قصور سياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط
الملخّص
إذا أردنا التفكير بشأن مستقبل المنطقة العربية عامة، ومنطقة الخليج العربي خاصة، يكون من المهم إجراء تقييم صحيح لحالة توزّعًالقوة في المنطقة. وهو ما يطرح تساؤل ا حول طبيعة توازن القوى الجديد انطلاق ا من التحولات المتسارعة في المنطقة. تجادل هذه الدراسة بأن مفهوم توازن القوى التقليدي، وفق المقاربة الواقعية في العلاقات الدولية الذي تعتمد عليه الإدارات الأميركية في ضمان مصالحها في المنطقة، قد عفا عليه الزمن؛ وذلك بالنظر إلى الحقائق السائدة في الشرق الأوسط حاليًا. فالتنافس بين القوى الإقليمية الرئيسة، وهي السعودية وتركيا وإيران، ليس له طابع المواجهة المباشرة، بل يحدث من خلال المشاركة بالوكالة في الدول التي مزقتها الحروب الأهلية (سورية، واليمن، والعراق.) فالرابحون والخاسرون في هذه المنافسة يتحددون من خلال القدرات التحالفية والاقتصادية والقدرات الحربية الهجينة، أكثر مما يتحددون من خ لاا مؤشرات القوة العسكرية التقليدية وفق نظرية توازن القوى. تحاجّ هذه الدراسة أيض ا بأن مصالح الولايات المتحدة لا تكمن في مستوى العلاقة بكل دولة على حدة من حلفائها، مثل السعودية وإسرائيل، بل إن مصالحها تكمن أيض ا في المستوى الإقليمي، وأن الاستجابة الأكثر فاعلية، فيما يتعلق بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، تكون من خلال مقاربة أكثر توازن ا ودقة عمادها إطار أمني جماعي مدعوم دوليًا. كلمات مفتاحية: توازن القوى، الواقعية، الولايات المتحدة، الخليج العربي، إيران. This study explores the concept of a traditional balance of power based on realism, which, for several reasons, is unsuitable to explain the relations between the US and the Gulf States. First, competition between the main regional powers, Saudi Arabia, Turkey and Iran, is not characterized of direct confrontation, but rather manifests through proxy interference in civil war-torn countries (Syria, Yemen, and Iraq). Second, since the greatest threat to the region that has resulted from this competition is an unintended escalation, the final endgame must be collective security and stability, not a balance of power. Third, balance of power in the conventional sense is unrealistic given the actual quantitative and qualitative conventional military superiority of the GCC countries compared to Iran's military capacity. Keywords: Balance of Power, Foreign Policy, the Gulf, United States.
The Limitations of US Foreign Policy Towards the Middle East
مقدمة
تبدو قرارات سياسة الولايات المتحدة الأميركية الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط كأنها تُصاغ في دوائر خالية من التفكير الاستراتيجي1؛ إذ هناك تراجع في الحوار الجاد بشأن المصالح الحيوية للولايات المتحدة في هذه المنطقة المضطربة، وكيف من المحتمل أن تكون قد تغيرت منذ انتهاء الحرب الباردة قبل نحو ثلاثة عقود. ذلك أن الحوار بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الحالية يجري بمعزلٍ عن أي تحليل واضح للديناميات الإقليمية، التي تقف وراء توزع القوة في الشرق الأوسط. ولذلك، من المرجح أن يكون أي حوار حول أفضل السبل للنهوض بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط من قبل الإدارة الحالية عديم الجدوى، إذا لم تتوافر صورة واضحة تمامًا عن الحالة السياسية وديناميات القوة في المنطقة. ومن المرجح أيضًا أن تكون القرارات السياسية بائسة وحتى متهورة، إذا لم تستند إلى تحليل واقعي في منطقة الشرق الأوسط. لذا تجادل هذه الدراسة بأن السياسة الخارجية الأميركية الحالية تجاه الشرق الأوسط عمومًا، ومنطقة الخليج خصوصًا، لا تنهض بالمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة ولا تراعي على نحو ملائم ديناميات القوة الناشئة في المنطقة. كان منطقيًا في إطار الحرب الباردة أن تعبّ الولايات المتحدة عن مصالحها بلغة الحليف والخصم. لقد كان فقدان أو كسب حلفاء محددين يؤثر مباشرة في مصالح الولايات المتحدة، وفي فرص احتوائها للاتحاد السوفياتي، كما كانت ديناميات القوة في المنطقة من الأمور المسلّم بها؛ لأنها عكست إلى حد كبير بنية الحرب الباردة على الصعيد الدولي. أما اليوم، فلا تزال ديناميات القوة في الشرق الأوسط غير مسلّم بها، لكنها فعليًا متاحة لمن يريد فهمها. ولهذا السبب، لا ترتبط مصالح الولايات المتحدة بدولٍ فرادى، من الحلفاء أو الخصوم، فحسب، بل أيضًا باستقرار المنطقة كلها. وينبغي، من ثمّ، عدم اعتبار التحالفات غاية في حد ذاتها، بل أيضًا وسيلة لخدمة مصالح الولايات المتحدة المتمثلة بالاستقرار الإقليمي. تعتمد السياسة الأميركية الحالية نظام توازن القوى في المنطقة، وترى أنه فعال في إدارة مصالحها؛ حيث يمكن تصحيح الاختلالات المتصوَّرة أو الحقيقية في التوازن من خلال تحكّم واشنطن في مقياس توزع القوة2. ولكن الواقع يشي بأن نظام توازن القوى غير فعّال في المرحلة الحالية؛ لأنه عادة ما يكون بين دول قوية، وليس بين دول قوية وأخرى متصدعة. وبناء عليه، تشهد المنطقة وجود نوعين من توازنات القوى، النوع الأول بين دول فرادى، وهي الدول المتماسكة مثل إيران والسعودية، وإيران وإسرائيل، حيث تتنافس دولتان أو أكثر على القوة مباشرة. أما النوع الثاني، وهو الأكثر شيوعًا اليوم، فيجري داخل الدول المتصدعة؛ حيث تتنافس القوى الإقليمية داخل الدول التي تشهد حروبًا أهلية عبر وكلاء محليين. لذا، تحاجّ هذه الدراسة بأن سياسة الولايات المتحدة الحالية تأخذ في اعتبارها التوازن الأول وتعززه ولا تقيم وزنًا للنوع الثاني من التوازن، علمً أنه الأكثر تهديدًا لاستقرار المنطقة. ففي وقت تحاول الولايات المتحدة تعزيز التوازن بين الدول المتماسكة مثل السعودية وإيران، وإسرائيل وإيران، تعزز في المقابل إيران من نفوذها وعوامل قوتها داخل الدول، وسط نظام إقليمي متصدع. وبالنظر إلى هذا الواقع، كلما زادت الولايات المتحدة ضغوطها على إيران، اشتدّ حافز طهران لزياد نفوذها داخل الدول التي تشهد حروبًا أهلية؛ ما يقوض الاستقرار ويضعف من المصالح الإقليمية للولايات المتحدة.
