ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي: دراسة حالة للممارسات السائدة في صنع السياسات

124
124
ددعلالا
رياني /يناثلا نوناك ناك
* Ichrak Klai إشراق كلاي |
** Intissar Kherigi انتصار الخريجي |
*** Khalil Amiri خليل العميري |
**** Sofiane Sahraoui سفيان الصحراوي |
سناء العجمي | Ajmi Sana *****
ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي:
دراسة حالة للممارسات السائدة في صنع السياسات
Quality Assurance in Tunisian Higher Education: A Case-Driven
Analysis of Prevalent Policymaking Practice
* باحثة، المعهد العربي للحوكمة، تونس.
Researcher, Arab Governance Institute, Tunisia.
** باحثة في السياسات العامة، معهد الدراسات السياسية بباريس، ومؤسسة الياسمين للبحث والتواصل، تونس.
Researcher in Public Policy, Foundation Siences Po University, Paris, and Jasmine Foundation for Research and Communication, Tunisia.
*** باحث، مؤسسة الياسمين للبحث والتواصل، تونس.
Researcher, Jasmine Foundation for Research and Communication, Tunisia.
**** باحث، مؤسسة الياسمين للبحث والتواصل، تونس.
Researcher, Jasmine Foundation for Research and Communication, Tunisia.
***** باحثة، المجلس الثقافي البريطاني، تونس.
Researcher, British Council, Tunis.
تركــز الدراســة على عملية صنع السياســات في قطاع التعليم العالي فــي تونس وت قيِّمها ُ
نقديــا، عبــر دراســة حالــة الإصلاحــات المهمــة التــي شــهدها العقــد الأول مــن القــرن الحــادي
والعشــرين، وتضمنــت الانتقــال إلــى هيــكل شــهادات جديــد، مقتبــس مــن نمــوذج بولونيــا
الأوروبــي للتعليــم العالي يرافقه إصلاح موازٍ في مجال ضمان الجودة بإنشــاء هيئة مختصة
بذلك. تنتظم الدراسة في ثلاثة محاور: يصف الأول بإيجاز نظام التعليم العالي الحديث في
تونس، والسياســات المتبعة في هذا المجال، والإصلاحات الرئيسة التي شهدتها البلاد منذ
الاســتقلال. ويتنــاول الثانــي تحديات صنع سياســات التعليــم العالي في تونــس، وإصلاحه،
وأنظمــة ضمان الجــودة. ويعرض الثالث منهجية البحث ونتائجه الرئيســة. وتناقش الخاتمة
مواطنَ ضعف عملية السياسات، وأسبابها، وآثارها المحتملة.
كلمات مفتاحية: ضمان الجودة، التعليم العالي التونسي، صنع السياسات العامة.
The study focuses on the policymaking process in the higher education sector in Tunisia
and critically assesses it through a case study of the important reforms in the first
decade of the twenty-first century. It included the move to a new certification structure,
adapted from the Bologna European model of higher education accompanied by a
parallel quality assurance reform with the creation of a competent body. The study
is organized into three parts: the first briefly describes the modern higher education
system in Tunisia, the policies pursued in this field, and the major reforms that the
country has experienced since independence. The second deals with the challenges of
forming higher education policies, reforms, and quality assurance systems in Tunisia.
The third presents the research methodology and the main results. The conclusion
discusses the weaknesses, causes and potential impacts of the policy process.
Keywords: Quality Assurance, Tunisian Higher Education, Public Policymaking.

ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي: دراسة حالة للممارسات السائدة في صنع السياسات

مقدمة

تعدّ هذه الدراسة جزءًا من مجهود بحثي تجريبي مقارن لممارسات صنع السياسات في المنطقة العربية، وقد أجريت في سياق مشروع جامع يضم عددًا من الباحثين من ثمانية بلدان في المنطقة. ويهدف المشروع إلى تقييم نقدي لعمليات صنع السياسات وممارساتها في المنطقة العربية؛ بهدف إعداد جدول أعمال لبحوث الإدارة العامة في المنطقة، يستند إلى الوقائع، ويحدده المعنيون الرئيسون. وقد تناول كل من باحثي المشروع دراسة حالة في بلده. وعلى الرغم من تباين موضوعات السياسات التي شملها المشروع، فإن جهد الباحثين الجماعي ركّز على "عملية" صنع السياسات، وسعى إلى استخلاص نتائج وتوصيات يمكن تعميمها على دوائر صنع السياسات العامة المختلفة في المنطقة. تتناول الدراسة ممارسات صنع السياسات في قطاع التعليم العالي التونسي، ولا سيما الإصلاحات المتصلة بضمان الجودة. وتأتي في إطار الإصلاحات المهمة التي أجريت طوال العقد الأول من الألفية الجديدة، وهي بالتحديد التحول إلى هيكل شهادات جديد، يوائم البلد، مقتبس من نموذج بولونيا الأوروبي لإصلاح التعليم العالي1. وكان مفترضًا أن تترافق هذه الإصلاحات مع إصلاحات موازية في مجال ضمان الجودة، لكن التقدم في هذا المجال اعترضته عقبات عدة. وتنظر الدراسة في عملية صنع السياسات التي تستند إليها إصلاحات ضمان الجودة المستوحاة من نموذج بولونيا. وقد اعتمدت على أدلة جُمعت من مراجعة شاملة للأدبيات، وسلسلة مقابلات شبه مهيكلة مع معنيين ومشاركين في وضع السياسات، ثم استخدمت هذه الأدلة لإجراء تقييم نقدي لمراحل صنع السياسات المختلفة وممارساتها، ومقارنتها بأفضل الممارسات الدولية في هذا المجال.

أولا: خلفية عن سياسات التعليم العالي وإصلاحها في تونس

يركز هذا المحور على السياسات التي كانت وراء إنشاء نظام ضمان جودة التعليم العالي في تونس. ويدرس الأدلة المجمعة والمعتمدة في صوغ السياسات، والجهات المعنية بالعملية، وهل أنجز تحليل أولي كافٍ لأثرها؟ وكيف سارت عملية صوغ السياسات وتنفيذها؟ ويحلل بحثنا أسباب عدم صوغ سياسة واضحة لضمان الجودة وتنفيذها، وهي مكون أساسي في عملية بولونيا. لقد أطلقت الحكومة التونسية، منذ عام 0052، أكبر عملية إصلاح للتعليم العالي منذ قانون عام 9581 الذي وضع النظام الأساسي للتعليم في البلاد. اتبع الإصلاح الذي سُمِّي إصلاح نظام "أمد" (الإجازة، الماجستير، الدكتوراه)2 نموذج بولونيا الأوروبي لإصلاح التعليم العالي، وهو يحدد مدة الحصول على الشهادة بثلاث سنوات للإجازة، وخمسٍ للماجستير، وثمانٍ للدكتوراه. وبدأ تطبيقه عام 0052، واستمر حتى تحولت البرامج جميعها إلى هيكل الشهادات الجديد3. وتمكن عدد كبير من المؤسسات من التحول إلى نظام "أمد" الجديد في غضون سنوات قليلة، بعد مرسوم إلزام مؤسسات التعليم العالي بتبنّي هذا النظام. وربما كان هذا أحد أسرع التحولات في تاريخ تنفيذ عملية بولونيا. واعتبر ضمان الجودة أحد المقومات الأساسية في إعادة صوغ نظام التعليم العالي في البلاد وفق مبادئ بولونيا. ويقصد بضمان الجودة هنا التدقيق الخارجي من هيئة مستقلة للتعليم والتعلم، ومؤهلات الخريجين لإيجاد الوظائف، وجودة مدخلات العملية التعليمية، سواء من الطلاب (أي عملية القبول)، أم من هيئة التدريس (أي مؤهلات أعضاء هيئة التدريس وتقييمات التعليم والمنح الدراسية)، والعمليات الداخلية المتبعة لضمان جودة التعليم العالي.

