الجهادية الأوروبية الجديدة وتجسّ داتها ***

Farhad Khosrokhavar فرهاد خسروخوار | ** Translated by Moeen Roumeeh | ترجمة: معين رومية

الملخّص

تطوّرت الجهادية الأوروبية منذ ظهورها أول مرة في التسعينيات من القرن الماضي، ومالت في بداياتها إلى أن تقتصر على "الشباب الساخط" في الأحياء الفقيرة (فرنسا) أو في المناطق الداخلية الفقيرة من المدينة (بريطانيا)، لكنها انتشرت بسرعة إلى الطبقات الوسطى، سواء أكان أفرادها من المسلمين أم من الذين اعتنقوا الإسلام. وفي عام 2013، مع الحرب الأهلية في سورية، خضعت الجهادية إلى تغيرات كبيرة؛ وقبل ذلك، كانت تقتصر على بضع مئات من الأشخاص، لكن العدد ازداد حاليًا ليصل إلى آلاف عدة. وفي الوقت ماا بوضوح نفسه، أصبح عدد المراهقين منهم كبيرًا، وزاد عدد الفتيات ومعتنقي الإس. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم فهمٍ عن ذهنية هؤلاء الفاعلين الاجتماعيين الجدد في ضوء الأوضاع الداخلية في المجتمعات الأوروبية. كلمات مفتاحية: الجهادية الأوروبية، فرنسا، الضواحي الفقيرة، الطبقة الوسطى. European Jihadism has evolved since it first appeared in the 1990s. In many European countries, at the outset, it tended to be restricted to the "disaffected youth! from the poor suburbs (France) or poor inner city areas (UK), but it rapidly spread to the middle classes, whether Muslims or converts. In 2013, with the civil war in Syria, Jihadism underwent major changes. Before that it was restricted to a few hundred people, but it has now risen to several thousand. At the same time, adolescents have become numerous and the number of girls and converts has sharply increased. The aim of the article is to propose an understanding of the mindset of these new social actors in the light of the internal conditions of European societies. Keywords: European Jihadism, France, Poor Suburbs, Middle Class.

The New European Jihadism and its Avatars

مقدمة

بدأت الجهاديّة1 الأوروبية، بالمعنى الدقيق للمصطلح، في فرنسا إبّان الثمانينيات من القرن الماضي؛ إذ كانت فرنسا بين عامي 1970 و 1980 هدفًا لأعمال إرهابية، مصدرُها الشرق الأوسط، وعلى نحو رئيس لبنان وفلسطين، نفّذتها جماعة أبو نضال وكارلوس، وارتبطت في مطلع التسعينيات بحزب الله. وكان إرهاب الدولة الإيرانية (اغتيال شهبور بختيار في 6 آب/ أغسطس 1991) قد ترك أثرًا عميقًا لم تكن له جذور ضاربة في المجتمع الفرنسي. حتى ذلك الحين، شهدنا - بشكلٍ رئيس - أعمالً إرهابية تورّط بها فاعلون أجانب أو فاعلون مرتبطون بنزاعات. وكانت النتيجة أنها وقعت في فرنسا. كانت المظالم المحلية هامشية، أو غير موجودة. وفي عام 1995، ضربت فرنسا موجةٌ جهاديةٌ، لها صلة أساسًا بالانقلاب العسكري في الجزائر ضد الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ومنذ ذلك الحين، بدأنا نكتشف أن ثمة أفرادًا، من الخارج أحيانًا أو من الذين عاشوا وترعرعوا في أوروبا، لكن غالبًا من أصول مسلمة (ومن معتنقي الإسلام على نحو متزايد)، أصبحوا متطرفين، ويسعون لشنّ هجمات من أجل مكافحة الزندقة والمعصية (الكفر)، ارتباطًا بتورط بلدان أوروبية في حروب في بلدان إسلامية (البوسنة، وأفغانستان، والعراق، وسورية، ومالي)، أو استنكارًا لانتهاك حُرمات الإسلام (مثل الرسوم الكاريكاتورية لنبي الإسلام التي نشرها أو رسمها صحافيون، أولً في الدانمارك، ثم في تشارلي إيبدو صحيفة الفرنسية.) وكانت سلسلة الهجمات الكبرى التي خلّفت انطباعًا دائمًا قد بدأت في أميركا مع هجمات 11 سبتمبر 2001، حيث راح ضحيتها نحو 3000 شخص، ثم هجمات مدريد في 11 آذار/ مارس 2004 التي كانت حصيلتها 191 قتيلً و 1858 جريحًا، وهجمات لندن في 7 تموز/ يوليو 2005 التي قتل فيها 52 شخصًا، إضافة إلى الإرهابيين أنفسهم، وجُرح نحو 700، ثم هجمات تولوز ومونتوبان في عام 2012 التي ارتكبها محمد مراح، حيث قُتل سبعة أشخاص، وهجمات مهدي نموش في نهاية أيار/ مايو 2014 في المتحف اليهودي في بروكسل، التي أدّت إلى مقتل أربعة أشخاص، وهجمات كانون الثاني/ يناير 2015، حين قُتل 17 شخصًا. انتشر في أوروبا، مع الحرب الأهلية في سورية، واعتبارًا من عام 2013، شكلٌ جديدٌ من الجهاديّة، كان لفاعليه الجدد الكثير من الخصائص الجديدة الأكثر تنوّعًا من ذي قبل. وتُعد الفترة 2013 - 2015 نقطة تحوّل في تاريخ الجهادية في أوروبا، إذا أخذنا في الحسبان تضاعف عدد الإرهابيين (الذي سيصل إلى 5000 شخص في نهاية عام)2015، في حين أن عددهم في أوروبا كان أقل بكثير حتى قيام تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش.) ومن سمات هذا التحول أيضًا، ظهور فئات جديدة من الإرهابيين، كانت إما غير موجودة قبل ذلك في أوروبا (من قبيل المراهقين من كلا الجنسين)، وإما ذات عدد هامشي (النساء والفتيات اللواتي يشكلن نحو 600 من أصل 5000 من الجهاديين المهاجرين إلى سورية والعراق، ومعتنقي الإسلام الذين يشكلون ما بين 20 و 30 في المئة من الجهاديين.) شكّلت الهجمات الإرهابية في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في باريس التي قُتل فيها 130 شخصًا على الأقل وأصيب أكثر من 413، حالةً جديدة، حيث وضع إرهابيون من أصول مغربية وبلجيكية وفرنسية خططهم في أحد البلدان الأوروبية (بلجيكا)، ونفّذوها في بلد آخر (فرنسا)، الأمر الذي أحدث حالة من الفوضى في صفوف أجهزة الاستخبارات في أوروبا، التي كانت تتعاون في ما بينها على أساس المصالح الوطنية، وليس على أساس المصالح والأخطار الأوروبية والعالمية. وتؤكد هجمات 22 آذار/ مارس 2016 في بروكسل أيضًا، ما يمكن تسميته "أ وْرَبة الجهاديّة"؛ فالخلايا التي نفّذت هجمات تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في باريس، هي نفسها التي كانت وراء هجمات آذار/ مارس 2016 في بروكسل. تؤدي سياسات الحكومات الأوروبية الخارجية دورًا في وقوع هجمات ضد بلدان محددة. ففي فرنسا، على سبيل المثال، هاجم خالد كلكال محطة مترو في عام 1995 نظرًا إلى مساعدة الحكومة الفرنسية الجيش الجزائري الذي أطاح الحكومة الشرعية للجبهة الإسلامية للإنقاذ. وفي السياق نفسه، قتل محمد مراح رجالً مسلمين من الجيش الفرنسي في عام 2012 بسبب مشاركتهم مع الحكومة الفرنسية في أفغانستان وبلدان إسلامية أخرى. وكانت هجمات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في باريس انتقامًا من قصف الطيران الفرنسي في سورية. وكذلك، كانت هجمات عام 2005 على مترو الأنفاق والحافلات في لندن، ردًا على التورّط البريطاني في الحرب على العراق التي شنّتها الولايات المتحدة. وقتلَ إرهابيون جهاديون يهودًا أوروبيين بسبب القمع الإسرائيلي للفلسطينيين. لكن، لم يكن لبعض الهجمات أسبابٌ جيوستراتيجية، فالهجمات تشارلي إيبدو ضد صحافيي في كانون الثاني/ يناير 2015 التي قام بها الأخوان كواشي، كانت بسبب انتهاك تلك المجلة لقدسية النبي محمد، ولم يذكر الاثنان أي دافع متعلق بالسياسة الخارجية. وأشار كوليبالي، وهو جهادي آخر قتلَ يهودًا في محل تجاري قريب من باريس، إلى "داعش" في ما يخص هجماته ضدهم، لكن السبب

  1. أقصد ب "الجهادية" شكلً عنيفًا للتعبئة باسم إسلامٍ راديكالي يتبنّى الجهاد ضد "الغرب الكافر" والبلدان الإسلامية التي تُعدّ آثمةً بسبب جاهليتها، أي نكوصِ ها إلى مرحلة وثنية شبيهة بالمرحلة التي سبقت الإسلام.

الرئيس كان الرسوم الكاريكاتورية للنبي التي نشرتها المجلة، على غرار ما فعل الأخوان كواشي. تؤثر العولمة2 أيضًا في الجهاديين الأوروبيين الذين يختلطون - في سورية والعراق ومالي واليمن وليبيا – بجهاديين آخرين، مع أن سماتهم اللغوية والثقافية تبقى مميِّزة لهم. وما إن يخرج الجهاديون من بلدانهم الأصلية، حتى يتعلّم كثير منهم أن يكون أتباع "أمة جديدة" (أمة يتخيّلونها)، فيصبحون غير مكترثين لمحنة مواطنيهم السابقين، ويصفونهم ب "الأوغاد." وينظرون إلى محنة هؤلاء، إذا ما تعرّضوا إلى هجمات إرهابية في أوروبا، باعتبارها ضررًا بسيطًا، مقارنة بما يُعانيه المسلمون في أوروبا من آثام الحكومات الغربية3. الإرهاب باسم الله ينفّذه جزء ضئيل من المسلمين في أوروبا، لكن أثره الاجتماعي الذي يُ زّق المجتمع ويخلق أزمة عميقة على مستوى الأساس الرمزي للنظام الاجتماعي، أكبر بكثير من عدد مرتكبيه وضحاياه.

أولا: أجيال عدة من الجهاديين الأوروبيين

يمكن تحديد أجيال عدة للإسلاميين الراديكاليين في أوروبا4، ممن يُ كن تسميتهم – وفق الاصطلاح البريطاني – "إرهابيين محليين"، بمعنى أنهم تربّوا وتعلموا في الدول الأوروبية. تبدأ أول حالة معروفة من هؤلاء مع الانقلاب العسكري في الجزائر في عام 1992 الذي أوقف الانتخابات البرلمانية التي جرت في كانون الأول/ ديسمبر 1991 وحصلت فيها "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" على أغلبية الأصوات. فتدريجًا، تولّدت من هذه الجبهة جماعة إرهابية، عُرفت باسم "الجماعة الإسلامية المسلحة"، كردّة فعل على إلغاء نتائج هذه الانتخابات. في فرنسا، تشكلت مجموعات جهادية صغيرة عدة، تهدف إلى معاقبة فرنسا على دعمها الجيش الجزائري، ونفّذت أيضًا عمليات عدة، منها قتل الإمام صحراوي، وهو من الجناح المعتدل في "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، في 11 تموز/ يوليو 1995 في باريس. وفي العام نفسه، فُجّرت قنبلة زُرعت في محطة سان ميشال/ نوتردام على الخط الريفي B في مترو باريس، أدّت إلى مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 117. وفي 17 آب/ أغسطس وقع هجوم آخر عند قوس النصر في صيب فيه باريس، أ 17 شخصًا في انفجار قنبلة محلّية الصنع. ثم وقع هجوم آخر، فاشل، على خط سكة الحديد السريع باريس - ليون في 26 آب/ أغسطس 1995. كان خالد كلكال، وهو شاب من أصل جزائري، متورّطًا في هذه الهجمات، إضافة إلى آخرين، منهم صديقه كريم كوسا وبوعلام بن سعد وبضعة جهاديين آخرين. وقُتل كلكال في مواجهة مع الشرطة في 29 أيلول/ سبتمبر.1995 بعد كلكال ومن دار في فلكه، نستطيع سرد حالة عصابة مدينة روبيه Gang Roubaix، التي كان معظم أعضائها من الذين قاتلوا في البوسنة في عامي 1994 و 1995، في أثناء الحرب اليوغوسلافية، إلى جانب الميليشيات الإسلامية. وبعد اتفاق دايتون في كانون الأول/ ديسمبر 1995 الذي أنهى هذه الحرب، عاد أعضاء الجماعة إلى فرنسا، ودبّروا عمليات سطو لتمويل "الحرب المقدسة." وعلى مدار عام 1996، سطا أعضاء هذه الجماعة التي ضمّت فرنسيين اعتنقوا الإسلام، من قبيل ليونيل دزمون وكريستوف كاز، وشبانًا من أصول مغاربية، منهم عمر زيميري ومولود بوغولان وحسين بنداوي، على محال ومؤسسات في المنطقة المحيطة بمدينتي روبيه وليل. وفي 29 آذار/ مارس 1996 تحركت الشرطة لمواجهة هذه المجموعة في روبيه؛ فقُتل أربعة من أعضائها في الحريق الذي اندلع في المبنى الذي يقطنون فيه، ونجح ثلاثة آخرون في الهروب، وقُتل واحد منهم في مواجهة مع الشرطة البلجيكية؛ وهكذا انفضّ ت العصابة. منذ ذلك الحين، وقعت هجمات مدريد 2004() ولندن 2005()؛ وأحبطت الشرطة هجمات أخرى في أنحاء متفرقة من أوروبا. وامتد الأمر حتى عام 2012، حين شهدنا هجمات ناجحة في فرنسا على يد محمد مراح، وهو شاب فرنسي من أصل جزائري. ففي آذار/ مارس 2012، قتل سبعة أشخاص وجرح ستة آخرون في تولوز ومونتوبان. والقتلى السبعة هم ثلاثة جنود فرنسيين، كلهم مسلمون من أصل مغربي، وأربعة يهود، فيهم ثلاثة أطفال. وبعد ذلك بعامين، في 24 أيار/ مايو 2014، اغتال مهدي نموش أربعة أشخاص في المتحف اليهودي في بروكسل. وبعد أقل من عام واحد، قتل الأخوان سعيد وشريف كواشي 12 شخصًا في هجومٍ على الصحيفة الأسبوعية تشارلي إيبدو في 7 كانون الثاني/ يناير 2015، عقابًا للصحافيين العاملين فيها على إساءتهم لنبي الإسلام في رسومهم الكاريكاتورية؛ وبعد يومين، في 9 من الشهر نفسه، قتل أميدي كوليبالي خمسة أشخاص، شرطية وأربعة يهود، وذلك كان بالتنسيق مع الأخوين كواشي، وكان قد التقى أصغرهما في السجن.