أولا: إعادة النظر في المصالح الأميركية: من الحرب الباردة إلى الثورات العربية
يجب أن تكون المصالح الاستراتيجية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط بمنزلة نجم القطب الذي تسترشد به سياسة الولايات المتحدة الخارجية؛ إذ إن التحولات المتسارعة في المنطقة لا بد من أن تُنبّه صانعي السياسة إلى ما هو على المحك بالنسبة إلى مصالح واشنطن، ويمنحهم، مع غيرهم من القوى الدولية (روسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي)، ما يقيسون به نجاح السياسة الخارجية أو فشلها؛ حيث من المُرجّح أن يؤدي رسم الولايات المتحدة لسياساتها وتنفيذها بمعزل عن مصالحها الحيوية إلى فشل استراتيجي. لقد شهدت دوائر صنع القرار في واشنطن نقاشات عديدة حول دورها ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة، لكن الملاحظ أنها قد حافظت على مصالحها باتباع أساليب الحرب الباردة إلى حد كبير. عندها كانت المصالح تتمحور حول الدول، وكيفية أداء
الحلفاء والخصوم الإقليميين أدوارهم في حسابات احتواء الاتحاد السوفياتي. وعلى الرغم من أن نوع المصالح الأميركية وطبيعتها تغيّ ت منذ نهاية الحرب الباردة، إلى حدٍ ما، فإن التعبير عن هذه المصالح لا يزال يتّسم بضيق الأفق. وما عاد هناك اتحاد سوفياتي ليكون في منزلة العدو، لكنّ صنّاع السياسة في الولايات المتحدة ما زالوا يواصلون التعبير عن المصالح لجهة خصوم محدّدين، مثل هزيمة المنظمات الإرهابية الدولية أو احتواء إيران، وحلفاء محدّدين مثل إسرائيل والسعودية. وهناك مصالح أخرى، مثل حماية تدفّق النفط، وهذا يتعلق بقضية اقتصادية محدّدة للغاية. ليس هناك إشكال جوهري في صياغة المصالح، كلًّ على حدة؛ إذ يمكن لسياسة الولايات المتحدة الخارجية التمسّك بأهداف محدّدة، من قبيل حماية تدفّق النفط والحيلولة دون المزيد من التسلّح النووي في منطقة الشرق الأوسط وحماية أمن إسرائيل وهزيمة المنظمات الإرهابية3. لكن منذ نهاية الحرب الباردة، ولا سيما منذ الفوضى التي خلّفتها الثورات العربية (التي بدأت في عام 2011) والحروب الأهلية التي تلت ذلك، باتت مصالح الولايات المتحدة أوسع وتشمل المستوى الإقليمي، لا مستوى كل دولة بمفردها فحسب. خلال الحرب الباردة، كان التركيز على استقرار كل دولة على حدة؛ خشية أن يستغل الاتحاد السوفياتي أي حالة من عدم الاستقرار. ولما دبّرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA الانقلاب ضد رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق في عام 1953، كانت مدفوعة بهذه الخشية4. وكانت التحالفات، خلال تلك الحقبة، هي الوسيلة التي يتحقق بها احتواء الاتحاد السوفياتي، ومن ثمّ كان أيُّ حادث يُهدّد بكسر تلك التحالفات يؤثر مباشرة في المصالح الأميركية في المنطقة. لم تكن الديناميات الإقليمية خلال الحرب الباردة مصدر قلق فعلي؛ حيث تأثرت دول منطقة الشرق الأوسط، إلى حدّ ما، بالنظام الدولي الثنائي القطبية. وفُرزت المنطقة إلى معسكرين، أميركي وسوفياتي، ولم يكن هناك اهتمام كبير بشكل النظام الإقليمي، أقلّه حتى قيام الثورة الإيرانية في عام 1979 5. وساد تصوّر مفاده أن أي اضطراب إقليمي يمكن السيطرة عليه عبر تدخّل إحدى القوتين العظميين، أو كلتيهما6. ومع نهاية الحرب الباردة، كانت سياسة التحالفات، لا سياسة الولايات المتحدة في المنطقة في حدّ ذاتها، هي أساس سياسة الولايات المتحدة الخارجية.
لكن، بعد الحرب الباردة، وخصوصًا مع اندلاع "الربيع العربي" في نهاية عام 2010، سواء اعترف صنّاع السياسات في واشنطن بذلك أم لا، حدث تحوّل في المصالح الأميركية من التركيز على الدول إلى التركيز على المنطقة نفسها، من دون أن يعني ذلك أن التحالفات مع الدول أصبحت غير مهمة. فالدول، بالطبع، هي التي تشكّل المنطقة، لكن مع انتقال المنطقة من نظام مستقر إلى حدّ معقول في فترة الحرب الباردة إلى منطقة تمر بتحوّل عميق وتصارع مع دينامياتها البنيوية، أصبح الاستقرار الإقليمي الاهتمامَ الغالب في سياسة الولايات المتحدة. ثمة سؤال وجيه لا بد من طرحه: لماذا يجب الآن التركيز على استقرار المنطقة أساسًا إلى مستوى تُؤخذ فيه مصلحة الولايات المتحدة الحيوية في الحسبان، عن طريق دعم الحلفاء المشابهين وإسنادهم عبر عداء الدول/ الجهات الفاعلة المنافسة؟ لم يكن هناك، خلال الحرب الباردة، سوى عدد قليل من المناسبات التي هدّدت فيها الحوادث في المنطقة بالارتداد سلبيًا على الولايات المتحدة أو الاتحاد السوفياتي، أو بجرّهما، باعتبارهما قوتين عظميين، إلى صراع مفتوح7. أما حاليًا، وخلافًا لحقبة الحرب الباردة، فأي حالة من عدم الاستقرار قد تنشأ في الشرق الأوسط، سرعان ما ستتحوّل إلى قضية دولية؛ إذ أثارت الهجمات الإرهابية، وشبح الحوادث الإرهابية في المستقبل، قلق أوروبا والولايات المتحدة. زد على ذلك، أن موجات اللاجئين، من مناطق الحرب الأهلية في الشرق الأوسط، غيّت طبيعة الخطاب السياسي في أوروبا،
وربما في الولايات المتحدة أيضًا، وأطلقت العنان للقوى الشعبوية. لذلك، فإن احتمال أن يؤدي عدم الاستقرار في الشرق الأوسط إلى زعزعة النظام الدولي يجعل الاستقرار الإقليمي مصلحة أساسية للولايات المتحدة. ونتيجةً لذلك، تكمن المصالح الأميركية، ليس على مستوى كل دولة فحسب، بل على المستوى الإقليمي أيضًا. إن للولايات المتحدة مصلحة في تهدئة الحروب الأهلية في المنطقة، وفي الحدّ من احتمال أن ينتشر العنف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وإلى خارجه. السؤال: كيف ترتبط هذه المصلحة الإقليمية بالمصالح الأميركية الأخرى المتفرقة في الشرق الأوسط؟ وكيف تستفيد دول المنطقة كلها من الاستقرار الإقليمي، وخصوصًا حليفتي أميركا، إسرائيل والسعودية؟ لقد وقعت كل من الرياض وتل أبيب في فخ الصراع الذي عصف بالمنطقة، ومن ثمّ ربما تتردّدان في تعزيز نشاطات تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، إلّ أنهما، على شاكلة دول المنطقة الأخرى كلها، لا يمكن أن تزدهرا اقتصاديًا وتنعما بالأمن إلا في منطقة مستقرة8؛ إذ تكمِّل مصلحة الولايات المتحدة في الاستقرار الإقليمي مصالحها الأخرى المتعلقة بتأمين التدفق الحر للنفط. وقد يؤدي عدم الاستقرار الإقليمي إلى ارتفاع الأسعار، وإلى انقطاع الإمدادات أيضًا. وهناك من قد يقول إن الولايات المتحدة باتت إلى حدّ بعيد مكتفية ذاتيًا من الطاقة، وبالنتيجة ما عادت إمدادات الطاقة الآمنة من الشرق الأوسط تمثل مصلحة أساسية للولايات المتحدة. لكن حقيقة أن حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين ما زالوا يعتمدون على نفط الشرق أوسط وغازه، هو ما يجعل هذه المنطقة تحظى بأهمية دائمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالطاقة. ثمة سؤال مهم آخر: أين تُصنِّف الحاجة إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي موقعَ إيران في المصالح الأميركية؟ من المؤكد أن إيران تبقى لغزًا محيّ ا بالنسبة إلى الولايات المتحدة. فهي تتحدّى المصالح الأمنية الإسرائيلية في سورية، وأصبحت أكثر عدائية تجاه الولايات المتحدة منذ انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق النووي معها، وتعمل، باستثناء الأعوام الأخيرة من إدارة باراك أوباما، في الواقع ضد المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. ويُنظر إليها أيضًا باعتبارها تمثّل تهديدًا للسعودية التي تُعتبَ حليفة الولايات المتحدة، حيث وسّعت نفوذها لتشمل العواصم العربية: بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وكانت طرفًا فاعلً في الحروب الأهلية في عدد من هذه البلدان. لكن إيران ليست في منزلة اتحاد سوفياتي جديد، ولا تُ ثّل تهديدًا دوليًا. وإضافة إلى ذلك، وإن كان لإيران، مثلها مثل القوى الكبرى الأخرى في الشرق الأوسط، تأثير مزعزع للاستقرار في النظام الإقليمي الحالي، فإنها صاحبة مصلحة أيضًا في منطقة أكثر استقرارًا، وستستفيد من هذا الاستقرار. وإذا أمكن إيران أن تواصل التصرف في المنطقة بالطريقة التي تعمل بها حاليًا، فهذا يعود إلى فشل الدولة والحروب الأهلية في العالم العربي. ومن شأن العمل لأجل الاستقرار الإقليمي أن يُقلّل من فرص إيران وإغراءاتها للتدخل في شؤون المنطقة. وفي المآل، سواء أحببنا ذلك أم لا، ستكون إيران ضرورية لتحقيق الاستقرار في المنطقة. وتحديد المصالح الأميركية ب "التصدي لإيران" يقوّض المصلحة الأميركية الشاملة في الاستقرار والأمن الإقليميين9.
ثانيًا: الواقعية وتوازن القوى والتحولات السياسية في الشرق الأوسط
يمر الشرق الأوسط باضطراب وتحوّل عميقين؛ ما يُصعّب على واضعي السياسات في واشنطن تحديد ورسم المصالح هناك، فضلً عن ضمانها وحمايتها في ظل التغيرات المتسارعة في المنطقة وضرورة فهمها ومعرفة اتجاهاتها. فمن المرجّح أن يؤدي الخطأ في التشخيص إلى عرقلة مساعي تعزيز المصالح الأميركية، وربما يؤول في الواقع إلى فشل استراتيجي10. يبدو أن صنّاع السياسة في الولايات المتحدة عالقون في الماضي؛ إذ كان الشرق الأوسط خلال الحرب الباردة نظام توازن قوى يتواجه فيه معسكران: حلفاء الولايات المتحدة من جهة وحلفاء الاتحاد السوفياتي من جهة أخرى. لكن ذلك النظام كان مصطنعًا، حيث يعكس البنية التي أنشأتها القوتان العظميان، بدلً من أن يعبّ عن الديناميات المحلية للقوة في المنطقة. وكتب مالكوم كير -1931(1984) عن هذا الموضوع في سبعينيات القرن الماضي، محاجًّا بأن المنطقة في الخمسينيات والستينيات تأطّرت بالصراع بين مصر المدعومة من الاتحاد السوفياتي ومنافسيها، مثل السعودية والأردن، المدعومين من الولايات المتحدة11.
واصلت الولايات المتحدة حتى بعد انتهاء الحرب الباردة التعامل مع الشرق الأوسط، باعتباره نظام توازن قوى. ولاحقًا، باتت مطلقة الأيدي في مساعيها للتأثير في ميزان القوى في المنطقة، باعتبارها القوة العظمى الوحيدة الباقية. فخلال إدارة بيل كلينتون -1993(2001)، اتّبعت الولايات المتحدة سياسة الاحتواء المزدوج لإيران والعراق12. وعلى الرغم من أن نفوذ العراق بات محدودًا بسبب عقوبات الأمم المتحدة ومناطق حظر الطيران التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا بعد حرب الخليج الثانية 1991-1990()، ساد تصوّر مفاده أنه لا بد من احتواء الرئيس العراقي في حينه، صدام حسين 2006-1937()، وموازنة نفوذه عن طريق القوات الأميركية المتمركزة في المملكة العربية السعودية والبحرين. كان هذا الوجود العسكري الأم كيرر نفسه، إلى جانب مضاعفة الدعم للحليفتين السعودية وإسرائيل، يهدف إلى احتواء إيران التي شكّلت مع سورية وحزب الله نوعًا من جبهة المقاومة ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
رزحت المنطقة تحت تأثيرات ثورات الربيع العربي ووقعت فريسة للحرب الأهلية، وبدأت تفقد خصائصها باعتبارها نظامًا لتوازن القوى تمركز حول الدولة؛ ما أفقد بعض الدول التي اندلعت فيها ثورات شعبية (سورية، وليبيا، واليمن) تماسكها وجعلها تكتسب خصائص نظام دول فاشلة. ومع ذلك، كانت السياسة الأميركية بطيئة الاستجابة لهذا التغيير في البنية الإقليمية. وبقيت إدارة ترامب، التي تستخدم إسرائيل والسعودية لموازنة نفوذ إيران، تبني سياستها على مقدمة خاطئة، مفادها أن مبادئ توازن القوى ما زال سائدًا. كما تتبنى هذه الإدارة فكرة أن الضغط على إيران من المرجّح أن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار الإقليمي. لكن، من المرجح أن تؤدي مواصلة هذا المسار، في ظلّ نظام الدول الفاشلة الذي أصبح الشرق الأوسط عليه، إلى فشل استراتيجي، ويمكن أن تُقوّض في الواقع المصالح الأميركية. سيكون من الحكمة أن يدرك صانعو السياسة في الولايات المتحدة أن مفهوم توازن القوى والأطر النظرية الواقعية ليس أيديولوجيا أو وصفة طبية، بل كان يُقصد منه، في الحقيقة، أن يتيح فهم سلوك الدول والمناطق، ولا سيما في سياق النظم القوية المرتكزة على الدولة. لكنّ صانعي السياسة في واشنطن اتجهوا، على مدار عقود، إلى التعامل مع نظرية توازن القوى باعتبارها حقيقة بدهية تصلح