  1. هو برنامج لإصلاح التعليم العالي، جاء بناء على اتفاقية متعددة الأطراف، وقّعها ممثلو التعليم العالي الأوروبي في 02 دولة أوروبية، في حزيران/ يونيو 9991، تقوم على المواءمة بين أنظمة التعليم العالي الأوروبي، بهدف تنسيق أنظمة تعليمية غير متطابق بعضها مع بعض، ودمجها. وتقوم هذه الاتفاقية على مجموعة من البنود من بينها: أولً، اعتماد نظام موحد للشهادات العليا، بهدف فتح المجال أمام مقارنة سهلة بين الشهادات التي يحصل عليها الأوروبيون من الدول الأوروبية المختلفة، من دون اللجوء إلى معادلات الشهادات من دولة إلى أخرى. وثانيًا، اعتماد نظام دراسي موحد قائم على مرحلتين أساسيتين، تليهما مرحلة ثالثة مخصصة للبحث العلمي. وثالثًا، اعتماد نظام موحد للقياس وتقييم الأداء. ورابعًا، اعتماد نظام حرية التنقل بين الجامعات الأوروبية. وخامسًا، دعم التعاون الأوروبي في مجال تطوير التعليم والمؤسسات التعليمية العليا. سادسًا، دعم البعد الأوروبي وتعزيزه بكل أنواعه، التاريخية والاجتماعية والسياسية، في ما يتعلق ببرامج التدريس والتعاون،
  2. وبرامج تنقل الباحثين والطلبة، للمزيد ينظر: " The Bologna Process and the European Higher Education Area," European Commission, accessed on 13/2/2020, at: https://bit.ly/2vwrmaE

جدول بمعدلات الالتحاق بالتعليم العالي في تونس

معدل الالتحاق (في المئة)

ولبلوغ ذلك، طرح قانون التعليم العالي لعام 0082 مفاهيم ضمان الجودة في التعليم العالي، ونصَّ على إنشاء هيئة وطنية للتقييم وضمان الجودة والاعتماد. وتضمنت برامج التعاون مع البنك الدولي والاتحاد الأوروبي، في ميدان التعليم العالي، دعمَ تقوية آليات ضمان الجودة والتدريب للجامعات والهيئة الوطنية الجديدة لضمان الجودة، إلا أن "الهيئة الوطنية للتقييم وضمان الجودة والاعتماد" المعروفة ب IEAQA، لم تتأسس إلا في تشرين الثاني/ نوفمبر 0132، وأجرت مراجعاتها الأولى في عام 0162، وكان معظمها للتحقق من صلاحية الوضع القانوني لمؤسسات التعليم العالي. وأجرت حتى نهاية عام 0182 نحو 60 مراجعة 22(مراجعة للتحقق من صحة تغيير الوضع القانوني، و 9 مراجعات مؤسسية، و 92 مراجعة للبرامج.) وانخفض عدد المراجعات انخفاضًا كبيرًا، من 23 في عام 0172 إلى 8 في عام 018.2 وغني عن القول إن تقارير المراجعات لا تنشر، وحتى مؤشرات التقييم نفسها لا تنشر على الموقع الإلكتروني. وقد اقترن ذلك بغياب شبه كامل للعمليات الداخلية لضمان الجودة في مؤسسات التعليم العالي، إضافة إلى أن مشاركة الطلاب في ضمان الجودة، أو في أي جانب من جوانب الإص حاا، معدومة واقعيًا، خلافًا لوصفات عملية بولونيا. وباختصار، اقتصر تنفيذ عملية بولونيا في تونس على هيكل الشهادات الجديد، وجرى تجاهل كلي للتغييرات الجوهرية، بما في ذلك ضمان جودة النظام الجديد. وعلى الرغم من ذلك، لم يغب ضمان الجودة كليًا عن النظام مع إحداث الهيئة، إضافة إلى أنها لم تقم بعمل مهم أيضًا. وبالعودة إلى خلفيات قانون التعليم العالي والبحث العلمي في تونس، نجد أن نظام التعليم العالي الحديث رسميًا في تونس أنشئ بموجب قانون التعليم الصادر عام 958.1 وتصنف مؤسسات التعليم العالي في أربع فئات رئيسة: جامعات، وكليات، ومعاهد، ومدارس للدراسات التكنولوجية، وهذه الأخيرة تندرج ضمن اختصاص الإدارة العامة للدراسات التكنولوجية.

رياني /يناثلا نوناك ناك

وحتى عام 0182، توسعت مستويات التعليم العالي ومؤسساته كما أخذ القطاع الجامعي الخاص بالتنامي5. ويمكننا هنا أيضًا تتبع ارتفاع معدل الحصول على التعليم العالي في تونس؛ إذ يبين الجدول معدلات الحصول على التعليم العالي في تونس، من عام 0042 إلى عام.2012 شهدت تسعينيات القرن العشرين زيادة كبيرة في عدد طلاب التعليم العالي، إذ تضاعفت معدلات الالتحاق ثلاثة أضعاف خلال عقد من الزمان تقريبًا. فقد زاد عدد الطلاب من نحو 56001 في عام 9971 إلى نحو 54 ألفًا في العام الدراسي /2005 2006 6. ولم يقابل ذلك زيادة متناسبة في الموارد والتمويل، وهذا ما أدى إلى الاكتظاظ وانخفاض جودة التعليم وزيادة معدلات التسرب. وترافق ذلك مع زيادة حادة في معدلات البطالة بين خريجي الجامعات، من 83. في المئة في عام 9941 إلى 0.41 في المئة في عام 20047. ولاحقًا انخفضت معدلات الالتحاق مجددًا؛ نتيجة تغيير معايير الدرجات لشهادة البكالوريا (امتحان وطني لنهاية التعليم الثانوي)، فقد كان الامتحان النهائي قبل ذلك يمثل 52 في المئة من المعدل السنوي المدرسي النهائي. ولم تعد الحال كذلك الآن؛ إذ تحسب الدرجة النهائية كاملة في الامتحان النهائي.

  1. 4 وفي العام الدراسي 0182 كان في تونس نحو 22 ألف عضو هيئة تدريسية، بينهم نحو 50012 متفرغ بمستوى دكتوراه، ونحو 702 ألف طالب، 62 في المئة منهم إناث، موزعين على 13 جامعة حكومية تضم 042 مؤسسات للتعليم العالي، و 72 مؤسسة تعليمية خاصة، ينوف عدد طلابها قليلً على 03 ألف طالب. وتموّل الدولة، إلى حد بعيد، مؤسسات التعليم العالي الحكومية؛ إذ يتلقى نحو 001 ألف طالب مساعدات حكومية ومنحًا دراسية. ينظر: "التعليم العالي والبحث العلمي بالأرقام"، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، شوهد في 020/2/13، في https://bit.ly/2OPyNAp:2
  2. The World Bank, Tunisia: Systematic Country Diagnostic (Washington, DC: The World Bank – MENA, 2015), p. 80, accessed on 13/2/2020, at: https://bit.ly/2SH2ynX
  3. IIham Haouas, Edward Sayre & Mahmoud Yagoubi, "Youth Unemployment in Tunisia: Characteristics and Policy Responses," Topics in Middle Eastern and African Economies , vol. 14 (September 2012), p. 400.

ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي: دراسة حالة للممارسات السائدة في صنع السياسات

