنية. وفي هذا السياق، طرح وليد جنبلاط سؤالً أثار لاحقًا جدالات خطيرة: "كيف بقيت الشبكة خارج سلطة الدولة وكيف عادت، ولماذا لم تعلن القضية على الملأ إلا بعد سنوات من القرصنة والتهريب؟ لو لم يكن الأمر صراع مصالح بين عصابات لصوص، وهو ما تعرفه وزارة الاتصالات، لما ظهرت هذه القضية إلى العلن"41. أما قضية "الفساد" الثانية التي ظهرت إلى العلن فكانت اكتشاف "أخطر" شبكة اتجار بالبشر والدعارة في لبنان، وتضم تحديدًا 75 امرأة سورية تعمل في الدعارة، في مدينة جونيه. ولاحظ ذبيان أن الملفت في الأمر أن الشبكة المذكورة تعمل منذ عشرين عامًا، بينما "يبدو أن النخبة السياسية اكتشفتها الآن." ويتفق جنبلاط مع ذلك تمامًا، متهمً كبار المسؤولين الحكوميين بالاشتراك في جريمة الاتجار بالجنس، حيث غرد على تويتر: "هذه الشبكة تعمل منذ سنوات بتواطؤ كبار المسؤولين في الفن السري"42. ولكن هنا أيضًا، يطرح السؤال التالي نفسه: إذا كان جنبلاط يعرف بالفضيحة منذ سنوات، فلماذا انتظر كل هذا الزمن ولم يبلغ قوى الأمن الداخلي؟ تحدثت وسائل الإعلام عن الفضيحة مدة أسبوعين أو ثلاثة، لكن في النهاية لم يحاسَب أحد من كبار المسؤولين أو يُعتقل. في حين شملت القضية الثالثة اعتقال ضباط من قوى الأمن الداخلي لسوء استخدام منصبهم، إضافة إلى قضايا رشوة. وفوق ما سبق، افتتح الحوار الوطني بين النخبة السياسية لمعالجة الانتخابات الرئاسية المتأخرة والمجمدة. وحاول مئات المحتجين إغلاق الطرق أمام السياسيين المتوجهين إلى اجتماع الحوار في محاولة لتذكيرهم بأزمة النفايات الضاغطة، لكن بلا جدوى. أراد الزعماء إقناع اللبناني المحبط أنهم يعالجون قضايا وطنية أساسية من دون أن يتخذوا أي إجراء فعلي في هذا الاتجاه. ولخص ذبيان ذلك على النحو التالي: "يحتفظ جميع السياسيين بأوراق تكشف فضائح لدى آخرين، لكنهم لا يلعبون بها إلا في الوقت الصحيح، عندما يكونون بحاجة إلى ذلك. وفي أوقات أخرى، يختارون التوحد رغم خلافاتهم السياسية الحادة، وذلك لمصلحة 'الكل'، ويعملون على تشتيت انتباه الناس."
