العسكريون في موريتانيا والجزائر وتجربة التحول الديمقراطي
الملخّص
ا من مباحث علم السياسة تبحث الدراسة في موضوع الجيش والسياسة بوصفه مبحث، وتدرس ظاهرة تأزم العلاقة بين الجيش والسياسة في موريتانيا والجزائر، وأثر ذلك التأزم في التحول الديمقراطي في البلدين. تحاول الدراسة الإجابة عن ثلاثة أسئلة: ما الأسباب التي تجعل بعض الأنظمة العسكرية تتحول إلى النظام الديمقراطي في حين يبقى بعضها الآخر عالق ا؟ وإلى أي حد يستطيع النظامان العسكريان في موريتانيا والجزائر أن يتحررا من تقاليدهما العسكرية العريقة، ليسايرا موجات التحول نحو الديمقراطية في العالم؟ وما المعوقات؟ تقدم الدراسة إجابات عن الأسئلة المطروحة من خلال محورين؛ يذهب الأول إلى بحث إشكالية الجيش والسياسة في موريتانيا والجزائر. ويحاول الثاني أن يبحث تعثر محاولات الدمقرطة في ظل استمرار هيمنة الجيش على السياسة ويرصد التحولات السياسية الجارية، أو ما يمكن التعبير عنه بالجيش في مراحل التحول الديمقراطي. كلمات مفتاحية: الجيش، التحول الديمقراطي، موريتانيا، الجزائر. The study examines the relationship between the army and politics in Mauritania and Algeria, and its impact on democratic transition in both countries. The study seeks to answer three questions: Why do some military regimes transform into democratic systems while others maintain their regime? To what extent can the military regimes in Mauritania and Algeria free themselves from their long-standing military traditions to follow the pattern of democratization in the world? What are the obstacles? The study presents answers to the questions raised through two points; the first discusses the army and politics in Mauritania and Algeria. The second attempts to examine the faltering attempts at democratization and monitors the current political shifts, or that which can be expressed in the army in the various stages of democratic transition. Keywords: Military Regimes, Democratic Transition, Mauritania, Algeria.
The Military in Mauritania and Algeria and the Democratic Transition Experience
مقدمة
مثّلت ظاهرة هيمنة الجيش على السياسة معوقًا بارزًا من معوقات التحول الديمقراطي في موريتانيا والجزائر؛ ذلك أن الجيش والسياسة لا يجتمعان في التقاليد الديمقراطية. فبنية اشتغال الجيوش وأسلوبها الذي يقوم على مبدأ تنفيذ الأوامر من دون نقاش لا ينسجمان مع روح النظام الديمقراطي وقيمه. كما أن الطبيعة الأبوية بالمعنى الفيبري (نسبة إلى ماكس فيبر) للأنظمة العسكرية تحول دون تعزيز الديمقراطية. وعلى الرغم من أن هذه هي القاعدة، فإنه من الملاحظ توجه عديد من الدراسات إلى البحث في المضمون الإصلاحي للجيوش، ومن ذلك عمليات الدمقرطة التي تعقب كل استيلاء للعسكريين على السلطة. لقد عرفت ظاهرة الجيش والسياسة منعرجين مهمين في العالمين العربي والإسلامي: منعرج ما قبل الدولة الحديثة، ونلمس ذلك في كتب المؤرخين وفتاوى الفقهاء ودواوين الشعراء وغيرها، ومنعرج ما بعد الدولة الحديثة وبداية الاهتمام الأكاديمي بالظاهرة، وهذا المنعرج الثاني هو الذي يعنينا أساسًا، ويمكن تفصيله بناء على ثلاثة اتجاهات: يرى الاتجاه الأول الاتصال ما بين الجيش والسياسة في الخبرة العربية الحديثة، ويبرر ذلك بتأثر الجيوش العربية بالتجربة الإسلامية التاريخية، أو بالمرحلة الاستعمارية وم رااسات الضباط الأوروبي نن في البلاد العربية بعد إخضاعها. فإذا كانت التجربة الإسلامية لا يوجد فيها فصل واضح بين مجال الجيش والسياسة، فإن تجربة الاحتلال لم تكن أحسن حالً؛ فقد كان ضباط الاحتلال يقومون بالدور السياسي والعسكري. يذهب الاتجاه الثاني إلى الفصل بين الجيش والسياسة، وهو متأثر بثقافة الدول الديمقراطية حيث يكون الجيش محايدًا في الحياة السياسية ومنصرفًا إلى وظيفته الأصل وهي الدفاع عن الوطن واستمرار الدولة، وينظر إليه بوصفه مؤسسة مستقلة مثلها مثل مؤسسة القضاء والتشريع، وغيرها. ويتخذ الاتجاه الثالث موقفًا وسطًا فيقول بصعوبة الفصل بين الاثنين، وذلك استنادًا إلى الأدبيات المنجزة حول الخبرة الحديثة للجيش في الولايات المتحدة الأميركية وتركيا وإسرائيل، وغيرها. وذلك لما يتسم به دور الجيش من الغموض مع غياب الانقلابات العسكرية، وما يضطلع به مع ذلك من دور في الاستقرار والتنمية والصناعة الحربية التي باتت تمثّل جزءًا مهم من اقتصاد هذه الدول1. وإذا كان هناك شبه إجماع على أن النظم السياسية العربية عرفت علاقةً متوترةً بين الجيش والسياسة والسلطة، فإنها ليست استثناء،ً ويمكن مقارنتها بدول من أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. غير أن صعوبة التحول في الحالة العربية من الحكم العسكري إلى الحكم الديمقراطي، وغموض العلاقات بين المدني والعسكري، بسبب غلبة العسكري على السياسي، يجعلانها الاستثناء الذي يحتاج إلى الحفر والتنقيب. فمن الملاحظ أن معظم النظم التي كانت تهيمن عليها مؤسسات عسكرية كانت دائمًا تعرف هزات، ويتم التغيير فيها في الغالب عبر الانقلاب العسكري. وقد أثبتت تجربة الربيع العربي أن هذا النمط من النظم العربية التي تهيمن عليها أنظمة حكم عسكرية إما أنه لا يتأثر بالتغيير تأثرًا كبيرًا كما هو الحال في موريتانيا والجزائر، وإما أنه تأثر به وقاومه بقوة كما هو الحال في سورية ومصر بعد الثورة؛ لأن بقاء الدولة مرهون ببقاء هذه الأنظمة، وهو ما لا يخفيه الرئيس الموريتاني المنتهية ولايته محمد ولد عبد العزيز، الذي كثيرًا ما كان يلمح إلى ذلك قائلً: "إما أنا وإما الفوضى"، والرئيس الجزائري المستقيل عبد العزيز بوتفليقة الذي كان ينوي الترشح لعهدة خامسة. تركز هذه الدراسة على تجربة النظامين السياسيين الموريتاني والجزائري، في محاولة لتقديم جواب عن السؤال الشهير: لماذا تقدم غيرنا وتأخرنا نحن؟ ولكن هذه المرة من خلال دراسة العلاقة بين الجيش والسياسة. وستبحث الدراسة أوجه التشابه والاختلاف بين النظامين العسكريين، وكذلك فرص التحول الديمقراطي ومآلاته. وترى أن ظاهرة تسييس الجيش في البلدين التي من تجلياتها الصراع على السلطة في الجزائر منذ الاستقلال عام 1962، والانقلاب عليها في موريتانيا منذ عام 1978، جعلت جل تجارب الانتقال تنتهي بانقلاب عسكري. وتسعى الدراسة للبحث في هاتين التجربتين، حيث تأرجحتا بين استئثار الجيش بالسلطة عبر الانقلاب عليها في موريتانيا، وتدخل الجيش في السياسة والهيمنة على القرار السياسي في الجزائر. ترصد مؤشرات التحول في الفترات الأخيرة أن الأنظمة العسكرية تكون تجارب التحول فيها بقدر ما تسمح به تلك الأنظمة نفسها من الديمقراطية. لأنه لا يمكن الحديث عن تحول ديمقراطي من دون أن يكون لدى النخب استعداد وتفاهم على عملية التحول الديمقراطية.
