السببية مشكلة في حقل العلاقات الدولية: ما الذي يمكن تعل مه من علم التعق د؟

Mohammed Hemchi محمد حمشي |

الملخّص

تناقش هذه الورقة إشكالية السببية في حقل العلاقات الدولية بوصفها إشكالية د في النقاش حول هذه الإشكالية إبستيمولوجية. وهي تسعى لإقحام علم/ نظرية التعق، ولفت الانتباه إلى الدروس الأساسية التي يمكن تعل مها منها من أجل أعادة التفكير في التصور الهيومي التقليدي للسببية، والذي هيمن على أغلب النظريات السائدة. تنقسم الورقة إلى ثلاثة أجزاء رئيسة. يقدم الجزء الأول مدخل ا للسببية كمشكلةٍ إبستيمولوجية في حقل العلاقات الدولية. أما الجزء الثاني فيسعى للتقديم للمفهوم البديل للسببية، الذي يستند إلى إسهامات الواقعية النقدية، كما يسعى لاستخلاص بعض الدروس من نظرية التعقد. بينما يسعى الجزء الثالث، على سبيل الخاتمة، لمراجعة أسباب نهاية الحرب الباردة كجزءٍ أساسي من النقاش السائد حول إشكالية السببية في حقل العلاقات الدولية. كلمات مفتاحية:ّ السببية، العلاقات الدولية، نظرية التعق د، الواقعية النقدية. This paper examines the problem of causation in IR as an epistemological problem. It seeks to engage complexity science/theory within the current debate. It draws attention to the key lessons that can be learned in order to rethink the traditional Humean conception of causation, which has dominated most of the mainstream theories. The paper is divided into three main sections. The first section offers an introduction to causation as an epistemological problem in IR. The second section seeks to introduce an alternative concept of causation, based on the contributions of critical realism, and draws some lessons from complexity theory. The third section, as a conclusion, seeks to review the causes of the end of the Cold War as an essential part of the dominant debate on causation problematic in IR. Keywords: Causation, IR, Complexity Theory, Critical Realism.

Causation as a Problem in IR: Some Lessons From Complexity Science

مقدمة

تُعتبر السببية إشكالية أصيلة في حقل العلاقات الدولية؛ حيث ارتبط ظهور الحقل المعرفي في حدّ ذاته، خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، بالسعي لدراسة "أسباب الحرب"، أملً في تفادي العواقب المأساوية للحرب العالمية الأولى 918-1914(.)1 غير أنه بعد مرور مئة عام على تأسيس أول قسمٍ متخصص في الدراسات الدولية في جامعة أبريستفيث 919()1، يبدو أن لا إجماع قد تحقق – أو يمكن أن يتحقق قريبًا – بشأن ماهية أسباب الحرب. ومنذ أن كتب ثوسيديديس تاريخ الحروب البيلوبونيزية 404-431(ق.م).، ما زالت الدراسات تظهرُ من حينٍ إلى آخر، محاوِلةً تقديمَ إجابات مختلفة عن السؤال المؤرق "لماذا تندلع الحروب في العالم؟." وعلى الرغم من التراكم المعتبر في هذه الإجابات طوال العقود الطويلة التي مضت، فإن التقدم في فهم الحرب وأسبابها بقي محدودًا على نحو مثير للاهتمام. من شأن افتقار الحقل إلى نظرية متّسقة حول أسباب الحرب، إلى جانب استمرار الحروب باعتبارها سمةً ملازمةً للعلاقات الدولية والإخفاق سياسيًا في التقليل من احتمالات نشوبها، أن يضفي الشرعية على الدعوة إلى مَشكلةِ الأسسِ الإبستيمولوجية التي تقوم عليها دراسات أسباب الحرب. يبدو أن الحقل بات في حاجةٍ إلى التأمل على نحو أكثر جدية، ليس في معرفة أسباب الحرب فحسب، لكن أيضًا في الكيفية التي يسعى من خلالها لتلك المعرفة، وهذا ما يجعل المُشكلة إبستيمولوجية في الدرجة الأولى. يبدو أن الحقل بات في حاجة إلى التأمل في مفهومه للسبب في حدّ ذاته، وفي تصوّره طبيعة – وليس مضمون – العلاقاتِ السببية فحسب التي يسعى للوصول إليها بشأن ظاهرة الحرب. وهذا ما يُشكّل جوهر إشكالية السببية، سواء تعلق الأمر بالحرب أم بغيرها من الظواهر و/ أو الأحداث التي تقع ضمن اهتمامات الحقل. إذًا، تناقش هذه الدراسة إشكالية السببية في حقل العلاقات الدولية من حيث كونها إشكاليةً إبستيمولوجية. وعلى الرغم من أن الأسئلة التي تطرحها هذه الإشكالية عريقة، فإن مراجعتها إبستيمولوجيًّا لم تنضج إلا خلال الأعوام الأخيرة، بفضل مساهمات باحثين من أمثال كولين وايت Wight C.، وهايكي باتوماكي Heikki Patomäki، وهايدمي سوغانامي Hidemi Suganami، وميليا كوركي Kurki Milja. ويأمل هؤلاء وآخرون من الباحثين في مسائل ما وراء النظرية العالقة أن "ينقذوا" الحقل من التعارض التقليدي بين الوضعية وما بعد الوضعية، وهي المهمة التي قوّضها "الانحياز" الإبستيمولوجي إلى المدرسة البنائية خلال النقاش الرابع (ضمن سلسلة النقاشات الكبرى التي عرفها تاريخ الحقل المعرفي.) وتفترض الدراسة أن النقاش بشأن إشكالية السببية لا يمثل محورًا واعدًا من محاور النقاش الراهن فحسب، بل يمثل أيضًا فرصة ملائمة لاستكشاف معالم الطريق نحو "رواية ثالثة" ممكنة بدلا من الروايتين المتعارضتين (الفهم و/ أو التفسير)، اللّتين أسّس لهما النقاش الثالث وأخفق النقاش الرابع في بناء جسر بينهما. إضافة إلى ذلك، تسعى الدراسة لإقحام علم/ نظرية التعقّد في النقاش بشأن إشكالية السببية، وشدّ الانتباه إلى الدروس الأساسية التي يمكن تعلُّمُها منها من أجل إعادة التفكير في التصور الهيومي التقليدي للسببية، الذي هيمن على غالبية النظريات السائدة. وتركز الدراسة على الكيفية التي تُعيد بها نظرية التعقّد النظر – على نحو جريء – في مفهوم الحتمية، الذي لم تكن الفيزياء الكلاسيكية تقدّمه باعتباره مبدأ أنطولوجيًا فحسب، لكن أيضًا باعتباره مبدأ إبستيمولوجيًا. وإضافة إلى البحث في تصورٍ بديلٍ ينزع عن السببية في حقل العلاقات الدولية طابع الانتظام والحتمية، تدافع هذه الدراسة عن أطروحات الفلسفة الواقعية النقدية القائلة بأن الأفكار والخطاب والتكوين التاريخي و/ أو البناء الاجتماعي للفواعل، تشكّل في حدّ ذاتها، قوى سببية في السياسة الدولية، وخصوصًا إذا تفاعل بعضُ ها مع بعض، وجنبًا إلى جنب مع القوى السببية المادية، ضمن ما سمّاه هايكي باتوماكي المُركَّبات السببية.

أولا: السببية بصفتها مشكلة إبستيمولوجية في حقل العلاقات الدولية

سبق أن شدّد مارتين هوليس وستيف سميث على وجود انقسامٍ فلسفي عميق في العلوم الاجتماعية بين نظريات تفسيرية تسعى لتفسير العالم الاجتماعي من خلال التحليل السببي، ونظريات تأويلية تسعى لفهم الفعل الإنساني "من الداخل" بالبحث في معانيه ومسوّغاته1. تعتبر ثنائية الفهم/ التفسير مرادفة لثنائياتٍ أخرى عدة عكست – وما زالت تعكس – عمق هذا الانقسام، كثنائية النزعة الطبيعية/ النزعة المناهضة للطبيعية Naturalism/ Anti-naturalism في العلوم الاجتماعية2، التي تضبط النقاش بين الوضعيين وما بعد الوضعيين بشأن إمكان "العلم" في مجال المعرفة الاجتماعية، أي إمكان توظيف مناهج العلوم الطبيعية في دراسة الواقع الاجتماعي؛ وثنائية العقلانية/

  1. Martin Hollis & Steve Smith, Explaining and Understanding International Relations (Oxford: Oxford University Press, 1990).
  2. Alexander Wendt, Social Theory of International Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 1999), p. 39.

التأملية التي أصبحت لاحقًا صورة ذاتية راسخة للكيفية التي تتموقع من خلالها نظريات العلاقات الدولية في مواقفها الفلسفية بشأن إشكالية السببية، حيث تسعى النظريات العقلانية لتحليل السياسة الدولية من خلال البحث في الأسباب وبناء العلاقات السببية، بينما ترفض النظرياتُ التأملية مفهوم التحليل السببي، ليس باعتباره تصورًا خاطئًا لما يمكن أن يكون عليه الواقع الاجتماعي فحسب، لكن بصفته ممارسةً معرفية "خطيرة"3، من شأنها أن تُهدّد في نهاية المطاف باختزال التعقّد (المتزايد) في السياسة العالمية إلى مجرد علاقات/ ارتباطات "ميكانيكية" بين شروط/ أسباب سابقة ونتائج لاحقة، وفقًا للفلسفة النيوتنية التي تؤكد أن التفسير يجب أن يكون سببيًا، وأن السببية يجب أن تكون "ميكانيكية"4، ومن ثمّ "حتمية." إضافة إلى الميكانيكية المفرطة المستلهَمة من فيزياء نيوتن، ترتبط المقاربة الوضعية للسببية بالنزعة الحتمية، وتحديدًا ما تسمّيه ميليا كوركي "حتمية الانتظامات"5 أو الانتظامات الحتمية. بمعنى إذا ارتبط وقوع مجموعة الأحداث (س، س 1، س 2، س 3،... س ن) – وعلى نحو منتظم – بوقوع مجموعة الأحداث (ع، ع 1، ع 2، ع 3،...ع ن)، فإنه يمكن بناء قانون عام، على شكل علاقة سببية حتمية، مفاده "كلما حدث (س)، أدى ذلك بالضرورة إلى حدوث (ع")6. ويعبّر ديفيد هيوم Hume David 776-1711()1 عن هذه الحتمية الميكانيكية على نحو أشدّ تطرّفًا، عندما يقول إن: "السبب نفسه يُنتج دائمًا النتيجةَ نفسها، كما أن النتيجة نفسها لا تُنتج إلا عن السبب نفسه"7. شكلت هذه النزعة الحتمية، حتى وإن بدت النسخة المعتمدة في حقول المعرفة الاجتماعية أقل تطرّفًا، جوهر الفلسفة الوضعية خلال النصف الثاني من القرن الماضي. إذا استثنينا كتابات روبين كولينوود R. G. Collingwood 943-1889(وإدوارد كار 1) 982-1892(Edward Hallett Carr 1) يمكن القول إن الأدبيات المؤسِّسة لحقل العلاقات الدولية، لم تتضمن إحالات مباشرة إلى السببية، باعتبارها إشكالية أو حتى مبحثًا في الدراسات الدولية. غير أن قراءة هانس مورغنثو Morgenthau Hans 980-1904()1 تحيلنا إلى مقاربة هيومية وضعية لمفهوم الأسباب التي تدفع بسلوك الدول نحو الصراع والاحتراب. قد تكون مقاربة مورغنثو للسببية غير واعية بذاتها، لكن لا يمكن تصنيفها في جوهرها إلا مقاربةً هيومية وضعية؛ إذ إن "الطبيعة البشرية"، باعتبارها سببًا للحروب في واقعية هانز مورغنثو الكلاسيكية، لم تكن إلا عبارة عن قوة سببية ثابتة وطبيعية ومستقلة عن سلوك الدول. ويتكرر التصور نفسه مع واقعية كينيث وولتز Waltz Kenneth 013-1924()2 البنيوية التي تعتبر البنية الفوضوية (اللاسلطوية) للنظام الدولي سببًا بنيويًا ثابتًا للحروب. في الواقع، لم يبدأ الحديث عن السببية باعتبارها مبحثًا، منهجيًا على الأرجح، في الدراسات الدولية إلا خلال السبعينيات، مع الثورة السلوكية، حيث بدلً من تشكيل أحكام تاريخية "ذاتية" بشأن أسباب الحرب، سعى وولتز لبناء نظرية قادرة على تجريد هذه الأسباب وعزلها في إطار نظري محكم ودقيق. ففي كتابه الأول الإنسان، بالدولة والحر 959()1، أسّس للفصل بين الطبيعة البشرية والدولة والنظام الدولي، باعتبارها مستويات ثلاثة للتحليل السببي. ثم ركّز، نظرية السياسة الدولية في كتابه المرجعي 979()1، على المستوى الثالث (بنية النظام الدولي) على النحو المعروف. لكن، على الرغم من تأكيد وولتز أن ملاحظة الانتظام في الارتباط بين حدثين معيّنين لا يعني بالضرورة إثبات وجود علاقة سببية قطعية بينهما، فإن نظريته البنيوية لم تخلُ تمامًا من الجزم بوجود علاقة سببية قطعية مماثلة بين البنية الفوضوية (اللاسلطوية) للنظام الدولي والحروب بين الدول، على الرغم من أن سياسات الحرب الباردة نفسها أثبتت أن هذه السببية ليست قطعية؛ حيث إن انتظام العلاقات بين دولتين في شكل فوضوي، مع وجود نظام للردع النووي مثلً، لا يؤدي بالضرورة إلى (تزايد احتمالات) نشوب حروب. وبقيت مقولة وولتز إن البنية تمثل قوة سببية محدِّدة لسلوك الوحدات المُشكِّلة لها رهينة المبدأ الأساسي للمقاربة الوضعية الهيومية للسببية، المتمثل في الحتمية. في عام 0032، نشر ألكسندر وندت Wendt Alexander مقالة مطوّلة بعنوان "لماذا تعتبر الدولة العالمية حتمية؟"8. وبعدها بعامين، نشر فوغن شانون مراجعة مقتضبة للمقالة، بعنوان "لماذا تعتبر الدولة العالمية غير حتمية؟"9. وعبّرت هذه المراجعة عن حركة احتجاج قوية على ادعاءات وندت بشأن "حتمية" الدولة العالمية باعتبارها مرحلة خامسة من مراحل تطور "منطق الفوضى" الذي يحكم العلاقات بين الدول (مرحلة نظام الدول، ومرحلة

  1. Milja Kurki, "Causes of a Divided Discipline: Rethinking the Concept of Cause in International Relations Theory," Global Politics Network , Issue Fall 2002, p. 12 (emphasis added), at: https://bit.ly/36lwhJ8
  2. Alexander Wendt, "Why a World State is Inevitable," European Journal of International Relations , vol. 9, no. 4 (2003), p. 494.
  3. Milja Kurki, Causation in International Relations (Cambridge: Cambridge University Press, 2008), p. 38.
  4. Ibid, p. 38; Kurki, "Causes of a Divided," p. 5.
  5. Kurki, "Causes of a Divided," pp. 5 - 6.
  6. Wendt, "Why a World State."
  7. Vaughn Shannon, "Wendt's Violation of the Constructivist Project," European Journal of International Relations , vol. 11, no. 4 (2005), pp. 581 - 587.