3. تطورات بعد "طلعت ريحتكم:" الحملة الانتخابية "بيروت مدينتي"
"إن لم نكن نحن فمن؟ وإن لم يكن اليوم فمتى؟"43 على الرغم من أن حراك عام 2015 بقيادة "طلعت ريحتكم" ومجموعاتها المتفرعة ما زال نشطًا اليوم، فإن وتيرته أضعف بالتأكيد مما كان عليه حينها. فقد أكّد معظم الناشطين في مقابلاتهم أنهم كانوا يتوقعون ألا يواصل المواطنون النزول إلى الشوارع في مواجهة طويلة الأمد مع النخبة السياسية لأنهم لا يمتلكون القدرة على فعل ذلك، لأسباب اجتماعية أو جسمانية أو اقتصادية. ولكن رغم الانحسار السريع لحراك "طلعت ريحتكم"، بقي إرثه حاضرًا طوال السنوات التالية، عبر عدد من النشاطات المباشرة لمجموعات المجتمع المدني44. ومن هنا تأتي أهمية تسليط الضوء، ولو بإيجاز، على التطورات في السنوات التالية للحراك. فقد امتدت المعركة المتواصلة ضد الفساد والزعامة الحاكمة إلى البرنامج الانتخابي المدني لحملة "بيروت مدينتي" التي عبّ ت عن مطالبها السياسية في الانتخابات البلدية لمجلس مدينة بيروت في عام 2016. لقد ظهرت الحملة وسط تحديات مؤسسية وسياسية مديدة، لكنها استطاعت، باستقلاليتها وخصائصها غير الطائفية، تشكيلَ قائمة مرشحين والتنافس في تلك الانتخابات. وتألفت القائمة أساسًا من مجموعة ناشطين (حضريين) مستقلين وغير حزبيين وغير طائفيين، دعوا إلى برنامج يركّز على هموم الناس، ويعطي أولوية لرفاه جميع الذين يعيشون أو يعملون في العاصمة45. وظهرت إمكانات الحملة في إحداث تغيير سياسي - ديموغرافي جدي في الرد المضاد بتشكيل "قائمة بيروت" برعاية تيار المستقبل، الذي أقام تحالفًا غير مسبوق بين ائتلافي 8" آذار" و 14" آذار" المتعارضين46. وهكذا لجأ الزعماء
السياسيون إلى جميع أنواع التكتيكات، وأبرزها الاتحاد في تحالف، لصد تهديد هذه الجماعة المدنية لسلطتهم ونفوذهم السياسي. لكن لماذا تعتبر حملة "بيروت مدينتي" التي تنبع من المجتمع المدني مهمة؟ والجواب: لأنها حققت نتائج اعتبرت تاريخية بحصولها على نسبة أصوات فاقت أي حركة معارضة منذ عام 1998، وهي 32 في المئة، أو 29 ألف صوت47. تحدث يورغي تيروز، أحد مرشحي مدينة بيروت، عن تطور مشاركته في النشاط المدني، حيث يرأس جمعية Compter Sang Donner، وهي منظمة غير حكومية للتبرع بالدم تضم سجلاتها نحو 20 ألف متبرع بالدم من جميع أنحاء البلاد، وأكثر من 80 ألف حالة إنقاذ حياة مسجلة منذ تأسيسها الرسمي في عام 2008. وذكر تيروز كيف بدأت مشاركته عفويًا أثناء أزمة النفايات في عام 2015، والتي سماها "شبكة تنشئة اجتماعية"، حيث بدأ الناشطون بالمشاركة التفاعلية في اجتماعات للتخطيط للمراحل السياسية المقبلة. بدايةً، شارك تيروز بصفة متطوع في حملة بيروت مدينتي قبل الانتخابات، ثم اختير للترشح عن "الشباب." وأوجز تيروز التحديات التي تواجه "بيروت مدينتي" بقوله: "لا شك أننا واجهنا تحديات مختلفة الحدة أثناء حملتنا وحتى بعد الانتخابات. أولً، كان الوقت هو التحدي الرئيس لنا. لو كان لدينا وقت أكثر لتخطيط الحملة وتنظيمها، لحققنا نتائج أفضل. التحدي الثاني الذي واجهناه هو نقص الخبرة، فمواجهة سياسيين عمالقة لديهم بالتأكيد خبرة قيمة في المشاركة في هذه اللعبة السياسية كانت مهمة صعبة جدًا. وبالمناسبة، أرسلت بعض الأحزاب السياسية مندوبين بصفة 'متطوعين' ليتجسسوا على عملنا. لكن في المقابل، أعتقد أننا نجحنا في مجالات عدة، بينها، مثلً، عنوان الحملة الذي كان له صدى كبير بين الجمهور. كانت حملتنا أصيلة تمامًا، حملة تمثلنا48.
