تحولّات عملية صنع القرار الأميركي بشأن القدس

Ahmad Jamil Azem أحمد جميل عزم |

الملخّص

تبحث هذه الدراسة في تحولّات عملية صنع القرار الأميركي بشأن القدس، وترك ز على التحولّات الجارية في العقد الأخير، وعلى تركيبة جماعات الضغط الإسرائيلية في الولايات المتحدة الأميركية واتجاهاتها. قسّ مت الدراسة إلى ثاثة محاور: يقدم الأول مدخل ا نظريًا لفهم السياسة الأميركية تجاه القدس، ويعرض الثاني تاريخ القدس في السياسة الخارجية الأميركية والكونغرس، ويتناول الثالث القدس وإسرائيل وفواعل صنع السياسة الأميركية. كما تناقش الدراسة دور الإنجيليين واليهود الأميركيين وسياسات الحزبين الديمقراطي والجمهوري واللوبي الإسرائيلي في عملية صنع القرار الأميركي تجاه القدس. وترى أن فواعل عملية صنع القرار مسألة مهمة لفهم الكيفية التي تُصاغ بها السياسة الأميركية تجاه القدس. كلمات مفتاحية: صنع القرار، السياسة الأميركية، القدس، دونالد ترامب. This study examines the shifts in the US decision-making process with regard to Jerusalem, spotlighting those taking place over the last decade and the structure and tendencies of Israeli lobby groups in the United States. The paper is divided into three sections: a theoretical approach to understanding US policy on Jeru- salem; an outline of the history of Jerusalem in US foreign policy and Congress; and finally, Jerusalem, Israel and American policymakers, investigating the role of evangelicals, American Jews, Democratic and Republican party policy and the Israeli lobby in US decision-making on Jerusalem. Keywords: Decision-Making, US Policy, Jerusalem, Donald Trump.

Shifts in the US Decision-Making Process on Jerusalem

مقدمة

يكشف مشهد افتتاح السفارة الأميركية في القدس، في 15 أيار/ مايو 2018، كثيرًا من معالم العلاقات الأميركية - الإسرائيلية وحقائقها، وتحولّات هذه العلاقات. ففي هذا المشهد، اجتمع سياسيون ورجال أعمال ورجال دين وأقارب من عائلة واحدة وأصهارهم، يمثّلون في حد ذاتهم شبكة مصالح، يتشابك فيها المال والدين والسياسة وعلاقات المصاهرة. ويُبدّد هذا المشهد، الذي ستُعرض تفصيلاته لاحقًا، فرضيتين شائعتين في تفسير الموقف الأميركي المنحاز دائمًا إلى الإسرائيليين: الفرضية الأولى تأتي من النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، التي تقول إنّ هناك مصالح وتحالفًا استراتيجيًّا بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وإنّ السياسة الأميركية في الشرق الأوسط تعتمد على الحليف الإسرائيلي وتستفيد منه. أمّا الفرضية الثانية، فتأتي من النظرية الليبرالية التي تعتبر التقارب الثقافي والفكري والسياسي، وخصوصًا تشابه الأنظمة السياسية الديمقراطية، أساس العلاقات الدولية، ومن ثمّ الاقتناع بأنّ هناك جذورًا دينية وثقافية وأنماطًا سياسية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، تُفسّ هذه العلاقة الخاصة. في الواقع، لا التفسير الواقعي ولا الليبرالي، ولا أي تصور "عقلاني" تقليدي يُفسّ العلاقات الدولية، يمكن أن يكون مدخلً لفهم السياسة الأميركية في الشأن الإسرائيلي. والمدخل المناسب، كما ستوضح هذه الدراسة، هو "صنع القرار الخارجي" الذي يعتمد على منهج استقرائي يُتابع تفصيلات على مستوى جزئي صغير (ماكرو)، لفهم السياسة الأميركية في الشأن الإسرائيلي ومن الذي يصنعها، وما دوافعه ومصالحه واعتباراته.

لفهم السياسة الأميركية في موضوع القدس، التي هي جزء من سياسة أميركية عامة في المسألة الإسرائيلية، يجدر بنا أولًالقيام بعرض تاريخي للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية، وأن نجعل القدس في صلبه، ثم نناقش الفرضيات الأساسية التي تتحدث عن علاقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، ثم نستقرئ تحولّات هذه العلاقة، خصوصًا خلال إدارتَ باراك أوباما 2017-2009()، ودونالد ترامب بدءًا من عام 2017 حتى منتصف عام.2019

