المحور الجيوبوليتيكي العربي - الإسلامي وعملية هيكلة النظام الدولي: نحو مقاربة جديدة

كاظم هاشم نعمة | Kadhim Niama

الملخّص

أفرزت بيئة ما بعد الحرب الباردة هيكل ا لنظام عالمي في توزيع القوة، يختلف عن ذاك الذي ساد في الفترة 1945 - 1991. فقد برزت أقاليم جغرافية ذات قيمة محورية، وأصبحت ميادين مهمة للتنافس عليها بين القوى الكبرى، من أبرز خصائصها، الموقع والموارد والقوة. وبالاستناد إلى هذه الخصائص تبحث هذه الدراسة في الأهمية الجيوبوليتيكية للدول العربية والإسامية في النظام الدولي. وتطرح مجموعة من العوامل تساعدنا في فهم الطبيعة المتحولة للنظام الدولي، مع التركيز على توزيع القوة، والهيمنة في الفضاء الجيوبوليتيكي في قارتَي أوروبا وآسيا، والطاقة. كلمات مفتاحية: النظام الدولي، عالم ما بعد الحرب الباردة، الدول العربية والإسامية. The post-Cold War environment has produced a world distribution structure different from that of the system prevailing in the 1945-1991 period. Geographical regions of pivotal value have emerged as important arenas of competition among the great powers, each drawing strength from the prominent features of location and resources. Referencing these same features, this study examines the geopolitical importance of Arab and Islamic countries within the international system. It posits a set of factors to inform an understanding of the international system's evolving nature: energy, the distribution of power and hegemonies in the geopolitical spaces of Europe and Asia. Keywords: International Order, Post-Cold War World, Arab and Muslim Countries.

The Arab-Islamic Geopolitical Axis and Structuring the International System: Towards a New Approach

مقدمة

تستند هذه الدراسة إلى فرضية تقوم على أن الأهمية الجيوبوليتيكية للفضاءات الجيوبوليتيكية في عملية هيكلة النظام الدولي تغيرت جوهريًا بعد الحرب الباردة. وأن الفضاء الجيوبوليتيكي العربي – الإسلامي (اليابسة ما بين المحيط الأطلسي وآسيا - المحيط الهادي) يتمثل فيه أكثر التغيرات من حيث عملية إعادة الهيكلة، في نوعها وتفاعلات ديناميتها، وانعكاساتها على التنافس والصراعات بين القوى الكبرى في النظام الدولي، وكذلك على إدامة الهيمنة الأميركية، أو إرجاء انحسارها الحتمي، أو إبطائه، وتلطيف عواقب الانحسار، وتقليل تكلفته، ولا سيما أن الذي يسيطر على محور اليابسة يتحكم في المحاور الأخرى، والذي يتحكم في المحاور الأخرى يسيطر على العالم. وتنطلق الدراسة من مقاربة شاملة لفهم عملية الهيكلة، وتحليلها والتكهن بها، لأن منطلق البعد الواحد والأفق الواحد لا يستجيب للتساؤلات، ففي هذا الفضاء الجيوبوليتيكي العربي - الإسلامي مزايا جيوبوليتيكية وجيو-اقتصادية وجيوستراتيجية وجيودينية - ثقافية، لا يُعثَ عليها في غيرها من الأقاليم. يدرك السياسيون في الولايات المتحدة الأميركية أن الهيمنة الدولية قد تتراجع، لا محالة، في هذا الفضاء الجيوبوليتيكي؛ لذا ترمي محاولاتهم السيطرة على اليابسة، كما يبدو عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، وغزو أفغانستان عام 2001، والعراق عام 2003، إلى "إبطاء" الانحدار و"استيعاب" تكاليفه، أو إلى التصدي له؛ حتى تستعيد القوة الأميركية "العافية"، ومن ثم تكون اليابسة هي المفتاح ل "استيطان" الولايات المتحدة في نظام دولي متعدد الأطراف، يصون لها مزايا ومنافع.

أولا: تطور نظرية وسياسات "المحور"

عرض هالفورد ماكندر 1947-1861()، في 5 كانون الثاني/ يناير 1904، بحثًا في الجمعية الجغرافية البريطانية بعنوان "المحور الجغرافي للتاريخ"، حيث وضع اللبنة الأولى ل "الجيوبوليتيكس"، وهو المصطلح الذي نحته الجغرافي السويدي رودولف كيلين Kjellén Rudolf 1922-1864)(عام 1919 1، ومن ثم أخضع ماكندر "أطروحته"، أو "النظرية"، للتنقيح في مقالتين لاحقتين عام 1919 وعام 1943 2. وسعى ماكندر لتمثيل فهم تطورات السياسة الدولية، وتحديدها وتفسيرها والتكهن بها من منظور جغرافي. وكان يرمي إلى حث رجال الدولة وصنّاع القرار على إدراك تأثيرات المعطيات الجغرافية والطبيعية في الدولة، بوصفها عضوًا كائنًا، وفي صوغ سياستها الخارجية واستراتيجيتها، وأن الخصائص الجغرافية ذات دور في صناعة التاريخ؛ لذلك اقترح ماكندر مقاربة "جيوتاريخية"، فالأمم تأتي وتزول وتنهض وتنحسر، والنظم لا تستقر على حال، إلا الجغرافيّة، على الرغم من التأثيرات الإيجابية والسلبية للتطورات السياسية والاقتصادية والتقنية. وكان يقينه واضحًا بأن الجغرافيا هي خلية التاريخ الإنساني نفسه، كما يرى روبرت كابلان)-1952(3، وأن "المسائل السياسية تعتمد على التحقيق" في الجغرافيا السياسية التي تعتمد وتقوم على الجغرافيا الطبيعية، مثلما هي تابعة لها4. لقد كان ماكندر يخشى أن يرى نعي الإمبراطورية البريطانية، فأعمل عقله لينقذ سيادتها على النظام الدولي، ومع أنه كان يكظم قلقه، فقد قدم نظرية فيها معالم "الحتمية" المحورية الجيوبوليتيكية لنهاية الصدارة والهيمنة في النظام الدولي.

ثانيًا: تطور النظرية الجيوبوليتيكية

وزّع ماكندر العالم إلى نظام دوائر مركزية مترابطة، وأرسى "منطقة المحور" في مركز الأرض، وتضم أحواض فولغا، وينيسي، وأمو داريا، وسير داريا، وبحر قزوين، وبحر آرال. ورأى أن المركز حصين في وجه هجمات القوى البحرية، وأنه قادر على استدامة سكان كثيرين. وبعد دراسته لتاريخ الشرق والغرب الأوروبي خلال أربعة قرون، خلص إلى أن "وسط آسيا محور التاريخ"5. وهناك دائرة ثانية "الهلال الداخلي"، وفيه أوروبا، وجنوب آسيا، وجنوب غرب آسيا، وشرق آسيا. أما "الهلال الخارجي"، فيتكون من بريطانيا، وشمال أميركا وجنوبها، وجنوب أفريقيا، وأستراليا، واليابان، وهي المواقع البحرية أو الجزيرية، وترتبط جغرافيًا وثقافيًا ب "الهلال الداخلي."

  1. Halford Mackinder, "The Geographical Pivot of History," The
  2. Halford Mackinder, Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction (London: DIANE Publishing, 1942); Halford Mackinder, "The Round World and the Winning of Peace," Foreign Affairs , vol. 21, no. 4 (1943), pp. 595-605.
  3. Robert Kaplan, The Revenge of Geography: What the Map Tells us about Coming Conflicts and the Battle against Fate (New York: Random House, 2012), p. 28.
  4. Halford Mackinder, "On the Scope and Methods of Geography," in: Halford Mackinder, Democratic Ideals and Reality , With additional papers (New York: Norton,1962), pp. 214-217. 5  Mackinder, Democratic Ideals , p. 86.
  5. Geographical Journal , vol. XXIII, no. 4 (April 1904), pp. 421-437.

وفي عام 1919، حلّ مفهوم "قلب العالم" محل "المحور"، وأضاف إلى "قلب العالم" مناطق حوض البحر الأسود وبحر البلطيق، ومناطق وسط وجنوب نهر الفولغا القابلة للملاحة، وإيران والتّبت ومنغوليا، وجاءت إشارة إلى مفهوم "قلب العالم الاستراتيجي." وبعد ذلك صاغ مقولته الجيوبوليتيكية: "إن الذي يحكم شرق أوروبا يقود قلب العالم، والذي يحكم قلب العالم يقود جزيرة العالم، والذي يحكم جزيرة العالم يقود العالم"6. وفي عام 1943 أكّد ماكندر هذه الأطروحة في مقالة نشرها في مجلة الشؤون الأجنبية7. حظيت أفكار ماكندر بالثناء العلمي، وتصدى لها باحثون بالنقد والتصويب. ومع ذلك، لم تدفن أطروحاته في تاريخ الفكر الجيوبوليتيكي والاستراتيجي؛ لأنها تمثل "بناءً فكريًا يفوق كثيرًا ما تقدمه المفاهيم المنافسة الأخرى لفهم القضايا الأساسية للأمن العالمي"8، إضافة إلى أنها أفكار ذات صلة مهمة بدينامية الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، وأن أغلب ما بين أيدينا من "الدراسات في الاستراتيجية العالمية أو الجغرافية السياسية استند، جزئيًا أو كليًا، إلى نظريات ماكندر"9، كما في استراتيجية الاحتواء عند جورج كينان)2005-1904(10، والوثيقة الرسمية للاستراتيجية والأمن القومي الأميركي NSC-68 7(نيسان/ أبريل 1950) التي لم تحد عنها مضامين جميع الوثائق اللاحقة للإدارات المتعاقبة في الحرب الباردة. وتصدى نيكولاس سبيكمان Spykman Nicholas (1943-1893)11، الجيوبوليتيكي الأميركي، لأطروحة ماكندر. لكنه في حقيقة الأمر لم يكن طليقًا من تأثيرات مقولاته الأساسية، بل يبدو في أعين نقاده أنه يرمي إلى تحويرها؛ لتستجيب لواقع الولايات المتحدة الجغرافي، فأعطى الأهمية ل "الحافة" وليس للمحور أو المركز أو القلب، فأكّد قدرة القوى البحرية على مواجهة القوة البرية في المحور الأوراسي، بتطويقه بأحلاف أمنية عسكرية؛ لحرمان قوى المحور من الوصول إلى البحر. ويدور التنافس والصراع على القوة والهيمنة والإمبراطورية العالمية في ميدان "الحافة"، وليس في فضاء قلب العالم لبناء نظام دولي12. ومثلما روّج ماكندر لجيوبوليتيكس يهدي إلى إنقاذ الإمبراطورية البريطانية، فإن سبيكمان قدّم المشورة والنصح؛ لإرساء نظام عالمي بهوية أميركية، فعظّم دور القوة الأميركية في الذود عن "الحافة"، وقال "إن الذي يسيطر على الحافة يحكم أوراسيا، والذي يسيطر على أوراسيا يتحكم في مصائر العالم"13. وقد وزع فضاء "الحافة" إلى أربع مناطق: أوروبا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. وأشار إلى الدول، منها أوروبا الغربية والشرقية وتركيا والشرق الأوسط والخليج العربي والهند وباكستان وبروني وكمبوديا ولاوس وماليزيا وميانمار والفلبين وتايلند وفيتنام واليابان. وأولى سبيكمان أهميةً للممرات المائية المحيطة بالحافة، مثل: بحر شرق وجنوب الصين، وبحر الفلبين، وخليج تايلند، وبحر سيليبس، وبحر جاوا، وبحر أنجمان، والمحيط الهندي، وبحر العرب، وخليج عدن، والبحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط، ومضيق ملقا، وقناة السويس. ولقد هجعت الأطروحات الجيوبوليتيكية في تفسير السياسة الدولية بعد الحرب العالمية الثانية عام 1945، إلى حين، ثم تعافت بحذر في الستينيات، وبعدها نشطت في السبعينيات. وكان وراء ذلك أسباب، منها اقتران النظريات بألمانيا النازية، واكتساء الصراع الدولي بوشاح أيديولوجي وليس بعوامل جيوبوليتيكية، وتعمقت الدراسات في التناقضات بين الشيوعية والرأسمالية، وانشغل الباحثون بحركة عدم الانحياز والتحرر من الاستعمار، وأخذت الاستراتيجية الأميركية بخيار الاحتواء، كما تمثل في حلف شمال الأطلسي "الناتو" وحلف بغداد وحلف جنوب شرق آسيا، ولم تقع مواجهة مباشرة بين القوتين النوويتين العظميين، بيد أنهما خاضتا حروبًا بالوكالة في آسيا وأفريقيا. وبحسب المنظرين الواقعيين، فإن السياسة العالمية استقرت في إطار نظام دولي ثنائي القطبية، وإن التحولات في المناطق الخارجية لمجالات الأمن المباشر إلى تغييرات في المعادلة الجيوبوليتيكية السائدة14؛ ففي الخليج العربي أخذت الولايات المتحدة باستراتيجية المحورين الإيراني والسعودي، حتى وقوع الثورة الإيرانية عام 1979، خيارًا لإدارة الأمن في الإقليم. وعلى الصعيد العالمي، تيسرت للولايات المتحدة فرص استراتيجية في سياق

  1. Ibid., p. 113.
  2. Mackinder, "The Round World."
  3. William Henry Parker, Mackinder: Geography as an Aid to Statecraft (Oxford: Clarendon,1982).
  4. Anthony J. Piere, "Introduction," in: Democratic Ideals and Reality
  5. George Kennan, American Diplomacy: 1900-1950 (Chicago: University of Chicago Press, 1969).
  6. Michael P. Gerace, "Between Mackinder and Spykman: Geopolitics, Containment, and After," Comparative Strategy , vol. 10, no. 4 (1991), pp. 347-364. 12  Colin S. Gray, "Nicholas John Spykman, the Balance of Power, and International Order," Journal of Strategic Studies , vol. 38, no. 6 (2015), pp. 873-897.
  7. (New York: W.W. Norton and Comp,1962), p. xxi; Colin Gray, "In Defence of the Harland: Sir Halford N´Mackinder and His Critics a Hundred Years On," Comparative Strategy , vol. 23, no. 1 (2004).
  8. Nicholas John Spykman, The Geography of the Peace , in: Helen R. Nicholl (ed.) (New York: Harcourt Brace & Co., 1944), p. 43.
  9. Geoffrey Warner, "Geopolitics and the Cold War," in: Richard Immennan & Petra Goedde (eds.), The Oxford Handbook of the Cold War (Oxford: Oxford University Press, 2013).