خاتمة
قدمت هذه الدراسة تحليلً لتدابير النخبة السياسية في تعطيل حركة "طلعت ريحتكم" في عام 2015 وإضعافها، بدراسة مفصلة لديناميات الحراك، حيث لم تتمكن الحركة، في نزاعها مع النخبة السياسية الحاكمة، من تحقيق أهدافها؛ أي اعتماد حل بيئي لأزمة النفايات. وفي الخلاصة، قاد هذا التحليل إلى اكتشاف المفارقة التي تتمثل في أن بعض الديناميات الداخلية للحراك المدني تمخضت عن "فرص سياسية" مكّنت النخبة السياسية فعليًا من تعطيل قدرة الحراك على التأثير في العملية السياسية. واعتمدت النخبة استراتيجيات عدة راوحت بين آليات الإسكات والتخويف والإضعاف. وفي حين تعزو معظم الدراسات سبات حركة معينة في لبنان إلى النظام السياسي القائم والوزن النافذ للزعماء فيه، فقد نشأت عقبة رئيسة عن الديناميات الذاتية للحراك نفسه، إذ قادت هيكلية "طلعت ريحتكم"، ولا سيما بنية قيادتها، إلى ميل نحو المركزية داخل الحراك، ما قلص فاعليته، وجعله أكثر عرضة بكثير لمحاولات التعطيل، فرغم مشاركة مجموعات عدة، بقيت قيادة الحراك محصورة بعدد محدود من الأعضاء "الأساسيين"، بحسب ما أفاد الناشطون، وامتدت هذه المركزية إلى آليات صنع القرار والهيكلية الداخلية للحراك. هذا لا يعني أن الأصوات الجديدة لم تستوعب في الحراك أو لم تمنح أي تمثيل، بل يعني أن ناشطين معينين حققوا قدرًا من الظهور أكثر من غيرهم بدرجة ملحوظة، في علاقاتهم بالجمهور، أو داخليًا مع ناشطين آخرين، أو مع مناصري الحراك. وهذه نقطة حاسمة، سمّيتُها "عري" الحراك أمام أنظار الجمهور، والأهم أمام النخبة السياسية. وانعكس ذلك لاحقًا على نحو سلبي، أتاح للنخبة السياسية ممارسة استراتيجيات الإضعاف بطريقة أكثر فاعلية. الأمر المثير للدهشة أن التعددية في هوية مجموعات النشاط المدني التي شاركت في "طلعت ريحتكم" ودعمتها بقوة وأصبحت في النهاية جزءًا ملتزمًا منها، جُيّ ت لمصلحة النخبة الحاكمة. وما أثار الخلاف هو عدم تجانس الهوية والرؤى والأهداف للمجموعات المعنية. واستطاعت النخبة الحاكمة اكتشاف الانقسامات بين تلك المجموعات، بسبب التناقضات الملحوظة في مظاهراتها الميدانية وتصريحاتها وأهدافها المعلنة، فعملت على تغذيتها، خاصةً عندما نشُرت أخبار عن لقاءات عُقدت بين النخبة وناشطين في بعض المجموعات. وبلا شك، أضرت مثل هذه التصرفات كثيرًا بصدقية الحراك في نظر الجمهور، وأدت إلى مزيد من التصدع والخلافات بين المجموعات المشاركة فيه. أخيرًا، كانت صياغة هدف الحراك مسألة إشكالية جدًا بين الناشطين، وبدأ ذلك يظهر إلى العلن تدريجيًا، فقد دعا بعضهم إلى أهداف شاملة عريضة طالب مؤيدوها بقلب شامل للنظام السياسي كله، وتنحية التكتل الحاكم عن السلطة. وفي المقابل، رفض ناشطون آخرون هذه الأهداف العريضة، ودعوا إلى اعتماد أهداف محدودة نسبيًا، وهي حل أزمة النفايات. لقد قاد الفشل في تحديد أهداف وسطية، والتغلب على الاختلافات الأساسية إلى شكل غير متجانس
لنشاط الحراك المعارض، وجعله عرضةً للتعطيل من النخبة السياسية اللبنانية. في الختام، يجب إيلاء اهتمام أكبر للعلاقة التفاعلية بين الزعماء اللبنانيين وحركات المعارضة الناشئة، وقد أتاحت لنا حركة "طلعت ريحتكم" تحديد كيف تنصلت النخبة السياسية من المساءلة العامة، وتمكنت من تحويل الحراك إلى حلبة تتوطد فيها هيمنتها، بدلً من أن تصبح فضاء لحراك سياسي مدني وسبيلً لتمكين المواطنين.