مجتمع الدول، ومرحلة المجتمع العالمي، ومرحلة الأمن الجماعي، وأخيرًا مرحلة الدولة العالمية التي تحتكر سلطة الاستخدام الشرعي للعنف المنظم على المستوى العالمي)10. يحاجّ شانون بأن أطروحة وندت تمثل انتهاكًا لروح المشروع البحثي البنائي القائم على مركزية الفاعل الاجتماعي Agent Social؛ لأن من شأن القول بحتمية واقع معيّن، مثل الدولة العالمية، أن يُلغي دور الفاعل الاجتماعي الذي يستند إلى دوافع غير قابلة للتنبؤ، مثل الإرادة "الحرة" و"حرية" الاختيار، المتعارضة تمامًا مع مقولة "الحتمية." من وجهة نظر شانون، "الدولة العالمية [تبقى] ممكنة، لكنها ليست حتمية بأي حالٍ من الأحوال"11. تكمن المشكلة في أن النظريات التأملية نفسها لا تتحدث عن أيّ جوهر بديل من السببية، على الرغم من أن مشروعها الإبستيمولوجي يقوم على مَشكلة التصور الوضعي الهيومي للعلم، بوصفه بحثًا عن القوانين السببية العامة التي تحكم سلوك الظواهر. وتقدم كوركي ثلاثة نماذج من النظريات التأملية، التي تبقى مرتبطة على نحو ما بهذا التصوّر الوضعي الهيومي12 الذي تزعم أنها تعارضه إبستيمولوجيًا: النظرية النقدية، وما بعد البنيوية، والنسوية. لا تتضمن أدبيات النقديين إحالات مباشرة إلى مفهوم "الأسباب"، إلّ في سياق نقد منطق التحليل السببي لدى العقلانيين الوضعيين. ويبدو واضحًا أن استهدافهم السببية يأتي أساسًا في سياق استهدافهم الإبستيمولوجيا الوضعية. غير أن من المفارقة أن البحث في أسباب الحرمان واللامساواة، على المستوى الفردي و/ أو الجماعي، يقع في قلب المشروع النقدي للتعريف بالانعتاق، وعلى الرغم من الانتقاد الذي يوجهه النقديون إلى المفهوم السائد للسببية، فإنهم في الواقع لا يقدّمون أي تصور بديل بعيدًا من المفهوم الوضعي السائد13. لذلك فهُم في نهاية المطاف يستعملون المفهوم نفسه الذي يستهدفونه بالرفض والنقد. أما ما بعد البنيويين فيحاجّون بأن التنكر للسببية بلغ إلى حد تصريح ديفيد كومبال بأن الغرض من نظريته لا يكمن في تقديم تفسيراتٍ سببية، وأنه ملتزم، على العكس من ذلك، بالمواقف ما بعد الحداثية التأويلية التي تتعارض مع مساعي البحث في تحديد "الأسباب"14. يتناول ما بعد البنيويين السببية في سياق نقدهم المقاربة الحتمية اللاتاريخية للبنيوية في العلاقات الدولية. يجادل روب وُولكر بأن فكرة السببية تعتبر ذات طابع إشكالي؛ لأن المقاربات الشائعة للسببية تستلهم صورًا من قبيل صورة كرات بيلياردو يصطدم بعضها ببعض في كونٍ نيوتوني15. وهو ما يعني، من ضمن ما يعنيه، أن مَشكلة السببية تنطوي أساسًا على مَشكلة ميكانيكا نيوتون، الاختزالية، الحتمية، وحتى الداروينية. يبدو وولكر وكأنه لا يفعل أي شيء لتقديم بديل من هذا المفهوم، لكنه على العكس يبدو "راضيًا" باكتفائه بمجرد صرف النظر عن المفهوم، وهو ما تعتبره كوركي أمرًا يبعث على القلق، وحتى خيبة الأمل، بالنسبة إلى مشروع فلسفي هدفه الأساسي إعادة النظر في المفاهيم وكيفيات التنظير السائدة16. أما النسويون، فغالبًا ما يُقدّمون ادعاءات سببية على نحو واضح. تُعدّ سينثيا إينلو، مثالً، من أولئك الذين يقرّون صراحة بالتزامهم حيال القيام بتحليلات سببية، مثل الادّعاء بأن البنية الاجتماعية للنظام الأبوي، على الرغم من أنها غير قابلة للرصد والملاحظة، تعمل على إنتاج آثار "مادية" سيئة على الوضع الاجتماعي للنساء، وأن المفاهيم والتصورات السائدة بشأن الأنثوية والذكورية تُنتج وفي الوقت نفسه تُعزّز أنماط الاضطهاد واللامساواة على المستوى العالمي17. لذلك، فإن إينلو لا تسعى لتعميم الآثار التي تسببها البنية الاجتماعية للنظام الأبوي فحسب، لكنها تسعى أيضًا لإبراز العمليات والروابط السببية، المادية، إضافة إلى تلك المتعلقة بالأفكار التي تنتج هذه الآثار18. عمومًا، يبدو أن العوامل السببية، لدى النسويين، تتشكل من الأفكار والخطابات التي تؤدي دورًا مُشكِّلً للممارسة "الاجتماعية." يبدو أن النسوية لا ترفض السببية من حيث المبدأ، لكنها ترفض تصوّرًا بعينه للسببية والخصائص المترتبة عنه، مثل الحتمية المتضمنة في الكثير من الأطروحات البيولوجية بشأن الأدوار المحدَّدة، طبيعيًا ومسبقًا، عبر الجنس19. يصطف البنائيون، بدورهم، إلى جانب العقلانية الوضعية عندما يتعلق الأمر بالمواقف الإبستيمولوجية إزاء السببية. وتقدم كوركي قراءة نقدية بنّاءة في موقف وندت من الإشكالية20. يبدو أن وندت يستند إلى الواقعية النقدية لإعادة التفكير في السببية، من

  1. Wendt, "Why a World State," p. 491.
  2. Shannon, p. 582.
  3. Kurki, Causation in International , pp. 124 - 144.
  4. Ibid.
  5. David Campbell, Writing Security (Minnesota: University of Minnesota
  6. Rob Walker, Inside/ Outside: International Relations as Political Theory (Cambridge: Cambridge University Press, 1993), p. 96.
  7. Kurki, "Causes of a Divided," p. 19.
  8. Cynthia Enloe, Bananas, Beaches and Bases: Making Feminist Sense of International Politic (Berkeley: University of California Press, 1990), pp.
  9. Kurki, "Causes of a Divided," p. 19.
  10. Ibid., p. 20. 20  Ibid., pp. 21 - 24.
  11. Press, 1998), p. 4.

أجل تجسير الهوة بين النظريات التفسيرية/ السببية والتكوينية/ التأملية. لذلك، فهو يتحدى الادّعاءات العقلانية القائلة بأن السببية عبارة عن علاقة كامنة في طبيعة الأشياء، وليس في منطق عملها، في الوقت نفسه الذي يتحدّى فيه الادّعاءات التأملية القائلة بأن الأفكار – والعوامل المتعلقة بدورها – لا تمنع وجود آثارٍ ذات طابع سببي21، ليخلص إلى أنّ نظريات العلاقات الدولية كلها يمكن أن تكون نظريات تفسيرية/ سببية وتكوينية في الوقت نفسه22. غير أنه على الرغم من أهمية هذه المداخلة، فإن موقف وندت من إشكالية السببية يبقى عرضة للعديد من المآخذ. فهو يؤكد مثلً أن العلاقة بين الأشياء تكون سببية إذا كان (س) كسببٍ ضروريًا من أجل (ع) كنتيجةٍ/ كأثر، وإذا كان (س) سابقًا على (ع) ومستقلًّ عنه23. إن تأكيد استقلالية السبب عن النتيجة/ الأثر، فضلً عن الأسبقية الزمنية للسبب على النتيجة/ الأثر، تقويض مشروع وندت في استلهام المقاربة الواقعية النقدية للسببية؛ لأن الأخيرة تبحث في الكيفية التي تترابط بها الأشياء على مستويات أنطولوجية أعمق مما (قد) تبدو عليه عبر الملاحظة (الإمبيريقية) التي يؤكدها العقلانيون الوضعيون. ويجادل روح هار ومايدن إدوارد بأن "الاستقلالية الظاهرية للأحداث، التي تستند إليها حجج الفلسفة الهيومية، هي [مجرد] وهم"24، فهي لا توجد إلا في التوصيفات السببية التي يستعملها الناس لتسمية الأحداث أسبابًا أو نتائج، عبر الملاحظة السطحية للمستوى الظاهري للأشياء. وتتفاقم مشكلة "استقلالية" الأسباب عن النتائج/ الآثار، عندما يتعلق الأمر بالعوامل والقوى التكوينية التي يمنحُها وندت، وغيرُه من البنائيين، أهميةً أساسية، مثل الأفكار والثقافة والخطاب. بمعنى أنه في حالة النظريات التفسيرية، يكون (س) و(ع) مستقلين أحدهما عن الآخر، بينما لا يكونان كذلك في حالة النظريات التكوينية25. يبدو أن مبدأ "الاستقلالية" و"التعاقب عبر الزمن" هو ما يبرر التمييز بين مقاربة كلٍّ من النظريات التفسيرية والتكوينية للعلاقة بين الأسباب والنتائج/ الآثار. على مستوى أعمق، تلاحظ كوركي أن العلاقة بين هذين النمطين من النظريات هي أقرب مما يُشدّد عليه التأمليون؛ إذ في الوقت الذي يؤكدون فيه دور الأفكار في تكوين/ تشكيل العالم الاجتماعي (كيف أن الفوضى في النظام الدولي مثلً تتشكل من خلال مجموعة من الأفكار والمفاهيم المتشاركة بين الفواعل)، فإن من المهمّ ملاحظة كيف أن هذا التنظير غير بعيد من التنظير السببي الذي يقوم به التفسيريون (كيف أن تلك الأفكار والمفاهيم المشَكِّلة للفوضى تجعل الفواعل يتصرفون وفقًا لنمط معيّن دون آخر.) لذلك تخلص كوركي إلى أن المواقف النظرية كلها السائدة، ملتزمة تمامًا بالتصور الوضعي الهيومي للسببية26، سواءً أعلنت أم لم تعلن ذلك صراحة. حالت هيمنة هذا التصور الوضعي الهيومي دون مَشكلة السببية، مفهومًا جوهريًّا بالنسبة إلى حقل العلاقات الدولية. لذلك، نحن في حاجة إلى مراجعة جذرية، سعيًا للوصول إلى أفق أكثر انفتاحًا للتحرر من تلك الهيمنة التي أدّت، بحسب باتوماكي ووايت، إلى جعل التفسيرات العلمية في الدراسات الدولية تفسيراتٍ استنباطية في الأساس. وفقًا لهذا التصوّر، "المفسَّر (الحدث الذي يتم تفسيره) هو النتيجة المنطقية لقانون عام، إضافة إلى أنه يحدث كنتيجة منطقية لمجموعة من الشروط الابتدائية، وهما ما يشكلان معًا التفسير (ما يفسر حدوث الحدث المفسَّر")27، يُنظر الشكل.)1(كان من شأن هذا التصور أن كرّس الاعتقاد أن وظيفة العلم هي الكشف عن القوانين العامة، التي يمكن أن تستخدم بأمان مقدماتٍ منطقية لبناء حجج استنباطية في الأساس. كما كان من شأنه أن أدّى بالتفسير والتنبؤ إلى بلوغ حالة التطابق؛ حيث إن القدرة على تفسير الحدث (ع) تعني بالضرورة القدرة على التنبؤ به. بصيغة أخرى، أصبحت وظيفة العلم تتمثل في الكشف عن القوانين العامة التي يمكن أن تُستخدم مقدماتٍ من أجل الوصول إلى نتائج يقينية. المشكلة أن الارتباط السببي الثابت والدائم بين الأسباب والنتائج لا يتجسّد إلا في الشروط التي يمكن التحكم فيها تجريبيًا. لذلك لا يستغرب باتوماكي ووايت أن ما من قوانين عامة، بالعمومية التي يتصورها النموذج الوضعي الهيومي، اكتُشفت في عمل الأنظمة الاجتماعية، المفتوحة غير المغلقة. تتفاقم هذه المشكلة مع الحجج التي يدافع عنها منظرو التعقّد بشأن ندرة الأنظمة المغلقة في الطبيعة برمّتها؛ ما يعني ضرورة مراجعة جدوى البحث عن قوانين سببية عامة قادرة على التفسير والتنبؤ كليهما. المشكلة أن في الأنظمة المعقدة المفتوحة، النتيجة نفسها قد تكون محصلة لكثير من الأسباب المختلفة، تمامًا كما أنّ السبب نفسه قد يؤدي إلى الكثير من النتائج المختلفة28.

