الأمننة والديمقراطية في القرن الأفريقي: حالات جيبوتي والصومال والسودان
الملخّص
ترمي هذه الدراسة إلى بحث أثر الأمننة في التحوّل الديمقراطي في ثلاثٍ من دول القرن الأفريقي، هي جيبوتي والصومال والسودان، الأعضاء في جامعة الدول العربية. وتمثل الدول الث ثاا نماذج متنوعة للأمننة، لكنها متكاملة. وتفترض الدراسة أن أمننة قضايا المنطقة جعلت قضية التحوّل الديمقراطي تحتل مكانة متدنية في قائمة أولويات الدول الكبرى، في وقت أضحى فيه خطاب محاربة الإرهاب هو الطاغي. وتطرح الدراسة الأسئلة الآتية: لماذا غلب خطابُ الأمننة خطابَ الديمقراطية في منطقة القرن الأفريقي؟ وكيف تتفاعل آليات خطاب الأمننة مع الواقع السياسي؟ وما دور المؤسسات الإقليمية في تعزيز خطاب الأمننة؟ كلمات مفتاحية: الأمننة، التحول الديمقراطي، الإرهاب، القرن الأفريقي. This study examines the impact of securitization on the democratization of three countries in the in the Horn of Africa: Djibouti, Somalia and Sudan. The three countries, all members of the Arab League, represent diverse but integrated securitization models. The study assumes that securitization in the region has left democratic transformation low in the list of priorities for the major powers, at a time when counterterrorism rhetoric is overwhelming. The paper raises the following questions: Why has securitization discourse overpowered talk of democracy in the Horn of Africa? How do the mechanisms of the securitization discourse interact with political reality? What is the role of regional institutions in enhancing securitization discourse? Keywords: Securitization, Democratization, Terrorism, the Horn of Africa.
Security and Democracy in the Horn of Africa: Djibouti, Somalia and Sudan
مقدمة
تعيش منطقة القرن الأفريقي، منذ عقد أو يزيد، نشاطًا أمنيًا مكثفًا، فقد أضحت ساحة للتكالب؛ بسبب موقعها الجيوبوليتيكي، إذ تعد حلقة وصل مهمة بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية والمحيط الهندي، وامتداداته حتى باكستان. ويشرف القرن الأفريقي على باب المندب وخليج عدن، ويُعدّ امتدادًا لمضيق هرمز الذي مر عبره نحو 18.5 في المئة من نفط العالم في عام 2016، بحسب تقارير وزارة الطاقة الأميركية1؛ الأمر الذي يجعله، وفقًا للوزارة، أهم المضايق التي يمر منها النفط في العالم2، كما أن ما نسبته 20-12.5 في المئة من التجارة العالمية يمر عبر خليج عدن3. فإذا أضيف إلى ذلك حجم التجارة الخارجية لكل من اليابان والصين والهند مع الاتحاد الأوروبي، وما تشهده من نمو وتوسع، وما تحتاجه من موارد من أفريقيا، فيمكن إدراك الأهمية الجيوبوليتيكية للقرن الأفريقي. تظهر مكانة القرن من الاهتمام البالغ الذي توليه الدول الكبرى، والدول ذات الاقتصادات الصاعدة، والدول الإقليمية في العالم، للتطورات التي يمر بها الآن؛ فقد وضع الاتحاد الأوروبي في عام 2012 استراتيجية للمنطقة، سُميت "الإطار الاستراتيجي للقرن الأفريقي"4. وتشير الاستراتيجية إلى أن مصالح الاتحاد الأوروبي يحددها الموقع الاستراتيجي للقرن، وارتباطات الاتحاد التاريخية بدول القرن الأفريقي. وتتعرّض الوثيقة للعلاقة القوية بين استقرار المنطقة والأمن العالمي، وما يترتب على ذلك من أهمية محاربة الظواهر المزعزعة للاستقرار، كالقرصنة والإرهاب، من جهة، وتقديم العون الإنساني، من جهة ثانية. وأصدر البيت الأبيض، في كانون الأول/ ديسمبر 2017، استراتيجية الأمن القومي الأميركي، خصص فيها قسمً لأفريقيا5، وبرزت فيها أهمية محاربة الإرهاب والقرصنة، ودعم استقرار دول القرن الأفريقي، والتعامل مع جذور عدم الاستقرار. وتحتفظ الولايات المتحدة وفرنسا بوجود عسكري مستمر في جيبوتي، تمثله بالنسبة إلى الأولى القوة المشتركة المدمجة للقرن الأفريقي Combined Joint Task Force-Horn of Africa, CJTF-HOA والقاعدة الفرنسية بالنسبة إلى الثانية6. أما الصين واليابان، فقد أقام كل منهما قاعدة عسكرية في جيبوتي7، ولا تتوافر معلومات حول حجم القاعدتين وتجهيزاتهما. كما أعربت السعودية لجيبوتي عن رغبتها في إقامة مرفق عسكري هناك8. ويوجد إلى جانب هذه القواعد العسكرية مرافق أمنية أخرى، لوجستية وتجسسية، وهناك مرافق تدار منها طائرات من دون طيار، تُستخدم لاستهداف مقاتلي الجماعات الجهادية المتطرفة المنتشرة في منطقة القرن، موجودة في أريتريا وإثيوبيا وكينيا والصومال، وستوضح الدراسة ذلك لاحقًا. ولأهمية منطقة القرن الأفريقي، فقد صبغت الأمننة، وهي إضفاء البعد الأمني على قضايا متعددة ومتنوعة، أغلبية الخطاب السياسي والاقتصادي الموجه من الدول الغربية نحو القرن الأفريقي. وأخذ البعد الأمني أولوية عند مناقشة قضايا دول القرن في المؤسسات الإقليمية والدولية، وتحوّل الخطاب من تناول سياسات المساعدة والعون والتعاون إلى التركيز على أبعاد الخطر والتهديد والخوف التي تمثّلها أفريقيا. فالأمن، وفقًا لنظرية الأمننة، ليس حقيقة موضوعية مسلّمً بها، وإنما هو نتاج لعمليات اجتماعية محددة. ووفقًا لهذه الرؤية، أصبحت مناطق من أفريقيا جزءًا من ساحات الحرب على الإرهاب، وأخذت قضاياها طابعًا أمنيًا. كان لأمننة قضايا القرن الأفريقي تأثير سلبي مباشر في عملية التحوّل الديمقراطي، فقد أضحت الأمننة عائقًا في وجه إقامة أنظمة حكم ديمقراطية في بلاد القرن الأفريقي، ولم تعد المقاربات والمداخل الغربية صالحة لتفسير تعثر التحوّل الديمقراطي في تلك البلدان. تتناول الدراسة أثر الأمننة في التحول الديمقراطي لثلاث من دول القرن الأفريقي؛ جيبوتي والصومال والسودان. وتفترض أن أمننة قضايا المنطقة جعلت مسألة التحوّل الديمقراطي تحتل منزلة متدنية في قائمة أولويات الدول الكبرى، في حين تحتل "محاربة الإرهاب"
منزلة أعلى. وتحاول الإجابة عن الأسئلة التالية: لماذا غلب خطاب الأمننة على خطاب الديمقراطية في منطقة القرن الأفريقي؟ وكيف تتفاعل آليات خطاب الأمننة مع الواقع السياسي؟ وما دور المؤسسات الإقليمية في تعزيز خطاب الأمننة؟
أولا: استهلال نظري: مفهوم الأمننة وخطاب الإرهاب وبيئته