  1. Jenny Raflik, Terrorisme et mondialisation (Paris: Gallimard, 2016).
  2. Neumann Peter R., Die Neuen Dschihadisten, ISIS, Europa und die nächste Welle desTerrorismus (Berlin: Econ, 2015).
  3. Shahram Akbarzadeh & Fethi Mansouri, Islam and Political Violence: Muslim Diaspora and Radicalism in the West (London/ New York: I.B. Tauris,

ثانيًا: الخصائص النموذجية للجهاديين المحليين: الشباب من الضواحي الفقيرة إلى الطبقات الوسطى

ما المشترك بين هذه الأفعال؟ نستطيع تكوين صورة ل "الجهاديين المحليين" استنادًا إلى الهجمات التي وقعت في المدة بين عام 1995 تشارلي إيبدو والهجمات على في كانون الثاني/ يناير  2015 5؛ فجميعهم من الشبان الذين لديهم مشكلة مع القانون وتاريخ من الإيذاء، إما سرقة وإما تورّط في التهريب، ولديهم ملف للجنوح؛ إذ قضى معظمهم عقوبات في السجن مددًا مختلفة، وباستثناء خالد كلكال الذي يبدو أنه من أسرة "طبيعية" إلى حدٍ ما، عاش الآخرون طفولة غير سعيدة، غالبًا في مؤسسات الإقامة الداخلية، ولديهم تاريخ من عدم الاستقرار العقلي الذي جعلهم يعانون متاعبَ منذ سن مبكرة جدًا (وينطبق هذا أيضًا على زكريا موسوي المحكوم بالسجن مدى الحياة في عام 2006 في الولايات المتحدة لدوره في هجمات 11 سبتمبر 2001.) ولا أحد منهم تقريبًا كان يمارس الشعائر الإسلامية؛ إذ أصبحوا مسلمين و"ولدوا من جديد" أو معتنقين الجهاد، بتأثير مرشدٍ أو أصدقاء أو نصوصٍ قرؤوها على الإنترنت6 أو في السجن7. وأخيرًا، قامت غالبيتهم، إلى حدٍ بعيد، برحلة تنسيبٍ إلى أحد بلدان الشرق الأوسط، أو إلى منطقة حرب (العراق، وسورية، وأفغانستان، وباكستان.) ويُستثنى من ذلك أميدي كوليبالي الذي تأثر بجمال بقّال. وبالنسبة إلى معظمهم، نلحظ سلسلة من الحوادث، بدءًا من الحياة في ضاحية محرومة، أو في منطقة حضرية فقيرة في المملكة المتحدة، ثم الجنوح والسجن ورحلة إلى منطقة حرب، سْلَمة متطرّفة فأ. وجدت أغلبية الشبان المنحدرين من الطبقة الوسطى سبيلها إلى الجهاد بعد هجمات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في باريس. فهؤلاء الشبان، المنحدرون من الطبقة الوسطى أو الطبقة العاملة، هم غالبًا من الجيل الثاني من المهاجرين (كما هي الحال بالنسبة إلى معظم الجُناة في هجمات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر)، لكنّ المؤيِّد لداعش من بينهم كان من الجيل الثالث8. في المملكة المتحدة، كان كفيل أحمد، وهو واحد من مجموعة الأطباء والمهندسين الذين حاولوا ارتكاب هجوم إرهابي في مطار غلاسكو في 30 حزيران/ يونيو 2007، من مواليد الهند، وإذًا كان جهاديًا من الجيل الأول. وعلى نحو مماثل في الولايات المتحدة، كانت تاشفين مالك، زوجة الجهادي سيّد رضوان فاروق، مهاجرةً من الجيل الأول. وإذًا، لا شيء على وجه التحديد يخص مسألة الجيل.

ثالث ا: جهاديّة الشبان الساخطين أو تقديس الكراهية

يمكننا أن نُ يّز على أساس الطبقة الاجتماعية صنفين من الجهاديين: الذين ينحدرون من الطبقة الوسطى، والذين ينحدرون من الطبقات العاملة، وغالبيتهم من أصول مهاجرة، إلى جانب بعض معتنقي الإسلام حديثًا. في فرنسا، كان الشبان من الطبقة الوسطى الذين شاركوا في الهجمات الجهادية أقليةً صغيرةً قبل 13 تشرين الثاني/ نوفمبر.2015 يتصف العالم العقلي للشباب الساخطين، إذا ما استخدمنا الاصطلاح البريطاني، الذين يتبنون "الإس ماا الراديكالي"، بكراهيةٍ للمجتمع تولّدت من شعور متأصل لديهم بأنهم ضحية ظلم اجتماعي عميق وقع عليهم، فهم يعانون الإقصاء الذي يُثقل عليهم، ووصمة واضحة للجميع في لهجتهم ولغتهم مع عامّيتها الدارجة والتعابير (الإنكلو - عربية) المنزوعة من معناها الأصلي، إضافة إلى لغة الجسد التي يتصوّرون أنها معرَّضة للتهديد من المواطنين الآخرين. لذا قطعوا روابطهم مع المجتمع ورفضوا ارتداء زي موحد (حتى لو كان زي رجل إطفاء)، يجدونه تعبيرًا عن نظام قمعي. وتُحدَّد هويتهم بعدائهم لمجتمع "الاندماج"، سواء أكانوا فرنسيين أصليين أم من جذور مغاربية أم بريطانيين من أصل باكستاني، نجحوا في الارتقاء إلى صفوف الطبقة الوسطى؛ فعندما يشعرون بذلك في عيون الآخرين، يُدركون أنهم عرضة للتمييز. يوحي بذلك سلوكهم العدواني الذي ينطلق بسهولة، ليس ضد الآخرين فحسب، لكن أيضًا، وعلى نحو متكرر، ضد أفراد أسرهم الخاصة، ولا سيما الإخوة الصغار أو الأخوات الصغيرات اللواتي يتجرّأن على الخروج مع أحد الفتيان (هم أنفسهم يخرجون مع أخوات أصدقائهم، لكن المعايير المزدوجة تعمل هنا في ما يتعلق بالنساء.) ويُصبح غيتو الضواحي سجنًا داخليًا، وكراهية الذات كراهية للآخرين، وتقويمهم السلبي للآخرين قلة احترام للذات. ويغدو هدفهم الرئيس إظهار التمرد من خلال الأفعال السلبية، بدل من السعي لاستنكار العنصرية عبر الانخراط في المجتمع وحياته. لكن بعض زملائهم، وبفضل العمل الدؤوب، نجح في التغلب على الإقصاء

  1. يمكن الامتداد بهذا الاعتبار الوارد هنا ليشمل العقلية الجهادية على نحو أعمّ، ينظر: John Horgan, The Psychology of Terrorism (London: Routledge, 2005); Jerrold M. Post, The Mind of the Terrorist: The Psychology of Terrorism from the IRA to Al-Qaeda (New York: Palgrave Macmillan, 2007).
  2. Rüdiger Lohlker (ed.), Jihadism: Online Discourses and Representations (Göttingen: V&R unipress GmbH, 2013).
  3. Rüdiger Lohlker (ed.), New Approaches to the Analysis of Jihadism: Online and Offline (Göttingen: V&R unipress GmbH, 2012).
  4. Guy Van Vlierden, "Profile: Paris Attack Ringleader Abdelhamid Abaaoud," CTC Sentinel , vol. 8, no. 11 (November - December 2015), accessed on 31/7/2019, at: http://bit.ly/2MwmEzV

والدخول في مناخات الطبقات الوسطى. لكنهم نتيجة ذلك يغادرون الضواحي الفقيرة، وغالبًا ما يقطعون صلاتهم بأصدقائهم القدامى. يميل هؤلاء الشبان المهمَّشون، المرميون في منطقتهم المحلية أو حتى في بضع كتل من المنازل، إلى الجنوح والبحث عن المال السهل، كي يُحقّقوا أحلامَهم بالعيش في حياة الطبقة الوسطى. وأحيانًا يذهبون أبعد من ذلك عندما تقع أيديهم على مبلغ كبير من المال، فيبددونه مع أصدقائهم، حتى لو كان هذا يعني العودة إلى الجنوح الذي يصبح بالتدرّج إجرامًا. المحنة التي تؤثر في معظم هؤلاء أنهم ضحايا. ولذلك، هم متيقنون أن الوسيلة الوحيدة للتمتع بنِعَم الطبقات الوسطى هي الجنوح، فالمجتمع، من وجهة نظرهم، أغلق الأبواب الأخرى كلها. وبقدر ما تجد الكراهية متنفَّسًا في الجنوح، تهدأ من خلال الوصول إلى فترات قصيرة من الراحة المادية، عبر تبديد البضائع المكتسبة بطرائق غير مشروعة. لكن بالنسبة إلى أقلية ضئيلة منهم، الانحراف وحده لا يكفي، حيث يطلبون نوعًا من توكيد الذات، له ملامح عدة، منها استعادة كرامتهم المفقودة والرغبة في تأكيد تفوّقهم على الآخرين من خلال وضع حد لافتقارهم إلى احترام الذات. وهذا الأمر ملازم لوجدانهم، نتيجة لاستدخالهم الشعور بالتمييز المرتبط بالعيش في المناطق السكنية الفقيرة والجنوح والحياة غير المنظمة والخالية من أي استقرار عقلي، فالانتقال المفاجئ من الكراهية إلى الجهادية يكرّس غضبَهم ويُ كّنهم من التغلب على الشعور بالضيق من خلال التمسك برؤية ما، الأمر الذي يجعل منهم فرسانَ الإيمان، ومن الآخرين كفّارًا لا يستحقون الحياة. ومن ثم، يكون تغيير الحياة تامًا. وتصبح الذات طاهرة، وذات الآخر نجسة. يُنتج "الإسلام الراديكالي" مفعولً عكسيًا سحريًّا، يحوّل انعدامَ احترام الذات إلى عدم احترام الآخرين، وعدم الاحترام إلى تكريس للذات على حساب الآخرين. ومن الآن فصاعدًا، ينتهي الشعور بالتفاهة وعدم وجود رسالة أو مهنة، في مجتمعٍ الوسيلة الوحيدة للبقاء فيه، هي الأعمال الشاذة والجنوح. ويصبح المرء شخصًا حقيقيًا، ويفعل كل شيء للتأكد من أن الآخرين، خصوصًا وسائل الإعلام، يعترفون بأنه أصبح جهاديًا. إن وسائل الإعلام جزء لا يتجزأ من العمل الجهادي الذي لا يقوم إلّ من خلال الجمع بين العنف والتغطية الإعلامية، ما يجعل من فارس الإيمان الشاب نجمً عالميًا بسبب تصرّفه الأكثر ترويعًا. وكلما ازدادت المساحة المُكرّسة له في وسائل الإعلام، حتى بعد وفاته، ازداد فخره بشخصنة الأفعال المُطلقة، وذلك عبر إيمانٍ يرجع إلى الانتقال من عدم احترام الذات إلى كراهية الآخرين، ومن المعاناة من التمييز إلى شكل مُطلق للقداسة. وعبر القيام بذلك، تسعى الهوية التي تحطّمت روابطها بالآخرين، للانتقام لسوء حظها من المجتمع المعني، فيصبح هذا المجتمع مذنبًا في مجمله، ومن دون استثناء، أو يصبح - باستخدام اللغة الجهادية - زنديقًا أو كافرًا، لا بد من تدميره، حتى لو كان ذلك يعني التعرّض للقتل شهيدًا في سبيل القضية المُقدّسة. في المسار الجهادي للشبان المنحدرين من الضواحي المحرومة، يؤدي السجن دورًا أساسيًا، ليس في كونه سببًا للانتقال إلى التطرف، بل في إتاحة الفرصة لتغذية الكراهية للمجتمع من خلال العلاقات اليومية المشبعة بالتوتر والرفض، عند مواجهة السجانين، وعلى نحو أشمل، المؤسسة العقابية. ففي كل مرة يخرق السجناء اللوائح الداخلية للسجن، تُذكّرهم العقوبات بوجود نظام يتحدّون شرعيته، بسبب شعورهم الشديد بالظلم في صميم وجودهم. فهُم يشعرون بأن مصائرهم انحرفت بسبب سوء تفاهم أساسي مع المجتمع، ناتج من فشلٍ جزئي في تنشئتهم الاجتماعية. لا يأتي السجنُ بالسلام لبعض الشبان، بل يجد معظمهم فيه سببًا إضافيًا لكراهية المجتمع. وفي السجن، يشكلون علاقات مع مجرمين مخضرمين، من المحتمل أن يزيّنوا لهم منظورات جديدة للجنوح. وغالبًا ما ينضمون إلى "الإسلام الراديكالي" في السجن. ويعود ذلك، جزئيًا، إلى التبرّم من الإهمال في هذه المؤسسة التي تنظر إلى المسلم على نحو مختلف عن المسيحي أو اليهودي. ففي السجن يعاني الجانحون الشباب عدم احترام الإسلام، من الناحية المؤسسية وغير الشخصية، متمثلً في ندرة الأئمة أو قلة عددهم، وعدم السماح بإقامة صلاة الجمعة أو تأدية العبادات في ظروف مليئة بالشك المحيط بهم، ومن منع استخدام سجادات الصلاة في الساحة المخصصة للاستراحة ضمن السجن. إضافة إلى ذلك، تعمل هيمنة السلفيين9 على المسلمين في السجن بوصفها تمهيدًا للقطيعة مع المجتمع. فالسلفيون العاديون ليسوا جهاديين، لكنهم يتبنّون نسخة حصرية من الإسلام، تُساهم في التقليل من التنشئة الاجتماعية =[الاندماج الاجتماعي] للشباب من خلال تقسيم للناس، لا يمكن تجسيره، إلى مؤمن وغير مؤمن، ومسلم حقيقي مواظب على ممارسة الشعائر الدينية ومسلم مزيف متساهل وقليل الاحترام للمحرّمات الدينية. تبدأ قصة الشاب بانجذابه إلى الإسلامية الراديكالية؛ فقسوة السجن - إلى جانب الزمن الذي يقضيه وحيدًا من دون القيام بأي شيء -