  1. Wendt, Social Theory , pp. 77 - 81.
  2. Ibid., pp. 165 - 166.
  3. Ibid., p. 79.
  4. Kurki, "Causes of a Divided," p. 22.
  5. Wendt, Social Theory , p. 85.
  6. Kurki, "Causes of a Divided," p. 23.
  7. Heikki Patomäki & C. Wight, "After Post-Positivism?" International Studies Quarterly , vol. 44, no. 2 (2000), p. 228.
  8. Ibid., p. 229. الشكل)1(التصور الوضعي الهيومي للسببية المصدر: من إعداد الباحث اعتمادًا على: Heikki Patomäki & C. Wight, "After Post-Positivism?" International Studies Quarterly , vol. 44, no. 2 (2000), p. 228.

ﻟﻨﻔﱰض أن ﺣﺪﺛŽ)س(و)ع(ﻣﺮﺗﺒﻄﺎن ﺑﻘﺎﻧﻮن ﻋﺎم ﻓﺤﻮاه، "إذا ﺣﺪث)س(، ﻓﻼ ﺑﺪ أن ﻳﺤﺪث)ع"(

اﻟﻘﺎﻧﻮن اﻟﻌﺎم

اﻟﴩط اﻻﺑﺘﺪا)س(ﺣﺪث ﻓﻌﻼً

اﻟﻨﺘﻴﺠﺔ اﳌﺴﺘﻨﺒَﻄﺔ

في هذا السياق، تفترض الواقعية النقدية، التي تسعى لتذليل التعارض بين المفهومين الوضعي وما بعد الوضعي للسببية، أن العالم يتألف من مستويات متعددة للواقع، تتآثر سببيًا29، وأن فهم المستوى الاجتماعي تحديدًا لا يتناسب مع طبيعة المقولات السببية التي تحكم تفسير مستويات أخرى مختلفة، مثل المستوى الطبيعي أو الإيكولوجي أو البيولوجي. وتفترض الواقعية النقدية أن على المستوى الاجتماعي للواقع، تعتبر مسوغاتُ – وليس التي تحرك Reasons not Causes of Action أسباب – الفعل الفواعل الاجتماعية العناصرَ السببية الأساسية المشَكِّلة للواقع Real World. لذلك، تبقى مساعي تفسير الفعل الاجتماعي عبر التحليل السببي جهدًا بائدًا، ما لم تتحول إلى مساعٍ تأويلية تستهدف فهم الفعل الإنساني "من الداخل"، عبر البحث في مسوغاته ومعانيه، المسوغات التي تحرك الفعل/ الفاعل – المؤوَّل – والمعاني التي يسبغها عليه المؤوِّل الذي يُعتبر في نهاية المطاف فاعلً بدوره. من ثمة تأتي ملاحظة هوليس وسميث30 التي ترى أن هناك دائمًا روايتين يمكن سردُهما؛ تسعى إحداهما لتفسير السياسة الدولية بالبحث في الأسباب Causes بغرض التعرف إلى الأنماط والانتظامات العامة في العمليات والسلوك الدولية، بينما تسعى

إذا ﺣﺪث)س(، ﻓﺈن)ع(ﻻ ﺑﺪ أن ﻳﺤﺪث

)ع(ﻻ ﺑﺪ أن ﻳﺤﺪث/)ع(ﻛﺎن ﻟﻴﺤﺪث ﺣﺘ

الأخرى لفهم السياسة الدولية بالبحث في (كيفيات/ سياقات) تكوين المعنى وفي المسوغات Reasons التي تضفيها الفواعل الدولية على أفعالها، وهي مساعٍ غير سببية. غير أن السؤال الأشد إلحاحًا، في مواجهة هاتين الروايتين، ينبغي أن يكون "أيّ الروايتين أفضل لفهم الواقع الاجتماعي للسياسة الدولية؟"، بل ينبغي أن يكون "كيف يمكن سرد رواية/ روايات أفضل بشأن السياسة الدولية؟"31. جادل باتوماكي ووايت بأن العمل على تجسير الهوّة بين هذين النمطين من المواقف ما وارء النظرية حيال مسألة السببية يبدو كأنه لا يجدي نفعًا32. يبدو أننا لسنا في حاجة إلى التوليف بينهما، بقدر حاجتنا إلى موقف أصيل يتجاوزهما معًا، ولا يرتبط بأيّ منهما33. في سياق التأسيس لهذا الموقف، يتناول المبحث التالي ما يمكن اعتباره مفهومًا بديلً من السببية في حقل العلاقات الدولية.

ثانيًا: نحو مفهوم بديل من السببية

يبقى النقاش بشأن مفهوم بديل من السببية يستقطب عددًا ضئيلً من الباحثين المهتمين بالدراسات الإبستيمولوجية في الحقل. يرجع

  1. تتآثر بمعنى يؤثّر بعضها في بعض، وفي الوقت نفسه يتأثر بعضها ببعض. سنعود
  2. 33  Kurki, "Causes of a Divided," p. 24.
  3. Heikki Patomäki, "How to Tell Better Stories about World Politics," European Journal of International Relations , vol. 2, no. 1 (1996), pp. 105 - 133. 32  Patomäki & Wight, p. 214.
  4. إلى هذا المفهوم لاحقًا.
  5. 30  Hollis & Smith, pp. 1 - 3.

ذلك، على الأرجح، إلى أن طبيعة هذا المفهوم البديل المنتظَر تتطلب التفكير خارج المواقف كلها السائدة من إشكالية السببية: العقلانية الوضعية، والتأملية، والبنائية. لأنها تبقى كلها ملتزمة على نحو ما بالتصوّر الوضعي الهيومي للسببية والافتراضات المترتبة عليه. بيّن سوغانامي، في كتابه النافذ حول أسباب الحر ب34، وجود أرضية قوية بما يكفي لرفض السببية الهيومية؛ باعتبارها أداةً تحليلية للبحث في أسباب الحروب. وجادل بأن مفهوم العقلانيين للفوضى في السياسة الدولية، وخصوصًا في نظرية وُولتز البنيوية، لا يمكن أن يشكّل سببًا ضمنيًا للحرب، كما تتطلّبه الافتراضات الأساسية المترتبة على التصوّر الهيومي للسببية؛ لأن الفوضى يمكن أن تشكل كذلك سببًا للسلم، بحسب مبدأ الانتظام نفسه الذي تستند إليه سببية الحرب35. بمعنى أن غياب سلطة مركزية، في النظام الدولي، يمكن أن يمثّل دافعًا للتعاون بين الدول بالمنطق نفسه الذي يجعله دافعًا إلى الاحتراب بينها. يرى سوغانامي أن دراسة السبب تتعلق أساسًا بشرح (كيفية) حدوثه، لجعله مفهومًا أكثر. للقيام بذلك، يحتاج الباحث إلى فحص التعاقب في الأحداث المؤدية إليه بالشكل الذي يسمح له بحل لغز معيّن36 لا يمشكل كيفية حدوث النتيجة/ الأثر فحسب، بل كذلك كيفية حدوث "السبب" نفسه. ويؤكد سوغانامي أن المُنظّر/ المؤرخ، الذي يبحث في الأسباب، يجب أن يبتكر "تفسيرًا" سرديًا يشرح به أهمية الأسباب التي يُبدي اهتمامًا بها37. يتفق موقف سوغانامي مع طروحات روبين كولينوود الذي جادل بأن تحديد السبب في حدوث شيء معيّن، بالنسبة إلى أي شخصٍ، يعني تحديد الشروط المنتجة له، والتي يكون هذا الشخص قادرًا على إنتاجها أو منع إنتاجها. وبيّن أن الفاعلين يسمُّون أسباب الشيء تلك المظاهر التي يشعرون أنهم قادرون على التحكم فيها للوصول إلى غايات معيّنة38 مرغوبة أو تجنب الوصول إلى غايات أخرى غير مرغوبة. وهذا ما يجعل بناء الأسباب في جزء مهمّ منه عملً ذاتيًا، فهو يعكس تصورًا ذاتيًا لما (لا) يمكن التحكم فيه، كما يعكس تصورًا معياريًا إلى حدٍّ بعيد للغايات المرغوب الوصول إليها، والغايات المرغوب تجنب الوصول إليها. كما يؤدي التركيز على ضبط الأشياء، والتحكّم فيها عبر التحكّم في الشروط/ الأسباب المنتجة لها، إلى جعل السببية عملً براغماتيًا/ ذرائعيًا بالدرجة الأولى. عبر تعريف فعل السببية -  "الفاعلون يسمّون أسباب الشيء تلك المظاهر التي يشعرون أنهم قادرون على التحكم فيها" - يذهب كولينوود إلى حد نزع صفة الموضوعي/ الطبيعي عن السببية؛ فالأسباب لا توجد إلا في أفكار الفاعلين وفي خطاباتهم39، ولا توجد بشكل موضوعيّ ومستقل عن المعاني الكامنة في الفعل الإنساني. لذلك، يمكن بلا تردد تصنيف هذه المقاربة، المتمركزة حول دور الإنسان Anthropocentric، ضمن تيارات الفلسفة المناهضة للواقعية التي تنكر وجود "الواقع" خارج عقل/ وعي الإنسان. إضافة إلى ذلك، ترتبط مقاربة كولينوود بما تسمّيه كوركي "النسبية السببية/" "السببية النسبية"؛ إذ يؤكد أن الناس، بمن فيهم المؤرخون، يستعملون مفهوم السبب من منظور ذاتي صرف، وغالبًا ما يركزون على أسباب معيّنة بغرض شدّ الانتباه "إليها" وإلقاء اللوم عليها40، بينما يتجاهلون أسبابًا أخرى بغرض إبعاد الانتباه "عنها." وهكذا، تُصبح سببية شيء ما نسبية، تعتمد أساسًا على ذاتية الفاعل الذي يقوم بتسمية الأسباب. المثال الواضح هو تسمية نظام هتلر سببًا للحرب العالمية الثانية بغرض إلقاء اللوم عليه وتحميله مسؤولية مآسيها، مع تجاهل سياسات العقوبات القاسية التي فرضها الحلفاء على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى، ثم سياسات الاسترضاء التي مارستها بريطانيا مع هتلر، وذلك بغرض إعفاء الحلفاء من مسؤوليتهم حيال مآسي تلك الحرب. يسمي كولينوود هذه الخاصية قابلية السببية للتلاعب بها41 من جانب المُنظّر/ المؤرخ، بوصفه فاعلً (اجتماعيًا)، الذي يقوم بتسليط الضوء على أسباب معيّنة و/ أو الإبقاء على أسباب معيّنة أخرى في الظل. يبدو أن من شأن أطروحة "السببية النسبية" أن تقوّض مبدأَي الحتمية والميكانيكية في المقاربة الوضعية الهيومية للسببية، فالافتراض أن الحدث (س) سبب في وقوع الحدث (ع)، لا يفيد بوجود أيّ تلازم سببيّ منتظم بين الحدثين، حيث يؤدي وقوع (س) بالضرورة إلى وقوع (ع.) يمكن العودة إلى المثال السابق نفسه. الافتراض أن هتلر هو السبب في اندلاع الحرب العالمية الثانية، لا يعني بالضرورة أنه كلما تولّى السلطة في دولة أوروبية – ولتكن ألمانيا نفسها – قادة على منوال هتلر، فذلك سيؤدي إلى اندلاع حرب عالمية. تتفق مداخلات إدوارد كار مع وجهة النظر هذه، حيث يجادل بأن دراسة الأسباب، بصفتها جوهرًا للدراسات التاريخية، تنطوي على

  1. Hidemi Suganami, On the Causes of War (Oxford: Oxford University Press, 1996).
  2. Ibid., p. 25.
  3. Ibid., p. 139.
  4. Ibid., p. 151.
  5. Kurki, "Causes of a Divided," pp. 8 - 9.
  6. هناك مقاربة خطابية – لغوية للسببية، مثيرة للاهتمام، تعود إلى الفيلسوف اللغوي النمساوي، لودفيغ فيتغنشتاين، الذي يجادل بأن الأسباب تُبنى على نحو كامل من خلال اللغة والخطاب.
  7. Kurki, Causation in International , p. 156; Kurki, "Causes of a Divided," p. 9.
  8. Ibid., pp.152-153; Ibid., pp. 8, 9.

التساؤل باستمرار لماذا تحدث الأشياء (ما أسباب حدوثها؟) ومن ثم ترتيب تلك الأسباب ترتيبًا هرميًا، وهي دائمًا تكون متعددة ومعقدة. فالمؤرخون يذيع صيتُهم ليس بفضل أبحاثهم بشأن أحداث التاريخ، لكن بفضل الأسباب التي يركّزون عليها اهتمامَهم في تفسير أحداث التاريخ42. إذًا، لا وجود لأي أسباب "واقعية" (موجودة في الواقع) بعيدًا من التفسير السردي الذي يبتكره المنظّر/ المؤرخ لشرح تعاقب الأحداث/ الشروط الذي أدى إلى وقوع حدث/ أثر معيّن. أما باتوماكي، فيقدم الأفكار والخطاب والتكوين التاريخي و/ أو البناء الاجتماعي للفواعل، بصفتها قوى سببية في السياسة الدولية، وهي التي كثيرًا ما اعتُبرت عوامل غير سببية. قد تكون هذه العوامل في حدّ ذاتها غير كافية لإنتاج نتيجة/ أثر ما، لكنها ستكون قادرة على ذلك إذا ما تفاعل بعضها مع بعض ضمن ما سمّاه "مُركَّبات سببية." من شأن المركّبات السببية أن تجعل الحقل المعرفي يستغني عمّا يسمى "الميكانيزمات السببية"، لأن هذه الأخيرة تحيل بوضوح إلى السببية الميكانيكية43 (النيوتونية.) ينطوي مفهوم "المركّبات السببية" على خاصية التعقّد، حيث يستند إلى الافتراض بأن العالم/ الواقع الاجتماعي معقد بطبيعته، لذلك لا يمكن الحديث عن أسباب منفردة، قابلة للملاحظة البسيطة، وقابلة للتعقب زمنيًا (لتمييز الأسباب من النتائج/ الآثار)، وقابلة للعزل تجريبيًا (للتحقق من قدرتها على إنتاج نتائجها/ آثارها.) لذلك، مرة أخرى، ينبغي أن تكون السببية الاجتماعية على القدر نفسه من التعقّد الذي يتصف به العالم/ الواقع الاجتماعي. لكن، على خلاف سوغانامي، الذي ينكر وجود الأسباب في الواقع بعيدًا من التفسير السردي الذي يبتكره المنظّر للادعاء بأن تعاقب أحداث/ شروط معيّنة يؤدي إلى وقوع حدث/ أثر معيّن، يدافع باتوماكي عن مبدأ "واقعية" القوى والبنى الاجتماعية و"دورها السببي" على الرغم من طبيعتها التأويلية والتاريخية والمعقدة44، إضافة إلى ارتباطها بالفعل/ الفاعل الاجتماعي غير القابل للتفسير الواقعي/ العقلاني/ الموضوعي. إذا كان من شأن الفاعل الاجتماعي أن يُسبّب آثارًا/ نتائج معيّنة، فهو يفعل ذلك عبر أفعاله التي تحدث في سياقات سببية معقدة تتشكل من مؤسسات (وبنى) اجتماعية ومن معان بينذاتية45 يتشاركها مع فواعل أخرى.