وإدراكًا للحاجة الماسة إلى الإصلاح، وضعت الحكومة برنامجًا جديدًا للتعليم العالي في عام 0062، باسم "تطوير التعليم العالي ودعم الجودة"، وهو برنامج مصمم لتحسين الكفاية الداخلية لنظام التعليم العالي، وتقوية معارف الخريجين وكفاياتهم ومهاراتهم، بحيث يتمكنون من المساهمة في اقتصاد يزداد اعتماده على المعرفة8. وهذا في صلب نظام ضمان الجودة المطلوب في الإصلاحات وفق نموذج بولونيا. وقبل إصدار هذا القانون بعام واحد، أي في عام 0052، أطلقت وزارة التعليم العالي إصلاحًا رائدًا للتعليم العالي، وهو إصلاح نظام "أمد" السابق ذكره. طبّق هذا النظام التزامات سياسية لتونس مع الاتحاد الأوروبي ومع بلدان جنوب المتوسط؛ لإنشاء "منطقة أورومتوسطية للتعليم العالي"، عبر المواءمة بين أنظمة التعليم العالي، وبالخصوص عبر تطبيق نظام بولونيا ذي المراحل الثلاث في الشهادات، وإصلاح إدارة الجامعات وضمان الجودة9. وأكدت الحكومة التونسية أن اعتماد عملية بولونيا يسهل تنقل الطلاب بين مؤسسات التعليم العالي في تونس، وبين أنظمة تعليم عالٍ مختلفة، الأمر الذي يتيح مزيدًا من التناسق والتبادل بين الجامعات التونسية والجامعات الأوروبية، ويعزز قدرات التوظيف10. ومنحت الوزارة مؤسسات التعليم العالي خيار الاندماج في النظام الجديد في غضون ثلاث سنوات. وبحلول عام 0062، صارت مؤسسات التعليم العالي جميعًا تعتمد النظام الجديد11. وتستند جميع المقررات في الجامعات التونسية، باستثناء المقررات الطبية والعمارة والمقررات الهندسية، إلى هيكل درجة الإجازة الممنوحة عند تحقيق 801 ساعة معتمدة، ودرجة الماجستير الممنوحة بعد تحقيق 012 ساعة معتمدة إضافية، والدكتوراه عند إكمال ثلاث سنوات بعد الماجستير. وقد طرح هدف زيادة القدرة على توظيف الخريجين أول مرة في قانون التعليم العالي الصادر عام 9891، عبر تركيزه على الفاعلية الخارجية للتعليم العالي. وطرح نظام ضمان الجودة أول مرة في عام 9951، مع إنشاء اللجنة الوطنية للتقييم واللجنة الوطنية لتقييم الأنشطة البحثية. وشملت وظائف اللجنة الوطنية للتقييم تنفيذ تقييم داخلي وخارجي لمؤسسات التعليم العالي التونسي، وفقًا لمعايير معينة، وبالتحديد الإنتاج والأداء. ثم أصدرت مؤسسات التعليم العالي، لاحقًا، بموجب النظام السابق، تقاريرها للتقييم الداخلي، وسلمتها إلى اللجنة الوطنية للتقييم. وعلى الرغم من ذلك، فقد أقر على نطاق واسع أن النظام لم يكن فاعلً، وأخفق في تقديم تحليل منهجي للأداء. إضافةً إلى ذلك، كانت الحوافز المقدمة للجامعات لتحسين جودة تعليمها ضئيلة، واستقلاليتها ضعيفة جدًا، ومشاركتها محدودة جدًا في صوغ الأهداف المسندة إليها في نظام شديد المركزية12. درج قانون ضمان الجودة في التعليم العالي الصادر عام أ 0082، ونص على إنشاء هيئة وطنية للتقييم وضمان الجودة والاعتماد، وحُددت تركيبة الهيئة الجديدة وإجراءاتها وتعويضات أعضائها بمرسوم، ومن ثم عُيّن رئيسها وأعضاؤها بمرسوم. وسعى قانون 0082، أيضًا، إلى إصلاح إدارة الجامعات، بتوفير فرصة للمؤسسات كي تتحول من الإدارة المركزية إلى إدارة أكثر مرونةً واستقلالية، عبر تأسيس نفسها، بوصفها مؤسسات أكاديمية وتكنولوجية عامة، شرط استيفاء شروط جودة إدارتها13. وأطلقت وزارة التعليم العالي برنامج ضمان الجودة في عام 0112؛ بهدف تحسين معايير التعليم، ولطرح نظام لامركزي جديد للإدارة المالية في مؤسسات التعليم العالي. إلا أن التقدم نحو تأسيس نظام ضمان جودة جديد كان بطيئًا جدًا؛ فهيئة ضمان الجودة التي نص عليها قانون عام 0082 لم تر النور إلا في تشرين الثاني/ نوفمبر 0132، عندما أحياها مجددًا قانون جديد. وعلى الرغم من أن لديها بندًا في الموازنة وموظفين ومقرًا، فإنها لم تصبح فاعلة بعد، ولا يزال هناك كثير من الأسئلة بشأن وظائفها الدقيقة ومجال تركيزها وأولوياتها.

ثانيًا: تحديد صنع سياسات التعليم العالي في تونس

تشرف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على وضع سياسات التعليم العالي وتنفيذها. ومع أن نظام التعليم العالي "مدار

  1. مراجعات لسياسات التعليم العالي الوطنية: التعليم العالي في مصر (القاهرة: البنك الدولي؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، 010)2، ص.105
  2. Catania Declaration, "Euro-mediterranean Area of Higher Education and Research," Italian Higher Education, 29/1/2006, accessed on 10/2/2020, at: https://bit.ly/39uVLEH
  3. Sahraoui, p. 8.
  4. The World Bank, "Implementation Completion and Results Report (IBRD- 73920) on a Loan in The Amount of Eur 61.3 Million (Us$ 76.0 Million Equivalent)
  5. Sahraoui, p. 68. 12 الجمهورية التونسية، "قانون عدد 91 لسنة 0082 مؤرخ في 52 فيفري 2008 الرائد الرسمي للجمهورية التونسية يتعلق بالتعليم العالي ")1(،، 008/3/42، شوهد في 020/2/13، في https://bit.ly/2HgaXcX:2
  6. to The Republic of Tunisia for a Second Higher Education Reform Support Project," Education Global Practice, Middle East and North Africa Region, Report no. ICR00003297, 17/3/2015, accessed on 13/2/2020, at: https://bit.ly/2UR3FnR

مركزيًا في نظام إدارة مركزية حازمة" 14، إذ تحدد الوزارة رسالة الجامعات وأهدافها، لكنها تستشير مجلس الجامعات، وهو هيئة وطنية تتألف من رؤساء جميع جامعات البلاد مسؤولة عن ضمان تنفيذ المبادئ التوجيهية الاستراتيجية للتعليم العالي، وعن اعتماد مؤسسات التعليم العالي أيضًا، وتمكينها من منح شهادات الماجستير والدكتوراه.

تلقّت إصلاحات التعليم العالي الحكومية، بين عامي 0050142 و 2، دعمًا مباشرًا من البنك الدولي (قرض قيمته 76 مليون دولار أميركي) ومن برنامج "إيراسموس موندوس" Mundus Erasmus التابع للاتحاد الأوروبي، الذي تكفل بتدريب مجموعة من طلبة الجامعات وأساتذتها على المنهجية القائمة على الجودة، والمساهمة في تقييم مقررات الجامعة15. وقد أدى التوسع الشعبي للتعليم العالي في تونس، في تسعينيات القرن العشرين، إلى اعتباره سياسة ذات أولوية وطنية فائقة، فكان التحدي الرئيس الذي يواجه قطاع التعليم العالي هو كيفية إدارة هذا التحول السريع من نظام نخبة إلى نظام تعليم جماهيري، مع المحافظة على جودة التعليم، وملاءمته مكان العمل16. وتشترك في هذا التحدي بلدان كثيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال

رياني /يناثلا نوناك ناك

أفريقيا التي شهدت ارتفاع بطالة الخريجين في العقود الأخيرة، لتشتد حدتها في السنوات الأخيرة، مقتربةً من 03 في المئة في تونس ومصر عام 2013 17. احتل التعليم العالي صدارة الاهتمام في العقود الأخيرة، مع تشديد جديد على "اقتصاد المعرفة"، بوصفه مفتاحًا للتطور والنمو الاقتصاديين؛ فقد ظهر نموذج عالمي جديد ل "مجتمع المعرفة" في تسعينيات القرن الماضي، أعلن المعرفة مفتاحًا للتطور والازدهار الاقتصاديين18. وتحول ذلك إلى نموذج اقتصادي جديد، يستلزم تغييرات في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وفي طليعتها سياسات التعليم العالي. وشدد البنك الدولي، وهو من أنصار "مجتمع المعرفة"، على أهمية التعليم العالي، بوصفه مفتاح "خلق المعرفة ونشرها وتطبيقها وبناء القدرات"19، فلم يصبح التعليم العالي بذلك مفتاحًا لتنمية اقتصاد البلاد فحسب، وإنما لإحيائه وإدماجه في الاقتصاد العالمي أيضًا. ويخلص فريق التعليم العالي والمجتمع المشترك بين البنك الدولي واليونسكو إلى أنه من دون تعليم عالٍ أفضل، "ستجد البلدان النامية صعوبة متزايدة في الاستفادة من الاقتصاد العالمي القائم على المعرفة"20.

  1. The World Bank, Tunisia: Systematic Country Diagnostic , p. 15.
  2. Erasmus+ for Higher Education in Tunisia," European Commission (2018), accessed on 13/2/2020, at: https://bit.ly/39GNgXx
  3. Intissar Kherigi et al., "Quality Assurance in Tunisian Higher
  4. Ghada Barsoum, Sarah Wahby & Aditya Sarkar, "Les jeunes et l'emploi en Afrique du nord: Rapport de synthèse, Rapport élaboré en préparation de la conférence sur l'emploi des jeunes en Afrique du nord," Organisation Internationale du Travail (September 2017), accessed on 13/2/2020, at: https://bit.ly/37RyE6g
  5. Sahraoui, p. 38.
  6. The World Bank, Constructing Knowledge Societies: New Challenges for Tertiary Education (Washington, DC: The International Bank for Reconstruction and Development, 2002), p. 4. 19  The World Bank, Higher Education in Developing Countries: Peril and Promise (Washington, DC: The International Bank for Reconstruction and Development, 2000), p. 9.
  7. Education: A Case-driven Analysis of Prevalent Policymaking Practice," Paper Presented at the Edulearn14: 6th Annual International Conference on Education and New Learning Technologies, Barcelona, 7-9/7/2014.

ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي: دراسة حالة للممارسات السائدة في صنع السياسات

ويثير البعد العالمي للتعليم العالي ودوره في التنمية الاقتصادية، إذًا، تساؤلً عن كيفية تحسين جودته؛ لجعل الخريجين مجهزين جيدًا لمجتمع المعرفة الجديد، والتنافسي عالميًا، لضمان الاندماج في اقتصاد عالمي قائم على المعرفة. وينسجم هذا التشديد مع قلق الحكومة التونسية المتزايد بشأن مؤهلات التوظيف لدى خريجي الجامعات؛ إذ أفرد قانون التعليم العالي لعام 9891 أهمية خاصة لهذه المؤهلات، واعتبرها هدفًا رئيسًا للتعليم العالي. لكن الزيادة الحادة في أعداد الملتحقين بالجامعات في تسعينيات القرن العشرين، وما صاحبها من ارتفاع في بطالة الخريجين، أديا إلى ازدياد المخاوف من الفجوة بين التعليم الجامعي وحاجات سوق العمل. فأعلنت الحكومة التونسية مؤهلات التوظيف هدفًا أساسيًا لإصلاحات التعليم العالي في عامي 0050062 و 2، واستشهدت بها بوصفها مسوغًا أساسيًا للتغيير. وإلى جانب التركيز المتجدد على التعليم العالي، بوصفه من عوامل التنمية الاقتصادية، ظهرت في تسعينيات القرن الماضي ديناميات جديدة في أوروبا، أولت توحيد أنظمة التعليم العالي في البلدان المختلفة اهتمامها، فسعت عملية بولونيا التي طرحها، عام 9991، وزراء التربية ورؤساء الجامعات في 92 بلدًا، إلى خلق منطقة تعليم عالٍ أوروبية، تربط أنظمة التعليم العالي، وتطبق تدابير معينة تسهّل الاعتراف المتبادل بالتأهيل الأكاديمي، وتشجع التنقل والتبادل بين المؤسسات التعليمية. وقد برزت مخاوف عدة من الفجوة المتزايدة بين الشواطئ الشمالية والجنوبية للمتوسط، وهي "نواة لتوترات سياسية محتملة"21، ما أدى إلى توسيع نطاق عملية بولونيا ليشمل بلدانًا غير أوروبية. اجتمعت تونس مع بلدان أخرى في جنوب المتوسط؛ للدعوة إلى إنشاء منطقة أورومتوسطية للتعليم العالي، معلنةًالتزامها بذلك في 2 22إعلان كاتانيا.006 وهكذا، اعتبر صناع القرار، وأطراف معنية أخرى، إصلاحات "أمد" التي أطلقت في عام 0052، وما ارتبط بها من تدابير لضمان الجودة، كما وردت في اتفاقات تونس الدولية، جزءًا من الالتزامات المقدمة للشركاء الدوليين23. وتلقت الحكومة التونسية دعمًا لتنفيذ عملية الإصلاح من البنك الدولي ومن برنامج "تيمبوس" TEMPUS التابع للاتحاد الأوروبي؛ فقدم البنك الدولي 76 مليون دولار بموجب المشروع الثاني لدعم إصلاح التعليم العالي II PARES، لدعم الإصلاحات الحكومية بين عامي 0060142 و 2، في إطار برنامج دعم الجودة في التعليم العالي الذي سعى إلى توسيع استيعاب الجامعات، ومراجعة الإطار القانوني لمنحها هامشًا أكبر من الاستقلال، ووضع نظام لضمان الجودة والاعتماد، وإيجاد آليات تمويل توفر الحوافز لمؤسسات التعليم العالي لتحسين جودتها وأدائها. لاقى تقييم البرنامج معدل نجاح بنسبة 001 في المئة في اعتماد الجامعات هيكل الشهادات الجديد "أمد" قبل حلول الموعد النهائي الرسمي، إلا أن تقرير التقييم في مجال ضمان الجودة يشير إلى أنه على الرغم من إنشاء الهيئة، فإنها حتى أواخر عام 0142 "لم تعمل بعد، وثمة تساؤلات بشأن تحقيق رسالتها في ظل مديرها العام الحالي." وكشف التقييم عن "مقاومة كبيرة في أوساط بعض كبار المسؤولين للإصلاحات الأساسية لإدارة التعليم العالي"، و"التردد من أن ينظر إليهم على أنهم يدعمون إصلاحات، ربما تتعارض مع مبادئ الوسطية"24. وحُددت أوجه القصور الرئيسة في مراقبة السياسات وتقييمها، بينما كان مفترضًا أن تجمع البيانات عن نتائج المشروع من "مراصد" جديدة، يفترض إنشاؤها في كل مؤسسة للتعليم العالي. وأشار تقرير عام 0122 إلى أن "معظم المراصد حبر على ورق"25. وعلى الرغم من ذلك، وجد فريق المشروع "تحسنًا ملحوظًا" في أعقاب ثورة 41 كانون الثاني/ يناير 0112؛ إذ جددت الحكومة الجديدة التزامها بالإصلاحات، واندفعت قدمًا في إنشاء هيئة جديدة لضمان الجودة. وبمعزل عن هذا التقرير، يجب أن يُقرأ عدم إحراز تقدم يذكر في تأسيس الهيئة، أو في ضمان جودة مؤسسات التعليم العالي، في سياق اتفاق شرف بين جميع أعضاء مؤسسات التعليم العالي، بمن فيهم القيادة السياسية في الحكومة ووزارة التعليم العالي، والهيكل البيروقراطي للوزارة، ورؤساء مؤسسات التعليم العالي واتحاد العمال الفاعل (الاتحاد العام التونسي للشغل.) ويبدو أن انعدام المساءلة في النظام، عبر تغييب نظام ضمان الجودة، يلائم جميع هذه الأطراف.

  1. P. Lepoivre, "La réforme de l'espace Européen de l'enseignement supérieur quelques clés d'analyse pour les universitaires des pays tiers participant aux programmes européens de l'enseignement supérieur," Agence universitaire de la francophonie, Bureau Europe de l'ouest et Maghreb (February 2007), p. 67, accessed on 13/2/2020, at: https://bit.ly/2uGmkYV
  2. إعلان وقّعه، في مطلع عام 0062، 13 وزيرًا من وزراء التربية والتعليم في دول حوض البحر الأبيض المتوسط، منها خمس دول عربية، هي: الأردن، وتونس، والجزائر، ومصر، والمغرب، لتفعيل التعاون وتعزيزه في قطاع التعليم العالي بين بلدان منطقة المتوسط، بما يفضي إلى إنشاء "منطقة أورو-متوسطية للتعليم العالي"، انسجامًا مع التوجهات التي نص عليها "إعلان برشلونة" عام 9951، بتحويل المنطقة الأورو-متوسطية إلى فضاء مشترك للسلام والاستقرار والازدهار من خلال تعزيز الحوار السياسي والتواصل بين الثقافات. ينظر:
  3. Ibid., p. 44.
  4. The World Bank, Tunisia: Systematic Country Diagnostic , pp. 11-30. 24  Ibid., p. 17.
  5. Sahraoui, p. 40.

ومن المعلوم أيضًا أن رصد الحصيلة التعليمية هو نقطة ضعف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ فمؤشرات تقييم أداء مؤسسات التعليم العالي شحيحة، وهناك غياب شبه كامل للبيانات عن نتائج تعلم طلاب التعليم العالي26. ففي دراسة مقارنة عن إدارة الجامعات، وجد البنك الدولي أن عددًا قليلً من جامعات المنطقة ينفذ استطلاعات لرصد المدة التي يمضيها الخريجون للعثور على عمل، أو المجال الذي يجدون فيه وظيفة، أو متوسط رواتبهم27. ويمثل ذلك تحديًا كبيرًا في تقييم الفاعلية الخارجية للتعليم العالي التي ترتبط أساسًا بالنمو الاقتصادي، فقد أظهرت الدراسات في عدد من دول المنطقة (الجزائر ومصر مثلً) أن هناك عدم توافق بين المهارات المطلوبة في سوق العمل والمهارات التي يقدمها نظام التعليم والتدريب28. وهذه الفجوة في المهارات هي عادةً من أعراض نقص الجودة في خدمات التعليم. تكشف دراسات مقارنة لمؤسسات التعليم العالي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن تحديات مشتركة، وعن اختلافات كبيرة أيضًا؛ فالجامعات التونسية تبدو أقل استقلالية بدرجة ملحوظة، مقارنة بالبلدان الأخرى في المنطقة؛ إذ ليس لدى الجامعات سوى هامش ضيق لاتخاذ القرار في كثير من الأمور الأكاديمية والموارد البشرية والمالية، قياسًا بجامعات مصر أو لبنان أو فلسطين أو المغرب29. وفي المقابل، تتمتع الجامعات الخاصة في تونس باستقلالية أكبر بكثير. أما في مجال ضمان الجودة، فوجدت الدراسة المقارنة للبنك الدولي أن قرابة ربع عينة الجامعات في الجزائر والمغرب وتونس لا تتبع نظامًا لضمان الجودة، على عكس جامعات مصر والعراق وفلسطين المشاركة في الدراسة، ويتبع جميعها نظامًا لضمان الجودة. ووجدت أن الأنظمة الخارجية لضمان الجودة أقل شيوعًا من الأنظمة الداخلية، وإن وُجدت، فهي غالبًا مسؤولية الحكومة. إلا أن هناك تقدمًا يحرز، على أي حال. فعدة بلدان من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا استحدثت هيئات لضمان الجودة في السنوات الأخيرة، فازداد عدد البلدان التي تفرض ضمان الجودة في التعليم العالي. ووجدت دراسة تقييمية لهيئات المنطقة نزوعًا إيجابيًا نحو مزيد من الاستقلال، فمعظمها لم يعد مسؤولً مباشرةً