  1. هناك، في أقل التقديرات، مجموعتان ممن يدعون السلفية في السجون الأوروبية، الأولى - وهي الأكبر – تُصنَّف بأنها "سلفية علمية"، أو "تقوية"، لا تمتلك طابعًا سياسيًا، بقدر ما تشجع الدعوة (الهداية)، لا الجهاد. وتضم هذه المجموعة أكثر من عشرة آلاف شخص في فرنسا. المجموعة الأخرى هي "السلفية الجهادية"، وهي أقلية، وتعتقد أن العمل العنيف ضد الحكومات "الوثنية" (الطاغوت) هو السبيل الوحيد لإنقاذ الإسلام، ينظر: Jacob Olidort, "What Is Salafism? How a Nonpolitical Ideology Became a Political Force," Foreign Affairs , 24/11/2015, accessed on 31/7/2019, at: https://fam.ag/2KdMrdz

تجعله عرضة لنداء العنف المقدّس. ففي السجن، ترتبط جاذبية الإسلامية الراديكالية بعملية عكس الأدوار التي تحدث في النفوس المضطربة للشبان. لقد أ دينوا وصدرت بحقهم أحكام بالسجن؛ ومن الآن فصاعدًا، يصبحون هم الذين يدينون المجتمع بأي أسلوب، ويأخذون دور القاضي، كما فرسان الإيمان في حربهم مع الكفار. ويعيد عكسُ الأدوار الثقةَ بالنفس إلى السجين، فيصبح شخصًا نبيل ينفّذ أمرًا إلهيًا. ونتيجة لذلك، لا يشعر الإسلاميون المتشددون بأي ندم أو لومٍ لأنفسهم عندما يواجهون مدى عنفهم ونزعهم الطابع الإنساني عن ضحاياهم، فهُم ينكرون على هؤلاء أي كرامة. ثمة واقعة أخيرة تقنع الجهادي المتتلمذ بمشروعية القضية التي يدافع عنها، تلك هي الرحلة إلى بلد في الشرق الأوسط، حيث تستعر الحرب المقدسة. كان مراح في باكستان وأفغانستان وبلدان أخرى تستشري فيها الإسلامية الراديكالية؛ وكان نيموش في تركيا واشتُبه بقوة في أنه عاش في سورية مدة عام كامل 2012() جنبًا إلى جنب مع الجهاديين؛ وكان الأخوان كواشي في اليمن، حيث تلقّيا تدريبًا عسكريًا عند تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، وربما يكون أميدي كوليبالي استثناءً، حتى لو أن هناك آثارًا تدل على أنه ذهب إلى تركيا وربما إلى سورية. وعلى أي حال، فإنه التقى الزعيم الجهادي بقّال الذي جعله على اتصال بشريف كواشي. في هذه الحالة، حل المرشدُ الزعيم محلّ رحلة التنسيب. في معظم الحالات، تؤكد رحلةُ تنسيب الجهاديين الشبان هويتَهم، عن طريق تجديد الروابط بطريقة ميثولوجية مع المجتمعات الإسلامية، على الرغم من حقيقة أنهم لا يتكلّمون لغتها، ولا يشتركون في عاداتها، إذ تمكّنهم هذه الرحلة من تعلّم كيفية التعامل مع الأسلحة. وفي الوقت نفسه، تمكّنهم أيضًا من أن يصبحوا "أجانب" بالنسبة إلى مجتمعهم. هناك، يتعلمون كيف يصبحون "وحشيين"، تحديدًا، وكيف يُعدمون الرهائن أو الأشخاص الذين يعدّونهم مذنبين (أفراد الشرطة، والجنود، واليهود، و"المسلمون السيئون)"، بطريقة محترفة ومن دون وخز الضمير، أو بتعبير آخر كيف يصبحون محاربين ملتزمين حقًا بالغلوّ الجهادي الذي ليس لدى ممارسيه على الإطلاق أي هواجس أخلاقية من قتل "المذنب."

رابعًا: جهاديو الطبقة الوسطى الجديدة

في عام 2013، قبل الحرب الأهلية في سورية، كان استثناءًالعثور على شبان من الطبقة الوسطى بين الجهاديين. ومنذ عام 2013، وإلى جانب الشباب من المناطق السكنية المتهالكة، بات هؤلاء يشكّلون نسبة كبيرة من الجهاديين المتحمّسين الذين توافدوا إلى سورية لتقديم خدماتهم، إما إلى داعش، أو إلى الجماعات الجهادية الأخرى، ولا سيما "جبهة النصرة" التي تميل في توجهاتها إلى تنظيم القاعدة. ووفقًا للإحصاءات المُتاحة، تشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 5000 شاب أوروبي ذهبوا إلى سورية، وأن محاولات كثيرة للذهاب إلى هناك (خصوصًا عبر تركيا) أ حبطت بعد أن أصدر عدد من البلدان الأوروبية قوانين منع هذه المغادرة. كان لتراكب اليوتوبيا الارتجاعية عن "الأمة الجديدة"، مع دور الفارس الأبيض الجهادي، سحرٌ لا يمكن إنكاره، ليس على بعض الشبان من الضواحي الفقيرة فحسب، لكن أيضًا ولأسباب مختلفة على شبان من الطبقة الوسطى الباحثين عن معنى لحياتهم، وأصبحوا يمثّلون​ المجموعة الثانية التي استهوتها النزعة الجهادية. هؤلاء الشباب من الطبقة الوسطى، وهم في كثير من الأحيان من المراهقين الذين تأخّر تطور شخصياتهم (يرى المحللون النفسيون أن المراهقة قد تستمر إلى سن 20 أو حتى 25، في ما يُسمّونه "المراهقة المتأخرة)"، ضخّموا حجم الاحتياطي الجهادي عن طريق التحوّل من أي دين تقريبًا إلى "الإسلام الراديكالي"، فمنهم مسيحيون محبطون يبحثون عن إثارة لا توفّرها الكاثوليكية التي أضفي عليها الطابع المؤسساتي، ومنهم يهود علمانيون تعبوا من يهوديتهم التي ما عاد لها جذور دينية، ومنهم بوذيون من العائلات الفرنسية الذين اعتنقت البوذية منذ زمنٍ وهم يبحثون عن هوية متجددة في خدمة الحرب المقدسة، خلافًا للتوجّه السلمي لهذا الدين في أوروبا. وهناك أيضًا فتيات، غالبًا من عائلات جيدة، انضممن إلى الحشد المتنافس على الجهاد المتصاعد، باحثات عن تجربة ما بعد نسوية، يتصوّرن أنها ستكون غرائبية بعض الشيء، وتُعطي حياتهن المملّة معنى إلى حدٍ ما. وعلى النقيض من الشباب المناطق المحرومة، فإن أبناء الطبقة الوسطى لم يحثّهم دافع الكراهية للمجتمع، ولم يعانوا في داخلهم الإقصاء الذي واجهه أفراد المناطق المحرومة، كما أنهم لا يَعدّون أنفسهم ضحايا. هُم يتذرعون بالأسباب الإنسانية لتبرير معارضتهم لنظام بشار الأسد الشبيه بالفاشية، وكثير منهم مر - قبل مغادرته إلى سورية أو العراق - بمرحلة يمكن وصفها بأنها "ما قبل جهاديّة"10. وتتعلق مشكلة هؤلاء بالسلطة والمعايير، فسلطة Authority الأسرة ضعفت اليوم بفعل نشوء وتطور أُسر الربائب11 Stepfamily، وأدّت حقوق الطفل إلى نشوء وضعيّة "ما قبل الراشد"، الذي هو - في كثير من الأحيان - مراهق

  1. Farhad Khosrokhavar, Radicalisation (Paris: Éditions de la Maison des sciences de l'homme, 2014).
  2. نمط من الأسر، يكون فيها لأحد الزوجين (أو لكليهما) أطفال من زواج سابق، يعيشون معه في زواجه الجديد، ما يجعل الأطفال أمام تعددية في الآباء: الأب البيولوجي والأب الذي يعيش معه.

فوق السن. إن الجمع بين هذا النهج من حيث الحقوق وتفتت السلطة نتيجة تعدد الآباء، والمجتمع الذي فقدت فيه المعايير حزمَها (بما في ذلك معايير النزعة الجمهورية)، كلُّها عوامل أدّت إلى أزمة في السلطة المرجعية، وهذا يُفسّ جاذبية اللجوء إلى معايير حازمة وسلطة قوية. حتى إن أقلية من هؤلاء الشباب المسحورين بذلك، الذين يعانون وجود الكثير من أولياء الأمور، لكن من دون وجود شخص واحد يتحمل المسؤولية كاملة، تودّ أن يكون الخطُ الفاصلُ بين ما هو ممكن وما هو غير ممكن مرسومًا بوضوح. تقدم إليهم المعايير الإسلامية هذه الرؤية باللونين الأبيض والأسود. فما هو ممنوع محدَّدٌ بوضوح شديد. ويمكّن "الإسلامُ الراديكالي" المرءَ من الجمع بين المُتعة التي يشعر بها المرء في لعبه والجاذبية القاتلة للإيمان الجهادي. فهو يمنح المرء الشعور بأنه يمتثل لمعايير معنوية، لكن أيضًا بأنه الوكيل الذي يفرض هذه المعايير على العالم، عن طريق عكس دَوْرَي المراهق والراشد (الشاب هنا هو الذي يفرض المعايير على الراشدين الخائفين)، وبأنه الشخص الذي يوطّد المعايير المقدسة ويفرضها على الآخرين تحت طائلة الحرب المقدسة. هؤلاء الشباب المفتونون بالجهاد هم تجسيد للمُثل النقيضة لمُثل أيار/ مايو 1968، حيث سعى الشباب آنذاك، لتكثيف المُتعة في لانهائية الرغبة الجنسية المُستعادة؛ أما في الوقت الحاضر، فالهدف هو تعيين مُعاملِات [باروميترات] الرغبة، وفرضُ القيود على النفس - عن طريق النزعة الإسلامية الصارمة - حيث يزيد ذلك احترام الذات. في الماضي كان المرء يسعى لتحرير نفسه من القيود والتراتبيّات غير المبررة، أما اليوم، فثمة سعيٌ فائق لهذه الأمور، حيث الطلب على المعايير المقدسة، البعيدة من الأحكام البشرية والقريبة من التعالي الإلهي. هذه المعايير التي أصبحت غاية في سياق الحرب المقدسة. في الماضي، كنّا فوضويين ونمقُت السلطة الأبوية؛ أما اليوم، فنحن نعيش في مجتمع خالٍ من المعنى. وتعيد النزعةُ الإسلامية الراديكالية، عبر الفصل بين دور المرأة والرجل، تأهيل نسخة مشوّهة من النظام الأبوي وتكرِّسها بالإحالة إلى إله قاسٍ ومتعنّت، على النقيض من قيم النظام الجمهوري المخففة، أو المسيحية المُفرطة في إنسانيتها. بقي أيار/ مايو 1968 متواصلً، ورأت حركة الهيبيين في نفسها استمراريةً له، جسّدتها في البحث عن الإثارة في الرحلة الغرائبية إلى كاتماندو أو إلى أفغانستان التي لم تكن قد سقطت بعد تحت سيطرة حركة الجهاد. أما حاليًا فإن رحلة التنسيب هي بحث عن الطهارة في مواجهة الموت في سبيل الشهادة. كان تحرير النساء جزءًا لا يتجزأ من أيار/ مايو 1968، أما الآن فالشابات في حقبة ما بعد النسوية يؤكدن تبرّمهن من النسوية التي جلبت لهن المساواة الشكلية، ويتعيّ عليهنّ الاضطلاع بها إلى جانب مخاطر حريةٍ يتزايد عبء تحمّلها عند مواجهة عالم لا يزال مفرط الذكورية في الامتيازات والمصالح. إلى جانب أوهام المعايير المقدسة، نجد أيضًا السعي لتحقيق العدالة لسورية، حيث قتل نظامٌ متعطشٌ للدماء أكثر من 250 ألف شخص، وفقًا لتقديرات مختلفة، وأجبر ملايين عدة آخرين على اللجوء إلى بلدان الجوار. يتماهى هؤلاء الشباب مع صيغة للمساعدة الإنسانية تعمل تحت إشراف ما يسمى "جهاديّة الرعاية"، فهناك - حيث أثبت الغرب عجزه عندما واجه دكتاتورية متعطشة للدماء - اعتزم هؤلاء الشباب المسلّحون بإيمان ساذج محاربة الشر باسم صيغة دينية، في حين أنهم لا يدركون الجوانب الوحشية والمهينة للكرامة البشرية في هذه الصيغة. قد يحدث الانتقال تدريجيًا، كما كانت الحال بالنسبة إلى بعض أفراد عصابة روبيه، مثل كريستوف كاز الذي شارك في المساعدات الإنسانية إبان التسعينيات، وبعد ذلك أصبح إسلاميًا راديكاليًا. بصرف النظر عن أفراد مرحلة ما بعد المراهقة، يفرض انتماء الراشدين الشباب من الطبقة الوسطى إلى الجهاديّة، في نسختها التي جرى تصديرها إلى سورية، سؤالً عن الشعور بالضيق لديهم، وهم الذين يعانون انحطاط النظام السياسي، إضافة إلى سخطهم من عدم وجود العدالة في سورية، التي تسلّط الضوء عليها وسائل الإعلام بقوة، حيث ترتكب جرائم ضد الإنسانية ذات أبعاد وحشية. أما شباب الضواحي المحرومة، فالقاعدة العامة لسلوكهم هي أن يكون فوق السياسة Supra-Political أو تحتها Infra-Political، فيكون الانشغال بالذات، أو الانسحاب إلى الغيتو، أو - مرة أخرى - إلى العنف في صورته الدنيئة (الإجرام) أو المقدسة (الجهاد.) وهذه كلها مواقف تتموضع، فوق السياسة، أو تحتها12. وفي الطبقات الوسطى، ولأن سياسة الثمانينيات مرّت بأزمة كبرى، نشأ جيل بأكمله من دون مرجعيات سياسية على الإطلاق. ولذلك، بزغت الجهادية لدى هؤلاء نتيجة لتلاشي السياسيّ في حياتهم، بما هو مشروع جمعي يولِّد الأمل.