1. المسوغات بصفتها أسبابًا

يرتبط المفهوم البديل للسببية بمقولة أن مسوّغات الفعل هي أسباب في حدّ ذاتها Causes as Reasons. تتحدى هذه المقولة الافتراضات السلوكية التي تفترض أن السلوك المُعلَن للفاعل هو ما يمكن أن يمثّل هدفًا لأيّ عمل تحليلي، لأنه قابل للملاحظة، وقابل للقياس، وقابل للتعبير عن انتظامه في قوانين عامة مناسبة. لذلك فإن العوامل من قبيل الوعي، والإرادة، والقصد، أو المعاني الذاتية/ البينذاتية Subjective/ Intersubjective، تبقى غير ذات صلةٍ بالتفسيرات العلمية؛ لأن الوعي مثلً يُعتبر ببساطة شأنًا خاصًا ولا ينتمي إلى المجال العام، فهو من ثمّ غير قابل للملاحظة تجريبيًّا، ولا (يمكن أن) يمثّل جزءًا من أي معرفة موثوقة علميًّا46. مبدئيًا، لا توجد مسوغات الفعل على نحو مستقل عن المؤسسات والمعايير الاجتماعية، إضافة إلى الثقافات والمعاني البينذاتية التي يختار الفاعل في سياقها القيامَ، أو عدمَ القيام، بفعل معيّن. ومنه، يمكن الاستنتاج أن الفاعل لم يكن ليختار "عدم" القيام بفعل معيّن لو لم تكن لديه مسوغات الفعل، وبناء عليه يمكن التعامل مع هذه المسوغات باعتبارها أسبابًا لذلك الفعل. ويجادل جيمس روبنسون بأن الرغبة الدائمة لدى الناس في جعل أفعالهم ذات معنى (مفهومة ومبرَّرة) من شأنها أن ترسخ القوة السببية للمسوغات التي لأجلها يُقْدمون على أفعالهم. إضافة إلى ذلك، فإن السياق الاجتماعي والثقافي الذي يمنح الفاعل مسوّغات فعله، يتمتع بدوره بالقوة السببية الكافية، وخصوصًا أنه تحليليًا يأتي سابقًا على ظهور مسوغات الفعل47. من منظور الواقعية النقدية، تتّسم المؤسسات والأفكار والمعاني، التي تشكّل الواقع الاجتماعي، بأنها تبنى ويُعاد بناؤها (باستمرار.) وما إن تصبح قائمة Constructed ضمن الواقع الاجتماعي، حتى تصبح بالنسبة إلى الفاعل موجودة مُسبقًا Pre-existing. وبذلك، فهي تكتسب قوة سببية كافية لمنح الفاعل "مسوغات سببية" للقيام (أو للامتناع عن القيام) بفعل معيّن. غير أن سببية المسوغات تبقى نسبية؛ لأن البنى الاجتماعية تبقى عرضة للتغير، ومن ثمّ فهي لا تخضع لمنطق الحتمية "المطلقة" الذي يُعتقد أنه يحكم سببية الواقع الفيزيائي/ الطبيعي. إذًا، يمكن المجادلة مع الواقعيين النقديين بأن المسوغات يمكن أن تتمتع بالقوة السببية نفسها التي تتمتع بها الأسباب. تؤكد كوركي أن مسوّغاتنا يجب أن تكون أسبابًا

  1. Kurki, "Causes of a Divided," pp. 9 - 10.
  2. Patomäki, "How to Tell Better," p. 118.
  3. Kurki, "Causes of a Divided," p. 26.
  4. James Robinson, "What Causes IR? Differentiating Causal Analyses in International Relations," a Paper Prepared For Annual APSA Conference,
  5. Ibid., p. 30. 47  Ibid., p. 31.
  6. Washington, 2011, p. 20.

لأفعالنا، لأن مسوّغات الفاعل شرط ضروري للأفعال التي تحدث (التي يقوم بها الفاعل)، كما تؤكد أن لو لم تكن لدى الفاعل مسوغاتُه المُسبقة لما حدثت تلك الأفعال48. غير أنه ينبغي الانتباه إلى تمييزٍ، غير شائع، بين المسوغات التبريرية (التي يقدّمها الفاعل نفسه لتبرير فعله) والمسوغات التفسيرية (التي يقترحها المحلّل لتفسير الفعل.) يبدو أن هذا التمييز شبيه إلى حدّ بعيد بالتمييز بين مسوغات واقعية Real، يمكن التعويل عليها تفسيريًا، ومسوّغات زائفة False، قد تؤدي دورًا مضلِّلً للمحلّل. غير أن المشكلة تبقى معيارية، تهدّد بتحويل جزء من العمل من "التحليل" إلى "إصدار الأحكام" بشأن ما يمكن اعتباره واقعيًا، وما ينبغي النظر إليه باعتباره زائفًا. إضافة إلى ذلك، ينبغي الانتباه إلى غياب أيّ تلازم – لا طبيعي ولا منطقي – بين مسوّغ الفعل والفعل في حدّ ذاته، عندما يتعلق الأمر بالبحث في "الانتظامات الاجتماعية"؛ أي إن وجود مسوغات الفعل لا يستلزم بالضرورة، وفي كلّ مرة، القيام به. غير أن غياب هذا التلازم لا يطرح في حدّ ذاته مشكلة تحليلية؛ لأن وجود المسوّغات لدى الفاعل مع عدم قيامه بالفعل، يعني أن هناك مسوغات أخرى ينبغي البحث فيها، هي التي تدفعه إلى الإحجام عن الفعل. فالمشكلة، إذًا، تتعلق بضرورة الوعي بتزايد حجم التعقّد في التحليل السببي؛ ما يعني مزيدًا من الأعباء التحليلية على كاهل المحلّل، وهو ما يُمثّل مظهرًا آخر من مظاهر التعقّد في السببية الاجتماعية. عمومًا، تنطوي مقولة "المسوغات بصفتها أسبابًا"، في العلاقات الدولية، على افتراض أن واقع السياسة العالمية يتعامل مع الأسباب، سواءً بصفتها أسبابًا بالمفهوم الوضعي أم بصفتها مسوغات بالمفهوم الواقعي النقدي، لكن بمنطقٍ لاحتمي، وهذا ما يميّز الانتظامات الاجتماعية من الانتظامات الفيزيائية/ الطبيعية. ينبغي دائمًا الانتباه إلى أن بناء علاقات سببية ضمن نسيج العالم الاجتماعي يُعدّ أشدّ استعصاءً مما هو عليه في العالم الفيزيائي/ الطبيعي. يرجع هذا الاستعصاء إلى أن عوامل التغير الاجتماعي تكون على درجة عالية من السياقية Contextuality والمصادفاتية Contingency، إضافة إلى أن السببية الاجتماعية تتسم أساسًا بالطابع اللاحتمي، وأن غالبية النتائج/ الآثار الاجتماعية تأتي نتيجة ارتباطات غير متوقعة بين عوامل مؤثرة مستقل بعضها عن بعض. تتجاوز مقولة "المسوغات بصفتها أسبابًا" كلا الموقفين المتعارضين اللذين يتنازعان إشكالية السببية، في العلوم الاجتماعية عمومًا، وفي العلاقات الدولية خصوصًا: العقلانية الوضعية التي تدافع عن تصورٍ هيومي للسببية والتأملية ما بعد الوضعية التي ترفض أصل مبدأ السببية. يبدو استدعاء هذه المقولة ملائمًا لكلا الموقفين لإعادة النظر في منطق التعارض السائد بينهما؛ إذ في إمكان العقلانيين الوضعيين إعادة التفكير في الأفكار بصفتها قوى سببية، ومن ثم التوقف عن ممارسات إقصاء التأمليين بدعوى أنهم لا يقومون بأي عمل تفسيري. وفي الوقت نفسه، في إمكان التأمليين المحاجّة بأن الأفكار تبقى مهمة في المعرفة الاجتماعية، على الرغم من أنها غير قابلة للملاحظة (المباشرة) وغير حتمية، إلا أنها تمنح الفاعلين مسوّغات للفعل، ومن دونها يصبح هذا الفعل بلا معنى وغير قابل للفهم، فضلً عن أن يكون قابلً للتفسير. من جهة أخرى، يمكن المجادلة بأن من شأن هذا المفهوم البديل أن يُضفي الشرعية على ادّعاءات ما بعد البنيويين بشأن سببية الخطاب في العالم الاجتماعي. ينطبق الأمر نفسه على النقديين والنسويين. وتنتقد كوركي مساعي وندت للفصل بين الأسباب والمسوّغات، وتعتقد أن موقفه المزدوج يرجع أساسًا إلى استناده إلى تصوّرٍ هيومي للسببية، وإن على نحوٍ جزئي49. لذلك، فإن الاجتهاد في تجسير الهوّة بين المفهومين مع الإبقاء عليهما مستقلين أحدهما عن الآخر، يبقى غير ضروري في ضوء الاستبصارات التي يزوّدنا بها المفهوم البديل من منظور الواقعية النقدية.

2. من الميكانيزمات السببية إلى المرك بات السببية

يستند مفهوم "الميكانيزمات السببية"50 إلى فكرة مفادها أن المرء في العادة لا يريد معرفة ما إذا كان (س) يسبّب (ع) فحسب، لكن أن يعرف أيضًا كيف تتم هذه السببية؛ فالمسألة ينبغي ألا تقتصر على معرفة الأسباب فحسب، لكن أن تمتد إلى معرفة "الكيفية" التي تؤدي بها تلك الأسباب إلى نتائجها/ آثارها. يرى كيزر وهاتشر أن التفسير المتكامل إنما يحدّد ميكانيزمًا يصف العملية التي يؤثر من خلالها متغير معيّن (س) في متغير آخر (ع)، ويجيب

  1. Kurki, "Causes of a Divided," p. 27.
  2. Ibid., p. 28.
  3. يُعتبر مفهوم الميكانيزمات السببية من المفاهيم المُثقلة بالمعاني والدلالات المختلفة، إلى الحدّ الذي أصبح معه الاتفاق بشأن الهدف من استعمالها أبسط من الاتفاق بشأن ماهيتها. يقدم جون جيرينغ مسحًا يعرض على الأقل عشرة معانٍ يمكن الإحالة عبرها إلى مفهوم "الميكانيزم السببي." كما يجمع جيمس ماهوني ما لا يقل عن 42 تعريفًا، وضعها علماء الاجتماع وعلماء السياسة وفلاسفة العلم، خلال الأعوام الخمسة والثلاثين الماضية. يُنظر: John Gerring, "Causal Mechanisms," Comparative Political Studies , vol. 43, no. 11 (2010), pp. 1500-1502; James Mahoney, "Beyond Correlational Analysis," Sociological Forum , vol. 16, no. 3 (2001), pp. 579 - 580.