أولا: العسكريون في موريتانيا والجزائر أوجه الشبه والاختلاف
يذهب صامويل هنتنجتون إلى القول إن جل محاولات تفسير التدخل العسكري في الشأن السياسي تفتقر إلى قوة الإقناع. فالقول إن سبب التدخل يعود إلى البنية الداخلية للعسكريين، أو لأصولهم الاجتماعية، أو إلى أنهم الأشدّ تنظيمً وتماسكًا، ليس صحيحًا دائمًا، كما أنه ليس خاطئًا دائمًا. فالملاحظ أن بعض العسكريين تدخلوا بدافع وطني، وبعضهم تدخلوا بدافع شخصي، كما أنه لا اعتبار للمهنية أو الاحترافية. فهناك ضباط يتمتعون بمهارات عسكرية عالية أقدموا على التدخل، وآخرون يتمتعون بالمهارات نفسها أحجموا عنه. وهناك ضباط من الطبقات الاجتماعية كافّة قادوا انقلابات عسكرية في وقت ما. ويرى أن مقولة القوات المسلحة المتماسكة ليست أشدّ قابلية للتدخل من الأخرى التي دونها تماسكًا، والعكس صحيح. ويخلص إلى القول إن الإجابة عن السؤال: ما خصائص المؤسسة العسكرية التي يسهل تدخلها في الشؤون السياسية؟ لا يمكن الجواب عنه إلا من داخل السياسة، وبحسب تعبيره: "إن التعليلات العسكرية لا تفسر التدخلات العسكرية[...]فهي ليست سوى مظهر واحد مميز من ظاهرة أكثر اتساعًا في المجتمعات المتخلفة؛ وهي التسييس، الذي يشمل إضافةً إلى العسكري رجل الدين والشارع وغيره"2. ولا شك في أن هذه الظاهرة مستشرية في العالم العربي وتعود أصولها إلى مقولة "الإسلام دين ودولة"، التي اهتم بمعالجتها أغلب المفكرين العرب، لكن هل تفسر تدخل الجيش في السياسة في موريتانيا والجزائر؟
1. نشأة الظاهرة العسكرية في موريتانيا
تنشأ غالبًا ظاهرة هيمنة الجيش نتيجة نمطين من التدخل العسكري في السياسة3، ويمثل النمط الأول الظاهرة الانقلابية عبر "التدخل المباشر للعسكريين" ومثالها التجربة الموريتانية. أما النمط الثاني، فيكون عبر "التدخل غير المباشر"، وتمثله ظاهرة جماعة الضغط، كما سنلاحظ في التجربة الجزائرية. وإذا كانت ظاهرة هيمنة الجيش في الجزائر واكبت نشأة الدولة الحديثة وربما سبقت ذلك في علاقتها بالثورة، فإنها في موريتانيا تعود أساسًا إلى حرب الصحراء الغربية 1978–1975()، والتي وقعت من جراء الشروع في تنفيذ اتفاقية مدريد وتقاسم المغرب وموريتانيا الصحراء الغربية. فقد حصلت موريتانيا على إقليم "وادي الذهب" تحقيقًا لجزء من حلمها في توحيد المجموعة "البيضانية"4 والتي يعد المكون الصحراوي جزءًا منها، وضم المغرب الباقي، وهذا ما فجر الصراع في المنطقة الذي لا تزال أصداؤه إلى اليوم. وقتها عبرت قيادة جبهة البوليساريو Polisario المدعومة من الجزائر عن امتعاضها من الموقف الموريتاني في الاتفاق مع المغرب على تقاسم الصحراء. وذلك مع عدم أخذ رأي أهلها إبان اللقاء الذي جمع أمينها العام الولي مصطفى السيد بالرئيس الموريتاني المختار ولد داداه في نواكشوط في أيار/ مايو.1975 وبعد هذا اللقاء بأقل من سبعة أشهر دشن مقاتلو البوليساريو أول عملياتهم ضد موريتانيا في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1975، في وقت واحد، على بلدتَ "بنتيلي" و"بير أم القرين" قرب الحدود مع الجزائر، وكذلك بلدة "إينال" على طريق السكة الحديدية الرابطة بين "ازويرات" و"انواذيبو." وتتالت الهجمات على مناطق مختلفة من شمال البلاد ووسطها وشمالها الشرقي، وتلقت موريتانيا دعمً سخيًّا من المغرب وفرنسا التي وفرت لها الغطاء الجوي. واستمرت الحرب إلى أن تدخل الجيش في 10 تموز/ يوليو 1978، ليخوض غمار أول انقلاب عسكري وينهي الحكم المدني والحرب5. وهكذا يذهب أغلب المهتمين بهذه الحقبة من تاريخ المؤسسة العسكرية في موريتانيا، التي تعود في نشأتها إلى النواة الأولى للقوات المسلحة بعد تجسيد الاستقلال السياسي للبلاد في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1960 6، إلى عدّها نقطة البدء في تدخل الجيش في السياسة ثم الصراع على السلطة لاحقًا، خلافًا للتجربة الجزائرية كما سنرى. ويمكن القول إن الدولة نشأت نشأةً مدنيةً، وكذلك كانت عملية الاستقلال، ولم يكن للجيش فيها أي دور يذكر مما يجعله جيش الدولة وليس العكس. لكن تمرد الجيش عام 1978 على السلطة المدنية سيغير من طبيعة الدولة والنظام إلى اليوم، والذي يرجعه الكثير من الدارسين إلى الخلاف بشأن قرار الحرب الذي لم يباركه الجيش وفرضته القيادة السياسية. ويضاف إلى ذلك تدهور الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للحرب، وكذلك العسكري. فقد غيرت هذه الحرب بنية الجيش الموريتاني؛ إذ تضاعفت أعداده تسع مرات خلال سنتين من 2000 إلى 18000 مجند7، وزادت نفقاته على نحو كبير.
وظهر نوع من التذمر لدى كبار الضباط وبعض رجال السياسة الذين كانوا على اقتناع بأن البلاد دخلت في حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل. واتفق الجميع على إنهائها، فتحرك العسكريون متخذين من الأوضاع العسكرية والاقتصادية والاجتماعية مسوغات لتبرير فعلتهم للانقلاب على السلطة المدنية والبقاء في الحكم مدى الحياة8. واستقر الحال لدى بعض الباحثين في تحليله للظاهرة العسكرية الموريتانية على مقولة "الجيش والسلطة"، بسبب طول أمد الأوامر العسكرية الاستثنائية، والتي بدا أنها أضحت من قواعد الحكم والممارسة السياسية الآمرة في البلد. وقد بدا واضحًا، منذ نجاح انقلاب 1978، وتولي قائد أركان الجيش العقيد المصطفى ولد محمد السالك رئاسة "اللجنة العسكرية للإنقاذ الوطني" ورئاسة الدولة، وإلغاء الدستور وحل البرلمان، أن البلد مقبل على هيمنة الجيش على السياسة؛ بسبب القوى الجديدة التي تنظر إلى الدولة غنيمةً حصلت عليها بقوة السلاح. فخلال فترة قصيرة، بدأ الصراع على السلطة - الغنيمة على مستوى هرم المؤسسة العسكرية؛ بسبب تنافس العسكريين فيما بينهم، فتعاقب على رئاسة الدولة أربعة رؤساء خلال ست سنوات، وجرت ست محاولات انقلابية تكللت أربع منها بالنجاح. فتمت بعد سنة واحدة إطاحة أول سلطة عسكرية برئاسة قائد أركان الجيش المصطفى ولد السالك (ولد الولاتي) في 6 نيسان/ أبريل 1979، على يد أحمد ولد بوسيف الذي لقي مصرعه في أقل من شهرين في 27 أيار/ مايو 1979، من جراء حادثة طائرة لا يزال الغموض يلفها. وقد خلفه محمد محمود ولد أحمد لولي، الذي أجبره محمد خونا ولد هيدالة على مغادرة السلطة في العام نفسه، ليتولى بنفسه حكم البلاد بقبضة من حديد، حتى تمت تنحيته وهو خارج البلاد في انقلاب أبيض عام 1984، قاده قائد الأركان العقيد معاوية ولد الطايع، الذي انقلب عليه أيضًا لاحقًا – وهو خارج البلاد - 17 عقيدًا ونقيب بحري واحد عام 2005 9. دخلت البلاد دوامة من الانقلابات والاضطرابات العرقية والقبلية والجهوية جعلت فيليب مارتشيسن يحكم عليها بقوله: "لقد كانت بضع سنوات كافيةً بالنسبة إلى العسكريين الموريتانيين ليحطموا أحد أعظم الأرقام القياسية في عدم الاستقرار، عبر تاريخ الأحكام السياسية الأفريقية المعاصرة المضطربة"10. إلا أنه يجب أن نقر بأن مرحلة حكم العقيد معاوية ولد الطايع –1984(2005) كانت أطول مراحل الحكم العسكري وأكثرها استقرارًا، على الرغم من الاضطرابات والمحاولات الانقلابية المتكررة التي كان ينجح في تجاوزها. وبطبيعة الحال فقد ساد لدى كثير من المراقبين اعتقادُ عدم مغادرته السلطة، شأنه في ذلك شأن القادة العرب والأفارقة. فهؤلاء، بحسب قراءة إستراتيجية، لا تخلو مغادرتهم السلطة من ست صور: انقلاب عسكري، أو استخدام العنف، أو الاغتيال، أو الموت الطبيعي، أو الاستقالة الطوعية، أو خسارة الانتخابات. وتعتمد هذه القراءة على تصنيفين: يهدف أحدهما إلى إبراز الحالات التي يترك فيها القادة السلطة من خلال وسائل عادية، تشمل الموت الطبيعي أو الاستقالة الطوعية أو خسارة الانتخابات، ويركز الآخر على الحالات التي يكون فيها خلع القادة بوسائل غير عادية كالانقلاب أو الاغتيال أو استخدام العنف. وتشير البيانات إلى أن ثلاثة أرباع القادة الذين تركوا السلطة في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين قد تركوها إما عن طريق الانقلاب، وإما باستخدام القوة أو الاغتيال. وفي عام 1980، انخفضت تلك النسبة إلى أقل من 70 في المئة. لكن مع حلول التسعينيات زادت نسبة هؤلاء الذين تركوا السلطة عن طريق الموت الطبيعي أو الاستقالة الطوعية أو الهزيمة في الانتخابات11. وقد عرفت الأنظمة العسكرية المتعاقبة على الحكم في موريتانيا حالتَي استقالة، إحداهما بالإكراه وأخرى طوعية، وخمسة انقلابات عسكرية. وقد كان أغلب الانقلابات من داخل المؤسسة العسكرية وعليها، باستثناء انقلابين، عام 1978، وعام 2008؛ فقد كانا على حكومتين مدنيتين (انظر الجدول.) ولم يحدث عبر تاريخ الجمهورية حصول حالات اغتيال، باستثناء الغموض الذي لف حادثة المقدم أحمد ولد بوسيف المشار إليها سابقًا، كما لم يحدث أن نجح انقلاب عسكري عبر استخدام العنف. فجل الانقلابات كانت سلمية في التداول على السلطة في
ما بات يعرف محليًّا بظاهرة "الانقلابات البيضاء." أما بخصوص خسارة الانتخابات، فالقاعدة الثابتة التي لم تتغير منذ أول تجربة
لكن ما يمكن القول إنه جديد في الظاهرة الانقلابية في موريتانيا هو انقلاب عام 2005، الذي كان من نتائجه عدم السماح لقادة الانقلاب بالترشح، وأول مرة، في تاريخ البلد. فقد كانت العملية الانقلابية، بوصفها عملية سياسية، تؤدي في النهاية إلى استمرار الانقلابيين في السلطة، إذا وصلوا إلى الحكم. فمن عام 1978 إلى عام 1991، كانت البلاد تخضع لحكم عسكري صارم في غياب تام لأي مظهر من مظاهر الديمقراطية. ومنذ عام 1991، وعلى الرغم من البدء في العملية الانتخابية، فإنها لم تؤد إلى تداول السلطة. فقد كان مرشح العسكر يفوز بفارق كبير، سواء عن طريق تزوير الانتخابات أو عن طريق مضايقة بعض المرشحين المنافسين، فضلً عن أسلوب سحب تراخيص بعض الأحزاب السياسية المعارضة أو اعتقال قادتها والزج بهم في السجون، قبل العملية الانتخابية أو بعدها، كما حصل مع المرشح برام ولد الداه ولد اعبيدي الذي حل في المرتبة الثانية في انتخابات عام 2014 الرئاسية، وأحيل بعدها إلى السجن. يمكن القول إن انقلاب عام 2005 ربما كان حالةً فريدةً من نوعها في العالم العربي؛ إذ تعهد العسكريون، بعد إطاحتهم السلطة السياسية، بعدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية، وبإشرافهم باسم "المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية"12 على تنظيم العملية الديمقراطية، وعودة الحكم إلى المدنيين خلال عامين. وهذا ما تحقق في انتخابات عام 2007 التي عدّها بعض المراقبين أول انتخابية أن مرشح العسكريين هو الفائز، وهو غالبًا أحد قادة الانقلاب ومدبريه.
