بين الثروة والقوة: الاقتصاد السياسي لسياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي

Rabah Zaghouni رابح زغوني |

الملخّص

تعالج الدراسة موضوع الثروة والقوة لسياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي وفق مقاربة الاقتصاد السياسي الدولي، الذي يفترض علاقة التأثير المتبادل بين السوق والسياسة الخارجية. وتستند إلى مقاربتين تحليليتين رئيستين، هما: الليبرالية الاقتصادية، والواقعية الاقتصادية "الماركنتيلية." تهدف الدراسة، عبر تتبّع مسار سياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي، إلى استقراء عوامل تقرير مصالح أمن الطاقة الأميركي بين ثنائية الأهداف الاقتصادية والأهداف السياسية، أو هدف ي خلق الثروة وتعظيم القوة، وعوامل الترجيح الأميركية لإحداها على حساب الأخرى أو الدمج بينهما. كما تهدف إلى تقدير ملامح مستقبل التوجه الأميركي حيال المنطقة، في ضوء تفعيل الاستراتيجية الأميركية للاستقلال الطاقوي. تجادل الدراسة بأنه لا يمكن تجاهل التأثير الحاسم للطاقة، وخاصة النفط، في تحقيق التنمية الاقتصادية ورفاهية الأمم. كلمات مفتاحية: الاقتصاد السياسي، الطاقة، الخليج العربي، الولايات المتحدة. The study examines wealth and power in the US energy policy in the Gulf region using the international political economy approach, which proposes a relationship of mutual influence between the market and foreign policy. The study is based on two main analytical approaches: economic liberalism and economic realism. By tracking the course of US energy policy in the Gulf, the study extrapolates factors determining US energy security interests between twofold economic and political objectives; creating wealth and maximizing power. It also looks at the weighting factors of one at the expense of the other or the extent to which they are merged. It also aims to assess the future of the US approach to the region given Washington's energy independence strategy. The study argues that the critical impact of energy, especially oil, on economic development and the well-being of nations cannot be ignored. Keywords: Political Economy, Energy, Arabian Gulf, United States.

Between Wealth and Power: The Political Economy of US Energy Policy in the Gulf

مقدمة

لا يُ كن تجاهل التأثير الحاسم الذي تضطّلع به موارد الطاقة، خصوصًا النفط، في تحقيق التنمية الاقتصادية ورفاهية الأمم، ومن الواضح أن ذلك كان من العوامل الرئيسة لما وُصف بالإدمان الأميركي على نفط منطقة الخليج العربي التي تُعتبر من أهم المناطق في العالم من حيث إنتاج النفط والغاز، وكذلك من الاحتياطيات العالمية المؤكدة لهذه الموارد. تعيش منطقة الخليج العربي في بيئة غير مستقرة سياسيًا؛ ما من شأنه أن يؤثر في إمدادات النفط الخليجية للولايات المتحدة وأوروبا، ويُلقي بظلاله على تهديد دائم لأمن أميركا القومي وأمن طاقتها. وهذه عوامل مهمة، بقدر تأثير العامل الاقتصادي في تأمين العرض والطلب لموارد الطاقة التي تتحكم فيها الولايات المتحدة. وإذا بقيت المنطقة موطنًا لمنافسين قد يُلحقون الضرر بالمزايا الاستراتيجية والاقتصادية التي تحتكرها الولايات المتحدة في الخليج العربي، فهذا يُبقي على حظوظ استمرار الوجود الأميركي في المنطقة. من هنا يبدو التداخل واضحًا بين الأبعاد السياسية والاقتصادية لموضوع سياسة الطاقة الأميركية في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي تحديدًا، وهذا ما يُرشّحه ليكون موضوعًا مهمً في أجندة بحث الاقتصاد السياسي الدولي. تنطلق هذه الدراسة من إشكالية رئيسة ترى أنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، احتلت منطقة الخليج العربي مكانة مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة في تأمين إمداداتها من الطاقة، حيث بدا توافر النفط وبأسعار معقولة أمرًا مهمً للاقتصاد الأميركي المقدم على مشروع مارشال، والذي أخذت الولايات المتحدة معه تربط بين أمن الطاقة وأمنها القومي. ومنذ أزمة الحظر النفطي العربي في عام 1973، أدركت واشنطن أهمية منطقة الخليج ليس فقط لنموها الاقتصادي "الثروة"، وإنما أيضًا لأمنها القومي، والمقصود به "القوة." وهذا ما حفّزها على الاستقرار عسكريًا في المنطقة لحماية مصالحها هناك. نجحت السياسة الأميركية في ضمان استمرارية تدفّق النفط من منطقة الخليج وفق المصالح الأميركية طوال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنه منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، بدا أن نفط المنطقة أصبح مصدرَ تهديد للأمن القومي للولايات المتحدة لجهة التكاليف الاقتصادية الباهظة وتقليص الخيارات السياسية المُتاحة أيضًا، ما حدا باستراتيجيات الأمن القومي الأميركي منذ عام 2002 إلى تفعيل استراتيجية استقلالية الطاقة الأميركية، على نحو مؤكد وضروري، عن منطقة الخليج والشرق الأوسط عمومًا. تبعًا لهذا التحوّل، تطرح هذه الدراسة السؤال المركزي التالي: هل يؤدي استقلال الولايات المتحدة في مجال الطاقة إلى تقليل اهتمامها بنفط منطقة الخليج العربي؟ تنطلق هذه الدراسة من فرضيتين وفقًا لمقاربة الاقتصاد السياسي التي تتبنّاها: أولاهما، الليبرالية الاقتصادية: حيث أصبحت الولايات المتحدة، تبعًا لقاعدة أفضلية الثروة على القوة، تملك من البدائل ما يجعلها قادرة على تأمين حاجاتها من الطاقة بعيدًا عن التبعية لمنطقة الخليج، وذلك يعني إمكان تراجع مكانة منطقة الخليج من سلّم أولويات السياسة الأميركية. وثانيتهما، الواقعية الاقتصادية: حيث هناك، تبعًا لقاعدة أفضلية القوة على الثروة، الكثير من الاعتبارات الاستراتيجية التي سوف تمنع الولايات المتحدة من التفكير في الابتعاد من منطقة الخليج حتى وهي قادرة، أو على وشك، تحقيق القدرة على تأمين أمنها في مجال الطاقة. تهدف الدراسة، عبر تتبّع مسار سياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي، إلى استقراء عوامل تقرير مصالح أمن الطاقة الأميركي الواقعة بين ثنائية الأهداف الاقتصادية (الثروة) والأهداف السياسية (القوة)، وقراءة عوامل الترجيح الأميركية لإحداها على حساب الأخرى، أو الدمج بينهما. وعلى نحو رئيس، تهدف الدراسة إلى تقدير ملامح مستقبل التوجه الأميركي حيال المنطقة في ضوء تفعيل الاستراتيجية الأميركية للاستقلال في مجال الطاقة منذ أيلول/ سبتمبر.2001 تستند هذه الدراسة إلى عدد من الدراسات السابقة التي ناقشت سياسة الطاقة الأميركية في الشرق الأوسط عمومًا، أو في منطقة الخليج تحديدًا. ويمكن تلخيص مضامين هذه الدراسات في اتجاهين بحثيين: دراسات تفسّ سياسة الطاقة الأميركية من زاوية استراتيجية لجهة البحث الأميركي عن الهيمنة والنفوذ (القوة)، وأخرى تُفسّها في بعدها الاقتصادي المختزل في البحث عن النفط (الثروة.) ولهذا تكمن أهمية هذه الدراسة في معالجة الموضوع، مرتكزةً على علاقة التأثير المتبادل بين الثروة والقوة؛ أي بين السوق والسياسة الخارجية، حيث إن مفهوم أمن الطاقة الجديد ما عاد مرتبطًا بحاجة الدول إلى الطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي؛ بالأسواق وارتفاع الأسعار فحسب، بل بعدم الاستقرار في الدول المصدّرة، والممارسات القومية والتنافس الجيوبوليتيكي أيضًا. ويزوّدنا الاقتصاد السياسي الدولي بمقاربتين تحليليتين رئيستين لعلاقة السوق بالسياسة الخارجية، لكل منها فهمها الخاص لطبيعة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وفلسفتها في تفضيلات القوة والثروة: الليبرالية الاقتصادية والواقعية الاقتصادية "الماركنتيلية." والانطلاق من مقاربة كهذه هو ما يحاول أن يتميز به هذا البحث مما سواه من جهود بحثية سابقة.

تأخذ الدراسة الطابع الوصفي التحليلي أساسًا، حيث تستخدم الوصف في بحثها عن تقرير المفهوم الأميركي لأمن الطاقة وكيفية تطوّره وفق ثنائية "أمن العرض" و"الأمن القومي" عبر فحص متغيّ اتها واتجاهاتها. وتعتمد التحليل حين تبحث في تحديد طبيعة العلاقة التي تجمع منطقة الخليج العربي والولايات المتحدة عبر النفط؛ إذ تستبدل متغيري أمن العرض والأمن القومي بمفهومي الثروة والقوة، وتسعى لتحليل توجّهات سياسة الطاقة الأميركية في ضوء الخطوات الإجرائية الأميركية تجاه المنطقة عقب أحداث مفصلية، مثل أزمة النفط في عام 1973، وأحداث 11 سبتمبر 2001؛ وإذ تتتبع الدراسة سياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج العربي وفق ثنائية "الثروة" و"القوة" وصفًا وتعقيبًا، فإنها لا تستغني عن مناقشة تبعات استراتيجية استقلالية الطاقة الأميركية، ما يرفع الدراسة إلى طابع الاستكشاف.

أولا: الاقتصاد السياسي لأمن الطاقة: الطاقة بين أهداف إيجاد الثروة وتعظيم القوة

الاقتصاد السياسي الدولي هو ذلك الحقل المعرفي الذي يحاول فهم القضايا والمسائل في السياسة الدولية باعتماد منظورات وأدوات تحليلية من حقلي الاقتصاد الدولي والسياسة الدولية. ويستمد هذا الحقل جدارته التحليلية من الانهيار المتواصل الحاصل للحدود بين التخصصات الاجتماعية، خصوصًا بين الاقتصاد والسياسة، حيث صار فهم الشؤون الدولية المعاصرة وتحليلها، يقتضي تجاوز الحدود التقليدية الجامدة بين الاقتصاد والسياسة. وبناء عليه، يمكن تعريف الاقتصاد السياسي الدولي بأنه "دراسة مجموعة القضايا والمشكلات الدولية التي تحمل علاقة متداخلة بين الاقتصاد والسياسة، حيث لا يمكن فهمها أو تحليلها ضمن ميدان العلاقات الدولية أو الاقتصاد الدولي فحسب، بل هي تقع بالضرورة ضمن الميدان المشترك المُتّسع الذي هو الاقتصاد السياسي الدولي"1. ضمن الاقتصاد السياسي الدولي، يتنافس منظوران رئيسان، إضافة إلى المنظور الماركسي: الماركنتيلية والليبرالية، وما يُرشّحهما ليكونا كذلك هو طبيعة الرؤية الخاصة التي يمتلكانها في فهم طبيعة العلاقة بين الاقتصاد والسياسة، وفلسفتهما الخاصة في تفضيلات القوة والثروة، حيث يقدم كلاهما إجابات مختلفة عن عدد من الأسئلة الجوهرية (يُنظر الجدول.)