عن السؤال كيف يؤدي (س) إلى إنتاج (ع)51. ويميز وُولدنر بين المقولات التفسيرية وغير التفسيرية من خلال ما إذا كانت تتضمن ميكانيزمات سببية52 تتجاوز مجرد وصف الارتباطات بين الأسباب والنتائج. في السياق نفسه، يؤكد جون ألستر أن الارتباطات وحدها لا تُفسّر، لكنها تكتفي بتقديم ملخص لمضمون التفسير فحسب. تقع الميكانيزمات السببية، بحسب ألستر، في المستوى الوسيط ضمن عملية التعميم، فهي تصل بين القوانين العامة – غير المتاحة في العلوم الاجتماعية – وعمليات الوصف التي تبقى غير طموحة53 إذا ما استغنت عن الميكانيزمات السببية. ويمكن الميكانيزمات أن تُفسّر (على نحو ما بعدي) لماذا حدث شيء معيّن، لكن لا يمكن استخدامها لغرض التنبؤ، لأننا لا نستطيع أن نعرف ما إذا كان سيتم تفعيل Activate هذه الميكانيزمات أم لا و/ أو ما إذا كانت ستُنتج دائمًا الآثار/ النتائج نفسها54. عمومًا، يمكن القول إن الميكانيزمات السببية تربط بين المدخلات/ الأسباب/ المتغيرات المستقلة من جهة، والمخرجات/ النتائج/ الآثار/ المتغيرات التابعة من جهة أخرى. وبذلك، يصبح من الأحرى إعادة صياغة المقولة [إذا كان (س)، فإن (ع]) ([س) ˿ (ع]) في شكل [إذا كان (س)، فإن (ع)، من خلال (م]) ([س) ˿ (م) ˿ (ع.]) لذلك، يبدو أن الميكانيزمات السببية تستحق أن تحظى بوضع أنطولوجي مستقلّ عن المتغيرات التي تقوم بالربط بينها. وهذا ما دفع كلًّ من تيليا فاليتّي وجوليا لينتش إلى اقتراح ضرورة إعادة التفكير في العلاقة التي تربط بين مفاهيم مفتاحية ثلاثة: الميكانيزمات (الاجتماعية)، والسياقات، والسببية55. يسمح التعامل مع الميكانيزمات، باعتبارها مستقلة أنطولوجيًا عن العلاقة بين المتغيرات المستقلة والمتغيرات التابعة وكذلك المتغيرات الوسيطة والتعامل معها بصفتها مبحثًا قائمًا بذاته، وهو ما سيؤدي إلى إثراء التفسيرات التي نقدّمها لكيفية حدوث الأشياء، خلافًا للتصور الاختزالي السائد الذي يقدّم الميكانيزم السببي باعتباره سلسلة من "المتغيرات الوسيطة" التي تربط بين المتغير المستقل الابتدائي (السبب) والمتغير التابع النهائي (النتيجة)56. فالميكانيزمات تستعمل لوصف العلاقات و/ أو التفاعلات بين مختلف وحدات التحليل، وهي لا تخبرنا كيف تحدث الأشياء فحسب، بل، أيضًا، كيف تترابط وتتعالق الفواعل، وكيف تولَدُ وتتغير أفكار الأفراد، وكيف يتأثرون بتجاربهم السابقة، وكيف تستمر أو تتغير المؤسسات، وهكذا57. غير أن هناك مشكلة تحليلية يطرحها مفهوم الميكانيزم السببي، تأتي من الدلالة المتضمنة في تسميتها، فهل تعتبر الميكانيزمات السببية ميكانيكية حتمية، كما تدل عليه تسميتها؟ بمعنى، هل أن الميكانيزم السببي يؤدي دائمًا إلى النتائج/ المخرجات نفسها؟ تجادل فاليتّي ولينتش بأن الميكانيزمات، باعتبارها مفاهيم مستقلة عن المتغيرات المرتبطة بحالات خاصة، إنما تعمل في سياقات مختلفة، وما دام الميكانيزم يتفاعل مع السياق الذي يعمل فيه، فإنه من غير المتاح تحديد النتائج بناءً على معرفة مسبقة A Priori بطبيعة الميكانيزم السببي58. هناك ميكانيزمات يُعتقد، على نطاق واسع، أنها تتسم بالعمومية والشمول، والعقلانية مثلً (الفاعل يتصرف بمنطق تعظيم المكاسب وتقليل التكاليف، كما يحدث في حالة الحروب)، غير أن التأملات الما بعدية Posteriori A تبيّن على نحوٍ متزايد أن الحروب الانتقامية مثلً لا تتعلق بحسابات الخيار العقلاني، إنما بالأفكار والعواطف، مثل استعادة الشرف والمكانة. أبعد من ذلك، يجادل ألستر بأن الميكانيزمات لا تتسم بلاحتمية النتائج فحسب، لكنها تتسم أيضًا بغموض الظروف/ الشروط الابتدائية التي تبدأ فيها بالعمل59. إذًا، ما دام أنها تتفاعل مع السياق الذي تعمل فيه، فإن ما يحدد النتائج هو – هذا السياق وطبيعة وحدود – هذا التفاعل، وليس الميكانيزم ذاته. لذلك، ففي وجود مجموعة معطاة من الظروف/ الشروط الابتدائية، يؤدي الميكانيزم الذي يعمل ضمن سياقات مختلفة إلى نتائج مختلفة. بعبارة أخرى، اللاتعيُّن Indeterminacy أو عدم القدرة على تعيين النتائج لا يكمن في مضمون الميكانيزم، لكن في تقلب السياق الذي يعمل فيه60. والسياق هنا لا يمثل قوة سببية من شأنها التأثير على نحو ما في النتائج/ الآثار، لكنه يؤثر في الكيفية التي تتفاعل بها المتغيرات، بأشكالها – المستقلة كلها، والتابعة والوسيطة – ضمن الميكانيزم السببي، يُنظر الشكل.)2(

  1. John Gerring, "Review Article: The Mechanismic Worldview," British Journal of Political Science , vol. 38, no. 1 (2008), p. 14; Gary King et al, Designing Social Inquiry (Princeton: Princeton University Press, 1994), pp. 85 - 86.
  2. Gerring, p. 14.
  3. Jon Elster, "A Plea for Mechanisms," in: Peter Hedström & Richard Swedberg (eds.), Social Mechanisms (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), p. 45.
  4. Ibid.
  5. Tulia Falleti & Julia Lynch, "Context and Causal Mechanisms in Political
  6. King et al., p. 87.
  7. Falleti & Lynch, p. 1147.
  8. Ibid.
  9. Elster, p. 45. 60  Falleti & Lynch, p. 1151.
  10. Analysis," Comparative Political Studies , vol. 42, no. 9 (2009), p. 1146.

ﺳﻴﺎق)أ(

س م ن أ

س= اﻟﺴﺒﺐ؛

يوضح مثال "البارود" الكيفية التي يؤثر بها (تقلبُ) السياق في النتائج المترتبة على الميكانيزم السببي61. يتمتع البارود بتركيبة كيميائية تمكّنه من الانفجار في وجود شرارة، وذلك بفضل آلية الاحتراق. لكنه لا ينفجر إلا في ظروف سياقية محددة تساعد في تفعيل عمل الميكانيزم، مثل توافر الكمية المناسبة من الرطوبة في الهواء، والحجم الكافي من مادة البارود. في هذا المثال، إذا حدث أن طرأ تغيّر في "أحد" هذه الظروف السياقية، فمن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى عدم تفعيل عمل ميكانيزم احتراق البارود. يمكن تعريف السياق، بصفة عامة، باعتباره شبكة من الظروف – زمانية Temporal، ومكانية Spacial، ومؤسساتية – تؤدي بمجموعةٍ من الشروط الابتدائية62، احتماليًا، إلى نتائج محدَّدة النطاق والمعنى، وذلك عبر ميكانيزم سببي محدّد أو عدد من الميكانيزمات السببية63. لحلّ مشكلة الميكانيكية في الميكانيزمات السببية، يقترح باتوماكي مفهومًا بديلً ينزع عنها ميكانيكيتها، هو مفهوم "المركّبات السببية" Complexes Causal الذي ينطوي على خاصية التعقّد، حيث يستند إلى الافتراض بأن الواقع الاجتماعي معقد بطبيعته، لذلك لا يمكن الحديث عن أسباب منفردة قابلة للملاحظة البسيطة، وقابلة للتعقب زمنيًا (لتمييز الأسباب من النتائج)، وقابلة للعزل

ﺳﻴﺎق)ب(

س م ن أ

ن= اﻟﻨﺘﻴﺠﺔ؛ م= اﳌﻴﻜﺎﻧﻴﺰم اﻟﺴﺒﺒﻲ

تجريبيًا (للتحقق من قدرتها على إنتاج نتائجها.) لذلك، ينبغي أن تكون السببية الاجتماعية معقدة، على القدر نفسه من التعقّد الذي يتّصف به الواقع الاجتماعي. تستند المركّبات السببية إلى فكرة مفادها أن المسوغات تعتبر أسبابًا لا تقل أهمية من حيث القوة السببية، لذلك لا يمكن الاستغناء عنها في تحديد أي مركّب سببي64. ويقترح باتوماكي خمسة عناصر ضرورية لتحديد أي مركّب سببي قادر على إنتاج أحداث (على شكل نتائج في النموذج البسيط للسببية:) مجموعة من الفواعل تتسم بأنها مبنية تاريخيًا ومتموضعة اجتماعيًا، وفعل أو مجموعة من الأفعال ذات معنى وتحدث في سياق تاريخي محدد، ومجموعة من المعايير والقواعد التي تؤدي دورًا في ضبط وتشكيل كلّ فعل تقوم به الفواعل والموارد والممارسات. يمكن أن تشكّل هذه العناصر معًا مركّبًا كافيًا لإنتاج نتيجة ما، لكن حضورها كلها لا يُعدّ ضروريًا65. استنادًا إلى هذا المفهوم، يجادل باتوماكي بأنه ليس هناك أبدًا سبب واحد منفرد، لكن هناك دائمًا مركّبات سببية معقدة بهذا الشكل (المركّب السببي: فواعل، أفعال، معايير، قواعد، موارد، ممارسات.) كما يجادل بأن نتيجةً معيّنة (ع) يمكن أن ينتجها مركّب سببيّ (مرك) أو (مرك)'؛ بمعنى أنه يمكن أن توجد مركّبات سببية

  1. Ibid., p. 1152.
  2. هذه الشروط الابتدائية هي التي سيتم (إعادة) تعريفها لاحقًا باعتبارها أسبابًا، ضمن المقولات السببية ذات العلاقة.
  3. Falleti & Lynch, p. 1152. الشكل)2(الميكانيزم السببي نفسه يعمل ضمن سياقات مختلفة يؤدي إلى نتائج مختلفة المصدر: من إعداد الباحث اعتمادًا على: Tulia Falleti & Julia Lynch, “Context and Causal Mechanisms in Political Analysis,” Comparative Political Studies , vol. 42, no. 9 (2009), p. 1151.
  4. من شأن إقحام المسوغات باعتبارها أسبابًا، على الرغم من طبيعتها التأويلية، التاريخية، والمعقدة، أن يُضفي مزيدًا من التعقّد على المُركَّبات السببية Causal Making.Complexes more Complex
  5. Patomäki & Wight, p. 78.

عدة ومختلفة، قادرة على إنتاج النتيجة نفسها، على نحو منفرد أو على نحو متضافر66. إذًا، فالمركّبات السببية من شأنها أن تستجيب لخاصية التعقّد التي يتسم بها الواقع الاجتماعي، وتتسم بها من ثمّ السببية الاجتماعية. لذلك، ينبغي للتفسيرات السببية أن تكون واعية بالتعقّد الذي دائمًا يجعل الأسباب في العالم الاجتماعي معقدة، تعمل وتتفاعل ضمن مركّبات معقدة Complexes Complex، ولا تُعطى/ يُبحث عنها باعتبارها متغيرات مستقل بعضها عن بعض. من جهة أخرى، يستجيب مفهوم المركّبات السببية للدعوات المتزايدة لتكريس مزيد من التعددية السببية، على غرار الدعوة إلى العودة إلى الفلسفة الأرسطية التي دفعت بها النيوتونية الميكانيكية – الاختزالية المتطرفة – نحو الظل، حيث بالنسبة إلى الأرسطيين "الجدد"، هناك أربعة أشكال للسببية غير قابلة للاختزال: السببية المباشرة (تحيل إلى العلاقات الميكانيكية المباشرة بين أسباب سابقة ونتائج لاحقة تترتب عليها)، والسببية المادية (تحيل إلى العمليات أو الكيانات التي تتسبب فيها تشكيلة معيّنة للعناصر المكوّنة لها)، والسببية الشكلية (تحيل إلى الكيفية التي يكتسي بها شيء ما شكلً معيّنًا بفضل بنيته)، والسببية الغائية (تحيل إلى الكيفية التي تؤثر بها الغاية من نظام (أو سلوك) معيّن في طريقة عمله (أو حدوثه))67. يجادل أنصار هذه الدعوة بأن العقلانيين الوضعيين يختزلون هذه الأشكال الأربعة في الشكل الأول، في الوقت الذي تعتبر الأشكال الأربعة للسببية ضرورية معًا لبناء تفسيرات متكاملة، وينبغي أن تكون متضمَّنة في أي نظرية تفسيرية. لذلك، لا يكمن الهدف من استدعائها معًا في التعددية السببية من أجل التعددية في حدّ ذاتها، بل في مساعي الحصول على فهم كليّ لحدث معيّن68. تستعمل المركّبات السببية تقنيةً بحثية تُسمّى "تعقب المسار"، وتُعدّ عملً مضنيًا؛ إذ تضيف إلى بناء الميكانيزم السببي الملائم – الذي يشرح كيف تتفاعل وتتعالق وتتآثر مختلف المتغيرات (المستقلة والتابعة والوسيطة) – عبء التدقيق في الأعمال التأريخية، ووثائق الأرشيف، ونصوص المقابلات ومختلف المصادر المتوافرة69 للتحقق من أن المسار السببي الذي تفترضه أو تتضمنه نظرية معيّنة يُبيّن على نحو واضح أهمية المتغيرات المنسية والمهمشة، التي تسمّى وسيطة Intervening 70 لتقديمها باعتبارها تؤدي دورًا مساعدًا في عمل الميكانيزم السببي فحسب. يستعمل آندرو بينيت وألكسندر جورج المثال المجازي التالي71: إذا كان لدينا صفّ من قطع دومينو سقط بعد أن كان واقفًا على سطح طاولة، كيف لنا أن نعرف ما إذا كان سقوط القطعة الأولى هو السبب في سقوط القطعة الأخيرة عبر "مسار الدومينو"، أو ما إذا كانت الريح أو ارتجاج في الطاولة هو السبب، أو ما إذا كانت هناك قوة أخرى هي التي تسببت في مسار السقوط؟ هنا، يقترح بينيت وجورج اللجوء إلى فحص هذه التفسيرات عبر تعقّب المسار الذي يتضمن هذه المتغيرات الوسيطة؛ كأن نتساءل مثلً عمَّا إذا سمع أحد ما صوت السقوط المتتالي على نحو يوحي بأن قطع الدومينو سقطت الواحدة تلو الأخرى، أو أن نلاحظ ما إذا كانت الكيفية التي تتموقع بها قطع الدومينو الواقعة على الطاولة قادرة على أن توحي لنا بشكل مسار السقوط الذي اتخذته القطع، وهكذا.