تشير الأمننة إلى إضفاء البعد الأمني على قضية ما؛ لتجعل منها مصدرًا للخطر أو التهديد. وارتبطت مداخل الأمننة المختلفة بمدرسة كوبنهاغن التي تضم باري بوزان وأُول ويفر وآخرين. وترمي الأمننة إلى تجاوز النقاش الدائر بين أولئك الذين يرون أن التهديد هو قضية موضوعية، ومجموعة أخرى تذهب إلى أن التهديد قضية ذاتية، يحددها الشخص بحسب إدراكه وتفاعله. فمدرسة كوبنهاغن ترى وجوب النظر إلى الأمن على أنه فعل خطابي، والقضية الرئيسة فيه ليست الجدل حول ما إذا كان التهديد موضوعيًا، أو ينطلق من اعتبارات ذاتية، بل الطريقة التي تُبنى بها بعض القضايا اجتماعيًا، مثل: الهجرة والتدهور البيئي ومرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز)، لتصبح مصدرًا للتهديد9. ويشير الفعل الخطابي إلى أن النطق بكلمة أو بمصطلح، فحسب، يعني أن فعلً قد وقع. فالنطق بكلمة "أمن" قد يُنظر إليه على أنه فعل يستحضر للذهن مختلف القضايا العسكرية والسياسية والاقتصادية والبيئية المرتبطة بالأمن10. ويرى مدخل آخر للأمننة، متأثر بالنظرية الاجتماعية، أن الأمننة تتحقق من خلال الممارسة والإطار، وعلاقات القوة التي تبني تصوّر الخطر11. ويشير بوزان وويفر ودي وايلد إلى أن الأمننة هي عرض قضية ما على أنها تمثّل خطرًا يمسّ البقاء، الأمر الذي يتطلب اتخاذ تدابير طارئة، ويسوّغ اتخاذ إجراءات سياسية خارج نطاق المعتاد. وتهدف الأمننة إلى الإسراع في تطبيق إجراءات استثنائية، بعد الإعلان عن أن القضية المطروحة تمثّل تهديدًا للبقاء. وهذا الخطاب يعطي السلطة الحق في استخدام إجراءات استثنائية لتأمين بقائها، وبذلك تنتقل القضية من مجال السياسة العامة إلى مجال سياسة الطوارئ12. ويُعدّ المدى الذي يشمل القضايا القابلة للأمننة مفتوحًا، فهناك دول سعت لأمننة الدين، وأخرى لأمننة الثقافة، بينما عمدت أخرى إلى أمننة قضايا الهجرة أو البيئة13. ومن القضايا التي تعرّضت لأمننة مكثفة موضوع الإرهاب؛ إذ ورد في الخطاب الأكاديمي والرسمي على أنه الخطر الأكبر على الدول الغربية. تعرّض مفهوم الأمننة، الذي تتبناه مدرسة كوبنهاغن وهو القائم على مفهوم "خطر يهدد البقاء" واللجوء إلى إجراءات استثنائية تتجاوز الوسائل العادية في التعامل مع الخطر، لانتقادات. ومن منتقدي المفهوم ريتا أبراهامسن التي ترى أن هناك حالات أمننة لا تحتاج إلى سياسات طوارئ في التعامل معها، وأن حالات الخطر التي تنتقل مباشرة من التعامل العادي إلى التعامل الاستثنائي قليلة؛ لذا، يجب أن ينظر إلى الأمننة بحسبانها مدى متدرجًا، ينتقل فيه التعامل مع الأخطار من التعامل العادي إلى القلق والانزعاج من الخطر، ومن ثم إلى التعامل الاستثنائي. ويمكن أن تدرج قضية في مدى الأمننة من دون أن تصل إلى مرحلة الخطر الذي يهدد البقاء14. وهذه الدراسة تستخدم تعريف أبراهامسن الموسّ ع للأمننة؛ لأنه يحلل حالة الأمننة الأفريقية تحليل أفضل، ويغطي كل صورها وأنماطها. فالأمننة لا تأخذ شكلً واحدًا، ولا تصل وصولً مباشرًا إلى مرحلة الخطر الذي يهدد البقاء، وإنما تتدرج في إثارتها القلق، فتبدأ بمرحلة الخطر العادي الذي يتطلب تعامل روتينيًا عاديًا، ثم تتطور إلى مرحلة خطر أكبر، قد يهدد البقاء بعدئذ. ويتكامل في خطاب الإرهاب نوعان من الخطاب، هما: خطاب المؤسسات الأكاديمية الذي ينعكس في الكتب والمقالات وتقارير مراكز الأبحاث، والخطاب الرسمي للمسؤولين، بما في ذلك تقارير المؤسسات الرسمية ورسائلها. أما ما يتصل بالنوع الأول من الخطاب، فقد ازداد الخطاب الأكاديمي المتعلق بدراسة الإرهاب ازديادًا كبيرًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001؛ نتيجة للاهتمام الرسمي، والتمويل الذي سُخّر له. ووفقًا لأندرو سِلك، مدير دراسات الإرهاب في جامعة إيست لندن، فإن 90 في المئة من الدراسات المتعلقة بالإرهاب كُتبت بعد 11 سبتمبر 2001، حتى عام 2007. كما أن كتابًا عن الإرهاب يصدر كل 6 ساعات باللغة الإنكليزية، في الفترة ذاتها. ويقول ريتشارد جاكسون إن الأوراق العلمية حول الإرهاب ارتفعت بنسبة 300 في المئة خلال الفترة نفسها15. ويبرز في الخطاب الأكاديمي التيار الذي يصوّر ما يسمّى "الإرهاب الإسلامي" على أنه الخطر الماثل أمام الغرب.
يرتكز خطاب التخويف من الخطر المحدق بالعالم الغربي على دراسات الإرهاب، ولا سيما الجزء الذي يركز على "الإرهاب الجديد." وما يحرّك هذا النوع الجديد من الإرهاب، بحسب ذلك الخطاب، هو الكره والتعصب والتطرف، وليس أيديولوجيا سياسية؛ لذا، فإن هذا الإرهاب لا يجدي معه التفاوض أو المساومة أو الإغراء، والوسائل التي يجب أن تُتخذ للتعامل معه هي الاجتثاث والردع والمكافحة بالقوة16. واستنادًا إلى هذا الفهم، فإن أمننة مكافحة الإرهاب أخذت البعد العسكري العنيف الذي يتطلب بيئة سياسية تَضعُف فيها المساءلة السياسية، ويقل فيها الاعتماد على سيادة حكم القانون؛ وما تحويل المتهمين بالإرهاب من دول غربية إلى دول عربية وأفريقية، لانتزاع اعترافاتهم تحت وطأة التعذيب، سوى تأكيد لهذه الحال. ويذهب خطاب بعض الدول الغربية الرسمي إلى أمننة قضية أخرى، هي الفقر. فعلى سبيل المثال، يشير إدوارد نيومان نقلً عن وزارة التنمية الدولية في المملكة المتحدة إلى أن "التنمية والعون مترابطان[...]فالفقر وضعف التنمية والدول المنهارة توفر أرضًا خصبة للنزاعات، ولبروز أخطار أمنية جديدة، مثل الجرائم العالمية والإرهاب"17. وفي هذا الصدد أيضًا قال الرئيس الأميركي الأسبق، بوش الابن: "لا توجد خطوط صلبة بين مصالحنا الأمنية ومصالحنا التنموية، وقيمنا الديمقراطية"18؛ لذا، فقد صُممت برامج العون الغربية لتأخذ أثر البعد الأمني للفقر. وقد أخذت العلاقة بين الأمن والعون التنموي للدول النامية تقوى بحلول منتصف التسعينيات، عندما انتشر ما سمي الحروب الجديدة. ونجم عنها موجة من الاضطراب وعدم الاستقرار في عدد من الدول النامية19. يشير مارك دوفيلد إلى أن موضوع الفقر ظل - منذ ذيوع الشيوعية إلى بروز الإرهاب، عبر ما يُحدثه من تهميش لجماعات في المجتمع، وتكريسه للسخط والامتعاض بينهم - الخطر الاستراتيجي الرئيس الذي يتربص بالنظام الليبرالي20. ونتيجة لذلك، جاء تسييس العون التنموي لمجابهة هذا الخطر. ويؤكد ديفيد شن، السفير الأميركي الأسبق، ما ذهب إليه دوفيلد حول العلاقة بين الفقر والإرهاب. فعلى الرغم من أنه يرى أن الفقر ليس الدافع المباشر للإرهاب، فإنه يشير إلى أن وجود الفقر، مع انتشار عدم المساواة الاجتماعية والتهميش السياسي، يفرز بيئة في القرن الأفريقي، يستغلها المتطرفون الدينيون لبثّ أفكارهم، والحصول على التأييد المحلي21.