رياني /يناثلا نوناك ناك

أمام رأس السلطة التنفيذي (رئاسية أم ملكية)، بل أمام سلطة التعليم العالي، ولم يعد أعضاء الهيئة عمومًا يعينون مباشرةً من قيادة البلاد، وصاروا يمثلون مجموعات متنوعة من الأطراف المعنية، ولا سيما ممثلو مؤسسات التعليم العالي والحكومة والصناعة وسوق العمل30. ويؤدي عدد من الهيئات الآن دورًا أكثر نشاطًا، مقارنة بعام 0082، في إعداد مؤسسات خارجية تقارير عن ضمان الجودة، وهذا يعني أنها بصدد بناء قدرات ضمان الجودة.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال الهيئات الحالية لضمان الجودة تواجه تحديات مالية وتشغيلية، فقد ذكرت إحدى الدراسات عن هيئات ضمان الجودة أن أهم ثلاث عقبات هي: الافتقار إلى "ثقافة ضمان الجودة" وإلى الخبرة، ومحدودية الموارد والتمويل، وفقدان الاستقلالية31.

ثًالث ا: منهجية البحث ونتائجه

تتمثل عملية صنع السياسات عادةً بدورة متعددة المراحل، كما يظهرها الشكل)2(، وتُبرز الطبيعة الدورية لهذا النموذج المفاهيمي الطبيعة التكرارية لصنع السياسات التي تستوجب إجراء مراجعة متواصلة لدورة السياسات، في ضوء الرصد المستمر لمسار تنفيذها

  1. The World Bank, Benchmarking Governance: As a Tool for Promoting Change (Washington, DC: The World Bank, 2013), pp. 8-9, accessed on 13/2/2020, at: https://bit.ly/2SE772E
  2. Ibid., pp. 30-31.
  3. Barsoum, Wahby & Sarkar, p. 11.
  4. The World Bank, Benchmarking Governance , p. 21.
  5. Arab Network for Quality Assurance in Higher Education, "Survey of Quality Assurance and Accreditation in Higher Education in the Arab Region, October 2012; Second scoping study," UNESCO (October 2012), p. 25, accessed on 13/2/2020, at: https://bit.ly/2UMMOm8
  6. Ibid., pp. 93-94. ﺗﻘﯾﯾم ﺗﺣدﯾد اﻟﺳﯾﺎﺳﺔ اﻟﻣﺷﻛﻠﺔ ﺗﺣﻠﯾل اﻟﺳﯾﺎﺳﺔ ﺗﻧﻔﯾذ اﻟﺳﯾﺎﺳﺔ وﺑداﺋﻠﮭﺎ ورﺻدھﺎ ﺻوغ اﻟﺳﯾﺎﺳﺔ المصدر: من إعداد الباحثين.

ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي: دراسة حالة للممارسات السائدة في صنع السياسات

وتقييمها؛ ذلك أن المراجعة والتقييم ضروريان؛ لأن الوقائع على الأرض تتغير، وبغضّ النظر عن مقدار الأدلة الداخلة في مراحلها الأولى، تظل العملية غير كاملة، وتعتمد إلى حد ما على التجربة والخطأ.

الشكل)2(مراحل دورة السياسات

تركز هذه الدراسة تركيزًا رئيسًا على تحليل كل مرحلة من مراحل سياسة تطبيق نظام ضمان الجودة، مع تحديد خصائصها الأساسية، ولا سيما كيفية التنفيذ، والأطراف المشاركة، وكيفية تفاعلها، وما مقدار الأدلة الموضوعية المستخدمة في صنع القرار في تلك المرحلة. وقد تضمنت منهجية البحث تحليل مصادر ثانوية، كالمنشورات الأكاديمية والتقارير المؤسسية، إلى جانب مجموعة من المقابلات شبه المهيكلة مع معنيين متنوعين بعملية السياسات. وحددت في البداية الأطراف المعنية، وهي: السلطة السياسية (وزراء وطواقمهم وأعضاء برلمان)، والإدارة العامة (مسؤولون حكوميون، وتكنوقراط، ومراكز أبحاث تابعة للدولة)، والقطاع الأكاديمي (أساتذة جامعات لا يزالون يمارسون عملهم أو متقاعدون ومديرو جامعات)، والطلاب ومنظمات المجتمع المدني (اتحادات طلبة ومنظمات مجتمع مدني ونقابات عمالية ومنظمات مهنية ومنظمات أعمال ووسائل إعلام ومراكز أبحاث مستقلة)، والوكالات والمؤسسات الدولية (مؤسسات مالية ومؤسسات دعم فني ووكالات إعانة)32. وخلصت الدراسة من خلال تحليل المعلومات المقدمة من الجهات المعنية وفقًا لمراحل دورة السياسات المبينة في الشكل)2(، إلى النتائج الآتية: تحديد المشكلة ووضع جدول الأعمال: يظهر أن الدافع الرئيس وراء قانون إنشاء هيئة ضمان الجودة والاعتماد لم يكن محليًا، فجميع الذين قابلهم الباحثون في هذه الدراسة (من ممثلي إدارة عامة وإدارة جامعات وأساتذة جامعات) يؤكدون أن المبادرة كانت في الأصل بتوصية من أطراف خارجية، وخاصةً مؤسسات مالية دولية وشركاء دوليين، ولا سيما البنك الدولي والاتحاد الأوروبي. وكان هدف الوزارة تنفيذ هذه التوصيات، ومواءمة تونس مع نظام الجودة في جوارها الأوروبي، وتحديدًا عملية بولونيا. وعلى الرغم مما سبق، تطور الوضع بعدئذ، فنشأ خطاب محلي يدعم نظام ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي، وإن كان في دوائر محدودة. وقد نشأ هذا الخطاب نتيجة إدراك متزايد أن جودة التدريب في مؤسسات التعليم العالي التونسية العامة والخاصة دون المعايير الدولية، كما يتضح من تصنيف الجامعات التونسية عالميًا. ويشار أيضًا إلى أن استمرار ارتفاع معدلات بطالة خريجي الجامعات، إلى جانب نقص العمال في بعض القطاعات، يؤكدان التباين بين المهارات المطلوبة في الاقتصاد المحلي والتدريب الذي تقدمه معظم مؤسسات التعليم العالي. ولكن حقيقة كون إطار ضمان الجودة بالأصل مدفوعًا من أطراف خارجية تمثّل مشكلة، فلم يحدث نقاش حقيقي لأسباب تدهور جودة التعليم العالي: هل هو غياب المساءلة وضعف أنظمة الرصد والتقييم الخارجية أو الداخلية؟ أم هو عدم استقلالية الجامعات والمركزية المفرطة؟ أم أن البنية الأساسية غير كافية، وهناك نقص في كوادر هيئة التدريس

  1. المنهجية بالتفصيل: جمعت الدراسة آراء تقارير واردة في مصادر ثانوية، أي دراسات منشورة وتصريحات عامة ومقابلات في وسائل الإعلام للجهات التالية: السلطة السياسية (وزير التعليم العالي)، والأكاديميون (عمداء مؤسسات تعليم عال خاصة وحكومية)، وممثلو نقابات العمالية والمهنية. وركزت، لاستكمال جمع البيانات، على إجراء سلسلة مقابلات شبه مهيكلة مع الأطراف الأساسية التالية: الإدارة العامة (رئيس هيئة ضمان الجودة)، والأكاديميون (رؤساء جامعات لا يزالون يمارسون عملهم أو متقاعدون)، ومؤسسات التعليم العالي الخاصة (عمداء في هذه المؤسسات)، والمؤسسات المالية الدولية (الممثلون المحليون والإقليميون للبنك الدولي، وهي المؤسسة التي موّلت، لسنوات، برنامجًا رئيسًا لإصلاح التعليم العالي)، والطلاب (ممثلون عن اتحادي الطلاب الأساسيين في تونس.) وأخيرًا ركزت الدراسة على شبكة التواصل الاجتماعي لمجموعة من أصحاب المصالح الخاصة في مجال ضمان جودة التعليم العالي في تونس.