جدول بحالات مغادرة الرؤساء الموريتانيين السلطة منذ عام 1960 إلى اليوم
انتخابات ديمقراطية في العالم العربي. لكن في اعتقادي أن هذا التراجع لدور العسكريين في موريتانيا يعود إلى عاملين أساسيين، يتلخص الأول منهما في احتضان مجموعة انقلاب عام 2005 جيلين من العسكريين متناقضين، هما بقايا الجيل الأول الذي ابتكر أسلوب الانقلابات العسكري في موريتانيا، وجيل الشباب13 الذي يرى أن الدور عليه الآن. ويمكن إجمال الثاني في سرعة تنفيذ الانقلاب التي لم تسمح لتشكيلة عسكرية واحدة بالقيام به، فكان إلى جانب أمن الرئاسة، والجيش، والأمن الوطني؛ ما يعني أن تراجع العسكريين الذي وقع كان أقرب إلى فرضية الانقسام منه إلى التراجع. وهو ما أكده انقلاب عام 2008 بعد قرار مؤسسة الرئاسة إقالة قادة أركان الجيوش الأربعة (الحرس الرئاسي، والجيش، والدرك، والحرس الوطني) عقب ستة عشر شهرًا فقط من عمر التجربة الديمقراطية. فتم الزج بالرئيس المدني المنتخب في السجن، وعاد الجيش من جديد عبر الجيل الثاني الذي يبدو أشدّ صرامةً في التمسك بالسلطة، على الرغم من استمرار المعارضة السياسية ومحاولة اغتيال رأس النظام عام 2012. وعلى خلاف ما سنلاحظ في التجربة الجزائرية التي أفرزت عسكريين يصنعون الحكام، فإن قادة المؤسسة العسكرية في موريتانيا هم من يباشرون الحكم بأنفسهم، وينَظّرون للديمقراطية بلا خجل. وعلى الرغم من الفارق الكبير بين التجربتين، فالأولى ساهمت في نشأة الدولة على الأقل، والثانية ورثتها غنيمةً من جراء حرب عام.1975
2. نشأة الظاهرة العسكرية في الجزائر
يمكن القول إن الظاهرة العسكرية عمومًا سبقت نشأة الدولة الجزائرية في علاقتها بالثورة، عبر ما يعرف بالمنظمة الخاصة، وبعدها جيش التحرير الوطني الذي قاد معركة الاستقلال التي أفضت إلى استقلال الجزائر عام 1962، والذي أعقبته نشأة الجيش الشعبي. ولهذا، كثيرًا ما يوصف العسكريون بأنهم الوريث الشرعي للثورة، وتُ ر هيمنتهم على جهاز الدولة من هذه الزاوية، أو بقصور السياسيين في تحرير الجزائر، فهي ظاهرة فريدة من نوعها في المنطقة؛ إذ لم تكن في بادئ الأمر نتيجةً لانقلاب عسكري، كما لم تكن نتيجة أسلوب جماعة الضغط المعروف، وإن كانت عبر تطور مراحلها ستتسم بسمات الانقلاب العسكري، وبأسلوب جماعات الضغط. لقد واكبت الظاهرة العسكرية نضال الشعب الجزائري من أجل الاستقلال، وميلاد الدولة الوطنية وتطورها، وإن كانت فكرة التمييز بين المجالين السياسي والعسكري لم تكن واضحةً في مرحلة ما قبل إعلان الثورة عام 1954، إلا أن المراحل اللاحقة ستُحدد معالم هذا التمايز، وربما الانفصال بين المجالين. ذلك أن الهدف المشترك لدى جميع القوى، مدنيةً أم عسكريةً أم دينيةً، كان هو دحر المستعمر وإبعاده من أرض الوطن. فقد تشكلت أول نواة عسكرية عام 1947 من رحم حزب سياسي14، هو حزب الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية15 الذي كان يتزعمه مصالي الحاج، وقد أطلق عليها لقب "المنظمة الخاصة"، وهي منظمة شبه عسكرية مهمتها التحضير للعمل المسلح. وقد جاء هذا القرار ردّة فعل على الهجمة الهمجية للمحتل الفرنسي من جراء تظاهرات 8 أيار/ مايو 1945، والتي سقط فيها أكثر من 45 ألف شهيد جزائري، وبذلك اقتنع أغلب الجزائريين بأن العنف المسلح هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الاستعمار، وأنه الأسلوب الفعال والكفيل بتحرير الجزائر من براثن الاستعمار الغاشم الذي جثم على صدر الأمة ما يزيد على قرن من الزمن16. وهكذا عدّت المنظمة الخاصة بمنزلة الجناح المسلح للحزب، الذي بقيت مهمته التكفل بالقضايا السياسية، والمشاركة في مختلف الانتخابات التي تنظمها الإدارة الفرنسية، واستغلالها لنشر فكرة الاستقلال وتوعية الشعب. فانقسم حزب الحركة من أجل الانتصار للحريات الديمقراطية إلى جناحين، أحدهما سياسي والآخر عسكري، لتقاسم الأدوار وتنويع أساليب الكفاح، ولم يكن حينها أعضاء المنظمة الخاصة يسمون عسكريين17. ويرى بعض الدارسين في توصيفه العلاقة بين السياسيين والعسكريين في هذه الحقبة التاريخية أنه "قد يستغرب بعض الباحثين إذا قلنا إنه يوجد عسكري وسياسي في الفترة ما قبل اندلاع الثورة المسلحة عام "195418. لكن يبدو أن اكتشاف البوليس الاستعماري للمنظمة الخاصة في آذار/ مارس 1950، وما تلا ذلك من خلافات بين أعضاء المنظمة وإطارات الحزب، دفعا أعضاء المنظمة الناجين من الاعتقال في عام 1952 إلى تشكيل لجنة سرية مصغرة؛ بهدف التحضير للعمل المسلح ومباشرته من دون علم القيادة السياسية. وهو ما خلف شرخًا في العمل المشترك حتى قرار إعلان الثورة في فاتح تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، والذي اتّخذه أيضًا قدماء المنظمة الخاصة، وقد عُدّ في حينه انتصارًا للخيار العسكري على السياسي19. ويرى الباحث الجزائري رابح لونيسي أنه منذ ذلك التاريخ تشكلت خاصيتان أساسيتان في النظام السياسي الجزائري: تتمثل إحداهما بأن الجيش هو الذي يحسم دائمًا الصراعات التي تهدد وحدة الأمة، وتتلخص الأخرى في تشكّل نظرة احتقار العسكري كل ما هو سياسي وتعمقها، لأن السياسي فشل في تحرير البلاد وشغل نفسه بالخطب الجوفاء والانتخابات والصراع من أجل المناصب داخل الحزب20. وهكذا بدأ التمايز فعليًّا بعد مؤتمر الصومام عام 1956 21، عندما طُرحت مسألة ما يعرف بالمبدأين: مبدأ أولوية السياسي على العسكري، ومبدأ أولوية الداخل على الخارج. ودخلت الثورة
الجزائرية منعرج الصراع بين الداخل والخارج والعسكري والسياسي، وانتهى الأمر بالتصفية الجسدية لواضع المبدأين، عبان رمضان، في كانون الأول/ ديسمبر 1957، والذي يرى أحد الدارسين الجزائريين أن اغتياله كان البداية الفعلية لتسلط العسكريين وهيمنتهم على الثورة ومصير الدولة؛ إذ لم يعد للسياسيين من دور سوى تزكية القرارات التي تصدر عن قادة الجيش22. لقد ساد اعتقادٌ أن الجيش هو الملجأ الأخير لسد عجز السياسيين وحسم خلافاتهم، ابتداءً من أزمة عام 1953، وأزمة عام 1959، وانتهاءً بأزمة الحكومة الموقتة بقيادة عباس فرحات. وهكذا تجذر نفوذ العسكريين، وبدا ذلك بوضوح بعد اجتماع العقداء العشرة23، الذي كان من نتائجه تمكين الجيل الثاني من العسكريين الأشدّ راديكالية، بزعامة هواري بومدين الذي ما فتئ يستهزئ بالسياسيين ويصفهم بضيق الأفق، وأنهم لا يستحقون قيادة الثورة. وهذا ما أشار إليه في تقرير لقيادة الأركان العامة في 15 تموز/ يوليو 1961، إذ يقول: "إن اجتماع العقداء العشرة سمح لبعضنا بأخذ صورة عن عمق السرطان الذي ينخر ثورتنا"24، ويقصد بذلك السياسيين. وهكذا، فإن ما يميز الظاهرة العسكرية في الجزائر أنها بدأت نتيجة لشبه الخلاف الدائر بين نخب حركة التحرير الوطني، بخصوص خيارات العمل التحرري الكفاحي وما إذا كان سياسيًّا أم عسكريًّا. مرورًا بمرحلة الصراع بعد مؤتمر الصومام بين السياسيين والعسكريين حول أولوية أيهما