1. الليبرالية الاقتصادية

باعتبارها منظورًا ضمن الاقتصاد السياسي الدولي، تبني الليبرالية افتراضاتها على استقلالية السوق عن الدولة؛ أي الفصل بين عالمَي الاقتصاد والسياسة وفق مقولة "أولوية إيجاد الثروة على تعظيم القوة"؛ إذ تُشكك الليبرالية في قوة الدولة، مُجادِلة بأن لها أثرًا سلبيًا في حرية عمل الأسواق، ما يُهدّد رفاهية الجميع وتطبيق آلية اليد الخفيّة. لذا، تنادي الليبرالية بضرورة الحدّ من تدخّل السياسة في الاقتصاد، بحجة أن الحكومة الأقل تدخلً، أفضل حُكمً. أما عن المصالح القومية، فترفض الليبرالية النظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها لعبة صفرية، أي بحيث تكون مكاسب طرف هي بالضرورة خسارة للطرف الآخر. وبدلً من ذلك، يمكن الدول كلها أن تستفيد من سوق عالمية حرّة وموسّعة. أما مسألة الأمن القومي، فسوف يتحقق تلقائيًا إذا تُركت السوق تعمل بحرّية "نظرية السلام من خلال التجارة"2. تؤكد الليبرالية أهمية الاعتماد المتبادل Interdependence في تحقيق أمن الطاقة لفائدة المجتمع الدولي، وليس لكل دولة على انفراد، فمع تزايد درجة التكامل الاقتصادي العالمي‮‬ ودمج اقتصادات العالم المختلفة واعتماد النموّ العالمي على إتاحة فرص النمو لمختلف اقتصادات العالم، أصبحت مسألة ضمان الوصول إلى الطاقة قضية دولية تخص الدول كلها، وليست مسألة أُحادية تخص دولة بعينها

2. الواقعية الاقتصادية "الماركنتيلية"

هي النسخة الواقعية للاقتصاد السياسي الدولي، تبني افتراضاتها على أولوية السياسة على حساب الاقتصاد، وفق مقولة "إخضاع إيجاد الثروة لتعظيم القوة." فبحسب الماركنتيلية، هناك علاقة متبادلة بين الثروة (الاقتصاد) والقوة (السياسة)، وكلاهما هدف لسياسة الدولة، وليس أحدهما بديلً من الآخر؛ فكما هي الثروة شرط ضروري لقوة الدولة، القوة هي أيضًا وسيلة لا غِنى عنها لإيجاد الثروة. لكن، بينما من الممكن على المدى البعيد السعي لتحقيق الهدفين معًا كجزء من الاستراتيجية الماركنتيلية، فإنه على المدى القريب، قد يكون من ال وررري التضحية بالثروة لمصلحة القوة إذا حدث تعارض بينهما، فنتيجة لغياب السلطة المركزية Anarchy في النسق الدولي والتهديد الدائم للأمن، يأتي الأمن القومي للدولة على رأس مصالح الدول القومية3.

  1. Michael Veseth, "What is International Political Economy?" University of Puget Sound, UNESCO International Encyclopedia Project (2004),
  2. Robert Falkner, "International Political Economy," Undergraduate Study in Economics, Management, Finance and the Social Sciences, London School of Economics (2011), p. 19, accessed on 20/5/2019, at: http://bit.ly/2LSANJ2 3  Ibid., pp. 26-28.
  3. updated & revised (2015)‎, accessed on 20/5/2019, at: http://bit.ly/2JZlKLh
النظرية
الفروق
الماركنتيليةالليبرالية
أولوية لاقتصاد والسياسةخضوع الاقتصاد للسياسةاستقلالية الاقتصاد عن السياسة
كيف يعمل لاقتصاد؟السوق غير محايدة، تحكمها القوةالسوق محايدة وتنافسية
أهم فاعل في لاقتصادالدولةالأفراد
طبيعة العلاقات لاقتصادية الدوليةصرفرية، مكاسب طرف خسائر للطرف الآخرغير صفرية، مكاسب طرف ليست خسائر للطرف
الآخر
الأهداف النهائية للدولةتعظيم قوة الدولةتعظيم رفاهية المجتمع

ثانيًا: أمن الطاقة من منظور الاقتصاد السياسي الدولي

ما هو أمن الطاقة؟ هل هو موضوع للاقتصاد أم للسياسة، أم يقع ضمن الحيّز المشترك بينهما؟ ولماذا تأمين الطاقة؟ هل لأن ذلك أحد شروط إيجاد الثروة؟ أم أحد أسباب تعظيم القوة؟ أم كلاهما معًا؟ شكلت مثل هذه الأسئلة، ولا تزال، موضوعَ نقاش محتدم بين المهتمين بشأن الطاقة. فتقليديًا، غالبًا ما فكر الباحثون وصنّاع القرار الاقتصادي في أمن الطاقة من دون مُراعاة السياسة الدولية، فجاءت الطاقة موضوعًا محضًا للثروة الاقتصادية. وانطبق الأمر نفسه على باحثي السياسة وصانعي قراراتها الذين ربطوا الطاقة كلّيًا بالأمن والمصلحة القومية، لهذا بدت الطاقة موضوعًا للقوة السياسة؛ فبينما اهتمت الفئة الأولى بتفاعلات السوق بمنأى عن سياسة الدول الخارجية، ركّزت الفئة الثانية على الأمن القومي، متجاهلة تفاعلات السوق. وأدى ذلك إلى ظهور مقاربتين لأمن الطاقة، تميل الأولى إلى مناقشة موضوع أمن الطاقة باعتباره مسألة اقتصادية تتعلق بأمن العرض، في حين تميل الثانية إلى تسييس أمن الطاقة باعتباره مسألة أمن قومي4. وكان كلاهما يتجاهل ذلك التفاعل الموجود بين الدولة والسوق، الذي يُ يّز الاقتصاد السياسي الدولي للطاقة.

الجدول الفرق بين الماركنتيلية والليبرالية

1. أمن الطاقة باعتباره مسألة اقتصادية: خلق الثروة أول ا

من وجهة نظر اقتصادية، يُختزل أمن الطاقة في سياق ثلاثية تأمين العرض، واستدامة الإمدادات والأسعار التنافسية الحرة5. بهذا المعنى، من الأنسب أن يفهم موضوع الطاقة وفق التصوّر الليبرالي للاقتصاد السياسي، باعتباره موضوعًا لإيجاد الثروة الاقتصادية وفق آلية السوق على نحو منفصل عن حسابات السياسة الدولية. وبذلك يكاد يكون أمن الطاقة مرادفًا لاستقرارها، وحينها يمكن تعريف المفهوم بأنه "الحالة التي يتمتع فيها الأفراد والأعمال بالدخول لموارد الطاقة العالمية وعند سعر مناسب[...]بعيدًا عن خطر التوقف"6. تركّز المقاربة التقليدية لأمن الطاقة على أمن العرض، من خلال توافر الإنتاج الكافي من مصادر الطاقة، خصوصًا النفط، وبأسعار مناسبة. ويشمل تأمين العرض ثلاثة مستويات: مستوى التنقيب والإنتاج، وتأمين خطوط الإنتاج والنقل، والاستثمار وصيانة محطات التكرير وشبكات النقل والتوزيع7.

  1. خديجة عرفة محمد، أمن الطاقة وآثاره لاستراتيجية (الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، 2014)، ص.58 المصدر: من إعداد الباحث.
  2. Florian Baumann, "Energy Security as Multidimensional Concept," Center for Applied Policy Research, Policy Analysis , no. 1 (March 2008), p. 4.
  3. عرفة، ص.60
  4. Paul Isbell, "The Riddle of Energy Security," Elcano Royal Institute, Analyses of the Elcano Royal Institute , no. 67 (April 2008), accessed on 20/5/2019, at: http://bit.ly/2HDlWwF

يعني تأمين الحصول على النفط بطريقة آمنة وكافية تجنّب موقف الأزمة الطاقوية، وهو الموقف الذي تعانيه دولة ما نتيجة نقص في عرض الطاقة؛ ما يؤدي إلى ارتفاع سريع في الأسعار، يُهدّد نموّها الاقتصادي8؛ ذلك أن انقطاعًا طويلً في تدفق ثابت ومستقر للطاقة سوف يؤثر تأثيرًا واضحًا في الاقتصاد الوطني ومؤشرات النمو الاقتصادية. لذا، فإن توافر عرض كافٍ من الطاقة يُعدّ شرطًا مُسبقًا للتنمية الاقتصادية9. ‮تؤكد الليبرالية أن تحقيق أمن الطاقة يتطلّب تبنّي اقتراب تعاوني على المستوى الدولي، فمع اتّساع درجة التكامل الاقتصادي العالمي ‬وتزايد درجة الاعتماد المتبادل بين اقتصادات العالم، أصبح التعاطي مع قضية ضمان الوصول إلى الطاقة، قضيةً عالميةً، وليس مجرد قضية أحادية تخص دولة بعينها. في هذا الإطار، تؤكد الليبرالية دور المؤسسات الدولية في تحقيق أمن الطاقة لفائدة المجتمع الدولي وليس كل دولة على انفراد، وهنا تجدر الإشارة إلى تعريف البنك الدولي لمفهوم أمن الطاقة، وهو "التأكد من أن الدول يمكنها أن تنتج وتستخدم الطاقة باستدامة، وبسعر مناسب، وبما يُساهم في تحقيق النمو الاقتصادي من خلال تقليل الفقر وتحسين مستوى معيشة الأفراد من خلال تسهيل الدخول إلى خدمات الطاقة الحديثة"10.‬

2. أمن الطاقة باعتباره مسألة أمن قومي: تعظيم القوة أول ا

بعد أزمة الطاقة العالمية في عام 1973 التي تسبَّب بها حظر النفط العربي، بدا جليًّا أن أمن الطاقة ليس مرتبطًا بضمان توفير الإمدادات فحسب، إذ إن هذا التصور قائم على نظرة ضيقة؛ فالاهتمام بأمن الطاقة يجب ألا ينحصر في اختلال العلاقة بين العرض والطلب في السوق، بل يمكن أن يُعزى أيضًا إلى التنافس الجيوسياسي والصراع على المكانة. وهذا ما يجعل من الطاقة موضوعًا للقوة السياسية وفقًا للتصور الماركنتيلي في الاقتصاد السياسي الدولي؛ ذلك أن حاجة الدول إلى الطاقة لتعزيز أسباب القوة السياسية، يجعل من النفط سببًا للتنافس المؤدي إلى التوتر والأزمات السياسية وحتى النزاعات المرتبطة بالطاقة11. لذلك، في أعقاب أزمة عام 1973 النفطية، تطوّر مفهوم جديد لأمن الطاقة، بناءً على استجابة استخدام الدول المصدّرة النفطَ سلاحًا استراتيجيًا، حيث ما عاد أمن الطاقة مرتبطًا بحاجة الدول إلى الطاقة لتعزيز النمو الاقتصادي؛ إذ ارتبط أيضًا بالتهديدات التي تتعرّض لها الدول وتسعى من خلالها للتأثير في مصالح غيرها، وذلك يأتي في سياق التنافس الجيوبوليتيكي بين هذه الدول12.