لقد مثّلت السردية الكبرى (الحرب على الإرهاب) الإطار المنظم الذي يوجه السياسة الأميركية والغربية تجاه أفريقيا والقرن الأفريقي، ويحدد الأخطار والفرص، وعُدّت الدول الفاشلة، أو المنهارة، حواضن "تفرّخ" الإرهابيين الحاليين أو المحتملين22. وما عزّز سردية الحرب على الإرهاب، وارتباطها بمناطق محددة في العالم، وجود إدراك تاريخي عام أن هناك مناطق في العالم تُعد مصدرًا للخطر، أو ما أسماها بانكوف "أقاليم الخطر" Risk of Regions، وهي مناطق تنتشر فيها الأمراض والفقر والكوارث، وتدخلت فيها الدول الغربية بصور مختلفة، شملت الاستعمار والعون والإغاثة. فعلى سبيل المثال، صوّر القرن الأفريقي على أن له إرثًا من الهشاشة التي تشكّل تحديًا إقليميًا ودوليًا23. ومع حلول الألفية الجديدة، برز في هذه الأقاليم "الإرهاب الجديد." ويختلف الخطر الجديد عن الأخطار السابقة في أنه منتشر ومتجاوز للأقاليم والأقطار، فالأخطار القديمة موجودة في "أقاليم الخطر"، تصيب من يذهب إلى هناك، فحسب. أما الإرهاب الجديد، فإنه تجاوز أقاليمه وأتى إلى الغرب،
وضرب ضحاياه داخل الدول الغربية24. ويتطلب هذا الخطر، إذًا، تعاملً مختلفًا، يركّز على استئصال جذوره والقضاء عليه في مهده، وهذه أولوية تسبق ما عداها من المشاريع الرامية إلى ترسيخ الحكم الراشد، أو تحقيق التحوّل الديمقراطي.
ثانيًا: جيبوتي والصومال والسودان: كيف تؤثر الأمننة في الديمقراطية؟
1. جيبوتي
وفقًا للتقرير السنوي الذي أصدرته وزارة الخارجية الأميركية في عام 2016 عن الإرهاب، فإن جيبوتي تحتل مكانة مهمة في حملة مكافحة الإرهاب الإقليمية، وأسهمت بقوات في بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال African Union Mission in Somalia, AMISOM، وتلقّت القوات المسلحة الجيبوتية دعمً وتدريبًا للمشاركة في هذه القوات. وتستضيف جيبوتي معسكر "ليمونير"، حيث توجد القاعدة العسكرية الأميركية، ورئاسة القوات المشتركة المدمجة للقرن الأفريقي، وهي تابعة للقيادة العسكرية الأميركية لأفريقيا (الأفريكوم) United، ويوجد في القاعدة25 States Africa Command, AFRICOM العسكرية نحو 4000 من العسكريين والقوات الخاصة والمتعاقدين الأميركيين؛ إذ يبلغ عدد القوات الخاصة نحو 300، وتركز على استهداف عضوية الجماعات الجهادية، مثل القاعدة وحركة الشباب في الصومال بالقتل. وتنطلق الطائرات من دون طيار (الدرون) من القاعدة صوب الصومال واليمن، لاغتيال أعضاء هذه الجماعات. نيويورك تايمز وبحسب إحصائيات أوردتها صحيفة، فإن طائرات "الدرون" تقلع وتهبط بمعدل 16 مرة في اليوم. وتخصص القاعدة التي تبلغ مساحتها نحو 500 هكتار لمحاربة الإرهاب، الأمر الذي يجعلها المرفق الوحيد من نوعه في شبكة قواعد البنتاغون العالمية26. لقد سبقت القاعدة الفرنسية في جيبوتي إنشاء القاعدة الأميركية، وتُعدّ أكبر قاعدة خارج فرنسا. وأدى وجود الجماعات الجهادية، وتزايد أعمال القرصنة في المنطقة، ووجود حرب في اليمن، إلى أن تكون جيبوتي منطقة جذب للقواعد والمرافق العسكرية الأجنبية. فهناك وجود عسكري، إلى جانب الولايات المتحدة وفرنسا، لكل من الصين وإيطاليا واليابان وألمانيا وإسبانيا. وكان لهذا الوجود العسكري الأجنبي أثره السلبي في التحوّل الديمقراطي في جيبوتي؛ فجيبوتي تعتمد اقتصاديًا على الخارج، وبحسب البنك الدولي، فإن الاقتصاد الجيبوتي يعتمد أساسًا على الاستثمار الأجنبي في الموانئ، وعلى إيجار القواعد العسكرية. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن الشركات المتعددة الجنسيات تفضل الاستثمار في الدول التسلطية؛ لأن العائد من الاستثمار يكون أكبر في هذه الدول من الدول الديمقراطية27. لقد شمل الحراك الشعبي الذي شهده عدد من الدول العربية، وسمي الربيع العربي، جيبوتي، ففي 18 شباط/ فبراير 2011، انتظم نحو 50 ألف شخص، بحسب تقديرات المعارضة، في لقاء حاشد في ملعب جيبوتي الرئيس، مطالبين بتغيير الرئيس إسماعيل عمر قيلي. وقال زعيما حزبَ المعارضة الرئيسين؛ "الاتحاد من أجل التغيير الديمقراطي"، و"الاتحاد من أجل الحركة الديمقراطية"، إنهما "يريدان تغييرًا سلميًا وديمقراطيًا، مثلما حدث في تونس"28، لكن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع والعنف في تفريق المتظاهرين، فنجم عن ذلك مقتل شخصين، وفق وزارة الداخلية الجيبوتية، ثم أعقب ذلك اعتقال عدد من السياسيين. وقال وزير الداخلية الجيبوتي "إن المتظاهرين يريدون صنع حركة انتفاضة"29. لم يجد الحراك الجماهيري في جيبوتي دعمً خارجيًا، ولا سيما من الدول الغربية، صاحبة القواعد والوجود العسكري في جيبوتي؛ لأن الاهتمام بوجود نظام ديمقراطي في جيبوتي لم يكن من أولويات الدول الغربية، فقد طغى الاهتمام بمحاربة الإرهاب والقرصنة على قضايا ترسيخ الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان. فبعد انتهاء الحرب الباردة برز الخطاب الأوروبي الذي ربط تقديم الدعم بتحسّن أوضاع حقوق الإنسان، وتحقيق الديمقراطية30. غير أن التطبيق الفعلي للسياسة الأوروبية تجاه أفريقيا لم يعكس هذا التوجه المعلن. وقد زار وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، جيبوتي في 23 نيسان/ أبريل 2017، وقد
وضح، من خلال تصريحات الوزير الأميركي، أن الشغل الشاغل للإدارة الأميركية هو موقع جيبوتي، والدور الذي يمكن أن يؤديه هذا الموقع؛ إذ صرّح الوزير في أثناء الزيارة أن جيبوتي "تعد معبر طرق استراتيجيًا مهم31"، وخاطب الجنود الأميركيين والفرنسيين، وقابل الرئيس قيلي. وكانت زيارة وزير الدفاع الأميركي قد جاءت بعد عام من إعادة انتخاب الرئيس قيلي للمرة الرابعة، وبعد أن عدّل الدستور مرتين؛ ليعزز وجوده في الرئاسة. ونال الرئيس قيلي في تلك الانتخابات المشكوك في نزاهتها نحو 86 في المئة من الأصوات، بينما نال زعيم حزب المعارضة الرئيس "الاتحاد من أجل الإنقاذ الوطني"، عمر علمي خيره، نحو 7 في المئة. وكان الأمين العام لحزب المعارضة، عبد الرحمن محمد قيلي، قد اعتُقل، وأ في كانون الأول/ ديسمبر 2015 طلق سراحه قبيل أيام من إجراء الانتخابات. وقد حكم الرئيس قيلي، وعمه الرئيس السابق حسن جوليد، البلاد منذ استقلالها في عام 1977 32. أما علاقة الاتحاد الأوروبي بجيبوتي، فترتكز على السعي لتحقيق الاستقرار في القرن الأفريقي، بواسطة قوات الاتحاد الأفريقي في الصومال، وعبر "عملية أتلانتا" التي تكافح القرصنة33. وقد دعمت دول الاتحاد الأوروبي قوات شرق أفريقيا المكوّنة من عشر دول، من بينها جيبوتي، وتشارك في قوات حفظ السلام في الصومال والسودان. فورين بوليسي إلى عدم اكتراث الدول الغربية وقد أشارت مجلة بالممارسة السياسية للرئيس قيلي، وتكريس الحزب الحاكم في جيبوتي سلطاته34. ووفق تصنيف منظمة "فريدوم هاوس"، فإن جيبوتي لا تعد حرة؛ إذ على الرغم من وجود تعددية حزبية، فإن الحزب الحاكم (الاتحاد من أجل الأغلبية الرئاسية) يستخدم وسائل تسلطية، لاستمرار هيمنته الشاملة على الحياة السياسية في البلاد. وقد اعتقلت السلطات نحو 19 شخصًا، في آذار/ مارس 2017، من حزب "حركة التجديد الديمقراطي والتنمية" المحظور، وأطلق سراح عدد منهم لاحقًا35. وفي انتخابات شباط/ فبراير 2018 فاز الحزب الحاكم بنحو 90 في المئة من مقاعد البرلمان، واتهمت المعارضة الحكومة بالتزوير.