على الآخر، وكذلك أولوية الداخل على الخارج. وقد انتهى الجدل لمصلحة نفوذ العسكريين وتحكمهم في مسار الثورة، ثم لاحقًا جهاز الدولة. ويمكن القول إن إرهاصات ذلك بدأت مع أزمة عام 1961، بين الحكومة الموقتة وقيادة أركان الجيش. وهي الأزمة التي ستؤدي إلى ما يعرف بدكتاتورية جيش الحدود الذي بناه بومدين بنفسه، وهو القوة الوحيدة التي بقيت متماسكةً بعد الاستقلال25. ومع بداية الاعتراف الفرنسي باستقلال الجزائر، أخذ الصراع منحى آخر من تدخل الجيش في السياسة؛ وهو الصراع على السلطة. فكانت أزمة عام 1962، بين مجموعة تلمسان بقيادة الثنائي أحمد بن بلّة وبومدين ومجموعة تيزي وزو، بقيادة كريم بوضياف التي راح ضحيتها أكثر من ألف شهيد جزائري. وهو الصراع الذي يرى المراقبون أنه لا يخرج عن مخططات القيادة العامة لأركان الجيش في الاستيلاء على السلطة، والتي ستنجح فيها بتنفيذ أول انقلاب عسكري في عام 1965. وبهذا الصدد يفسر الكثير من الباحثين وصول الرئيس أحمد بن بلّة إلى الحكم26، باعتبار أنه ما كان ليتحقق ذلك وهو في سجنه في فرنسا لولا رغبة جيش الحدود وقبوله هو بالتحالف مع قيادة الأركان؛ أي مع هواري بومدين الذي سينقلب عليه ويخلفه في الحكم عام.1965 لقد كان هذا الانقلاب نقطة تحول فاصلة في تاريخ علاقة الجيش بالسياسة والسلطة في الجزائر، بعد أن جمع بومدين في يده السلطتين العسكرية والسياسية، وحوّل السياسيين بتعبير لونيسي "إلى مجرد موظفين لدى العسكريين"، وحزب التحرير "إلى باخرة راسية لا يجب أن تتحرك، كما لا يجب عليها أن تغرق" بتعبير المؤرخ محمد حربي أحسن. وعندما توفي الرئيس بومدين عام 1978، تدخل الجيش بتعيين العقيد الشاذلي بن جديد 1992–1979()، والذي استقال أو أقيل كما يشاع. وبعد أزمة عام 1988، ونهاية عام 1991، تدخل الجيش مرةً أخرى لتعيين محمد بوضياف الذي اغتيل على يد أحد عناصر الأمن العسكري المسؤول عن حمايته في 29 حزيران/ يونيو، وأ 1992، ليخلفه العقيد الأمين زروال الذي انسحب عام 1999 علن على إثر انسحابه عن انتخابات رئاسية سابقة لأوانها. لقد ساد اعتقاد لدى بعض الباحثين على إثر هذه التطورات أن قيادة الجيش في الجزائر هي التي تصنع الحكام27. ولئن كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وهو أحد عناصر مجموعة وجدة التي تُتهم باختطافها لجزائر الاستقلال وهيمنتها على الدولة28، رفض أن يكون في حينه واجهة للجيش، وكان شعاره في ذلك: "لا أريد أن أكون ثلاثة أرباع رئيس." فقد ظل هناك من يرى أن اختياره هذه المرحلة، لم يكن سوى تجميل بمساحيق السياسة لكونه مدنيًّا، ويحظى بإجماع كبير، من أجل تجاوز بعض الأزمات الداخلية والدولية التي كان
سببها الجيش29. وهو ما يؤكد استمرار الهيمنة العسكرية على القرار السياسي في جزائر الاستقلال، عن طريق التدخل المباشر عبر الانقلاب على السلطة، أو عن طريق التدخل غير المباشر عبر الانقلاب على السياسة. وباختصار، يمكن القول إن من أهم تداعيات هيمنة الجيش على السياسة في موريتانيا والجزائر انعدام تداول السلطة؛ ففي الفترة 1965 - 1978، كان الرئيس بومدين وحده يسيطر على الجيش والدولة وجبهة التحرير. وفي الفترة 1979 - 1988، كانت هيمنة الجيش وجهاز الأمن واضحة على الدولة وجبهة التحرير، بمباركة من الرئيس الشاذلي بن جديد. ومنذ ذلك الوقت، يعمل الجيش ومصالح الأمن على التحكم في أجهزة الدولة وجبهة التحرير إلى حدود عام 1999، والمحاولة المبكرة للذهاب في اتجاه تمدين السلطة التي انتهت بأزمة التداول، وقادت في نهاية المطاف إلى تقديم الرئيس بوتفليقة استقالته من منصبه في 2 نيسان/ أبريل .2019 أما التجربة الموريتانية بوصفها نموذجًا مغلقًا للحكم العسكري المباشر كذلك، فلم تعرف أي تداول للسلطة؛ فمن عام 1978 إلى عام 2007، كان قادة الانقلابات هم من يتداولون السلطة، وكانت الطريق الوحيدة إلى ذلك هي الانقلابات العسكرية. فمنذ الاستقلال عام 1960 إلى اليوم، كان هناك رئيسان مدنيان فقط، في مقابل 15 انقلابًا عسكريًّا أو محاولة انقلابية. ولم يحدث أي تغيير يذكر باستثناء ما حدث في عام 2007؛ إذ تنازل العسكريون عن السلطة للمدنيين بعد انقلاب عام 2005. ولكن هذه المحاولة لم تنجح في تمدين السلطة السياسية، وإنما سمحت بعودة الحكم العسكري من جديد بعد انقلاب عام 2008، والذي أكد بوضوح أنه لا يوجد ضمن أجندة العسكريين في موريتانيا أي تنازل عن الحكم وإدارة البلاد، وهو ما ستؤكده تجربة الانتخاب الرئاسية الماضية في 22 حزيران/ يونيو 2019، التي أفرزت تجربة عسكريين يصنعون الحكام في موريتانيا.
ثانيًا: مآلات التحول الديمقراطي في موريتانيا والجزائر
لا شك في أن طبيعة الجيش والسياسة في الجزائر وموريتانيا، منذ فترة ليست بالقصيرة، رشحت البلدين للتغيير الجذري. فقد ظل أغلب المحللين والدارسين يتوقعون ذلك مع اندلاع أي موجة من موجات التغيير في المنطقة؛ فالنظامان السياسيان يشتركان تاريخيًّا في خاصية فريدة، هي ضعف الشرعية السياسية بسبب هيمنة العسكريين على السلطة. بيد أن الثورات العربية بددت التوقعات، فلم يكن لها أثر كبير في النظامين، وجاءت نتائجها مخيبةً لآمال الحالمين وتطلعاتهم إلى التغيير. وأكدت حقيقة مفادها أن الدول التي تهيمن عليها أنظمة حكم عسكرية، تكون تجارب التحول فيها بقدر ما تسمح به تلك الأنظمة نفسها من الديمقراطية؛ لأنه لا يمكن الحديث عن أي تحول ديمقراطي من دون أن يكون هناك انفتاح سياسي، وتطور مرحلي، فالنظم التي يوجد فيها انفتاح سياسي تسمح على الأقل بالحد الأدنى من التغيير، أما النظم المنغلقة فمن الصعوبة الحديث فيها عن أي نوع من أنواع التغيير الديمقراطي. عرفت موريتانيا والجزائر عبر مراحل الحكم العسكري الإعلان عن مشاريع للتحول الديمقراطي، وسنخصص هذا الجزء من الدراسة للبحث في مآلاتها.
1. مآلات التحول الديمقراطي في موريتانيا
إذا كان الجيش في الجزائر أدّى دورًا أساسيًّا في معظم التغييرات السياسية الكبرى في البلد، فحصلت الدولة على الاستقلال من خلال الكفاح المسلح، وبذلك حازت مؤسسة الجيش الشرعية التاريخية، فإن الجيش في موريتانيا تأسس بعد الكفاح المسلح ودولة الاستقلال، واستمد شرعيته من تقاليد هذه الدولة؛ ما جعل منه جيش الدولة وليس العكس. وعلى الرغم من أنه من المفروض في التقاليد العسكرية الحياد وعدم التدخل في أمور السياسة أو بالأحرى ممارسة السلطة، فإن الجيش في موريتانيا منذ عام 1978 لم يكتف بالتدخل في السياسة، بل كان هو الذي يباشر الحكم، ويرعى عمليات التجميل الديمقراطية. وإن كان يمكن القول إن الحالة الموريتانية فريدة من نوعها في المنطقة المغاربية؛ فهي لم تشهد ذلك الصراع القوي بين العسكريين والمدنيين كما هو الحال في التجربة الجزائرية. وفضل عن ذلك، فقد تميزت من غيرِها من المجتمعات المغاربية بثلاث خصائص، هي: غياب الدولة المركزية تاريخيًّا. الدولة المنشئة للدولة. الحكم العسكري30.
