الجيش في الرأي العام: بيانات من الجزائر والسودان
الملخّص
تهدف الدراسة إلى عرض نتائج استطلاع رأي الجزائريين والسودانيين عن دور المؤسسة العسكرية في عملية الانتقال الديمقراطي وتأثيرها فيها؛ إذ أدّت هذه المؤسسة دورًا مهمًّا في أعقاب الاحتجاجات التي اندلعت في البلدين، كما تهدف إلى استطلاع رأي المستجيبين عن الديمقراطية بوصفها نموذجًا للحكم في الجزائر والسودان؛ مرك زة على مجموعة من الأسئلة، من قبيل: ما نسبة ثقة الجزائريين والسودانيين بالجيش؟ وهل توافق على عبارة "الأنظمة الديمقراطية غير جيدة في الحفاظ على النظام العام"؟ وما رأيك في عبارة "النظام الديمقراطي قد تكون له مشاكله لكنه أفضل من غيره"؟ وتعتمد الدراسة على بيانات استطلاعات المؤشر العربي الذي يصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات منذ عام 2011. كلمات مفتاحية: الجيش، الجزائر، السودان، المؤشر العربي.
Keywords: Army, Algeria, Sudan, Arab Opinion.
The Military in Public Opinion: Data from Algeria and Sudan
This study presents the results of an opinion poll conducted among Algerian and Sudanese citizens regarding the role and influence of the military in the process of democratic transition. The militaries of both countries have played a crucial role in the aftermath of the protests that have swept both countries. The study also investigates people’s opinions on democracy as a model of government in Algeria and Sudan. It focuses on a group of questions: How much do Algerian and Sudanese citizens trust the army? Do you agree that ‘democratic regimes are not good at preserving public order?’ What do you think of the statement ‘the democratic system may have its problems but it is better than the alternative?’ The study draws on data provided by the Arab Opinion Index, which has been published by the Arab Center for Research and Policy Studies every year since 2011.
تناولت أدبيات بحثية كثيرة دور المؤسسة العسكرية في عملية الانتقال الديمقراطي وتأثيرها فيها. وقد توقفت تلك الأدبيات عند الشروط التي تُفضي إلى قرار الجيش ب "العودة إلى الثكنات"، بدلً من مواصلة الانخراط في العملية السياسية. وقد اتفق معظم الباحثين على أنه متى ما كانت هناك انقسامات داخلية في قيادة الجيش، فإن ذلك سيدفع جناحًا منه إلى التفاوض السياسي بدلً من القمع، ويمكن حتى أن تقتنع الجيوش بالتفاوض مع قوات المعارضة إذا كان هناك سبب للاعتقاد بأن المعارضة لن تمسّ مصالح الجيش حين تتسلم السلطة. في حين يجادل آخرون بأن الجيوش تكون أكثر ميلً إلى التفاوض ومحاولة تحقيق الاستقرار للنظام، عندما تخشى من أن يؤدي رفض التفاوض إلى اندلاع احتجاجات شديدة وإحداث تغيير جذري. كان للمؤسسة العسكرية دور رئيس في أعقاب الاحتجاجات في الجزائر والسودان، ويبدو مهمً في كلتا الحالتين أن نفهم نظرة الجمهور إلى المؤسسة العسكرية، والدور الحالي للجيش وآفاق المفاوضات المستقبلية، فهل هي نظرة إيجابية في هذين البلدين؟ وما الذي يفسر نزول الجيش عند رغبة المحتجين وإزاحته بوتفليقة أو البشير عن السلطة؟ وهل كان اختيار الجيش السوداني لاستخدام العنف في 3 حزيران/ يونيو 2019 ناتج ذهنية "المحاصَ" بفعل الضغط الشعبي؟ نستخدم بيانات استطلاعات المؤشر العربي، الذي يصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات منذ عام 2011، لنلقي نظرة على بعض البيانات الأساسية المتعلقة بنظرة الجمهور إلى الجيش وأدائه ودوره في الحكومة.