أولا: مدخل نظري وفرضيات لفهم السياسة الأميركية إزاء القدس

نشر جون ميرشايمر وستيفن وولت في عام 2007، كتابًا بعنوان اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأميركية الخارجية، وهو في الأساس توسيع وتطوير لمقالة نشراها في عام 2006؛ أي قبل نشر الكتاب بعام واحد1. يُعدّ ميرشايمر ووولت باحثيَن مهمَيّن على المستوى العالمي، ومن أبرز مفكري النظرية الواقعية الجديدة في العلاقات الدولية، وهي نظرية سادت منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين، وأبرز ما فيها التركيز على أنّ الدول تعتمد على ذاتها في تحقيق أمنها ومصالحها ومدّ نفوذها. وأهم إطار لتحليل العلاقات الدولية هو فهم تجاذبات الاستقطاب بين الدول العظمى وموازين القوى بينها2. ربما يُتوَقَّع، لأول وهلة، أن ينظر الكاتبان إلى اللوبي الإسرائيلي من زاوية مدى أهمية التحالف الأميركي - الإسرائيلي، وخصوصًا في إطار سياسة القوة العظمى في زمن الحرب الباردة وما بعدها، في احتواء الشرق الأوسط وضمان المصالح الأميركية فيه. ولكنْ رفض الكاتبان هذا المدخل، وهما يرفضان أيضًا مقولات أخرى، مثل أنّ إسرائيل "ذات أهمية استراتيجية حيوية" للولايات المتحدة، وأنّها "شريك لا غنى عنه في 'الحرب على الإرهاب."' ويُفنّدان هذه الأطروحات بأنّ "علاقة واشنطن القريبة بالقدس تزيد صعوبة ولا تسهّل هزيمة الإرهاب الذي يستهدف الولايات المتحدة، وفي الوقت ذاته تقوّض موقف الولايات المتحدة مع حلفاء أساسيين حول العالم." ويوضحان رأيهما في تحليل يأخذ النظام الدولي في الاعتبار من خلال القول: "الآن مع انتهاء الحرب الباردة، أصبحت إسرائيل عبئًا استراتيجيًا على الولايات المتحدة"، ويوضحانه أيضًا قائليَن: "لكن أي سياسي طموح لن يقول هذا علنًا، أو حتى يُلمّح إلى ذلك"3. من جهة ثانية، من الطبيعي أن يرفض الكاتبان، وقد فعلا، التبريرات التي ترى أنّ إسرائيل قضية أخلاقية مهمة للأميركيين، أو أنّ بين إسرائيل والولايات المتحدة قيمً مشتركة؛ إذ لا تتوقف المدرسة الواقعية كثيرًا عند المهمات الأخلاقية للدولة، لكنهما لا يقولان هذا بوضوح، بل يقولان: "هناك مبرر أخلاقي قوي لبقاء إسرائيل، ولذلك، هناك سبب قوي أن تلتزم الولايات المتحدة بمساعدة إسرائيل إذا كان بقاؤها معرضًا للخطر." ويلفت الكاتبان النظر إلى أنّه "أخذًا في الحسبان المعاملة العنيفة Brutal[] للفلسطينيين في الأراضي المحتلة، فإنّ الاعتبارات الأخلاقية قد تعني أن الولايات المتحدة يجب أن تأخذ سياسة أكثر إنصافًا إزاء الطرفين، بل ربما تميل أكثر في اتجاه الفلسطينيين"4. يبدو الكاتبان أقرب إلى منهج "صنع القرار" في السياسة الذي يركز على حوافز رئيس أو سياسي ودوافعه في صنع قراراته وكيف يحدّد خياراته. ويتفق مع وجهة نظرهما باحثون آخرون من أمثال الباحثيَن

  1. John J. Mearsheimer & Stephen M. Walt, The Israel Lobby and U.S.
  2. Scott Burchill, "Realism and Neo-realism," in: Scott Burchill et al., Theories of International Relations , 2 nd ed. (Basingstoke: Palgrave, 2001), p. 70.
  3. Mearsheimer & Walt, p. 5. 4  Ibid.
  4. Foreign Policy (New York: Farrar, Straus and Giroux, 2007).

في الجامعات الأميركية مارغريت هيرمان وجو هاغان، اللذين يقولان إنّ منطق خيارات رجل السياسة ومحدداته "كانت معقولة في النظام الثنائي الأقطاب الذي ميّز الحرب الباردة"، ويضيفان قائليَن: "لكن اليوم حيث يوجد القليل من الاتفاق على طبيعة 'النظام العالمي الجديد' [...]لذلك في مثل هذه البيئة الغامضة، تصبح منظورات قادة صنع السياسة الخارجية أكثر أهمية في فهم ما تفعله الحكومات"5. كما يقولان إنه بينما تزداد مرونة محددات السياسة الخارجية وغموضها، أي عدم وجود المحددات التي تُبنى على توازنات الحرب الباردة والاستقطاب الدقيق والمحسوب، فإنّ "أهمية اعتبارات السياسة الداخلية ازدادت"6.