وقد توافرت هذه الخصائص الثلاث في التحول الديمقراطي في موريتانيا. فبعد بزوغ نجم الدولة مباشرةً، كان من الصعوبة القصوى الانتقال من حالة ما قبل الدولة (نظام الإمارة والمشيخات) إلى الدولة المركزية وسلطانها الزاجر. لأن الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قل أن تتحكم فيها دولة بحسب تعبير ابن خلدون. وكان من الصعوبة القصوى كذلك، تقبّل السلطة المدنية الجديدة، في مجتمع بدوي انقسامي يعلي من شأن التقاليد القبلية وفي معظمه يرفض الاستقرار وحياة المدن. وقد فاقم هذه الفجوة التاريخية الانتقال من الحكم المدني إلى الحكم العسكري في وقت مبكر من عمر الدولة، عبر تدبير الأنظمة المتعاقبة على الحكم في موريتانيا. وهذا ما سنتناوله بإيجاز في مراحل ثلاث: فقد امتدت المرحلة الأولى من عام 1961 إلى عام 1978، وأخضع فيها المدنيون البلاد لنظام الحزب الواحد. ولقد ورثت الدولة الموريتانية تعدديةً حزبيةً نشأت في ظل السيطرة الاستعمارية، ونظامًا برلمانيًّا أقره دستور 1959 إبان الحكم الذاتي. لكن بعد الاستقلال التام في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 1960، أجهض الرئيس المدني الأول، المختار ولد داداه، التجربة الحزبية، وغيّ شكل النظام إلى نظام رئاسي عبر دستور 1961، وأدمج الأحزاب السياسية التي كانت قائمةً في حزب الشعب الذي مثل النموذج الموريتاني لتجربة الحزب الواحد. وهكذا دخلت البلاد في وقت مبكر مرحلة هيمنة الأحادية الحزبية التي انتهت بها الأحكام العسكرية التي لا تزال تتخبط فيها. وقد تميزت المرحلة الثانية، الممتدة من 10 تموز/ يوليو 1978 إلى 20 تموز/ يوليو 1991، بالحكم العسكري المطلق. وأخضع فيها العسكريون البلاد لحكم عسكري، عبر مواثيق دستورية شديدة الاقتضاب، تنسجم مع الأوامر العسكرية الصارمة. وقد عرفت هذه الفترة معظم المحاولات الانقلابية فضلً عن معظم الانقلابات المنجزة، وتميزت بقوة الصراع على السلطة والتصفيات داخل الجيش والمحاكمات العسكرية. كما عرفت انتشارًا للحركات السياسية المتمردة، الهادفة إلى زعزعة النظام، أو إلى زعزعة وحدة المجتمع باستهداف مقومات الهوية الوطنية. وقد عرفت البلاد انفتاحًا سياسيًّا في المرحلة الثالثة الممتدة من عام 1991 إلى عام 2005؛ فقد كانت مرحلة إعلان مشروع الدمقرطة. وقد عرفت البداية الفعلية لخلع العسكريين بزاتهم العسكرية وأول ظهور لمقولة "العسكري المنتخب"؛ إذ أضحت الانتخابات تؤدي دورًا مهمً في استمرار الحكم العسكري، بعد أن كان سائدًا العمل بقاعدة تغيير النظام السياسي عن طريق الانقلاب العسكري. فقد تمت إضافة قاعدة مكملة؛ وهي أن الاستمرار في عملية الاستيلاء على السلطة يجب أن يتم عن طريق الانتخابات بسبب فقدان الشرعية، وهو ما يعرف محليًّا بنموذج أو براديغم "الانقلابات – الانتخابات." والجدير بالملاحظة، هو الاستمرار في هذا النموذج منذ الإعلان عن مشروع الدمقرطة حتى نهاية هذه الفترة بانقلاب عام 2005، والذي يمكن القول إنه أخل بنظام اشتغال هذا النموذج الانقلابي الانتخابي ولو نسبيًّا. فبعد الانقلاب مباشرة، تم الدخول في مرحلة انتقالية من 3 آب/ أغسطس 2005 إلى 19 نيسان/ أبريل 2007، تعهد الانقلابيون فيها، أول مرة في تاريخ الحكم العسكري، بالتنازل عن السلطة وتسليمها للمدنيين بعد إشرافهم على تنظيم انتخابات وصفت بالديمقراطية. وقد جاءت بثاني رئيس مدني منذ أول تجربة بعد الاستقلال مباشرة، وهو الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، وقد كانت مدة ولايته ستة عشر شهرًا فقط. ومهما يكن من أمر، فإن مشروع الدمقرطة على العموم في ظرف عرف فيه البلد الكثير من الهزات الداخلية والدولية، وهو ما جعل بعض المراقبين يصفه بأنه كان محاولةًانقلابيةً ديمقراطية31. وكما سنرى فإن هذه المحاولة في اتجاه الدمقرطة لم تكن لتخرج عن سياق عمليات التجميل الديمقراطية الهادفة إلى البقاء في السلطة، كإصدار دستور جديد يقر التعددية، أو تنظيم انتخابات محسومة النتائج، وغيرهما. فهي لم تكن نابعة من إرادة داخلية وإنما جاءت وفقًا لأجندات أجنبية قاهرة، فرضها مطلب الدمقرطة بوصفها ظاهرة كونية اكتسحت أغلب دول العالم خلال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم. فكان على نظام معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع العسكري أن يذعن لها، وخصوصًا بعد حرب الخليج الثانية. وذلك بعد أن أحست فرنسا أن تقارب نظامه مع بعض الأنظمة القومية، خاصةًالنظام العراقي، يمثّل تهديدًا لمصالحها. ورأت الولايات المتحدة الأميركية في "المشكل العرقي" وملفات حقوق الإنسان حول المجازر التي اقترفها العسكريون في موريتانيا ورقةً رابحةً. وأوفدت فرنسا وزير خارجيتها رولان دوما إلى موريتانيا، فور خروجه من مكتب الرئيس الموريتاني آنذاك، معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع، بدأ ما أسماه بالمسلسل الديمقراطي. وقد كان ثمن التفاهم مع الأميركيين هو إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع الكيان الإسرائيلي في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1999، وفتح السفارة الإسرائيلية في العاصمة الموريتانية نواكشوط، وإغلاق سفارة الجمهورية العراقية الذي مثّل وصمة عار وصدمة للشعب
الموريتاني وأغلب دول الجوار32. ولعل هذا ما يؤكده الباحث الموريتاني ديدي ولد السالك الذي استبعد توافر الشروط الموضوعية والإجرائية في ذلك الوقت للتحول الديمقراطي في موريتانيا. وقد رجح فرضية العامل الخارجي، فبحسب تعبيره: "أن النظام الذي كان قائمًا آنذاك في موريتانيا أقدم على عملية التحول الديمقراطي ليس استجابةً لضغط داخلي، وإنما استجابةً لمحيط دولي ضاغط في اتجاه الديمقراطية"33. وفي اعتقادي أنه ينبغي الإقرار قبل أي شيء بوجود علاقة عضوية بين ضرورة الانفتاح السياسي والتحول الديمقراطي، وهذا شبه منعدم في الأنظمة الموريتانية المتعاقبة، والتي ظلت تتسم بالسلطوية وشخصنة الحكم والتي هي في أبسط معانيها "ذوبان شخصية الدولة داخل شخص الزعيم، بحيث تصبح إرادة هذا الأخير هي المحدد لسلوك السلطة"34. وفي هذا الإطار، هناك من يري كفاية توافر مجموعة من المؤشرات للحديث عن الانفتاح السياسي، مثل التعددية السياسية، ومستوى المشاركة، وحرية الصحافة والتعبير، والتجمع، وحق الإضراب، وغير ذلك. وهكذا جاء دستور 20 تموز/ يوليو 1991، معلنًا عن التعددية السياسية. وأكد الرئيس، معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع، أن حكومته عاقدة العزم على "المضي قدمًا في إشراك كل مواطن في بناء موريتانيا مستقلةً قويةً ومزدهرةً[...]وسيقام استفتاء عام من أجل المصادقة على دستور وستتم هذه الإجراءات[...]قبل نهاية السنة الجارية"، في إشارة إلى عام 1991. كما أكد أنه "ستنظم انتخابات حرة لتعيين مجلس نواب ومجلس شيوخ من بين إجراءات أخرى[...] وإنني أدعوكم إلى المحافظة على هذه الخطوة الجديدة"35. وجاء في الدستور الجديد تأكيد حرية التعبير في المادة العاشرة، وحرية الأحزاب والتجمعات السياسية في المادة الحادية عشرة... إلخ. وحصل إجماع لدى الكثير من المهتمين بالشأن الموريتاني بأن البلد عرف تحول سيؤدي إلى التحول الديمقراطي، بعد توفره على دستور عصري يضمن القواعد الضرورية للعملية الديمقراطية. إلا أن الواقع كشف عن عودة الحزب الواحد؛ فعلى الرغم من السماح بتعددية حزبية شكلية، كان الحزب الجمهوري الحاكم يتحكم في نتائج الانتخابات، ويفوز بأرقام قياسية، وهو الأمر الذي عجل بانقلاب 3 آب/ أغسطس 2005، والذي لقي ترحيبًا كبيرًا من الشعب الموريتاني. لكنه أكد للباحثين والمهتمين مرةً ثانيةً حقيقة زيف ديمقراطية يمنحها عسكريون وسطحيتها، وهم لا يزالون في صراعهم الأزلي على السلطة. وهكذا دخلت الب داا مرحلةًانتقاليةً صعبةً بعد انقلاب آب/ أغسطس، أشرف عليها "المجلس العسكري 3 للعدالة والديمقراطية"، والذي تعهد بالديمقراطية وتسليم السلطة للمدنيين في غضون عامين. ويجمع المهتمون بالشأن الموريتاني على تميز هذه المرحلة بالانفتاح السياسي، وبعديد من الإصلاحات القانونية والسياسية، والتي من أهمها دستور 2006 الذي أقر مبدأ التداول السلمي للسلطة، وحدد مدة انتداب رئيس الجمهورية، أول مرة، في خمس سنوات قابلة للتجديد مرةً واحدةً؛ ما جعل المراقبين يعتقدون خطأً، بعد ضمان تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية لم يشارك فيها العسكريون ووصفت بالنزيهة، بأن البلد يذهب في اتجاه التحول الديمقراطي، وخصوصًا بعد ما أفرزت العملية الانتخابية، في آذار/ مارس 2007، رئيسًا مدنيًّا ديمقراطيًّا، وبدأ الحديث يدور حول تحقيق حلم الجمهورية الثالثة وعودة العسكريين إلى ثكناتهم. لكن عندما باشر الرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله مهمّ ته، وأراد أن يكون صارمًا في ترسيخ قواعد الحكم المدني، حصلت الكارثة التي لم يحسب لها أحد حسابًا، فكان انقلاب 6 آب/ أغسطس 2008، والذي استمرت تداعياته حتى انتخابات 22 حزيران/ يونيو 2019 36. وهكذا بات بعض الباحثين يصف عملية التحول إلى الديمقراطية في موريتانيا بأنها تتم عبر "خطوة إلى الأمام وخطوتين إلى الوراء"37، والقاعدة الثابتة في ذلك: انقلاب جديد ووعود جديدة، وكأن ما يحصل أشبه بالمؤامرة على الديمقراطية؛ لأن انقلاب 6 آب/ أغسطس على الحكم المدني الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز لم يكن له أي مبرر، سوى الاستئثار بالسلطة والدوافع الشخصية38.
2. مآلات التحول الديمقراطي في الجزائر
لا شك في أن هيمنة القوى العسكرية إبان الثورة الجزائرية، وبعدها جزائر الاستقلال، والدخول مباشرة في الأحادية الحزبية)1989–1962(تسببا في عرقلة التحول إلى الديمقراطية. فكانت النتيجة انفجار الأزمات التي ستضعف العسكريين وتجعلهم قابلين للإذعان للانفتاح السياسي.