دور المؤسسة العسكرية عقب الاحتجاجات
1. الجزائر
في الجزائر، كانت الثقة المعلنة بالجيش، على الدوام، عاليةً إلى حد ما، رغم أنها عرضة للتقلب. فعلى سبيل المثال، في استطلاع /2012 2013، سُجّل أدنى مستوى من الثقة بالجيش الجزائري (بنسبة 56 في المئة.) ولكنّ هذا الاتجاه انعكس بسرعة في استطلاع 2014 ليقفز إلى 81 في المئة. ولا نمتلك بيانات حاسمة من شأنها إثبات سبب حدوث هذه القفزة، لكن يمكننا التكهن بأن أوضاع العديد من البلدان عقب الربيع العربي ربما تكون قد دفعت الجزائريين إلى تجديد الثقة بمؤسسة "مستقرة" مثل الجيش، ولا سيما أن أجزاء كبيرة من المنطقة انزلقت إلى العنف. وما يثير الاهتمام أن الثقة بالحكومة كانت باستمرار أقل من الثقة بالجيش. يشبه ذلك إلى حد كبير الاتجاه في الشكل 1()؛ إذ قفزت الثقة بالحكومة بين استطلاعي /2012 2013 و 2014 من 35 إلى 64 في المئة. ومع ذلك، ظلّت الثقة بالحكومة أقل من الثقة بالجيش في معظم السنوات (الشكل 2.) وفي استطلاع 2016، كان 46 في المئة من الجزائريين يثقون بالحكومة مقابل 76 في المئة يثقون بالجيش. يبدو جليًا أن الجزائريين يميزون بوضوح بين القيادة السياسية والجيش، على الرغم من الدور الضخم للجيش في السياسة الجزائرية تاريخيًا. يمكننا تكهّن سبب هذا التمايز. لعلّ أحد الأسباب المحتملة لاحترام الجيش في الجزائر هو تاريخ هذا الجيش بالتحديد، ودوره في إنهاء الاستعمار. وقد يكون السبب الثاني هو دور الجيش في تأمين الاستقرار، وخاصة بالنسبة إلى المستجيبين الذين قد يتذكرون الحرب الأهلية الجزائرية. وعلى الرغم من الدعم القوي الذي يحظى به الجيش في الجزائر، ويُفترض أنه بسبب تاريخه أو دوره في تأمين الاستقرار، فإن المستجيبين لا يربطون تلقائيًا بين الأنظمة الديمقراطية وعدم الاستقرار. ففي الواقع، عندما سُئلوا إن كانوا يوافقون على عبارة "الأنظمة الديمقراطية غير جيدة في الحفاظ على النظام العام" قال 73 في المئة من المستجيبين في استطلاع 2016 إنهم لا يوافقون على هذه الفكرة (الشكل 3.) وهذا يعطي انطباعًا بأن دعم الجيش قد يكون مدفوعًا جزئيًا بفكرة أنه يؤمّن الاستقرار فحسب، وأنه ليس لدى المستجيبين الجزائريين خوف عام من الديمقراطية بسبب آثارها المزعومة المزعزعة للاستقرار. علاوة على ذلك، عندما سئل المستجيبون عن مستوى موافقتهم على عبارة "النظام الديمقراطي قد يكون له مشاكله لكنه أفضل من غيره"، وافق 55 في المئة منهم في استطلاع /2012 2013 على الفكرة. ولكن هذا الاتجاه ليس خطيًا على مر السنين؛ فقد وافق 56 في المئة من المستجيبين على هذه الفكرة قبل الربيع العربي في استطلاع 2011، وارتفعت النسبة إلى 72 في المئة في استطلاع 2014، قبل أن تتراجع بثبات إلى مستوياتها السابقة في استطلاع 2016 (الشكل.)4 يبدو صحيحًا افتراض أن تجربة الربيع العربي والدروس المستفادة من الأزمات الإقليمية الناتجة قلّل من دعم الديمقراطية كنظام. ففي الواقع، حين طرح السؤال مباشرة عن الربيع العربي، كان لدى غالبية المستجيبين الجزائريين انطباع سلبي؛ إذ كان رأي 61 في المئة بخصوص احتجاجات الربيع العربي بأنه "سلبي إلى حدٍ ما/ سلبي جدًا" في استطلاع 2016. وأخيرًا، انطلاقًا من السؤال السابق المتعلق بالديمقراطية والاستقرار، لا يفتقر الجزائريون بالضرورة إلى دعم الديمقراطية كنظام؛ لأنهم يعتقدون أنه غير مستقر بطبيعته، بل هناك عوامل محفزة أخرى لا يمكننا تبيّنها من هذه البيانات وحدها.
اﻟﺠﺰاﺋﺮ
ﻻ أﻋﺮف/ رﻓﺾ اﻹﺟﺎﺑﺔ ﻋﺪم اﻟﺜﻘﺔ اﻟﺜﻘﺔ
اﻟﺠﺰاﺋﺮ
ﻻ أﻋﺮف/ رﻓﺾ اﻹﺟﺎﺑﺔ
اﻟﺠﺰاﺋﺮ
ﻻ أﻋﺮف/ رﻓﺾ اﻹﺟﺎﺑﺔ اﳌﻌﺎرﺿﻮن اﳌﻮاﻓﻘﻮن
اﳌﻌﺎرﺿﻮن اﳌﻮاﻓﻘﻮن
2. السودان
في السودان، وعلى غرار الجزائر، هناك ثقة كبيرة بالجيش. ففي استطلاعات المؤشر العربي كافة، أعرب ما بين 65 في المئة و 80 في المئة من المستجيبين السودانيين عن ثقتهم بالجيش (الشكل 5.) لكن هذا الاتجاه، خلافًا للجزائر، لم يشهد تحولً كبيرًا في أي وقت؛ كان هناك بعد الربيع العربي انخفاض مطّرد، ثم زيادة طفيفة. ويُظهر سؤال الثقة بالحكومة نمطًا مشابهًا، فقد شهد المستجيبون الجزائريون تحولات أكبر بكثير من عام إلى آخر من حيث ثقتهم بالحكومة، في حين كان هناك انخفاض مطّرد في السودان في استطلاعات المؤشر العربي كافة؛ ففي استطلاع 2011، أعرب 55 في المئة من المستجيبين عن ثقتهم بالحكومة، وفي استطلاع /2017 2018 انخفضت النسبة إلى 40 في المئة (الشكل.)6 ويمكننا القول، عمومًا، إن الرأي العام السوداني أكثر اتساقًا من عام إلى آخر. ومع ذلك، في النسخة الأخيرة من استطلاعات المؤشر العربي /2017(2018 في السودان، و 2016 في الجزائر)، كان هناك مستوى مماثل من الدعم في كلا البلدين للجيش والحكومة.