في الواقع، يقترب المفكرون والمنظّرون العالميون في العلاقات الدولية من الاتفاق، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، على أنّ السياسة الخارجية تبدأ محليًّا، وهو ما عبّ عنه رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي وأحد منظّري الليبرالية، ريتشارد هاس الذي نشر في عام 2013 كتابًا انتقد فيه "المبالغة في الاهتمام بالشأن الخارجي، خصوصًا في الشرق الأوسط"، ويبدو من خلاله قلقًا من تواضع الأداء الأميركي في داخل الولايات المتحدة نفسها7. ويتفق المنظّرون الليبراليون، خصوصًا بعد الفشل الأميركي في العراق بعد عام 2003، على أنّ مسألة الأداء والقدرة على إدارة أوراق القوة هي، في رأيهم، تحدٍّ رئيس للولايات المتحدة، مع قلقهم من هذا الأمر. والواقع أنّ هاس نشر في عام 2017 كتابًا آخر بشأن التشوش والفوضى وعدم الوضوح في السياسة الأميركية والنظام الدولي عمومًا8، نُقل إلى العربية9. بناءً على ما سلف، هناك اتجاه أميركي متزايد لفهم السياسة الخارجية الأميركية، استنادًا إلى اعتبارات داخلية. وقبل هذا، ومنذ زمنٍ بعيد، كانت المقولة التي تتردد عند مناقشة الموقف الأميركي من القضية الفلسطينية، أو بمعنى أدق من الشأن الإسرائيلي، هي أنّ إسرائيل تُعدّ قضية أميركية داخلية. وكانت هذه الفكرة تُستَخدَم لتبرير مدى الانحياز الأميركي إلى الجانب الإسرائيلي، إلى درجة تبدو أحيانًا على حساب المصالح الأميركية؛ على اعتبار أن الرأي العام الأميركي مؤيد ثابت لإسرائيل. ويبدو أن هذه الفكرة تلقى دعمً إضافيًا، لكن ليس من زاوية أن إسرائيل موضوع استثنائي في السياسة الأميركية (وهي كذلك كما ستوضح هذه الدراسة)، بل من زاوية أنّ العوامل الداخلية في صنع القرار السياسي الخارجي عمومًا أصبحت أكثر أهمية بعد الحرب الباردة؛ وبكلمات أخرى، من زاوية عملية صنع القرار الأميركي، وخصوصًا دور جماعات الضغط فيها. ستوضح الدراسة لاحقًا كيف تطوّر الموقف الأميركي تاريخيًّا من الشأن الإسرائيلي، كما ستبيّ تطوّره تجاه القدس على نحو خاص، ليصبح كما لو أنه يتعامل مع قضية داخلية. لكن من خلال العودة إلى كتاب ميرشايمر ووولت، نجد أنه مثالٌ على تجسيد فكرة منهج صنع القرار في فهم السياسة الخارجية والاستناد إلى البعد المحلي، مع تطبيق عملي على الموضوع الإسرائيلي في السياسة الأميركية. يوضح الكاتبان أن السبب الأساسي لهذا الوضع هو قوة اللوبي الإسرائيلي "الذي هو ائتلاف من أفراد ومنظمات يعملون بنشاط لتوجيه السياسة الأميركية الخارجية في اتجاهات مناصرة لإسرائيل"، وهذا الائتلاف، كما يوضحان، ليس له قيادة مركزية، وليس أعضاؤه من اليهود فحسب، وليس مؤامرة، أو خارج تقاليد جماعات الضغط المعروفة والشرعية وعملها في الولايات المتحدة. لكن القوة الكبيرة لهذه الجماعة هي التي تجعل السياسيين يتحاشون الاصطدام بها10. وينسجم ما يُقلق ميرشايمر ووولت مع مدرستهما الواقعية، أي كيف يؤثر هذا اللوبي في سياسة الولايات المتحدة عند "إطلاقها العنان للقوة التي تمتلكها"، ومن ضمن ذلك سياستها في الشرق الأوسط، وهي سياسة قد يكون لها "تبعات ضخمة على شعوب حول العالم"،

  1. 8  Richard Haass, A World in Disarray: American Foreign Policy and the Crisis of the Old Order (New York: Penguin Press, 2017).
  2. يُنظر: ريتشارد هاس، 9 عالمٌ في حَيْصَ بَيْص: السياسة الخارجية الأميركية وأزمة النظام القديم، تعريب وتحقيق إسماعيل بهاء الدين سليمان (بيروت: دار الكتاب العربي،.)2018 10  Mearsheimer & Walt, p. 5.
  3. Richard N. Haass, Foreign Policy Begins at Home: The Case for Putting
  4. 5  Margaret G. Hermann & Joe D. Hagan, "International Decision Making: Leadership Matters," Foreign Policy , no. 110 (Spring 1998), pp. 125.
  5. 6  Ibid.
  6. America's H'use in Order (New York: Basic Book, 2013), p. xi.

ويضربان مثلً ما حدث في حرب العراق التي قامت بها إدارة جورج بوش الابن11. لقد أشار ميرشايمر ووولت إلى البعد الديني التوراتي في التكوين التاريخي والتعليمي في الولايات المتحدة، وإلى الاهتمام بالبعد الديني اليهودي الذي أولاه تاريخيًّا عددٌ من السياسيين عناية، لكنّهما يعتبران "أنّ من الخطأ النظر إلى هذا الاهتمام المتواضع [للسياسيين بالبعد الديني]، باعتباره جذور الدور الأميركي في المنطقة [الشرق الأوسط] منذ الحرب العالمية الثانية، وخصوصًا علاقتها المميزة بإسرائيل اليوم"12. ويعتبران أيضًا أن "الكثير من السياسات التي تتم نيابة عن إسرائيل تُعرّض الأمن القومي الأميركي للخطر. في حين حفّز الدعم غير المحدود لإسرائيل التي تحتل الأراضي الفلسطينية، مناهضة 'الأمركة' في العالم العربي والإسلامي"13. ويعتقد الكاتبان أيضًا أنه كان من الأجدى استخدام القوة المالية والدبلوماسية الأميركية لجعل إسرائيل تتوقف عن بناء المستوطنات. مثّل كتاب ميرشايمر ووولت إضافةً مهمة ونوعية أثارت الكثير من الجدل في السياسة الأميركية، من خلال كشفه عن تفصيلات صنع القرار الأميركي في الشرق الأوسط، استنادًا إلى العامل الإسرائيلي وأذرعته الداخلية في الولايات المتحدة. لكنّ تغييرات كثيرة حدثت في هيكل اللوبي الإسرائيلي وقوّته منذ نشر الكتاب، تجلّت كثيرًا، أو تُرجمت، في سياسة إدارة الرئيس ترامب في موضوع القدس. ومن هنا، تستمد هذه الدراسة بعضًا من أهميتها من تتبعها التغييرات التي أصابت وضع اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. بناءً على هذا المدخل النظري، سيعتمد منهج هذه الدراسة على عرض العوامل الداخلية في صنع السياسة الأميركية من قضية القدس، أو بكلمات أخرى "قوى صنع السياسة الأميركية إزاء القدس." وسيدرس على نحو جوهري عاملين أساسيين: أولهما اللوبي الإسرائيلي، وثانيهما العامل الديني في المجتمع الأميركي. أطروحة البحث الأساسية مفادها أنّ الدين لا يمثّل العامل الأساسي للسياسة الأميركية بشأن القدس، وأنّ لنفوذ اللوبي الإسرائيلي في العملية الانتخابية والمؤسسة الأميركية الدور الأبرز. لن ندرس هنا تاريخ اللوبي الإسرائيلي وتأسيسه، بل متغيّ اته في القرن الحادي والعشرين، وإن كانت الدراسة ستتضمن عرضًا تاريخيًّا لتطوّر وضع القدس في السياسة الأميركية.