المراجع
Beydoun, Ahmad et al. Lebanon 2008-2009: The National Human Development Report: Toward A Citizen's State. Beirut: UNDP, 2009. Chaaban, Jad et al. "Beirut's 2016 Municipal Elections: Did Beirut Madinati Permanently Change Lebanon's Electoral Scene?" Case Analysis , Arab Center for Research and Policy Studies (September 2016). at: https://bit.ly/2XOGKM4 Dekmejian, Hrair R. Patterns of Political Leadership: Lebanon, Israel , Egypt. New York: SUNY Press, 1975. di Peri, Rosita & Daniel Meier (eds.). Lebanon Faces the Arab Uprisings: Constraints and Adaptation. London: Palgrave Macmillan, 2016. El-Husseini, Rola. Pax Syriana: Elite Politics in Postwar Lebanon. New York: Syracuse University Press, 2012. Gellner, Ernest & John Waterbury (eds.). Patrons and Clients in Mediterranean Societies. Rome: Center for Mediterranean Studies of the American Universities Field Staff, 1977. Hassan, Nizar. "Lebanon's 2015 Protest Movement: An Analysis of Class (and) Power." Master Thesis in Labour, Social Movements and Development of SOAS. University of London, 2017. Johnson, Michael. Class & Client in Beirut: The Sunni Muslim Community and The Lebanese State, 1840 - 1985. London: Ithaca Press, 1986. Joseph, Suad. "Political Familism in Lebanon." The ANNALS of the American Academy of Political and Social Science. vol. 636, no. 1 (2011). Kandiyoti, Deniz (ed.). Women , Islam and the State. London: Palgrave Macmillan, 1991. Kerbage, Carol. "Politics of Coincidence: Al-Harak Confronts its 'Citizens'." Institute of Policy at the American University of Beirut. Working Paper. no. 41 (December 2016). Kraidy, Marwan M. "Trashing the Sectarian System? Lebanon's 'You Stink' Movement and the Making of Affective Publics." Communication and the Public. vol. 1, no. 1 (2016). Meier, Daniel. "Popular Mobilizations in Lebanon: From Anti-System to Sectarian Claims." Democracy and Security. vol. 11, no. 2 (2015). Naor, Dan. "The Path to Syrian Intervention in Lebanon on the Eve of Civil War, 1970 - 1975." British Journal of Middle Eastern Studies. vol. 41, no. 2 (2014). Owen, Roger. Essays on the Crisis in Lebanon. London: Ithaca Press, 1976. Perthes, Volker (ed.). Arab Elites: Negotiating the Politics of Change. Boulder, CO: Lynne Rienner Publishers, 2004. Safa, Oussama. "Getting to Arab Democracy: Lebanon Springs Forward." Journal of Democracy. vol. 17, no. 1 (January 2006). Salamey, Imad & Rhys Payne. "Parliamentary Consociationalism in Lebanon: Equal Citizenry vs. Quoted Confessionalism." The Journal of Legislative Studies. vol. 14, no. 4 (2008). Salloukh, Bassel et al. The Politics of Sectarianism in Postwar Lebanon. London: Pluto Press, 2015. Shanahan, Rodger. Shi'a of Lebanon: Clans, Parties and Clerics. London: I.B. Tauris, 2005.