خامسًا: اختراع الأمة الجديدة

اخترع "الإس ماا الراديكالي" أمة جديدة غبّ الطلب، لا شأن لها مطلقًا بالتقاليد التاريخية لدين الله. فمن الناحية التاريخية، وجِّهت نداءات التضامن الإسلامي إقليميًا أو وطنيًا إلى المجتمع المسلم أو الأمة. وكانت موجّهة، منذ القرن التاسع عشر، ضد الاستعمار الغربي. كانت الأمة التاريخية في التاريخ الفعلي للمجتمعات الإسلامية تشمل المسلمين جميعهم، لكن الانقسام السُنّي - الشيعي منذ وقت مبكر حدّد نطاقها. أما الإسلاميّة الراديكالية، فوجَدَتْ من الصفر جماعة إسلامية موهومة على مستوى الكوكب، لا نظير لها في التاريخ. هذه الأمة الجديدة هي يوتوبيا خطرة في كل شيء، مثل خطر يوتوبيا

  1. Michel Wievorka, Societes et terrorisme (Paris: Fayard, 1988).

المجتمع اللاطبقي، أو يوتوبيا مجتمع السماوات على الأرض في عصر الألفيات السعيد، وهي مثل تلك اليوتوبيات الحمقاء كلها، تحمل معها خطر استخدام العنف المطلق في الحياة الواقعية من أجل تطبيقها. في الأمة الجديدة، يُنكَر تطوّر المجتمعات الإسلامية، ويتم الدفاع حرفيًا عن العودة النقيّة والبسيطة إلى عصر السلف الصالح (صحابة النبي محمد والتابعون إلى الجيل الثالث بعد الهجرة)، من قبيل إضفاء الشرعية على ممارسات مثل الرق. من هنا، استُعبِد الأيزيديون في العراق أو قتلوا، وسُبيت زوجاتهم وبناتهم، واستعيدت إلى حيز التنفيذ مرة أخرى الأشكال البدائية من قانون تاليون [العين بالعين والسن بالسن] (القصاص)، وبُرِّرت الأحكام المقتضبة على أساس الشفافية المفترضة لأحكام الشريعة الإسلامية. تنتاب "الجهاديين" الشباب رغبة ساحقة في أن يكونوا جزءًا من الأمة الجديدةِ، نقيضةِ مجتمعاتهم التي لا تروق لهم. ولرفع ثقتهم بأنفسهم، يتيح لهم الإسلام الجهادي مكانة البطل المطلق، مكسوّة بهيبة الشهادة التي يجسّدونها بوصفهم مجاهدين. إنهم سيقتلون ويروعون ويكونون مكروهين، لكنهم فخورون بالمكانة الجديدة التي اكتسبوها بحكم احتلالهم الصفحات الأولى في وسائل الإعلام، متغلبين على التجاهل والصَّغار عبر التشويق الرديء الذي يمارسونه على وسائل الإعلام. ففي هذه الوسائل تنتشر صورة "الشخصية الرئيسة" التي يقدّرها، خصوصًا باعتبارها تثير الخوف المُطلق في الآخرين. ومن الآن فصاعدًا، يغدو الجهادي "شخصًا" نجح في استبدال الازدراء الذي ينظر من خلاله الناس "البيض" إليه بالخوف من الموت الذي يشلّهم. إنه مستعد للموت والقتل، في حين يخشى الآخرون ذلك حفاظًا على حياتهم، ولذلك هو الأفضل. وبطريقة ما، يعتقد أنهم يقرّون بذلك من خلال تكريس "الصفحات الأولى" في وسائل الإعلام والقضايا كلها حصرًا له.

سادسًا: الجهادية وغياب يوتوبيا سياسية

منذ الثورة الفرنسية، أدّت السياسة دورًا كبيرًا في الطريقة التي يعرِّف بها المواطنون أنفسهم، كما أدّت أدوارًا عدة، تمحورت حول التنشئة الاجتماعية للمواطنين، وتقدمهم السياسي والاجتماعي على مر الزمن، وآفاق تحقق ذلك في المستقبل. وحتى إذا كانوا فقراء، أمكن المواطنين أن يأملوا بتحسين أوضاعهم، لا فرديًا فحسب، بل عن طريق التماهي مع قضية عالمية، مثل تحرير البروليتاريا من نير الرأسمالية، أو - مرة أخرى - تحقيق المساواة الجمهورية من خلال التعليم وتدخّل الدولة. وأدّت السياسة أيضًا دورًا أساسيًا في ذاتية المواطنين، وذلك من خلال تذويتها Subjectivization وتحمليهم المسؤولية عن كرامتهم. كان من الممكن أن يكون المرء فقيرًا (من قبيل عاملٍ غير ماهر)، لكنه يظل محترمًا، ويُ كّن التماهي مع عمّ ل آخرين في قضية مشتركة من التغلّب على الشروط المادية، سعيًا لتحقيق المجتمع المثالي في مرحلة ملائمة في المستقبل. تحطّم هذا البنيان المدني في العقود القليلة الماضية، وما عاد هناك أي أفق أمل، خلافًا للماضي عندما كان يرى جميع المواطنين أن جيل أطفالهم من شأنه أن يكون في وضع اجتماعي واقتصادي أفضل من وضعهم. في هذه اللحظة، يساور الشباب، حتى أولئك المنحدرين من الطبقات الوسطى، الخوف من ميل الحراك الاجتماعي نحو إحداث تدهور في مكانتهم. أما أولئك المنحدرون من الطبقة العاملة، فيبدو للغالبية العُظمى منهم أن تحسين أوضاعهم من خلال الوسائل القانونية أمر غير واقعي. وباختصار، تكاد تكون الآمال المعقودة على الحراك الاجتماعي، معدومةً بالنسبة إلى الجميع تقريبًا. ويتشارك الشباب من الطبقة الوسطى الذين يخشون ميل الحراك الاجتماعي نحو إحداث تدهور في مكانتهم، والشباب من الضواحي المحرومة الذين ليس لديهم ثقة بحصول تقدم في قضيتهم في المستقبل، عدم وجود آفاق مستقبلية. ترمم الجهاديّة هذا النقص في الآمال على أسس زائفة لا يأخذها الشباب في الحسبان في بحثهم اليائس عن يوتوبيا تعطي حياتهم معنى عن طريق المقدس (ما هو فوق - سياسي)، والوعد بمنظورات تحقق النهوض الاجتماعي (ما هو تحت - سياسي.) وفي كلتا الحالتين، تُعدّ اليوتوبيا الجديدة في الوقت نفسه مبالغة (فوق - سياسية) وتقزيمًا (لا ترقى إلى السياسة.) والنتيجة هي رؤية سياسية مفرطة في القمعية والرجعية، لكنّ الشباب لا يدركون ذلك. في أوروبا، حيث السياسة في طريق مسدودة وليس ثمة مشروع عالمي للمجتمع، يكون الشباب عرضة لأشكال ميثولوجية من التسييس، حيث الوعود بالسعادة على الأرض، باسم أمة جديدة موهومة ورؤية بطولية عن المقاتل في سبيل الإيمان، تُضفي معنى على حياة خالية تمامًا من أي أمل في المستقبل.

سابعًا: انحطاط اليوتوبيات الاجتماعية

كشفت هجمات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 في باريس عن مدى الشعور بالضيق لدى الشباب، ومدى تماهي عدد منهم، من الطبقات الدنيا أو الوسطى، مع أيديولوجيا قمعية تحلّ الآن محل اليوتوبيات الاجتماعية، من قبيل النظام الجمهوري والشيوعية. فمنذ التسعينيات، أدّت الأزمة في الأيديولوجيات ذات الطابع اليوتوبي إلى

جاذبية "الإسلام الراديكالي"، من حيث هو يوتوبيا "متعالية"، تملأ الفراغ الأيديولوجي في المجتمعات الحديثة. تعاني فرنسا، كما يحدث اليوم، شكلً معمّقًا من الضائقة، لأن أساس الحياة الاجتماعية بعد ثورة 1789 كان سياسيًا. فالمواطن يُعرَّف في المقام الأول من طريق التزامه بالميثاق السياسي المؤسِّس للدولة - الأمة بوصفها ممثلة للمواطنين، وتُصبح السياسة مبدأ الالتزام بالمشروع الجمهوري، وفي الوقت نفسه، تماهي المواطن مع مبدأ له معنى، من شأنه أن يُ كّن من تحقيق الحرية والمساواة والإخاء، في نقطة ما في المستقبل، وفي الوقت الملائم. لكن أزمة المساواة والإخاء، تعني أن المساواة في المواطنة، بوصفها مشروعًا مستقبليًا، أمرٌ مستحيل، ولا سيما لمن تعرّض للإقصاء؛ إذ انتهى أي أمل بالسياسة في المستقبل. والمثال الأخير على ذلك كان الحركة من أجل المساواة في عام 1986، وهي حركة علمانية تمامًا. والنتيجة أن "الإسلام الراديكالي" حلّ محل مشروع المواطنة. ومن الآن فصاعدًا، وبالنسبة إلى أتباع الجهادية، ستتحقق المساواة في الموت، وليس في الحياة، ويتحقق الإخاء في قتل العدو، وتتحقق الحرية في الرغبة في إيقاع الموت من حيث هم ممثلو الله، وهو إله لا يرحم، وبعيد جدًا من التعاليم الإسلامية، اخترعه أولئك الذين لا يرون في العقيدة إلّ مبرِّرًا للقتل، بدلً من الوعد بحياة سعيدة في عالم يعيش فيه الناس بسلام. تسلك الجهاديّة وكأنها بديلٌ من أيديولوجيات اليسار المتطرف، مثل "منظمة العمل المباشر" في فرنسا، والألوية الحمراء في إيطاليا، أو بادر - ماينهوف في ألمانيا. وما تبقى من هذه الجماعات اليسارية ينقل إلى الجهاديّة بعض المعتقدات من هذا الاتجاه، ولا سيما أنهما تشتركان في "معاداة الإمبريالية"، فالإسلاميّة الراديكالية تعارض الهيمنة الأميركية، وإلى حدٍ بعيد الأوروبية، على البلدان الإسلامية، وعلى العالم الغربي أيضًا.

ثامن ا: الجهادية والمجتمعات المُفرطة في العلمانية

يجب أن يُفهم اللجوء إلى الجهادية في أوساط الطبقة الوسطى بوصفه ناتجًا من كل من جاذبية عالم الأحلام الذي يقدمه داعش إلى الشباب13، والفراغ الذي يواجهونه في حياتهم اليومية، حيث يُحظر - بطريقة لا واعية وإلى هذا الحدّ أو ذاك - أي "معنى مقدس"، فليس من المستغرب أن بضعة من الجهاديين الشباب الذين جُنّدوا ينحدرون من عائلات يهودية علمانية. وتنطبق الملاحظة نفسها على الكاثوليك والبروتستانت، حيث ينحدر كثير من أولئك الشباب من عائلات علمانية لا دينية. ونسبة كبيرة من الشباب لا تؤيد العلمنة المفرطة Hyper-Secularization التي تسود في المجتمع، إذ ترفضها الأسرة وتوجّه المجتمع العام. وتشعر أقلية من الأجيال الجديدة بأن هذا الأمر مسؤولية، أكثر من كونه أمرًا بدهيًا وأصلً من الأصول. إن نزع القداسة على المستوى العالمي، الذي يشمل تدهور المسيحية، وعلى نحو أشمل فقدانَ المعنى في الأديان المُمَ سسة، يجعل المخيلة ميّالة إلى البحث، في مجاهل عوالم تراتبية جديدة، عن الامتلاء بالمعنى الذي لم يتوافر في موضع آخر لهؤلاء الشباب الذين يعانون غياب مرجعية مؤسساتية للمقدس. ترى أقلية من الشباب التوّاقين، أن "نزع المأسسة" عن المسيحية في فرنسا خصوصًا، وفي أوروبا عمومًا، يُحرّر الدين من أغلال التقاليد، في حين يرى آخرون أن هذا يؤدي إلى البحث عن المعنى في الطائفية بأشكالها كلها. وبالنسبة إلى البعض، يُ ثّل هذا شكلً من أشكال الانعتاق، لكنه بالنسبة إلى الآخرين مصدرُ كربٍ نظرًا إلى غياب معالم المقدس. ينطوي السعي للإسلام الجهادي على معانٍ ملازمة للجوانب الغرائبية المدهشة في إيمانٍ يوفر شعورًا قويًا بالمقدس. ولا يدل تصلُّبه الشديد إلا على رفض خفوت وهج الأبطال/ المقدس في المجتمع الراهن. وإضافة إلى ذلك، تشجع كثرة التصدّعات في أ سر الربائب البحثَ عن معنى للحياة ينسجم مع مقدس قمعي، حيث يتحوّل غياب السلطة إلى سلطوية غير مرنة في داخل "الإسلام الراديكالي"، المرغوب فيه بسبب طابعه الصارم القمعي. ويبدو أن كل شيء يشير إلى أن الشباب المنحدرين من الطبقات الوسطى يبحثون عن المغامرة والرومانسية الثورية والرغبة في تجربة شكلٍ من "الآخرية" (المقدس) والرغبة في إثبات الذات من خلال الانقياد طوعًا إلى شكل قمعي من تأويل المعنى. ففي المجتمعات الأوروبية التي يترادف فيها فرط العلمانية مع إنكار أي تعالٍ، يعود المقدس متّخذًا شكل تكوينٍ قمعي. وينتج هذا من الرغبة في إثبات الذات من طريق الاتصال مع الآخر (تجربةُ شيء مختلف جذريًا)، وكذلك من طلب سعادةٍ تناقض كآبةَ مجتمع تخشى فيه نسبة كبيرة من الشباب من أن يحوّلها تدهور الحراك الاجتماعي إلى كادحة. إن التطلّع إلى الجهادية هو، في الواقع، بحث عن المعنى عبر "إضفاء الطابع الجهادي" على علاقة المرء بالعالم، والاشتراك في شكل من أشكال التعالي القمعي، والافتتان بضرب من الخبرة الدينية تناقض تمامًا "الابتعاد من التدين"، السائد في المجتمعات الأوروبية، الذي هو حصيلة العلمنة المفرطة.