للبنى الإقليمية كلها، بما في ذلك نظام الدول الفاشلة الشرق أوسطي الراهن، وكانت في منزلة الدليل الأتوماتيكي لسياساتهم. نشأ مفهوم توازن القوى في إطار النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، حيث تُعدّ الدول كيانات تميل إلى تعظيم قوتها والبحث عن مصالحها. ووفقًا لهذا النوع من الإطار القائم على المحصلة الصفرية، فإن التعاون بين الدول ليس شأنًا طبيعيًا أو حتى عقلانيًا، بل يحدث في ظل الأوضاع التي يسود فيها توازن القوى فحسب13. لإثبات التحوّل الذي شهده الشرق الأوسط، من المهم أن نُدقّق في خصائص نظام توازن القوى، ونقارنه بنظام الدول الفاشلة في المنطقة اليوم. تُعدّ مركزية الدولة إحدى خصائص نظام توازن القوى. ويرى المنظّرون الواقعيون أن الدول هي الفاعل الرئيس في الشؤون الدولية. ويتكوّن الشرق الأوسط، وفقًا لهذا النهج في التفكير، من دول تتنافس في ما بينها لأجل القوة والتفوّق في نظام إقليمي فوضوي. وتعمل الدولة على زيادة قوتها مقارنةً بالدول الأخرى، ويكون ذلك إما عن طريق تحقيق توازن داخلي عبر تعزيز قوتها العسكرية، وإما تحقيق توازن خارجي من خلال عقد تحالفات مع دول أخرى14. في سياق القول بمركزية الدولة، تكون المناطق، مثل الشرق الأوسط، أنظمة معرّضة لضغوط شديدة، حيث تتنافس الدول في ما بينها لأجل القوة والتفوّق. تسود في هذا النظام لعبة المحصلة الصفرية، حيث من المرجّح أن يكون كسب إحدى الدول للقوة على حساب دول أخرى. وما إن تنهار المنافسة السلمية داخل مثل هذا النظام، حتى تفسح المجال لنشوب صراع مفتوح يتخذ شكل حرب بين الدول. تحدث الحروب في مثل هذه الأنظمة الفوضوية في سياق سعي الدولة لزيادة قوتها واصطدامها بالمصالح المنافسة للدول الأخرى15.
لكن الشرق الأوسط، كما ناقشنا أعلاه، ما عاد اليوم يقوم على نظام مركزية الدولة، بل على نظام دول فاشلة. فقد انهار النظام الإقليمي بوجود دول في حرب أهلية، ليبيا وسورية واليمن، والعراق في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية. ويُضاف إلى هذا الانهيار وتدهور الدول في الشرق الأوسط صعود أطراف فاعلة من لادولتية، مثل تنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش"16.
1. شرق أوسط واحد ولعبتان سياسيّتان
في نظام الدول المتدهورة الشرق أوسطي، يجري الصراع وفق لعبتين في وقت واحد: الأولى لعبة الصراع بين الدول، وفقًا للتنظير الواقعي لعملية توازن القوى. في الشرق الأوسط اليوم دول قوية، مثل إسرائيل وتركيا وإيران والسعودية، تتنافس مباشرة، وأحيانًا تتصارع في ما بينها. وكما تتنبأ نظرية توازن القوى، تزيد هذه الدول من قدراتها الداخلية وتشكل تحالفات خارجية لأجل تعظيم القوة وردع عدوان بعضها على بعض. ومن المؤكد أنّ إسرائيل وإيران تُظهران هذا النوع من السلوك المباشر بين الدول من خلال المواجهات المفتوحة بينهما في سورية. ومن المؤكد أيضًا أن السعودية وإيران تزيدان قدراتهما الداخلية والخارجية في مواجهة إحداهما الأخرى؛ لأجل إنشاء حالة ردع ضد العدوان. ومن حسن الحظ، أن هاتين القوتين تجنّبتا حتى الآن الصراع المباشر، دولة ضد دولة. اللعبة الثانية هي لعبة الصراع داخل الدول التي لا تتوافق لا مع نظرية توازن القوى، ولا مع النظرية الواقعية. في إطار هذه اللعبة، لا تتنافس الدول القوية، مثل إيران والسعودية وإسرائيل وتركيا، مباشرة، بل تطرح قضاياها من خلال الوكلاء في مناطق الحرب الأهلية في سورية واليمن، وفي الدول الضعيفة مثل العراق ولبنان، وتُساهم كلها في نظام الدول الفاشلة الذي أصبح عليه الشرق الأوسط الآن. ولا يكون هدف التنافس بين القوى الإقليمية الكبُرى في الشرق الأوسط في هذه اللعبة السعي لتحقيق مكاسب إقليمية بعضها مقابل بعض، بل كسب النفوذ داخل أكثر الدول هشاشة في المنطقة. تبدو السعودية في وضع الواثق إلى حدّ معقول في لعبة المنافسة ما بين الدول، إلا أنها حانقة بشأن ما لدى إيران من مزايا في اللعبة داخل الدول واستخدامها قدرات الحرب الهجينة17. ودفعها إحساسها بالتهديد إلى الاعتقاد أن إيران تستولي على العواصم العربية الأربع: بغداد، ودمشق، وصنعاء، وبيروت. لكن إيران في الحقيقة لا تمارس سيطرة كاملة على هذه العواصم، بل انتهزت في الواقع فرصة نشوب الحروب الأهلية في هذه البلدان واستغلتها لتوسيع نفوذها إلى قلب المنطقة العربية. واستخدام القدرات التقليدية في تهديد الخصوم لا يجعل إيران في وضع الطرف المهيمن إقليميًا، لكنها تتمتع بمزايا واضحة في لعبة الحرب بالوكالة داخل الدول؛ ما يمنحها نفوذًا إقليميًا أكبر. تتقاطع هاتان اللعبتان، المنافسة بين الدول وفي داخلها، وتنتجان تأثيرًا مُدمّرًا تصاعديًا. تدرك السعودية وأعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية الآخرين أنهم أقلّ حظًا في لعبة الحرب بالوكالة، لذا فقد عوّضوا عن هذا الأمر بتكثيف قدراتهم العسكرية التقليدية وتحصين تحالفاتهم الخارجية مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل أيضًا. وهذا بدوره منح إيران الحافز إلى مزيد من الانخراط في مناطق الحرب الأهلية في سورية واليمن ومدّ نفوذها إلى عمق العراق. وبتعبير آخر، حوّلت هاتان اللعبتان المتزامنتان الشرق الأوسط من نظام توازن قوى مضغوط إلى نظام دول فاشلة، تتسرب منه القوة على نحو خطر في أرجاء المنطقة. وكلمّا زادت الضغوط التي تمارسها السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة على إيران، رسّخت إيران أقدامها على نحو أعمق، مستغلة ما تتمتّع به من ميزة تنافسية في المنطقة، تجعلها قادرة على إدامة الصراع في مناطق الحرب الأهلية. ويؤدي هذا إلى حالة تشبه النفخ في إطار مثقوب. فبدلً من أن تضع الإجراءات السعوديةُ إيران تحت الضغط، تدفعها إلى توسيع نفوذها في مناطق الحرب الأهلية؛ ما يؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار الذي يتسرّب إلى أرجاء المنطقة. فكلما زاد الضغط على إيران وحشُرت في الزاوية، ازداد تسرّب عدم الاستقرار من مناطق الحرب الأهلية وأصاب المنطقة.