أظهرت أزمة الطاقة بوضوح البعدَ السياسي لأمن الطاقة وكيفية ارتباطه بالأمن القومي، فبعد أن ‬كان المفهوم محصورًا في البعد الاقتصادي الضيّق، فتح الحدث مرحلة جديدة في المقاربة لأمن الطاقة وفق أبعاد السياسة العُليا. وأصبحت الطاقة موضوعًا للصراع الدولي من حيث محاولة السيطرة على المناطق الغنية بموارد الطاقة، أو إخضاعها لنفوذ قوى دولية في سياق عملية ضمان أمن الطاقة لتلك القوى‮، واستخدام الطاقة أداةً لإدارة صراع دولي مع أطراف دولية أخرى.‬ من ثم‮، ‬يمكن التأكيد أنه منذ أزمة عام 1973 النفطية، اتسع نطاق مفهوم أمن الطاقة عمّ كان عليه سابقًا، فإلى جانب الأبعاد الاقتصادية التقليدية، ارتبط المفهوم أكثر بالسياسة والتنافس الجيوسياسي والأمن القومي. ونظرًا إلى تأثير الطاقة المتبادل في إيجاد الثروة وتعظيم القوة، حيث يخدم أحدهما الآخر، يُصبح من المناسب أكثر تناول المفهوم ضمن حقل الاقتصاد السياسي الدولي

ثًالث ا: من أمن العرض إلى الأمن القومي: تطوّر الإدراك الأميركي لأمن الطاقة

لا يوجد تعريف محدد تطرحه الولايات المتحدة الأميركية لتصوّرها عن أمن الطاقة، إنما يمكن من واقع السياسات الأميركية المُتّبعة في هذا الشأن منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل، ملاحظة أن أهداف سياسة الطاقة الأميركية راوحت بين أهداف إيجاد الثروة

  1. عرفة، ص.52
  2. Baumann, p. 4.
  3. Energy Security Issues," The World Bank Group, 5/12/2005, p. 3, accessed on 20/5/2019, at: http://bit.ly/2VPhXqZ
  4. عمرو عبد العاطي، أمن الطاقة في السياسة الخارجية الأميركية (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014)، ص.14
  5. Daniel Yergin, "Ensuring Energy Security," Foreign Affairs , vol. 85, no. 2 (March-April 2006).

الاقتصادية وتعظيم القوة السياسية. وعلى نحو مشابه لتطوّر أدبيات المفهوم من الاقتصاد (أمن العرض) نحو السياسة (الأمن القومي)، وقع التدرّج في الإدراك الأميركي لأمن الطاقة من أولوية الأهداف الاقتصادية في تحفيز نمو الاقتصاد الأميركي والعالمي في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية وبروز أزمة حظر النفط، إلى أولوية الأهداف السياسية في السعي لإحكام السيطرة على منابع النفط العالمية. في تدرّج كهذا، تنوّعت الأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة الأميركية في هذا الشأن، إذ مزجت بين أدوات القوى المرنة، من خلال استثمارات شركاتها متعددة الجنسيات والمساعدات الاقتصادية والاستثمار في خطوط نقل النفط، وبين أدوات القوة الصلبة عبر استخدام الوجود العسكري والتدخل المباشر لحماية تدفّق النفط الذي ميّز السياسة الأميركية منذ أوائل الثمانينيات والمعروفة ب "مبدأ كارتر" Doctrine Carter، وهي سياسة أعلنها الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر خلال خطاب حالة الاتحاد السنوي في 23 كانون الثاني/ يناير 1980، ينص المبدأ على السماح للولايات المتحدة باستخدام القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها في منطقة الخليج العربي13.

1. أمن العرض في سياسة الطاقة الأميركية

تحكّمت الاعتبارات الاقتصادية في سياسة الطاقة الأميركية عقب الحرب العالمية الثانية، ولا سيما مسألة الحصول على النفط بأسعار معقولة وعلى نحو مستمر، وذلك من أجل دعم شروط النموّ والازدهار الاقتصادي في الولايات المتحدة. وفي ضوء ذلك، أُسّس المفهوم الأميركي لأمن الطاقة على أولوية استمرارية الحصول على الإمدادات النفطية بأسعار معقولة وكميات كافية لتنمية الطلب المتنامي لها ولحلفائها14. حتى إن لم يخلُ من الاعتبارات السياسية، كان الاهتمام الأميركي بأمن الطاقة، عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، محكومًا أساسًا باعتبارات التنمية الاقتصادية المحلّية، وبتحمّل واشنطن مسؤوليتها في إدارة النظام الاقتصادي العالمي الجديد، عقب نهاية الحرب. كما أن التوقعات بقرب نفاد الاحتياطيات المؤكدة في الداخل وتراجعها في الخارج، أو ما يُعرف ب "نظرية ذروة النفط"، أوجد حالة من الرغبة الأميركية في السيطرة على الموارد الخارجية لضمان أمن الطاقة، إدراكًا منها للأهمية الاستراتيجية لهذا النوع من القدرات، باعتباره أحد أهم أسباب الثروة الاقتصادية. محليًا، سجّل الاقتصاد الأميركي منذ عام 1948 تفاوتًا متزايدًا بين الإمدادات المحلية وحجم الطلب المحلي على الطاقة، وهذا ما ساهم تدريجيًا في إيجاد فجوة الطلب، بما يتطلّب الاعتماد على الخارج لتغطيتها. فالواقع أن النمو الأميركي الكبير في الاستهلاك لا يقابله نموٌّ مماثل في الإنتاج. لذلك، فإن حاجات الولايات المتحدة إلى النفط ارتفعت على نحو مطّرد من 11.5 مليون برميل يوميًا في عام 1956، إلى 20 مليون برميل يوميًا في عام 2009، أي ما يُقارب ربع الاستهلاك العالمي15. ويقابل ذلك استمرار ارتفاع فجوة الإنتاج التي وصلت في عام 2009 إلى 13 مليون برميل يوميًا. ويتوقع أن تحتاج الولايات المتحدة إلى استيراد ثلثي حاجاتها من الطاقة بحلول عام 2025، ما يجعلها تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الواردات النفطية من الخارج16. أما خارجيًا، فبعد أن أصبحت الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط، وهيمنت شركاتها المتعددة الجنسيات على الصناعة العالمية للنفط، باتت مهتمة بضمان موارد جديدة ورخيصة للطاقة من أجل المساعدة في استعادة الاقتصاد العالمي عافيته. وعلى الرغم من أن اكتشاف نفط رخيص في الخارج كان يُهدّد مصالح المُنتجين الأميركيين الذين كانت تكلفة إنتاجهم أكبر نسبيًا17، فإن أحد أهم العوامل التي أسَّست عليها الولايات المتحدة استراتيجياتها النفطية، يقوم على تحقيق الأرباح السريعة بسبب توقعات زيادة الطلب العالمي18. في هذا الشأن، تبدو هيمنة المصالح الاقتصادية واضحة في التصور الأميركي لأمن الطاقة، وذلك من خلال ما طرحه وزير الطاقة الأميركي سبنسر أبراهام 2005–2001() عن المقاربة الأميركية لأمن الطاقة التي تقوم على "إقامة توازن بين الإنتاج المتزايد وبين تجدد التركيز على الاستخدام النظيف والفعّال للطاقة، والالتزام بالمشاركة الدولية مع الدول المستهلكة والمنتجة، وتنويع مصادر الإمدادات المتعلقة بالطاقة التي تسيّ ها الأسواق التنافسية والسياسات العامة التي تُحفّز النتائج الفعّالة"19.

  1. Ralph B. Levering, The Cold War, 1945-1987 , 2 nd ed. (Arlington
  2. سليم كاطع علي، "أثر النفط في التوجه الأمريكي تجاه منطقة الخليج العربي بعد
  3. لهب عطا عبد الوهاب، 15 دراسات في الطاقة: أمن الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية (المنامة: مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة، 2012)، ص.79
  4. Nasser Momayezi & R.B. Rosenburg, "Oil, the Middle East and U.S. National Security," International Journal of Humanities and Social Science , vol. 1, no. 10 (August 2011), p. 1.
  5. Edward L. Morse, "A New Political Economy of Oil?" Journal of International Affairs , vol. 53, no. 1 (Fall 1999), p. 8. هاني حبيب، 18 النفط استراتيجيًا وأمنيًا وعسكريًا وتنمويًا: مصدر الثروة والطاقة والأزمات (بيروت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، 2006)، ص.90 19 عرفة، ص.73
  6. Heights, IL: Harlan Davidson, 1988), p. 167.
  7. دراسات دولية، العدد الحرب الباردة"، 57 (نيسان/ أبريل 2014 ص)،.146