المدربة؟ ففي ظل عدم وجود دراسات موضوعية متعمقة، وحوار مفتوح وواسع، يكون تحليل الأسباب الحقيقية لمصاعب الجودة سطحيًا غالبًا، وعادةً ما تُحصر مشكلات الجودة في نقص البنية التحتية وعدم كفاية الموارد. ويرى ممثلو الاتحادات الطلابية، خاصةً أن جدول الأعمال تحدده مؤسسات تمويل دولية خارجية، أي البنك الدولي، ويصرون على أنه لم يحصل تشاور حقيقي، وأن أي تواصل من الوزارة في هذا الخصوص كان إجراءً شكليًا فحسب، بعد الانتهاء فعليًا من عرض اقتراحات لسياسة وقرارات بشأنها. وهم يرون أن الإصلاحات لا تلبي الحاجات الحقيقية في نظام التعليم العالي التونسي، وأن الحلول تُطرح قياسًا بالظروف الأوروبية، وخاصةًالفرنسية التي تختلف تمامًا عن واقع تونس. ويشير ممثلو الطلاب (الاتحادات الطلابية الوطنية) إلى أن الانتقال نحو هيكل الشهادات الجديد "أمد"، "يُفترض" أن يكون بدافع الحاجة إلى معالجة عدم التطابق بين تدريب التعليم العالي، وحاجات سوق العمل، ومن ثم تخفيف مشكلة ارتفاع معدلات البطالة بين خريجي الجامعات. لكن لم يتحسن وضع البطالة بعد تطبيق هذا النظام، بل على العكس تمامًا، تراجع كما يقولون. وهكذا خلصوا إلى أن السياسة لم تنشأ من فهم الاحتياجات المحلية، ولم تدرج الأدلة الموضوعية المتعلقة بالوقائع المحلية. وأضافوا أنه لم تنفذ سوى دراسات قليلة لتحديد التحديات الرئيسة التي تواجه نظام التعليم العالي التونسي. وتتفق اتحادات الطلاب على أن الوزارة ليست سوى منفذة لتوصيات المانحين الدوليين بأجندة الخصخصة، معتمدين على أدلة قليلة خارج الإحصاءات الإجمالية البسيطة حول معدلات الالتحاق بالتعليم العالي ومعدلات البطالة. ويردد الممثل المحلي للبنك الدولي، وهو مدير سابق لبعثة جامعية وموظف حكومي سابق في وزارة التعليم العالي، الرأي القائل إن صنع سياسات ضمان الجودة في التعليم العالي يفتقر إلى دراسات كافية وأدلة ملائمة. ويشير إلى أن الوحدة المسؤولة عن الدراسات والتخطيط في الوزارة لا تنفذ دراسات رصد وتقييم كافية، تغطي مؤسسات التعليم العالي وجودة تعليمها وبرامجها، بل تقتصر على تخزين البيانات والإحصاءات الأساسية عن مؤسسات التعليم العالي، مثل أعداد الطلاب المحليين والأجانب، وأعضاء هيئة التدريس والميزانيات ومعلومات أساسية أخرى. وأكثر من ذلك أن أقسام الجودة الداخلية بقيت ضعيفة، ولم تتطور بالفعل؛

رياني /يناثلا نوناك ناك

لأنها لم تنشأ بوصفها كياناتٍ حقيقيةً مفيدة. وبغياب أقسام جودة داخلية فاعلة، من الصعب تحديد فجوات الجودة على المستويين المؤسسي والبرامجي. وثمة إجماع بين الاتحادات الطلابية ومسؤولين حكوميين سابقين وأساتذة جامعات ومديريها على أن سياسات الإصلاح غالبًا ما تكون بمبادرة من برامج تمويل خارجية، وبدافع الرغبة في مواءمة وضع البلد مع المعايير الأوروبية وعملياتها. وهناك مشاركة أصيلة قليلة من الأطراف المعنية المحلية في تحديد المشكلة وأسبابها العميقة، وتصميم السياسات المطلوبة لحلها. ويخلق ذلك تحديات كبيرة في مواصلة تنفيذ السياسات لاحقًا؛ لأن الأطراف المعنية تشعر بأنها مستبعدة كليًا من المشاركة، وتتبنى موقفًا مشككًا، وأحيانًا تعارض مبادرة الإصلاح بقوة منذ لحظة طرحها. وهذا يعني وجود مشكلة هيكلية كبيرة في طريقة التشاور، واستراتيجيات السلطات السياسية لإشراك المعنيين في المراحل الأولية من تصميم السياسات، لتسهيل مشاركة أكثر سلاسة في مراحل التنفيذ اللاحقة. تحليل السياسة وبدائلها: اتفقت آراء المعنيين المحليين غير الحكوميين على أن ما من مشاورات كافية تجري، فقد أفاد رئيس إحدى الجامعات بأنه مُنح 42 ساعة للرد على مشروع الوزارة في سياسة ضمان الجودة، وليس ذلك سوى دليل على أن المشاورات شكلية فحسب. وأعربت عدة جهات عن رأي مفاده أن ليس هناك اهتمام حقيقي بجمع آراء متنوعة، وإجراء نقاش واسع، ثم التوصل إلى اقتراح سياسة توافقية تعكس الحاجات الحقيقية؛ لذلك يصعب تحديد أي بديل آخر مدروس عند صوغ السياسة، إذ يبدو أن الوزارة صممت السياسة وصاغتها وفرضتها من الأعلى، وفقًا لعدد كبير من الأطراف المعنية. ومن الواضح أن تاريخ البلاد في سياسات الرعاية الاجتماعية القوية، وخاصة حصول الجميع على التعليم المجاني، يسهم في انعدام الثقة بمبادرات الرصد والتقييم وضمان الجودة، إذ ترى اتحادات أساتذة الجامعات أن أنظمة الرصد والتقييم وسياسات ضمان الجودة هي الخطوة الأولى نحو إدخال مفاهيم السوق الحرة في التعليم، ومن ثم تعبيد الطريق نحو الخصخصة. ولا يزال مفهوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص في التعليم غير معروف إلى حد بعيد، أو يساء فهمه. والخوف من الخصخصة وتهديدها المتوقع لتوفير التعليم المجاني للجميع هو سبب المواقف المعارضة لعدد من الإصلاحات ذات الصلة بالجودة. ويتفاقم هذا بسبب عدم وضوح رؤية الحكومة لكيفية تمويل التعليم في المستقبل.

ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي: دراسة حالة للممارسات السائدة في صنع السياسات