المثلث الاستراتيجي الأميركي – السوفياتي – الصيني؛ إذ تنعمت فيه بمزايا "المركز" و"المحور" شبه الحر في المناورة على الضلعين: السوفياتي والصيني، فأتاح لواشنطن الخروج من فيتنام، وعقد اتفاقية نزع التسلح، والوثوق باستراتيجية الردع النووي المؤكد المتبادل مع الاتحاد السوفياتي. واستطاعت الولايات المتحدة أن تحتوي الصين، من دون تعزيز قواتها في اليابان وكوريا الجنوبية ونشر قوات إضافية، بفضل المناورة على الخلافات السوفياتية – الصينية، من موقع دور المركز في المثلث غير الجيوبوليتيكي الكلاسيكي عند ماكندر وسبيكمان، وإنما بفضل علاقات المثلث التي خلقت، إلى الشرق من أوراسيا، تهديدًا استراتيجيًا أمنيًا وأيديولوجيًا، أفضى إلى أن يختار الاتحاد السوفياتي "الوفاق" مع الولايات المتحدة. واتبعت الولايات المتحدة عقيدة "الدومينو" جيوبوليتيكيًا، وهي التي حددت السياسة الأميركية واستراتيجيتها في إقليم شرق آسيا، وجنوب شرق آسيا، وفي إقليم أميركا اللاتينية15، وتقوم على افتراض أن سقوط دولة تحت النفوذ السوفياتي أو الصيني، يتولد منه "داء"، تتهاوى بعدئذ دول أخرى، حتى يصبح الإقليم بأسره تحت السيطرة الشيوعية بتكلفة قليلة، ومن دون مواجهة مباشرة، كتلك التي وقعت في كوريا، وتمثل خسارة جيوبوليتيكية وجيوستراتيجية للهيمنة الأميركية وتآكل قوائم الاحتواء الآسيوي. وثمة تطبيق للدومينو في ثلاثينيات القرن الماضي من ألمانيا النازية16. وقد اهتدى الرئيس الأميركي هاري ترومان 1953-1945() بهذه النظرية في الحرب الكورية، ودوايت أيزنهاور 1961-1953() من بعده عام 1954، إلى توكيد أهمية منطقة الهند الصينية للمصالح الأميركية وأمنها، فإذا ما سقطت بيد الصين أو الاتحاد السوفياتي، "فسوف يليها ما يمكن أن نسميه مبدأ الدومينو المتساقطة[...]إنك تُسقط القطعة الأولى، فيتبع ذلك تساقط كل القطع حتى آخر قطعة، ويقع ذلك بسرعة"17. وعندما تولى جون كيندي الرئاسة 1963-1961() كان مقتنعًا بنظرية الدومينو، وصرح بأنه "يؤمن بها، فإذا ذهبت جنوب فيتنام، فإن المستقبل في جنوب شرق آسيا سيكون لمصلحة الصين"18. وتبعه في الرأي الرئيس ليندون جونسون 1969-1963()؛ إذ اعتقد بأخطار الدومينو على الولايات المتحدة19، وبأن "عدواها" تصيب جميع الأقاليم، بما فيها أميركا اللاتينية20، ولا يمكن حصرها في فيتنام21، وأنها تهدد "القوس الذي على طوله يرسم العالم الحر الخطوط الأمامية للدفاع"22. كما لم تغب أخطار الدومينو عن السوفيات، ففي أحداث هنغاريا عام 1961 اعتقد نيكيتا خروشوف أن انهيارها سوف يخلق تهديدًا "لتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا ورومانيا، من دون الإشارة إلى الاتحاد السوفياتي نفسه23. تفسر أطروحة الدومينو الإطار الجيوبوليتيكي لصانعي القرار، لفهم الثورات التي تقع في مناطق ذات أهمية جيوبوليتيكية، وما أفضل السبل للرد عليها24، ولتسويغ التدخل العسكري، والانتشار عالميًا، الذي قد لا يحظى بالرضا والتأييد من دون الرأي العام25. ولم تندثر نظرية الدومينو بعد الحرب الباردة، فلقد شنت الولايات المتحدة هجومًا كاسرًا على أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، من منطق منع تهاوي بقية دول الإقليم الهشة أمام الإرهاب العالمي26.

ثًالث ا: جيوبوليتيكس ما بعد الحرب الباردة

لقد وضعت نهاية الحرب الباردة دارسي السياسة الدولية والجيوبوليتيكس والاستراتيجية العالمية أمام تحديات معقدة، وأصبح حقل معرفة الجيوبوليتيكس تتدفق فيه النظريات والاستراتيجيات البديلة، وعدم التأكد والاطمئنان إلى المستقبل بعدما كانت التطورات قد تأطرت في جيوبوليتيكس الحرب الباردة في "المكان" و"الأيديولوجيا" و"الآخر العدو." وقد ترتب على نهاية الحرب الباردة إعادة قراءة الافتراضات الجيوبوليتيكية للسياسات والاستراتيجيات للقوى الرئيسة في النظام العالمي في البيئة الاستراتيجية الجديدة؛ فقد تغيرت أهمية

  1. Ross Gregory, "The Domino Theory," in: Alexander De Conde et al.
  2. 24  Jerrsome Slater, "The Domino Theory and International Politics: The Case of Vietnam," Security Studies , vol. 3, no. 2 (1993), pp. 186-224.
  3. 25  Ibid.
  4. 26  Robert Haddick, "This Week at War: The Domino Theory Return," Foreign Policy , 24/7/2009, accessed on 1/3/2020, at: http://bit.ly/2TqIpTE
  5. Lyndon B. Johnson, The Vantage Point: Perspectives on the Presidency 1963-1969 (New York: Holt Rinehart and Winston, 1969).
  6. Jerome Slater, "Domino in Central America: Will They Fall? Does It Matter?" International Security , vol. 12, no. 2 (1989).
  7. Jonathan Schell, The Time of Illusion (New York: Knopf, 1976).
  8. Mike Gravel, The Pentagon Papers: The Senator Gravel Edition (Boston, MA: Beacon Press, 1971), p. 499. 23  Nikita Khrushchefm, Khrushchev Remembers (Boston, MA: Little Brown, 1970), p. 417.
  9. (eds.), Encyclopaedia of American Foreign Policy (New York: Scribner, 1978), pp. 275-280.
  10. 16  Thomas G. Paterson, Containment and the Cold War: American Foreign Policy since 1945 (Boston, MA: Addison-Wesley Pub. Co., 1973).
  11. 17  Gregory.
  12. 18  Arthur Schlesinger, A Thousand Days: John Kennedy in the White House (Boston, MA: Houghton Mifflin, 1965).

"المكان" من حيث "المكانية"، في مقاربة الجيوبوليتيكس وتأثيرها في السياسة الدولية والاستراتيجية، إضافة إلى اعتبارات أخرى، اقتصادية وثقافية ودينية.

لقد كان الشرق الأوسط في أطروحة ماكندر في جزيرة العالم يتأثر بعلاقات القوى في أوراسيا، ولا يؤثر فيها، وكان عند سبيكمان الحزام الثاني أو الطوق للحافة في احتواء أوراسيا. بيد أن إيران والسعودية وقطر أصبحت تؤثر في استراتيجيات القوى الكبرى من مقاومة "جيوبوليتيكس الطاقة"، أو من جيوبوليتيكس جديد ليس تقليديًا، وإنما "جيو-اقتصادي." إن "المكان" أو "الموقع" لم يعد بذي أهمية قصوى في حد ذاته، بل بما فيه من مصادر الموارد الطبيعية والسوق وفرص الاستثمار التي جعلت منه ميدان صراع، وبذلك تغيرت القيمة الجيوبوليتيكية لمنطقة وسط وجنوب شرق آسيا من كونها ذات مزايا إيجابية في الصراع على القوة لأغراض الأمن فحسب، وانتقالها لتصبح ساحة تنافس ونزاعات مسلحة (التدخل واحتلال العراق) من منطلق جيوبوليتيكس الموارد (الطاقة)؛ إذ يمثل إقليما الشرق الأوسط ووسط آسيا أهم موقعين في جيوبوليتيكس الطاقة، وتأثيرها في النظام الدولي والسياسة العالمية27. لقد أخذت الأقاليم تكتسي أهمية بديلة، وتتحول من طور إلى آخر، مع التطورات في البيئة الاستراتيجية الجديدة. لقد كان الجيوبوليتيكس الإقليمي ذا صلة بالاحتواء، بمعناه الأمني العسكري؛ لذا كانت الحافة لأوراسيا المركز الجيوبوليتيكي لاحتواء تهديد السوفيات في فضاء أوراسيا. ومع انتهاء الحرب الباردة، وذبول القوة الشاملة الروسية، وبروز الصين، وتغير طبيعة التهديد والعدو ومصدرهما وقوتهما، تناقصت أهمية الحافة، بل اندمجت في الغرب الأوروبي، وانتقلت الأهمية إلى فضاء آسيا - الهادي، وتبنّت إدارة باراك أوباما 2017-2009() جيوبوليتيكس التمحور في الشرق، وإقامة درع أمني "ناتو آسيوي"28، فأصبح مركز الجاذبية الجيوبوليتيكية، وفيه كان يستعاد "التوازن"29. إن منطق الجيوبوليتيكس قد تحور بتطورات ما بعد الحرب الباردة. فلقد تعلق الجيوبوليتيكيون الكلاسيكيون بحبال متينة "بالمكانية"، ورأوا فيها سننًا "طبيعية" تلزم السياسة العالمية أن تهتدي بها، من افتراض "عقلانية" صناع القرار في فهم الاعتبارات الجغرافية، وتحليل تكاليفها، في صوغ السياسات الاستراتيجية. إن البيئة الاستراتيجية لما بعد الحرب الباردة لم تترك "للمكانية" الأولوية في رسم السياسات، فقد برزت مكونات اجتماعية وثقافية وسياسية لا يمكن إغفالها في صناعة القرار30. لقد تمحور الجيوبوليتيكس حول قطب الدولة والقوة والمكان والسياسة، ومنذ البداية كانت الدولة الفاعل الرئيس في النظام الدولي، وعلى الرغم من أنها لا تزال كذلك في الصدارة، فإن التفاعلات في السياسة الدولية لم تعد تدور في رحاب علاقات الدول البينية فحسب؛ فقد أفرزت بيئة ما بعد الحرب الباردة فاعلين غير دوليين Actors State Non، يعتمدون استراتيجيات غير تقليدية، لا يمكن الدولة منفردة التصدي لتهديداتها. لقد أصبحت المواجهة عالمية الأبعاد في أطرافها وأساليبها وأهدافها "الحرب على الإرهاب"، كما تمثل في مبدأ جورج بوش 2009-2001() بعد أحداث 11 سبتمبر31. لقد أبطلت العولمة والثورة في المعلومات النظرة التقليدية إلى حدود الدولة الإقليمية، ومفهوم التهديد للأمن القومي ومصادره؛ ففي

  1. Randall L. Schweller, "Realism and the Present Great Power System:
  2. Joseph Nye, Obama's Pacific Pivot (Cambridge, MA: Belfer Center - Harvard Kennedy School, 2011).
  3. S.D. Muni & V. Chadha (eds.), Asian Strategic: Review US Pivot East (New Delhi: Pentagon Press, 2014).
  4. J.O. Thuathial & S. Dalby (eds.), Rethinking Geopolitics (London/ New York: Routledge, 1998). 31  Maury Buckley & Robert Singh, The Bush Doctrine and the War on Terrorism: Global Responses, Global Consequences (London/ New York: Routledge, 2012).
  5. Growth and Positional Conflict over Scarce Sources," in: E.B. Kapstein & M. Mastanduna (eds.), Unipolar Politics: Realism and State Strategies after Cold War (New York: Columbia University Press, 1999), pp. 28-68.

الحرب الباردة كان الأمن القومي العسكري ما بين الشرق والغرب مستقرًا، ولا يمكن اختراقه، بفضل توازن القوة النووية واستراتيجية الردع النووي المتبادل المؤكد. وقد أفضت العولمة إلى بروز مناطق ذات أهمية غير متناسبة للدول الكبرى في صراعاتها وتنافسها، فبعد الحرب الباردة أصبح وسط آسيا مجال تنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، ليس لأسباب أمنية عسكرية بقدر ما هو بسبب العولمة والحاجة إلى الطاقة. وعلى العكس من نظرة ماكندر إلى العالم بأنه "نظام مغلق" جيوبوليتيكيًا؛ فتحت العولمة، والاعتمادية المتبادلة، وانتشار تقنية المعلومات، منافذَ كثيرةً في النظام الدولي، وظهرت مزايا جديدة لبعض القوى، مثل الصين، وتهديدات لا تستهدف الدولة فحسب، وإنما تهدد استقرار النظام الدولي أيضًا، مثل الأزمة المالية العالمية32، وغطت علاقات العولمة وشبكات التواصل التكنولوجية جوانب لم تكن تندرج في العلاقات المتبادلة بين الدول. ورجح عند بعضهم أن تحل العولمة محل الجيوبوليتيكية في الفهم والتحليل في السياسة العالمية33. وعلى الرغم من ذلك، ومن تحديات العولمة لدور الدولة بوصفها فاعلً أساسيًا في النظام العالمي، لا يمكن استبدال الجيوبوليتيكس بمفهوم آخر لفهم النظام العالمي، وإنما يمكن إضافة العولمة إلى فهم أعمق وأدق وأصوب لسلوك الدولة والنظام الدولي34. إن جيوبوليتيكس الحرب الباردة كان هويات مكانية شبه ثابتة، موزعة بين الرأسمالية الغربية والاشتراكية الشرقية، وكانت التهديدات من المكان محدودة، وذات طبيعة معلومة عسكرية وأيديولوجية، واتخذت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي استراتيجيات لتلافي المواجهة المباشرة، وهو الأمر الذي جعل جيوبوليتيك آسيا – أفريقيا ميادين صراعات غير مباشرة، عبر الوكلاء35. وبانتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي ووهن روسيا، وتكوّن بيئة جيوبوليتيكية جديدة في شرق آسيا ووسطها، وتغيرات التهديدات الجيوبوليتيكية التقليدية وأخذها التهديدات الأيديولوجية، ومع أن العدو بعد الحرب الباردة لم يعد جيوبوليتيكيًا وأيديولوجيًا، فإن الولايات المتحدة والغرب ابتدعا عدوًا جديدًا، وهو ما يدل على أن الجيوبوليتيكس بعد الحرب الباردة أكد حقيقة مكنونة، مفادها أنه "مدرك" في تصور صناع القرار عن "الآخر"، أو العدو، ثم يُعقلَن جيوبوليتيكيًا36. ولعجز النظرية الكلاسيكية للجيوبوليتيك، والاستراتيجيات الجيوبوليتيكية للحرب الباردة، عن سبر مكنون التغييرات الجوهرية في البيئة الاستراتيجية بعد الحرب الباردة، تدافعت الاجتهادات في ردم الهوة من مقاربات مختلفة، وتتسم بأنها في أجندة قوة ما، من زاوية موقع تلك القوة وقدراتها، والتهديدات التي تحيط بها، والخيارات الجيوبوليتيكية المسيرة لها. وقد تراكمت دراسات جيوبوليتيكية لما بعد الحرب الباردة، وأخذت طابع "المدرسة" الجيوبوليتيكية العالمية والإقليمية، الأميركية37 والروسية38 والصينية39 وللاتحاد الأوروبي، وكذلك المدرسة الجيوبوليتيكية الإقليمية للقوى الإقليمية الصاعدة، كالهند واليابان وتركيا وإيران وإسرائيل. والقضايا التي تتسم بها هذه المدارس أنها تذهب إلى تقسيم العالم جيوبوليتيكيًا إلى دوائر أو فضاءات أو عوالم، وتجعل الدولة، أو فضاءها الإقليمي، محورًا جاذبًا، وتحلل المزايا الإيجابية والسلبية للمكان والتفاعلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتدرس التأثيرات المتبادلة بين المحور والقوى الكبرى في السياسة العالمية، وتقدم الحلول والاستراتيجيات، لمواجهة التحديات والتهديدات التي تحيط بالدولة أو المحور.

  1. John A. Agnew, "The World that Knows No Boundaries: The Geopolitics of Globalization and Myth of Bordless World," in: D. Conway & N. Heyman (eds.), Globalization's Dimensions (Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2003); J. Agnew & S. Corbridge, Mastering Space: Hegemony, Territory, and International Political Economy (London/ New York: Routledge,1995).
  2. R.L. Sklar, "Post Imperialism: A Class Analysis of Multinational Corporate Expansion," Comparative Politics , vol. 9, no. 1 (1976), pp. 75-92.
  3. Jean-François Gagné, Geopolitics in a Post-Cold War Context: From Geo-Strategic to Geo-Economic Considerations? (Montréal: Chaire Raoul- Dandurand en études stratégiques et diplomatiques, Université du Québec,
  4. J. Loughlinan, "World Power Competition and Local Conflicts in the Third World," in: R.J. Johnston & P.G. Tayler (eds.), World in Crisis: Geographical Perspectives (Oxford/ Cambridge, MA: Blackwell,1989).
  5. G. Digkink, National Identity and Geopolitical Visions: Maps of Pride and Pain (London/ New York: Routledge, 1996), p. 11.
  6. Francis Fukuyama, The End of History and the Last Man (New York: Free Press, 1992); Samuel P. Huntington, The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order (New York: Simon & Schuster, 1997); H. Kissinger, Diplomacy (New York: Simon & Schuster, 1994); Z. Brzezinski, The Grand Chessboard: American Primacy and Its Geostrategic Imperatives (New York: Basic books, 1997).
  7. Vladimir Kolossov & Rostislav Turovsky, "Russian Geopolitics at the fin-de-Siècle," Geopolitics , vol. 6, no. 1 (2001); David Kerr, "The New Eurasianism: The Rise of Geopolitics in Russia's Foreign Policy," Europe-Asia Studies , vol. 47, no. 6 (1995); Andrei Trygankov, "Mastering Space in Eurasia: Russia's Geopolitical Thinking after the Soviet Break-Up," Communist and Post-Communist Studies , vol. 36, no. 1 (2003), pp. 101-127.
  8. C. Horner, Rising China and Postmodern Fate: Memories of Empire in a New Global Context (Athens/ London: The University of Georgia Press, 2009); M. Leonard, What Does China Think? (New York: Public Affairs, 2008); W.A. Callaham & E. Barabansteva (eds.), China Orders the World: Normative Soft Power and Foreign Policy (Baltimore: John Hopkins University Press, 2011).