ثانيًا: تاريخ القدس في السياسة الخارجية الأميركية والكونغرس

يمثّل وصول بعثة "كينغ - كرين" Commission King–Crane الأميركية إلى القدس في عام 1919 14 أقدمَ التفاعلات الرسمية الأميركية مع قضية القدس؛ فحتى ذلك الوقت كان لدى الرئيس الأميركي في حينها، وودرو ويلسون 1921-1913()، أملٌ في إقناع الكونغرس الأميركي بدخول عصبة الأمم وقيادة العالم، وعلى ما يبدو، كان اهتمامه هذا جزءًا من طموحات الدور القيادي في العالم15. لذلك أرسل هنري تشيرشل كينغ (الأكاديمي المتخصص في الأديان)، وتشارلز كرين (رجل الأعمال المهتم أيضًا بالدراسات العربية)، لزيارة فلسطين ودراسة الأوضاع فيها لتقديم توصيات إلى مؤتمر السلام في باريس لتسوية شؤون ما بعد الحرب العالمية الثانية، بشأن فلسطين، وخصوصًا الأماكن المقدسة فيها16. جال المبعوثان في فلسطين وقابلا الأطراف المختلفة، وبحسب الموسوعة الفلسطينية، تلقّيا 1863 عريضة أثناء جولاتهما هذه في فلسطين وسورية، وخلصت البعثة إلى نتائج تبُرز أهمية الحياد الأميركي حينها، وعدم دخول العامل اليهودي، أو الصهيوني، مُحدِدًا

  1. Ibid., p. 6.
  2. Ibid., p. 7.
  3. Ibid.
  4. لجنة ثلاثية شكّلها المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح لدول الحلفاء في أيار/ مايو 1919، تضم ممثلين عن بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وصلت في 10 حزيران/ يونيو 1919 إلى يافا، في إطار مهمتها في سورية الطبيعية والعراق، وذلك للاطلاع على وجهات نظر السكان، تمهيدًا لتقرير مصير المنطقة. لكنّ مقاطعة كل من فرنسا وبريطانيا لأعمالها حوّلتها إلى لجنة أميركية محضة، ويمثّل تقريرها وثيقة مهمة عن رأي أهالي سورية وفلسطين بمصيرهم. وقد أودعت اللجنة في 18 آب/ أغسطس 1920 تقريرها لدى سكرتارية مؤتمر الصلح، لكنّ السكرتارية حفظته في الأدراج إلى أن نشُر بطريقة غير رسمية في 2 كانون الأول/ ديسمبر 1922. وقد كانت اللجنة حين قدومها إلى فلسطين متحيزة إلى المشروع الصهيوني، غير أن نتائج لقاءاتها جعلتها تتحفظ عليه أشد تحفُّظ، وتغير من موقفها السابق منه، وهي تعتبره خروجًا عن مبادئ الرئيس ويلسون. وبخصوص القدس، وضح تقرير اللجنة أنه "من المستحيل أن يرضى المسلمون والمسيحيون بوضع الأماكن المقدسة تحت رعاية اليهود مهما حسنت مقاصد هؤلاء"، وأوصت ب "العدول بتاتًا عن الخطة التي تهدف إلى جعل فلسطين حكومة يهودية"، ينظر: جورج أنطونيوس، يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس (بيروت: دار العالم للملايين؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 1962)، ص 410،.609
  5. State of the Union Address: Woodrow Wilson (December 2, 1913)," Infoplease , accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2lIFIAa
  6. Donald E. Wagner, Dying in the Land of Promise: Palestine and Palestinian Christianity from Pentecost to 2000 (London: Melisende, 2003), pp. 110-111; Roderic H. Davison, "The King-Crane Commission: An American Inquiry into the Middle East by Harry N. Howard," The Journal of Modern History , vol. 37, no. 1 (March 1965), pp. 114-115.