2. الصومال
بعد انهيار نظام سياد بري في عام 1991 تلاشى الوعي القومي في الصومال، وتفككت الدولة المركزية إلى وحدات عشائرية، وزعماء حرب، يتحكمون في مناطق مختلفة، وانفصل الشمال ليعلن دولة من جانب واحد، فدخلت البلاد في حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار36. ونجم عن ذلك حدوث مجاعة في عام 1992، ثم جاء التدخل الأميركي في الصومال في بداية عام 1993؛ بحجة حماية العاملين في توزيع الإغاثة على المتأثرين بالمجاعة هناك. لكن مهمات التدخل العسكري توسعت بعد ذلك، في أواخر عام 1993، فشملت إقامة نظام سياسي، واعتقال بعض زعماء الحرب. وقد لقي الغزو الأميركي مقاومة عنيفة من الميليشيات الصومالية، وقتل نحو 18 جنديًا أميركيًا، وجرح نحو 73، عند محاولة اعتقال بعض معاوني زعيم الحرب، محمد فرح عيديد، فسرّعت هذه الحادثة قرار الرئيس الأميركي الجديد آنذاك، بيل كلينتون، الانسحاب من الصومال. بعد الانسحاب الأميركي من الصومال في عام 1993، استمرت حالة الصراع الداخلي، وهيمن زعماء الحرب على الأوضاع، مدعومين من إثيوبيا، وانسحبت قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من الصومال، في عام 1995، بعد أن تدخلت لتوفير جو آمن لتقديم المساعدات الإنسانية. وفي نيسان/ أبريل وأيار/ مايو 2000، اجتمع عدد من الزعماء القبليين في جيبوتي في مؤتمر السلام الوطني؛ لتحقيق السلام والاستقرار في الصومال، وقاطعه زعماء الحرب، بقيادة حسين ابن زعيم الحرب محمد فرح عيديد الذي توفي متأثرًا بجراحه. اتفق المؤتمرون على تكوين حكومة انتقالية، بعد الاتفاق على ميثاق وطني انتقالي، ونالت الحكومة الانتقالية دعم المجتمع الدولي، وعُدّت الحكومة الشرعية للصومال. وقد وجدت الحكومة معارضة من مجلس المصالحة والبناء الصومالي الذي يضم بعض الفصائل، بقيادة حسين عيديد، وعانت الحكومة الانتقالية عدم الاستقرار وشح الموارد، وضعف قدرتها على بسط سيطرتها على كل أنحاء البلاد. وفي محاولة لتكوين حكومة أكثر فاعلية في مجابهة حركة الشباب التي تنشط في الجنوب، نظّمت كينيا، بالتعاون مع إثيوبيا، مؤتمرًا للحوار الصومالي في عام 2004، تمخّض عنه تكوين حكومة اتحادية انتقالية، لتحل محل الحكومة الوطنية الانتقالية، وحظيت الحكومة الاتحادية الانتقالية بتأييد الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والدول الغربية، كما عملت على محاربة تنظيم الشباب. وخلال عام 2006، التقت مجموعة من التنظيمات الإسلامية حول اتحاد المحاكم
الإسلامية التي كانت موجودة في مقديشو، وتمكنت من الاستيلاء على العاصمة. وكانت العاصمة تحت سيطرة ميليشيات زعماء حرب، ومن أبرز هذه الميليشيات "تحالف استعادة السلام ومكافحة الإرهاب" المدعوم من الولايات المتحدة. وبعد الاستيلاء على مقديشو أصبح اتحاد المحاكم الإسلامية منافسًا آخر للحكومة الاتحادية الانتقالية، وهي المعترف بها دوليًا، ومقرها في مدينة بيداوا، وبعد تمدد اتحاد المحاكم خارج مقديشو، أعلن البرلمان الإثيوبي أن اتحاد المحاكم يمثل تهديدًا لإثيوبيا، فمُنح رئيس الوزراء، ملس زيناوي، السلطة لاتخاذ التدابير اللازمة لحماية الحكومة الانتقالية الصومالية، والدفاع عن إثيوبيا37. لقد جلب استيلاء اتحاد المحاكم الإسلامية على مقديشو انزعاجًا أكبر للحكومة الأميركية؛ وبسبب ذلك، زارت جنداي فريزر، مساعدة وزير الخارجية الأميركية للشؤون الأفريقية، الصومال في بداية نيسان/ أبريل 2007، وقابلت رئيس الحكومة الاتحادية الانتقالية في مدينة بيداوا، وسارعت الولايات المتحدة إلى الضغط على إثيوبيا للتدخل في الصومال، بعد أن سيطرت قوات اتحاد المحاكم الإسلامية على العاصمة38. الغارديان وأوردت صحيفة البريطانية أن اللواء جون أبي زيد، قائد المنطقة العسكرية الأميركية الوسطى، المسؤولة عن القوات الأميركية في المنطقة، من الشرق الأوسط حتى أفغانستان، زار إثيوبيا في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2006، وقابل رئيس الوزراء الإثيوبي ملس زيناوي، وكان الغرض من الزيارة وضع الترتيبات النهائية لغزو إثيوبيا للصومال. وبعد ثلاثة أسابيع من زيارة اللواء أبي زيد، دخلت القوات الإثيوبية الصومال، مدعومة بترتيبات لوجستية وغطاء جوي أميركي. لم يقف الانزعاج من المحاكم عند الحكومات الغربية، بل تعدّاها إلى الأمم المتحدة، فقد عكس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في قراره رقم 1725() تخوفه من اتحاد المحاكم؛ إذ جاء في ديباجة القرار ما يلي: "وإذ يهيب باتحاد المحاكم الإسلامية أن يوقف أي توسع عسكري آخر، وأن ينبذ كل من لديهم مخططات متطرفة، أو صلات بالإرهاب الدولي"39. نجح الغزو الإثيوبي الذي جرى في كانون الأول/ ديسمبر 2006 في إزاحة اتحاد المحاكم الإسلامية من مقديشو، وانسحب بعد عامين. لكن الغزو لم ينجح في تقوية الحكومة الاتحادية الانتقالية، أو توحيد البلاد. فعند انسحاب القوات الإثيوبية في كانون الثاني/ يناير 2009، كانت غالبية أجزاء البلاد تسيطر عليها حركات مسلحة أو ميليشيات، كما زاد نشاط حركة الشباب الجهادية في جنوب الصومال. ولمساعدة الحكومة الاتحادية الانتقالية على بسط نفوذها، في مواجهة حركة الشباب، أقر مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي تكوين بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال، في كانون الثاني/ يناير 2007، وبعد شهر وافق مجلس الأمن على مهمات البعثة، ولا سيما أن تلك البعثة ستتحول إلى عملية للأمم المتحدة؛ لدعم استقرار الصومال على المدى الطويل، وإعادة إعماره في مرحلة ما بعد انتهاء الصراع. وعلى الرغم من أن المجلس أشار إلى ضرورة إنشاء مؤسسات عريضة القاعدة وتمثيلية، يُتوصل إليها من خلال عملية سياسية شاملة لجميع الأطراف في الصومال40، فإن ذلك لم يتحقق حتى الآن. انتهى أجل الحكومة الاتحادية الانتقالية في عام 2012، ودخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة، باختيار برلمان جديد، يبلغ عدد أعضائه 275 عضوًا، وأ نيط به انتخاب رئيس ورئيس وزراء جديدين. لم يُنتخب أعضاء البرلمان الجديد شعبيًا، وإنما اختارتهم عشائرهم، فعلى كل عشيرة من عشائر الصومال الأربع الكبرى: الداروت، والهوية، والدر، والرحنوين، أن تختار ثلاثين من الزعماء لهيئة تتكون من نحو 135 زعيمً، على أن يكمل العدد، أي 15 عضوًا، من الأقليات. وترشح الهيئة أعضاء البرلمان للجنة اختيار فنية، مهمتها اعتماد أعضاء البرلمان، وفق شروط محددة41. واستنادًا إلى ذلك اختير شريف شيخ أحمد ليكون أول رئيس للحكومة الاتحادية، وعبد الولي محمد علي ليصبح رئيسًا للوزراء، ثم أدى أعضاء البرلمان القَسم في جو أمني مضطرب، في قاعة في مطار القاعدة، تحت حراسة قوات حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي. ووضح أن قدرة الحكومة الجديدة على القيام بمهماتها محدودة؛ إذ كانت تبسط سلطتها على أجزاء محدودة من العاصمة مقديشو، توفر الأمن فيها قوات الاتحاد الأفريقي. وعكس ضعف الحكومة أن الديمقراطية في الصومال تعتمد في فاعليتها المحدودة على العامل الخارجي الدولي والإقليمي، ويتركز الدعم الخارجي على مساعدة الحكومة في تحقيق الأمن، وذلك بمحاربة حركة الشباب، والحد من القرصنة. وعمدت الدول الغربية إلى دعم الحكومة الصومالية الجديدة، انطلاقًا من سياسة "دعم الاستقرار" Policy Stabilization، وهي سياسة تجمع بين البعدين العسكري والمدني في منع النزاعات، وبناء الدول المنهارة أو الفاشلة. وقد عكس تكوين بعثات الأمم المتحدة لعمليات حفظ السلام في عدد من تلك الدول هذا الاتجاه. وتعتمد
السياسة على التداخل بين عمل الوكالات المختلفة، والتكامل بينها Inter-agency approach42. ومن أهم الإدارات الحكومية المعنية بتنفيذ هذه السياسة "مكتب النزاعات وعمليات تحقيق الاستقرار" Bureau of Conflict and Stabilization Operations التابع لوزارة الخارجية الأميركية، ووحدة تحقيق الاستقرار البريطانية Unit Stabilisation. وقد طبقت هذه السياسة في الصومال. وفي هذا الإطار تلقّت الحكومة الاتحادية الجديدة دعمً من الدول الغربية، تركّز على نحو كبير على تحقيق الأمن المحلي والإقليمي؛ فقد قدّم الاتحاد الأوروبي دعمً ماليًا لقوات الاتحاد الأفريقي، وبدأ عملياته البحرية عبر "عملية أتلانتا"، وباشر حلف شمال الأطلسي "الناتو" عملياته ضد القرصنة، تحت مسمى "درع المحيط." وأنشأ الاتحاد الأوروبي "بعثة الاتحاد الأوروبي للتدريب في الصومال"، ودشّن عملية مدنية لبناء القدرات البحرية43. وعقد مكتب المخدرات العالمية وشؤون تطبيق القانون Bureau of International Narcotics and Law Enforcement Affairs، وهو تابع لوزارة الخارجية الأميركية، اتفاقًا مع الحكومة الصومالية في عام 2013، لتقديم دعم بلغ 17 مليون دولار، لتدريب الشرطة الصومالية44. تحسّن الوضع الأمني تدريجيًا، بعد اختيار الحكومة الجديدة بمساعدة قوات الاتحاد الأفريقي. لكن ليس بالدرجة التي تمكّن من تنظيم انتخابات عامة؛ لذا، فقد أ جلت الانتخابات أكثر من مرة، وفشل البرلمان في تحديد خطة لكيفية إجراء الانتخابات العامة. ونتيجة للضغوط الدولية الرامية إلى منع البرلمان من تمديد ولايته، اتفق الرئيس الصومالي، حسن شيخ محمود، مع زعماء العشائر، في لقاء، على توسيع الهيئة التي ترشح أعضاء البرلمان، من 135 إلى نحو 14 ألف شخص45، فاختارت الهيئة أعضاء البرلمان الجديد، بمجلسيه: مجلس الشعب ومجلس الشيوخ. لكن طغت العشائرية على انتخابات البرلمان؛ إذ رشّحت كل عشيرة لها حصة في البرلمان أكثر من شخص عن المقعد الواحد، وانتخب مندوبون من العشيرة مرشحًا واحدًا للمقعد46، ثم اختار البرلمان الجديد، في عام 2017، رئيسًا جديدًا للبلاد، هو محمد عبد الله فرماجو.
3. السودان
يظهر تأثير الأمننة الخارجية والتسييس في التحوّل الديمقراطي في السودان في ثلاثة أحداث مهمة، هي اتفاقية السلام الشامل التي وُقّعت بين المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، والحركة الشعبية لتحرير السودان، في عام 2005، ورفع العقوبات الأميركية عن السودان في عام 2017، ودعم الميليشيات واستخدامها محليًا وإقليميًا، ففي هذه الحالات غاب موضوع التحوّل الديمقراطي عن أن يكون بندًا مطلوبًا تنفيذه، بل إن قوات الدعم السريع التي يتزعمها الفريق محمد حمدان دقلو المشهور ب "حميدتي"، اضطلعت بدور مهم في إطاحة عمر البشير، وزادت في تعقيدات الاتفاق على ترتيبات الفترة الانتقالية.