عمومًا، ينبغي الانتباه إلى أن الأحداث، التي تقع زمانيًا و/ أو مكانيًا بين المتغير المستقل والمتغير التابع، لا تتحدد دائمًا بالمتغير المستقل، وغالبًا ما تتمتع بآثار مستقلة "عنه"، سواءً عن طبيعة المتغير التابع أم عن توقيته أو أهميته. مرة أخرى، ينبغي الانتباه إلى أن التعامل مع هذا النوع من الأحداث يضع الباحث أمام معضلة الاختيار، هل يتعامل معها باعتبارها متغيرات؟ وإذا كان

  1. Ibid.
  2. يروي المثال الشائع الذي تتداوله الكتب المدرسية بشأن سببية بناء المنزل أن هناك أربعة أشكال لهذه السببية: السبب المباشر هو جهد البنّائين، والسبب المادي هو اللبِن والملاط الذي يُبنى منه المنزل، والسبب الشكلي هو المخطط الذي يعطي هذه المواد شكلها النهائي، أما السبب الغائي فهو الغرض الذي لأجله يسعى صاحب المنزل لبنائه. يُنظر: Wendt, "Why a World State," p. 495.
  3. على سبيل المثال، حدثت نهاية الحرب الباردة بسبب شبكة معقدة من الفواعل التي ساهمت سببيًا وعلى نحو مؤثر بانبثاق سياق محدد للسياسة الدولية في الفترة 1985 - 991.1 تتضمن هذه الشبكة إلى جانب فواعل أخرى: إدارة الرئيس ريغان، والحركات الناشطة من أجل السلام في الغرب، والأحزاب، والحكومات، وغرف التفكير الناشئة في الاتحاد السوفياتي، والرئيس غورباتشيف نفسه، والحركات القومية و/ أو الانفصالية في
  4. Andrew Bennett & Jeffrey Checkel (eds.), Process Tracing (Cambridge: Cambridge University Press, 2015), p. 6.
  5. الترجمة الحرفية للمصطلح هي المتغيرات المتدخِّلة، وهي تعطي الانطباع بأن هذه المتغيرات ليست أصيلة في الميكانيزم السببي، على عكس المتغيرات المستقلة. 71  Ibid., p. 6.
  6. الجمهوريات السوفياتية.

كذلك، أيتعامل معها بصفتها متغيراتٍ داخلية أم خارجية المنشأ Endogenous or Exogenous مستقلة متغيرات وبصفتها، (بدورها)، أم بصفتها متغيرات مكَمِّلة لنموذجه التفسيري؟ المتغيرات الخارجية، من وجهة نظر بينيت وتشاكل، هي المتغيرات التي يتمّ إبعادها من النموذج التفسيري؛ إما لأنها ليست قوية أو متكررة بشكل كافٍ، وإما لأنها معقدة أو غير قابلة للتنبؤ بالشكل الذي يحول دون إقحامها في النموذج. المتغيرات المكمِّلة هي المتغيرات التي إما أن تضيف وإما أن تطرح آثارًا أخرى لكن على نحو مستقلّ تمامًا عن المتغيرات الأساسية في النموذج. يتمّ إقحام مثل هذه المتغيرات من دون أيّ تغيير في المتغيرات الأساسية أو الميكانيزمات السببية التي يعمل عليها. هذه المتغيرات الإضافية إما أن يتم إقحامها داخل النموذج التفسيري لأنها تتفاعل مع المتغيرات المستقلة ضمن مُركّب سببي معقد بمفهوم باتوماكي، وإما أن يتم تحديدها ووضعها جانبًا بهدف بناء نموذج تفسيري بسيط72. هناك سؤال مهمّ يعيد طرح نفسه بأكثر حدة عندما يتعلق الأمر بالميكانيزمات السببية (المعقدة)؛ نقصد بأكثر حدّة مما هو عليه عندما يتعلق الأمر بالأسباب المنفردة (البسيطة:) أتعتبر الميكانيزمات السببية حتمية بالشكل الكافي/ اللازم لتفسير (حدوث) النتائج في سياقات محددة، أم أنها تبقى احتمالية أو حتى عشوائية؟ لمقاربة هذا السؤال الذي يصفه بينيت وتشاكل بأنه "سؤال شائك"73، نقترح كما سيلي استخلاص بعض الدروس من نظرية التعقّد.

3ّ. دروس من نظرية التعق د

في الجدل بين الحتمي والاحتمالي، ينبغي الانتباه إلى أن المشكلة تكمن في أنه حتى وإن كان العالم حتميًا، فنحن نلاحظه على أنه احتمالي بسبب الأخطاء المتأصلة في الكيفية التي نلاحظه بها. هذه المشكلة متأصلة حتى في العالم الفيزيائي المادي البحت، من خلال مفهوم اللايقين/ اللاتعيّن الذي أسّس له هايزنبورغ في فيزياء الكوانتوم، إضافة إلى العالم الاجتماعي الذي تحكمه أفعال الفاعلين الاجتماعيين ونيّاتهم وانفعالاتهم. تشمل هذه الأخطاء إقدامنا، كفاعلين اجتماعيين بدورنا، على استبعاد/ إهمال/ نسيان متغيرات مهمّة (قد تكون حاسمة) في أثناء قيامنا ببناء نظرياتنا ونماذجنا التفسيرية. يرى بينيت وتشاكل74 أنه لا يمكننا الجزم إطلاقًا ما إذا كنا نشهد/ نشاهد واقعًا احتماليًا أم حتميًا، أو ما إذا كانت الميكانيزمات السببية التي نصممها أو المسارات التي نتعقبها حتمية أو تقترب من كونها حتمية، في الوقت الذي يبقى بعض منها عشوائيًا على نحو متأصل في الواقع الذي نشهده/ نشاهده. تعيد نظرية التعقّد النظر، على نحو جريء، في مفهوم الحتمية الذي يُحال إليه أحيانًا بمُسمّى الحتمية العلمية؛ لأن الفيزياء الكلاسيكية لم تكن تقدّمه على أنه مبدأ أنطولوجي فحسب، لكن أيضًا باعتباره مبدأً إبستيمولوجيًا75. فطبيعة الوجود/ الواقع الفيزيائي ومسار أحداثه حتميّ تمامًا، كما أن طبيعة المعرفة/ القوانين العلمية التي تصف هذا الواقع حتمية. وتمكّنت نظرية التعقّد من تطوير مجموعة من المفاهيم، ميزتها الأساسية أنها مفاهيم أنطولوجية وإبستيمولوجية في الوقت نفسه، مثل التآني والتآثر واللايقين واللاتعيُّن والانبثاق، وغيرها. لم تكن هذه المفاهيم كلها لتتطور، إلا في ظل المداخلات الفلسفية "الجذرية" التي قدّمتها فيزياء الكوانتوم لتجاوز أزمة الفيزياء الكلاسيكية:. أ يحيل مفهوم التآني، استنادًا إلى نظرية النسبية، إلى صعوبة الحكم بأن حدثًا معيّنًا يكون قد وقع قبل حدث معيّن آخر أو بعده؛ لأن هناك أنظمة زمانية مختلفة باختلاف الملاح ظ. على هذا النحو، تمكّنت نظرية النسبية من تقويض مفاهيم الاطراد والتسلسل الزمني القائم على مبدأ التعاقب، الذي يُعدّ ضروريًا في مفهوم السببية لجعل الحادث السابق سببًا والحادث اللاحق نتيجة له76. وأكدت فيزياء الكوانتوم، لاحقًا، هذه الميزة الجوهرية؛ حيث يؤكد ريتشارد هيلاي أن السبب والنتيجة في السببية الكوانتية "لا يرتبطان دائمًا عبر مسار متواصل للأحداث [بالشكل الذي يتصوّره الحسُّ المشترك]، لكن الأسباب والنتائج/ الآثار يمكن أن تحدث على نحو آنيّ (متزامن) في لحظة واحدة، كما يمكن أن تحدث الأسباب بعد حدوث نتائجها/ آثارها"77.. ب يفيد مفهوم الحساسية (المفرطة) للتغير في الشروط الابتدائية بأن التآثرات المحلية (يمكن أن) تؤدي إلى إنتاج آثار عالمية78، حيث تتسم الظواهر/ المنظومات المعقدة

  1. Ibid., p. 7.
  2. Ibid., p. 12.
  3. Ibid.
  4. يمنى الخولي، 75 فلسفة العلم في القرن العشرين: الأصول   - الحصاد - الآفاق المستقبلية، سلسلة عالم المعرفة 642 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 000)2، ص.100
  5. المرجع نفسه، ص.222
  6. Richard Healey, "Causation in Quantum Mechanics," in: Helen Beebee, Christopher Hitchcock & Peter Menzies (eds.), The Oxford Handbook of Causation (New York: Oxford University Press, 2009), p. 587.
  7. معين روميه، "مدخل إلى نظرية التعقيد والشواش"، موقع معابر، شوهد في 015/4/12، في https://bit.ly/2C1uOcY:2

بحساسيتها المفرطة للتغير في الشروط الابتدائية، إضافة إلى حساسيتها المتعاظمة لمرور الزمن، وبكونها مفعمة بالعلاقات اللاخطية التي يمكن فيها مُدخلات صغيرة أن تؤدي إلى نتائج ضخمة79. يستند هذا المفهوم إلى مساهمات لورنتز، وخصوصًا تلك المؤسِّسة لنظرية الشواش التي ظهرت في ورقته. ه البحثية 973()1 والتي كانت بعنوان ذائع الصيت، "قابلية التنبؤ: هل يمكن لرفرفة جناحي فراشة في البرازيل أن تُحدث إعصارًا في تكساس؟.". ج يُعتبر التآثر درجة متقدمة وأشدّ تعقّدًا من التفاعل Interaction، بمعنى التفاعل بين الأفعال وردات الأفعال. في الفيزياء، يحدث التآثر بين جسمين (أو أكثر) يتمتعان بالقدرة على التأثير أحدُهما في الآخر. لذلك، فإن مبدأ التآثر يُعتبر أشدّ تعقّدًا من مبدأ التأثير السببي؛ إذ في الحالة الأولى تؤثّر "الأسباب" في "النتائج"، وفي الوقت نفسِه تتأثر بها، بينما في الحالة الثانية، واستنادًا إلى المنطق الوضعي للسببية، من شأنها "الأسباب" فحسب أن تؤثّر في "النتائج"، لأنها "يجب أن تكون" مستقلة عنها وسابقة لها زمنيًا. تكمن مشكلة التآثر في الواقع الاجتماعي في أن "الأسباب" – أو الأفعال في المنطق التقليدي للتفاعل – ليست ثابتة أو معطاة، لكنها تتغير على نحو دينامي مفرط التعقّد، ولا يمكن التنبؤ بالكيفية التي (يمكن أن) تتغير بها، إضافة إلى التنبؤ بالكيفية التي (يمكن أن) تؤثّر بها في "النتائج" – أو ردات الأفعال في المنطق التقليدي للتفاعل. أبعد من ذلك، تكمن مشكلة الواقع الاجتماعي في أن النتائج تتحول في أثناء مسار التآثر إلى "أسبابٍ لأسبابها"، وهكذا من الصعب في أثناء المسار التمييزُ بدقة بين ما إذا كان الحدث (أ) يسبب الحدث (ب)، أو ينتج منه.. د يمكن تآثرات عدة – قد يُنظر إليها على أنها بسيطة – أن تؤدي إلى ظاهرة تعرف بالانبثاق/ التولّد، وهي عبارة عن عملية تؤدي إلى ظهور وحدات، أو وظائف، أو خصائص أكبر وأشدّ تعقّدًا عبر التآثر بين وحدات أصغر وأبسط لم تكن تبدي أيًا من (هذه) الوظائف أو الخصائص الجديدة المنبثقة خلال مسار التآثر. بهذا المفهوم، يتعارض مبدأ الانبثاق مع التصور الوضعي للسببية. إضافة إلى ذلك، يبدو مفهوم الانبثاق ملائمًا للتمييز بين سلوك النظم الخطية والنظم اللاخطية، ففي النظم الخطية يكون النظام مساويًا لمجموع الأجزاء المكوّنة له، لكن في النظم اللاخطية يكون النظام إمّا أكبر (بكثير) أو أقل (بكثير) من مجموع أجزائه80. وتكمن المشكلة في أن النظم الخطية يصعب التنبؤ بسلوكها؛ حيث إن أيّ خطأ بسيط في تقدير الحالة الابتدائية "قد" يؤدي إلى خطأ كبير جدًّا في الحالة النهائية81. هناك مفهوم آخر أدى إلى تقويض مبدأ الحتمية السببية/ السببية الحتمية، هو مفهوم المصادفة، الذي أصبح جزءًا أصيلً في بنية الطبيعة. قبل فيزياء الكوانتوم، كانت المصادفة والاحتمال يُفسَّران تفسيرًا ذاتيًا، بإحالتهما إلى جهل الذات العارفة وعجزها عن الإحاطة الكاملة بأسباب الظاهرة. لكنّ الميكانيكا الموجية ومعادلات شرودينغر كان من شأنها أن كرّست إعادة التفكير فيهما على أنهما تفسيران لصميم طبيعة الظاهرة موضوع البحث. وبذلك، أصبح الاحتمال، بالمعنى المتعارض مع اليقين، موضوعيًا وليس ذاتيًا82. تتسم المصادفة في فيزياء الكوانتوم بأنها مطلقة ومتأصلة في الطبيعة. وهنا يصبح التسليم بالمصادفة طريقة أخرى للتسليم بأن المنظومة موضوع البحث إنما هي أشدّ تعقّدًا من أن نستطيع وصفها83 بنظرياتنا الاختزالية لها/ حولها. يسعى المبحث الأخير من هذه الدراسة لبعث إعادة التفكير في الجدل بشأن أسباب نهاية الحرب الباردة، في ضوء النقاش الذي تقدَّم حول إشكالية السببية. لماذا نهاية الحرب الباردة؟ لأن اعتقادًا سائدًا أن تفسير نهاية الحرب الباردة يمكن أن يُوظَّف محكًّا لتقويم مختلف النظريات المساهمة في الحقل84. ونحاول أن نبيّن إمكان الاستفادة من الدروس السابقة من أجل "إعادة" التفكير في الحرب الباردة باعتبارها عملية أشدّ تعقّدًا من أن نستطيع وصفها عبر