رابعًا: جيوبوليتيكس القطبية الأحادية

لقد وقعت تغيرات في القيمة والأهمية الجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية للأقاليم والدول؛ بسبب انهيار قطبية الحرب الباردة واختفاء الاتحاد السوفياتي وتهديده، وانحسار الأيديولوجيا العالمية الماركسية، وتعمق غرس العولمة وتقنية المعلومات، وانتشار الأسلحة النووية والإرهاب، وأزمة الموارد والمناخ والهجرة وأمن الطاقة. واحتلت الولايات المتحدة منزلة الصدارة، بسبب قدراتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية والثقافية، فأصبحت "المحور الجاذب" أو "القطب الواحد."

لقد كانت الفترة 2001-1991 شاهدًا عمليًا على نظام عالمي أحادي القطب، وسارع كثيرون إلى تمجيده والتفاؤل بنتائجه على الأمن والاستقرار والسلام والتنمية، وزعم فرانسيس فوكاياما -1952() أن العالم كان يدنو من النهاية، وأن الولايات المتحدة والغرب حققا النصر في الحرب الباردة؛ لذا كان النصر دالً على "نهاية التاريخ"، ليضع الغرب أسس عالم "موحد" جيوبوليتيكيًا، وانحسرت قيمة الأقاليم لمصلحة "الكل" الجيوبوليتيكية، والإذعان ل "القوة" الواحدة، والإيمان بأيديولوجيا صائبة وصالحة "حتميًا"، ومعصومة بطبيعتها (الليبرالية – الديمقراطية – الرأسمالية)، وأن "الحاكمية" العالمية لها وحدها، وتمثل المرحلة العليا من تطور البشرية40، وبهذا انتهى الانقسام الجيوبوليتيكي والأيديولوجي، وأن "المحور" ليس كما كان يظن ماكندر وسبيكمان وكارل هاوسهوفر)1946-1869(Haushofer K. منزلة تمنحها الجغرافيا الطبيعية. ويعطينا صمويل هنتنغتون 2008-1927() أبعادًا كثيرة؛ نظام فيه قوة واحدة، ولها من القدرات ما تفوق به القوى الكبرى الأخرى القوية: روسيا، والصين، وألمانيا، واليابان، والهند، وبريطانيا، وفرنسا، ولذا فإنه نظام "واحد بين المتعددين"41. ومنهم من يجادل بأن القطبية الأحادية "نظام" واقع حقيقة، بيد أنه نظام مرحلة عابرة، وذلك أن النظام الدولي لم يألف عدم التوازن؛ لذا سوف تترنح قوى التوازن مع الولايات المتحدة للعودة إما إلى القطبية الثنائية وإما إلى التعددية42، وأن القوى سوف تتوزع بين الدول بصيغة متساوية أكثر43، وكذلك يرى مجلس الاستخبارات القومية الأميركية44. وعلى الرغم من تعذّر إدامة الأحادية، فإن السياسة الأميركية ترمي إلى ثني أي قوة صاعدة عن منافسة الولايات المتحدة عسكريًا45. إن الأحادية الأميركية كانت حقيقة في السنوات المبكرة لما بعد نهاية الحرب الباردة، فقد كانت "المهيمن القوي"، وترتب على ذلك حالة نظام دولي ينعم بالاستقرار نسبيًا، وتناقصت الحروب البينية، وارتفعت مستويات التنمية، وتركزت القيادة في يد الولايات المتحدة46، ويقدم الواحد "سلعة عامة" تنتفع منها الدول، ويسلك سلوك "الراعي" وصاحب المسؤولية عن أمن النظام الدولي واستقراره، ويستطيع الطرف المهيمن أن يضع قواعد السلوك الدولي، ويراقب وظيفة المؤسسات الدولية. ومع ذلك، فإن في وسع المهيمن أن يغري الآخرين، وأن يفرض خياراته عليهم ثمنًا لدوره، على الرغم من أنه لا يمكن أن يملي ذلك بالقوة في جميع الأحوال؛ ففي علاقاته بالقوى الكبرى يواجه مقيدات تكبل حرية عمله، ويميل إلى التوافق، لكن لديه حرية التدخل في قضايا

  1. Fukyuama.
  2. S. Huntington, "The Lonely Superpower," Foreign Affairs , vol. 78, no. 2 (March-April 1999), pp. 35-49.
  3. Charles Krauthammer, "The Unipolar Moment," Foreign Affairs , vol. 70, no. 1 (1990-1991), pp. 23-33; Kenneth Waltz, "The Emerging Structure of International Politics," International Security , vol. 18, no. 2 (1993), pp. 44-79; Christopher Layne, "The Unipolar Illusion: Why New Great Powers Will Rise," International Security , vol. 17, no. 4 (1993), pp. 5-51.
  4. Fareed Zakaria, The Post American World (New York: W.W. Norton,
  5. National Intelligence Council, Global Trends 2005: A Transformed World (Washington, D.C.: U.S. Government Printing House, 2005).
  6. The White House, "The National Security Strategy of the United States of America," 17/9/2002, accessed on 26/4/2020, at: https://bit.ly/2Y7dGyQ
  7. Stephen M. Walt, "American Primacy: Its Prospects and Pitfalls," Naval War College Review , vol. 55, no. 2 (Spring 2002), pp. 9-22.

ومجالات جغرافية على نحو أوسع من غيره من القوى47. وليس ثمة من يضمن أن المهيمن لا يسلك سلوك "الازدواجية" في مواقفه من بعض القضايا، كالديمقراطية وحقوق الإنسان، وليس ثمة ما يُطمئن على عدم انحيازه، فالعدالة الدولية قد تكون خطابًا للإغراء وليس للتطبيق، إضافة إلى أنه يشترط الحد من استغلالية الآخرين بالتحذير من أن أحادية القطبية تنقل النظام الدولي من احتمال عدم الاستقرار إلى الاستقرار، وبذلك يمنح نفسه حق فرض الاتفاقيات التي تتساوق مع مصالحه. وتعمل القوة "محور الجذب" للمحافظة على حالة الوضع القائم الذي يتواءم مع مقاصدها وقدراتها، في وجه تحديات قوى صاعدة رافضة لتلك الحالة، إما من طرف قوة ثورة صاعدة وإما من ائتلاف قوى، فتسعى لإضعاف القوة الواحدة. إن النهوض العلمي للصين أو التنمية العلمية ليست نزعة ثورية لاستبدال الوضع القائم، وإنما لتقليص الهوة بينها وبين الولايات المتحدة، وتُطوّر روسيا قدراتها النووية الرادعة لخلق توازن عسكري، وبتضافر التوازن الاقتصادي والعسكري واصطفاف قوى أخرى مع الصين وروسيا يضع أكبالً على حكومة القطب الواحد، ويحرمها من الانفراد "بالكلية" "الجيوبوليتيكية، وهذا ما قد وقع في وسط آسيا؛ بفضل التعاون الصيني – الروسي ومأسسته في منظمة شنغهاي للتعاون التي أُسست عام.2001 لقد انكمشت قدرة "مركز الجذب" الأميركي خلال مدة وجيزة، على الرغم من أن بعض السياسيين والدارسين لا يرجح عنده احتمال أفول "سحر" المحور الأم كيرر، فقد أشارت هيلاري كلينتون، في أيلول/ سبتمبر 2010، إلى أن اللحظة الأميركية قد حانت لتؤسس قواعد صلدة لقيادة أميركية عقودًا مقبلة48، إلا أن جمهورًا من الباحثين يرجحون "الانهيار الحتمي" للمحور الأميركي؛ فيرى ستيفن) أن النهاية قد اق والت -1955(بررت49، بل إن هال براندز -1983() يشير إلى أن معالم التآكل كانت قد برزت في السبعينيات50. أما كريستوفر لاين -1949() فيعتقد أنّ عمر الأحادية قصير51، في حين يحسب كل من إيكنبري وبروك وهلفورث أن عمرها ليس بقصير52، لكنها آفلة53. ويقدم أنصار الأفول حججًا تاريخية ومادية واقتصادية وأخلاقية54: أولا، إن تاريخ العلاقات الدولية من ويستفاليا 1648 إلى الحرب العالمية الثانية 1945-1939() يحكم بأن القوة المهيمنة أو المسيطرة، أو المُسهل، في نظام عالمي أحادي القطب لم تعش طويلً، ومع ذلك ثمة من يزعم أن القوة الأميركية ليست كغيرها، إنها خارج سنن التاريخ، وإنها قوة طاهرة وفريدة ونزيهة"55 ووهبها تاريخها "خصوصية" ليست لقوى أخرى، وإنها "مجبولة على الخير للبشرية"56. ثانيًا، لا ينكر المرء أن الهوة سحيقة وشاسعة بين القدرات الاقتصادية والعسكرية والتقنية الأميركية، وغيرها من القوى الصناعية الكبرى57، ومع ذلك، فإن ردمها ليس بالأمر العصي، فلقد اتضحت مكامن وهن الاقتصاد الأميركي في الأزمة العالمية 2008، وتكشفت مواطن إمكانيات القوة الاقتصادية للصين التي نجت من الأزمة العالمية عام 1997، في حين اهتزت الاقتصادات الرأسمالية58. ثالثًا، الادعاء بأن القوى الأخرى منتفعة من الاقتصاد الأميركي، فلن تُقدم على تحدي هيمنتها، وأن القوة العسكرية ذات دور في تحقيق الأمن والاستقرار، مثل ضمان خطوط النقل

  1. 55  S.G. Brooks & W.C. Wohlfarth, "American Primacy in Perspective," Foreign Affairs , vol. 81, no. 4 (2002), pp. 20-33.
  2. G. Kessler, "Clinton Declares New Moment in US Foreign Policy Speech," The Washington Post , 8/9/2010, accessed on 2/3/2020, at: https://wapo.st/38h3YLE
  3. Stephen Walt, Taming American Power: The Global Response to The U.S. Primacy (New York: W.W. Norton, 2005).
  4. H. Brands, Making the Unipolar Moment: U.S. Foreign Policy and the Rise of the Post-Cold War Order (New York: Cornell University Press, 2016).
  5. Layne, "The Unipolar Illusion."
  6. G.J. Ikenberry, After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Rebuilding of Order After Major Wars (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001); Carla Norrlof, America's Global Advantage: US Hegemony and International Cooperation (Cambridge: Cambridge University Press, 2010).
  7. P. Kennedy, The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict, 1500 to 2000 (New York: Random House, 1987).
  8. Samuel R. Berger, "American Power, Hegemony, Isolationism or Engagement," The White House, Council on Foreign Relations, 21/10/1999, accessed on 29/2/2020, at: http://bit.ly/32Om9rj
  9. 47  Jack Snyder, Robert Y. Shapiro & Yaeli Bloch-Elkon, "Free Hand Abroad, Divide and Rule at Home," World Politics , vol. 61, no. 1 (January 2009), pp. 155-187.
  10. W.E. Odom & Robert Dujarric, America's Inadvertent Empire (New Haven: Yale University Press, 2005).
  11. C. Layne, "The End of Pax Americana: How Western Decline Became Inevitable," The Atlantic , 26/4/2012, accessed on 1/3/2020, at: http://bit.ly/2TtGjm2
  12. M. Mastonduno, "Preserving the Unipolar Moment: Realist Theories and US Grand Strategies After the Cold War," International Security , vol. 12, no. 4 (1997), pp. 49-88.

البحرية للطاقة والتجارة العالمية، وأن الولايات المتحدة قد اتبعت الحذر والاعتراف بالمصالح الاستراتيجية للقوى الأخرى، كل ذلك يغريها بالرضا بالدور "المهيمن" أو "المُسهل" في إدارة العلاقات الدولية59؛ إذ إن الولايات المتحدة لا تلجأ إلى القوة في كل سياستها، وإنما تعمل لتصريف السياسة الدولية في إطار المنظمات الدولية60. كما أن الولايات المتحدة لم تنبذ أحلافها التي أقامتها في الحرب الباردة، بهدف احتواء العدو السوفياتي، والمحافظة على الاستقرار في نظام القطبية الثنائية؛ لذا فإنها من خلال دورها "القائد" في استراتيجية التحالف تخدم السياسة الدولية، فهي بذلك، "مهيمن" متفق عليه61. لقد تكشفت مقاصد الولايات المتحدة التوسعية وأساليبها العقابية وابتزازها للحلفاء. إن واشنطن ترفض أن يتبع الاتحاد الأوروبي سياسة خارجية ودفاعية، تستجيب للبيئة الأمنية الأوروبية بعد الحرب الباردة، وإن الولايات المتحدة تأخذ بإجراءات عقابية لمن يتحداها اقتصاديًا، كما هي عليه الحال في عهد دونالد ريغن 1989-1981()، عندما أصبحت اليابان العدو الاقتصادي، وحلت محلها الصين في إدارة ريغن الثانية. وإن إدارة أوباما أعاقت انخراط الصين في التعاون الاقتصادي في الفضاء الآسيوي – الهادي. رابعًا، إن القوة الناعمة الأميركية التي يعول عليها الأحاديون، على الرغم من وزن مقوماتها الاقتصادية والسياسية والأخلاقية والإعلامية ونفوذها62، لم تحظ بالترحيب عند كثير من الشعوب والقوى. إن القوة الناعمة تواجه تحديات القوة الناعمة "الأيديولوجية" من الصين، و"الهوية القومية" من روسيا، وظاهرة "العدائية" لأميركا التي لم تطفئها إعلامية القيم ونماذج السلوك الأميركي (هوليود، وكوكا كولا، وهامبرغر)، كما أن جاذبية القوة الناعمة الأميركية لا تجذب الآخرين للدوران في فلكها. خامسًا، إن صعود القوى الأخرى، الكبرى والإقليمية، خير شاهد على أفول الأحادية؛ لقد جذبت الصين إليها المحور الاقتصادي، ويجري انتقاله إلى الشرق بسرعة، بسبب صعود الهند وتعزيز الاقتصاد الياباني ودور كوريا الجنوبية وإقليم جنوب شرق آسيا. لقد كان نصيب الصين من إجمالي الناتج المحلي العالمي 2 في المئة في عام 1980، و 6 في المئة في عام 1995، و 15 في المئة في عام 2014. أما الهند، فهو 2 في المئة و 3 في المئة و 6 في المئة، أما اليابان ف 8 في المئة و 9 في المئة و 6 في المئة، مقارنة بالولايات المتحدة للسنوات نفسها: 22 في المئة في عام 1980، و 23 في المئة في عام 1995، و 18 في المئة في عام 632014. إن الاقتصاد الصيني الذي يتساوى مع الاقتصاد الأميركي في بعض المجالات، سوف يتخطى الولايات المتحدة ما بين عامي 2019 و642040، بل إن بعضهم يرى أن الصين قد أصبحت حقًا أكبر اقتصاد في العالم. وتبدو حالة الاقتصاد الأميركي، مقارنة بالكتل الاقتصادية المتنافسة معه، أشد وهنًا وأكثر دواعٍ للخشية عليه، ولعل صراخ دونالد ترامب لاستعادة أميركا العظمى خير شاهد على ذلك. سادسًا، إن القوة الاقتصادية تفضي إلى قوة عسكرية، ولقد ارتفع معدل الإنفاق العسكري الصيني، والمصالح الاقتصادية تتوسع جيوبوليتيكيًا، والقوى الصاعدة تذود عنها في المناطق القريبة منها وفي البعيدة65، وتسعى للهيمنة على المجالات الجيوبوليتيكية الإقليمية، بالتدخل أو بالقوة الناعمة، أو مشروع المعوقات أمام السياسة الأميركية66. وفي الجملة، إن انهيار الأحادية أمر حتمي، تاريخيًا وماديًا وسياسيًا، ويتمثل السؤال في: كيف ستكون المشاهد الجيوبوليتيكية لما بعد القطبية الأحادية؟ وقد اجتهدت الولايات المتحدة في "إرجاء" الهبوط، بفضل ما لديها من مكامن وقدرات، ولكن هذا إلى حين، أي إنه مشهد جيوبوليتيكي، تتمازج فيه المعطيات الأحادية مع التعددية.