أ. التحوّل الديمقراطي واتفاقية السلام الشامل
عُقدت مفاوضات السلام في السودان برعاية دولية وإقليمية، كان الجانب الدولي ممثلً بشركاء "الإيغاد"، وعلى رأسهم الثلاثي: الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، في حين مثَّل الجانب الإقليمي منظمة "الإيغاد" التي كانت تتولى السكرتاريا، ونهض الشركاء بأعباء التمويل. لم تكن قضية التحوّل الديمقراطي من بين القضايا التي حظيت بنقاش في المفاوضات، فقد تركّز التفاوض في موضوع قسمة السلطة على مواضيع الرئاسة، ووضعية العاصمة من حيث تطبيق الشريعة الإسلامية، وتمثيل الجنوبيين في الجهاز التشريعي القومي، وتمثيل الأحزاب الأخرى في الشمال والجنوب47. كان الغرب، ولا سيما الإدارة الأميركية، مهتمً أكثر بإعطاء الجنوبيين حق تقرير المصير. كثفت الحكومة الأميركية ضغوطها للإسراع بإكمال الاتفاق، وصول إلى التصويت على حق تقرير المصير، وتظهر هذه الضغوط في عدة أشكال؛ فالرئيس الأميركي بوش اتصل بالرئيس السوداني عمر البشير نحو 10 مرات، في أثناء المفاوضات، حاثًّا على تجاوز عقبات التفاوض48. ويقول مسؤول أميركي رفيع، عمل في قضايا السودان ذي أتلانتك عقودًا، فضّ ل حجب اسمه، لمجلة، إن اهتمام الولايات المتحدة بالسودان لم يكن عامًا وروتينيًا، بل جاء نتيجة لمجهودات كانت تبذلها مجموعة صغيرة خلف الكواليس مدة 20 سنة49.
وأرجعت ريبيكا هاملتون، في تقريرها لوكالة رويترز، تكوين اللوبي الأميركي الذي يعمل لمصلحة جنوب السودان إلى منتصف الثمانينيات؛ إذ قدّمت سردًا مفصلً لتأثير مجموعة بدأت صغيرة، لا يتجاوز عدد أعضائها 7 أشخاص، لكنها عملت بدأب للضغط على المؤسسات الأميركية المختلفة، لمصلحة الجيش الشعبي لتحرير السودان50. تمثّل الضغط الأميركي، كذلك، في قانون سلام السودان الذي وقّعه الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش، في 12 تشرين الأول/ أكتوبر 2002، وطالب بتوسيع أساليب الضغط الاقتصادية والدبلوماسية من كل دول العالم على حكومة السودان، لدفعها إلى التفاوض بجدية. وخصص مبلغ 300 مليون دولار، يصُرف خلال 3 سنوات في بناء المؤسسات المدنية في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الشعبية51. وزار وزير الخارجية الأميركي، حينها، كولن باول، الخرطوم في تشرين الأول/ أكتوبر 2003؛ دفعًا لمفاوضات السلام. ومن الأسباب التي قدّمت لعدم اهتمام اتفاقية السلام الشامل في السودان، عمليًا، بالتحوّل الديمقراطي في السودان، أن فكرة السلام الليبرالي التي طُبقت في اتفاقية السلام، كما يرى جون يونغ، قامت على تطبيق فوقي، لم يكترث لإشراك المجتمع المدني أو قوى سياسية أخرى، وكانت النتيجة أن كرّست الاتفاقية النخب التي سادت البلاد، وكانت سببًا في إشعال الحرب52. ويؤيد باحث آخر في الشأن السوداني، أليكس دي وال، ما ذهب إليه يونغ، ويرى أن الدول الغربية، والمفاوضات في منتصفها، جعلت حق تقرير المصير أولوية تسبق الاهتمام بالتحوّل الديمقراطي، إلى درجة أن انتخابات 2010 نُظر إليها كأنها عقبة إجرائية يجب تجاوزها؛ للوصول إلى الهدف الأساسي، وهو الاستفتاء على تقرير المصير53.
ب. رفع العقوبات الأميركية عن السودان
كان لأحداث 11 سبتمبر تأثير مهم في العلاقة بين الولايات المتحدة والسودان، فقد سرّعت وزادت من تعاون السودان في مجال مكافحة الإرهاب؛ إذ دان السودان الهجمات عقب وقوعها، وكثّف تعاونه مع وكالة الاستخبارات الأميركية، ونتيجة لهذا التعاون، وافقت الولايات المتحدة على رفع عقوبات الأمم المتحدة عن السودان، في 28 أيلول/ سبتمبر 2001، إذ امتنعت عن التصويت. وقال المندوب الأميركي جيمس كننغهام في الجلسة: "اعتقل السودان مؤخرًا أصوليين داخل البلاد، قد تكون أنشطتهم أسهمت في الإرهاب الدولي، كذلك ينخرط السودان في نقاشات جدية مع حكومتنا حول سبل مكافحة الإرهاب، وإننا نرحب بهذه الخطوات، ونتوقع أن يستمر هذا التعاون، ونتوقع من حكومة السودان أن تظهر التزامًا كاملً بالحرب ضد الإرهاب، باتخاذ كل الخطوات لطرد الإرهابيين، وحرمانهم من الملاذ الآمن"54. بعد أشهر قليلة من اتهام الولايات المتحدة للحكومة السودانية بارتكاب إبادة جماعية في دارفور، وعلى الرغم من أنه موضوع في قائمة الدول الراعية للإرهاب، أصبح السودان حليفًا مهمً للولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب. فوفقًا لتصريح مسؤول سابق في الاستخبارات الغارديان الأميركية لجريدة، فإن السودان ربما يُعد الدولة الوحيدة في جامعة الدول العربية التي أسهمت مساهمة كبيرة في حماية القوات الأميركية والمواطنين الأميركيين في العراق55. وظلت التقارير السنوية الأخيرة التي تصدرها وزارة الخارجية الأميركية عن الإرهاب في العالم تقر بتعاون السودان في مجال مكافحة الإرهاب، فعلى سبيل المثال أشار تقرير عام 2016 إلى أن السودان شريك متعاون في مجال مكافحة الإرهاب56. برزت أهمية السودان الإقليمية في محاربة الإرهاب في المسارات الخمسة التي شكّلت خريطة طريق، تفاوض حولها البلدان لرفع العقوبات الأميركية عن السودان، ولم تكن قضية التحوّل الديمقراطي من ضمن هذه المسارات التي جاءت كالآتي: الاستمرار في مكافحة الإرهاب، والتوقف عن دعم جيش الرب الذي يعمل في شمال أوغندا وبعض دول الجوار، والعمل لدعم السلام في دولة جنوب السودان، والسعي لإحلال السلام في السودان، وتسهيل وصول الإغاثة إلى منطقتي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق. وبعد مفاوضات بين الجانبين، رأت الولايات المتحدة وجود تقدم في هذه المسارات، الأمر الذي قادها إلى رفع العقوبات عن السودان في تشرين الأول/ أكتوبر.2017
ج. التقاء الأمننة الخارجية مع الأمننة الداخلية في السودان
كان من ديناميات الحرب في دارفور بروز ميليشيات "الجنجويد" التي أسهمت في محاربة الحركات المسلحة المناوئة للحكومة في الإقليم، وتلقّت دعمً حكوميًا. وقد اتُهمت هذه الميليشيات بارتكاب جرائم حرب ضد السكان المدنيين. تطوّرت الميليشيات، واتخذت طابعًا شبه رسمي، وعُرفت مجموعات منها باسم "حرس الحدود"، وألحقت مرة بجهاز الأمن والاستخبارات الوطني، وتارة أخرى برئاسة الجمهورية، وأخيرًا بالقوات المسلحة، وصار اسمها "قوات الدعم السريع"57. لم يقتصر دور هذه الميليشيات على محاربة الحركات المسلحة داخليًا، بل تمددت خارجيًا، وأضحت تشكّل العمود الفقري للجنود السودانيين المشاركين في الحرب في اليمن، وبهذا أضحت قوات الدعم السريع جزءًا من آليات التحالف الإقليمي، بقيادة السعودية، المناوئ للحوثيين في اليمن. وفي محاولة منها لكسب ود الدول الأوروبية، وإضفاء شرعية دولية على نشاطها، تصدت قوات الدعم السريع للهجرة غير الشرعية المتجهة إلى أوروبا، وللاتجار بالبشر. وقد تلقت دعمً أوروبيًا ضمن التمويل المقدم للسودان، لحثه على الإسهام في محاربة الهجرة إلى أوروبا. وعلى الرغم من أن الرئيس السوداني السابق، عمر البشير، هو الذي أنشأ هذه الميليشيات، ودعمها عسكريًا واقتصاديًا، بالسماح لها باستخراج الذهب من مناطق من دارفور، فإن قوات الدعم السريع عملت مع القوات المسلحة وجهاز الأمن في إطاحته، وقد صار قائد هذه القوات، محمد حمدان دقلو، نائبًا لرئيس المجلس العسكري الذي استلم السلطة، في أعقاب نجاح الانتفاضة السودانية في تغيير نظام البشير. وقد أضيف وجود ميليشيات بهذا الحجم إلى التعقيدات المتعلقة بكيفية إدارة الفترة الانتقالية، والتحوّل الديمقراطي في السودان. وما يزال مستقبل هذه القوات يعد تحديًا كبيرًا للعلاقات المدنية - العسكرية في السودان، فعلى الرغم من أن قوات الدعم لحقت بالقوات المسلحة، فإنها تحافظ على استقلالية كبيرة السريع أ، تتبدى في زيها وعلامات مركباتها ومواردها المالية. تعكس حالات اتفاقية السلام الشامل، ورفع العقوبات الأميركية، ودعم الميليشيات، أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ودولً إقليمية، كانت تعطي الأولوية للوصول إلى حق تقرير المصير للجنوبيين، ولمحاربة الإرهاب على المستوى الإقليمي. وقد عكست محورية تقرير المصير في الجنوب تسييسًا عاليًا لهذه القضية في الولايات المتحدة؛ إذ نالت اهتمامًا كبيرًا من الكونغرس والبيت الأبيض، وجماعات ضغط مختلفة. وفي حالة رفع العقوبات، كان الهمّ الرئيس هو مكافحة الإرهاب، وتحقيق الاستقرار في بعض دول الجوار؛ حتى لا تتحول إلى ملاذات آمنة للإرهابيين.