أساسيًا في العقل الأميركي السياسي، وجاء في تقريرها الذي أهمله مؤتمر السلام17 ما يلي: "من المشكوك فيه، في أي حال، أن يرى المسلمون والمسيحيون في اليهود أوصياء مقبولين على الأماكن المقدسة، أو على الأرض المقدسة كلها، حيث إنّ الأماكن المقدسة عند المسيحيين – تلك التي لها علاقة بالمسيح – وتلك المقدسة عند المسلمين أيضًا، ليست مقدسة عند اليهود، بل هي بغيضة بالنسبة إليهم. ويستحيل أن يشعروا بالرضا لوجود هذه الأماكن بيد اليهود[...]في الواقع، ومن هذه الزاوية، ولأنّ الأماكن المقدسة للأديان الثلاثة مقدسة للمسلمين، فهذا يجعلهم، طبيعيًّا ورضائيًّا، أن يكونوا أوصياءَ على الأماكن المقدسة أكثر من اليهود"18. لا شيء يوحي بأنّ هذا التقرير أثار ضجة أو ردود فعل تذكر في الرأي العام الأميركي ودوائر صنع القرار، ما يشير إلى محدودية أهمية المسألة اليهودية، آنذاك، في الفكر الأميركي. ولعل عرض القدس والمسألة اليهودية، في الحملات الانتخابية للرئاسة والكونغرس، يعطي مؤشرًا مهمً على تطور مسألة القدس في السياسة الأميركية. لم تكن القدس أو فلسطين تذكر في الحملات الانتخابية الأميركية، وتحديدًا في برامج مرشحي الرئاسة، عند الحزبين الرئيسين، الجمهوري والديمقراطي، حتى الحملة الرئاسية لعام 1944؛ حيث أدّت المحرقة النازية ضد اليهود في أوروبا وتزايد الهجرة اليهودية إلى الولايات المتحدة إلى بدء الاهتمام الخاص باليهود19. على سبيل المثال، تضمّن بيان الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية لعام 1944 نصًّا جاء فيه: "نحن نؤيد فتح فلسطين من دون قيود لهجرة اليهود والاستقرار فيها، وإقامة دولة يهودية حرة وديمقراطية وبرلمانية "]Commonwealth[20. وفي العام نفسه، نشر الحزب الجمهوري نصًّا أكثر تفصيلً، من نص الحزب الديمقراطي، يُدشّن دخول المسألة اليهودية بقوة في الخطاب الأميركي؛ جاء فيه: "من أجل إعطاء ملجأ لملايين الرجال والنساء والأطفال اليهود الذين يعانون نتيجة طردهم من بيوتهم بوساطة الطغيان، فإننا ندعو إلى فتح فلسطين لهجرتهم غير المقيّدة وتملّكهم الأراضي، تطبيقًا لإعلان بلفور في عام 1917، وتنفيذًا لقرارات مؤتمر الحزب الجمهوري لعام 1922، ما قد يجعل فلسطين بلدًا حرًّا وديمقراطيًا. ونحن نشجب عدم إصرار الرئيس على انتداب فلسطين لتنفيذ بنود إعلان بلفور وصك الانتداب، رغم تظاهره بتأييدها"21. وبالتوازي مع هذه النصوص، لم تكن القدس حاضرة في الخطاب الأميركي مباشرة. فعلى سبيل المثال، عندما نوقش قرار التقسيم في الأمم المتحدة في عام 1947، لم تتبنَّ الولايات المتحدة موقفًا من مسألة المدينة، وجاء في ذي تايمز البريطانية، في صحيفة 10 تشرين الأول/ أكتوبر 1947، مقال بعنوان "الولايات المتحدة صامتة بشأن فلسطين"، أنّ مندوبَ الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة بقيا صامتيَن أثناء نقاش المسألة الفلسطينية، فكل منهما ينتظر أن يتحدث الآخر، حتى اضطر الرئيس الهندي للجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين إلى اقتراح إقفال النقاش إذا كان لم يكن أيّ واحد يريد الكلام22. وفي اليوم التالي، أصدر الوفد الأميركي بيانًا يدعو فيه إلى تصوّر مفصّل للمسألة الفلسطينية، وإلى أن تبقى هذه المسألة "خارج نطاق صراع القوى العظمى"23. وعندما نوقش وضع مدينة القدس على نحو خاص، طلب الوفد الأميركي أن تقوم الأمم المتحدة بدور السلطة الإدارية في المدينة تحت نظام الوصاية الدولية24.تؤكد مقارنة نصوص الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 1944 بالموقف الرسمي في الأمم المتحدة في عام 1947 استنتاجًا مفاده أنّ إسرائيل باتت قضية داخلية، لكن بمعنى مختلف قليلً. فعلى صعيد النظام الدولي، كان هناك صراحة أميركية بتجنّب أن تصبح فلسطين والقدس جزءًا من الحرب الباردة، وكان هناك سعي لدور دولي في القدس. ومن هنا شجبت الولايات المتحدة في الخمسينيات والستينيات مرارًا سعي إسرائيل لنقل مقارّ الحكومة والسفارات الأجنبية إلى القدس؛ ففي عام 1952، مثلً، شجبت الولايات المتحدة القرار الإسرائيلي بنقل وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى القدس25. استمر التعبير عن التأييد والتعاطف مع اليهود وإسرائيل في الحملات الانتخابية الأميركية في الأربعينيات حتى الستينيات، لكن من دون أي إشارات خاصة إلى القدس26، مع موقف أميركي رسمي خارجي أكثر حذرًا، بل رافض لإبداء الدعم الكامل لإسرائيل، وهو ما تجلّ في

  1. Ibid., p. 114.
  2. Walter Laqueur (ed.), The Israel-Arab Reader: A Documentary History of the Middle East Conflict (London: Weidenfeld & Nicolson, 1969), p. 30.
  3. Ahmad Jamil Azem, "Moving the U.S. Embassy to Jerusalem: A Chronic Unfulfilled Promise," Jerusalem Quarterly , no. 70 (Summer 2017),
  4. 26  Azem, p. 10.
  5. Ibid.
  6. Ibid., cited in "U.S. Silence on Palestine," The Times , 10/10/1947.
  7. Ibid., cited in "U.S. Statement on Palestine," The Times , 11/10/1947.
  8. U.S. Support for Partition of Palestine," The Times , 13/10/1947.
  9. Documents on Jerusalem , vol. 1 (Jerusalem: PASSIA, 1996), pp. 173-174. p. 9.
  10. 20  Ibid.