  1. S.W. Walt, The Origins of Alliances (New York: Cornell University Press, 1997).
  2. Malena Britz & Arita Erikson, "The European Security and Defence Policy: A Fourth System of European Foreign Policy?" Politique Européenne , vol. 3, no. 17 (2005), pp. 35-62.
  3. J.S. Nye, The Paradox of American Power: Why the World' Only Superpower Can't Go It Alone (New York: Oxford University Press, 2002).
  4. The World's Biggest Economy: Dating Game," The Economist , 16/12/2010, accessed on 25/2/2020, at: https://econ.st/2woj1WE
  5. M. Jacques, When China Rules the World: The End of the Western World and the Birth of A New Global Order (London: Allen Lane, 2009); J.J. Mearsheimer, the Tragedy of Great Power Politics (New York: W.W. Norton,
  6. Ikenberg, After Victory ; Zakaria, The Post American World.
  7. Jack Snyder, "Imperial Temptation," The National Interest , no. 71 (Spring 2003), pp. 29-40; Chalmers Johnson, The Sorrows of Empire: Militarism, Secrecy, and the End of the Republic (New York: Henry Holt,
  8. Stanley Hoffmann, "Clash of Globalizations," Foreign Affairs , vol. 81, no. 4 (July-August 2002); Peter Katzenstein & Robert Keohane (eds.), Anti- Americanism and World Politics (Ithaca: Cornell University Press, 2007); Z. Sardar & M.W. Davies, Why People Hate America? (Cambridge: Icon Books, 2002).

خامسًا: المشاهد الجيوبوليتيكية لعالم ما بعد الأحادية

لقد أفرزت بيئة ما بعد الحرب الباردة هيكلً لنظام عالمي في توزيع القوة، يختلف عن ذاك الذي ساد في الفترة 1991-1945. فقد برزت أقاليم جغرافية ذات قيمة محورية، وأصبحت ميادين جيوبوليتيكية للتنافس عليها بين القوى الكبرى. ومن خصائص هذه المحاور: الموقع والموارد والقضايا والقوى الإقليمية الفاعلة والتهديد والتوازن والاستقرار ومصالح القوى الخارجية فيها والعواقب السلبية والإيجابية على تلك المصالح، وتتباين المحاور في هذه الخصائص.

1. نسق H لتوزيع القوة

في مقاربتنا، يأخذ نسق توزيع القوى الكبرى الرئيسة هيئة حرف (باللغة الإنكليزية.) الضلع الأول هو الفضاء H المحيطي الآسيوي – الهادي، والضلع الثاني هو الفضاء المحيطي الأطلسي، والضلع الرابط بينهما نطلق عليه "اليابسة" أو البر. يقع على الضلع الأول كل من الولايات المتحدة وروسيا واليابان والصين والهند، وعلى الضلع الثاني يقع كل من الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. وعلى الرغم من أن روسيا وألمانيا ليستا على سواحل الأطلسي مباشرة، فإن لروسيا قدرة الوصول إليه عبر البلطيق، وألمانيا تصله عبر المانش. وللهند والصين قدرة الوصول إلى المحيط الهادي عبر بحر الصين والمحيط الهندي. ويقع على الضلع الأول أربع قوى نووية، والخامسة اليابان غير نووية، ويقع على الضلع الثاني أربع قوى نووية، والخامسة ألمانيا غير نووية. إن هذه القوى تمثل أكبر الاقتصادات العالمية ومقومات العولمة والاقتصاد السياسي العالمي، ولديها قاعدة صناعية متقدمة، وإن كانت متفاوتة في المستوى التقني والبحثي، إلى جانب الدفاع والقوة البشرية. تتباين معايير الأهمية الجيوبوليتيكية للأقاليم من حيث العدد والأولوية، وفي الحسابات الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والأمنية للقوى الكبرى المتصارعة، والمنافسة على القوة والهيمنة، وكذلك في فترات زمنية مختلفة، بحسب توزيع القوى في النظام الدولي، أدرك صناع القرار السياسي والاستراتيجي والثقافة الاستراتيجية للقوى الكبرى. لقد روج ماكندر أطروحة أهمية أوراسيا من معايير الموقع والقدرات والدرس التاريخي لأربعة قرون، والحضارة والثقافة الأوروبية في مقابل الشرقية، وكذلك مصالح الإمبراطورية البريطانية والتهديدات المتمثلة في الإمبراطورية الروسية والإمبراطورية الألمانية. وتتغير أهمية المعايير مع التطورات في القضية العسكرية ونظام التسلح والاستراتيجية. في هذا السياق، نركز على ثلاثة معايير أساسية: الجيودينية – ثقافية (الإسلام)، والقوى الإقليمية (القومية)، والجيو-اقتصادية (الطاقة.) إن هذه المعايير لا يتحلى بها مجتمعة أي إقليم في العالم، وتأثيراتها من جميع القوى تكون في ضلعَي حرف H، وهي ذات دينامية مميزة، وذات آفاق إقليمية ودولية. ونفترض أن الاستقرار في النظام العالمي يتأثر بالتطورات في أحد المعايير، أو اثنين منها، ويكون على أشده أخطارًا وتكلفة عندما تجتمع معًا. والسيطرة على هذه المعايير تعطي القوة المسيطرة مكانة في الصدارة والقيادة والهيمنة في النظام العالمي. ونرى أن السياسة الأميركية واستراتيجيتها منذ الحرب على أفغانستان، في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، وغزو العراق والموقف من إيران، مقاربة شاملة للتصدي لانحسار الهيمنة الأميركية، ليس بهدف المحافظة على الهيمنة، وإنما ل "إبطاء" الانحدار، واستيعاب العواقب والتكلفة، أو استعدادًا للاستيطان في نظام عالمي متعدد الأطراف، وهذا هو الراجح لدينا، أو للمراهنة على أن عافية القوة الأميركية احتمال ممكن. إن الدول في محور اليابسة غير متكافئة في قيمة الأهمية المحورية، وإن قيمة "السلعة العامة"67 للطاقة، لكل من السعودية والعراق وإيران والجزائر، أكبر من تركيا وباكستان واليمن. وقيمة مصر واليمن أكبر من الجزائر والعراق من حيث الموقع. تقع مصر على البحر الأبيض المتوسط، وتسيطر على قناة السويس وتعتبر مدخلً إلى أفريقيا، وتقع اليمن على مضيق باب المندب، ممر الطاقة والتجارة العالمية. والقيمة العسكرية لباكستان وتركيا ومصر والسعودية وإيران أكبر من العراق والجزائر وأفغانستان. تتمتع بعض دول اليابسة بأكثر من قيمة "سلعة عامة"؛ فتركيا محور إقليمي اقتصادي وعسكري، وموقع وأيديولوجيا، ولباكستان أهمية عسكرية وأيديولوجية وليس اقتصادية، ويجتمع في السعودية أهمية موقع واقتصاد وتسلح وأيديولوجيا. أما إيران، في قضية انتشار الأسلحة النووية، فأشد أهمية في الأخطار من باكستان النووية، فعليًا، المتوازنة مع الهند النووية. والأهمية الأمنية والأيديولوجية والتهديد للأصولية في أفغانستان والسعودية وباكستان وإيران أكبر من السودان ومصر وبنغلاديش. ولا تتساوى دول اليابسة في أهمية الصراعات والنزاعات الإقليمية.

  1. S.L. Burg & Paul S. Shoup, The War in Bosnia Herzegovina: Ethnic Conflict and International Intervention (London/ New York: M.E. Sharp, 1999).

2. الهيمنة في الفضاء الجيوبوليتيكي الأوروبي - الأطلسي

إن اليابسة تمثل فضاء جيوبوليتيكيًا ذا أهمية جيوستراتيجية وجيو- اقتصادية؛ لبقاء هيمنة القوى الكبرى، ولإبطاء انحسارها وتراجعها وتلطيفه، بين الفضاءات العالمية الجيوبوليتيكية الأخرى. إن الفضاء الأوروبي – الأطلسي ليس مجالً جيوبوليتيكيًا للتنافس، ولقد كان كذلك منذ عام 1945؛ إذ إنه محصن ب "الناتو"، وروسيا لن تجرؤ على فتح جبهة تهديدات للأمن الأميركي – الغربي هناك. وإن وسط أوروبا وشرقها، وكذلك الدول البلطيقية السوفياتية السابقة، انضمت إلى حلف "الناتو"، ولم تعد هناك منطقة عازلة ما بين الأطلسي وأوراسيا الروسية، ومن المتوقع أن تنضم أوكرانيا إلى حلف "الناتو." إن استقلالية أوروبا في سياسات الدفاع والخارجية ستحجّم دور الولايات المتحدة في الأقاليم، وفي السياسة الدولية68، وأوروبا باستقلاليتها لا يمكن أن تصطف مع الولايات المتحدة في كل قضية، وإنما ستزن مواقفها مع ما يوائم المصالح الأوروبية، وستقدم خيارات بديلة من السياسات الأميركية، وأطراف النزاعات سوف تتجه إلى أوروبا لحل خلافاتها، وليس دائمًا إلى الولايات المتحدة. ونظام التحالف الأوروبي – الأطلسي سوف ينشرخ، وهو ما يتيح لروسيا الاستفادة منه بالمناورة على الطرفين، إضافة إلى أن الاتحاد الأوروبي سينافس الولايات المتحدة في مناطق مصالحها، ولا سيما في البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط؛ لأنها مناطق أو "أحزمة أمن واستقرار حول أوروبا"، كما أن التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية أصبحت تصيب أوروبا مباشرة أكثر من الولايات المتحدة، كالهجرة69. وكذلك، فإن الاتحاد الأوروبي سوف يسعى إلى تطوير عقيدة أمنية وعسكرية، لا تتماثل مع عقيدة "الناتو" التي تطورت في الحرب الباردة على أسس أميركية؛ لأنها القوة المحور والمركزية في الفضاء الأوروبي – الأطلسي70، وهو ما قد يقود إلى صدام بين "أوربة" الناتو و"أمركة" الناتو، وهذا غير مرحب به أميركيًا71. وفي الجملة، إن الخشية من انحسار "المحورية" الأميركية، أو القيادة في الفضاء الأوروبي – الأطلسي، ليس لها من أسباب حقيقية سوى التي يراد منها تحجيم الإبقاء على "الأمركة" والنزعة إلى "الأوربة." إن تداخل المصالح بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وبقايا التهديد السوفياتي بهوية روسية، يطمئنان واشنطن بأنها إذا لم تهيمن فإنها تقود. ومن خيارات الولايات المتحدة تعزيز هيمنتها على اليابسة، لتقييد النزعة الاستقلالية "للأوربة"، فلقد قادت الولايات المتحدة الحملة ضد داعش (الجيو-إسلامية) في اليابسة، ويسرت أمن الطاقة -(جيواقتصاد) لليابسة.

3. أهمية وسط آسيا

إن وسط آسيا والقوقاز وأوراسيا هو الفضاء الذي تبرز فيه أكثر القيود والمكبلات لتقدم الهيمنة والقيادة الأميركية مباشرة؛ لذلك، ومن المقاربات للتغلب على ذلك مقاربة إحكام السيطرة على اليابسة المجاورة للفضاء الذي تشاركه في كثير من القضايا الجيو-إسلامية والجيو-اقتصادية. ولقد ظهرت الفرص الكثيرة في إثر تفكك الاتحاد السوفياتي، وحصول دول وسط آسيا على استقلالها، وتيه روسيا وانشغالها بمشاكلها الداخلية، والبحث عن هوية ما بعد سوفياتية، وكذلك معضلة تشكيل هوية جديدة لدول وسط آسيا بعد قرنين من السيطرة الروسية القيصرية والسوفياتية، وتلكؤ الصين في القدوم إلى فضاء فراغ القوة، عثرت الولايات المتحدة على فرصها؛ فنشطت لتشجيع استقلالية هذه الدول، ودعم الليبرالية والانفتاح على اقتصاد السوق، والانخراط في العولمة. وكان هدف أميركا إقصاء الصين من دور أساسي، وغلق النوافذ أمام عودة روسيا إلى الأقاليم، وكذلك مواجهة التيارات الإسلامية المناهضة للوجود الأميركي، في الوقت الذي كانت واشنطن تزعم فيه أن مساعي الهيمنة الأميركية في وسط آسيا تواجه تحديات لا نظير لها في الأقاليم الأخرى، ولا سيما "اليابسة"، على صعيد وجود قوتين كبريين: روسيا والصين، وقوة إقليمية "إيران." ولروسيا مزايا على أميركا، تتمثل في وجود إرث سوفياتي ووجود سكان روس، وتصدير نفط هذه المنطقة إلى العالم عبر أنابيب روسية، إضافة إلى حضور عسكري. وإجمالً، فإن النظم السياسية تحاكي النموذج شبه المركزي الروسي72. إن بين يدي روسيا والصين خيارات لمواجهة الهيمنة الأميركية وإيهانها في وسط آسيا73، ليس لديهما مثلها في

  1. Giovanna Bone, "The EU's Military Doctrine: An Assessment," International Peace Keeping , vol. 11, no. 3 (2004), pp. 439-456.
  2. John Schindler, "A European Union Army Is a Terrible Idea," The Federalist , 16/3/2015, accessed on 1/3/2020, at: http://bit.ly/2wnB1QY
  3. Mike Field, "Talbott Defines U.S. Central Asia Policy," The Gazette , 4/8/1997, pp. 1-7.
  4. Jim Nichol, "Central Asia: Regional Developments and Implications for U.S. Interests," Congressional Research Service , no. 7-5700, 21/3/2014.
  5. Roger Kanet & L. Homarc, "The US Challenge to Russian Influence in Central Asia and Caucasus," in: Roger Kanet (ed.), Russia: Remerging Great Power (New York: Palgrave Macmillan, 2007), pp. 173-194.
  6. Lena Jonson, Russia and Central Asia: A New Web of Relations (London: Royal Institute for International Affairs/ Chatham House, 1998); Craig Oliphant, "Russia's Role and Interests in Central Asia," Safer World (October 2013), accessed on 26/4/2020, at: https://bit.ly/2yO1lF2; Bertil Nygren, The Rebuilding of Greater Russia: Putin's Foreign Policy Towards the CIS Countries (Abingdon, UK: Routledge, 2007).