2. سياسة أمن الطاقة الأميركي

نظريًا، كلما زاد اعتماد الدولة على الخارج لتلبية حاجاتها من الطاقة، يُصبح من المحتمل أن يرتبط أمن الطاقة لديها أكثر فأكثر بأمنها القومي، فيزداد تباعًا سعيها لتسخير سياستها الخارجية خدمةً لهدف تأمين الطاقة. وفي ظل استمرار الاعتماد الأميركي على الخارج لتوفير حاجاتها من الطاقة، كان لا بد من أن يتزايد تأثير أمن الطاقة في سياستها الخارجية20. والواقع أن أمن الطاقة الأميركي، بدأ بالارتباط أكثر فأكثر بالأمن القومي مع احتدام منافسة القوى الاقتصادية الكبرى وتلك الصاعدة من أجل الهيمنة على مصادر الطاقة الخارجية في مناطق الاحتكار الأميركية21. ولأجل ذلك، باتت عملية التحكم في مصادر الطاقة تعني قدرة الدولة على مراقبة عملية النمو الاقتصادي للقوى المنافسة للهيمنة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، فكان لا بد من أن يكون للطاقة تأثيرٌ متزايدٌ في السياسة الخارجية الأميركية وأمنها القومي. بقيت الولايات المتحدة متحكّمة في تحديد سعر برميل النفط حتى أزمة النفط العالمية في عام 1973، من ‬دون أن يكون للدول المنتجة أي تأثير في تحديد أسعار النفط، وذلك على الرغم من أن هذه الدول تعتبر دولً منتجة للنفط، ‮وبقي سعر برميل النفط متدنّيًا بما يخدم مصالح الدول المستوردة والمستهلكة، وعلى رأسها الولايات المتحدة22.‬‮ وتغيّ هذا الوضع بعد حرب تشرين الأول/ أكتوبر ‮1973‬، حين فرض حظر النفط على الدول الغربية التي ساعدت إسرائيل عسكريًا وعلى نحو مباشر في أثناء الحرب. ‬ونتيجة ذلك، تراجعت الكميات المعروضة من النفط عالميًا وارتفع سعر البرميل، الأمر الذي أدّى إلى تداعيات وخيمة على اقتصادات الدول الغربية عمومًا، والولايات المتحدة خصوصًا. منذ ذلك الوقت، قررت واشنطن تغيير أدوات استراتيجيتها في مجال الطاقة عبر التهديد باستخدام القوة، أو استخدامها فعليًا، كي تضمن أمنها القومي من تدفق الطاقة. نتيجة ذلك، لم يعد مسموحًا أن تتُرَك مصادر الطاقة لقوى العرض والطلب، وبدا التدخل أمرًا ضروريًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بهدف السيطرة المباشرة على مصادر الطاقة والتحكم في العرض، بعيدًا عن آلية السوق، وأصبحت قضية أمن الطاقة قضية أمن قومي بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي يتطلّب حمايتها بالوسائل كلها، بما في ذلك العسكرية. وفي ظل إدارة الرؤساء ريتشارد نيكسون 1974-1969() وجيمي كارتر 1981-1977() ورونالد ريغان 1989-1981()، أصبحت استراتيجيات الأمن القومي الأميركي تؤكد ضرورة تأمين مصادر الطاقة، فقد جعل الإحساس بمحورية الطاقة للأمن القومي، واشنطن راغبةً في استخدام الأدوات والوسائل كلها لضمان الحصول على النفط من الخارج، خصوصًا في الشرق الأوسط23. إذًا، عزّز انقطاع الإمدادات النفطية الذي تسببت به أزمة النفط في عام 1973 الإدراك الأميركي للنفط باعتباره سلعة استراتيجية حيوية لازدهار الولايات المتحدة وأمنها، ومنذ ذلك الحين، أصبحت الطاقة إحدى أولويات الأمن القومي الأميركي، وأصبح معها تهديد مصادر الإمدادات تهديدًا للأمن والمصالح الأميركية، إلى درجة اعتبر معها الحصول على النفط الخارجي مكوّنًا من مكوّنات الاستراتيجية العسكرية الأميركية وفق مبدأ كارتر الذي رسم معالم سياسة الطاقة الأميركية الجديدة في منطقة الخليج العربي، كما سنناقش تاليًا. ولأجل ذلك، انخرطت الولايات المتحدة في حروب عدة لحماية الوصول إلى نفط المنطقة.

رابعًا: البحث عن الثروة والإدمان الأميركي على نفط منطقة الخليج العربي

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتراجع الدور البريطاني التقليدي في العالم ومنطقة الخليج العربي تحديدًا، بدأت الولايات المتحدة الأميركية تولي اهتمامها بمصادر الطاقة في منطقة الشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي خصوصًا، ولا سيما مع تزايد الاعتماد على النفط الخارجي لتغطية ضغوط السوق المحلية. وتجلّ ذلك في سعي الولايات المتحدة لاحتكار عملية إنتاج النفط في كبُرى دول المنطقة الثرية باحتياطيات النفط. إضافة إلى ذلك، ساهمت "خطة مارشال" في عام 1947؛ وهو برنامج أشرفت على تنفيذه الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لمساعدة دول أوروبية في التعافي من الدمار الذي خلّفته الحرب، في تقوية الروابط الأميركية بمنطقة الخليج العربي من خلال تمويل دول أوروبا الغربية لشراء النفط المعروض من الشركات الأميركية24. وارتباطًا بتأثير النفط الحاسم في الاقتصاد الأميركي، اندفع التخطيط الاستراتيجي النفطي في الولايات المتحدة إلى الاهتمام بمنطقة الخليج. مثّلت منطقة الخليج العربي أكثر المناطق حيوية بالنسبة إلى أمن الطاقة الأميركي، نظرًا إلى قدراتها النفطية، باعتبارها أهم منتج وأكبر مستودع للنفط في العالم، وهي السلعة التي أصبح يرتكز عليها النموّ الاقتصادي

  1. عبد العاطي، ص.13
  2. المرجع نفسه، ص.67
  3. مصطفى علوي، "خريطة جديدة: تحولات أمن الطاقة ومستقبل العلاقات الدولية "،
  4. عرفة، ص.76 24 المرجع نفسه، ص.89
  5. السياسة الدولية، العدد 204 (نيسان/ أبريل.)2016

العالمي؛ فعُدّت حقول النفط في منطقة الخليج العربي بمنزلة الضامن لاقتصاد مستقر ومزدهر للاقتصاد العالمي. لهذا أصبحت منطقة الخليج بما تحويه من مخزون كبير من النفط، بؤرةً مركزيةً في سياسة النفط الأميركية ومركز استثماراتها25. وما أضفى على المنطقة أهمية إضافية أيضًا، هو ما يُ يّز نفط المنطقة من حيث سهولة الاكتشاف وغزارة الإنتاج وانخفاض التكاليف والقرب من المنافذ البحرية التي تُسهّل عملية النقل والتخزين26. شجّعت هذه الميزات الإدارة الأميركية على الاستفادة من نفط المنطقة في إدارة اقتصادها، لذلك اعتبر نفط منطقة الخليج العربي عاملً مهمً في مساندة مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ إذ يُقابل الاستهلاك الأميركي الذي يزداد من الطاقة انخفاضٌ في الإنتاج الأميركي، لذا بدت الحاجة ملحّة إلى استيراد النفط من المنطقة. وهكذا وتدريجيًا بدأ نمو الاقتصاد الأميركي محلّيًا وعالميًا، يقترن بالتبعية لإمدادات نفط الخليج، وهذا ما أكّده تقرير لجنة الميزانية في الكونغرس الأميركي الذي يفيد أن الولايات المتحدة إذا لم تحصل، مدة عام، على النفط السعودي، سينخفض ناتجها القومي بمقدار 272 مليار دولار، ويرتفع معدل البطالة فيها إلى نسبة 2 في المئة27. وزادت حدّة هذا الاعتماد على نفط الخليج إلى درجة بدت معها الآثار السلبية في الاقتصاد الأميركي مباشرة بعد الحظر النفطي العربي في أثناء حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، حتى وُصِ فت التبعية الأميركية لنفط الخليج، ب "الإدمان الأميركي." دفعت أهميةُ نفط الخليج الولاياتِ المتحدةَ إلى بناء علاقات ثنائية وثيقة مع الدول المنتجة. وفي ذلك اعتمد نجاح سياسة الولايات المتحدة النفطية وفقًا لمصالحها القومية على هيمنة الشركات النفطية الأميركية على صناعة تنقيب النفط وإنتاجه وتسويقه، فمن خلال الضغط السياسي على الحكومات المحلية، مارست الولايات المتحدة ضغطًا على دول الخليج من أجل إيداع عائدات نفطها بالدولار الأميركي، وهكذا وجدت الدول المستوردة نفسها مساهمة في البنوك الأميركية بقيمة العشُر عند شراء كل برميل نفط خام. وفي مقابل ذلك، حصلت الدول العربية على حماية الولايات المتحدة الأمنية، وعلى فرصة شراء الأسلحة الأميركية28. وإلى غاية أزمة النفط في عام 1973، تمكّنت واشنطن من خلال أدوات القوة المرنة تلك، تأمين حاجتها وحاجة حلفائها خلال الحرب الباردة خصوصًا، من دول الخليج. أظهرت أزمة حظر النفط العربي عن الغرب في عام 1973، وما تلاها من أحداث مفصلية في المنطقة، مثل الثورة الإيرانية 1979() والاحتلال السوفياتي لأفغانستان 1979()، أن حماية المصالح النفطية الأميركية في منطقة الخليج العربي تحتاج إلى أكثر من أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية، وذلك ما كان يستدعي حزمة جديدة من الإجراءات. فجماعيًا، حاولت الولايات المتحدة إنقاذ النظام النفطي القديم من خلال تنظيم الدول الغربية في جبهة موحّدة ضد منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، عبر تنظيم مؤتمر واشنطن للطاقة في عام 1974، الذي وضع الأساس لإنشاء الوكالة الدولية للطاقة التي استهدفت خفض اعتماد الدول الأعضاء على نفط الخليج وتنويع مصادر الطاقة وترشيد الاستهلاك. أما أُحاديًّا، فأدركت الولايات المتحدة الأهمية المتزايدة لوجودها العسكري في المناطق الرئيسة المنتجة للنفط من خلال استراتيجية النشر السريع للقوات، كبديل من الوجود العسكري المحدود29. تبعًا لذلك، ارتكزت السياسة الأميركية الجديدة لحماية تدفق النفط في الثمانينيات على التعهد باللجوء إلى القوة المسلّحة لحماية مصالحها وفق "مبدأ كارتر"، بهدف توفير الأمن باستعمال القوة لاستمرار تدفق ناقلات النفط نحو الولايات المتحدة30. وأدركت الولايات المتحدة أهمية امتلاك قوة في الخليج، تكون قادرة على تحقيق هذا الهدف، ما دفع الرئيس كارتر إلى إعلانه عن تكوين "قوة الانتشار السريع المشتركة"، بالتزامن مع الانتشار الموقت للأسطول البحري الأميركي الصغير في منطقة الخليج31. وبذلك أظهرت الإدارة الأميركية صراحةً أن ضمان المحافظة على تدفّق نفط الخليج على نحو آمن وبأسعار معقولة ومنع أي قوة إقليمية أو دولية من التعرض للمصالح الأميركية، هو قضية أمن قومي لها. ومثّل "مبدأ كارتر" التنفيذ الفعلي لتلك السياسة؛ إذ جاء فيه أن "أي محاولة من جانب أي قوة للحصول على مركز مسيطر في منطقة الخليج، تُعدّ في نظر الولايات المتحدة هجومًا على المصالح الحيوية بالنسبة لها، وسوف يتم ردعه بكل الوسائل بما فيها القوة المسلحة"32. وفي عام 1983، أعطى الرئيس ريغان قوة دفع جديدة لهذا المبدأ، حين طوّر قوات النشر المشتركة السريعة إلى مستوى رئاسة إقليمية واسعة، تمثلت في القيادة الوسطى الأميركية، كما أُضيفت إليها مهمة حماية تدفق النفط من الخليج إلى الأسواق في الغرب، وهي المهمة التي بقيت عليها حتى اليوم33.