ثالث ا: الأمننة وإعاقة التحول الديمقراطي في القرن الأفريقي
تعكس الحالات الثلاث التي تناولتها الدراسة الخطاب السياسي الذي تبنّته الدول الغربية بعد انتهاء الحرب الباردة تجاه أفريقيا، فقد غلب عليه الاهتمام بتعزيز حقوق الإنسان، وتحقيق التحوّل الديمقراطي، إلا أن التطبيق الفعلي للسياسة الغربية تجاه أفريقيا بعامة، والقرن الأفريقي بخاصة، لم يلتزم بشعارات حقوق الإنسان والديمقراطية المرفوعة. وقد طغت أمننة الخطاب السياسي الموجه إلى منطقة القرن الأفريقي، وتراجع خطاب التحوّل الديمقراطي. ونجم عن ذلك النظر إلى المنطقة على أنها مصدر لتهديد الدول الغربية، ولا سيما أوروبا، بأشكال متعددة، مثل الهجرة، والإرهاب، والمخدرات؛ الأمر الذي يتطلب التعامل الاستثنائي، بإقامة القواعد العسكرية، وتكثيف الوجود العسكري والأمني عبر اتفاقيات مختلفة. وتشير الحالات الثلاث إلى أن سلوك الأمننة عزز واقعًا أعاق التحوّل الديمقراطي في الدول الثلاث. فقد أفرز الارتباط الخارجي، إما عبر قواعد عسكرية كما هي حال جيبوتي، وإما عبر قوات حفظ سلام كحال الصومال، وإما عبر اتفاقية مثل اتفاقية السلام الشامل في السودان، واقعًا يفضّ ل الاستقرار والقدرة على الضبط والتحكّم. وعلى الرغم من أن أمننة بعض القضايا، ولا سيما الإرهاب، قد انعكست سلبيًا في السياسة العملية تجاه عملية التحوّل الديمقراطي في الدول الثلاث، فإن أنماطها قد اختلفت من دولة إلى أخرى، فبينما صُوّرت جيبوتي على أنها مستقرة، مقارنة بدول تجاورها، استُخدم موقعها الجغرافي ليكون مركزًا لمحاربة الإرهاب والقرصنة، فمن قواعدها المختلفة تنطلق عمليات الملاحقة، واغتيال زعماء الجماعات الجهادية في الصومال واليمن. والمطلوب أن يكون في جيبوتي حكومة قادرة على السيطرة والتحكم في محيطها الجغرافي. وكما أشار هنتنجتون من قبل، في إطار الحرب الباردة، عندما كانت حركات التحرر الوطني، والتنظيمات اليسارية، تنتشر في مناطق العالم النامي، فإن المطلوب توافره في هذه الدول ليس نوع الحكم، وإنما درجة الحكم. ليس المهم أن يكون نوع الحكم ديمقراطيًا أو سلطويًا، بل الأهم أن تكون له القدرة على السيطرة، ومجابهة الحركات الثورية. ويقول هنتنجتون: "يجب
أولً تمكين الحكم من السيطرة على المحكومين، ويجب على الحكم، ثانيًا، أن يسيطر على ذاته"58. ولمّا كان النظام الحاكم في جيبوتي في مرحلة القيام بمهمة السيطرة، وتوفير البيئة الملائمة لإقامة القواعد العسكرية، فإن سيطرة الحكم على نفسه ليست مهمة الآن. وفي الصومال تظهر بوضوح حالة الأمننة المكثفة، فحال البلد تشكل خطرًا عامًا، وتتنوع الأخطار الناجمة عن وضعها المضطرب، فقد ظهرت الحالة الصومالية في التقارير السنوية الأميركية التي تغطي طيفًا من الأخطار، مثل تقارير مكتب المخدرات العالمية وشؤون تطبيق القانون، وتقارير الاتجار بالبشر، وتقارير الإرهاب، فضل عن أن الأخطار الناجمة عن الفقر فيها وضعف القدرات الحكومية مع وجود تاريخ حافل من التمرد على الحكم المركزي وحكم زعماء الحرب قد عزز خطاب الأمننة فيها. فعندما أصدر مجلس الأمن قراره رقم 2372()، في 30 آب/ أغسطس 2017، القاضي بتمديد فترة قوات الاتحاد الأفريقي، أشار إلى أن الوضع في الصومال ما زال يمثل خطرًا على السلم والأمن الدوليين. وقد أشاد المجلس بقرار الحكومة الاتحادية الصومالية، بجعل إصلاح القطاع الأمني أولوية في الأربع سنوات المقبلة59؛ لذا، ففي الحالة الصومالية، تتبدى تأثيرات الأمننة في التحوّل الديمقراطي، من خلال التركيز على إيجاد الأمن والاستقرار أولً، والقضاء على مصادر الخطر المتنوعة الناجمة عن حالة عدم الاستقرار، وانفراط الأمن. فحالة الأمننة الصومالية تشير إلى أن الأمن يسبق السياسة. وتعكس الحالة السودانية بعدًا مختلفًا، فقد جمعت عناصر من حالة جيبوتي، وطيفًا من حالة الصومال؛ فالمركز في الخرطوم يشبه حالة جيبوتي في الاستقرار النسبي، بينما أطراف السودان في دارفور وجنوب السودان (عندما كان السودان موحدًا)، وجبال النوبة، وجنوب النيل الأزرق والشرق، أقرب إلى الحالة الصومالية من حيث الحروب الداخلية. وعلى الرغم من هذا التشابه، توجد اختلافات مهمة في الحالة السودانية؛ فاستقرار المركز كان سببًا في الأمننة؛ إذ اتُهم المركز بأنه يسعى لنقل أيديولوجيته إلى دول الجوار، وأنه يدعم حركات مناوئة لبلدانها، واستضاف حينًا من الزمن أسامة بن لادن؛ لذا، فإن احتواء خطر الإرهاب المقبل من المركز، والاستفادة من خبرته في مكافحة الإرهاب، بعدئذ، لهما الأولوية على موضوع التحوّل الديمقراطي. يضاف إلى ذلك أن أطراف السودان المتمردة، ربما تحولت إلى ملاذات للإرهابيين، أو تجار البشر، أو مهربي المخدرات، الأمر الذي يوجب أن تكون الأولوية لاستقرار تلك الأطراف اتساقًا مع سياسة تعزيز الاستقرار المشار إليها آنفًا.