  1. يعتقد بعض الباحثين أن داعش هي ثورة، ينظر: Scott Atran, "ISIS is a Revolution," AEON, 15/12/2015, accessed on 31/7/2019, at: http://bit.ly/2MtYxC7

حتى عام 1968، كان معنى "التحرر" يشتمل على التخلص من آثار أي تعالٍ غير مبرر: النظام الأبوي والأشكال المؤسسية للدين المسيحي (ولا سيما الكاثوليكية) ورفض التراتبيات الهرمية والرغبة في الإشباع الجنسي خارج الإطار الذي تفرضه التقاليد والسعي للمعنى من خلال الفردانية والبحث عن السعادة الشخصية. وفي الوقت الحاضر، لم يبقَ كثير من الأشكال التراتبية التي كانت سابقًا ليتمّ تحدّيها أو هدمها، فقد حلّ محلها شكلٌ جديد من أشكال القلق، وهو نوع من العزلة في عالم يعاني تراجع المعنى على مستويات الوجود كلها؛ وعلى مستوى أماكن العمل (ليس ثمة أي تنظيم جماعي قوي على المستوى النقابي)، وعلى المستوى السياسي (ليس ثمة أي حزب يمثل المقدس، كما كان الحزب الشيوعي سابقًا، أو النزعة الجمهورية التي تؤلف عن طريق الإخاء ما بين الحرية والمساواة.) وما عادت المواطنةُ السياسية التي حكمت العلاقة بالمقدس فاعلةً، وباتت تعني – تحديدًا - أن الاتّكال على الدين هو شأن خاص جدًا. من هنا، أصبح اللجوء إلى "دين عام"، تحت ستار إسلام أضفي عليه طابع متطرف، أمرًا جذّابًا ون على غياب أي معنى جدًا في نظر عدد من الشباب الذين يتحسّ.

تاسعًا: استشهاد أنثوي أم ما بعد نسوية رجعية؟

في أوروبا عمومًا، وفرنسا خصوصًا، نشهد منذ الحرب الأهلية في سورية ظهور الجهاديات الإناث. وتكمن جدّة الموضوع، على نحو خاص، في الزيادة الملحوظة في عددهن (سابقًا، كانت الجهاديات استثناءً؛ وحاليًا ثمة مئات عدة من النساء الأوروبيات في سورية، وغيرهنّ ممن يرغبن في الذهاب إلى هناك، لكن السلطات تمنعهن)ّ. هناك خصيصة أخرى تميّز هؤلاء النساء الشابات، هي أن هناك عددًا لا بأس به من المراهقات أو ممن في سن ما بعد المراهقة، جنبًا إلى جنب مع غيرهن من النساء اللواتي في العشرينيات أو الثلاثينيات من أعمارهن. وتعيشُ هؤلاء المراهقات، أو ممن في سن ما بعد المراهقة، غالبًا، في عالم الأحلام، وهو ليس نتاجًا لنزعة جهادية، بل هو، في أحسن الأحوال، حالة ما قبل - جهادية، ومن ثم، يُسقطن الأوهام على مشاركتهن في الجهاد، وهي مشاركة لا تمتّ بصلة إلى واقع العالم الأيديولوجي والذهني للتطرف، بالمعنى الدقيق للكلمة. الخصيصة الثالثة للجهاديات الأوروبيات هي أن أغلبيتهنّ تنحدر من الطبقة الوسطى، لا من الطبقة العاملة، ولا من الضواحي الفقيرة. هناك سمة نوعية رابعة، هي أن عددًا كبيرًا جدًا منهن ممن اعتنق الإسلام: من أصول مسيحية ويهودية (حالات قليلة) أو حتى بوذية دَة أو من عائلات لاأدرية أو مُلح. ولمّا كانت هؤلاء النسوة من الطبقة الوسطى، فإن كراهية المجتمع - على غرار الرجال من الطبقة الاجتماعية نفسها14 - ليست هي الدافع الرئيس لرحيلهن إلى مناطق الحرب في سورية. هنا، تتفاعل عوامل عدة؛ ففي المقام الأول، ثمة رؤية مشوّهة للعمل الإنساني، فإخوانهن في الدين (أهل السُنّة) يحتاجون إلى مساعدة، وهم يواجهون الزندقة وقوة الشر ممثلة بنظام الأسد (وهو من الطائفة العلوية التي يعدّها أهل السُنّة فرقة منحرفة)، ومن ثم، يجب على الواحدة منهن حمل السلاح لتكون جنبًا إلى جنب مع الرجال. كذلك فإن صورة الرجل المثالي هي نقطة محورية لديهن، ومعظمهنّ في سن ما بعد المراهقة، ويشعرن بخيبة الأمل من القيم النسوية لأمهاتهن وجدّاتهن. وهناك ما يقترب من إضفاء الطابع المثالي على الرجولة الذكورية لأولئك الذين يعرضون أنفسهم للموت ويبرهنون – عبر هذه المواجهة - عن رجولتهم وجدّيتهم وصدقهم. تُعطي هذه الصفات الثلاث معنى ل "الزوج المثالي"، وإضافة إلى ذلك، يبدو هذا الزوجُ "رزينًا"، فمن خلال قتال العدو، يكشف عن التزام دائم، على عكس الشبان الذين يكشف سلوكهم عن جوانب من عدم النضج والميوعة في نظر هؤلاء الفتيات اللواتي يبدو أنهن تخلّصن من صورة الأب. إنهنّ يبحثن في الغلوّ عن شكل من أشكال الذكوريّة، المقترنة بجاذبيةِ رباطة الجأش في مواجهة الموت. ويجسّد هؤلاء الشبان المستعدون للاستشهاد "كليشيه" الرجل المثالي. وأخيرًا، السمة الثالثة لهؤلاء الشبان هي صدقهم؛ إذ لمّا كانوا يقبلون الموت من أجل مثلهم الأعلى، فالأرجح أن يكونوا "صادقين" مع زوجاتهم؛ فدرجة الوثوق بهم تقوَّم من منظور قدرتهم على إثبات أصالتهم في ساحة المعركة. هذا النموذج للشاب الذي يُجسّد فضائل الصدق، هو على ما يبدو النموذج المثالي للرجل الذي يجب الزواج منه، لتجنّب الشعور بالضيق من عدم الاستقرار والهشاشة المتزايدة التي تميز الزيجات الحديثة. نشأت هؤلاء الفتيات، في الغالب، في أ سر الربائب في فرنسا، وعانَي هشاشة العلاقات الزوجية بين الوالدين وفقدان الذكوريّة في إجراءات الطلاق. ويرفضن كلً من صورة الرجل وصورة المرأة، كما تظهر في المجتمع الحديث، ويبحثن عن شكل من أشكال اليوتوبيا، بالمعنى الأنثروبولوجي الذي يكون فيه الشعور بالثقة والإخلاص المطلق مترافقًا مع شعورٍ ب "عدم مساواةٍ مقبول." تتقن المواقع الإلكترونية القريبة من داعش كيفية التلاعب بمشاعر هؤلاء الفتيات واستغلال هذا النوع من الافتتان من خلال الحديث عن الصورة النبيلة للمرأة، المحميّة ظاهريًا من عدم الاستقرار

  1. David Thomson, Les Français Jihadistes (Paris: Les Arènes, 2014); Dounia Bouzar, Ils cherchent le paradis, ils ont trouvé l'enfer (Ivry-sur-Seine: Éditions de l'Atelier, 2014).

الحديث ولديها ثقة مطلقة في الرجل الذي يبدو سندًا كبيرًا (إنه "بطل)" وقامةً من القوة لا تتزحزح (إنه غير مخنث أبدًا، ويعرف كيف يحارب ويواجه التحدي في الشدائد.) وقبل كل شيء، يُجمَع بين رؤية رومانسية ساذجة للحب وجاذبية الحرب، أو حتى العنف. ويبدو أن بعض هؤلاء الشابات مفتون بعنف الحرب15. وإضافة إلى ذلك، خدمت الشابات، في الموجات الأولى التي ذهبت إلى سورية، "مجنّدات" يرسلن رسائل البريد الإلكتروني، ويكتبن تدوينات، ويعطين صورة مثالية عن حالة زوجة "المجاهد" في سورية. وفي بعض الأحيان، تقترن هؤلاء المهاجرات - بمجرد وصولهن - بأوروبيين انضموا إلى صفوف المقاتلين الجهاديين في سورية، مثل خديجة داري التي قدمت إلى سورية من لندن وتزوجت بسويدي يقاتل إلى جانب داعش، سمّى نفسه "أبا بكر"16. في بعض الحالات، لا يُبهر عنف الحرب الرجالَ فحسب، بل النساء الشابات أيضًا. والحياة في هذا الوضع "الخاص" تفترض معنىً وشدةً، وهو ما يعني أنهن ينسين للحظة الوضعيةَ المتدنية للمرأة التي يخفيها مفهوم "الدور المكمل." إن التقارب الثقافي بين الرجال والنساء في المجتمعات الغربية يعني، أيضًا، أن العنف لا يُنظَر إليه كما كان في الماضي باعتباره ميدان الرجل حصريًا، بل يمكن المرأة أن تشارك أيضًا فيه على نحو غير مباشر، على الأقلّ عبر ممارسته تجاه النساء الأُخريات الموصوفات بالزندقة (على سبيل المثال، عُهد إلى النساء الغربيات الشابات اللواتي اعتنقن الإسلام والتحقن بداعش، تسيير وإدارة "المواخير الإسلامية" التي جرى فيها سبي الأيزيديات والمسيحيات واستعبادهن، واستخدامهن لإشباع الرغبات الجنسية للمقاتلين. وهؤلاء هنّ أعضاء "لواء الخنساء"، وهي قوة الشرطة التي تفرض الشريعة على النساء.) في بعض الأحيان، هاجرت الأسرة برمّتها إلى سورية، ونتيجة لذلك، تلتقي الأمهات والبنات في هذا اللواء. وفي حالات أخرى، يحدث هذا اللقاء بالأخوات اللواتي غادرن معًا (حالة التوأم في سن 16، سلمى وزهرة هالاني اللتين انضمتا إلى هذا اللواء.) ومن خلال إدراج بعض من هؤلاء الفتيات الصغيرات في ألوية مخصصة لتطبيق تفسير داعش للشريعة، تفوّضهنّ الشخصيات البارزة في داعش بشكل من أشكال الشرعية، وعلى وجه الخصوص، تمنحهن سلطة على غير المسلمات، أو على "المسلمات السيئات" اللواتي غالبًا ما يكنّ أكبر منهنّ سنًا. تمنحهن هذه السلطة القمعية الشعور بأنهن أصبحن راشدات من خلال طقس العبور الذي يمثله تأكيد سلطتهن على النساء الأخريات. وتشجع هذه السلطات نفسها هؤلاء الفتيات الصغيرات على الزواج من المقاتلين، ويٌفضّ ل الأوروبيون منهم. ويصُرَّح بأن الفتيات المراهقات صالحات للزواج (حتى في سن تسعة أعوام، لكن هذا لا ينطبق على حالة الشابات اللواتي غادرن إلى سورية) وأسسن عائلة تتولّ الدولة الإسلامية تلقين العقيدة لأطفالها. ولذلك، يتباهين بحماستهن لفكرة تأسيس عائلة "إسلامية" اجتماعيًا، يتمكنّ فيها من أداء الدور المثالي للأم في ظلّ دولة الخلافة. كل ذلك يعني أنهن لا يدركن أن أهميتهن هي وهمٌ، وأنّ مكانتهن – من حيث هنّ نساء - متدنية، بل إن هذا شيءٌ يرفضن رؤيته في الوقت الحاضر. كثيرًا ما عانت هؤلاء الفتيات الصغيرات عدم استقرار الزواج الحديث، أو تعرضهن إلى هذا الشعور في جيلهن. ونتيجة لذلك، يرضي الاتحاد "الأبدي" مع أحد أبطال الإيمان سعيهن للحصول على رابطة رومانسية غير قابلة للتدمير، قوامها الحب المشروع دينيًا. وهذا من شأنه أن يمكّنهنّ من الهروب من علاقات الصداقة الخاطئة بين الفتيان والفتيات في العالم الغربي الرتيب الخالي من العنف: المناخ المحبِّذ للحرب، وأسطورة النقاء الإسلامي تحت حكم داعش، وفكرة بطولة رجالهنّ، وكرامتهن المحفوظة كأمهات في المستقبل، وأخيرًا هذا العالم الذي يُصبح فيه العنفُ تسليةً وترفيهًا، ذلك كلّه، الذي يفتن ألبابهنّ، مختلف تمامًا عن بلدانهن التي قدمن منها.

عاشرًا: الفحولة الذكورية والقوة والسلطة وأزمة الهوية

تميل العائلة من الطبقة الوسطى الحديثة على نحو متزايد إلى أن تكون أسرةَ ربائب معاد تكوينها. فهناك نوعان من الآباء (الأب البيولوجي والأب "القانوني)"، واثنتان من الأمهات (الأم البيولوجية والأقل تكرارًا في كثير من الأحيان عندما يعيش الطفل أو الطفلة مع أبيه، والأم "القانونية" التي هي زوجة الأب)، الأمر الذي يخلق فضاء يمكّن الطفل من الاستفادة من مساحة أكبر للمناورة مما كانت عليه الحال في الماضي عن طريق التلاعب بسلطة كل واحد من الزوجين. إن تعدد مصادر السلطة يُضعفها. وفي الوقت الراهن، وخلافًا للعائلة الأبوية التقليدية التي كان الطفل يعاني فيها السلطة الأبوية كثيرًا، يعني ازديادُ مصادر السلطة أن يتمكّن الطفل من التلاعب، وتُصبح ممارسة السلطة مصدرًا للتوتر والتعب وعدم اليقين للوالدين. وعلاوة على ذلك، تعني حقوق الطفل بوصفه "تحت سن الرشد" أن يصبح على بيّنة من بعض حقوقه في وقت أبكر مما كانت عليه الحال في الماضي.