  1. حبيب، ص.90
  2. علي، ص.150
  3. أبو بكر المبروك بشير أبو عجيلة، "أثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط 2008-2001(")، أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية، قسم العلوم السياسية، جامعة الخرطوم، الخرطوم، 2010، ص.74
  4. سعد حقي توفيق، "التنافس الدولي وضمان أمن النفط"، العلوم السياسية، جامعة
  5. عرفة، ص.92
  6. Momayezi & Rosenburg, p. 1.
  7. عرفة، ص.92
  8. علي، ص.152 33 عرفة، ص.92
  9. بغداد، العدد 43 (كانون الثاني/ يناير.)2011

في الحقيقة، أسّس "مبدأ كارتر" لتحوّل في السياسة الأميركية تجاه منابع النفط، تمثّل في إخراج منطقة الخليج من دائرة السوق الاقتصادية، وتحويلها إلى دائرة الأمن القومي الأميركي، والاستغناء عن فكرة الاعتماد على موالاة الأنظمة السياسية ودور الشركات النفطية نحو تعزيز الوجود العسكري المباشر. فضلً عن ذلك، عملت الولايات المتحدة على ربط اقتصادات منطقة الخليج بشبكة من الروابط الاقتصادية وتعزيز الاستثمارات التي تقوم بها دول الخليج في المصارف والعقارات الأميركية، ما يعني التحكم في الثروات النفطية الآتية من منطقة الخليج34. استمر النفط هدفًا رئيسًا للسياسة الخارجية الأميركية في منطقة الخليج بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ونهاية الحرب الباردة، وأكّد الرئيس الأميركي جورج بوش الأب صراحة أن حماية النفط هو الهدف الأساسي لإرسال قوات مسلحة إلى الخليج: بلادنا "الآن تستورد نصف احتياجاتها من النفط، وربما تواجه تهديدًا خطيرًا لاستقلالها الاقتصادي"35. وعلى الرغم من أن واشنطن طرحت مبررات، مثل تحرير الكويت وتدمير أسلحة الدمار الشامل، لتبرير تدخّلها العسكري في العراق 1991(و 2003)، فإن هدف ضمان استمرارية الإمدادات النفطية والتحكم في احتياطيات المنطقة، كانا من ضمن أولويات المصالح الأميركية، خصوصًا مع تزايد نفوذ اللوبي النفطي في ظل إدارة جورج بوش الابن. مع ذلك، لم يحل مبدأ نشر القوات محل سياسة التحالفات التي كانت سائدة قبل ذلك؛ لأن الحاجة إلى تسهيل استراتيجية الانتشار السريع كانت تقتضي استمرار العلاقات الثنائية بكبار منتجي النفط وتعزيزها، خصوصًا المملكة العربية السعودية. وبرزت أهمية سياسة التحالفات تلك في ضوء مجموعة من الأحداث التي شهدتها منطقة الخليج منذ عام 1979، تمثّلت في قيام الثورة الإيرانية والاجتياح السوفياتي لأفغانستان والحرب الإيرانية - العراقية36 والتدخل الأميركي في العراق بعد ذلك في عامي 1991 و.2003 حتى إن نجحت السياسة الأميركية في ضمان استمرارية تدفق النفط من منطقة الخليج وفق مصالحها من حيث كمية المعروض وسعره، مع تقليص مخاطر انقطاع الإمدادات وتهديدات القوى الاقتصادية المنافسة، الصين مثلً، فإن التكاليف السياسية والاقتصادية المصاحبة لذلك النجاح، بدت أحيانًا مُخيّبة، حيث زاد الوجود العسكري الأميركي والتدخل المباشر في شؤون المنطقة، من كراهية الولايات المتحدة في الخارج، كما أن نشر القوات المسلحة أداةٌ مُكلفةٌ اقتصاديًا وغير مرغوب فيها محليًا؛ الأمر الذي أدّى إلى طرح السؤال التالي في دوائر صنع القرار الأميركي: هل الانخراط السياسي الأميركي والوجود العسكري في منطقة الخليج ضروريان لضمان استمرار إمدادات النفط؟ وكيف يمكن التوفيق بين السياسة الأميركية العالمية لنشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان ومصالح واشنطن في تأمين إمدادات النفط من المنطقة؟ من منظور ليبرالي، مع تراجع المدّ الشيوعي، فإن قوى السوق، وليست العوامل السياسية، هي التي سوف تحكم إمدادات النفط وسعره بغضّ النظر عمن يحكم في دول الخليج؛ لأن أنظمتها مستمرة في بيع النفط لضمان تحقيق مصالحها، حتى إن حدث انقطاع في إمدادات النفط الخليجي لأسباب غير سياسية، يمكن تجاوز الأمر عبر الاعتماد على منتجين جدد في مناطق أخرى37. وعمليًا، أكدت إدارة الرئيس جورج بوش الابن هذا التوجّه حين عبّت عن رغبتها في تنويع مصادر الطاقة والاستثمار في مصادر الطاقة البديلة للتحرر من التبعية لنفط منطقة الخليج، أو ما اعتبره بوش الإدمان الأميركي على النفط الذي يأتيها من دول غير مستقرة. وعلى نحو مفارق، بدا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 أن نفط المنطقة أصبح مصدر تهديد للأمن القومي في الولايات المتحدة، لذا راحت استراتيجيات الأمن القومي الأميركي منذ عام 2002، تؤكد ضرورة تحقيق أمن الطاقة الأميركي وفق استراتيجية استقلالية وتنويع المصادر.

خامسًا: استراتيجية تقليل مصادر الطاقة الأميركية وتنويعها: هل تتراجع أهمية منطقة الخليج العربي؟

في الواقع، بعد أزمة النفط في عام 1973 بدأت الإدارات الأميركية المتعاقبة تُدرك مخاطر الافتقار إلى تبنّي خيارات متعددة ومختلفة لتحقيق أمن الطاقة بعيدًا عن منطقة الخليج، ليس أقلّها جعل الإدارة الأميركية خاضعة لحسابات حكومات تلك الدول الاقتصادية، أو حتى الخضوع للابتزاز السياسي، كما حدث خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973. اعتمدت الإدارات الأميركية منذ ذلك الوقت على برامج لأجل استقلالية مصادر الطاقة. وبدأ مشروع استقلالية الطاقة الأميركي مع الرئيس نيكسون وفق ما أطلق عليه "برنامج الاستقلالية" Independence Project، الذي استهدف إنهاء الحاجة الأميركية إلى استيراد الطاقة خلال الثمانينيات، ومن أجله أ نشئت وكالة خاصة للبحث في شؤون الطاقة. وفي عام 1975، اقترح الرئيس الأميركي جيرالد فورد 1977-1974() مشروعًا لبناء 200 محطة للطاقة النووية في إطار تشجيع اعتماد الطاقة البديلة. وقد أعلن الرئيس جيمي كارتر أن استقلالية الطاقة هي المرادف الأخلاقي للحرب، بهدف رئيس

  1. علي، ص.154
  2. عرفة، ص.95
  3. المرجع نفسه، ص 92
  4. F. Gregory Gause, Oil Monarchies: Domestic and Security Challenges in
  5. the Arab Gulf States (New York: Council on Foreign Relations, 1994), p. 176.

هو تحقيق استقلالية الطاقة بحلول عام 1990. ومنذ ذلك الحين بدأ الرؤساء الأميركيون بالحديث عن تحرير أميركا من التبعية لنفط الخارج38، لكنّ أيًّا من المشروعات لم يُحقق النتائج المرغوبة، وبقيت التبعية لنفط الخليج فاعلة، باستيراد نحو 28 في المئة من النفط بين عامي 1973 و 1978 39. تدريجيًا، أصبح يُنظر إلى حجم النفط الخام المستورد من الشرق الأوسط، وتحديدًا من دول الخليج العربية، باعتباره شكلً من أشكال التبعية، وبدأت تتصاعد معه أصوات الخبراء والاستراتيجيين الأميركيين بضرورة التقليل من الاعتماد على النفط الخليجي، حيث إن التبعية النفطية لدول الخليج، كما عبّ عنها جورج بوش الابن في خطابه عن حاله الاتحاد في عام 2006، بالإدمان على النفط، أصبحت تهديدًا واضحًا لأمن الطاقة الأميركي، وأمن أميركا القومي عمومًا، فقد أضحت تكاليف الحماية العسكرية لمصادر النفط وممرات نقله، ضخمةً، فضلً عن التكاليف السياسية لدعم أنظمة تسلّطية في مقابل النفط40. أصبح الاستهلاك الأميركي المتزايد للطاقة تحدّيًا سياسيًا واقتصاديًا، بأهمية متصاعدة، في السياسة الخارجية الأميركية، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، إذ ساهمت الأحداث في تحول النقاش نحو حجم تأثير التبعية المتزايدة لنفط الشرق الأوسط في تحقيق الأمن الاقتصادي والقومي الأميركي. وتمحور النقاش أكثر حول حجم التكاليف الكبيرة للتدخلات العسكرية الأميركية من أجل حماية تدفق النفط، سواء من حيث التكاليف المادية والبشرية41 أم حجم التنازلات السياسية في دعم الأنظمة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط. بحسب الباحث روغر ستارن Stern Roger، كلّف تأمين النفط في الشرق الأوسط، الولايات المتحدة نحو 7.3 ترليونات دولار أميركي خلال الفترة 2007-1976. وبحسب المحلل الاقتصادي دان فيرغانو Dan Vergano، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، كلفت حماية تدفق النفط الخام من الخليج 225 مليون دولار يوميًا. وكما اعتبر الأدميرال الأميركي السابق ديني ماكغاين Denny McGinn أن الولايات المتحدة دفعت في عام 2008 نحو 386 مليار دولار إلى الخارج من أجل الحصول على النفط، ويُعتبر هذا تحويلً ضخمً للثروة القومية إلى الخارج. وأكثر من ذلك، يذهب خُمس هذا المبلغ إلى دول تعتبرها واشنطن دولً خطرة على أمنها القومي، أو غير مستقرة، ما يضع الولايات المتحدة في مفارقة خدمة مصالحها الاقتصادية في تأمين الطاقة وتقويض مصالحها السياسية في محاربة الإرهاب ودعم الديمقراطية42. تأسيسًا على ذلك، بدأت إدارة بوش الابن تطرح مفهومًا جديدًا لأمن الطاقة. واستندت سياسة الطاقة الأميركية الجديدة إلى تقرير مجموعة تطوير سياسة الطاقة الأميركية NEPDG، وهو جهاز أسّسه بوش ورأسه نائبه ديك تشيني. ففي تقريره النهائي عن سياسة الطاقة القومية المعروف ب "تقرير تشيني"، دعا الحكومة إلى مباشرة مبادراتها لتعزيز الحاجة المتصاعدة إلى الطاقة. وحتى إن ركّز التقرير على ضرورة تحصيل الطاقة، استجابة للحاجة المتزايدة التي من المتوقع أن ترتفع، بالاعتماد على الموارد الطاقوية الداخلية والطاقة البديلة، فإن التقرير دعا أيضًا إلى تعزيز الاعتماد على المصادر الخارجية من مناطق مختلفة43 لتقليص مخاطر الصدمات النفطية. أما استراتيجية الرئيس باراك أوباما لأمن الطاقة، فركّزت أكثر على الاستثمار في الطاقة النظيفة والمتجددة، مثل الرياح والشمس والوقود الحيوي، بهدف الوصول إلى تغطية نسبة 80 في المئة من الحاجة المحلية إلى الطاقة من مصادر داخلية بحلول عام 2035 44. وعلى الرغم من اتفاق إدارتي بوش وأوباما على ضرورة تقليل الاعتماد على النفط المستورد من منطقة الخليج، وفي حين كانت إدارة بوش "الجمهورية" أكثر اعتمادًا على ضرورة تنويع مصادر الطاقة الأميركية، ركّزت الإدارة "الديمقراطية" في عهدي أوباما على إيلاء أهمية للطاقة البديلة45. في ضوء ذلك، استندت خطة أمن الطاقة الأم كيرر الجديدة إلى استراتيجيتي "الاستقلالية" و"التنويع." وبينما تعني الاستراتيجية الأولى السعي لتحقيق الاكتفاء الذاتي عبر مزيد من مساعي التنقيب عن الطاقة الأحفورية والاستثمار في مجال الطاقة البديلة، استندت الاستراتيجية الثانية إلى تقليل التبعية لإمدادات النفط، خصوصًا تلك الآتية من الخليج من خلال تنويع المورّدين أساسًا، ومن خلال الاعتماد على النفط المستورد من الدول المجاورة، مثل: كندا والمكسيك، وحتى من بحر الشمال وأميركا الجنوبية وآسيا الوسطى وغرب أفريقيا.