إقليم "اليابسة"، والقوتان لا تريدان إقصاء أميركا، وإنما التوازن معها في إطار التعددية74، وليس من مصلحتهما التحالف ضدها، وإذا كانت رغبة روسيا ومصلحتها أقوى، فإن الصين لن تتورط. إن التحالف يجلب الأمن إلى روسيا، وليس إلى الصين؛ لأن أميركا سوف تعاقبها في الفضاء الآسيوي – الهادي الأهم من وسط آسيا. وتسعى الولايات المتحدة إلى استثمار الخلافات الروسية – الصينية، وخلق مثلث علاقات على غرار ما كان قائمًا في الحرب الباردة بعد عام 1970 75. بيد أن العلاقات بين البلدين تتعزز كلما حاولت أميركا إيجاد نفوذها في الإقليم، وأصبحت تتأسس على شراكة استراتيجية76، واستغلت الصين مبادرة بوتين ل "التمحور في الشرق"77، في حين تشجب "التمحور في الشرق" لأميركا؛ لأن في ذلك غايات توكيد "المحورية" الأميركية في فضاء آسيا – الهادي، أما التمحور الروسي فهو من أجل توكيد التعددية78؛ ذلك لأن للهند واليابان والاتحاد الأوروبي مصالح في إقامة علاقات مع المنطقة لأهمية الطاقة. والصين لا تنافس روسيا أمنيًا أو للهيمنة، وإنما للاطمئنان إلى الوصول إلى الطاقة. وتحذر الصين من وجود أميركي في الأقاليم؛ لأن في ذلك خلق طوق احتواء لها لاستكمال الاحتواء في فضاء آسيا – الهادي79، والصين لديها حاجة جيوبوليتيكية للوصول إلى غرب أوروبا ل "التمحور في الغرب"، عبر طريق الحرير من وسط آسيا80؛ لذلك سُويت الخلافات الحدودية81، وجرى التعاون في مجال التسلح82. إن استدامة التنمية السلمية تستدعي نظام التعددية. وخلاصة القول إن حظوظ أميركا في الهيمنة والقيادة في وسط آسيا ضعيفة، ومصلحة روسيا83، ومصلحة الصين84 تكمنان في نظام التعددية، وتشاركهما إيران المعارض الإقليمي لوجود أميركي، وكذلك كل من الهند85 واليابان86، والاتحاد الأوروبي88. ومع ذلك، فمنذ 11 سبتمبر بات لأميركا نفوذ وحوارات، لتثبيت الاستقرار، ولتقليص الانعكاسات السلبية على انحدار قوتها وهيمنتها ونفوذها، لكنها غير قادرة على تعطيل انحسارها، أمام دور القوة العظمى الثانية G2 الصين، وروسيا التي تتعافى تدريجيًا في استعادة دور القوة الكبرى الذي يبدأ من إقليم وسط آسيا.

4. الهيمنة في آسيا - الهادي

تظل الولايات المتحدة القوة المهيمنة في شرق آسيا. لكن الصين، وكما يبدو من خطواتها، باتت الشريك التجاري الأول لأغلب دول الإقليم، وأكبر المصدرين إليه، بتحفيز العلاقات الاقتصادية معه عبر اتفاقيات تجارة حرة، وقد شرعت في إقامة مؤسسات إقليمية للتعاون في المجالات المالية والتجارية لتنافس نفوذ أميركا وتقلصه في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فتعاونت مع دول المركز الأوروبية، وأرست قواعد مصرف التنمية الجديد، وأنشأت الصين مصرف الاستثمار الآسيوي في البنى التحتية، توظف قوتها الاقتصادية بالإغراء والعقاب لمن يتعاون معها أو ضدها. والتاريخ شاهد على أن القوة الاقتصادية قاعدة للقوة العسكرية، والصين لا تختلف عن غيرها، على الرغم من الخطاب السياسي الصيني الزاعم بأنها قوة لم تعرف الكولونيالية والاستعمار للآخرين، وأن الثقافة السياسية الصينية مُحبة للسلام89. إن الحالة المتحركة للبيئة الاستراتيجية في الإقليم آلت إلى الجدل في مصير الهيمنة، والدور والنفوذ الأميركيين، وخيارات درء حقيقة

  1. Alexey Malashenko, The Fight for Influence: Russia in Central Asia , Carnegie Mosco Center, 10/12/2013.
  2. Bahvna Dave, "Resetting India's Engagement in Central Asia: From Symbols to Substance," RSIS, Report Policy (January 2016); كاظم هاشم نعمة، الهند في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة (عمّ ن: دار آمنة للنشر، 2014)، الفصل السادس.
  3. Valeria Talbot (ed.), Turkey: Toward Eurasian Shift? (Milano: Ledizioni-LediPublishing, 2018).
  4. M. Kaczmaski, Russia-China Relations in the Post Crisis International
  5. Ying Liu, "Strategic Partnership or Alliance: Sino-Russian Relations from Constructive Perspective," Asian Perspective , vol. 42, no. 3 (2018), pp. 333-354.
  6. Vasily Koshin, "Why Russia Pivot to China: Was All Talk and little Action," The Moscow Times , 1/6/2016, accessed on 2/3/2020, at: http://bit.ly/2wiSIBi
  7. David Shambouh, "China and the Liberal World Order," in: Nicholas Burn et al. (eds.), The World Turned Upside Down: Marinating America's Leadership in Dangerous Age (Colorado: Aspen Strategy Group, 2017).
  8. Robert G. Sutter, "China's Rise: Implications for US Leadership in Asia," East-West Centre Washington, Policy Studies , no. 21 (2006)
  9. Thomas Zimmerman, "The New Silk Road: China the US, and the
  10. Order (London/ New York: Routledge, 2015).
  11. Charles Clover, "Russia Resumes Advanced Weapons Sale to China," Financial Times , 3/11/2016, accessed on 1/3/2020, at: https://on.ft.com/2Tb62k1
  12. كاظم هاشم نعمة، روسيا في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة (عمّ ن: دار آمنة للنشر،.)2014
  13. كاظم هاشم نعمة، الصين في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة (طرابلس، ليبيا: أكاديمية الدراسات العليا،.)2010 87 المرجع نفسه. 88  Jennifer Lind, "Life in China's Asia: What Regional Hegemony Would Look Like," Foreign Affairs , vol. 97, no. 2 (March-April 2018).
  14. Future of Central Asia," New York University - Centre of International Cooperation (October 2015). 83  Ministry of Foreign Affairs of the People's Republic of China, "Treaty of Good-Neighborliness and Friendly Cooperation Between the People's Republic of China and Russian Federation," 24/7/2001, accessed on 1/3/2020, at: http://bit.ly/2VDT68e

أن عملية انحسار الهيمنة الأميركية واقعة، ولا خلاف في ذلك، على الرغم من الخطاب السياسي والجدل الأكاديمي. ونرى أن إدامة هيمنة منقوصة أميركية أيسر على الولايات المتحدة في هذا الإقليم. أولً، لأسباب أميركية تتمثل في تدخلها للذود عن هيمنتها، ثانيًا، أن المتحدي ليس بذي عزم وقدرة على إزاحة خصمه. يذهب دارسون أميركيون إلى أن أميركا غير قادرة على ترجمة قوتها إلى نفوذ، وأن نفوذها ليس ضرورة لإعفاء العالم من الفوضى، وأن الهيمنة خطاب سياسي لتسويغ أهداف وتحمّل أعباء90، وأن أميركا "حتى اليوم تبقى مهيمنة في شرق آسيا"91، بيد أن الصين "سوف تزيح الولايات المتحدة، بوصفها مهيمنًا إقليميًا اقتصاديًا وسياسيًا في الزمن القريب"92، وكذلك فإن أميركا تواجه الصين بوصفها متحديًا رئيسًا وليست قوة كبرى، كما في وسط آسيا، وللولايات المتحدة حلفاء ما زالوا ملتزمين بتعهداتهم الأمنية، كاليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وتايوان، إضافة إلى وجود عسكري كبير93، كذلك فإن أغلب دول الإقليم تتسلح من الولايات المتحدة. إن صعود الصين إلى ذروة النفوذ والهيمنة مرهون بقيود ذاتية وإقليمية وخارجية، وعلى الصينيين إدراك أن ليس لديهم فلسفة نظام عالمي وهيكله وآلياته لاستبدال النظام الليبرالي الغربي94، على الرغم من مقدمات فكرية عن عالم كل شيء فيه متساوٍ تحت الشمس والسلم، عوضًا عن الحرب، والاحترام بديلً من الاستعلاء الحضاري95، ولا تزال الصين غير قادرة على عرض القوة عالميًا96، وتعتمد، أيضًا، على الاقتصاد الأميركي وفضاء آسيا – الهادي، وتفتقر إلى القوة الناعمة المؤثرة، وتضع بقاء النظام السياسي في أولوية أجندتها؛ لذلك فهي لا تغامر97. أما خارجيًا، فإن الصين لم تجذب إليها الدول الأساسية في الإقليم، ومن مصلحتها إبقاء الوضع القائم بالتكيف معه وليس باستبداله، وللصين نزاعات إقليمية مع بعض دول الجوار، والصين لا تقدم "سلعًا عامة" غير الاقتصاد، وتحتاج إلى القبول بدورها من جيرانها98، كالهند التي وقفت أمام صعود الصين قوةً دولية.

5. الهيمنة في "اليابسة"

إن القيمة والأهمية لجيوبوليتيك "اليابسة" تنبعان من "المركزية" الجيوبوليتيكية التي تتمتع بها. إنها تقع في مركز ثلاثة فضاءات جيوبوليتيكية، ذات صلة بصوغ النظام العالمي والهيمنة عليه، باستثناء فضاء أميركا اللاتينية، وهي: الفضاء الأوروبي – الأطلسي، والفضاء الأوراسي – وسط آسيا، والفضاء الآسيوي – الهادي. وما اليابسة سوى حلقة الوصل جوًا وبرًا وبحرًا، وهي "محور" منفتح، وليس مغلقًا أو معزولً بدرجة ما، وترتبط اليابسة مع وسط آسيا – الأوراسيا برًا، ومع الأوروبي – الأطلسي بحرًا، وكذلك مع الآسيوي – الهادي. إن بيئة ما بعد الحرب الباردة أفرزت تغيرات استراتيجية، أسبغت على اليابسة مزايا ليست موجودة على نحو مترابط في بقية الفضاءات، ومن أهمها قضايا السياسة العالمية. إن الأحادية القطبية والنظام العالمي الجديد لم يدوما طويلً؛ إذ انتهيا مع 11 سبتمبر، وبات التنافس على تكوين النظام الدولي سمة بارزة، كما اتضح، ولليابسة أهمية، إلى جانب "المركزية" الجيوبوليتيكية: الطاقة، والأيديولوجيا الإسلامية السياسية، والهيمنة الإقليمية (القومية.) ولا نعثر على مثلها في الفضاءات الأخرى، فضلً عن توافق على أن تتجمع القضايا الثلاث في حالة واحدة (إيران) و(السعودية)، أو اثنتان مثل القومية والأيديولوجيا الإسلامية السياسية (تركيا.) ومن هذا المنطلق كان لمصر دور قبل عام 1967، ثم هزل. لقد تأسس نظام الهيمنة الأميركية بعد عام 1945 على ثلاث ركائز: القوة الشاملة، ومنظومة القيم الليبرالية – الرأسمالية، والعدو

  1. كاظم هاشم نعمة، 89 القوة الوسطى في النظرية والتطبيق: كوريا الجنوبية في السياسة الآسيوية (عمّ ن: دار آمنة للنشر، 2015)، الفصل الرابع.
  2. John F Copper, "America's Asia Pivot: What does it Mean and will it Succeed?" East Asian Policy , vol. 6, no. 2 (2014), pp. 99-107; Simon Tisdell, "China Syndrome Dictates Barak Obama's Asia-Pacific Strategy," The Guardian , 6/1/2012, accessed on 1/3/2020, at: http://bit.ly/2PAm8lh
  3. Simon Reich & R.N. Lebow, Good-bye Hegemony! Power and Influence in Global System (Princeton, NJ: Princeton University Press, 2014).
  4. Jennifer, Life in China.
  5. R. Ross, "Balance of Power Politics and The Rise of China: Accommodation and Balancing in East Asia," Security Studies , vol. 15, no. 3 (2006), pp. 355-395.
  6. 96  Mark Beeson, "China Achieving Hegemony Is Easier Said Than Done," Eastasia Forum , 13/7/2016, accessed on 29/2/2020, at: http://bit.ly/3cl02wQ; Loren Thomson, "Five Reasons China Would not be A Big Threat to America's Global Power," Forbes , 6/6/2014, accessed on 25/2/2020, at: http://bit.ly/2TwRdY7 97  Cooper.
  7. S. Zhao, "Debating the China Model of Modernization: The China Model: Can it Replace the Western Model of Modernization?" Journal of
  8. 94  Bob Carr, "The Shrinking Quad: How the Alliance is Going Nowhere as Japan and India Court China," South China Morning Post , 17/5/2018, accessed on 1/3/2020, at: http://bit.ly/32EDUcd
  9. Contemporary China , vol. 19, no. 65 (2010), pp. 419-436.

في الفضاءات الثلاثة. وبعد عام 1991 تغيرت المعادلة جوهريًا99؛ تعاظمت القوة الشاملة لتصبح الوحيدة في النظام العالمي، وشاعت أنوار منظومة القيم، واعتبرها فوكوياما نهاية المنظومة العالمية التي دان لها التاريخ، وتشتت العدو السوفياتي وهزل وتاه، وقبعت روسيا تشكو من مِحنها التي رأى كثيرون، مثل "الأطلسيين" الروس، أن الحضن الغربي مأواهم100. وتعالت أصوات "الحرب الصليبية"؛ من أجل نشر الديمقراطية والرأسمالية في مناطق الفراغ في القوة، ولا سيما في اليابسة حيث تسود النظم الرجعية المحافظة العسكرية. ومن جهة أخرى، دعا الواقعيون إلى بسط الهيمنة من خلال إقامة نظام دولي جديد يتمحور على القطبية الأميركية. سبتمبر أُفي 11 خذت الولايات المتحدة بغتة، وانكشف الوهن في بعض شرائط الهيمنة، واتضحت الحقيقة الجيوبوليتيكية الجديدة "اليابسة"، وما تنطوي عليه من أبعاد وأخطار على المصالح الأميركية وأمنها والهيمنة على قيادة النظام الدولي. إن 11 سبتمبر عدو جديد يخلف عدو الحرب الباردة101، إنه ليس عدوًا يمثل دولة ونظامًا سياسيًا وحدودًا جغرافية معترفًا بها، بل إنه عدو يجسد تهديدات غير تقليدية102، واستراتيجية قوة غير متماثلة103، وله أيديولوجيا، وينتشر على جيوبوليتيك عالمية، وتنتمي إليه أمم كثيرة، عدو لا يقود كتلة أو حلفًا، كما كان الاتحاد السوفياتي، ولا يشكل مركز قرار، بل تعدد المراكز، ولا يؤمن بالردع المؤكد والمتبادل بل بالتعرض، ولا يأخذ بالتوازن بل بالتفوق، ولا يمتلك أجندة استراتيجية واضحة، ويعتمد التكتيك، ولا ينطلق من الأعلى إلى الأسفل، بل من الأسفل إلى الأعلى، ويؤمن بحتمية النصر، ومعايير الخسارة والأخطار مرنة، والعاقبة للفعل في الآخرة، وليس الربح المادي المباشر، وإن فعله ردة فعل على خلق عدو، الإسلام السياسي104. لقد كان لأحداث 11 سبتمبر انعكاسات كثيرة ذات صلة "بمحورية اليابسة" الجيوبوليتيكية في العالم، لقد تجلى فيها إخفاق أميركا في إحكام قبضتها للهيمنة على النظام العالمي، وهذا ما دفع أميركا إلى تعزيز قدراتها العسكرية لعرض القوة؛ بهدف استعادة الصدقية فيها عالميًا105. وكان نصيب اليابسة من هذا يفوق التصور والتوقع. وقد أسقطت الأحداث، من جهة، الاطمئنان المبكر بعد الحرب الباردة بأن الهيمنة الأميركية "حقيقة واقعة"، وأن أميركا هي المحور الجديد، وهو الأمر الذي حشد التأييد الداخلي لمساندة تثبيت الهيمنة. ومن جهة أخرى، فنّدت الأحداث شرعية المحور والهيمنة الأميركية؛ لذلك سعت أميركا إلى استعادة الشرعية في إرساء هيمنتها بهدف اجتثاث تهديدات غير تقليدية، مثل "القاعدة" وغيرها من المنظمات الجهادية والمسلحة الإسلامية "الإرهاب العالمي." وقد أعطى الإرهاب العالمي من اليابسة الشرعية لأميركا للجوء إلى القوة من دون قيود، كما حصل في الهجوم على أفغانستان. وأخرست الأحداث نقاد استراتيجية التورط عسكريًا في الخارج، وعضدت دعاة نشر القوات الأميركية في اليابسة وخارجها لتعزيز الهيمنة إقليميًا وعالميًا. وذهبت السياسة الأميركية إلى تهويل ظاهرة الإسلام السياسي المسلح، مع أنه كان ينمو ويتسع جيوبوليتيكيًا؛ من أجل أن تحشد الرأي العالمي والتأييد لسياسة الهيمنة والقيادة، طالما أن أهداف الإرهاب لا تقتصر على المصالح الأميركية، بل الغربية أيضًا106. ولقد أفلحت واشنطن في حشد ستين دولة تحت قيادتها لمحاربة الإرهاب107. إن من أهداف الهيمنة مواجهة الانكشاف الاستراتيجي الأمني والاقتصادي والقيمي الأميركي وردعه، وقد وثقت اتجاهات عدة بأن بيئة ما بعد الحرب الباردة أوصدت أبواب الانكشاف ومنافذه، فلا توجد قوة كبرى، أو مجموعة الصين وروسيا، تضاهي القدرات العسكرية الأميركية، ولا قوة ناعمة تتحدى منظومة القيم الليبرالية الديمقراطية الرأسمالية الغربية الأميركية. إن أحداث 11 سبتمبر فنّدت منطق هذه الفرضية، فلقد أصبحت أميركا منكشفة عالميًا، لمحاربة الإرهاب، وفي ذلك منطق الهيمنة، لأن الرد على الضربات والتدخل الأميركي يخلق "حلقة مفرغة"؛ انتشار لبسط الهيمنة يترتب عليه ردات فعل من الإرهاب، وهذا بدوره