  1. Carolyn Hoyle, Alexandra Bradford & Ross Frenett, Becoming Mulan? Female Western Migrants to ISIS (London: Institute for Strategic Dialogue,
  2. Russel Meyrs, "British female jihadis running ISIS 'brothels' allowing killers to rape kidnapped Yazidi women," Mirror , 11/9/2014, accessed on 31/7/2019 at: http://bit.ly/2Kf7L2m

تعني متطلّبات الحياة وطول مدة الدراسة أن الأطفال يمكن أن يقيموا مع آبائهم، ومن ثم تمتد مرحلة المراهقة واعتمادها العاطفي والاقتصادي إلى وقت متأخر، يستغرق زمنًا أكثر مما كانت عليه الحال في الماضي. وهذا مجال آخر للمناورة، وهو كذلك مجالٌ للتوتر والتعب. والمقصود، هنا، تشتت السلطة أو حتى غيابها، إذ يواجه الشباب - قبل سن الرشد – هذا الفضاء المُتاح للمناورة، الذي يتيح لهم عبر استخدام الإنترنت الانغماس في عوالم أخرى غير عوالم الآباء والأمّهات، حيث يمكن أن يعيش الطفل حياة افتراضية، تبدو لهم - على نحو سيئ – حقيقية، نظرًا إلى عدم وجود أساس صلب للسلطة في عالمهم الرمزي. والنتيجة هي أن النزعة الجهادية تلعب على ذلك كله، من خلال استخدام شبكة الإنترنت، لكن، أيضًا من خلال إعطاء المراهقين الانطباع بأنهم يمكن أن يصبحوا راشدين من خلال تبني قضية "الإسلام الراديكالي." إذًا، هناك أزمة في سلطة الآباء، وهناك - من جهة أخرى - التنويع في العوالم الخيالية التي يختلط فيها الافتراضي والواقعي إلى درجة عدم التمييز بينهما عبر توسّط الشبكات الاجتماعية، وأخيرًا، هناك الواقع اليومي الذي يخلق فحواه – لدى هؤلاء الفتيات - انطباعًا بأنهنّ مُحاطاتٌ بصبيانٍ صغار غير ناضجين فقدوا "رجولتهم" وتخلّوا عن تفوّقهم الذكوري. وفي إمكان الفتيات، الآن، مواجهتهم في هذه المجالات، فالحطّ من منزلة الشبّان يتزامن مع تمجيد الجهادي الشاب الذي تسعى الفتيات للزواج به. لكن، ما الذي يجعل الجهاديَّ جذابًا لا يُقاوَم إلى هذا الحد؟ الجواب بصوتٍ عالٍ وواضح: المواجهة مع الموت. هذا هو محكّ السمات الأربع الأساسية التي هي - إلى حدٍ ما - صورة الرجل المثالي لدى هؤلاء الفتيات: الجدية، والصدق، والرجولة، والاستقرار والثقة. فعلى عكس الأولاد الصغار المألوفين الذين ما عاد يبدو عليهم أنهم "خطرون"، يبدو الجهاديون "أشد فتكًا." إنهم يقاتلون العدو حتى الموت، ويُجسّدون "واقع" الحياة، وليس ذلك الموقف المخنث لشبان يأخذون الحياة بخفة. وهؤلاء الجهاديون هم أيضًا "سندٌ" تتعلّم منه الشابات تحمّل عبء الحياة الثقيلة على نحو متزايد. فامرأة المستقبل يجب ألا تكسب رزقها هي فحسب، بل أن تكون أيضًا مسؤولة عن المنزل. يتعيّ عليها أن تعيش مع رجل لا يزال بعيدًا من الكمال، بعد أن فقد المكانة الرمزية التي كانت له في العلاقات الشخصية، في المقام الأول في الأسرة، حيث انهارت السلطة الأبوية السابقة، أو أفضى عدم التمايز بين أدوار الذكور والإناث إلى افتقار مفجع إلى المحتوى الرمزي، أو حتى التقليل من شأن الأب والأم. يُعيد الرجلُ الذي يواجه الموت الارتباطَ بالقيم الذكورية، ويمنح "الرجولة" محتوى قوامُه إحياء العلاقات القديمة والمثل الأعلى الذكوري الذي يمكن أن يبقى ويدوم، على حساب مواجهة الموت، لا الحياة. يبدو الأمر وكأن الحياة اليومية تولّد قدرًا كبيرًا من القلق لا يمكن التغلب عليه إلا من خلال إضفاء الطابع المثالي على هذا الذكر الجديد الذي يملأ الفراغ الذهني. وترى الشابة أنها يمكن أن تتّكئ على هذا الرجل الجديد، هذا "السوبرمان" الذي يُعلي العنف شأنه أكثر من بقية الحشد ويخلق المعنى. تذكِّرنا هذه الحالة بالشابات اللواتي يكتبن رسائل الحب إلى المجرمين المُدانين في السجن، عارضين عليهم تقديم أجسادهن وأرواحهن إليهم، حتى إلى أولئك الذين مثل غِي جورج17 ممن ارتكبوا جرائم جنسية مروعة، أو مثل أنطونيو فيرارا18 الذي جاءته رسائل حب من شابات أُعجبن ب "صفاته البارزة" ورجولته الاستثنائية. فالصدق يبدو سمة غالبة على هؤلاء المقاتلين في سبيل الإيمان، ويمكن الفتيات أن يعهدن إليهم بمصائرهن، من دون خشيةٍ من خيبة الأمل، نظرًا إلى أنهم بعيدون من الحياة المطمئنة (الدنيوية، بالتعريف) التي تعيشها هؤلاء النساء؛ إذ تميّز الرومانسية المترافقة مع السعي للغرائبي، باعتباره تغييرًا في واقع الحياة اليومية، هؤلاء النساء الشابات في بحثهن عن المطلق في إهاب رجل من شأنه أن يرضي حاجتهن إلى الرجل المثالي، وهنّ اللواتي كثيرًا ما شعرن بخيبة أمل من الشبان "غير الناضجين" الذين يلتقينهم في أوساطهن الاجتماعية. إن السعي للسلطة بأي ثمن يعني أن تُبتغى القوة بفارغ الصبر، وفي شكلها الأشدّ قمعًا. والهدف ليس "إخضاع النفس عن طيب خاطر" إلى القوة القمعية (يصبح داعش تجسيدًا لهذا النوع من الشرعية) فحسب، بل إن ذلك يُلتمس بشدة؛ فكلما تعاظم القمع، تعاظمت الجاذبية. يستتبع ذلك بحثًا يائسًا عن "تعالٍ قمعي" للوقاية من غياب المعنى في هذا الاستتباب الذي نعيش فيه. وهكذا، يصبح التشكّل الجديد للأسرة، هذا النظام السياسي والاجتماعي الجديد، أولى من المساواتية. لكن هذا الشكل من المقدس هشٌ ومفتوح على عدد من نقاط الضعف، ما يعني أن نزع قداسته سهل. ففي المجتمع المفرط في العلمانية، حيث ما عاد أي شيء معنيًا بالمقدس، يكون الشكل المقدس الذي يقاوم هذا الانحدار قمعيًا بطبيعته، مثل شكل عتيق من المعنى يواجه غيابَ المعنى في العلاقات الاجتماعية التي ما عادت بأي حال مقدّسة، بل أصبحت مدنّسة. ثم لماذا الإسلام هو الخيار المفضل في هذا السعي نحو المعنى؟ أول، وقبل كل شيء، بسبب خلوّ سوق الأيديولوجيا من النزعة الراديكالية

  1. قاتل متسلسل ومغتصب لكثير من النساء، جاءته رسائل من شابات يرغبن في أن يكن معشوقاته مدة طويلة.
  2. أحد أبطال الجريمة المنظمة.

العنيفة: منظمة العمل المباشر والألوية الحمراء ومجموعة بادر - ماينهوف، كلها تنتمي إلى الماضي. وحتى اليمين المتطرف الذي هو مصدر إلهام لبعض الناس، لا يحمل أيديولوجيا القداسة. إنه يُ ثل، على الأك، رر رؤية للديمقراطية بأنها ما عادت مقدسة، ويُحدِّد المهاجرين باعتبارهم عدوًا يجب التغلّب عليه. أما الإسلام، في نسخته الجهادية، فيلبّي مطلبَيْ متناقضين يحتاج إليهما شباب الطبقة الوسطى الأوروبية الجديدة، فمن جهة، رؤيته هي بطبيعتها معادية للإمبريالية، ومن جهة أخرى مفرطةً في الأبوية. فأولئك الذين يرغبون في محاربة النظام العالمي الجديد الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية، يمكنهم العثور على ثروة أيديولوجية فيه، وكذلك أولئك الذين يعانون أزمة هوية ولديهم حاجة إلى تعالٍ مطلق يجدون فيه مصدرًا لا ينضب للتقديس القمعي. فالشباب الذين يعانون عقدة الخصاء نتيجة دخول المرأة مجالات المجتمع كلها، يمكن أن ينضموا إلى هذا الإسلام، مع وعد باستعادة "أبويّة الأبطال"، وهم ينسبون ذلك إلى الإرادة الإلهية. والشابات اللواتي يشتكين من خيبة أملهن من مرحلة ما بعد النسوية التي يتعيّ عليهنّ فيها كسب معيشتهن والتعامل مع الشؤون المنزلية، يجدن الطمأنينة في حياة جديدة، تكون فيها أدوارهن "مُكمّلة" لأدوار الرجال. ومن ثم، يكون دورهن النبيل رعاية الأسرة من دون الشعور بالقلق على الجوانب المالية التي يتكفّل بها الرجال. وقبل كل شيء، ستُستعاد جاذبية الدور الجديد المنسوب إليهن بصفتهن أمهاتٍ لجهاديين في المستقبل. وسوف ينهض نبل هؤلاء الشباب بهنّ وبدورهنّ الاجتماعي الجديد، وسوف يُشبع تطلّعهن في المستقبل إلى غرائبية لا ريب فيها. هذا الموقف العقلي يؤدي إلى حقيقة أن الفتاة التي تغادر إلى سورية تصبح حالة مُشجّعة لصديقاتها للحاق بها، وتدفع المنافسة ودينامية الرغبة داخل الجماعة الفتياتِ إلى التصرف على شاكلة كل شخص أصبح عنصرًا مهم19. تنحدر الشابات الأوروبيات اللواتي غادرن إلى سورية من أصول مسلمة وغير مسلمة. وحتى عندما ينحدرن من أ سر مسلمة، لا يلحظ معظم الآباء والأمهات التغير في موقف الشابة، فيبقون في عالمهم الخاص، ويبقون في أثناء التواصل مع أطفالهم غافلين عن الدوافع المستجدة. وتُعدّ هذه الغفلة مؤشرًا، من جهة، على اتساع الفجوة بين عالمين، عالم المراهق وعالم الكبار، ومن جهة أخرى، على ضعف مفهوم السلطة الذي كان يساهم سابقًا في غرس أشكال معيارية للسلوك في الشباب، بصرف النظر عن رؤيتهم الخاصة للعالم. يوجد ضعف السلطة الأبوية وممارستها من أشخاص عدة، وعدم استدخال نماذج مفروضة من السلوك، مفعول الابتعاد في الوقت الراهن. وقد يصل هذا الأمر إلى قطيعة شاملة مع الأسرة باسم مثل أعلى يختاره الشاب أو الشابة، إما بتأثير الشبكات الاجتماعية، أو بالتواطؤ مع الأصدقاء من الجنسين، من دون معرفة آبائهم الذين غالبًا ما لا يشتبهون بأي شيء. لنأخذ حالة الفتاة المسلمة التي كانت في سن الرابعة عشرة وعاشت في مدينة أرغنتوي في مقاطعة فال دواز الفرنسية، حيث غادرت المنزل يوم الأربعاء وأرسلت رسالة نصّية إلى والديها في الساعة السادسة مساء، تطلب منهم فيها أن ينظرا تحت الفراش في غرفتها ويقرآ الرسالة التي وضعتها هناك، والتي أوضحت فيها أنها غادرت إلى سورية كي تتمكن بحريّة من اتباع تعاليم دينها20.

حادي عشر: حالة النساء الراشدات

نجد أيضًا نساء راشدات من الطبقة الوسطى ومن الضواحي الفقيرة غادرن إلى سورية، في بعض الحالات، عائلات بأكملها، بمن في ذلك الأم، غادرت فرنسا إلى سورية. وفي حالات أخرى، اختارت النساء الجهاد، ما يشير إلى استقلالية كبيرة عن أزواجهن. في هذا الصدد، تُعد حالةُ حياة بومدين 26(عامًا) نموذجية، فقد وُلدت لأسرة جزائرية الأصل، مؤلفة من سبعة أطفال. توفيت والدتها عندما كانت في خذت هي وبعض إخوتها وأخواتها إلى دار رعاية سن السادسة، وأ. وعملت أمينة صندوق في متجر. في عام 2009 التقت كوليبالي وتركت عملها، لأنها أرادت أن ترتدي النقاب الكامل. غادرت إلى تركيا في 2 كانون الثاني/ يناير 2015، قبل أيام قليلة من شروع كوليبالي في شن هجماته القاتلة، وغادرت تركيا إلى سورية قبيل وقت قصير من الهجمات. وهذا يعني أننا يمكن أن نفترض أنها علمت بشأن قرار كوليبالي ورغبته في الموت شهيدًا في مواجهة الشرطة. من الواضح أنها اختارت طريقها الخاصة، لأنها كانت حاملً وتعتزم الانضمام إلى داعش كي تربي طفلها وتعيش مغامرتها الخاصة بوصفها امرأة جهادية. إن رؤيتها للعالم تختلف تمامًا عن رؤية شابات الطبقة الوسطى ورومانسيتهن الحمقاء، ويرجع ذلك إلى نشأتها في دار رعاية بسبب الفقر ولأنها شريكة كوليبالي. فهي تشارك "زوجها" رؤيته للعالم؛ إذ كره المجتمع، وكانت إسلاميته في المقام الأول تكريسًا لهذه الكراهية. وعبّ نهجها المُبادر (اختارت طريقًا مختلفة عن زوجها) عن نوع من الاستقلالية لدى بعض النساء الجهاديات اللواتي كن يشتركن في المُثل العليا لأزواجهن، لكن آثرْن طريقًا مختلفة (المغادرة إلى سورية)، وليس البقاء إلى جانبهم. فحالتها، مثلها في ذلك مثل

  1. Karen McVeigh, "Peer Pressure Lures more Britons to Syria than ISIS Videos, Study Finds," The Guardian , 6/11/2014.
  2. Une adolescente de 14 ans partie en Syrie," Le Figaro , 19/6/2014, accessed on 31/7/2019, at: http://bit.ly/333KTv1

كثير من الشابات اللواتي ذهبن إلى سورية، تبيّ أن ثمة خللً واضحًا في التفسير المعتاد الذي يشير إليهنّ بوصفهن "ضحايا" للأصولية أو النزعة الأبوية (البطركية) العربية - الإسلامية، فهنّ يتّخذن مبادرات، ويتصرّفن بوصفهن نصيراتٍ حقيقيات للحرب المقدسة، ويؤكدن هذا الموقف بوضوح تام. وتكشف النزعة الجهادية، على الأقل بين النساء الراشدات، عن قدرة على التفرّد لا يمكن إنكارها، حتى لو أن توكيدهن لذواتهن سينتهي ما إن يهبطن إلى حالة من الدونية لا يمكن التغلّب عليها بعد أن قبلن العيش في كنف داعش. في موازاة هؤلاء الفتيات والشابات اللواتي اخترن الجهاديّة ملاذًا موهومًا لهنّ، سعيًا للاعتراف بهنّ، في حين أن الدونيّة هي ما ينتظرهن، نجد المثال المعاكس تمامًا بين الأكراد، فقد حملت نساء البشمركة السلاح ضد داعش ونجحن في انتزاع اع اررفٍ بمكانة متساوية مع الرجل (وإن كانت غير مضمونة كليًا)، وخرقن امتياز الذكور في التعامل مع الأسلحة الفتاكة في النضال ضد العدو21. تُعدّ حسناء آيت بولحسن 26(عامًا) مثالً آخر، فهي امرأة مهاجرة، تتحدّر من الأوساط الدنيا للطبقة الوسطى المغربية. وُضعت في سن الثامنة في دار لرعاية الأطفال، وواجهتها مصاعب عقلية نتيجة تفكك أسرتها. لم تستطع الاستقرار في أسرة حاضنة، وغالبًا ما كانت تهرب. وفي حين أن حالة حياة بومدين تشير إلى امرأة شابة تعرف ما تريد وتتورّط في المشروع الجهادي لتأكيد استقلاليتها الذاتية مع الاحترام لشريك حياتها، أميدي كوليبالي، تعطي بولحسن الانطباع عن امرأة شابة ضائعة، تلتحق انطلاقًا من روح المغامرة لتوكيد ذاتها في أشكال من التطرف كثيرًا ما تمّت محاكاتها، لتجد نفسها متورطة في الإرهاب عندما يطلب منها ابن عمها عبد الحميد أباعود السماح له بالبقاء عندها بعد هجمات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر. ومن ثم، تتأرجح النزعة الجهادية لدى النساء الراشدات بين هذين النموذجين: توكيد الذات (بومدين) وهوية تنوس بين التردد في الجهاد واتخاذه ذريعة (بولحسن.)