1. استراتيجية الاستقلالية

أدّت تقلبات أسعار النفط والابتكارات التقنية ودخول دول جديدة إلى سوق النفط، إضافة إلى زيادة الحساسية لخيارات السياسات البيئية، إلى تغيير وجه النقاشات الدائرة بشأن أمن الطاقة في الولايات المتحدة

  1. Momayezi & Rosenburg, p. 4.
  2. Amy Myers Jaffe, "Energy Security: Oil-Geopolitical and Strategic Implications for China and the United States," Institute for Public Policy of Rice University (July 2005), p. 5, accessed on 20/5/2019, at: http://bit.ly/2W91z3S
  3. David Sandalow, "Ending Oil Dependence, Protecting National Security, the Environment and the Economy," Report , The Brookings
  4. Jaffe, p. 1.
  5. Momayezi & Rosenburg, p. 4.
  6. Michael Klare & Daniel Volman, "The African 'Oil Rush' and US National Security," Third World Quarterly , vol. 27, no. 4 (2006), p. 612. 44 عبد العاطي، ص.111
  7. Institution, 28/2/2007, p. 6.
  8. المرجع نفسه، ص.99

خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وأصبحت الولايات المتحدة التي كانت أكثر دول العالم استهلاكًا واستيرادًا للنفط من الشرق الأوسط‮، بعد أحداث 11 سبتمبر أكثر حساسية لتحقيق أمنها النفطي بالاعتماد على دول الخليج والشرق الأوسط عمومًا، لذا تسعى، عبر استغلال التطورات الهائلة في تكنولوجيا الطاقات البديلة، لتقليل اعتمادها على نفط الشرق الأوسط خلال الأعوام المقبلة46.‬ في الأعوام الأخيرة، باتت الولايات المتحدة تنتج نسبة أكبر من نفطها الخاص، وتستهلك أقل بسبب ارتفاع معدل إنتاج النفط نتيجة التحسينات التي أُدخلت إلى تكنولوجيا التصديع المائي، وكذلك التحسينات في مجال كفاءة الطاقة. كما تشهد الولايات المتحدة اليوم ثورة في الوقود الصخري Shale Energy الذي قلب خريطة الطاقة العالمية47، خصوصًا أن التفكير عالميًا في مستقبل ما بعد النفط، بدأ يحظى بأهمية كبُرى في ظل دعوات تنذر بقرب نضوب النفط، بحسب أنصار ما يُعرف بنظرية ذروة النفط Theory 48 Oil Peak، أو قمة إنتاج النفط؛ أي النقطة التي تتوقف فيها مخرجات النفط الأحفوري عن الزيادة، ويبدأ معها إنتاج النفط بالتراجع تدريجيًا49. فعليًا، منذ عام 2012‮، ‬انخفض استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة بسبب تحسين التقنيات المستخدمة في وسائل النقل ‬التي تؤدي إلى حرق وقود أقل، وكذلك بسبب ارتفاع مستوى الإنتاج المحلي الأميركي من الطاقة بنحو 30‮‬ في المئة في عام 2012‬ مقارنة بعام 2008.‮ و‬هكذا أضحت الولايات المتحدة تتّجه تدريجيًا إلى تحقيق اكتفاء ذاتي في مجال الطاقة، بما يحتمل أن يكون له انعكاسات مهمة على سياستها الطاقوية في منطقة الخليج

2. استراتيجية التنويع

يقتضي تقليص آثار أي توقف في إمدادات نفط الخليج ضرورة تنويع مصادر الإمدادات النفطية وتعدد طرائق نقلها. ويُعدّ البحث عن مصادر جديدة للطاقة هدفًا أميركيًا في إطار استراتيجيتها الجديدة لأمن الطاقة. إن الاعتماد على مصدر واحد للطاقة هو مصدر تهديد حقيقي للأمن القومي الأميركي، لأنه يُعرّض اقتصاد الولايات المتحدة لخطر الصدمة المفاجئة، في حين يجعلها عرضة لتقلّب الأسعار50. وأوصى تقرير "مجموعة تطوير سياسة الطاقة الوطنية" التي أسّسها بوش الابن بضرورة تنويع مصادر الطاقة في مناطق مثل: بحر قزوين وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية، لتقليص الاحتمالات السلبية لانقطاع الإمدادات على الاقتصاد الأميركي من منطقة الخليج التي تتسم باستقرار هش. وذكر وكيل وزارة الطاقة الأسبق، ستيوارت إيزنستات، في عام 2002 "أن اعتمادنا على نفط الخليج العربي عامة، والمملكة العربية السعودية خاصة، سيُعرّضنا للهجوم في الخارج وفي الوطن على حد سواء"51. في الواقع، يمكن التوترات في منطقة الخليج العربي أن تقوّض مصالح الأمن القومي الأميركي؛ فالاعتماد الأميركي الكبير على واردات النفط من مناطق تُصنّفها واشنطن بأنها غير مستقرة، أو حتى عدائية، تُقلّص من فرص تحقيق أمن الطاقة الأميركي، حيث تبقى معرّضة باستمرار لمخاطر تقلبات الأسعار وانقطاع الإمدادات. وحاجة الولايات المتحدة إلى إمدادات مستقرة وثابتة من النفط، تعني أنها في حاجة إلى نفقات عسكرية مُكلفة52. يعتمد الاستقرار بعيد المدى للاقتصاد الأميركي على ضمان إمدادات النفط من دول مستقرة، بينما تظهر الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط حجم المخاطر المحدقة بالاقتصاد الأميركي من حيث تقلّبات الأسعار وثبات الإمدادات؛ إذ ارتفعت الأسعار على نحو كبير بسبب المخاوف من انقطاع الإمدادات عبر قناة السويس بسبب الأحداث في مصر في عام 2012، وهي مجرد دولة ممر، فكيف سيكون الوضع في حال انتقال الاضطراب إلى كبار المنتجين من دول الخليج العربية؟ أدّت أحداث "الربيع العربي" فعلً إلى حصول اضطرابات في إمدادات الطاقة، حيث أثّرت الصراعات الداخلية في الإنتاج والتصدير في بعض الدول، مثل: ليبيا. ثم إن عدم الثقة بشأن الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، بما في ذلك دول الخليج العربية، يمكن أن يكون له تأثير بالغ في ارتفاع الأسعار، فمثلًارتفع سعر البرميل قرابة 20 في المئة مباشرة بعد الانقطاع في إمدادات النفط الليبية، ويكمن الخطر الحقيقي على الأمن الاقتصادي والقومي الأميركي في إمكان انتقال الاضطراب إلى أهم منتجي النفط في الخليج، المملكة العربية السعودية؛ فأي اضطراب في السعودية تعجز عن احتوائه سوف يكون التهديد الحقيقي لأمن الطاقة الأميركي في الأعوام المقبلة. في ضوء هذه المعطيات والعوامل الاقتصادية والسياسية والتقنية المتداخلة‬، هل يمكن أن يعني الاستقلال المتنامي للولايات المتحدة في مجال الطاقة أن في وسعها أن تكون أقل قلقًا حيال تأمين نفط منطقة الخليج العربي؟

  1. المرجع نفسه؛ علوي.
  2. باتريك كلاوسون وسايمون هندرسون، "سياسة الطاقة: أمريكا والشرق الأوسط في عصر المجهر السياسي، العدد الوفرة النفطية"، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، 146 (تموز/ يوليو 2016، شوهد في 2018/9/7)، في https://bit.ly/2NiHyiQ:
  3. عبد الوهاب، ص.21
  4. Laurel Graefe, "The Peak Oil Debate," Economic Review , vol. 94, no. 2 (2009), p. 1.
  5. مايكل كلير، دم ونفط: أمريكا واستراتيجيات الطاقة إلى أين؟ ترجمة وتحقيق أحمد
  6. عبد العاطي، ص.81 52  Momayezi & Rosenburg, p. 4.
  7. رمّو (بيروت: دار الساقي، 2011)، ص.220

يمكن التحليلات القائمة على افتراضات النظرية الليبرالية للاقتصاد السياسي الدولي أن تجادل إمكان استقلالية أمن الطاقة الأميركي عن منطقة الخليج العربي، بفضل الطاقة البديلة وتكنولوجيا النفط الصخري من جهة، وباعتمادها على جارتيها كندا والمكسيك، وهما من الدول المستقرة وذات العلاقات الجيدة بالولايات المتحدة، لتغطية الطلب المحلي من جهة أخرى. من شأن ذلك أن يعمل تدريجيًا على تحرير سياسة أمن الطاقة من التبعية لنفط الخليج وتكاليف حماية ناقلات النفط. فإذا كانت الولايات المتحدة ترى في نفط المنطقة مجرد سبب للثروة الاقتصادية، يمكن الليبرالية، حينئذ، أن تجادل أن الولايات المتحدة أصبحت تملك من البدائل ما يجعلها قادرة على تأمين حاجاتها من الطاقة، وذلك يعني تراجع منطقة الخليج من سلّم أولويات سياسة الطاقة الأميركية. فهل فعلً كل ما يعني الولايات المتحدة من نفط المنطقة هو الثروة؟ تُحيلنا النظرية الماركنتيلية للاقتصاد السياسي الدولي نحو رأي مغاير.