  1. Beeson; Thomson.
  2. Iskandar Rehman, "Keeping the Dragon at Bay: India's Counter- containment of China in Asia," Asian Security , vol. 5, no 2 (2009), pp. 114-141; David Scott, "The Greater Power Game Between India and China: The Logic of Geography," Geopolitics , vol. 13, no. 1 (2008), pp. 1-26.
  3. G.J. Ikenberry, "Rethinking the Origins of American Hegemony," Political Science Quarterly , vol. 104, no. 3 (1989), pp. 387-394.
  4. كاظم هاشم نعمة، 101 روسيا والشرق الأوسط بعد الحرب الباردة: فرص وتحديات (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.)2016
  5. S.J. Blank, "Rethinking Asymmetric Threats," Strategic Studies Institute of the US Army War College (2003).
  6. Ruger Barnett, Asymmetrical Warfare: Today's Challenge to U.S. Military Power (Virginia: Brassy's Inc., 2003).
  7. J. Gershman, "Is Southeast Asia the Second Front," Foreign Affairs , vol. 81, no. 4 (2002), pp. 60-74.
  8. D. Byman & J. Shapiro, "Be Afraid. Be A little Afraid: The Threat of Terrorism from Western Foreign Fighters in Syria and Iraq," Foreign policy at Brookings, Policy Paper , no. 34 (November 2014), accessed on 1/3/2020, at: https://brook.gs/2Tn9uqQ
  9. Todd S. Purdum, "10 Asian Nations Join with the US in Pledge to Fight Terrorism," The New York Times , 2/8/2002, accessed on 20/2/2020, at: https://nyti.ms/3al8A4Z

يستدعي التدخل في كل ركن من اليابسة وبقية الأقاليم: وسط آسيا وجنوب شرق آسيا، أي تعزيز الهيمنة انطلاقًا من اليابسة108. إن جل تهديدات الأقاليم الجيوبوليتيكية يقع في نسق المنافسات بين القوى الكبرى، في نظام توازن القوى التعددي وفي الحرب الباردة. بيد أن تهديدات نطاق اليابسة، كما تمثل في الإرهاب العالمي، تقع خارج نطاق التنافس، وقد كان بوتين أول من تخاطب مع بوش وسخّر الأجواء الروسية، أول مرة، لتكون ممرات للعمليات الأميركية، ولم يؤجج عليه معارضة دول وسط آسيا، بل أجاز لها أن ترحب بقواعد أميركية. وقد أيدت الصين الحملة الأميركية، ولم تقلق على وجود أميركي في مجال نفوذها في وسط آسيا. إن التنافس في فضاء آسيا – الهادي هو بين الولايات المتحدة والصين بهدف الهيمنة، وفي وسط آسيا بين الصين وروسيا والولايات المتحدة، وفي أميركا اللاتينية لا يوجد تنافس حقيقي وكذلك في الأوروبي – الأطلسي. إن الهيمنة على اليابسة أكثر الحلول استجابة لدواعي المواجهة مع الإرهاب، والقضاء على تهديداته، وتستطيع أميركا في اليابسة "اجتثاث" الإرهاب، بالتصدي لجذوره الفكرية الفلسفية المدنية، ففي اليابسة المنابع التاريخية والتراثية التي لا مثيل لها في الدول الإسلامية خارج اليابسة، أو في الدول الأجنبية التي فيها جاليات إسلامية كبيرة. وفي اليابسة تتمكن أميركا من ترتيب تحالفات وائتلافات ثنائية وجماعية ضد الإرهاب، وفي وسعها النشاط على مستوى التكوين الثقافي والتربية الدينية لإعادة صوغ المفاهيم والقيم لنشرها في العالم الإسلامي كذلك. إن بعض دول اليابسة، قبل السعودية "الوهابية" وكذلك مؤسسة الأزهر في مصر تمثل مرجعية ذات صدقية إسلامية عالميًا. ومن خلال عملية الاستبدال والغرس، تضع أميركا اللبنات الأولى للتعاطف والتفهم والرضا بالقيم الغربية – الأميركية في المستقبل، وهذا من شروط الاستجابة والتواؤم مع الدول المهيمنة والقائدة. لقد أصبحت اليابسة معيار تقسيم العالم109، من منظور القوة المهيمنة، إلى نصفين: الذين "معنا" والذين "ضدنا" عبر الوعيد والتخويف، أو بالإغراء110، أو "بالحرب الاستباقية." وتختلف التقييمات في صواب هذه العقيدة الاستراتيجية وفلاحها111. ومع ذلك تبقى الخيار الراجح للهيمنة على اليابسة أكثر مما هي راجحة في أقاليم أخرى112، ومعها القوة الناعمة.

6. القوى الإقليمية في "اليابسة"

لقد دأبت القوى الإقليمية في اليابسة على استغلال التنافس الأميركي – السوفياتي خلال الحرب الباردة، وهذا ما وضع الصعوبات أمام هيمنة أميركية، وكانت تركيا وباكستان والسعودية وإيران في جبهة الولايات المتحدة، واقتربت مصر والعراق وسورية والجزائر وليبيا من الاتحاد السوفياتي آنذاك، وشهدت الحرب الباردة تنافسًا بين القوى الإقليمية، ما بين مصر والعراق في الخمسينيات، في نطاق جامعة الدول العربية، والعرب وإسرائيل، ومصر وإيران، والعراق وإيران، والسعودية والعراق، والسعودية وإيران، واتسمت المنافسة بخصائص الحرب الباردة الإقليمية (عربية – غير عربية) و(عربية – عربية)، وتكونت ائتلافات ثنائية ومتعددة الأطراف (تركيا وإيران وإسرائيل) ضد مصر، والسعودية وإيران في الستينيات والسبعينيات ضد العراق في الخليج العربي. وكانت الائتلافات متحركة بحسب القضايا في سياسة الأقاليم. لقد برزت قضايا وقوى إقليمية في المنطقة بعد الحرب الباردة أكثر تعقيدًا مما ألفته الحرب الباردة. ومثّلت استعادة إيران عافيتها الاقتصادية إيذانًا بتطوير قدراتها العسكرية وتحدي الوجود الأميركي في الخليج العربي، وتصدرت الدفاع عن القضية الفلسطينية، ومثلما سعى الشاه للهيمنة على الخليج العربي والنفوذ الإقليمي، بدعم من الولايات المتحدة، على أساس شرعية تاريخية، فإن إيران ما بعد الخميني تسعى للهيمنة. لكن من خلال أيديولوجيا إسلامية، بوصفها خطابًا سياسيًا، تستتر خلفها على نيات توسعية، في البحرين113، ومجال نفوذ، في سورية ولبنان والعراق واليمن، واتخذت من المذهبية هوية قومية، تتحدى بها القومية العربية والقومية التركية أو العثمانية

  1. Ivan Eland, "Does U.S. Intervention Overseas Bread Terrorism? The
  2. Mylven Leffler, "September 11 in Retrospect: George W. Bush Grand Strategy Reconsidered," Foreign Affairs , vol. 90, no. 5 (September/ October
  3. Trevor Thrall & Eriö Geopner, "Step Back: Lessons for U.S. Foreign
  4. Historical Record," Cato Institute, Foreign Policy Briefing , no. 50, 17/12/1998.
  5. 2011); Anthony Cordesman, "The Lessons and Challenges of September 11- The New '9/11'," CSIS, 9/9/2011, accessed on 1/3/2020, at: http://bit.ly/3aiBhPU
  6. Policy from the Fail War on Terror," Cato Institute, Policy Analysis , no. 814, 110  Peter Juul, "9/11's Impact on Conservative Foreign Policy: Little Has Changed, Preventive War Is Still Favoured," Centre for American Progress, 9/9/2011, accessed on 1/3/2020, at: https://ampr.gs/3cnciwS 111  " Attack Saddam and Let History Judge, Says Rumsfeld," The Daily Telegraph , 21/8/2002; Toby Harnden, "Bush Will Attack Alone If Need Be, Says Perel," The Telegraph , 9/8/2002. 112  Mohsin M. Milani, "Iran's Post Cold Policy in the Persian Gulf," International Journal , vol. 49, no. 2 (Spring 1994), pp. 328-354.

الجديدة114. وتصاعد دور السعودية في السياسة العربية بعد أفول الناصرية، واتفاق كامب ديفيد في عهد السادات، والأزمات الداخلية المصرية في أعقاب الربيع العربي. وأعطت السعودية وجهة التوجه القومي العربي صوب إيران؛ لأسباب أيديولوجية مذهبية – شيعية، ولتحديات إيران في الخليج العربي، وانسجامًا مع الصيغة السعودية لحل القضية الفلسطينية: الأرض مقابل السلام، والتطبيع بدفع من الولايات المتحدة، وخروج العراق من الساحة بالاحتلال الأميركي، وانشغال الأقطار العربية بالقضايا القُطرية وليس القومية، وانفرط عقد التماسك والتعاون العربي، ونشبت خلافات وانشقاقات بينية، وتكونت محاور إقليمية وعربية. واستغلت إسرائيل البيئة الجديدة، فاقتربت من العرب واقتربوا منها، في خطوات تطبيع سرية وعلنية. لقد برزت في اليابسة عداوات إضافية، قومية ومذهبية، واحتدمت نزاعات حرب باردة115، وحروب بالوكالة116، ولاذت القوى الإقليمية مستعينة بالقوى الخارجية: أميركا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، وهي القوى التي ليس بينها تعاون أو تكافؤ في المصالح والأهداف والاستراتيجيات، ويسرت بيئة الحرب الباردة الإقليمية والعربية – العربية أسباب تعزيز الهيمنة الأميركية على اليابسة117، فأولً، لم يتقدم طرف خارجي من المتحدين ضد الهيمنة الأميركية لمساندة القوى المضادة لها، كما أن روسيا والصين تحذران من الانخراط في حرب باردة في اليابسة118، ثانيًا، إن أميركا تحول دون تراكم قوة خصومها ونفوذهم في الإقليم، وقد اقتصر دعم روسيا لسورية على جزء منها على مصالح روسية، وفي إيران اكتفت بالاعتراضات على العقوبات، لكنها صوتت لمصلحتها في مجلس الأمن. ثالثًا، إن أمن مصالح الخصوم الخارجيين منكشف أمام التهديد والفعل الأميركيين؛ فالصين تعتمد على أمن الطاقة الأميركي في الخليج العربي والمياه الدولية، وروسيا منكشفة أمام تقلبات أسعار النفط التي تؤثر فيها سياسة الطاقة السعودية التي تستجيب للضغوط الأميركية. رابعًا، إن الجبروت العسكري الأميركي لا يزال سائدًا، ولم تحقق روسيا سوى خطوات محدودة في بيع منظومة الدفاع الصاروخي لإيران وتركيا، ومن المحتمل للسعودية وقطر. خامسًا، إن مفاتيح معظم النزاعات في الإقليم في يد واشنطن، سواء القضية الفلسطينية أم المسألة النووية الإيرانية، والخلافات الخليجية، وكذلك الحرب في سورية، وليس أمام القوى الخارجية الأخرى غير التكيف مع الخطوات الأميركية. سادسًا، إن هيكل الأمن الإقليمي يبنيه المهيمن من دون الحاجة إلى تعددية دولية، فمقترح الناتو العربي – الأميركي ركيزة إضافية لتعزيز أسس الهيمنة. سابعًا، تدير واشنطن هيمنتها من خارج الإقليم وداخله. في حين أن إسرائيل وكيل دائم، والسعودية قد ألفت دور الوكيل منذ تأسيسها، وتزداد علاقة الراعي والوكيل مع التهديد الإيراني والتطلع إلى دور قيادي في اليابسة قوميًا ودينيًا. وأخيرًا، إن القوى الخارجية تغتنم فرصًا في سياسة الإقليم، والقوى الإقليمية ليس من مصلحتها استبدال هيمنة أميركا بغيرها، وإنما الاقتراب من القوى الخارجية؛ بهدف تنوع المسارات وتقليص الاعتمادية على المهيمن. لقد ظهرت مقيدات وحدود للهيمنة الأميركية في اليابسة. لكنها لن تدفع أميركا إلى العدول عن هدف الهيمنة119، وإنما تجعلها تلجأ إلى بدائل أخرى لتعزيزها120. لقد تمردت إيران على أميركا، وانسحبت أميركا من العراق، وقلصت وجودها في أفغانستان، وتململت أنقرة من السياسة الأميركية، واستنجدت بتحالف دولي ضد "داعش"، وأغفلت تعلقها بمبدأ نشر الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان. ومع ذلك، عززت وجودها العسكري في الخليج العربي، وزادت من بيع الأسلحة إلى بعض الدول، وتوسع نفوذها في التأثير في اليابسة الداخلية للدول في الإقليم121 لكونها القوة المهيمنة، وليس من قوة أخرى تستطيع أداء دور الوسيط في النزاعات، كذلك الذي بين العرب وإسرائيل، أو تستطيع أن توازن أو ترجح كفة على أخرى للمحافظة على استقرار الوضع القائم. وبهذه السياسات تواجه أميركا تحديات تآكل هيمنتها عالميًا.