ثاني عشر: الدعاية الجهادية وتأثيرها

قام تنظيم القاعدة، وهو أحد أشكال الجهاديّة، على عضوية الشباب والدعاية ضد الغرب عن طريق المجلات الإلكترونية، مثل مجلة Inspire التي أصدرها أنور العولقي، الزعيم الروحي ل "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، وهو أميركي من أصل يمني، قتلته طائرات من دون طيار أميركية في أيلول/ سبتمبر 2011. وكان هناك أيضًا داعمون وموارد من الإنترنت. لكن هذا كله كان في منزلة عمل الهواة، مقارنة بداعش الذي تخصص في الخدمات لجذب الشباب من أنحاء العالم كلها. ويُقدّر أن ما بين 10 – 20 ألفًا من الأجانب ذهبوا إلى سورية لدعم الجهاديين، منهم ما بين 2 – 4 آلاف أوروبي، وهذا يشمل بضع مئات من النساء والفتيات الصغيرات. ولا يدّخر داعش أي جهد ممكن لجذب الرجال والنساء للشروع في النضال ضد معارضي دولته الجديدة. ففي شرائط الفيديو الموجَّهة إلى الشابات على موقع يوتيوب، هناك تمجيد وثناء على شكل مختلف من الأنوثة، وإصرارٌ على واجبات النساء الدينية وقدرتهن على تكوين أسرة مستقرة ونقية، وأنّ من شأن صدق المقاتلين في سبيل الإيمان أن يعطي معنى لحياتهن. واستُعملت أيضًا استراتيجيات أخرى تعتمد على السن والأصل الاجتماعي؛ من قبيل أن من شأن المشاركة في الجهاد أن تضع حدًّا للاكتئاب، ومن شأن الحرب المقدسة علاج هذا المرض النفسي المزمن في الغرب. وتستهدف هذه الرسالة الثانية الرجال، لكنها قابلة للتطبيق بالدرجة نفسها على النساء22. هناك شابات، يشار إليهن أحيانًا باسم "فتيات الخلافة"، مهمتهنّ تقديم الموعظة إلى الفتيات الصغيرات والنساء على الشبكات الاجتماعية للقدوم والانضمام إليهن من أجل الدفاع عن الإسلام والزواج بأحد "المقاتلين من أجل الإيمان"23. وبلا شك؛ الدعاية التي بثّها تنظيم داعش عبر الإنترنت هي الآن أكثر انتشارًا واحترافًا مما قام به تنظيم القاعدة؛ وتشجّع هذه الدعاية الفتيات على ترك أسرهن والانضمام إلى جحافل الجهاديين في سورية. يمنح داعش المراهقين، عبر مناشدته إياهم مباشرة، انطباعًا بأنهم بالغون مكتملون ومعترف بهم بحد ذاتهم، وقادرون على تكوين أسرة وإنجاب أطفال أيضًا، وهي صفات تقتصر في الغرب على الراشدين. وهكذا، يمنح هذا التلاعبُ المراهقين انطباعًا بأن هذه الدولة الإسلامية الجديدة تأخذهم على محمل الجد، حتى لو أنهم كانوا يُعاملون في المنزل على أنهم تحت السن القانونية. إن غبطة النضج قبل سن 18 تحجب الدونية التي تستجلبها هذه الغبطة؛ إذ يقتصر دور النساء – في النهاية - على إنتاج الذريّة وتدبير الأ سر في تقسيم العمل، وستجد النساءُ أنفسهن فيه مقتصراتٍ على المجال الخاص، حيث يقوم التلاعب الذي يُدار بذكاء، على منحهن

  1. Delphine Darmency & Constance Desloire, "Les femmes peshmergas, héroïnes trompeuses de la société kurde," Le Monde , 9/10/2014; Mohammed
  2. Haoon Siddique, "Jihadi Recruitment Video for Islamist Terror Group Isis Features Three Britons," The Guardian , 20/6/2014. 23  Sasha Halicek & Farah Pandith, "Comment nos filles deviennent des'califettes'," Le Monde , 28/1/2015.
  3. A. Salih, "Meet the Badass Women Fighting the Islamic State," Foreign Policy ,

وهمً مفاده أنهن أصبحن راشدات بحق، في حين هن لَسْنَ كذلك. وثبت أن هذا الافتتان ببلوغ مرحلة الرّشد قبل السن القانونية وامتياز المشاركة في عالم الكبار في أرض الإسلام، دافع قوي للخروج المتسرّع من دون معرفة آبائهن، وبتِنَ ينظرن إليهم بوصفهم عائقًا في طريق الوصول إلى حالة التمتع بحقوقهن التي يرغبن فيها كاملة. ويُبهج وهمُ القيام بذلك قبل السن القانونية الفتيات في بحثهنّ عن الاعتراف، ويشفي نفاد صبرّهن من أجل الاستقلالية. وإجمالً، تكمن الدرجة العالية من التطور - وإن لم يكن التعقيد - في طبيعة الدعاية الجهادية أكثر، ليس في تأكيد الأيديولوجيا، بقدر استغلال الانفعالات وإعطاء انطباع بحُسن الحال، الأمر الذي يُحفّز في الرجال فضائل المحاربين، وفي النساء عبادة الفحولة الذكورية في المواجهة مع الموت.

بعبارات مكثفة: كانت النسخة النسائية من الجهادية استثنائية جدًا قبل الحرب الأهلية في سورية، فكانت الجهاديات الأوروبيات نادراتٍ جدًا، تجد من بينهنّ معتنقاتٍ الإسلام (مورييل ديغوك)، ومسلمات من أصول مهاجرة. وفي موجة الرحيل إلى سورية، شهدنا تدفّق النساء وفتيات مراهقات من الطبقة الوسطى، أو ما بعد سن المراهقة. ولهذه الظاهرة الجديدة جذور ثقافية في تفكك الأسرة التقليدية، وجذورٌ اجتماعية أيضًا، ولا سيما تأثير المحاكاة داخل الجماعة والرغبة في توكيد الذات، ولا سيما في اختيار رجل ذي صفات استثنائية قادر على التضحية بحياته في سبيل مثله الأعلى. وباختصار، هذا هو الرجل الذي يُجسّد مكانة البطل. والظاهرة هي أيضًا، نتاج تقارب مواقف الشباب من الرجال والنساء بعد عقود عدة سادت فيها الثقافة النسوية في الغرب. كانت الجهادية في فرنسا ظاهرة يُغذيها، في المقام الأول، العيش في الضواحي المحرومة (مع حالات نادرة من الطبقة الوسطى)، لكنها الآن بدأت تمتد إلى الأعمار الشابة في الطبقة الوسطى، ويشهد عدد الفتيات منهم تزايدًا واضحًا أكثر مما كانت عليه الحال في الماضي. ففي الطبقات الوسطى، ليس هناك فصل بين الرجال والنساء بالقدر نفسه الذي هو عليه في الضواحي الفقيرة، ويصبح سلوك الرجل والمرأة في هذه الطبقات متجانسًا على نحو متزايد. وما يجعل الرجل جذّابًا هو قدرته على التأثير في النساء، الذي تمكن ملاحظته على الرغم من الاختلافات النفسية التي تفصل بينهما. إضافة إلى ذلك، هناك فرق كبير بين دعايتي داعش والقاعدة، حيث يعمل داعش على "فردنة" الشهيد والجهادي المحارب، فيمنحه وجهًا معيّنًا في تسلسل شريط الفيديو، ولا يلحّ على البعد الديني لمشاركته، بل على الطابع الاستثنائي لعمله، فضلً عن بطولته ورومانسيته. وعلى سبيل المثال، نرى المقاتلين من أجل الإيمان يبكون ويظهرون علنً​ا عواطفهم، الأمر الذي لا نظير له في فيديوات تنظيم القاعدة. وفي حين يحبّذ تنظيم القاعدة درجة من الزهد الثوري، يعرض داعش المقاتلين الشباب وهم يستحمّون في نهر. الأمر الذي يمجّ د شعور "السياحة الجهادية"، وهو ما لا نظير له عند القاعدة. ويُسلّط تنظيم القاعدة الضوء على عزوبيّة المقاتلين، في حين يس عى داعش إلى تزويجهم بجهاديّات، ليشكّلوا معًا أسرة في الدولة الإسلامية. وتخصص دعاية داعش مساحة صغيرة جدًا للدين، في حين تمجّد الانطباع الذي تتركه الرجولة العاشقة للحرب والبطولة الاستثنائية بين هؤلاء الأتباع الشباب، بدلً من الإشارات إلى الإسلام بالمعنى الدقيق للكلمة. إن الدعايةَ الجهادية التي تستهدف الشباب الأوروبيين يصمّمها أوروبيون، بإشراف داعش. ولعل هذا هو سرّ أن اللهجة المعتمدة في تلك الدعاية تجذبهم وتستجرهم إلى سورية.

ثالث عشر: الموت في الجهاديّة بوصفه موجِّهًا

دخلت الجهادية في أوروبا مرحلة جديدة مع استعار الحرب الأهلية في سورية. فعلى وجه التقريب، أرسل كل بلد في أوروبا جهادييه المحتملين إلى هذا البلد، ويُقدّر عددهم الإجمالي بآلاف عدة. وهناك رسلوا من دول مثل تونس (نحو أيضًا أولئك الذين أ 3000 جهادي)، والباكستان (مئات عدة)، وفيهم أشخاص لديهم صلات مباشرة مع فرنسا (تونس) والمملكة المتحدة (الباكستان.) تبيّ الظاهرة حالة الترابط بين مشكلة فوق - وطنية Transnational (الحرب في سورية) والمشكلات الاجتماعية والثقافية في البلدان الأوروبية. ويؤدي هذا البعد الفوق - وطني في مجالي الاقتصاد

والسياسة بالأمة المتخيَّلة "(الأمة الجديدة)" إلى أن تكون ذات طابع فوق - وطني، وفوق ذلك، إلى إمكان تعبئة الشباب في الغرب (بما في ذلك الولايات المتحدة، لكن بدرجة أقل)، من النساء والرجال، لتحقيق أهداف هذه الأمة، كما صاغها وروّجها داعش. وهكذا، تبي الجهادية البعد المعولم المتزايد لهذه الأمة الجديدة من جهة، والنزعة الذاتية نحوها، ولا سيما بين الأجيال الجديدة من جهة أخرى، حيث يجتمع السعي ليوتوبيا جديدة والشعور بالظلم العميق مع البحث عن السعادة الفردية والمغامرة في الجهاديّة، ليصل الأمر إلى طبقات المجتمع كلها تقريبًا. والمفارقة، كما قد تبدو في هذه الحالة، هي أن الموت هو الذي يوحِّد الفئات الثلاث من الشباب (شباب الضواحي الفقيرة، وشباب الطبقات الوسطى، والفتيات الصغيرات والنساء)؛ إذ يصبح موجِّهًا Guideline لنفوسهم المضطربة، حيث يصبح الموت عند شباب الضواحي المحرومة الذين تعرّضوا إلى الإقصاء الاجتماعي واستدخلوا هذا الإقصاء شكلً من أشكال التطرف، مقولةً أساسية تجعلهم يشعرون ب "المَنَعة"، مقارنة بالأشخاص الذين يشعرون بالضياع عند مواجهة الموت. هذا هو أساس "التفوّق" على المعارضين الخائفين الذين لا يعرفون كيفية التعامل مع سكرات الموت لعدم وجود ارتباط قوي بالمطلق. وفي هذه القدرة على التغلّب على الموت، هناك طعم الانتقام من الحياة في هذا العالم ورغبة في ذمّها، لما فيها من عدم الاحترام ورفض الذات. الموت المُنقِذ أو الشهادة رسالة ذات وجهين: الأول هو القطيعة مع مجتمع لم يشعر المرء فيه بالراحة أبدًا لأنه كان فيه فريسة للضيق ورفض الآخرين، والثاني أن العالم الآخر مشهدٌ من السعادة للشهيد الذي سيكون في السماء، وتتحقق رغباته كلها، فالمتعة الأبدية هي المكافأة التي ينالها في مقابل شجاعته ورغبته في فرض إرادة الله بالسيف. من هذا المنظور، الموت هو النقطة الوحيدة حيث تُحسم المصائر وتتكشف؛ إذ يصبح مصير الشخص الذي أ سّس على رفض الآخرين له، في المقابل، رفضًا للآخرين. تنطوي هذه الجدلية المزدوجة على "اشتهاء الموت" الذي يقلب جهة شعاع الحياة، من خلال ربط الرغبة في الموت بالرغبة في قتل الآخر،ِ الخصمِ، العالمِ الذي يحيط بالشباب المتمرّدين. ومن الآن فصاعدًا، يعيش المتمرد (أو المتمردة) متبنّيًا مصير البطل السلبي24 عن طريق قتل الآخرين. يُحقق هذا النموذج من الأبطال أهدافه من خلال تعرّضه للرفض الكلي من الآخرين. وأهدافُه هي التي تجعل منه شخصًا مُخيفًا وبغيضًا، يُحقق الشهرة من خلال السمعة السيئة. يقتل، كما فعل محمد مراح، جنودًا مسلمين يعتبرهم العدو اللدود للإسلام، ويقتل أيضًا اليهود الذين يعتبرهم الممثلين ل "الغطرسة" الإسرائيلية و"ازدراء" المسلمين عمومًا في منطقة الشرق الأوسط. ينحرف معنى الموت، لدى جهاديي الطبقة الوسطى، إلى شيء آخر، فهو – على نحو كبير -ليس تعبيرًا عن كراهية للآخر، بقدر ما هو لعبة مع الموت، تُهيمن عليها تجربة الاستشهاد. ولذلك، هم يستخفون بالحياة في مواجهة الموت في ساحة المعركة في سورية، وذلك للتغلب على واقع افتراضي لحياةٍ يرون أنها تبدّدت بشكل رئيس في مسارٍ من فقدان الاعتبار واحترام الذات. يتحاذى الرجال والنساء في ثقافة واحدة لكليهما، تُحجب فيها الاختلافاتُ ويُبالغ في التشابهات (الملابس نفسها والمظهر الأشعث نفسه وأشكال اللطف نفسها ومن دون أي تلميح إلى رجولة الماضي.) ويختفي تدريجًا معنى المقدّس نفسه الذي يسود في مجتمعات العلمانية المفرطة، حيث لا يوجد تقريبًا أي حيزٍ للديني. يتحاذى العالمان الافتراضي والحقيقي في هذه الألعاب الفيديوية، فتذوي الحدود بين العالمين. وأخيرًا، يتحاذى الموت والحياة في مرحلة مراهقة ممتدة، تجمع بين انطباعٍ بالمَنَعة ومشهدٍ يُقتل فيه آخرون، في أقصى درجات القتل، لكن من غير قصد ربما، بل ربما يكون القتيل هو الشخص نفسه، يُقتَل في أرض المعركة، كما لو كان ذلك بفعل السحر، في مناخٍ من التسلية، يُذكِّر بمناخ الألعاب على شبكة الإنترنت. أما الشابات والفتيات اللواتي يذهبن إلى سورية ليجندهنّ داعش، فيكون الموت علامة على ولائهن لجديّة عالم الذكور، وطريقًا للثقة بالرجال الذين يتحدون الموت، لكن، أيضًا، طريقًا لتعريض أنفسهم للموت أيضًا، ذلك أن هذه الثقافة هي واحدة لكلا الجنسين، وتزداد في حياة الشباب، فالفتيان والفتيات لم يختبروا بعدُ مثل هذا التقارب الثقافي الواسع. في هذه الحالة، يصبح الموت الرابط بين المجموعات الثلاث، الشبان من الضواحي المحرومة، والشبان من الطبقات الوسطى، وأيضًا الفتيات الصغيرات، ولا سيما اللواتي يتحدّرن من الطبقة الوسطى، فالجميع يمضون للانضمام إلى الأبطال الذين يهزّون أكتافهم اعتزازًا ببطولاتهم، رمزيًا (فالأمر، في الغالب، ليس على هذه الدرجة، في الواقع)، ويستمتعون بمجدهم، ويرتبون شؤون حياتهم الجنسية والعائلية، في الوقت نفسه.