خاتمة
عكست الدراسة الترابط الوثيق بين مصالح الخارج، والعمل السياسي في الداخل. وقد برز هذا الترابط في منطقة القرن الأفريقي، حيث تتكالب دول كبرى، ودول إقليمية مؤثرة، على أن يكون لها وجود عسكري في المنطقة. لم يكن هذا الوجود العسكري جديدًا على المنطقة؛ فقد سابقت فرنسا إلى إقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي في مرحلة الحرب الباردة. لكن الجديد هو ظاهرة الأمننة، وتشير إلى إضفاء البعد الأمني على قضايا بعينها، وهو ما يجعلها مصدرًا للتهديد، ومن ثم، استخدام وسائل استثنائية للتعامل مع هذا التهديد. وأظهرت الحالات الثلاث التي تعرّضت لها الدراسة أن للأمننة تأثيرًا سلبيًا في عملية التحوّل الديمقراطي في تلك البلدان، فبعد أن أشارت الدول الغربية المانحة، بعد انتهاء الحرب الباردة، إلى أن هناك شروطًا جديدة للدعم الموجه إلى الدول النامية، وعلى رأس هذه الشروط التحوّل نحو الديمقراطية، كانت أمننة موضوعات الإرهاب والهجرة والمخدرات سببًا في التقليل من أهمية التحوّل الديمقراطي، وتأخيرها في قائمة أولويات تعامل الدول الغربية مع دول القرن الأفريقي تحديدًا. وقد اختلفت أنماط الأمننة من بلد إلى آخر، بحسب درجة الأمننة التي تعرض لها أي من البلدان الثلاثة؛ إذ ثمة مدى متدرج من الأمننة، يبدأ من التعامل الأمني العادي، ويتصاعد حتى يصل مرحلة التعامل الاستثنائي. وفي هذا الصدد تؤيد هذه الدراسة ما ذهبت إليه أبراهامسن من أن حالات الأمننة لا تأتي في نمط واحد، بل تتبلور في مدى متدرج، يبدأ التعامل فيها مع الخطر من المعتاد، وينتهي بالاستثنائي. وأبرزت الدراسة أن خطاب الأمننة تجاه الدول الثلاث قد عُزز بالصور النمطية لأقاليم الخطر، وبخطاب الإرهاب الجديد. وتبدى تأثير الأمننة في التحوّل الديمقراطي في اتباع سياسة تعزيز الاستقرار، وتمكين الحكم من المحكومين أولً، لتحقيق الأمن والاستقرار؛ ونتيجة لذلك، ظهرت الانتخابات السلطوية في جيبوتي والسودان، والديمقراطية العشائرية في الصومال. وتقترح هذه الدراسة إجراء دراسات مستقبلية حول كيفية تحوّل حالة الأمننة من وضع عادي إلى وضع استثنائي، يتطلب التعامل الخاص؛ ذلك إذا نظرنا إلى الأمننة على أنها مدى متدرج من الحالات، ولا تأتي في حالة واحدة.
المراجع
العربية
"الانتخابات البرلمانية والرئاسية في الصومال: الرهانات الرابحة الخاسرة." مركز مقديشو للدراسات والبحوث والرهانات. 2010/10/23، في https://bit.ly/309WZAN: التقرير الأوربي حول التنمية 2009: التغلب على الهشاشة في أفريقيا: صياغة نهج أوربي جديد. سان دومينيكو: المعهد الجامعي الأوروبي؛ مركز روبرت شومان للدراسات المتقدمة،.2009 شرق إفريقيا: الأمن وإرث الهشاشة خادياجالا، جيلبرت.. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،.2009 قوجيلي، سيد أحمد. تطور الدراسات الأمنية ومعضلة التطبيق في العالم العربي. سلسلة دراسات استراتيجية 169. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية،.2012 العرب والقرن الأفريقي: جدلية الجوار والانتماء. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2013 النظام السياسي لمجتمعات متغيرة هنتنجتون، صمويل.. ترجمة سمية عبود. ط 2. بيروت: دار الساقي،.2015
الأجنبية
Abrahamsen, Rita. "Blair's Africa: The Politics of Securitization and Fear." Alternatives. vol. 30, no. 1
Bachmann, Jan. "Policing Africa: The US Military and Visions of Crafting 'Good Order'." Security Dialogue. vol. 45, no. 2 (2014). Balthasar, Dominik. "Somalia's federal agenda: From Fragility to Fragmentation?" European Union Institute for Security Studies. Brief Issue. no. 17 (June 2014). Bankoff, Gregg. "Regions of Risk: Western Discourses on Terrorism and the Significance of Islam." Studies in Conflict & Terrorism. vol. 26, no. 6 (2003). Balzacqm, Thierry. Securitization Theory: How Security Problems Emerge and Dissolve. London; New York: Routledge, 2011. Barnes, Cedric & Harun Hassan. "The Rise and Fall of Mogadishu's Islamic Courts." Journal of Eastern African Studies. vol. 1, no. 2 (2007). Buzan, Barry, Ole Wæver & Jaap de Wilde. Security: A New Framework for Analysis. Boulder, CO/ London: Lynne Rienner Publishers, 1998. "Council Conclusions on the Horn of Africa." Council of The European Union. 14/11/2011. at: https://bit.ly/2XgF6yb Devermont, Judd. "The World is Coming to Sub-Saharan Africa. Where is the United States?" Center for Strategic and International Studies. CSIS Briefs (August 2018). at: http://bit.ly/2XEY7Q7 Duffield, Mark. "The Liberal Way of Development and the Development-Security Impasse: Exploring the Global Life-Chance Divide." Security Dialogue. vol. 41, no. 1 (2010). Epstein, Susan B. Foreign Aid Reform, National Strategy, and the Quadrennial Review. Collingdale, PA: Diane Publishing, 2010. Jackson, Richard. "Constructing Enemies: 'Islamic Terrorism' in Political and Academic Discourse." Government and Opposition. vol. 42, no. 3 (2007). Johnson, Hilde F. Waging Peace in Sudan: The Inside Story of the Negotiations That ended Africa's Longest Civil War. Eastbourne: Sussex Academic Press, 2011. Kraxberger, Brennan M. "The United States and Africa: Shifting Geopolitics in an 'Age of Terror'." Africa Today. vol. 52, no. 1 (2005). "National Security Strategy of the United States of America: Regional Context-Africa." The White House. December 2017. at: https://bit.ly/2CzLLd7 Newman, Edward. "Failed States and International Order: Constructing a Post-Westphalian World." Contemporary Security Policy. vol. 30, no. 3 (2009).
Olsen, Gorm Rye. "Europe and the Promotion of Democracy in Post-Cold War Africa: How Serious Is Europe and for What Reason?" African Affairs. vol. 97, no. 388 (July 1998). Oneal, John R. "The Affinity of Foreign Investors for Authoritarian Regimes." Political Research Quarterl. vol. 47, no. 3 (September 1994). Shinn, David. "Fighting Terrorism in East Africa and the Horn." Foreign Service Journal. vol. 81, no. 9 (2004). Tubiana, Jérôme. "Remote-Control Breakdown Sudanese Paramilitary Forces and Pro-Government Militias." Sudan Human Security Baseline Assessment Project of the Small Arms Survey. Issue Brief. no. 27 (April 2017). United States Department of State Publication. Country Reports on Terrorism 2016. Washington, DC: Bureau of Counterterrorism, 2017. at: https://bit.ly/2uDoPsw Young, John. The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. London: Zed Books, 2012. Verjee, Aly. "A Friendly Little Dictatorship in the Horn of Africa: Why the World doesn't Care about Djibouti's Autocracy." Foreign Policy. 8/4/2011. at: https://bit.ly/2XFAeXB