وبهذا الصدد تم الإعلان عن مشروع الدمقرطة في دستور 1989، بعد فشل المحاولات المبكرة لتمدين السلطة، والتي ظهرت في مقررات مؤتمر الصومام عام 1956، ودستور 1963، والتي سعت لضمان تفوق السياسيين على العسكريين. إلا أن انقلاب عام 1965 وما تلاه من أحداث في الجزائر كرس تفوق العسكريين على السياسيين. ويمكن القول إن أزمة 5 تشرين الأول/ أكتوبر 1988 فجرت ثورة قانونية، وكان من ثمارها تجربة عام 1989 الدستورية، التي فتحت باب التعددية السياسية، وسمحت بدور قوي للمعارضة السياسية. كما وضعت قواعد جديدةً لعلاقة الجيش بالسياسة، وإن كانت هذه التجربة لم تعمر بسبب ارتداد العسكريين وعودتهم إلى الواجهة من جديد39. وعلى الرغم من ذلك فإنها عرفت تعددية سياسية تميزت بالحضور القوي للجناح الإسلامي الذي استطاع اكتساح الانتخابات المحلية عام 1990 بنحو 853 مقعدًا من أصل 1541، والتشريعية عام 1991 بنحو 188 مقعدًا من أصل 380. وقد أدت هذه النتائج إلى تدخل القيادة العسكرية وتوقيف المسار الانتخابي في كانون الثاني/ يناير 1992، معللةً ذلك بأن هيمنة الإسلاميين على البرلمان تعد تهديدًا للطابع الجمهوري للدولة وتجربتها الديمقراطية. وقد عبرت عن هذا الرأي على لسان أحد القادة العسكريين وهو اللواء محمد تواتي الذي قال إن الجيش "لا يمكنه أن يبقى مكتوف الأيدي أمام التهديدات الخطيرة للدولة، فمن واجبه أن يدافع عن مؤسسات الجمهورية في المراحل الانتقالية." والجدير بالملاحظة أن رئيس الجمهورية الشاذلي بن جديد بعد حله للبرلمان في 4 كانون الثاني/ يناير 1992، قدم استقالته بعد أسبوع، ليفسح المجال لتعيين خلف له وهو الرئيس محمد بوضياف الذي تم اغتياله في العام نفسه، ثم الأمين زروال الذي انسحب عام 1999، قبل نهاية مأموريته. والمثير في التجربة الجزائرية، على الرغم من حالة عدم الاستقرار السياسي وحالة العنف40 التي عرفت ب "العشرية السوداء"، هو أن الدور السياسي للجيش لم يمنع من الاستمرار في العملية الانتخابية، منذ الإعلان عن التعددية السياسية عام.1989 فقد أصرت الأنظمة المتعاقبة على امتداد التسعينيات على الحفاظ على إجرائها بصورة منتظمة، وفقًا للصيغة التي سماها أندرياس شيدلير ب "السلطوية الانتخابية"41. فقد عرفت الأعوام 1995، و 1999، و 2004، و 2009، و 2014 انتخابات رئاسية، كما عرفت الأعوام 1997، و 2002، و 2007، و 2012 انتخابات بلدية وتشريعية؛ ما يفسر أن التركيز على الانتخابات في حد ذاتها أهم من الديمقراطية، وأن عملية التحول نحو الديمقراطية سياسة عامة تتبناها الأنظمة، مثلها مثل سياسة التحكم في ارتفاع أسعار المواد الغذائية وانخفاضها. وقد تعثر مسار التحول الديمقراطي في الجزائر كما برهنت على ذلك انتخابات عام 1999. وعلى الرغم من ذلك فإنها قد جاءت برئيس مدني وهو عبد العزيز بوتفليقة. وقد سعى بوتفليقة لاستئناف مشروع التحول عبر ما يعرف بالمصالحة الوطنية؛ فقد حاول نزع الطابع العسكري عن النظام واستعادة مكانة الرئاسة، وكان يهدف من وراء ذلك إلى عودة الأمن والاستقرار للجزائر، وخاصة بعد قرار العفو عن المتطرفين الإسلاميين، والتعهد بعدم محاسبة العسكريين على الأعمال الإرهابية المتهمين بها. وقد عرض في تموز/ يوليو 1999 على البرلمان قانون الوئام المدني، وفي 16 أيلول/ سبتمبر 1999، عرض خطة للسلام على الاستفتاء. وقد لقيت هذه التدابير ارتياحًا كبيرًا لدى المواطنين، وصوتوا لها بنسبة 98.63 في المئة. ولم ير بعض المراقبين في الميثاق سوى "ميثاق للنسيان"، على الرغم من أهميته ودوره في إحلال السلام، ليس فقط لما ترتب عليه من إهدار لحقوق الضحايا، ولكن أيضًا لمعالجته مشكلة المفقودين التي تخللها كثير من الغموض42. ومهما يكن من أمر، فإن هناك إجماعًا لدى أغلب الدارسين على أهمية عودة السياسة وتراجع هيمنة الجيش على السلطة، ولو نسبيًا، مع الرئيس بوتفليقة، فضلً عن القبول بالتعايش مع نظام التعددية ومشاركة الأحزاب ذات التوجه الإسلامي والتمثيل في البرلمان بصفة قانونية. إلا أن عام 2008 مثّل نقطةً حاسمةً في مسار التحول الديمقراطي، فقد انقلب بوتفليقة على الدستور؛ ليثبت بذلك فرضية أن الحكام العرب والأفارقة لا يغادرون السلطة في الغالب إلا في الحالات الست التي سبق ذكرها. وقد شكل هذا الارتداد من الهيمنة العسكرية إلى حكم الفرد أهم أسباب تعثر التحول الديمقراطي. ويرجع ذلك إلى المرونة في التزام قواعد النظام الديمقراطي، فضلً عن ضعف تأثير الحركات الاحتجاجية وعدم قدرتها على فرض التغيير قبل الاحتجاجات التي انطلقت في يوم 22 شباط/ فبراير 2019 ضد العهد الخامسة. فكل محاولات الاحتجاج كانت تنتهي بالفشل، كما في الأعوام 1980، و 1988 و، 1991 و، 2001 و، وانتهاءً بالمحاولات، 2010 المتأثرة
بموجة الثورات العربية في الأعوام 2011، و 2012، و 2013، و.2014 وتجدر ملاحظة أن بعض الدراسات تشير إلى أهمية رمزية استمرار الاحتجاجات في الجزائر43، ولئن كانت فاتتها موجة الثورات في العالم العربي عام 2011، فقد استدركت هذا الأمر بربيعها الخاص كما سنرى. وبهذا الصدد جاءت الانتخابات التشريعية لعام 2012 مفاجئة لغالبية المتابعين للشأن الجزائري. فقد كان من المتوقع فوز الأحزاب الإسلامية على غرار ما حدث في تونس ومصر والمغرب، وهو ما لم يحدث. كما عرفت الانتخابات الرئاسية يوم 17 نيسان/ أبريل 2014 جدلً واسعًا ضد ترشح بوتفليقة لولاية رابعة. وعمومًا فقد لوحظ تعثر المحاولتين الأخيرتين لتمدين السلطة السياسية في موريتانيا والجزائر، بعد التنازل الكبير الذي أبداه العسكريون؛ على نحو فوّت على البلدين فرصة التحول الديمقراطي. فقد ظهر هذا التنازل في الجزائر في انتخابات عام 1999، والتي جاءت ببوتفليقة رئيسًا. بينما ظهر هذا التنازل في موريتانيا في انتخابات عام 2007، والتي جاءت كذلك برئيس مدني هو الرئيس الأسبق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله. فقد انقلب الرئيس الجزائري على الديمقراطية، نتيجة التعديلات الدستورية في ما يعرف بانقلاب الدستور عام 2008. بينما انقلب الجيش في موريتانيا على الرئيس المدني المنتخب في العام نفسه في ما عرف بانقلاب عام 2008. وعلى الرغم من ذلك فإن الدراسة ترصد تراجعًا، ولو نسبيًّا، في الدور السياسي للجيش في الجزائر، بينما ترصد تجذرًا لدوره السياسي في موريتانيا. وهذا التراجع في الحالة الجزائرية يفسره بعض الدارسين طبقًا للمقولات العسكرية حول المهنية والاحترافية بأن الجيش عرف تغيرًا كبيرًا منذ انسحاب جيل الثورة وصعود جيل الشباب خريجي المدارس العسكرية البعيدين من مجال السياسة44. وإني أميل، على الرغم من وجاهة هذا التحليل، إلى إرجاع هذا الأمر إلى عاملين أساسيين: يمكن تلخيص العامل الأول في تأكّل شرعية المؤسسة العسكرية بعد تورطها في كثير من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد كان آخرها الأزمة الإنسانية عام 1997، والتي فرضت إعادة تقييم مسألة الشرعية، فكان لا بد من الخروج من هذا الواقع بتنازلات جذرية لمصلحة عودة السياسة. ولعل العامل الثاني يبدو في تداعيات انتخابات عام 1999 التي أعادت الاعتبار للحكم المدني، وهو ما سمح بترويض مؤسسة الجيش والأمن، فقد تمت إعادة انتخاب بوتفليقة إلى فترة ثانية، خلافًا لرغبة قيادة الجيش التي كانت ترفض ذلك. وقد مثّل كل ذلك ضربةً عنيفة لمؤسسة الجيش، وكان له أثره في الحياة السياسية الجزائرية فيما بعد. فقد أحال بوتفليقة مجموعة من كبار الجنرالات النافذين على التقاعد، بما في ذلك قائد الجيش محمد العماري الذي استبدل به الفريق المقرب منه أحمد قايد صالح. كما أجرى تغييرات واسعة في جهاز المخابرات، وأحال العديد من الجنرالات على التقاعد، بعد إعادة انتخابه لولاية رابعة. وقد أضيف إلى هذا إجراءات داخل بنية المؤسسة، مثل إلحاق مديرية الاتصال بقيادة أركان الجيش45. بينما عرفت التجربة الموريتانية بعد انقلاب عام 2008 انحرافًا خطرًا، وعودةً قويةً لهيمنة الجيش، وكان من نتائج ذلك الأزمة السياسية بين الجيش والمعارضة منذ عام 2011 إلى اليوم، والتي نجم عنها مطالبة المعارضة برحيل النظام. وقد أصر النظام على عدم الانفتاح على مطالب المعارضة أو التجاوب معها، فلجأ في محاولة منه إلى عدم إبداء أي تنازل أو تراجع، وإلى أسلوب "عسكرة الانتخابات." فقد تم تقنين مشاركة القوات المسلحة وقوات الأمن في الانتخابات العامة في عام 2013، وهو ما يعني، بتعبير أحد الدارسين، أن الجيش في موريتانيا "قد لا يحتاج مرة أخرى إلى اللجوء إلى آليات الانقلاب العسكري وسيلة لتغيير الرئيس[...]وإنما يكفيه الذهاب إلى صناديق الاقتراع لإسقاط الرئيس"46. وفضلً عن ذلك، قام الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بإجراء تغييرات مهمّة في بنية المؤسسة العسكرية، تهدف إلى منع الانقلابات العسكرية، إلا إذا حدث توتر بين قيادة الجيش ومؤسسة الرئاسة. وقد تكون أخطاء المعارضة الديمقراطية الكارثية مسؤولةً عن استمرار هيمنة الجيش على السياسة، مثل الدخول في حوار مع مجموعة انقلاب عام 2008، وهو حوار دكار الذي دعم موقف الجيش بعد السماح لهم بالمشاركة في انتخابات عام 2009. كما ضحّت المعارضة بأهم مكسب حصلت عليه بعد انقلاب عام 2005، وهو عدم السماح للانقلابيين بالمشاركة في الانتخابات. وقد ازداد الوضع سوءًا بمشاركة المعارضة في انتخابات عام 2009، وكذلك انتخابات 22 حزيران/ يونيو 2019، وهي على يقين بأن مرشح الجيش هو الفائز.