سادسًا: سياسة الطاقة الأميركية في منطقة الخليج من منظور ماركنتيلي: الثروة في خدمة القوة

انطلاقًا من فرضية خضوع إيجاد الثروة لتعظيم القوة، يرجّح التحليل الماركنتيلي للاقتصاد السياسي استمرارية الاعتماد الأميركي على النفط الخليجي وفق معادلة أن النفط ينتج الثروة، وأن الثروة تنتج القوة، وبالقوة تستمر الهيمنة الأميركية. وأصبح أمن الطاقة مرتبطًا بالأمن القومي الأميركي، بعيدًا عن حسابات السوق التي تزعمها الليبرالية الاقتصادية، وبينما تجادل الليبرالية بكفاية مصادر الطاقة الجديدة، لا تزال الماركنتيلية تؤكد أهمية مصادر الطاقة التقليدية، حيث لا يمكن الاعتماد على أي من البدائل الأخرى لتحلّ محل النفط. وبناء عليه، أولوية المصالح الاستراتيجية الأميركية هي التي سوف تمنع الولايات المتحدة من التفكير في الابتعاد عن نفط منطقة الخليج حتى وهي قادرة، أو على وشك تحقيق القدرة على تأمين أمنها من مصادر الطاقة بفضل استراتيجيتي الاستقلالية والتنويع. تُظهر دراسات وتقارير عدة أن الاستراتيجية الأميركية لتأمين الطاقة في منطقة الخليج، كانت مُكلفة جدًا53، وهذا ما يدعو إلى التساؤل: هل كان النفط هو وحده ما تبحث عنه الولايات المتحدة؟ أم اعتبارات الهيمنة أيضًا؟ فالأموال التي أنفقتها الولايات المتحدة لو استثمرتها في مجال الطاقة البديلة أو الاستيراد من مناطق قريبة، مثل كندا والمكسيك، لكانت كافية لتلبية الطلب المحلي بصورة أسهل وبتكلفة أقل. لذا، فالنفط باعتباره مصلحة اقتصادية، لم يكن المبرر الوحيد وراء الإدمان على نفط الخليج؛ إذ إن لاعتبارات الهيمنة والنفوذ دورًا أيضًا. وفقًا لحسابات الربح والخسارة، تبقى سياسة نشر القوات المسلحة الأميركية في الخليج أداةً مُكلفة، مقارنة بحجم العوائد الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، استنزفت الحرب على العراق بين عامي 2003 مليارات دولار. و 2010، نحو 704 وإذا نظرنا إلى الأمر من وجهة نظر اقتصادية، فإن التكاليف أكبر من المكاسب، وهذا ما يُرجّح أن هدف تأمين مصادر الطاقة لم يكن الهدف الوحيد من الحرب، وهنا لا بد من مقارنة التكلفة بالعائد في إطار أوسع من النفط، وهو البحث عن الهيمنة54. وهذا ما يؤكد أن الولايات المتحدة تسعى، من واقع سياستها الخارجية لأمن الطاقة، لتحقيق مكاسب تعظيم القوة باعتبارها أولوية على حساب مكاسب إيجاد الثروة. يتمحور السعي الأميركي للهيمنة على منابع النفط في الخليج، حول أهداف عدّة، لعل في مقدمها تحقيق هدف الهيمنة الكاملة على شؤون العالم من خلال التحكم في موارد الطاقة الحيوية اقتصاديًا وسياسيًا، ما يمنحها القدرة على ممارسة النفوذ وتحييد القوى المنافسة التقليدية، وقطع الطريق أمام القوى الإقليمية والدولية الصاعدة من أن تنهج نهجًا معاديًا للمصالح الأميركية، فضلً عن رسم حدود حركة هذه القوى في اقتصاد القرن الحادي والعشرين55. في الواقع، يبقى هناك الكثير من الاعتبارات السياسية والاستراتيجية التي سوف تمنع الولايات المتحدة من التفكير في الابتعاد عن منطقة الخليج حتى وهي قادرة أو على وشك تحقيق القدرة على تحقيق استقلالها الطاقوي، بل إن تزايد إنتاج الطاقة من الولايات المتحدة، يُضاعف نفوذ واشنطن بقوة ويفتح أمامها المجال لتعزيز مصالحها بحزمٍ أكبر على مختلف الجبهات. وأهم هذه الاعتبارات: إذا كانت الليبرالية تعتد بآلية السوق (قانون العرض والطلب) لتفسير الانخفاض المستمر في أسعار الطاقة العالمية منذ عام 2014، فإن الماركنتيلية تؤكد دور المصالح القومية في تحديد الأسعار. فبحسب التحليل الماركنتيلي، مردّ سبب تراجع أسعار النفط سياسي في الأساس، اتفاق بين السعودية والولايات المتحدة موجّه ضد إيران وروسيا للضغط الاقتصادي عليهما لإجبارهما على تقديم تنازلات سياسية، لذا من مصلحة الولايات المتحدة أن تبقى متحكمة في قرار أهم منتجي النفط في الخليج حتى تستمر في استخدام النفط آلية للمكافأة والعقاب في سياستها الخارجية تجاه القوى الإقليمية والدولية المتحدية. فأهمية

  1. 55 علي، ص.141
  2. عرفة، ص.97-96
  3. 53  Ibid., p. 2.

المملكة العربية السعودية لا يكمن في أنها تملك أكبر احتياطي مؤكد من النفط فحسب، بل أيضًا في أنها تملك القدرة، بفضل حجم العرض الأكبر بين الدول المنتجة كلها، على تعديل حجم إنتاجها بما يؤثر على نحو حاسم في سوق النفط العالمية، ومن ثم يمكنها في وقت نقص العرض رفع الإنتاج لتعويض الفارق، كما فعلت عقب الغزو العراقي للكويت56. على نحو مفارق، يمكن أن يمنح الشعور بتراجع اعتماد الولايات المتحدة على نفط الخليج مساحة جديدة لواشنطن للمناورة السياسية؛ فانخفاض الطلب الأميركي على استيراد النفط، يعني أن "سلاح النفط" لن يكون مجديًا مستقبلً لكبرى دول الخليج العربية المنتجة للنفط في الضغط على الولايات المتحدة. كما قد يحدّ من تأثير "الخضوع للنفط" أمام اتّباع الولايات المتحدة سياسة الضغط، في مقابل إحداث التغيرات السياسية في الدول غير الديمقراطية في المنطقة. فضلً عن أن انخفاض أسعار النفط، ومن ثم تراجع العائدات، سوف يحدّ، وفق وجهة النظر الأميركية، من قدرة الأطراف الفاعلة في المنطقة على دعم الإرهاب، ما سيعمل على تشجيع رفع درجة التعاون الإقليمي الفاعل مع الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب57. من المحتمل أن يوجد تقليل الاعتماد الأميركي على نفط منطقة الخليج العربي الانطباع بأن الولايات المتحدة تتراجع عن دعم حلفائها في المنطقة. وإذا شعرت الجهات المعادية للمصالح الأميركية في المنطقة أن التزام واشنطن بأمن دول الخليج العربية، يتضاءل، فإنها قد تُقرّر الاستفادة من الوضع، ما من شأنه إلحاق الضرر بالمصالح الأميركية هناك. كما من شأن ارتفاع إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة، أن يقلل فرص توسيع الإنتاج أمام الجهات المنتجة في الشرق الأوسط، وهذا مسارٌ قد يُقوّض ثبات الازدهار القائم على النفط ويُحفّز عدم الاستقرار على المستوى المحلي58. يوحي الحديث عن استقلالية الطاقة الأميركية بأن الولايات المتحدة لن تتأثر بالتقلبات في أسعار النفط وأسواق الطاقة، لكن اقتصاد حلفائها في أوروبا وآسيا سيتأثر حتمً بهزات الأسعار، ما من شأنه أن يؤثر في الاقتصاد الأميركي المرتبط باقتصادات حلفائه، فالولايات المتحدة تستورد سلعًا آسيوية، يُعدّ النفط الخليجي عاملً رئيسًا في إنتاجها، وبناء عليه، سيُلحق ارتفاع أسعارها الضرر تباعًا بالاقتصاد الأميركي59. من المحتمل أن تكون بعض الطاقات المحلية البديلة المعوّل عليها لتحقيق أمن الطاقة الأميركي، مكلفًا في المنظور المتوسط أو البعيد، وعلى سبيل المثال، فإن مادة الإيثانول Ethanol التي تصور داخل الولايات المتحدة على أنها مستقبل محركات السيارات، تُنتج من قصب السكر والذرة والشمندر، وكلها مواد غذائية، ولاحقًا لا بد من أن تتأثر أسعار المواد الغذائية، ما سيُسبب أزمة عالمية إذا ما استمرّ إعطاء الأولوية لمادة الإيثانول باعتبارها وقودًا60. سيكون تقليل الاعتماد الأم كيرر على نفط منطقة الخليج مغامرة اقتصادية، حيث قد تضطر الولايات المتحدة معها إلى استنزاف احتياطياتها النفطية بسرعة، وذلك ما لن تُقدم عليه باعتبارها قوة كبرى تُبقي استعدادها لأسوأ السيناريوهات الممكنة. فضلً عن أن احتياطيات النفط الخليجي، خصوصًا لدى السعودية والإمارات والكويت، أكثر بكثير مما يتوافر لدى بلدان أخرى. وأثبتت بعض الأزمات الأخيرة أن هذه الدول وفي مقدمها السعودية، هي من في وسعها ضخّ الإمدادات في حالة نقص المعروض في السوق العالمية61. إن سياسة أميركية انعزالية تجاه منطقة الخليج العربي، سوف تعزلها عن ممارسة الضغوط السياسية تجاه منطقة الشرق الأوسط، في حين تبقى واشنطن ملتزمة بتحقيق أمن إسرائيل، وحيث إن منطقة الخليج العربي تبقى مرتبطة بالصراع العربي - الإسرائيلي، ستبقى هناك فرصة قائمة من حيث إن الارتباط بين النفط والصراع العربي - الإسرائيلي يمكن أن ينفجر في وجه أميركا، كما حصل في عام 1973، على الرغم من أن مخاطر ذلك قد تقلّصت62. بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، اتّجه النقاش في الولايات المتحدة بشأن علاقة النفط بالأجندة الأمنية الأميركية. وبذريعة سوء حوكمة النفط الخليجي، تظهر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغييرًا في سياستها لأمن الطاقة حيال المنطقة، بالانتقال من هدف ضمان الوصول الحر إلى نفط دول الخليج، إلى الضغط على الأنظمة القائمة باتجاه استغلال أفضل لموارد النفط؛ أي الانتقال

  1. Gause, p. 1.
  2. كلاوسون وهندرسون.
  3. 62  Gause, p. 179.
  4. عبد العاطي، ص.109
  5. أبو عجيلة، ص.75
  6. Anthony H. Cordesman, "The Myth of U.S. Energy Independence and the Realities of Burden Sharing," Report , Center for Strategic & International Studies, 26/10/2013, accessed on 20/5/2019, at: http://bit.ly/2QdAWVO
  7. 58 المرجع نفسه.