  1. 84  Margarita Petrova, "The End of the Cold War?" European Journal of International Relations , vol. 9, no. 1 (2003), pp. 120 - 122.
  2. هناك مثال شائع يمكن الإحالة إليه لفهم كيف أن النظام المنبثق إذا كان لاخطيًّا، يمكن أن يكون أكبر أو أقل من مجموع أجزائه. إذا كان العامل في مصنع ما ينتج 10 وحدات يوميًا، فالمتوقع أن تؤدي إضافة عامل آخر إلى زيادة الإنتاج لتصبح 02 وحدة يوميًا 0+10()1، هذا إذا افترضنا أن عملية الإنتاج في المصنع تشكّل نظامًا خطيًّا؛ بمعنى أن الكل يساوي مجموع أجزائه. غير أن هناك عوامل عشوائية أخرى يمكن أن تجعل هذا النظام يسلك سلوكًا لاخطيًّا، وهي عوامل من غير الممكن تحديدها في البداية، ومن ثمّ من غير الممكن التنبؤ بسلوك النظام في المستقبل. مثلً، من الممكن أن تنبثق عن التآثر بين العاملين علاقة تنافس تدفعهما إلى العمل بطاقة إنتاج أكبر، فيتجاوز الإنتاج قيمة العشر وحدات لكل عامل يوميًا، كما أن من الممكن أن تنبثق عن التآثر بين العاملين علاقة إلهاء وتشتيت متبادل للانتباه تدفعهما إلى العمل بطاقة إنتاج أقل من المعتاد (هنا يكون النظام أقل من مجموع أجزائه.)
  3. جون غريبين، البساطة العميقة، ترجمة صبحي عطا الله (مصر: الهيئة المصرية للكتاب، 013)2، ص.31
  4. الخولي، ص 22.3
  5. David Peat, From Certainty to Uncertainty (Washington, DC: Joseph Henry Press, 2002), p. 9.
  6. 79 إليا بريغوجين وإيزابيلا استنجرز، نظام ينتج عن الشواش، ترجمة طاهر شاهين وديمة طاهر شاهين (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 008)2، ص 9 - .10

نظرياتنا الاختزالية لها/ حولها. كما نستند إلى أعمال ريتشارد ليبو Lebow Ned Richard، بشأن استعمال "التفكير الشرطي المعاكس للوقائع" في العلاقات الدولية للمجادلة بأن إنكار المصادفة، أو تجاهلها، أو التقليل من أهميتها، هو ما يدفعنا نحو الاحتفاء بنظريات/ تفسيرات مغالية في التبسيط و/ أو الاختزال، كنظرياتنا وتفسيراتنا لنهاية الحرب الباردة.

ثًالث ا: مرة أخرى لماذا انتهت الحرب الباردة؟" أو "هل انتهت الحرب الباردة بمحض الصدفة؟"

بدت الدراسات الدولية في الفترة من منتصف الخمسينيات إلى منتصف الثمانينيات كأنها مشغولة بالبحث في الأسباب التي تُفسّر ثبات الحرب الباردة واستمرارها؛ ما جعل نظرية العلاقات الدولية تبدو كأنها نظرية بشأن اللاتغيّر. لذلك، يسود الانطباع بأن نهاية الحرب الباردة مثّلت مفاجأة لباحثي العلاقات الدولية. ومنذ بداية التسعينيات، احتدم نقاش حول الكيفية الأمثل لتفسير هذا الحدث الحاسم في التاريخ المعاصر. من وجهة نظر ماثيو إيفانجيليستا Evangelista Matthew، عرف/ يعرف النقاش حول نهاية الحرب الباردة، في سياق مختلف، "أجمة من النظريات"، وهو أمر من غير الواضح ما إذا كان يُعتبر نعمة أم نقمة. كذلك، يشير ليبو وجانيس غروسشتاين إلى وجود الكثير من التفسيرات المتنافسة لنهاية الحرب الباردة، وفي غياب أي حدود واضحة بينها، لا يجد المرء أمامه غير القيام بلعبة القفز هنا وهناك85 بين هذه التفسيرات. ثمة جانب آخر مهمّ للدور الذي قام/ يقوم به النقاش بشأن نهاية الحرب الباردة في الحقل، يتمثل في إضفاء الشرعية المعرفية على نظريات معيّنة (البنائية) ونزعها عن أخرى (الواقعية.) تستند النظريات العقلانية، بما في ذلك الواقعية، استنادًا واضحًا، إلى تصورٍ وضعي هيومي للسببية. لذلك، سنركز على مَشكلة المقولة الشائعة التي مفادها أن نهاية الحرب الباردة، بالكيفية التي انتهت بها، من شأنها أن تضفي الشرعية على الادّعاء بأفضلية المداخلات البنائية بشأن دور (التغيُّر في) الأفكار في نهاية الحرب الباردة. ثمة من يذهب إلى حدّ المجادلة بأن البنائية أصلً لم تكن لتعرف الزخم الذي عرفته إلا بفضل مداخلاتها بشأن تفسير نهاية الحرب الباردة86، رغم أن العلاقة بين (التغيّر في) العوامل المتعلقة بالأفكار و(التغيّر في) العوامل المادية لم يكن إطلاقًا بالبساطة التي تتصوّرها الأصوات المحتفية بأفضلية البنائية في فهم نهاية الحرب الباردة. بمعنى أن من غير الواضح ما إذا كان التغير في الأفكار يحدث على نحو مستقلّ، أم يحدث استجابة لتغيرٍ سابق في العوامل المادية. منطلق هذه الحجة أنه إذا كان الفاعل "القويّ دائمًا [يفكر في] فعل ما تُمكِّنه قوته من فعله"87، على حد تعبير ثوسيديديس، فإن التغيّر في طبيعة قوته و/ أو حجمه يؤدي إلى تغيرٍ في أفكار الفاعل بشأن ما يمكنه، أو ما لا يمكنه، فعله. في هذا السياق، وتحديًا لما أكده ديفيس ووولفورث88، كيف يمكن التأكّد مما إذا كان من الأفضل تفسير معارضة غورباتشيف الاستمرار باستعمال القوة العسكرية للمحافظة على الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية من خلال التغير في الأفكار، أم التغيّر في القدرات المادية للاتحاد السوفياتي؟ يمكن العودة إلى الحجج التي قدّمها بروكس ووُولفورث القائلة بأن التغير في القوى المادية، مثل انهيار الاقتصاد السوفياتي89 الذي تراجع إلى أدنى مستويات النمو مع بداية الثمانينيات، هو الذي يؤصل للتفكير الجديد الذي تبنّاه غورباتشيف، والذي أدى إلى نهاية الحرب الباردة. يبدو أن غورباتشيف كان يدرك أن إنقاذ الاقتصاد السوفياتي لم يكن ممكنًا، إلا من خلال إعادة النظر في السياسة الخارجية السوفياتية التي تضبطها سياسات الحرب الباردة. وكان التوقف عن الحديث عن الغرب باعتباره عدوًّا والشروع في الحديث عنه باعتباره صديقًا بداية هذا المشروع (الاجتماعي في جوهره.) لكن تحليليًّا، من الواضح أن الهدف لم يكن تغيير هوية العداء في حدّ ذاتها، لكن الهدف كان يكمن في التأثير في البنية، حيث كان يُؤْمل أن يساهم إنقاذ الاقتصاد السوفياتي المنهك من سياسات الحرب الباردة في إنقاذ بنية النظام الدولي ثنائي الأقطاب. وكان الوزير إدوارد شيفرنادزه Shevardnadze Eduard 014-1928()2 واضحًا بهذا الشأن عندما

  1. Richard Ned Lebow & Janice Gross Stein, "Understanding the End of the Cold War as a Non-Linear Confluence," in: Richard Herrmann &
  2. Robert Snyder, "Bridging the Realist/ Constructivist Divide," Foreign Policy Analysis , vol. 1 (2005), p. 55; Stefano Guzzini, "A Reconstruction of Constructivism in International Relations," European Journal of International Relations , vol. 6, no. 2 (2000), p. 154.
  3. James Dougherty & Robert Pfaltzgraff, Contending Theories of International Relations , 5th ed. (New York: Longman, 2001), p. 69.
  4. James W. Davis & William C. Wohlforth, "German Unification," in: Herrmann & Lebow (eds.), pp. 131 - 157. 89  Stephen G. Brooks & William C. Wohlforth, "From Old Thinking to New Thinking," International Security , vol. 26 (2002), pp. 93 - 111.
  5. Richard Ned Lebow (eds.), Ending the Cold War (New York: Palgrave Macmillan, 2004), p. 190.

قال إن "الهدف من الدبلوماسية [الجديدة] هو إيجاد بيئة ملائمة لتطوير التنمية المحلية"90، ومن ثمّ المحافظة على وضع الاتحاد السوفياتي باعتباره أحد قطبي النظام الدولي. الواقع أن هذا التفكير الذي دشّنه ميخائيل غورباتشوف Gorbachev Mikhail لم يكن "جديدًا" بالنسبة إلى المناخ السياسي السائد في الاتحاد السوفياتي فحسب، لكنه كان "ثوريًا" على الأرجح؛ حيث دعا إلى نبذ الصراع الطبقي كأساسٍ للسياسة الخارجية السوفياتية، كما دافع عن سياسةٍ خارجية جديدة مبنية على الأمن المشترك، والتخلّي عن سياسات سباق التسلح النووي مع الولايات المتحدة الأميركية، وتعزيز سياسات التعاون الإقليمي، وإعادة النظر في سياسات دعم الأنظمة الشيوعية عبر العالم، ولاحقًا الإعلان عن مبدأ عدم التدخل في السياسات الداخلية لجمهوريات أوروبا الشرقية. هذا ما دفع/ يدفع البنائيين إلى التمسك بالادعاء بأن تخلي غورباتشيف عن الصراع الطبقي، بصفته أساسًا للسياسة الخارجية السوفياتية، أدى إلى تغيير "هوية" الدولة، وهو ما أدّى بدوره إلى تغيير الكيفية التي تُحدِّد بها الدولة مصالحها القومية. أبعد من ذلك، أدّى التخلّي عن الصراع الطبقي إلى إطلاق مسارٍ معقد من التفاعلات (الاجتماعية) بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة التي لم تُغيِّر من الكيفية التي تُحدّد بها الدولتان مصالحهما القومية إحداهما إزاء الأخرى، فحسب، لكنها غيّرت كذلك من بنية النظام الدولي نفسها91. ويشدّد هيرمان وليبو على الصعوبة البالغة التي واجهها المشاركون في كتاب جماعي بشأن نهاية الحرب الباردة)2004(92، في تحديد ما إذا كان ينبغي لهم التعامل مع المفاهيم التي وظّفوها من أجل التفسير، بصفتها أسبابًا لنهاية الحرب الباردة أم بصفتها نتائج لها. يبدو أن هذا راجع أساسًا إلى أن هذه المفاهيم (القدرات أو الأفكار أو السياسات المحلية أو أنماط القيادة) هي في نهاية المطاف مفاهيم "نحن" نقوم بفرضها على العالم الخارجي بالنسبة إلينا93، وليست متأصلة فيه. في ما يلي مجموعة من الأحداث التي تُؤرَّخ بصفتها أسبابًا مباشرة لنهاية الحرب الباردة94: سقوط جدار برلين (تشرين الثاني/ نوفمبر)1، قمة مالطا بين 989 الرئيسين بوش الأب وغورباتشيف (كانون الأول/ ديسمبر 989)1، إعلان غورباتشيف عن إنهاء احتكار الحزب الشيوعي للمجال السياسي (تموز/ يوليو 990)1، نجاح التعاون بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في التصدي للغزو العراقي للكويت تحت غطاء مجلس الأمن الدولي (آب/ أغسطس 990–1 شباط/ فبراير)199195، إعادة توحيد ألمانيا (تشرين الأول/ أكتوبر 990)1، توقيع ميثاق باريس من أجل أوروبا جديدة (تشرين الثاني/ نوفمبر 990)1، حلّ منظمة حلف وارسو (تموز/ يوليو 991)1، فشل محاولة الانقلاب على غورباتشيف (آب/ أغسطس 991)1؛ ما قاد إلى سلسلة من الأحداث المتعاقبة، أدّت في نهاية المطاف إلى تفكك الاتحاد السوفياتي رسميًّا في نهاية عام.1991 تبقى هذه اللائحة مفتوحة بقدر ما تبقى الصعوبة التي شدد عليها ليبو قائمة؛ إذ كيف يمكن تحديد ما إذا كانت هذه الأحداث أسبابًا لنهاية الحرب الباردة، أم نتائج لها؟ لذلك، ينبغي أن تتوقف المقاربات النظرية لهذه المسألة، وغيرها من مسائل السياسة الدولية، عند الدروس المستقاة من نظرية التعقّد، وخصوصًا ما يتعلق بالتآني والتآثر بين المتغيرات المستقلة (النتائج) والمتغيرات التابعة (الأسباب) في المركّبات السببية الاجتماعية. يمكن استعارة عبارة استخدمها ماثيو إيفانجيليستا لتبرير الحاجة إلى حدث معيّن (على سلم الزمن) لوقف عملية تعقّب المسار الذي أدى إلى نهاية الحرب الباردة. يجادل إيفانجيليستا أن هناك "نهايات" عدة96، بدلً من نهاية واحدة للحرب الباردة. فكلما ركّزنا على حدث مبكِّر باعتباره السبب (الرئيس) في نهاية الحرب الباردة، مثّلت الأحداثُ المتأخرة نتائج لنهاية الحرب الباردة. إذًا، التمييز بين الأسباب والنتائج يعتمد على النقطة التي تتوقف عندها عملية تعقب المسار السببي.