  1. Anoushirvan Ehteshami, "The Foreign Policy of Iran, Durham University Online," in: Raymond Hinnebusch & Anoushiravan Ehteshami (eds.), The Foreign Policies of Middle East States (Boulder, CO: Lynne Rienner, 2009), pp. 261-280.
  2. Ruth H. Santini, "A Regional Cold War in the Middle East and in North Africa: Regional Security Complex Theory Revisited," The International Spectator , vol. 52, no. 4 (2017), pp. 93-111.
  3. D.L. Byman, "Why Engage in Proxy War? State's Perspective," Brookings, 21/5/2018, accessed on 1/3/2020, at: https://brook.gs/32DuMVn
  4. Alex Marshall, "From Civil War to Proxy War Past History and Current Dilemmas," Small Wars and Insurgencies , vol. 27, no. 2 (2016), pp. 183-195.
  5. يُنظر: نعمة، 117 نقد الاستراتيجية الصينية.
  6. Yahia Sadowski & Fareed Mohamedi, "Decline (But Not Fall) of US Hegemony in the Middle East," Middle East Research and Information Project, Middle East Report , no. 220 (Fall 2001), accessed on 2/3/2020, at: http://bit.ly/2uLgi9v
  7. Samer Bakkour, "Dynamics of Middle East Peace Process in the Era of US Hegemony 1950-2000," Journal of International and Security Studies (CEJISS) , vol. 10, no. 2 (September 2016).
  8. M. Cox, "Whatever Happened to American Decline? International Relations and the New United States Hegemony," New Political Economy , vol. 6, no. 2 (2001), pp. 311-340.

7. الطاقة والهيمنة في اليابسة

إن تاريخ "النفط" في العلاقات الدولية تاريخ نزاعات وحروب بين القوى122؛ لأهميته في بناء القوة الوطنية والعلاقة بين النفط والجيوبوليتيك، وإن لعصر ما بعد الحرب الباردة نظيرًا في القرن السابق في التنافس والصراع للهيمنة على "مصادر الموارد"، بهدف السيطرة في النظام الدولي، والنفط له قيمة وأهمية لا نظير لها123. والنفط في اليابسة له أهمية كبرى؛ لأنه أكبر مستودع ومنتج على اليابسة، وللعلاقة بين السيطرة عليه وسياسة القوى الكبرى في الاقتصاد السياسي العالمي والسياسة الدولية124. لقد هرعت الولايات المتحدة إلى إخضاع طاقة وسط آسيا وحوض قزوين تحت نفوذها، وسعت لإخراج روسيا من نفوذها125، وتقليص فرص الصين في التنافس على الطاقة. لكنها لم تحقق الهيمنة لتصبح المهيمن العالمي على طاقة الفضاءين الجيوبوليتيكيين (وسط آسيا وقزوين) وفي اليابسة126، وقد حرصت الإدارات الأميركية على الهيمنة على طاقة الخليج العربي، فقد كان الرئيس جيمي كارتر 1981-1977() قد أعلن عام 1980 أن أي فعل من قوة معادية لمنع الوصول إليه سوف يعتبر عدوانًا على المصالح الحيوية، ويقابَل بكل الوسائل الضرورية، ولم يحد رئيس بعده عن ذلك127. ويرى س. بيتر أن حرب الخليج عام 1991 كانت أول حرب من أجل السيطرة على النفط، وعلى نطاق عالمي بعد الحرب الباردة128. إن طاقة اليابسة عامل حاسم في السيادة في النظام الدولي، ويرى هنتنغتون "أن أهم النزاعات الرئيسة بين الولايات المتحدة والقوى الكبرى من المحتمل أن تكون حول القضايا الاقتصادية129، وفيها تحسم مسألة الصدارة، بفضل السيطرة على جيوبوليتيك الطاقة130. والرأي عند د. هافر "أن الذي يسيطر على الشرق الأوسط يسيطر على سدادة النفط العالمي، والذي يسيطر على سدادة النفط العالمي يستطيع السيطرة على الاقتصاد العالمي، على الأقل في المستقبل القريب"131. ومع تناقص اعتماد أميركا على نفط اليابسة، وتوكيد استقلاليتها الطاقوية واحتمال تحويلها إلى مصدّر132، فإن قبضتها ستصبح أشد إحكامًا أمام عطش اقتصادات عظمى صاعدة، وهي: الصين والهند واليابان وأوروبا الغربية وكوريا الجنوبية. إن السيطرة على نفط اليابسة تقوّي فرص أميركا في التنافس مع نفط وسط آسيا – حوض قزوين، وتعزز السيطرة على المستهلكين، وتؤمن ولاء الحاكمين في الإقليم. إن الطاقة في اليابسة تمثل "المركز الجيوبوليتيكي للطاقة، وسوق النفط العالمية مرتبطة بالسياسة في اليابسة، والولايات المتحدة القوة الوحيدة القادرة على التحكم فيها وإدارتها، والعلاقة بين أميركا والسعودية عامل مهم في منافع البترودولار. "إن واحدًا من الأشياء الأساسية التي فعلها السعوديون تأريخيًا"، كما صرّح السفير الأميركي السابق في السعودية للجنة داخل الكونغرس، "إضافة إلى الصداقة مع الولايات المتحدة، إصرارهم على أن يبقى تسعير النفط بالدولار؛ لذلك، فإن في وسع الخزانة الأميركية أن تطبع دولارًا وتشتري نفطًا، وهذه ميزة ليس لأي بلد آخر مثلها". ويترتب على هذا طلب غير حقيقي على الدولار، تطبع أميركا دولارًا لتبقى الثقة بالتعامل بالدولار، وبالنظام الاقتصادي السياسي العالمي. يدرك صناع القرار وكثيرون من المعنيين بالدراسات الاستراتيجية، أن قدرة الولايات المتحدة على المحافظة على الصدارة في النظام العالمي تواجه تحديات من القوى الكبرى، لمشاركتها في تدبيره، ويدركون أيضًا أن النظام الدولي سائر نحو التعددية عالميًا وإقليميًا، سواء في وسط آسيا وروسيا والصين وأميركا واليابان والهند والاتحاد الأوروبي، وتحت سقف منظمة شنغهاي ومن خارجها، وفي فضاء آسيا – الهادي تتنافس الولايات المتحدة والصين على الدور ولديهما بوادق اليابان

  1. D. Yrgin, the Prize: The Epic Quest for Oil, Money and Power (New York: Simon Schuster, 1991).
  2. M. Klare, Blood and Oil: The Dangers and Consequences of America's Petroleum Dependency (London: Penguin Books, 2005).
  3. S. Peters, "Coercive Western Energy Security Strategies: 'Resource War's' as a New Threat to Global Security," Geopolitics , vol. 9. no.1 (2004), pp. 187-212.
  4. E. Wishnick, "Russia, China, and the United States in Central Asia: Prospects for Great Powers Competition, Cooperation in the Shadow if the
  5. M. Iqbal & M.K. Afridi, "New Great Game in Central Asia: Conflict, Interests, and Strategies of Russia, China and the United States. Dialogue , vol. 12, no. 3 (2017), pp. 230-244.
  6. M. Klare, "The New Geography of Conflict," Foreign Affairs , vol. 80, no. 3 (2001), pp. 49-61.
  7. S. Peter, Coercive Western.
  8. S. Huntington, "Why Only International Primacy Matters," International Security , vol. 17, no. 4 (1993), pp. 68-83. 129  Philippe Le Billon, "The Geopolitical Economy of 'Resource Wars'," Geopolitics , vol. 9, no. 1 (2004), pp. 1-28.
  9. Georgian Crisis," Strategic Studies Institute of the US Army War College (February 2009).
  10. D. Haver, The New Imperialism (Oxford: Oxford University Press, 2005), p. 19.
  11. Elizabeth Rosenberg, "Energy Rush: Shale Production and US National Security," Center for a New American Security (February 2014), accessed on 27/2/2020, at: http://bit.ly/2TheY7H
  12. S. Nixon, "Wha 's That in Euros?" The Spectator , 17/10/2003.

والهند والاتحاد الأوروبي، وأن اليابسة المحور الجيوبوليتيكي الأكثر أهمية في هيكلة النظام الدولي ما بين الهيمنة الأحادية والتعددية القطبية من دون بقية المحاور. إن أوراسيا أصبحت تعددية، وكذلك آسيا – الهادي، ولم تخسر أميركا منزلة المهيمن" أو "القائد" عالميًا، فإذا خسرت اليابسة ستكون نهاية القرن الأميركي. إن في اليابسة خصائص تسعف انحسار الهيمنة الأميركية، وهو أمر حتمي، فموقعها يتوسط الفضاءات الجيوبوليتيكية المحورية، الأوروبي – الأطلسي، لما بعد عام 1945، وأوراسيا، الماكندرية التقليدية، وآسيا – الهادي، وفي اليابسة آليات لبلوغ هدف وإدامة الهيمنة وتقليل التكلفة وتحديد الأخطار: التهديد العالمي والقوى الإقليمية المتصارعة، والطاقة. وأميركا وحدها تحتكر قدرة تدبر العناصر الثلاثة: العسكرية والاقتصادية والسياسية، لكنها قدرة غير معصومة. "إن الذي يسيطر على محور اليابسة يتحكم في المحاور الأخرى، والذي يتحكم في المحاور يسيطر على العالم"، فمحور اليابسة هو الحلقة المفقودة.

المراجع

العربية

نعمة، كاظم هاشم. الصين في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة. طرابلس، ليبيا: أكاديمية الدراسات العليا،.2010 ________. القوة الوسطى في النظرية والتطبيق: كوريا الجنوبية في السياسة الآسيوية. عمّ ن: دار آمنة للنشر،.2015 ________. الهند في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة. عمان: دار آمنة للنشر، 2014. ________. اليابان في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة. عمان: دار آمنة للنشر،.2013 ________. روسيا في السياسة الآسيوية بعد الحرب الباردة. عمان: دار آمنة للنشر،.2014 ________. روسيا والشرق الأوسط بعد الحرب الباردة: فرص وتحديات. الدوحة/ ب وررت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،.2016 ________. نقد الاستراتيجية الصينية حيال الدول العربية. عمان: دار آمنة للنشر،.2018

الأجنبية

Agnew J. & S. Corbridge. Mastering Space: Hegemony, Territory, and International Political Economy. London/ New York: Routledge, 1995. Al Ubaydli, Omar. "Iran's Threat to Block Hormoz: A Game Theory Model Analysis." The London School of Economics and Political Science. 16/5/2016. at: http://bit.ly/2IaZ3Bi Al-Rasheed, Madowi. "Saudi Arabia and the Quest for Regional Hegemony." Hurst. 19/7/2016. at: http://bit.ly/32OdQM9 Bakkour, Samer. "Dynamics of Middle East Peace Process in the Era of US Hegemony 1950-2000." Journal of International and Security Studies (CEJISS). vol. 10, no. 2 (September 2016).

Barnett, Roger. W. Asymmetrical Warfare: Today's Challenge to U.S. Military Power. Virginia: Brassy's Inc., 2003. Berger, Samuel R. "American Power, Hegemony, Isolationism or Engagement." The White House. Council on Foreign Relations. 21/10/1999. at http://bit.ly/32Om9rj Biddle, Stephen D. "American Grand Strategy after 9/11: An Assessment." Strategic Studies Institution (April 2005). at: http://bit.ly/2wdJRku Bill, James A. "The Politics of Hegemony: The United States and Iran." Middle East Policy. vol. 8, no. 3 (Fall 2001). Billon, Philippe Le. "The Geopolitical Economy of 'Resource Wars'." Geopolitics. vol. 9, no. 1 (2004). Blank, Stephen J. "Rethinking Asymmetric Threats." Strategic Studies Institute of the US Army War College

Blouet, B.W. Geopolitics and Globalization in the Twentieth Century. London: Reaktion Books, 2001. Bone, Giovanna. "The EU's Military Doctrine: An Assessment." International Peace Keeping. vol. 11, no. 3

Brands, H. Making the Unipolar Moment: U.S. Foreign Policy and the Rise of the Post-Cold War Order. New York: Cornell University Press, 2016. Brenner, Michael. "The CFSP Factor, A Compromise of United States and French Strategies." Cooperation and Conflict. vol. 38, no. 3 (2003). Britz, Malena & Arita Erikson. "The European Security and Defense Policy: A Fourth System of European Foreign Policy?" Politique Européenne. vol. 3, no. 17

Brooks, S.G. & W.C. Wohlfarth. "American Primacy in Perspective." Foreign Affairs. vol. 81, no. 4 (2002). Brooks, Stephen G. & William C. Wohlforth. W.C. World Out of Balance: International Relations and the Challenge of American Primacy , Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008. Brzezinski, Z. The Grand Chessboard: American Primacy and Its Geostrategic Imperatives. New York: Basic books, 1997. Buckley, Mary & Robert Singh. The Bush Doctrine and the War on Terrorism: Global Responses, Global Consequences. London/ New York: Routledge, 2012. Burg, S.L. & Paul S. Shoup. The War in Bosnia Herzegovina: Ethnic Conflict and International Intervention. London/ New York: M.E. Sharp, 1999. Burn, Nicholas et al. (eds.). The World Turned Upside Down: Maintain America's Leadership in Dangerous Age. Colorado: Aspen Strategy Group, 2017. Buzan, Barry. "Will the Global War on Terrorism Be the New Global War?" International Affairs. vol. 82, no. 6

Byers, Michael. "Terrorism: The Use of Force and International Law after 11 September." International & Comparative Law Quarterly. vol. 51, no. 2 (2002). Byman, D. & J. Shapiro. "Be Afraid. Be A little Afraid: The Threat of Terrorism from Western Foreign Fighters in Syria and Iraq." Foreign Policy at Brookings. Policy Paper. no. 34 (November 2014). at: https://brook.gs/2Tn9uqQ Byman, Daniel L. "Why Engage in Proxy War? at: Brookings. Perspective." State's https://brook.gs/32DuMVn Callahan, W.A. & Elina Barabansteva (eds.). China Orders the World: Normative Soft Power and Foreign Policy. Baltimore: John Hopkins University Press, 2011.

Cohen, Saul B. "Global Geopolitical Change in Post- Cold War Era." Annals of Association of American Geographers. vol. 81, no. 4 (1991). Conde. Alexander De et al. (eds.). Encyclopedia of American Foreign Policy. New York: Scribner, 1978. Conway, D. & N. Heyman (eds.). Globalization's Dimensions. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 2003. Copper, John F. "America's Asia Pivot: What does it Mean and will it Succeed?" East Asian Policy. vol. 6, no.

Cordesman, Anthony H. "The lessons and Challenges of September 11-The New '9/11'." CSIS. 9/9/2011. at: http://bit.ly/3aiBhPU Corinin, Audey Kurth. "How Al-Qaida Ends: The Decline and Demise of Terrorist Groups." International Security. vol. 31, no. 1 (2006). Cox, Michael. "Whatever Happened to American Decline? International Relations and the New United States Hegemony." New Political Economy. vol. 6, no. 2

Dave, Bhavna. "Resetting India's Engagement in Central Asia: From Symbols to Substance." RSIS. Policy Report (January 2016). Denoon, David (ed.). China: The United States, and the Future of Central Asia , New York/ London: New York University Press, 2015. Digkink, Gertjan. National Identity and Geopolitical Visions: Maps of Pride and Pain. London/ New York: Routledge, 1996. Eland, Ivan. "Does U.S. Intervention Overseas Bread Terrorism? The Historical Record." Cato Institute. Foreign Policy Briefing. no. 50. 17/12/1998. Ellis, S. & A. Fuller. "Iranian Nuclear Aspirations and Strategic Balancing in the Middle East." Middle East Policy. vol. 22, no. 2 (2015). Esposito, J. & D. Moghad. Who Speaks for Islam? What A Billion Muslims Think. New York: Simon & Schuster,

Fetwies, C. Psychology of Superpower: Security and Dominance in U.S. Foreign Policy. New York: Columbia University Press, 2018. Fukuyama, Francis. The End of History and the Last Man. New York: Free Press, 1992. Gaffney, Henry H. Lucio Martino & Daniel J. Whiteneck. "A Nuclear Armed Iran's Impact on Global Security." Center for Naval Analysis. Centro Militare Di Studi Strategici Roma. no. 11 (2005). at: http://bit.ly/3cnspKU Gagné, Jean-François. Geopolitics in Post-Cold War Context: From Geostrategic to Geo-economics Considerations. Montréal: Chaire Raoul-Dandurand en études stratégiques et diplomatiques, Université du Québec, 2007. Gerace, Michael P. "Between Mackinder and Spykman: Geopolitics, Containment, and After." Comparative Strategy. vol. 10, no. 4 (1991). Gershman, J. "Is Southeast Asia the Second Front." Foreign Affairs. vol. 81, no. 4 (2002). Glaster, C.L. & R.A. Kelanic (eds.). Crude Srtrategy: Rethinking the US Military Commitment to Defend Gulf Oil. Washington D.C.: Georgetown University Press, 2012. Gravel, Mike. The Pentagon Papers: The Senator Gravel Edition. Boston, MA: Beacon Press, 1971. Gray, Colin S. "Nicholas John Spykman, The Balance of Power, and International Order." Journal of Strategic Studies. vol. 38, no. 6 (2015). ________. "In Defense of the Harland: Sir Halford N´Mackinder and His Critics a Hundred Years On." Comparative Strategy. vol. 23, no. 1 (2004).