من "نفط حر" إلى "تحرير النفط." وواقع اهتمام إدارة ترامب بالمصالح الاقتصادية الأميركية في دول الخليج العربية، وفي مقدمها السعودية، يضعف فرضية الانسحاب الأميركي من منطقة الخليج.

خاتمة

لا يوجد تعريف ثابت يمكن أن توصف به سياسة الطاقة الأميركية، فمن واقع السياسات الأميركية المتبعة في هذا الشأن، يمكن ملاحظة أن سياسة الطاقة الأميركية تتعلق أحيانًا بأهداف إيجاد الثروة الاقتصادية، وفي أحيان أخرى بتعظيم القوة السياسية؛ إذ تتحكم الاعتبارات الاقتصادية في سياسة الطاقة الأميركية، ولا سيما مسألة الحصول على النفط، باعتباره سلعةً يرتكز عليها النمو الاقتصادي العالمي بأسعار معقولة وعلى نحو مستمر. كما أنه في ظل استمرار اعتماد الولايات المتحدة على الخارج لتوفير حاجاتها من الطاقة، لا بد من أن يُنظر إلى النفط باعتباره سلعة استراتيجية حيوية للأمن القومي الأميركي. كثيرًا ما اعتبرت حقول النفط في منطقة الخليج العربي بمنزلة الضامن لاقتصاد عالمي مستقر. ولهذا اعتمدت الولايات المتحدة على دول الخليج، ومن خلال الشركات النفطية الأميركية من أجل صناعة النفط والتنقيب عنه وإنتاجه وتسويقه. غير أن أزمة النفط في عام 1973، ساهمت في إخراج منطقة الخليج من دائرة السوق الاقتصادية، إلى دائرة الأمن القومي الأميركي، ولأجل ذلك تعزّز دور الشركات النفطية الأميركية في المنطقة بوجود عسكري مباشر منذ إعلان "مبدأ كارتر." أثبتت أزمة الحظر العربي للنفط في عام 1973 كم هو وهمي الخط الفاصل بين اقتصاد الطاقة وسياستها، وبدلً من استمرار النفط والسياسة الأميركية في مسارات منفصلة، أوجد الحدث مسالك للربط بينهما. وتبيّ أن أمن الطاقة الأميركي، ترتبط فيه مسائل الاقتصاد المرتبطة بالعرض والطلب، بمسائل السياسة المتعلقة بالنفوذ والقوة، لذا أصبح أمن الطاقة الأميركي يُعرف في سياق الحيّز المشترك للاقتصاد والسياسة؛ إذ ينبغي ألا يُختزل الاهتمام الأميركي بنفط الخليج في عرض الإمدادات، إنما يجب أن يتعدّاه نحو الأمن القومي. حتى إن نجحت السياسة الأميركية في ضمان استمرارية تدفق النفط من منطقة الخليج وفق المصالح الأميركية من حيث كمية المعروض وسعره، مع تقليص مخاطر انقطاع الإمدادات، فإن الإدمان الأميركي على النفط الخليجي أصبح تحديًا سياسيًا واقتصاديًا في النقاش بشأن أمن الطاقة الأميركي، خصوصًا بعد أحداث 11 سبتمبر، حيث أدّت التكاليف السياسية والاقتصادية المصاحبة لتحصيل نفط الخليج، إلى تحوّل النقاش بشأن أمن الطاقة الأميركي نحو تبعات تأثير التبعية المتزايدة لنفط المنطقة في الأمن الاقتصادي والقومي الأميركي، لتعيد استراتيجيات الأمن القومي الأميركية منذ عام 2002 تفعيل مشروع استقلالية الطاقة الأميركية عن الارتباط بالنفط الخليجي عبر الاستثمار في الطاقات البديلة وتنويع المورّدين. في الواقع، حتى مع الحماسة الأميركية لتحقيق استقلالية الطاقة، لا تزال تشير التوقعات إلى أن الولايات المتحدة ستبقى دولة مستوردة للنفط بحلول عام 2030؛ إذ ستبقى في حاجة إلى تغطية ما يقارب 30 في المئة من حاجاتها عن طريق الاستيراد. وفي ضوء ذلك، ستبقى منطقة الخليج العربي ذات مكانة مهمة في الإدراك الأميركي لأمن الطاقة اليوم ومستقبلً؛ لأن سوق النفط هي سوق عالمية موحدة، لن تستسلم الولايات المتحدة لقانون السوق الحرة الذي يُهدّد القيادة الأميركية للنظام الاقتصادي العالمي، وستبقى لديها مصلحة في منع أي دولة أو جماعة داخلية معادية من تحصيل السيطرة على نفط منطقة الخليج، يمكن أن تستخدمه على نحو يضرّ المصالح الأميركية. كما لا يبدو خيارًا عقلانيًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، الاعتمادُ بالكامل على مواردها من الطاقة إلى درجة الاستنزاف، فهي في الغالب تفضّ ل الاحتفاظ بجزء من احتياطياتها النفطية لمواجهة احتمالات المستقبل المختلفة.‮‬ وبناء عليه‮،‬ فإن ارتفاع تكلفة استخراج الغاز والنفط الصخريين يجعل من العقلاني بالنسبة إليه‬ا، في الوقت الذي يتم فيه الاعتماد على تلك الموارد‮، ‬الاستمرار في الاعتماد، ولو جزئيًا، على الواردات من دولالخليج العربية. لا جدال في أن الولايات المتحدة تبحث عن الثروة من خلال سياستها لأمن الطاقة في منطقة الخليج العربي، لكن اعتبارات القوة السياسية في منطقة استراتيجية لحزمة من المصالح القومية الأميركية، ستجعل واشنطن تمنح الأولوية لأهداف الأمن القومي في استمرارية الهيمنة الأميركية. فإذا كان النفط مصدرًا للثروة، وكانت الثروة مصدرًا للقوة، فإن الولايات المتحدة لن تتخلّ عن نفط منطقة الخليج حتى وهي قادرة على ذلك، ما يُرجّح الفرضية الماركنتيلية لخضوع إيجاد الثروة لتعظيم القوة في تفسير سياسة الطاقة الأميركية حيال المنطقة.

المراجع

العربية

أبو عجيلة، أبو بكر المبروك بشير. "أثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية تجاه منطقة الشرق الأوسط 2008-2001(.") أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية. كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية. قسم العلوم السياسية. جامعة الخرطوم. الخرطوم، السودان،.2010

توفيق، سعد حقي. "التنافس الدولي وضمان أمن النفط." العلوم السياسية. جامعة بغداد. العدد 43 (كانون الثاني/ يناير.)2011 حبيب، هاني. النفط استراتيجيًا وأمنيًا وعسكريًا وتنمويًا: مصدر ال وررة والطاقة والأزمات. ب وررت: شركة المطبوعات للنشر والتوزيع،.2006 عبد العاطي، عمرو. أمن الطاقة في السياسة الخارجية الأميركية. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2014 عبد الوهاب، لهب عطا. دراسات في الطاقة: أمن الإمدادات والمخاطر الجيوسياسية. المنامة: مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة،.2012 علوي، مصطفى. "خريطة جديدة: تحولات أمن الطاقة ومستقبل العلاقات الدولية." السياسة الدولية. العدد 204 (نيسان/ أبريل.)2016 علي، سليم كاطع. "أثر النفط في التوجه الأمريكي تجاه منطقة دراسات دولية. العدد الخليج العربي بعد الحرب الباردة." 57 (نيسان/ أبريل.)‏2014 كلاوسون، باتريك وسايمون هندرسون. "سياسة الطاقة: أمريكا والشرق الأوسط في عصر الوفرة النفطية." معهد واشنطن لسياسة المجهر السياسي، العدد الشرق الأدنى. 146 (تموز/ يوليو 2016.) فh يttps://bit.ly/2NiHyiQ: كلير، مايكل. دم ونفط: أمريكا واستراتيجيات الطاقة إلى أين؟ ترجمة وتحقيق أحمد رمّو. بيروت: دار الساقي،.2011 محمد، خديجة عرفة. أمن الطاقة وآثاره لاستراتيجية. الرياض: جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية،.2014

الأجنبية

Baumann, Florian. "Energy Security as Multidimensional Concept." Center for Applied Policy Research. Policy Analysis. no. 1 (March 2008). Cordesman, Anthony H. "The Myth of U.S. Energy Independence and the Realities of Burden Sharing." Report. Center for Strategic and International Studies. 26/10/2013. at: http://bit.ly/2QdAWVO "Energy Security Issues." The World Bank Group. 5/12/2005. at: http://bit.ly/2VPhXqZ Falkner, Robert. "International Political Economy." Undergraduate Study in Economics, Management, Finance and the Social Sciences. London School of Economics (2011). at: http://bit.ly/2LSANJ2 Gause, F. Gregory. Oil Monarchies: Domestic and Security Challenges in the Arab Gulf States. New York: Council on Foreign Relations, 1994. Graefe, Laurel. "The Peak Oil Debate." Economic Review. vol. 94, no. 2 (2009). Isbell, Paul. "The Riddle of Energy Security." Elcano Royal Institute. Analyses of the Elcano Royal Institute. no. 67 (April 2008). at: http://bit.ly/2HDlWwF Jaffe, Amy Myers. "Energy Security: Oil-Geopolitical and Strategic Implications for China and the United States." Institute for Public Policy of Rice University (July 2005). at: http://bit.ly/2W91z3S Klare, Michael & Daniel Volman. "The African 'Oil Rush' and US National Security." Third World Quarterly. vol. 27, no. 4 (2006). Levering, Ralph B. The Cold War, 1945-19 87. 2 nd ed. Arlington Heights, IL: Harlan Davidson, 1988. Momayezi, Nasser & R.B. Rosenburg. "Oil, the Middle East and U.S. National Security." International Journal of Humanities and Social Science. vol. 1, no. 10 (August 2011). Morse, Edward L. "A New Political Economy of Oil?" Journal of International Affairs. vol. 53, no. 1 (Fall 1999). Sandalow, David. "Ending Oil Dependence, Protecting National Security, the Environment and the Economy." Report. The Brookings Institution. 28/2/2007. Veseth, Michael. "What is International Political Economy?" University of Puget Sound‎. UNESCO International Encyclopedia Project (2004). updated & revised (2015). at: http://bit.ly/2JZlKLh Yergin, Daniel. "Ensuring Energy Security." Foreign Affairs. vol. 85, no. 2 (March-April 2006).