الغضب أو المعارضة الأميركية للاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في عام 1956 والعدوان الثلاثي الفرنسي – البريطاني - الإسرائيلي على مصر في ذلك الوقت27. كانت حرب 1967 نقطة فاصلة، عمّقت التحالف الأميركي - الإسرائيلي، وزادت الرعاية الأميركية لإسرائيل، لكن الملاحظ أن قضية القدس ظهرت في هذا السياق باعتبارها قضية خلافية أميركية - إسرائيلية، بل قللت من الحماسة الأميركية في تأييد إسرائيل العلني في مناسبات عدة؛ فعلى مدى شهور، مثلً، أعاقت واشنطن إصدار قرار من الأمم المتحدة بشأن عدوان عام 1967 والاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية في الضفة الغربية والقدس والجولان وسيناء. وتكشف وثائق الخارجية البريطانية أنّ وزير الخارجية الأميركي تحدّث معارضًا بقوة في 16 حزيران/ يونيو 1967؛ أي بعد أيام من هذا الاحتلال الإسرائيلي، مع السفير الإسرائيلي في واشنطن، ضد قرار ضم إسرائيل القدس القديمة، ووصف القرار بأنّه "عدم حكمة"28؛ ويُعتقد أن قرار إسرائيل الرسمي بضم شرق القدس والاستياء الأميركي من ذلك هو الذي أوقف الرفض الأميركي لصدور قرار من مجلس الأمن يعالج مسألة آثار حرب 1967، ونتيجة للتراجع الأميركي صدر القرار 242 في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 1967 29. لكن نتائج حرب 1967 التي قد تتمثل في شعور العالم بضعف الموقف العربي، وبعدم دفع ضريبة الانحياز إلى الجانب الإسرائيلي، عمّقت الانحياز الأم كيرر، وخصوصًا على المستوى الشعبي. وفي موضوع القدس، تبع التحدي الإسرائيلي للعالم والقانون الدولي، وطبعًا للعرب، بضم الجزء الشرقي إلى ما سُمّي سيادتها، حشدٌ لدعم التأييد لها، خصوصًا في الكونغرس. ومن هنا بدأت الأصوات الداعية إلى نقل السفارة الأميركية إلى القدس في الظهور، منذ شباط/ فبراير 1972، وفي ذلك الوقت أعلن جيرالد فورد Ford Gerald، قائد الحزب الجمهوري في مجلس النواب الأميركي، الذي كان يشكل الأقلية، تأييده الاعتراف بالقدس باعتبارها "العاصمة القانونية والتاريخية لإسرائيل"، وذلك "عبر نقل سفارة الولايات المتحدة إلى هناك"30. تعمّق مع الوقت مشهد الكونغرس والمرشحين الذين يبدون انحيازًا في تبنّي المطالب الإسرائيلية، من دون الكثير من الحسابات في ما يتعلق بالقانون الدولي والارتدادات الدبلوماسية والسياسية لهذه المطالب، لكن المستوى التنفيذي الأميركي كان، عمومًا، أقل اندفاعًا. فمثلً، رفض الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون 1974-1969() ووزير خارجيته وليام روجرز Rogers P. Williamفكرة فورد. وحتى اللجنة المسؤولة عن البرنامج الانتخابي للحزب الجمهوري رفضت إدراج اقتراح فورد المتعلق بنقل السفارة في نص البرنامج31. بل إن الأمر الأبلغ في الانقسام بين المستوى التنفيذي والسياسي – التشريعي هو أن فورد نفسه أصبح نائبًا للرئيس الأميركي نيكسون. وبعد استقالة الأخير، أصبح فورد رئيسًا للولايات المتحدة 1977-1974()، وعندما سئل في 9 آب/ أغسطس 1974؛ أي بعد 20 يومًا من تولّيه الرئاسة، في مؤتمر صحافي، إنْ كان سيُطبّق اقتراحه بشأن القدس، ردّ بأنّه في ظل الظروف الراهنة وأهميّة الوصول إلى سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط، فإنّ هذا الاقتراح يجب أن يتنحّى جانبًا32. لا يمكن النظر إلى موقف فورد، من زاوية التباين بين الرسمي التنفيذي الذي عليه اتخاذ قرارات وتنفيذها والسياسي، خارج المسؤولية التنفيذية فحسب، بل لا بد من تذكر التغيرات الدولية التي فرضتها حرب 1973. فأجواء العالم بعد الحظر النفطي العربي، وبعد المبادرة العسكرية المصرية السورية في بدء تلك الحرب، غيّ ت نسبيًّا من جوِّ ما بعد عام 1967 الذي كان يغلب عليه طابع الاستهانة بردّ الفعل العربي. عمومًا، غلب على الموقف السياسي الأميركي بشأن القدس بعد عام 1972 تقديم السياسيين والمرشحين الأميركيين للانتخابات الرئاسية والتشريعية وُعودًا بشأن القدس ونقل السفارة. أمّا على المستوى التنفيذي، ولأجل عدم تقويض "فرص السلام"، فإنّ هذه الوعود والاقتراحات لم تطبق. لكن الملاحظ أيضًا أنّ الحزب الديمقراطي، في السبعينيات والثمانينيات، كان أكثر إقبالً على تقديم وعود ومواقف بشأن القدس، مما كان عليه الحزب الجمهوري. لم تُذكر القدس ومسألة نقل السفارة الأميركية في البرامج الانتخابية للحزب الجمهوري، في حين تبنّى الحزب الديمقراطي موقفًا صريحًا من موضوع القدس والسفارة؛ فأعلن في البرنامج الانتخابي للحزب في عام 1972، "الاعتراف والتأييد لمكانة القدس الثابتة عاصمةً لإسرائيل، مع حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة للمعتقدات كلها. وكرمز لهذا