اﻟﺴﻮدان
ﻻ أﻋﺮف/ رﻓﺾ اﻹﺟﺎﺑﺔ
عندما سُئل المستجيبون السودانيون عما إذا كانوا يوافقون على عبارة "الأنظمة الديمقراطية غير جيدة في الحفاظ على النظام العام"، لم يوافق 63 في المئة منهم في استطلاع /2017 2018. وقد ارتفع عدد المستجيبين الذين لا يوافقون على هذه الفكرة منذ استطلاع 2011، من 52 في المئة إلى 63 في المئة (الشكل 7.) وهذا مشابه للاتجاهات في الجزائر أيضًا. ولكن، على عكس الجزائر، فإن النسبة المئوية للمستجيبين في السودان الذين يعتقدون أن "النظام الديمقراطي قد يكون له مشاكله لكنه أفضل من غيره" مرتفعة، إذ تبلغ 75 في المئة في استطلاع /2017 2018 (مقابل 55 في المئة من الجزائريين في استطلاع 2016.) كذلك ظلّ هذا الاتجاه ثابتًا على نحو مدهش على مر السنين، مع عدم وجود قفزات جذرية من عام إلى آخر. وخلافًا لما حدث في الجزائر، حيث ارتفعت نسبة المستجيبين الذين لا يتفقون مع هذه العبارة ارتفاعًا كبيرًا (من 19 في المئة في استطلاع 2011 إلى 38 في المئة في استطلاع 2016)، في حين تُظهر العينة السودانية نتائج مختلفة: 16 في المئة فقط من المستجيبين السودانيين لم يوافقوا على العبارة في استطلاع /2017 2018 (الشكل 8.) وهذا لا يختلف كثيرًا عن المستويات المسجلة في استطلاع 2011 قبل الربيع العربي (نسبة 18 في المئة.)
ﻋﺪم اﻟﺜﻘﺔ اﻟﺜﻘﺔ
اﻟﺴﻮدان
ﻻ أﻋﺮف/ رﻓﺾ اﻹﺟﺎﺑﺔ اﳌﻌﺎرﺿﻮن اﳌﻮاﻓﻘﻮن
في الواقع، إن دعم الربيع العربي أعلى في السودان منه في الجزائر بهامش كبير؛ ففي استطلاع، عندما سُئل 2016 المستجيبون السودانيون عن الربيع العربي، كان رأي غالبية قدرها 56 في المئة بشأن الاحتجاجات "إيجابي جدًا/ إيجابي إلى حدٍ ما." شهدت هذه النسبة انخفاضًا كبيرًا في استطلاع /2017 2018، إذ كان رأي 45 في المئة فقط من المستجيبين بشأن الاحتجاجات "إيجابي جدًا/ إيجابي إلى حدٍ ما." ومع ذلك، فإن معدلات دعم الربيع العربي في السودان أعلى منها في الجزائر.
نتائج
هذه البيانات لها آثار مثيرة للاهتمام على أحدث موجات الاحتجاج التي رأيناها تندلع في كلا البلدين. فالانطباعات السابقة عن الديمقراطية، وتأثيرها في الاستقرار، والربيع العربي كحركة، لا يبدو أنها من العوامل المحفزة في الانفجارات الأخيرة. فعلى سبيل المثال، يختلف الانطباع عن الربيع العربي في السودان عنه في الجزائر، لكن كلا البلدين شهد حراكًا متواصلً ودرجة من النجاح في الحصول على تنازلات من الحكومة. ومن ثمّ، قد يستكشف الباحثون المهتمون الدافع وراء الحراك، من خلال التبحّر في بيانات على مستوى الأفراد. وبهذه الطريقة، يستطيعون إلقاء الضوء على مسألة ما إذا كان للدافع الاحتجاجي أي تأثير في نجاح الاحتجاج.