خلاصات واستنتاجات
يمكن أن نخلص إلى القول إن ظاهرة هيمنة الجيش على السياسة مثّلت معوقًا بارزًا من معوقات التحول الديمقراطي في موريتانيا والجزائر؛ لأن الجيش والسياسة لا يجتمعان في التقاليد الديمقراطية. فبنية الجيوش وأسلوب عملها الذي يقوم على مبدأ تنفيذ الأوامر من دون نقاش لا ينسجمان مع روح النظام الديمقراطي وقيمه، كما أن الطبيعة الأبوية بالمعنى الذي قرره ماكس فيبر للأنظمة العسكرية تحول دون تعزيز الديمقراطية47. فإذا كان المقياس في التحول الديمقراطي هو ارتفاع سيطرة المدنيين على السياسة أو انخفاضها، فإن هذا المعيار في الوقت الراهن من الصعب تطبيقه على الحالتين الموريتانية والجزائرية؛ وذلك بسبب غموض العلاقات المدنية - العسكرية في الجزائر وأزمة تداول السلطة من جهة، ومن جهة أخرى بسبب الانقلاب على الديمقراطية في موريتانيا، والذي أدى إلى الهيمنة الشاملة للجيش، بما فيها الهيمنة على الديمقراطية نفسها. وعلى الرغم من أهمية الإشارة إلى دور الأزمات (سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية) في إضعاف الدور السياسي للعسكريين وتراجعه، فإنها ربما لا تحسم عملية التحول الديمقراطي، ولا تؤدي إلى اختفاء ظاهرة هيمنة الجيش نهائيًّا. وبناءً على بعض الخبرات والتجارب في أميركا اللاتينية وغيرها، يمكن الإشارة إلى عاملين للتحول السياسي من الحكم العسكري إلى الديمقراطية؛ فقد يتمثل العامل الداخلي بقيام المؤسسة العسكرية بإعادة تقييم لمسألة الشرعية. وقد يتجلى ذلك في التنازل للمدنيين، أو التفاوض معهم على نمط للحكم أو ضمانات أو امتيازات، وقد يتجلى في انهيار عسكري بسبب الانقسام48. وقد تؤدي التحولات في دول الجوار، وكذلك الإرادة الدولية دورًا مهم في فرض التغيير، ويستند منظّرو هذا العامل إلى نظرية الدومينو Theory Domino، والتي تقوم افتراضاتها على مقولة العدوى أو التأثير. فتكون التحولات الإقليمية والدولية لدول الجوار نحو الديمقراطية سببًا في تحول الدول غير الديمقراطية49. وعمومًا، إن معظم محاولات الدمقرطة في موريتانيا والجزائر، كما هو واضح، كانت متأثرةً بالعامل الخارجي أو بضغط منه؛ إذ لم تكن استجابةً لحالة تنازل أو انقسام أو تفاوض مع المؤسسة العسكرية. وإن كانت الحالة الجزائرية مند أزمة عام 1997 وما تلاها ستعرف ما يشبه استقرار الحكم المدني في ظل انعدام تداول السلطة، فإن موريتانيا التي لم تشهد فيها المؤسسة العسكرية أي معاناة حقيقية عرفت عودة النمط الانقلابي بعد أزمة انقلاب عام 2005، والتي تم الخروج منها بانتخابات عام 2007، وعودة الحكم المدني الذي انقلب عليه محمد ولد عبد العزيز في عام 2008. لتدخل البلاد أزمةً لا تزال تداعياتها مستمرةً حتى مع الإعلان عن حوار 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، والذي طُرحت فيه مسألة فتح مأموريات الرئيس، والسماح له بولاية ثالثة ورابعة، وربما خامسة، وهو الحوار الذي قاطعته المعارضة الديمقراطية ووصفته بالانقلاب الدستوري. إن البحث في نظريات التغيير بوصفها نماذج تفسيرية، على الرغم من هذا الارتداد في التحول الديمقراطي وتعثره في موريتانيا والجزائر، يمكن أن يساهم في تقديم قراءة لمشاهد التحولات السياسية الممكنة. ولعل من أهم هذه النماذج التي ترصد التحولات السياسية نحو الديمقراطية، بالنسبة إلى تحليل البلدان النامية، مدخل الانتقال أو التحول، والذي يشير إلى دور النخب في العملية الديمقراطية، لا دور الحركة الشعبية الذي يجب أن يكون على المدى الطويل، حيث إن عملية التحول تكون من أعلى إلى أسفل وليس العكس. وتعد أعمال دنكورت روستو Rustow A. Dankwart بارزةً في هذا الشأن. وقد رسم روستو طريقًا عامًا تمر به كل البلدان إلى الديمقراطية، بناءً على تحليل مقارن لتاريخ تركيا والسويد في أربع مراحل: تتمثل أولاها بتأكيد الهوية السياسية وظهور المجتمع الوطني، ثم تتلوها مرحلة الصراع السياسي بين النخب القديمة والجديدة. ويرى أن الديمقراطية تنبع من الصراع، بل العنف أحيانًا، وليست بالضرورة نتيجة تطور سلمي. وهذا في نظره ما يفسر هشاشة الديمقراطية في المراحل الأولى، وربما رفضها. وتُعدّ المرحلتان الثالثة والرابعة، بالنسبة إلى روستو، مرحلتين انتقاليتين؛ فالمرحلة الثالثة حاسمة وتاريخية في تسوية الصراع الذي لا ينتهي، وتسمح بالوصول إلى قواعد ديمقراطية تسمح لكل طرف بالمشاركة في الدولة، وتتم عن قرار واعٍ من النخب السياسية، بينما تنجح المرحلة الرابعة في تأسيس النظام الديمقراطي، ويسميها مرحلة التعود على الديمقراطية. وتصبح الديمقراطية في المرحلة الرابعة عادةً، وملزمةً للجميع، وعندها يمكن القول إن التحول إلى الديمقراطية قد تحقق بالفعل50.
ويرى أن هناك عوامل تجبر النظم الاستبدادية على التحول إلى الديمقراطية، مثل الانهيار العسكري أو الاقتصادي، أو نجاح القوى المعارضة في الضغط أو الشرعية الدولية. كما يمكن أن يحصل التحول إلى الديمقراطية عبر تقييم هذه النظم لنفسها، من حيث انخفاض الشرعية والانهيار الاقتصادي والعسكري وتفاديها لأزمة قد تكون وشيكة الحدوث51. والملاحظ أن النظم السياسية المتعاقبة في موريتانيا لم تخضع لتحليل روستو في المراحل الثانية والثالثة والرابعة؛ إذ هي لم تمر بمرحلة صراع ومواجهة بين النخب العسكرية والمدنية على السلطة، نظرًا إلى هيمنة العسكريين واستغلالهم المفرط للقوة. كما أن هشاشة النخب المدنية وأحيانًا فسادها لم يسمحا لها بالاضطلاع بدور في التفاوض مع العسكريين أو في الضغط عليهم. وبقيت مسألة الشرعية السياسية هي المدخل إلى أي تغيير سياسي يحصل، فجميع تجارب الدمقرطة كان يتم الإعلان عنها إما عبر تدخل خارجي (الحالة الفرنسية المشار إليها سابقًا)، وإما بعد انقلاب عسكري (منذ عام 1991 إلى اليوم.) وهو ما يعني أن شعور النظام العسكري في موريتانيا بعدم الشرعية يكون دائمًا محفزًا إلى القيام بإصلاحات من قبيل محاولات البقاء والاستمرار في السلطة. إلا أن انقلاب عام 2008 أيقظ النخب المعارضة، التي لم يعد لديها شك في أن العملية الانتخابية في ظل هيمنة الجيش على الدولة ليست إلا عمليةً مكملةً للانقلابات العسكرية، ولا يمكن أن تقود إلى تغيير ديمقراطي، وخصوصًا بعد انتخابات عام 2009 التي أوصلت زعيم الانقلاب إلى سدة الحكم. وهكذا بعد عام 2011 وموجة الربيع العربي، نُظمت مسيرات ومهرجانات مطالبةً بإسقاط النظام، وتمت مقاطعة حوار عام 2011، وانتخابات عام 2013 المحلية والتشريعية بالإجماع، باستثناء حزب "تواصل" المحسوب على التيار الإسلامي، وكذلك انتخابات الرئاسة عام 2014، وحوار 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2016. وتبقى الآمال معقودة في ظل إصرار المعارضة الديمقراطية على إنهاء الحكم العسكري وعدم التعامل معه، أو جره إلى التفاوض أو التنازل. فالنظام العسكري الحالي، لا يعاني ضعف الشرعية فحسب، وإنما استشراء الفساد في جميع مفاصله، وقد تعرض رأسه في عام 2012 لمحاولة اغتيال يروج أنها كانت عن طريق الخطأ. ووجهت إليه المعارضة وبعض القوى الخارجية كثيرًا من تهم الفساد، فضلً عن كونه يمثل جيلً من العسكريين اتصف بالتهور وضعف الخبرة السياسية، وإقصاء الجيل السابق الذي أشرف على نشأته وتكوينه، والذي لا يخفي حجم الإهانة التي تعرض لها. قد تنتج هذه الظروف والعوامل مجتمعة ضغطًا على النظام العسكري، وتقوده إلى التفاوض وفقًا لمقولة توافق النخب على طريقة روستو، للخروج من الأزمة السياسية. فشعور المؤسسة العسكرية بضعف الشرعية وفشل الحكومات في إيجاد حل لأزمة ارتفاع المواد الأساسية، والحديث عن تضخم المديونية، وانتخاب رئيس جديد في 22 حزيران/ يونيو 2019، وهو محمد ولد الغزواني بنسبة 52.01 في المئة، وإن كان محسوبًا على المؤسسة العسكرية، كلها مؤشرات جديرة بالاهتمام. بينما الملاحظ في الحالة الجزائرية أن عمليات التحول التي جرت لم تكن بمبادرة من النخب، ولم تؤد إلى إحداث تفاوض بين العسكريين والمدنيين، وإنما ظل العسكريون يهيمنون على القرار السياسي وعلى الدولة. وهذا أمر طبيعي بالنسبة إلى الباحث الجزائري لونيسي الذي يبرر تلك الهيمنة بظروف نشأة الدولة الجزائرية الخاصة، ومسؤولية العسكريين عن ميلادها وميلاد نظامها. ومن وجهة نظر هذا الباحث، أنه مع مرور الوقت، ظهرت قوى أخرى سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية أصبحت مؤثرةً في صناعة القرار السياسي، ولم يعد الأمر يقتصر على العسكريين وحدهم. وإلى جانب ذلك نرصد تراجع تأثير العسكريين أمام انسحاب جيل الثورة وصعود جيل الشباب خريجي المدارس العسكرية، والذي يتميز بالمهنية والاحترافية وبالبعد من مجال السياسة52. وهذا في نظرنا ما يشير إلى تغيّ في بنية السلطة العسكرية، ويجعلنا نستند في قراءة مشاهد التحولات السياسية الممكنة في الجزائر إلى المدخل البنيوي، بوصفه نموذجًا تفسيريًا يركز على عمليات طويلة المدى للتغيير التاريخي. وهذا المدخل يختلف عن مدخل التحول أو الانتقال آنف الذكر، لكون عمليات التحول نحو الديمقراطية لا تتم بمبادرات النخب، وإنما بتغير بنى السلطة. وينطلق من فرض أساسي يقوم على ملاحظة تفاعل بنى السلطة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، عندما تتغير تدريجيًّا عبر التاريخ، وتسمح بالتحول الديمقراطي. ومن أهم منظري هذا الاتجاه في التفسير بارنغتون مور Moore Barrington، ودايترتش روسيشيميير Rueschemeyer Deitrich، وغيرهما.