Hallams, Ellen. "From Crusader to Exemplar: Bush, Obama and the Reinvigoration of America's Soft Power." European Journal of America Studies. vol. 6, no. 1 (2011). Harris, Sturt. "China's Regional Policies: How Much Hegemony." Australian journal of international Affairs. vol. 59, no. 4 (2005). Haver, D. The New Imperialism. Oxford: Oxford University Press, 2005. Headline Goal 2010. Brussels. 17/5/2004. at: http://bit.ly/3cooRYD Hinnebusch, Raymond & Anoushiravan Ehteshami (eds.). The Foreign Policies of Middle East States. Boulder, CO: Lynne Rienner, 2009. Hohnson, Lynden B. The Vantage Point: Perspectives on the Presidency 1963-1969. New York: Holt Rinehart and Winston, 1969. Horner, C. Rising China and Postmodern Fate: Memories of Empire in a New Global Context. Athens/ London: The University of Georgia Press, 2009. Huntington, S. "The Lonely Superpower." Foreign Affairs. vol. 78, no. 2 (March-April 1999). Huntington, S. "Why Only International Primacy Matters." International Security. vol. 17, no. 4 (1993). ________. The Clash of Civilizations: The Debate. New York: Siomon & Schuster, 1997. Ikenberg, G.J. After Victory: Institutions, Strategic Restraint, and the Rebuilding of Order After Major Wars. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2001. ________. "Rethinking the Origins of American Hegemony." Political Science Quarterly. vol. 104, no. 3.

William Mastanduno Michael C. Wohlforth. "Unipolarity, State Behavior and Systemic Consequences." World Politics. vol. 61, no. 1 (2009). Immerman, Richard & Petra Goedde (eds.). The Oxford Handbook of Cold War. Oxford: Oxford University Press, 2013. Iqbal, M. & M.K. Afridi. "New Great Game in Central Asia: Conflict, Interests, and Strategies of Russia, China and the United States." Dialogue. vol. 12, no. 3 (2017). Jacques, M. When China Rules the World: The End of the Western World and the Birth of a New Global Order. London: Allen Lane, 2009. Johnson, Chalmers. The Sorrows of Empire: Militarism, State Secrecy, and the End of the Republic. New York: Henry Holt, 2004. Johnston, R.J. & P.G. Tayler (eds.). World in Crisis: Geographical Perspectives. Oxford/ Cambridge, MA: Blackwell, 1989. Jonson, Lena. Russia in Central Asia: A New Web of Relations. London: Royal Institute of International Affairs, 1998. Juul, Peter. "9/11's Impact on Conservative Foreign Policy: Little Has Changed, Preventive War Is Still Favoured." Centre for American Progress. 9/9/2011. at: https://ampr.gs/3cnciwS Kaczmaski: Relations in the Post Crisis International Order. London/ New York: Routledge, 2015. Kagan, Robert. the World America Made. New York: Alfred Knopf, 2012. Kanet, Roger (ed.). Russia: Remerging Great Power. New York: Palgrave Macmillan, 2007. Kaplan, Robert. "The Revenge of Geography." Foreign Policy. no. 172 (May/ June 2009). Kapstein, E.B. & M. Mastanduna (eds.). Unipolar Politics: Realism and State Strategies after Cold War. New York: Columbia University Press, 1999.

Katzenstein, Peter. & Robert Keohane (eds.). Anti- Americanism and World Politics. Ithaca: Cornell University Press, 2007. Kaul, Inge et al. Providing Global Public Goods: Managing Globalization. New York: Oxford University Press, 2003. Ken Booth &Tim Dunne (eds.). World in Collision: Terror and the Future of Global Order. New York: Palgrave Macmillan, 2002. Kennan, George. American Diplomacy: 1900-1950. Chicago: University of Chicago Press, 1969. Kennedy, P. The Rise and Fall of the Great Powers: Economic Change and Military Conflict, 1500 to 2000. New York: Random House, 1987. Kerr, Davisd. "The New Eurasianism: The Rise of Geopolitics in Russia's Foreign Policy." Europe-Asia Studies. vol. 47, no. 6 (1995). Khrushchefm, Nikita. Khrushchev Remembers. Boston, MA: Little Brown, 1970. Kissinger, H. Diplomacy. New York: Simon & Schuster, 1994. Klare, M. "For Oil and Empire? Rethinking the War with Iraq." Current History. vol. 102, no. 662 (March 2003). Klare, M. "The New Geography of Conflict." Foreign Affairs. vol. 80, no. 3 (2001). ________. Blood and Oil: How America's Thrust for Petrol Is Killing US. London: Hamish Hamilton, 2004. ________. Blood and Oil: The Dangers and Consequences of America's Petroleum Dependency. London: Penguin Books, 2005. Kolossov, Vladimir. & RostislavTurovsky. "Russian Geopolitics at the fin-de-siecle." Geopolitics. vol. 6, no. 1

Krauthammer, Charles. "The Unipolar Moment." Foreign Affairs. vol. 70, no. 1 (1990-1991). Lawrence, Susan. "U.S.-China Relations: An Overview of Policy Issues." CRS. Report for Congress. 1/8/2013. at: http://bit.ly/39rLklC Layne, Christopher. "The Unipolar Illusion: Why New Great Powers Will Rise." International Security. vol. 17, no. 4 (1993). Leffler, Mylven. "September 11 in Retrospect: George W. Bush Grand Strategy Reconsidered." Foreign Affairs. vol. 90, no. 5 (September/ October 2011). Leonard, M. What Does China Think? New York: Public Affairs, 2008. Lesson, P.T. & Andrea M. Dean. "The Democratic Domino Theory: An Empirical Investigation." American Journal of Political Science. vol. 53, no.3 (2009). Leverett, Flynt. & H.M. Leverett. "The United States and the Middle East's New Cold War." The International Spector. vol. 45, no. 1 (2010). Lind, Jennifer. "Life in China's Asia: What Regional Hegemony Would Look Like." Foreign Affairs. vol. 97, no. 2 (March-April 2018). Liu, Ying. "Strategic Partnership or Alliance: Sino- Russian Relations from Constructive perspective." Asian Perspective. vol. 42, no. 3 (2018). M. Flournoy (ed.). QDR 2001: Strategy Driven Choice for American Security. Washington, DC: National Defence University Press, 2001. Mackinder, Halford J. "The Round World and the Winning of the Peace." Foreign Affairs. vol. 21, no. 4

________. "The Geographical Pivot of History." The Geographical Journal. vol. XXIII, no. 4 (April 1904). Mackinder, Halford. Democratic ideals and Reality. With additional papers. New York: Norton,1962.

________. Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction. London: DIANE Publishing, 1942. Malashenko, Alexey. "The Fight for Influence: Russia in Central Asia." Carnegie Mosco Center. 10/12/2013. Marsden, Chris. "Europe Moves Towards Independent Military Role." WSWS. 5/6/1999. at: http://bit.ly/38bvw5a Marshall, Alex. "From Civil War to Proxy War Past History and Current Dilemmas." Small Wars and Insurgencies. vol. 27, no. 2 (2016). Mastonduno, M. "Preserving the Unipolar Moment: Realist Theories and US Grand Strategies After the Cold War." International Security. vol. 12, no. 4 (1997). Mearsheimer, John. "Back to the Future: Instability in Europe after the Cold War." International Security. vol. 15, no. 1 (1990). ________. The Tragedy of Great Power Politics. New York: W.W. Norton, 2001. Mederios, Evan. "Strategic Hedging and the Future of Asia-Pacific Stability." The Washington Quarterly. vol. 29, no. 1 (2005). Milani, Mohsin M. "Iran's Post Cold Policy in the Persian Gulf." International Journal. vol. 49, no. 2 (Spring 1994). Ministry of Foreign Affairs of the People's Republic of China. "Treaty of Good-Neighborliness and Friendly Cooperation Between the People's Republic of China and Russian Federation." 24/7/2001. at: http://bit.ly/2VDT68e Muni, S.D. & Chadha, V. (eds.). Asian Strategic Review: US Pivot East. New Delhi: Pentagon Press, 2014. National Intelligence Council. Global Trends 2005: A Transformed World. Washington, D.C.: U.S. Government Printing House, 2005. Nicholas, Jim. "Central Asia: Regional Developments and Implications for U.S. Interests." Congressional Research Service. no. 7-5700. 21/3/2014. Norrlof, Carla. America's Global Advantage: US Hegemony and International Cooperation. Cambridge: Cambridge University Press, 2010. Nye, J.S. The Paradox of American Power: Why the World' Only Superpower Can't Go It Alone. New York: Oxford University Press, 2002. Nye, Joseph. Obama's Pacific Pivot. Cambridge, MA: Belfer Center - Harvard Kennedy School, 2011. Nygren, Bertil. The Rebuilding of Greater Russia: Putin's Foreign Policy Towards the CIS Countries. Abingdon, UK: Routledge, 2007. Odom, W.E. & Robert Dujarric. America's Inadvertent Empire. New Haven: Yale University Press, 2005. Oliphant: role and interests in Central Asia." Safer World (October 2013). at: https://bit.ly/2yO1lF2 O'Tuathail, G. et al. Geopolitics. London/ New York: Routledge, 2003. Parker, W.H. Mackinder: Geography as an Aid to Statecraft. Oxford: Clarendon, 1982. Paterson: Cold War: American Foreign Policy Since 1945. Massachusetts: Addison Wesley, 1978. Peter, S. "Coercive Western Energy Security Strategies: Resource War's as a New Threat to Global Security." Geopolitics. vol. 9, no. 1 (2004). Posen, Barry R. "Commands of the Commons: The Military Foundations of US Hegemony." International Security. vol. 28, no. 1 (2003). Pottbohm, Thomson & Silke Thomson-Pottebohm. "The UK, Germany and ESDP: Developments at the Convention and the IGC." German Politics. vol. 13, no. 4

Reglim, S.F. & J. Parisot, (eds.). American Hegemony and the Rise of Emerging Power, Cooperation, and Conflict. London/ New York: Routledge, 2017. Rehman, Iskander. "Keeping the Dragon at Bay: India's Counter-containment of China in Asia." Asian Security. vol. 5, no. 2 (2009). Reich, Simon & R.N. Lebow. Good-bye Hegemony! Power and Influence in Global System. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2014. Rosenberg, Elizabeth. "Energy Rush: Shale Production and US National Security." Center for a New American Security (February 2014). at: http://bit.ly/2TheY7H Ross, R. "Balance of Power Politics and The Rise of China: Accommodation and Balancing in the East." Security Studies. vol. 15, no. 3 (2006). Sadowski, Yahia & Fareed Mohamedi. "Decline but Not Fall of US Hegemony in the Middle East." Middle East Research and Information Project. Middle East Report. no. 220 (Fall 2001). at: http://bit.ly/2uLgi9v Santini, Ruth H. "A Regional Cold War in the Middle East and in North Africa: Regional Security Complex Theory Revisited." The International Spectator. vol. 52, no. 4 (2017). Sardar, Z. & Davies, M.W. Why People Hate America? Cambridge: Icon Books, 2002. Sattarov, Rafael. "A Needless Rivalry? Russia and the EU in Central Asia." Carnegie Moscow Center. 11/4/2018. at: http://bit.ly/3ch94ea Schell, Jonathan. the Time of Illusion. New York: Knopf, 1976. Schlesinger, Arthur. A Thousand Days: John Kennedy in the White House. Boston, MA: Houghton Mifflin, 1965. Scott, David. "The Great Power 'Great Game' Between India and China: The Logic of Geography." Geopolitics. vol. 13, Issue 1 (2008). Scruggs, David R. et al. "European Defense Integration: Bridging the Gap between Strategy and Capabilities." Center for Strategic and International Studies. Report. 1/10/2005. at: http://bit.ly/2x0uJHv Sklar, R.L. "Post Imperialism: A Class Analysis of Multinational Corporate Expansion." Comparative Politics. vol. 9, no. 1 (1976). Slater, Jerome. "Domino in Central America: Will They Fall, Does It Matter." International Security. vol. 12, no. 2 (1989). Slater, Jerrsome. "The Domino Theory and International Politics: The Case of Vietnam." Security Studies. vol. 3, no. 2 (1993). Snyder, Jack. "Imperial Temptation." The National Interest. no. 71 (Spring 2003). Snyder, Jack. Robert Y. Shapiro & Yaeli Bloch-Elkon, "Free Hand Abroad, Divide and Rule at Home." World Politics. vol. 61, no. 1 (January 2009). Spykman, Nicholas John. The Geography of the Peace. Helen R. Nicholl (ed.). New York: Harcourt Brace & Co., 1944. Stone, Randell W. Branislav L Slantchev & Tamar R. London. "Choosing How to Cooperate: A Repeated Public Goods Model of International Relations." International Studies Quarterly. vol. 52, no. 2 (2008). Sutter, Robert. G. China's Rise: Implications for US Leadership in Asia. East-West Centre Washington. Policy Studies. no. 21 (2006). Talbot, Valeria (ed.). Turkey: Toward Eurasian Shift. Milano: Ledizioni-LediPublishing, 2018. The White House. Office of the Press Secretary. "Address by the President to the Nation." 25/7/2011. ________. "The National Security Strategy of the United States of America." 17/9/2002. at: https://bit.ly/2Y7dGyQ

Thrall, Trevor & Eriö Geopner. "Step Back: Lessons for U.S. Foreign Policy from the Fail War on Terror." Cato Institute. Policy Analysis. no. 814. 26/6/2017. Thuathial, J.O. & Dalby, S. (eds.). Rethinking Geopolitics. London/ New York: Routledge, 1998. Trygankov, Andrei. "Mastering Space in Eurasia: Russia's Geopolitical Thinking after the Soviet Break-Up." Communist and Post-Communist Studies. vol. 36, no. 1

United States Congress. Office of the Secretary of Defense. Department of Defense. Report on Allied Contribution to the Common Defense (Washington 2003) at: http://bit.ly/2TtxoB3 Walt, S.W. The Origins of Alliances. New York: Cornell University Press, 1997. Walt, Stephen M. "American Primacy: Its Prospects and Pitfalls." Naval War College Review. vol. 55, no. 2 (Spring 2002). ________. Taming American Power: The Global Response to the US Primacy. New York: W.W. Norton, 2005. Waltz, Kenneth. "The Emerging Structure of International Politics." International Security. vol. 18, no. 2 (1993). Wishnick, E. "Russia, China, and the United States in Central Asia: Prospects for Great Powers competition, Cooperation in the Shadow if the Georgian Crisis." Strategic Studies Institute of the US Army War College (February 2009). Wohlforth, W. "The Stability of the Unipolar World." International Security. vol. 24, no. 1 (1999). Yrgin, D. The Prize: The Epic Quest for Oil, Money and Power. New York: Simon Schuster, 1991. Zakaria, Fareed. The Post American World. New York: W.W. Norton, 2008. Zhao, S. "Debating the China Model of Modernization: The China Model: Can it Replace the Western Model of Modernization?" Journal of Contemporary China. vol. 19, no. 65 (2010). Zimerman, Thomas. "The New Silk Road: China the US, and the Future of Central Asia." New York University. Center of international Cooperation (October 2015).