وتعد الجودة، أيضًا، مفهومًا أجنبيًا إلى حد ما، بالنسبة إلى بلدان شمال أفريقيا، والبلدان الناطقة بالفرنسية عمومًا33. وقد يقف التقليد الفرنكوفوني القانوني في صنع السياسات، والدور القوي للدولة المركزية وراء عدم التركيز على مساءلة مؤسسات التعليم العالي وتقييمها، وهذا يفسر أيضًا عدم وجود بدائل تقترحها جهات غير حكومية في هذه المرحلة من عملية السياسات، نظرًا إلى عدم إلمامها بالمفاهيم المقترحة. صوغ السياسات: من الواضح أن السياسة المقترحة وُضعت في دائرة مغلقة نسبيًا، فلا يوجد نص واضح، أو توثيق، للنتائج المرغوب فيها، باستثناء محتوى القانون ذاته. ويقول معنيون محليون غير حكوميين إنهم لم يتلقوا أدلة كافية تسمح لهم بالمشاركة عن قناعة ومعرفة. ويواصل بعضهم التشكيك في دوافع المؤسسات المالية الدولية، بل في الحاجة أساسًا إلى وجود هيئة لضمان الجودة. ويؤكد بعض أساتذة الجامعات أن الجودة والمنهجية اللتين تركزان على الرصد والتقييم تقيدان الحرية الأكاديمية، عبر إشراك سلطات خارجية في تقرير محتوى المقررات. ويؤكد رئيس هيئة ضمان الجودة هذا الخوف من الرقابة الخارجية، بوصفه سببًا رئيسًا لمقاومة المعنيين في الأوساط الأكاديمية. ولقد حدد المعنيون مشكلات كبيرة في القانون المؤسس لهيئة ضمان الجودة، ولا سيما حقيقة أن الهيئة لا تتمتع بالاستقلال، بل أُنشئت بإشراف وزارة التعليم العالي التي لا تجسد أفضل الممارسات الدولية. ويصرح رئيس الهيئة بأنه يواصل محاولة تغيير القانون لتصبح الهيئة مستقلة، وفقًا لأفضل الممارسات الدولية. ويبدو أن لدى شريحة من أعضاء هيئة التدريس في الجامعة مصلحة في استمرار الوضع الحالي، فانعدام الشفافية والتقييم يمنحهم قدرًا كبيرًا من الحرية في مجال الحضور والرواتب، والأداء في قاعة الدرس؛ لذلك يجب على صانعي السياسات في أي إصلاح مدروس التأكد من أن عدد الرابحين يفوق عدد الخاسرين، وأن تُشرك الأطراف المعنية الرئيسة؛ فقد أعرب عدد من هذه الأطراف عن عدم رضاه عن ضعف التواصل والتشاور من جانب السلطات السياسية، وعن العجز في القيادة السياسية، فمثلً يمكن التغلب على مقاومة النقابات مبادرات تحسين الجودة، ولا سيما إذا أُشركت في إعداد السياسات منذ البداية. وتقدم تجربة الإصلاحات التعليمية التي أدخلتها إدارة التعليم في مقاطعتي واشنطن ومونتغمري مثال لاستراتيجيتين مختلفتين في إشراك المعنيين، والمواءمة بين المصالح34؛ فقد أحدثت المشاركة المبكرة للنقابة في عملية الإصلاح في مونتغمري35 فرقًا كبيرًا في قبولها السياسات التي تربط رواتب المعلمين بالقيمة المضافة لأدائهم، وبالتقدم الذي يحرزه طلابهم، وفي المقابل، أخفقت محاولات إصلاح مماثلة في واشنطن جزئيًا، لأن عملية صنع السياسات لم تكن تشاركية بالكامل. وعلى الرغم من توصيات أطراف معنية مختلفة بأن تكون الهيئة مستقلة عن الوزارة، فإن ذلك لم يُعتمد. ونظمت مؤتمرات عرضت فيها أفضل الممارسات الدولية، لكن، لم تؤخذ هذه الممارسات في الاعتبار، وهذا يفاقم مشكلة المركزية المفرطة في نظام التعليم العالي التونسي؛ لذلك تتحمل الوزارة المسؤولية بقدر ما تتحملها الجامعات تمامًا. ومن الصعب في ظل النظم المؤسسية الحالية عدم النيل من حرية الهيئة، ومن صدقية التقييمات التي تجريها، خاصةً في الجامعات الحكومية. تنفيذ السياسات ورصدها: أ نشئت الهيئة بالفعل، على الرغم من التأخر سنوات، منذ لحظة إقرار القانون، وهي تضم الآن أكثر من ثلاثين عضوًا من الموظفين، وعددًا من المقيّمين الخارجيين. وكما ذكر آنفًا، أنجزت الهيئة 60 مراجعة بحلول نهاية عام 0182، ولكن كيفية إخبار المؤسسات المعنية بنتائج المراجعات لتحسين جودة اعتمادها ليست واضحة، إضافةً إلى أن الانخفاض الحاد في عدد المراجعات عام 2018 8(مراجعات فقط)، مقارنة بعامي 0160172 و 2 8(2 و 23 مراجعة على التوالي)، مؤشر على أن الهيئة تفقد زخمها. هناك دعوة جديدة على الموقع الإلكتروني لوزارة التعليم العالي إلى تقديم عروض لإنشاء هيئة وطنية للتقييم

  1. يعد ضمان الجودة في التعليم العالي في أنحاء أخرى من المنطقة العربية أكثر تطورًا مما هو عليه في المنطقة المغاربية، للمزيد ينظر: The World Bank, Benchmarking Governance , p. 31.
  2. Mark Simon, "Get Rid of Teachers or Encourage them to Stay - What is Best for our Schools?" Economic Policy Institute, 17/4/2012, accessed on 2/1/2020, at: https://bit.ly/2QgihdQ
  3. هي خطة مشتركة أقرها الموظفون والآباء ورجال الأعمال عام 0032 لمدارس مقاطعة مونتغمري العامة، بولاية ألاباما في الولايات المتحدة الأميركية، وذلك بهدف رفع مستوى تحصيل الطالب إلى معايير صارمة للأداء الأكاديمي، ومعالجة فجوة الفرص التي تواجه أعدادًا متزايدة من الطلاب، شارك في إعدادها مجموعة من الموظفين في القطاع التعليمي والآباء والمجتمع وقادة الأعمال. وقد ركزت الخطة على مجموعة من الأسس، وهي: التركيز على جودة المدرس، والتدريب على المناهج المنقحة والتقييمات والاستراتيجيات التعليمية، وتطوير الموظفين والمدربين، وتطوير برنامج المساعدين من النظراء، وتحسين القيادة الإدارية المدرسية.

والاعتماد في التعليم العالي والبحث العلمي. وليس جليًا ما إذا كانت الهيئة الجديدة ستحل محل الهيئة الحالية، أم أنها ستعزز قدراتها وتمنحها وضعًا مستقلً. لكن الدعوة إلى تقديم عروض في هذه المرحلة، فحسب، مؤشر دال على إعادة توجيه تنفيذ السياسة، لتحقيق أهداف لم تُحقق حتى الآن. تقييم السياسات: لإجراء تقييم لأي سياسة، ينبغي لأهدافها أن تكون واضحة، وهذا ما لم يوضَّ ح بدقة. لذلك من الصعب تصور إجراء تقييم سليم بلا أهداف واضحة. ويبدو أن إنشاء هيئة، فحسب، يقنع بعض الأطراف بأن السياسة قد نُفذت بنجاح، وتحققت الغاية منها. إلا أن الدعوة المذكورة إلى تقديم العروض تدل على أن سياسة إنشاء الهيئة الوطنية للتقييم وضمان الجودة والاعتماد، بوصفها أداة لتحسين توفير التعليم العالي أخفقت، وأن هناك محاولة لإعادة صوغ السياسة من الصفر.

خاتمة

بيّنت الدراسة أن التحديات التي تواجه التعليم العالي لم تتغير مع الثورة عام 0112، لأن وزارة التعليم العالي حظرت أي تغيير في اتجاه تعميم نظام ضمان جودة يحاسب مؤسسات التعليم العالي على أدائها، فقد ظهرت دينامية في الآونة الأخيرة لغرس حياة جديدة في الهيئة الوطنية للتقييم وضمان الجودة والاعتماد، وهذا بسبب التمويل المقدم من الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي لسنّ قانون لنظام فاعل يضمن جودة التعليم العالي في تونس. وعلى الرغم من ذلك، ليس واضحًا إلى الآن ما إذا كان نظام ضمان الجودة الجديد سيحل محل النظام الحالي الذي طُبق منذ عام 0132، أم سيحسنه فحسب. إضافة إلى أن النظام الجديد، إذا صحت تسميته كذلك، يشمل البحث إلى جانب التعليم والتعلم وضمان جودة البحوث، ما هو أسهل من وجهتَي النظر الفنية والسياسية. ونظام التعليم العالي التونسي منظم بحيث تكون إدارتا التعليم والبحث منفصلتين، إضافةً إلى أنهما يجريان في مجالات مختلفة من حقل التعليم العالي، فالأبحاث هي، في المقام الأول، وظيفة لأقسام الأبحاث والمختبرات التي تديرها الإدارة العامة للبحث العلمي (تابعة لوزارة التعليم العالي.)

رياني /يناثلا نوناك ناك

ومن ناحية أخرى، يعدّ التدريس والتعلم من الوظائف الأساسية للجامعات التي تتخبط في نظام من نوع "دعه يعمل" laisser- faire، لا يمكن أن تمسك خيوطه إلا قيادة قوية ورؤية واضحة. ونشير أيضًا إلى أن العملية الجديدة ليست استمرارًا لعملية السياسات السابقة المعروضة في هذه الدراسة، على الرغم من أن موضوع "الإصلاح" ما زال نفسه، أي التعليم العالي. إنها بالأحرى عملية جديدة، باستخدام بقايا القديمة، لوضع ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي موضع التنفيذ. ويبدو أن هذه العملية، على عكس العملية القديمة، أكثر تشاركية على الرغم من أنها لا تزال في المراحل الأولى، ومن المبكر إطلاق حكم عليها. وتشترك العمليتان في الحوافز الخارجية للسياسات، أي الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وإذا لم تكتسب مثل هذه الهيئات "مشروعية" فعلية، فإن فرص نجاح صنع السياسات ضئيلة جدًا. وكما بينت الدراسة، ومن خلال مقابلة أطراف معنية مختلفة، أن عملية صنع السياسات كانت ضعيفة جدًا في كثير من الجوانب المهمة، وفي جميع المراحل. نحدد هنا أوجه القصور الرئيسة التي تؤثر في عملية صنع السياسات في مجال تطبيق نظام ضمان الجودة في التعليم العالي في تونس. وعلى الرغم من أن دراسة الحالة خاصة بسياسة محددة، فإن غالبية التحديات ومواطن الضعف المحددة هنا هي عامة، وتنطبق على عدد من ممارسات صنع السياسات. ومن المرجح أن تكون الدروس، من ناحية التشخيص، فضلً عن المقترحات والتوصيات، قابلة للتحويل إلى مجالات أخرى لصنع السياسات العامة. تحديد غير دقيق للمشكلة، وغياب الأبحاث الملائمة في نقاط الضعف والقوة في النظم القائمة، فقد أكد جميع المعنيين تقريبًا أنه، قبل اقتراح السياسة، لم تُجمع أدلة كافية عن نظام التعليم العالي الحالي أو كفايته الداخلية أو فاعليته الخارجية؛ لذلك لا توجد للسياسة أهداف واضحة مرتبطة بأوجه القصور ومواطن القوة والضعف الموجودة. وقد أدى ذلك إلى الفصل بين السياسة والأطراف المختلفة التي تعدّ أساسية لضمان نجاح تنفيذها. وقد بينت مقابلات مع رؤساء جامعات بارزين أنهم ما زالوا متشككين في دوافع مقترحات سياسة ضمان الجودة وأهدافها. عدم توافر ما يكفي من المشاركة والقناعة؛ إذ ليس هناك مشاركة حقيقية، فقد أكد رئيس إحدى الجامعات أن الوزارة ليس لديها مصلحة حقيقية في إدارة تشاركية، فمجلس رؤساء الجامعات، مثلً، توسّع قبل عقد من السنوات ليشمل المديرين