  1. محمد عزيز شكري، "البعد الدولي للقضية الفلسطينية"، في: 27 الموسوعة الفلسطينية،: دراسات القضية الفلسطينية القسم الثاني: الدراسات الخاصّة، مج 6 (بيروت: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1990)، ص.18
  2. United Kingdom, The National Archives, Foreign and Commonwealth Office (FCO), "Report by W. Morris," 17/6/1967, 17/251.
  3. Steven L. Spiegel, The Other Arab-Israeli Conflict: Making America's M'ddle East Policy from Truman to Reagan (Chicago: The University of Chicago Press, 1985), p. 155.
  4. Ibid., p. 232.
  5. Joseph Polakoff, "Ford Backs Off on His Former Proposal that the U.S. Move Its Embassy in Israel to Jerusalem," JTA Daily News Bulletin , vol. XLI, no. 167, 29/8/1974, p. 3, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2mPDaQL
  6. Ibid.

الموقف، يجب أن تُنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس والاعتراف بمسؤولية المجتمع العالمي للتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين واليهود." وتكرر هذا الموقف حرفيًّا تقريبًا في برنامج عام 1976 33. وبقي كذلك في الثمانينيات، مع إضافة تأكيد أنّ "القدس يجب أن تبقى موحّدة"34. لكن هذا الموقف لم ينعكس، مثلً، في السياسات الخارجية للرئيس الأميركي الديمقراطي جيمي كارتر).1981-1977(Jimmy Carter بدأ دخول القدس إلى برامج الحزب الجمهوري الانتخابية في عام 1980، لكن من دون ذكرها باعتبارها عاصمة إسرائيل، أو نقل السفارة الأميركية إليها. لكن أكّد الحزب أن تبقى القدس "موحَّدة"35. وكانت هذه سياسة الرئيس الأميركي الجمهوري، رونالد ريغان 1989-1981()، الذي أعلن موقفه أثناء طرح مبادراته وأفكاره لعملية السلام؛ إذ قال: "يجب أن تبقى القدس غير مقسمة، لكن وضعها النهائي يتقرر عبر المفاوضات"36.

إذا كانت حرب 1967 قد "فتحت شهيّة" أطراف أميركية - إسرائيلية لزيادة الاقتراب من الموقف الإسرائيلي بشأن القدس، فإنّ حرب 1973 "كبحت" الاندفاعة في هذا الصدد، ثم جاءت حرب 1982، وما تلاها من محاولة إطلاق عملية سلام، بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، لتُعيد "الشهيّة" لتغيير موقف القدس، ومن هنا اقتُ ح في الكونغرس، في عام 1984، قانون لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، لكن إدارة ريغان رفضت ذلك، على خلفية أنّ هذا "يوصل رسالة أن الولايات المتحدة تقبل موقف أحد الأطراف"، وأنّ موضوع القدس "يجب أن يُحلَّ بالمفاوضات"، وأنّ نقل السفارة "سيُضعف القدرة على القيام بدور فاعل في عملية السلام في الشرق الأوسط"37. يؤمّن النظام السياسي الأميركي للكونغرس أداة غير مباشرة للتدخل في السياسة الخارجية، هي الميزانية. وهذا ما حدث فعلً؛ ففي موضوع القدس، تقدم عضو مجلس الشيوخ، الجمهوري جسي هيلمز Helms Jesse، بقانون في عام 1989، يتعلّق بالملكيات العقارية في إسرائيل، يشترط ضرورة امتلاك مبنييَن، في القدس أو الضفة الغربية، يصلحان كمبنى للسفير أو القنصل، مقابل تقديم المخصصات اللازمة لإنشاء منشأة دبلوماسية في تل أبيب، حيث يكون هناك مبنيان جاهزان كسفارة، واحد في تل أبيب والثاني في القدس38. وبالفعل، استأجرت الإدارة الأميركية عقارًا في القدس الشرقية، لكنها لم تخطُ خطوات سياسية لاحقة لتطوير وضعه39. كانت اتفاقات أوسلو في عامَي 1993 و 1994 الانعطافة الأكبر في الموقف السياسي الأميركي، وإن بقي ذلك في أُطر الكونغرس، ولم يصل إلى المستويات التنفيذية. ففي أيار/ مايو 1995، وقّع 41 عضوًا في مجلس الشيوخ، و 31 عضوًا في مجلس النواب، مشروع قانون لنقل السفارة الأميركية إلى القدس. وبسبب اعتراض إدارة الرئيس بيل كلينتون، لأنّ هذا في نظرها يُعرّض عملية السلام ودور الولايات المتحدة باعتبارها وسيطًا للخطر40، فإنّ الرئيس بعد صدور القانون بأغلبية 95 عضوًا ضد 5 أعضاء في مجلس الشيوخ، و 374 عضوًا في مقابل 37 عضوًا في

  1. Azem, p. 12.
  2. Ibid., pp. 12-14.
  3. Ibid., p. 13.
  4. Ibid.
  5. Statement by Lawrence S. Eagleburger, Under-Secretary for Political Affairs, U.S. Department of State, Washington, 23 February 1984," in: Documents on Jerusalem , vol. 1, pp. 279-280.
  6. Shlomo Slonim, Jerusalem in America's F'reign Policy 1947-1997 (The Hague/ London/ Boston: Kluwer Law International, 1998), p. 265.
  7. Ibid.
  8. U.S. Secretary of State Warren Christopher, Statement Regarding the U.S. Embassy Relocation Proposals, 9 May 1995"; "U.S. Assistant Secretary of State Robert Pelletreau, Statement on Jerusalem and the Multilateral Talks, Montreux, 18 May 1995 [Excerpts]"; "Statement by the White House Press Secretary of the U.S. Embassy Relocation to Jerusalem Bill, 24 October 1995," in: Documents on Jerusalem , vol. 1, pp. 298-299, 303.