رابع عشر: الأهمية المتزايدة للإخوة

يختار الجهاديون، للوقاية من الاختراقات الاستخبارية لهم وأساليب عملهم، الروابط الأسرية التي تقدّم إليهم ولاءً مضمونًا، مثل الإخوة

  1. Khosrokhavar, Radicalisation ; Farhad Khosrokhavar, "Le jihadisme féminin en Europe aujourd'hui," Telos, 17/3/2015, accessed on 31/7/2019, at: http://bit.ly/2SSvf17; Farhad Khosrokhavar, "Qui sont les jihadistes," Sciences Humaines , no. 268 (2015), pp. 8 - 13.

أو حتى غيرهم من أفراد الأسرة الذين يمكنهم أن ينخرطوا في الأعمال العنفية، فعلى سبيل المثال، أفاد مراح، في هجمات عام 2012، عن تواطؤ أخيه، من دون أن يورّطه مباشرة في الهجمات، وتعاون الأخوان كواشي في هجمات تشارلي إيبدو 2015، بشكل مباشر في عمليات القتل، وأظهرت حالة الأخوين عبد السلام، هجمات باتاكلان في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، كيف يمكن استغلال الروابط الأسرية لضمان ألّ يخترق الجهاز الأمني المجموعة. وإلى جانب ذلك، يُعزّز التطرف الديني الروابط والعلاقات التي تأكلت بشكل كبير بسبب الجنوح وتفكك العائلات، فمنظر العائلة المتماسكة التي تنخرط في مشروع مشترك، يُعيد رمزيًا بناء العائلة الموحّدة التي سادت في الماضي قبل أن يُصيب التفكك العائلات. وفي هذه العائلة المُعاد بناؤها، لا تسود المساواتية، بل تراتبيّة الأصغر/ الأكبر سنًا، حتى لو صادف في الحياة الواقعية أن الأخ الأكبر رمزيًا هو الأصغر سنًا (كما كانت حالة الأخوين كواشي، حيث إن الأخ الأصغر هو الذي اتخذ القرارات والأكبر تبعه.) وأخيرًا، تخلق المبارزةُ مع مجتمع يكرهه المرء شغفًا مشتركًا، يوحِّد ويخلق صورة متناغمة للأسرة الأبوية في صورتها "المتشددة" التي يعيش فيها الآن الإخوة (وأحيانًا حتى الأخت) ويُعيدون بناء الكيان المتحد الذي كان ممزّقًا.

خامس عشر: الحرب الأهلية في سورية والجيش الاحتياطي من الجهاديين في أوروبا

الجهاد هو أحد الأمثلة على عولمة ظاهرة الحرب، فالحرب الأهلية في سورية أصبح لها نظيرٌ في فرنسا، ذلك أن داعش ينقل هذه الحرب إلى أمكنة أخرى، إلى روسيا (انفجار طائرة روسية في رحلة ممتلئة فوق شرم الشيخ في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، ما أسفر عن مقتل 224 راكبًا)، وإلى لبنان (انفجارات 12 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 التي قُتل فيها 43 شخصًا على الأقل)، وإلى تونس (في 18 آذار/ مارس 2015 حيث قتل 19 شخصًا بالرصاص، غالبيتهم من السياح الأجانب، وفي 26 حزيران/ يونيو من العام نفسه قُتل 38 شخصًا، معظمهم من السياح البريطانيين)، والقائمة تطول. كانت لهذه الحرب الأهلية نتائجها العرَضية في فرنسا بسبب مشاركة الطيران الفرنسي في سورية، فقد سمح داعش لعدد من أتباعه بالانضمام إلى اللاجئين الهاربين من قمع الجيش السوري والإسلاميين الراديكاليين. ويبدو أن واحدًا من هؤلاء نفّذ خطته للهجوم في باريس (باستخدام جواز سفر سوري والمرور عبر اليونان.) يشن داعش "حربًا شاملة" في أنحاء العالم كلها، ويدفع الأبرياء ثمن الأعمال الحربية لحكومات الدول، فهو تجاوز تمييز الإسلامية الراديكالية بين المدنيين والمقاتلين؛ ونزع الصفة الإنسانية عن ضحاياه، وحكم عليهم بالموت باسم إيمانٍ راسخٍ في أذهان قادته ومريديه. أصبحت الأحياء المحرومة الجيش الاحتياطي للجهاديّة، فحتى كانون الثاني/ يناير 2015، كان جميع الإرهابيين الإسلاميين الفرنسيين، الذين نجحوا في تنفيذ هجماتهم، قد قدموا من الضواحي المحرومة. وأصبحت المناطق السكنية الشعبية هي الأماكن التي تضم أقلية ناشطة ما عادت تتماهى مع أي معانٍ للمواطنة، وتذهب بعيدًا في شن حرب مقدّسة ضد المجتمع بأكمله. ويعتمد داعش والقاعدة على أفراد هذا الجيش الاحتياطي، وتكون الركيزة الثقافية لولاء هؤلاء إلى أيديولوجيات الكراهية، استياءهم من مجتمع، يرونه يجسِّد السببَ الأقصى لضائقتهم، فالأشخاص الذين قطعوا روابطهم بالحياة الاجتماعية التي دمّرتها العنصرية والتحيزات، يعبرون عن استعدادهم للقتال والموت، ويأخذون بثأرهم من المجتمع على حساب قتل المئات - إن لم يكن الآلاف - من الأبرياء، فيغدو الإسلام لديهم مبدأ تقديسٍ لكراهيتهم، وأيُّ شيء يُعزّز هذه الرغبة في الانتقام يأخذ لديهم معنى دينيًا. والجهاد، في هذا التصور، هو حرب - بلا رحمة وبلا نهاية - على العالم الذي نبذهم، وهو الآن في نظرهم عالم "كافر"، إن لم يكن "وثنيًا." ومن ثم، يكون من المشروع تمامًا، بل الجدير بالثناء، استعمال العنف المفرط ضد هذا العالم. وهكذا، يُتمثّل مفهوم "الله" في هيئة عنف أعمى، صادرٍ عن تديّنٍ مرضَي، يجرد الخصم كلّيًا من إنسانيته. ويُدرَج في صف الخصوم جميعُ أولئك الذين لا يفكرون مثل المتعصبين الذين يعدّون هذا العنف المفرط مقدسًا في المعنى. تساهم الطبقات الوسطى أيضًا في رفد هذا الجيش الاحتياطي الجهادي، فقد كشفت هجمات 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015 عن مشاركة شباب من الطبقة الوسطى، وتحديدًا سامي عميمور الذي عمل سائق حافلة في شركة RATP للنقل والمواصلات25، أو صلاح عبد السلام الذي عمل فنيًّا في محطة الترام ومديرًا لأحد البارات. إذا كان جميعُ مرتكبي الهجمات الجهادية الناجحة في فرنسا، حتى كانون الثاني/ يناير 2015، هم من شباب الضواحي المحرومة، فإن المشهد أكثر تعقيدًا في المملكة المتحدة، ففي هجوم تموز/ يوليو 2005 في مترو الأنفاق وعلى الحافلة في لندن، كان قائد المجموعة التي كانت تتكوّن من أربعة أشخاص، محمد صديق خان 30(عامًا) قد عمل في مدرسة ابتدائية. وعمل شهزاد تنوير 22(عامًا) أحد الانتحاريين الأربعة ومساعد صديق خان، في مطعم يقدم السمك والبطاطا، ولم يكن لدى أي من الأربعة أي ماضٍ معروف يتعلق

  1. شركة رسمية عامة، معنية بتشغيل قطاع النقل العام في فرنسا وإدارته.

بالجنوح. واعتبارًا من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، أصبح دخول أفراد من الطبقات الوسطى في الهجمات الجهادية أكثر شيوعًا، حتى في فرنسا (ثلاثة على الأقل من ثمانية جهاديين كانوا ينحدرون من الطبقة الوسطى.)

خاتمة

تتميز دولة الرفاه بإيجاد تضامنات قوية، لكن يبدو أن هذه التضامنات، بما في ذلك تضامن الطبقة العاملة، تدهورت، ولم يحل محلها أي شيء في المجتمع، حيث أصبحت الفردانية النرجسية هي القاعدة. وشاع داخل الطبقات العاملة والطبقات الوسطى، على حد سواء، فقدان الأمل في المستقبل وضعف التوقعات. وشكّل غياب نقاط مرجعية واضحة مصدرَ ارتباك للشباب الذين صلاتهم ضعيفة بالمُثل العُليا النبيلة واليوتوبيات. ويبدو أن الغرب غير قادر على وضع حدٍ للقمع والأزمة الإنسانية في سورية. وأخيرًا، يبدو أن الشباب في المناطق المحرومة عاجزون ويائسون. هذه كلها حقائق اجتماعية تُعزّز الجهاديّة. وإن معالجة هذه المشكلات لن تضع حدًا للإسلام الراديكالي، لكنها سوف تقلل إلى حدٍ بعيد من جاذبيته.

المراجع

Akbarzadeh, Shahram. Islam and Political Violence: Muslim Diaspora and Radicalism in the West. London/ New York: I.B. Tauris, 2010. Atran, Scott. "ISIS is a Revolution." AEON. 15/12/2015. at: http://bit.ly/2MtYxC7 Bouzar, Dounia. Ils cherchent le paradis, ils ont trouvé l'enfer. Ivry-sur-Seine: Éditions de l'Atelier, 2014. Horgan, John. Psychology of Terrorism. London: Routledge, 2005. Hoyle, Carolyn, Alexandra Bradford & Ross Frenett. Becoming Mulan?. Female Western Migrants to ISIS. London: Institute for Strategic Dialogue, 2015. Khosrokhavar, Farhad. Radicalisation. Paris: Éditions de la Maison des sciences de l'homme, 2014. ________. "Le jihadisme féminin en Europe aujourd'hui." Telos, 17/3/2015. at: http://bit.ly/2SSvf17 ________. "Qui sont les jihadistes." Sciences Humaines. no. 268 (2015). Lohlker, Rüdiger (ed.). New Approaches to the Analysis of Jihadism. Online and Offline. Göttingen: V&R unipress GmbH, 2012. ________ (ed.). Jihadism: Online Discourses and Representations. Göttingen: V&R unipress GmbH, 2013. Meyrs, Russel. "British female jihadis running ISIS 'brothels' allowing killers to rape kidnapped Yazidi women." Mirror. 11/9/2014. at: http://bit.ly/2Kf7L2m Neumann, Peter R. Die Neuen Dschihadisten, IS, Europa und die nächste Welle des Terrorismus. Berlin: Econ, 2015. Olidort, Jacob. "What Is Salafism? How a Nonpolitical Ideology Became a Political Force." Foreign Affairs , 24/11/2015. at: https://fam.ag/2KdMrdz M. Post, Jerrold M. The Mind of the Terrorist. The Psychology of Terrorism from the IRA to Al-Qaeda. New York: Palgrave Macmillan, 2007. Raflik, Jenny. Terrorisme et mondialisation. Paris: Gallimard, 2016. Thomson, David. Les Français Jihadistes. Paris: Les Arènes, 2014. Vlierden, Guy van. "Profile: Paris Attack Ringleader Abdelhamid Abaaoud." vol. 8, no. 11 (November - December 2015). at: http://bit.ly/2MwmEzV Wievorka, Michel. Societes et terrorisme. Paris: Fayard, 1988.