2. القوى الإقليمية في الشرق الأوسط: قدرات غير متماثلة
تكون قدرات الدول في نظام توازن القوى متماثلة تقريبًا، وفق رؤية الواقعيين. ثمة سجالات بين الواقعيين بشأن مسألة القدرات، لكن يبدو أن هناك اتفاقًا على أن الدول، باعتبارها كيانات متنافسة تُعظّم قواها باستمرار، تميل إلى محاكاة قدرات بعضها18. بتعبير آخر، تُنظّم الدول شؤونها، في نظام توازن القوى، وكأنها صور مرآوية بعضها لبعض، بما يُ كّنها من المنافسة بفاعلية أشدّ. ولعلّ المنافسة
بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة أفضل مثال على ذلك، حيث كانت متماثلة من حيث إن كلتيهما استخدمت القدرة على صنع أسلحة نووية كرادع، ونظّمتا قدراتهما العسكرية التقليدية على نحو متماثل، حيث لكلّ واحدة منهما جيش بري وقوات بحرية وقوات جوية. كان تماثل القدرات بين الدول من سمات الشرق الأوسط خلال فترة طويلة من حقبة الحرب الباردة، لكنّ الأمر ما عاد كذلك في نظام الدول الفاشلة الذي أصبحت عليه المنطقة. فقدرات السعودية، تتصف بأنها أكثر تقليديّة ومنظمة للمنافسة العسكرية والردع ما بين الدول. أما قدرات إيران، فمن نوع قدرات الحرب الهجينة الأنسب للصراع داخل الدول، وهذا كما ناقشنا أعلاه، هو النمط الرئيس للصراع والمنافسة في نظام الدول الفاشلة الشرق أوسطي اليوم. لذلك هناك تمايز في القدرات، وليس محاكاة19. لنوضّ ح قليلً هذا التمايز في القدرات. إن القدرات التي تمنح إيران مزايا في لعبة الحرب بالوكالة داخل الدول في مناطق الحرب الأهلية لم تكن معهودة كثيرًا بين الدول خلال الحرب الباردة؛ حيث نُظر آنذاك إلى المنطقة باعتبارها نظامًا لتوازن القوى. ومصدر ما تتمتع به إيران من ميزة تنافسية في نظام الدول الفاشلة الراهن هو قدرات هجينة منخفضة التكلفة، وتحالفات لا تعتمد كثيرًا على دول أخرى كما هي الحال في نظام توازن القوى الكلاسيكي، بل تعتمد أكثر على فواعل لادولتية، مثل حزب الله والحوثيين وغيرهم من الجماعات الشيعية شبه العسكرية. ومن ثمّ، إذا كانت إيران لا تتمتع بميزة الإنفاق العسكري التقليدي، مقارنةً بالمملكة العربية السعودية، فإنها تتمتع بقدرات حرب هجينة لا تُضاهى، ولعلّ أفضل ما يُ ثّلها فيلق القدس التابع لقوات الحرس الثوري الإيراني20. كان في أثناء الحرب الباردة تمايز أقل وتماثلٌ أكبر بين الدول في القدرات، وكان في استطاعة الدول، أقلّه تقريبًا، تقدير قوتها بعضها تجاه بعض، من خلال مقارنةً قواتها التقليدية واحتساب القدرات المستمدة من تحالفاتها، إمّا مع الولايات المتحدة، وإما مع الاتحاد السوفياتي. لكنّ هذا لا يعني أن الدول خلال الحرب الباردة لم تكن تخطئ في تقدير قدراتها تجاه الدول الأخرى. ففي الفترة التي سبقت حرب حزيران/ يونيو 1967 بين الدول العربية (مصر، وسورية، والأردن) وإسرائيل، بالغ الرئيس المصري في حينه جمال عبد الناصر 1970-1918() في تقدير قوة العرب واستفزّ إسرائيل عن طريق الخطأ بإغلاق مضيق تيران أمام الملاحة الإسرائيلية21. أدّى ذلك إلى هزيمة محرجة للدول العربية، وإلى احتلال إسرائيل الضفة الغربية وغزة ومرتفعات الجولان وسيناء. لكنّ هذه الحسابات الخطأ، صُحِّحت في الغالب لما خاضت مصر وسورية حربًا مع إسرائيل في حرب السادس من تشرين الأول/ أكتوبر 1973 التي انتهت نوعًا ما إلى طريق مسدود. لكن، في نظام مثل الشرق الأوسط حاليًا، حيث القدرات شديدة التمايز، يصعب جدًا على دول مثل إيران والسعودية معايرة قوتيهما إحداهما تجاه الأخرى. يتنافس الطرفان في ساحتين: ساحة ما بين الدول، وتمتلك فيها السعودية ميزة تنافسية نظرًا إلى قدراتها التقليدية المتفوقة، وساحة في داخل الدول، حيث تمتلك إيران تفوقًا تنافسيًا نظرًا إلى قدراتها الهجينة؛ هذا الوضع يجعل معايرة القوة أمرًا بالغ الصعوبة لكلا القوتين الإقليميتين لأسباب عدة، لعل أهمها، أن التهديدات المتصوَّرة تكون أشدّ تعقيدًا في نظام مكوّن من لعبتين. تحتاج السعودية إلى معالجة التهديد الذي تتصوّر أن مصدره إيران في كلتا اللعبتين. ففي اللعبة الأولى ما بين الدول، تشعر السعودية بالقلق من أن تمتلك إيران خططًا بشأن السيطرة على مدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة المقدستين22. وفي اللعبة الثانية داخل الدول، ترى المملكة أيضًا تهديدًا من إيران في مناطق الحرب الأهلية، حيث تشمل المنافسة تحالفات إيرانية مع فواعل لادولتية. وهذا الأمر يجعل حسابات القوة والقدرات ومعايرة عوامل القوة أشدّ صعوبة؛ لأن التعبير عن القوة هنا يتم على نحو غير مباشر عبر وكلاء، ويشمل ميليشيات وجماعات مسلحة صغيرة وعناصر من القوة الناعمة. تتفاقم مشكلة تقدير القوة هذه بسبب ضبابية الحروب الأهلية التي تتنافس كل من إيران والسعودية في ساحاتها. يمكن أن يوفر هذا حافزًا لكل دولة للتعويض عن عدم يقينها بشأن قواها، عن طريق تصعيد النزاع بدلً من تهدئته. فمن الأفضل أخذ الاحتياطات بدلً من الاعتماد على الحظ، عندما يتعلق الأمر بتأكيدات القوة. وهذا يعني أن الدول تميل إلى تفادي التهدئة عندما تفتقر إلى الثقة
في تقديرات قوتها، وتميل إلى التصعيد عندما تخشى الهزيمة. وهذا ما نشهده في اليمن، حيث أدّى التصعيد السعودي للنزاع إلى اشتداده باستمرار، من دون الوقوف حقيقةً على مدى تورّط إيران في هذه المعركة ضد عدوّ موهوم. وبتعبير آخر، تتسع النزاعات وتتصاعد لما تفتقر الدول إلى القدرة على معايرة قوتها وتفشل في الاتفاق على التوزيع الإقليمي للقوة23.