ويتم التركيز أساسًا على التاريخ الطويل بحيث يمكن عملية التحول أن تستغرق قرونًا53. ومن خلال رصد الدراسة لنصف قرن تقريبًا من تدخل الجيش في السياسة، يلاحظ أن النظام العسكري في الجزائر واجه كثيرًا من الأزمات بسبب ضعف الشرعية، فرضت عليه خيارات وتنازلات صعبةً. فإلى جانب ارتفاع وتيرة الحركات الاحتجاجية منذ الثمانينيات، عرفت البلاد كذلك معارضةً سياسية قويةً في مرحلة التعددية السياسية عام 1989، فضلً عن تراجع الدور السياسي للعسكريين بعد أزمة خريف عام 1997، بسبب موجة الاتهامات الدولية الموجهة بشأن حقوق الإنسان، والمطالبة بتقديم بعض القادة إلى المحكمة الجنائية الدولية. وهي الأزمة التي كادت أن تعرض الجزائر لخطر التدخل الدولي بعد إرسال الأمم المتحدة بعثة للإعلام والتقصي عام 1998. ويضاف إلى ذلك عودة الحياة الديمقراطية بعد انتخابات عام 1999 التي أعادت الحكم المدني، على الرغم من حادثة الانقلاب على الدستور عام 2008، والتي أعادت البلد إلى سابق عهده وطرحت كثيرًا من الاستفهامات. إلا أن سياسة بوتفليقة البراغماتية في ظل الاستقطاب بين مؤسسة الرئاسة ومؤسستَي الجيش والمخابرات، والتي حدت من نفوذ المؤسستين؛ قد حافظت على بقائه في الحكم أطول مدة ممكنة على الرغم من ظروفه الصحية، وذلك قبل انطلاقة احتجاجات 22 شباط/ فبراير 2019، وتقديم الرئيس للاستقالة والاعتذار للشعب الجزائري في 2 نيسان/ أبريل 2019 عبر رسالة سلمها إلى رئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، بحضور رئيس مجلس الأمة (الغرفة العليا في البرلمان الجزائري) عبد القادر بن صالح. يمكن أيضًا الاستفادة من تجربة الحكم في عهد بوتفليقة بالنسبة لمستقبل حراك 22 شباط/ فبراير 2019 في كسر قاعدة مرشح الجيش. ويبقى من الصعب التنبؤ بجزائر ما بعد بوتفليقة، فكل المؤشرات تشير إلى ما نعتقد أنه تحول تدريجي في بنية السلطة العسكرية وذلك من خلال ملاحظة وحدة الجيش والشعب في حراك 22 شباط/ فبراير 2019، وهو تحول يمكن أن يستجيب لعمليات التحول طويلة المدى للتغيير التاريخي أو التفاوضي، ويمكن أن ينجح الحراك الضاغط الآن في الإمساك بزمام المبادرة وتفادي أخطاء سيناريو الجيش والثورة في مصر عام.2011 وفي الأخير يمكن القول إن ظاهرة تدخل الجيوش في السياسة استنفدت كل طاقاتها، واختبُرت في الميدان، وأفضت إلى نتائج مدمرة، وقد باتت الشعوب على وعي تام بحقها في الحكم، بلا وصاية من أي جهة.
المراجع
العربية
بن أحمدو، محمد سعيد. موريتانيا بين الانتماء العربي والتوجه الأفريقي: دراسة في إشكالية الهوية السياسية 1960 – 1993. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2003 بن ناصر، بوطيب. "المؤسسة العسكرية والسياسة في الجزائر." الديمقراطية. العدد مجلة 52 (تشرين الأول/ كتوبر.)2013 بوتر، ديفيد [وآخرون.] الدمقرطة: التحولات السياسية نحو الديمقراطية في العالم. ترجمة مالك عبيد أبو شهيوة محمود محمد خلف. طرابلس: المؤسسة العامة للثقافة،.2011 تلمساني، رشيد. "الجزائر في عهد بوتفليقة: الفتنة الأهلية والمصالحة الوطنية." مؤسسة كارنيغي. سلسلة أوراق كارنيغي. العدد 7 (كانون الثاني/ يناير.)2008 الشوبكي، عمرو (محرر.) الحركات الاحتجاجية في الوطن العربي (مر، المغرب، لبنان، البحرين، الجزائر، سورية، الأردن). ط.2 بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2014 حسن، حمدي عبد الرحمن. العسكريون والحكم في أفريقيا: دراسة في طبيعة العلاقات المدنية العسكرية. سلسلة دراسات أفريقية.1 القاهرة: مركز دراسات المستقبل الأفريقي،.1996 قاسي، فوزية وعربي بومدين. "العلاقة بين الجيش والسياسة في الجزائر: بين حكم الواقع وتحديات نزع الطابع العسكري." سياسات عربية. العدد 19 (آذار/ مارس.)2016 الكروي، محمود صالح. "ذاكرة الانقلابات العسكرية في موريتانيا: لمجلة العربية للعلوم السياسية. العدد الصراع على السلطة." ا 31 (صيف.)2011 لعروسي، محمد عصام. "الانقلابات العسكرية وأزمة الديمقراطية في موريتانيا." الديمقراطية. العدد مجلة 32 (تشرين الأول/ أكتوبر.)2008 لونيسي، رابح. الجزائر في دوامة الراع بين العسكريين والسياسيين. الجزائر: دار المعرفة،.2000 ________".علاقة العسكري بالسياسي في تاريخ الجزائر المعاصر." المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد 29 (شتاء.)2011 الكتبي، ابتسام [وآخرون.] الديمقراطية والتنمية الديمقراطية في الوطن العربي. سلسلة كتب المستقبل العربي 30. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2004
مجموعة باحثين. الجيوش والتحول الديمقراطي في إفريقيا: معوقات بناء الدولة الوطنية. حمدي عبد الرحمن (محرر.) الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية،.2015. الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي مجموعة باحثين. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.2002 مكاوي، ماهيتاب. "مأسسة السلطة السياسية في أفريقيا." الأهرام. العدد 2.)2009(الهرماسي، محمد عبد الباقي. المجتمع والدولة في المغرب العربي. ط 2. مشروع استشراف مستقبل الوطن العربي. محور "المجتمع والدولة." بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،.1992 النظام السياسي لمجتمعات متغيرة هنتنجتون، صامويل.. ترجمة سمية فلوّ عبود. بيروت: دار الساقي،.1993 ولد السعد، محمد المختار ومحمد عبد الحي. "تجربة التحول الديمقراطي في موريتانيا: السياق، الوقائع، آفاق المستقبل." دراسات استراتيجية. العدد.)2009(149 ولد حرمة بابانا العلوي، عبد الرحمن. الجيش والسلطة في موريتانيا. نواكشوط: منشورات مركز الصحيفة للدراسات الاستراتيجية،.2014 ولد دده، محمد. "النظام السياسي الموريتاني وإشكالية الشرعية." المجلة العربية للعلوم السياسية. العدد 29 (شتاء.)2011
الأجنبية
Blair, Dennis (ed.). Military Engagement: Influencing Armed Forces Worldwide to Support Democratic Transition. New York: Brookings Institution Press, 2013. Marchesin, Philipe. Tribus, ethnies et pouvoir en Mauritanie. Collection Hommes et Sociétés. Paris: Karthala, 1992. Stronge, W. J. & D. Shu, "The Domino Effect: Successive Destabilization by Cooperative Neighbors." Proceedings of the Royal Society of London. vol. 418, no. 1854 (July 1988).