  1. إعلان معلومات أولية متعلقة بسير خدمة: دعم إحداث وكالة وطنية للتقييم والاعتماد في مجال التعليم العالي والبحث العلمي، من برنامج "تعليم، تحول، بحث، ابتكار"، قسم الوكالة الوطنية للتقييم والاعتماد.

ضمان الجودة في التعليم العالي التونسي: دراسة حالة للممارسات السائدة في صنع السياسات

العامين للوزارة، الأمر الذي أدى إلى طمس أصوات رؤساء الجامعات في أي تصويت، وحرفه لمصلحة الوزارة. وعلى الرغم من أن الوزارة هي التي ترشح رؤساء الجامعات فعليًا، تظل مساهماتهم موضع شك. وتشير الأدلة إلى أن السلطة السياسية ليست مستعدة لقبول سلطة موازية أو مقابلة. ومع عدم وجود قناعة صادقة بقيمة المشاركة الواسعة، لن تحصل، بطبيعة الحال، أي مشاورات بأي طريقة مفيدة. وقد أفاد رئيس جامعة آخر أن المشاورات لم تكن حقيقية، وأن المساهمات أُهملت في النهاية لمصلحة حل صيغ بالكامل داخل عدد قليل من مكاتب الوزارة. عدم وجود إجماع على الإص حااات، بسبب غياب داعم سياسي، وعجز واضح في القيادة؛ فالأطراف المعنية الرئيسة، على ما يبدو، لا تدعم الإصلاحات، ولا تفهمها بالتفصيل، أو تتوخى الحذر من آثارها. وهذا من أعراض ضعف عملية صنع السياسات، ولا سيما في المراحل المبكرة. ومن الأهمية بمكان، قبل صوغ السياسة، ضمان مشاركة واسعة، وشرح أهدافها بوضوح لجميع المعنيين، وتحديد فوائدها، وطمأنة المجموعات المعارضة بخصوص آثارها في مصالحهم. ضعف الشفافية، إذ يوجد تردد حقيقي في تطبيق آليات الشفافية، ويسبب ذلك خللً كبيرًا في عملية صنع السياسات. ولا تُطلَع الأطراف المعنية، أو المجتمع عمومًا، على الموازنات والبيانات الداخلية عن عمليات الإدارة والمعلومات عن أداء المؤسسات وأعضاء هيئة التدريس والطلاب. وتفيد مقابلاتنا أن حتى الجامعات ليست على دراية بتفاصيل موازنة الوزارة. ضعف ثقافة السياسات وتقليد تقييمها، فهناك نقص مستفحل في تقييم السياسات. انتشار ثقافة عدم المساءلة، إذ ليس لدى الجامعات حاليًا سوى آليات محدودة للمساءلة، ولا سيما من الطلاب، فلا توجد تقييمات إلزامية للمقررات أو التدريس. أما الوزارة، فليست حريصة على تطبيق اللامركزية، ولا على منح مؤسسات التعليم العالي قدرًا أكبر من الاستقلالية؛ لأنها ستعني درجة أكبر من المساءلة. مركزية مفرطة وضعف الاستقلالية، فلا يمانع كثير من الجامعات في عدم وجود استقلالية، لأنها تعني مستويات أقل من المساءلة. أما الإدارات المركزية، فهي حذرة بسبب تعودها على المركزية من الاستقلال الذاتي للجامعات، وهذا ما يخلق توازنًا مستقرًا لمصلحة الأداء غير المتميز. عدم الثقة بالمؤسسات المستقلة، وهناك أمثلة قليلة وتجارب قليلة جدًا عن مؤسسات مستقلة أدت عملها جيدًا في تونس، فالاستقلال يثير على الفور الخوف من خروج المؤسسات والعمليات عن السيطرة، أو عدم أمانتها، أو افتقارها إلى معايير الجودة، أو عدم القدرة على مساءلتها إطلاقًا. وهذا الموقف غير مقتصر على المسؤولين الحكوميين، بل يتبناه أساتذة جامعات ومعنيون آخرون.

المراجع

العربية

"التعريف بنظام 'أمد:' على مستوى الإجازة." المعهد العالي للتصرف بقابس - جامعة قابس 016/7/15. في https://bit.ly/2OQPVpj:2. مراجعات لسياسات التعليم العالي الوطنية: التعليم العالي في مصر. القاهرة: البنك الدولي؛ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية،

الأجنبية

Arab Network for Quality Assurance in Higher Education. "Survey of Quality Assurance and Accreditation in Higher Education in the Arab Region, October 2012; Second scoping study." UNESCO (October 2012). at: https://bit.ly/2UMMOm8 Barsoum, Ghada, Sarah Wahby & Aditya Sarkar. "Les jeunes et l'emploi en Afrique du nord: Rapport de synthèse, Rapport elaboré en préparation de la conférence sur l'emploi des jeunes en Afrique du nord." Organisation Internationale du Travail (September 2017). at: https://bit.ly/37RyE6g Declaration, Catania. "Euro-mediterranean Area of Higher Education and Research." Italian Higher Education. 29/1/2006. at: https://bit.ly/39uVLEH "Erasmus+ for Higher Education in Tunisia." European Commission (2018). at: https://bit.ly/39GNgXx Haouas, IIham, Edward Sayre & Mahmoud Yagoubi. "Youth Unemployment in Tunisia: Characteristics and Policy Responses." Topics in Middle Eastern and African Economies. vol. 14 (September 2012). Kherigi, Intissar et al. "Quality Assurance in Tunisian Higher Education: A Case-driven Analysis of Prevalent Policymaking Practice." Paper Presented at the Edulearn14: 6th Annual International Conference on Education and New Learning Technologies. Barcelona,

رياني /يناثلا نوناك ناك

Lepoivre, P. "La réforme de l'espace Européen de l'enseignement supérieur quelques clés d'analyse pour les universitaires des pays tiers participant aux programmes européens de l'enseignement supérieur." Agence universitaire de la francophonie, Bureau Europe de l'ouest et Maghreb (February 2007). at: https://bit.ly/2uGmkYV Sahraoui, Sofiane. "Implementation of a New Degree Structure in the Context of Higher Education Reform in Tunisia." Master Dissertation. University of Oxford. Oxford, 2007. Simon, Mark. "Get Rid of Teachers or Encourage them to Stay - What is Best for our Schools?" Economic Policy Institute. 17/4/2012. at: https://bit.ly/2QgihdQ The World Bank. Higher Education in Developing Countries: Peril and Promise. Washington, DC: The International Bank for Reconstruction and Development, 2000. ________. Constructing Knowledge Societies: New Challenges for Tertiary Education. Washington, DC: The International Bank for Reconstruction and Development, 2002. ________. Benchmarking Governance: As a Tool for Promoting Change. Washington, DC: The World Bank, 2013. at: https://bit.ly/2SE772E ________. "Implementation Completion and Results Report (Ibrd-73920) on a Loan in The Amount of Eur 61.3 Million (US 76.0 $ Million Equivalent) to The Republic of Tunisia for a Second Higher Education Reform Support Project." Education Global Practice. Middle East and North Africa Region. Report no. ICR00003297. 17/3/2015. at: https://bit.ly/2UR3FnR ________. Tunisia: Systematic Country Diagnostic. Washington, DC: The World Bank – MENA, 2015. at: https://bit.ly/2SH2ynX