3. الالتحاق في مقابل التجمّع
ثمة خاصية أخرى لنظام توازن القوى، مفادها أن الدول تتجمع معًا لأجل تعظيم قوتها في مواجهة ما تعتبره جماعيًا تهديدًا من إحدى القوى الإقليمية المهيمنة. ففي مثل هذا النظام، تشكل الدول تحالفات وتُعزّزها لمواجهة جهود دولة أخرى تُهدّد مصالحها الحيوية. ومن ثمّ، يتوقع المرء، في ظل نظام دقيق لتوازن القوى، أن تُعزّز السعودية والإمارات علاقاتهما بالأعضاء الآخرين في مجلس التعاون، بما يعطي إشارة تحذير إلى إيران. لكنّ ما حدث بدلً من ذلك هو أن هذه الدول غرست بذور الخلاف داخل صفوفها من خلال توجيه اللوم إلى دولة قطر، وحصارها بسبب ما تعتبره التحاقها بإيران، ودعمها أطرافًا فاعلة لادولتية مثل جماعة الإخوان المسلمين. وبات الأمر مثل نبوءة ذاتية التحقق، حيث ردّت الدوحة بالاقتراب من إيران وتركيا المنافستين للسعودية24. يصعب وفق نظرية توازن القوى تفسير ظاهرة الالتحاق، عندما تصطف الدول إلى جانب القوة المهدِّدة وليس ضدها، أما في نظام الدول الفاشلة الشرق أوسطي، فيمكن تفسير هذه الظاهرة بسهولة. إن التهديد الآتي من إيران ليس إقليميًا أو بين الدول، وبغض النظر عن استياء الرياض من نيات طهران، فإن العدوان المباشر من إيران على السعودية هو في الحقيقة احتمال بعيد جدًا. بدلً من ذلك، نقول إن خوف السعودية من عدوان إيران ينشأ في سياق لعبة الحرب بالوكالة داخل الدول، حيث التهديدات غير مباشرة ومنتشرة وقابلة للتفسير (أو التفسير الخاطئ.) ولأنّ السعودية ترى بوضوح تهديدًا حادًّا من إيران، تدخل في اللعبة الداخلية الغامضة للحرب الأهلية في سورية واليمن. لكن حلفاء المملكة في دول مجلس التعاون، قطر والكويت وعمان، ينظرون إلى التهديد الإيراني على نحو مختلف تمامًا وأقل حدة. أحدث هذا الغموض بشأن تقديرات القوة انقسامات داخل دول المجلس وساهم في الصدع الحاصل بين السعودية والإمارات من ناحية، وقطر من ناحية أخرى. وإضافة إلى الخصائص الذاتية التي تحكم تصرّفات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يكمن جزء من المشكلة في الغموض وعدم اليقين بشأن كيفية تنافس الدول في المنطقة حاليًا. بتعبير آخر، يكون التجمع منطقيًا في الحالات التي تحدث فيها منافسة في الساحة التقليدية بين الدول، كما يتصوّر ذلك الواقعيون الكلاسيكيون، لكن يكون أكثر إشكالً في الحالات التي تحدث فيها منافسة في بيئة غامضة داخل الدول حيث يصعب معايرة القدرات. إن المصالح المشتركة، التي قد تدفع الدول إلى التجمّع في لعبة الصراع بين الدول، لا تُدرج بالضرورة في لعبة الحرب بالوكالة داخل الدول، حيث التحالفات اللادولتية أكثر شيوعًا، وحيث من المحتمل اختبار السيطرة على الحلفاء والثقة بهم. يرجَّح في ساحة الصراع بين الدول أن يكون التهديد المشترك الذي تتصوّره مجموعة من الدول من منافس إقليمي مباشرًا وواضحًا. أمّا عندما تتنافس هذه الدول في بيئة مناطق الحرب الأهلية في الشرق الأوسط، فقد ينهار هذا التصوّر المشترك للتهديد. كذلك، في هذا النوع من ساحات الحرب الأهلية، يجعل تشرذمُ المجموعات المحلية على الأرض تشكيلَ تحالفات أوسع بين الأطراف الخارجية، مثل السعودية والإمارات وقطر، أمرًا أشدّ صعوبة. ضمن هذا السياق، وخلافًا لنظرية توازن القوى، أضعفت السعودية صفوفها عبر توجيه اللوم إلى قطر، ودفعت الدوحة إلى سلوك طريق الالتحاق بقوى منافسة، أي إيران وتركيا.
ثًالث ا: قصور سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط
يصعب تبيّ نموذج متسق لسياسة الولايات المتحدة الخارجية تجاه الشرق الأوسط في أثناء إدارة الرئيس ترامب. ويبدو أنه بدلً من اتباع استراتيجية شاملة كبرى، تقوم سياسة الإدارة على سلسلة من القرارات غير المترابطة. فمن النقل الاستفزازي للسفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس في أيار/ مايو 2018، إلى التخلّ عن الاتفاق النووي الإيراني الذي وقع في تموز/ يوليو 2015، وصولً إلى السحب النهائي المعلن للقوات الأميركية من سورية الذي أعلن عنه الرئيس ترامب في كانون الأول/ ديسمبر 2018، يبدو أن ليس ثمة استراتيجية مُتّسقة، ولا إحساس واضح بكيفية نهوض سياسة هذه الإدارة بالمصالح الأميركية الحيوية. لكنّ الأهداف التي حدّدتها الإدارة للشرق الأوسط تبدو واضحةً، وكذلك الوسائل التي تنوي الإدارة استعمالها لتحقيق هذه الأهداف.