  1. Snyder, p. 63.
  2. بالنسبة إلى كوسلوفسكي وكراتوتشفيل، هناك عامل آخر لا يقل أهمية أدى إلى هذا التحول، يتمثل في تخلّي غورباتشيف عن مبدأ بريجنيف، حيث، وكغيرهما من البنائيين، يرى كوسلوفسكي وكراتوتشفيل أن التحول لم يحدث بسبب تغير في العوامل المادية بقدر ما حدث بسبب تغير في طبيعة "المعايير" التي تضبط سلوك الدولة السوفياتية بعد وصول غورباتشيف إلى الحكم. يُنظر: Rey Koslowski & Friedrich V. Kratochwil, "Understanding Change in
  3. 96  Ibid., p. 157.
  4. R. Lebow & J. Stein, p. 190.
  5. Matthew Evangelista, "Explaining the Cold War's End Process Tracing All the Way Down?," in: Bennett & Checkel (eds.), pp. 155 - 156. 95 لم يحدث هذا التعاون من أجل التعاون في حد ذاته، لكن يبدو أنه كان هناك نوع من المقايضة ثنائية الأطراف، حيث لا تتدخل الولايات المتحدة في ما كان يجري آنذاك في جمهوريات البلطيق، في مقابل دعم الاتحاد السوفياتي الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت.
  6. International Politics," International Organization , vol. 48 (1994), pp. ينص مبدأ بريجنيف 968()1 على أن الكومنولث الاشتراكي ككل يحتفظ بالحق في التدخل في أيٍّ من الدول الأعضاء كلما تعرّض انحيازه الأيديولوجي إلى الخطر من قوى معادية.
  7. 92  Herrmann & Lebow (eds.).

أخيرًا، هل يُعَدّ السؤال عما إذا كان للمصادفة دور في نهاية الحرب الباردة مبحثًا مشروعًا في حقلٍ معرفي يسعى منذ العقود الأولى لولادته لأن يصبح علمًا "وضعيًا"؟ يبدو أن الإجابة تتوقف على مدى استيعاب الحقل للتحول الفلسفي الذي تُحدثه نظرية التعقّد. لنأخذ مفهوم/ مبدأ المصادفة على سبيل المثال. أصبحت المصادفة، في ظل مساهمات نظرية التعقّد، وخصوصًا في فيزياء الكوانتوم، جزءًا أصيلً لا يتجزأ من الطبيعة، وما عادت تمثّل إحالة إلى جهل الذات العارفة وعجزها عن الإحاطة الكاملة بأسباب الظاهرة موضوع المعرفة. كما أصبح التسليم بدور المصادفة طريقة أخرى للتسليم بأن الظاهرة، موضوع البحث، (قد) تكون أشدّ تعقّدًا من أن نستطيع وصفها97 من خلال نظرياتنا الاختزالية لها/ حولها. إذا كان الأمر كذلك، فمن شأنه إنكار المصادفة أو تجاهلها أو التقليل من أهميتها، أن يُمهّد الطريق أمام الباحث للوصول إلى نظرياتٍ / تفسيرات مغالية في التبسيط و/ أو الاختزال. يقترح ليبو98 إعادة التفكير في المسار البديل/ المسارات البديلة للحرب الباردة عبر منطق التفكير الشرطي المعاكس للوقائع من أجل فهمٍ أفضل للأسباب التي أدت إلى نهاية الحرب، بعيدًا من الوهم الذي أسس له البنائيون القائل بأنه كان من الممكن التنبؤ بنهاية الحرب الباردة لو ركزنا على العوامل المتعلقة بالأفكار وليس على العوامل المادية كما كان يفعل العقلانيون. المقولات الشرطية المعاكسة للوقائع Counterfactuals هي تلك المقولات التي تقوم على الافتراض التالي: "ماذا كان سيحدث لو لم يحدث (أ)؟" في تعريف كارناب، القضية الشرطية المعاكسة للوقائع هي تلك القضية التي تقرر أنه إذا لم يكن حادثٌ معيّن (أ) قد وقع، إذًا لكان نتج من ذلك حدث آخر (ب)99 غير الحدث (ب) الذي وقع فعلً. طبقًا لهذا المنطق، يطرح ليبو سؤالً لا يخلو من استفزاز للذهن: ماذا كان سيحدث لو تصدَّر الصحفَ الأميركية الصادرة في 31 آذار/ مارس 9811، الخبر التالي: "الأطباء يعبّرون عن يأسهم من تعافي الرئيس دونالد ريغان Regan Donald)1989-1981(من رصاصة هينكلي التي استقرت في رأسه100، ونائب الرئيس جورج بوش الأب Bush W. H. George 993-1989()1 يستلم الرئاسة في الولايات المتحدة"، بينما تصدَّر [الصحفَ الروسية] الصادرة في 6 آذار/ مارس 9851، الخبر التالي: "اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي تنتخب بالإجماع الرفيق غريشين أمينًا عامًا للحزب؟" من الواضح أنه لو حدث هذا لما عرف العالم "ظاهرة غورباتشيف"، ولا الغلاسنوست، ولا البيرسترويكا. لو حدث هذا، لتولّى السلطة في الاتحاد السوفياتي محافظ متشدد من طراز فيكتور غريشين Yevgeny Grishin ولتبنّى مزيدًا من تصعيد العداء للولايات المتحدة. لو حدث هذا، لتولّى السلطة في الولايات المتحدة رئيس محافظ من طراز بوش، ولما تحمّس للمضي قدمًا في سياسات "إذابة الجليد" في العلاقات بين القوتين العظميين. لو حدث هذا، فمن المرجّح أن جدار برلين ما كان ليسقط، ولاستمرّ حكم النخب الشيوعية المعادية للغرب في موسكو وعبر مختلف عواصم أوروبا الشرقية. لو حدث هذا، لعمل كلّ من حلف شمال الأطلسي وحلف وارسو على تطوير ونشر جيل جديد من الأسلحة بسبب استمرار الجمود في محادثات الحدّ من الأسلحة الاستراتيجية بين القوتين العظميين. لو حدث هذا، لما انتهت الحرب الباردة101، ومن المرجح أنها كانت لتستمر على وتيرتها، ومن المحتمل أيضًا أنها كانت لتزداد حدّة. يجادل ليبو بأن هذه التجربة الذهنية من شأنها أن تؤدي إلى الاستنتاج بأن نهاية الحرب الباردة حدثت بمحض الصدفة. من دون غورباتشيف وريغان، كان في إمكان الحرب أن تستمر على الأقل بعض الوقت، ومن الممكن أن تستمر بأكثر حدّة، ليس بسبب الاستراتيجيات التي تبنّاها غورباتشيف وريغان فحسب، حيث كانت نهاية الحرب الباردة عبارة عن مسار تكراري Iterative من التآثرات الاستراتيجية بين غورباتشيف وريغان شخصيًا من جهة، ومستشاريْهما الأقوى نفوذًا من جهة أخرى. وكان لهذه التآثرات دور مهمّ في تشكيل تفضيلاتهما والتزاماتهما وتوقعاتهما من مزايا ومكاسب المعاملة بالمثل102. إذا كان الأمر يتعلق مباشرة بوصول ريغان ثم غورباتشيف إلى السلطة، فمن غير المجدي الادّعاء بوجود أسباب موضوعية كان في الإمكان الاعتماد عليها للتنبؤ بنهاية الحرب الباردة. يضيف ليبو عاملً حاسمًا آخر، لتأكيد أهمية المصادفة في تفسير نهاية الحرب الباردة والكيفية التي انتهت بها، يتمثل هذا العامل

  1. Peat, p. 9.
  2. Richard Ned Lebow, Forbidden Fruit: Counterfactuals and International Relations (Princeton: Princeton University Press, 2010).
  3. رودولف كارناب، الأسس الفلسفية للفيزياء، ترجمة السيد نفادي (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 003)2، ص 237 - .238
  4. بمعنى أن ريغان لم ينج من محاولة اغتياله على يد جون هينكلي، شهرين بعد
  5. Lebow, p. 130. 102  Ibid., p. 131.
  6. تولّيه الرئاسة.

في التوقيت. بمعنى، لو حدث وعاش يوري أندروبوف Yuri Andropov أو قسطنطين تشيرنينك Konstantin Chernenko بضع سنوات إضافية، لَتصادف وصول غورباتشيف إلى الحكم مع وجود جورج بوش الأب في الحكم بدلً من ريغان. ومن المعروف أن بوش عندما تسلّم الرئاسة في عام 9881 لم يكن مقتنعًا تمامًا بأن غورباتشيف صادق في مساعيه مع ريغان لإنهاء الحرب الباردة، وأبدى ميلً نحو التريّث، إن لم يكن التوقف، عن القيام بالمزيد من الخطوات في هذا المسار103. وكان يشاركه هذا الموقف قطاع واسع من مستشاري لجنة الأمن القومي. ففي غياب ريغان الذي كان أشدّ التزامًا بالاستجابة على نحو إيجابي لمبادرات غورباتشيف من أيٍّ من مستشاريه، كان يمكن أن تزداد صعوبة التلطيف من رياح الحرب الباردة حتى عندما كان غورباتشيف لا يزال في السلطة104. يبدو فعلً أننا مهيّؤون للاعتقاد أن لدى الأحداث "الكبرى" أسبابًا "كبرى." وينعكس هذا الاعتقاد على نحو روتيني في السرديات التاريخية والنظريات الاجتماعية، بما في ذلك نظريات العلاقات الدولية؛ إذ اعتاد مؤرخو ومفكرو العلاقات الدولية، منذ ثوسيديديس، منح الامتياز – وفي الحالات كلها تقريبًا – للأسباب الجوهرية/ غير المباشرة على حساب الأسباب المباشرة/ الثانوية للأحداث، حيث تشدّد هذه السرديات، في حالة نهاية الحرب الباردة مثلً، على مجموعة من الأسباب البنيوية العميقة، مثل فشل الشيوعية نظامًا اجتماعيًا اقتصاديًا، و/ أو التراجع النسبي للاتحاد السوفياتي في مواجهة الغرب105، في حين أن الأنظمة الاجتماعية كلها (حتى غالبية الأنظمة الفيزيائية والبيولوجية أيضًا) هي أنظمة مفتوحة وحساسة للتغيرات في الشروط الابتدائية لعملها، مهما كانت طفيفة أو عشوائية.

المراجع

العربية

بريغوجين، إليا وإيزابيلا استنجرز. نظام ينتج عن الشواش. ترجمة طاهر شاهين وديمة طاهر شاهين. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب،.2008 الخولي، يمنى. فلسفة العلم في القرن العشرين. سلسلة عالم المعرفة 642.الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب،.2000 البساطة العميقة: الانتظام في الشواشي والتعقيد غريبين، جون.. ترجمة صبحي عطا الله. القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب،.2013 كارناب، رودولف. الأسس الفلسفية للفيزياء. ترجمة السيد نفادي. القاهرة: دار الثقافة الجديدة،.2003

الأجنبية

Beebee, Helen, Christopher Hitchcock & Peter Menzies (eds.). The Oxford Handbook of Causation. New York: Oxford University Press, 2009. Bennett, Andrew & Jeffrey Checkel (eds.). Process Tracing. Cambridge: Cambridge University Press, 2015. Brooks, Stephen G. & William C. Wohlforth. "From Old Thinking to New Thinking." International Security. vol.

Campbell, David. Writing Security. Minnesota: University of Minnesota Press, 1998. Dougherty, James & Robert Pfaltzgraff. Contending Theories of International Relations. New York: Longman, Fifth Edition, 2001. Enloe, Cynthia. Bananas, Beaches and Bases: Making Feminist Sense of International Politics. Berkeley: University of California Press, 1990. Falleti, Tulia & Julia Lynch. "Context and Causal Mechanisms in Political Analysis." Comparative Political Studies. vol. 42, no. 9 (2009). Gerring, John. "Review Articles: The Mechanismic Worldview." British Journal of Political Science. vol. 38, no. 1 (2008). _______. "Causal Mechanisms," Comparative Political Studies. vol. 43, no. 11 (2010). Guzzini, Stefano. "A Reconstruction of Constructivism in International Relations." European Journal of International Relations. vol. 6, no. 2 (2000).

  1. يُنظر أيضًا: Evangelista, p. 156.
  2. Lebow, p. 264.
  3. Ibid., p. 266.

Hedström, Peter & Richard Swedberg (eds.). Social University Cambridge Cambridge: Mechanisms. Press, 1998. Herrmann, Richard & Richard Ned Lebow (eds.). Ending the Cold War. New York: Palgrave Macmillan, 2004. Hollis, Martin & Steve Smith. Explaining and Understanding International Relations. Oxford: Oxford University Press, 1990. King, Gary et al. Designing Social Inquiry. Princeton: Princeton University Press, 1994. Kratochwil. V. Friedrich Rey Koslowski, "Understanding Change in International Politics." International Organization. vol. 48 (1994). Kurki, Milja. "Causes of a Divided Discipline: A Critical Examination of the Concept of Cause in International Relations Theory." Global Politics Network. Issue Fall 2002. at https://bit.ly/36lwhJ8 _______. Causation in International Relations. Cambridge: Cambridge University Press, 2008. Lebow, Richard Ned. Forbidden Fruit: Counterfactuals and International Relations. Princeton: Princeton University Press, 2010. Mahoney, James. "Beyond Correlational Analysis." Sociological Forum. vol. 16, no. 3 (2001). Patomäki, Heikki & Colin Wight. "After Post-Positivism?." International Studies Quarterly. vol. 44, no. 2 (2000). Patomäki, Heikki. "How to Tell Better Stories about World Politics," European Journal of International Relations. vol. 2, no. 1 (1996). Peat, David. From Certainty to Uncertainty. Washington, DC: Joseph Henry Press, 2002. Petrova, Margarita. "The End of the Cold War?." European Journal of International Relations. vol. 9, no.

Robinson, James. "What Causes IR? Differentiating Causal Analyses in International Relations." A paper prepared for annual APSA Conference. Washington. 2011. Shannon, Vaughn. "Wendt's Violation of the Constructivist Project: Agency and Why a World State is Not Inevitable." European Journal of International Relations. vol. 11, no. 4 (2005). Snyder, Robert. "Bridging the Realist/ Constructivist Divide." Foreign Policy Analysis. vol. 1 (2005). Suganami, Hidemi. On the Causes of War. Oxford: Oxford University Press, 1996. Walker, Rob. Inside/ Outside: International Relations as Political Theory. Cambridge: Cambridge University Press, 1993. Wendt, Alexander. Social Theory of International Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 1999. _______. "Why a World State is Inevitable." European Journal of International Relations. vol. 9, no. 4 (2003).