ويبدو أن احتواء إيران هو الهدف الأساس، إلى جانب مضاعفة دعم التحالفات الأميركية مع السعودية وإسرائيل اللتين تمثلّان الوسيلة لتحقيق هذا الهدف. كذلك يُستشف من سياسات إدارة ترامب أن ثمة اعتقادًا أساسيًا لدى صانعي السياسة، مفاده أن الشرق الأوسط لا يزال نظام توازن قوى ويتفاعل إيجابيًا مع تحركات القوة القائمة على النزعة الواقعية. والنتيجة الطبيعية لهذا الاعتقاد هي أن صيغة تحقيق التوازن من الخارج هي الوسيلة الأفضل للنهوض بالمصالح الأميركية، وذلك عبر مضاعفة دعم الحليفتين السعودية وإسرائيل لإنشاء قوة معاكسة ضد إيران25. ومتابعة هذا الخط في التفكير، تفضي إلى أنه إذا لم يكن هذا النهج الخارجي كافيًا للتصدي للمصالح الإيرانية في المنطقة، فيمكن أن تُستخدم القوات الأميركية في العراق لتحقيق ذلك26. لكن، إذا كان تحقيق التوازن من الخارج هو الوسيلة التي ينوي مسؤولو ترامب استخدامها لمواجهة إيران، يُستنتَج، وبناءً على تحليل مصالح الولايات المتحدة والديناميات الإقليمية للشرق الأوسط، أن من غير المرجّح لأسباب عدة أن توفَّق واشنطن في إنجاز ذلك، وذلك لأسباب عدة: أولً، يفترض تحقيق التوازن من الخارج أنّ هناك قوة مهيمنة لها مخططات في المنطقة. ويُفترض أيضًا أنّ تنفيذ هذه المخططات من المحتمل أن يكون عبر تحدي الأطراف الإقليمية الفاعلة الأخرى في النظام. إن الشرق الأوسط، كما سبق أن ناقشنا، نظام دول فاشلة، وحين تبرز إيران نفوذها في أرجاء المنطقة، فهي لا تفعل ذلك بأسلوب الهيمنة الذي يتصوّره المحللون والممارسون من ذوي التوجه الواقعي. إنها بالأحرى لا تبُرِز قوتها ضد الدول الأخرى على نحو مباشر، بل عبر المناطق الأكثر هشاشة في المنطقة التي تصادف أن تكون مناطق حرب أهلية. ومن المرجح أن تؤدي الجهود الأميركية للتصدي لإيران، عبر إنشاء قوة معاكسة، إلى دفع طهران نحو التصعيد في مناطق الحرب الأهلية بغية تشكيل وضع رادع لأي هجوم محتمل عليها. ونجحت إيران في استحداث نوع من الردع الأولي عبر إيجاد شبح الانتقام من الهجمات العسكرية التقليدية التي يحتمل أن تشنّها الولايات المتحدة أو إسرائيل. إن مصير الضغط الأميركي ضد إيران يشبه ما يحدث في إطار مثقوب؛ كلما حاولت الضغط عليه، ازداد تسرب الهواء منه. وفي هذه الحالة التي ندرسها، الشرق الأوسط هو الإطار المثقوب، كلما ضُ غط عليه، تسرّبت القوة الإيرانية منه، وبرزت في مناطق الحرب الأهلية. إن سعي الولايات المتحدة للتصدي لإيران وحشرها في الزاوية يمكن أن يُزعزع استقرار المنطقة، ويُلحق الضرر بالمصالح الأميركية، بدلً من أن يعزّزها. ثانيًا، يفترض تحقيق التوازن من الخارج أن الطرف الذي تعمل الولايات المتحدة على موازنته ليس لديه خيارات لزيادة قوته عبر عقد تحالفات. وتُتيح الخيارات المتوافرة لإيران، على الأرجح، أن تتحدى الجهود الأميركية الساعية إلى تهميشها في الشرق الأوسط. وأدى انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي المتعدد الأطراف مع إيران إلى تحفيز روسيا والصين وأوروبا، موقعي الاتفاق، على رصّ الصفوف مع إيران. وبالنظر إلى تورّط روسيا في سورية إلى جانب إيران، فإن لديها القدرة، ويبدو أنها لديها الإرادة للقيام بذلك. وهذا يمكن أن يلهب النزاعات الإقليمية، بدلً من أن يخمدها، ويطيل أمد الحروب الأهلية المأساوية المزعزعة استقرار المنطقة. ينبغي لصانعي السياسة الأميركيين أن يعاملوا السلوك الإيراني في الشرق الأوسط، باعتباره أحدَ أعراض تحوّل نظام الشرق الأوسط إلى نظام دول فاشلة، وليس باعتباره مشكلة جوهرية في حدّ ذاته. إن ما نراه من سلوك إيراني بات ممكنًا، فحسب، لأن المنطقة تعاني وجود دول عربية ضعيفة غارقة في حروب أهلية. وإذا عانت المنطقة مزيدًا من عدم الاستقرار عبر دفع إيران إلى الزاوية أكثر، فذلك من شأنه أن يلحق الضرر بالمصالح الأميركية والإقليمية والدولية. ويتعيّ على الولايات المتحدة أن تنزع الطابع الشخصي عن سياستها الخارجية وتكفّ عن تحديد مصالحها حصريًا في الحلفاء والأعداء التقليديين. وبدلً من الاكتفاء بتوجيه الجهود حصريًّا إلى أعراض السلوك الإيراني، يتعيّ على الولايات المتحدة توجيه سياستها أيضًا إلى المستوى الإقليمي وابتكار حلول لمشكلة الشرق الأوسط الذي تحول إلى نظام دول فاشلة غير مستقر. يشير هذا إلى وجوب أن يكف صانعو السياسة الأميركيون عن التعامل مع المنطقة وفق شروط لعبة المحصلة الصفرية، من دون أن يعني ذلك أنه يتعيّ على الولايات المتحدة الابتعاد عن التحالفات القوية التي تربطها بالمملكة العربية السعودية وإسرائيل. وإضافة إلى محاولة احتواء نفوذ إيران الإقليمي، ينبغي إيجاد سُبل إشراكها في شؤون المنطقة. لكن، لن ينجح الإفراط في التعويل على مشاركة إيران، ولن ينجح أيضًا الإفراط في محاولة احتوائها. يعني هذا أنه يجب استكمال أي ضغط يُ ارس على إيران إما مباشرة وإما من خلال حلفاء الولايات المتحدة، بمسار دبلوماسي؛ ومن دون هذا
المسار الدبلوماسي، سوف تتصاعد حدّة التهديدات التي يتصوّر صانعو السياسة الإيرانيون أنهم يتعرّضون لها؛ ما يجعل أي نوع من المشاركة البناءة شبه مستحيل. إن المسار الدبلوماسي بعيد الاحتمال جدًا، عقب انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي، في حين أن المشاركة البنّاءة مع إيران ستكون ضرورية للنهوض بالمصالح الأميركية على المدى الطويل. ويتطلّب تحويل منطقة الشرق الأوسط، من نظام دول فاشلة إلى نظام مركزية الدولة، تهدئة مناطق الحرب الأهلية واستعادة الاستقرار فيها27. وفي المآل، تحتاج الولايات المتحدة إلى تحويل جهودها نحو تعزيز التعاون بين القوى الكبرى في المنطقة، مع التركيز على إنشاء بنية أمنية تنقل المنطقة من ساحة للعبة المحصلة الصفرية إلى منطقة لا تحجب المصالحُ المتضاربة فيها المصالحَ المشتركة كلّيًا.
رابعًا: سياسة الولايات المتحدة من القصور إلى الفاعلية
يجب أن تستند السياسة الخارجية للولايات المتحدة إلى ركيزتين أساسيتين كي تكون فاعلة: تتمثل الأولى بالصياغة الواضحة لمصالح الأمن القومي. فخلافًا لحقبة الحرب الباردة، تشمل مصالح الولايات المتحدة منطقة الشرق الأوسط كلها، وليس الدول فرادى فحسب. ونظرًا إلى أن لمشكلات الشرق الأوسط آثارًا دولية، فإن للولايات المتحدة مصلحة في الاستقرار الإقليمي هناك. وإن أي سياسة، سواء أكانت مضاعفة دعم التحالف مع إسرائيل والمملكة العربية السعودية أم التصدي لإيران، يجب أن تُقاس وفق ما إذا كانت تعمل لأجل هذه المصلحة أم ضدها. وكما ناقشنا، إن سياسة الولايات المتحدة الحالية تحيد عن تعزيز هذه المصلحة. الركيزة الثانية، أي سياسة خارجية تتمثل في وجوب استنادها إلى تحليل دقيق للشرق الأوسط. ربما تكون سياسة الولايات المتحدة الحالية منطقية في إطار لعبة توازن القوى الكلاسيكية، إلا أن هناك لعبة مختلفة تجري في نظام الدول الفاشلة الحالي في الشرق الأوسط. تؤدي الولايات المتحدة وحلفاؤها في أكثر الأحيان لعبة الصراع بين الدول، في حين يؤدي الإيرانيون لعبة الصراع داخل الدول في مناطق الحرب الأهلية. ولا تعني هذه اللعبة المزدوجة أن الولايات المتحدة وإيران تعملان في حيّزين استراتيجيين متوازيين فحسب، بل إن هناك أيضًا خطرَ التقاطع الفتّاك بين هاتين اللعبتين، حيث تعمل الولايات المتحدة على محاصرة إيران في وضع دفاعي صعب في سورية. يمكن أن يؤدي هذا لاحقًا إلى صراع عسكري مفتوح بين إيران وإسرائيل، وهو سيناريو يمكن أن يجرّ معه الولايات المتحدة وحتى روسيا. إن استمرار العمل كما لو أن الشرق الأوسط نظام توازن قوى تقليدي محوره الدولة، يمكن أن يكون مثل نبوءة ذاتية التحقق، حيث يمكن أن تتحوّل الحروب بالوكالة التي تجري داخل الدول في مناطق الحرب الأهلية إلى صراع تقليدي بين إسرائيل وإيران، أو حتى بين الولايات المتحدة وإيران. إن المخرج من دوّامة الصراع المزعزعة للاستقرار يكون باتّباع سياسة أميركية جديدة تجاه إيران، تزيد من فرص الاحتواء عبر المشاركة. والهدف من ذلك نقل إيران إلى وضعية الطرف المسؤول، صاحب المصلحة في نظام إقليمي أكثر استقرارًا. سيكون هذا ضروريًا للنهوض بالمصالح الأميركية في الشرق الأوسط على المدى الطويل، بصرف النظر عن كونه غير مرجَّح حاليًا في فترة حكم إدارة ترامب.
خاتمة
ناقشت الدراسة مفهوم توازن القوى التقليدي القائم على النزعة الواقعية، ورأت أنه مفهوم عفا عليه الزمن، بسبب الحقائق السائدة في الشرق الأوسط اليوم. وأرجعت الدراسة ذلك إلى أسباب عدة، أهمها: أولً، لا يملك التنافس بين القوى الإقليمية الرئيسة، أي المملكة العربية السعودية وتركيا وإيران، طابع المواجهة المباشرة، بل يحدث من خلال المشاركة بالوكالة في الدول التي مزّقتها الحروب الأهلية (سورية، واليمن، والعراق.) ثانيًا، بما أن الخطر الأكبر الذي يتهدّد المنطقة، الناجم عن هذه المنافسة بين القوى الإقليمية في مناطق الحرب الأهلية، يتمثل بحدوث تصعيد غير مقصود، فإن حصيلة اللعبة النهائية يجب أن تكون الأمن الجماعي والاستقرار، لا توازن القوى. فحتى لو كان هناك توازن حقيقي للقوة، فإن هذا لن يحمي المنطقة من خطر المزيد من عدم الاستقرار في النظام السياسي الإقليمي. ثالثًا، إن توازن القوى بالمعنى التقليدي غير واقعي؛ نظرًا إلى وجود تفوّق عسكري تقليدي كمّي ونوعي فعلي لدول مجلس التعاون، مقارنةً بقدرات إيران العسكرية. رابعًا: في حال استمرار قصور سياسة الولايات المتحدة على ما هو عليه، فمن المرجح موازنة هذا التفوق من جانب إيران التي لديها خيارات لتعزيز علاقاتها بقوى إقليمية ودولية وفواعل لادولتية، على نحو قد يولّد حالة غير مرغوب فيها بالنسبة إلى دول مجلس التعاون والمنطقة العربية والولايات المتحدة.
المراجع
Barzegar, Kayhan & Abdolrasool Divsallar. "Political Rationality in Iranian Foreign Policy." The Washington Quarterly. vol. 40, no. 1 (2017). Blainey, Geoffrey. The Causes of War. New York: Free Press, 1988. Cordesman, Anthony H. & Nicholas Harrington. "The Arab Gulf States and Iran: Military Spending, Modernization, and the Shifting Military Balance." Report. Center for Strategic and International Studies (CSIS). 12/12/2018. at: http://bit.ly/2DOHGEF Cordesman, Anthony H. "Saudi Arabia, the Gulf, and the United States: Abizaid's Mission Possible?" Center for Strategic and International Studies (CSIS). 19/11/2018. at: http://bit.ly/2KK9kqW ________. "Iraq, Iran, the Gulf, Turkey, and the Future: The Meaningless Debate over the Trump Strategy in Syria." Center for Strategic and International Studies (CSIS). 7/1/2019. at: http://bit.ly/2R7Gq57 Fawcett, Louise (ed.). International Relations of the Middle East. Oxford: Oxford University Press, 2016. Harrison, Ross. "Saudi Arabia Is Weakening Itself and Strengthening Iran." Foreign Policy. 6/7/2017. at: http://bit.ly/2ICg0EH ________."Regionalism in the Middle East: An Impossible Dream." Orient. vol. 59, no. 1 (2018). ________. "The Global and Regional Geopolitics of Civil War in the Middle East." Middle East Institute. 4/2/2019. at: http://bit.ly/2Zt0PET Ikenberry, G. John (ed.). America Unrivaled: The Future of the Balance of Power. New York: Cornell University Press, 2002. Israelian, Victor. "Nuclear Showdown as Nixon Slept." The Christian Science Monitor. 3/11/1993. at: http://bit.ly/2MHdS41 Keohane, Robert E. (ed.). Neorealism and its Critics. New York: Columbia University Press, 1986. Kerr, Malcolm H. The Arab Cold War: Gamal ʼ Abd al-Nasir and his Rivals, 1958-19 70. 3 rd ed. Oxford: Oxford University Press, 1971. Kinzer, Stephen. All the Shah's Men: An American Coup and the Roots of Middle East Terror. 2 nd ed. New Jersey: John Wiley & Sons, 2008. Laron, Guy. The Six Day War: The Breaking of the Middle East. Oregon: Blackstone Audio, 2017. Mearsheimer, John J. & Stephen M. Walt. "The Case for Offshore Balancing: A Superior U.S. Grand Strategy." Foreign Affairs (July/August 2016). Nichols, David A. Eisenhower 1956: The President's Year of Crisis-Suez and the Brink of War. New York: Simon & Schuster, 2012. Ostovar, Afshon. Vanguard of the Imam: Religion, Politics, and Iran's Revolutionary Guards. Oxford: Oxford University Press, 2016. Tyler, Patrick. A World of Trouble: The White House and the Middle East-from the Cold War to the War on Terror. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2010. "U.S. Interests in the Middle East." American Foreign Policy Interests. vol. 36, no. 4 (September 2014). Walt, Stephen M. "Alliance Formation and the Balance of World Power." International Security. vol. 9, no. 4 (Spring 1985). ________. "Has Trump Become a Realist?" Foreign Policy. 17/4/2018. at: http://bit.ly/2X3eSDn