مجلس النواب، في تشرين الأول/ أكتوبر 1995 41، أعطى حق تأجيل تنفيذه لأسباب تتعلق بالأمن القومي، مع تأكيد القانون أن القدس "عاصمة دولة إسرائيل"، منذ عام 1950. وبين عامَي 1948 و 1967 تحت السيطرة الأردنية، مُنع مواطنو إسرائيل من الديانات كلها من الوصول إلى الأماكن المقدسة42. واستمر الرؤساء الأميركيون يؤجلون كل ستة شهور تنفيذ القانون، حتى قرر ترامب تنفيذه في نهاية عام 2017. الملاحظ في التسعينيات تبادل الأدوار بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ إذ رحّب برنامج الحزب الجمهوري، أول مرة (في عام 1996)، بقرار الكونغرس الذي كانت الغالبية فيه للجمهوريين، بشأن إقرار قانون نقل السفارة43، في حين اكتفى الديمقراطيون بالإشارة إلى القدس عاصمة "موحّدة" لإسرائيل، من دون ذكر نقل السفارة الأميركية44. بعد عام 2000، استمرت البرامج الانتخابية الجمهورية في الإشارة إلى موضوع السفارة، ويكتفي الحزب الديمقراطي بالإشارة إلى المدينة عاصمة إسرائيل45، بل أضاف الديمقراطيون في عام 2008 إلى تأكيدهم بقاء القدس عاصمة لدولة إسرائيل أنّ "الأطراف قد وافقت على أنّ القدس موضوع لقضايا الحل النهائي"46. وكما سيلاحظ لاحقًا، تكرّس في القرن الحادي والعشرين تبادل الأدوار؛ إذ بات الحزب الديمقراطي أقل اندفاعًا، نسبيًا، في تأييد السياسات الإسرائيلية، من الحزب الجمهوري الذي عمّق تحالفه مع نخب يهودية يمينية.

ثًالث ا: القدس وإسرائيل وفواعل صنع السياسة الأميركية

عندما يتعلق الأمر بالموضوعات الإسرائيلية، هناك عادة فرضيات تتعلق بدور الدين، ولا سيما البروتستانت الإنجيليين واليهود الأميركيين وسياسات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، ثم اللوبي الإسرائيلي، وسيعرض ذلك هذا المحور في العناوين الأربعة الآتية.

1. إسرائيل: الإنجيليون والدين في الولايات المتحدة

يربط المراقبون عادة بين مكوّنات الولايات المتحدة الدينية وموقفها من القدس، فمثلً يُعتقد أنّ اليهود هم المؤيد الأول لإسرائيل، وأنّ "الإنجيليين" هم مؤيدون أساسيون لها أيضًا، ومنهم ظهرت الصهيونية المسيحية. وعلى سبيل المثال، لا الحصر، جاء في تقرير لموقع الجزيرة نت الإخباري، في نهاية عام 2018 ما يلي: "يؤمن كثير من الإنجيليين بأن المسيح سينزل إلى الأرض لينشئ مملكة الله التي ستستمر ألف سنة من السعادة، كما يؤمنون بأن إسرائيل هي العامل المسُرّع لأحداث نهاية الزمان، ولذلك فإن دعمها يجب أن يكون من ثوابت السياسة الأميركية"47. وجاء في تقرير لصحيفة القدس العربي ما يلي: "اعتبر مراقبون أن الطائفة [الإنجيلية] كان لها دور كبير في إعلان الولايات المتحدة مدينة القدس الفلسطينية المحتلة عاصمةً لإسرائيل. ويؤمن الإنجيليون بأن قيام دولة إسرائيل يأتي 'وفقًا لتعاليم الإنجيل'، وأن 'المسيح' سيعود إلى الحياة بعد تجمّع كل اليهود في تلك الأرض، واكتمال حدودها؛ أي على كامل تراب فلسطين التاريخية"48. أولى خطوات اختبار هذه الفرضية، بشأن دور البروتستانت الإنجيليين الحاسم، هي معرفة نسبة البروتستانت الإنجيليين في التركيبة الديموغرافية الأميركية. في عام 2015، أثبتت استطلاعات رأي لمركز "بيو" Pew للأبحاث أنّ 70.6 في المئة فقط من الأميركيين يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون، وهذا تراجع كبير من نسبة 78.4 في المئة في عام 2008. ويُعرّف 46.5 في المئة من الأميركيين أنفسهم بأنهم بروتستانت، وهؤلاء لا يسمون أنفسهم إنجيليين، بل إنّ نحو نصفهم فقط يعتبرون أنفسهم كذلك. وكان 23 في المئة من الأميركيين في عام 2015 لا يرون أنفسهم ينتمون إلى دين بعينه49. وفي هذا يمثّل الإنجيليون نحو 25.4 في المئة من الأميركيين، واليهود 1.9 في المئة، والمسلمون نحو 0.9 في المئة50.

  1. U.S. Congressional Record on the Jerusalem Embassy Relocation Implementation Act, Senate Section, 9 May 1995 [Excerpts],"; "U.S. Senate, 104 th Congress, 1st Session, 'Jerusalem Embassy Relocation Implementation Act of 1995' Washington, 9 May 1995,"; "Jerusalem Embassy Relocation Act, Washington, 23 October 1995," in: Documents on Jerusalem , vol. 1, pp. 293-296, 301-302.
  2. U.S. Senate, 104 th Congress, 1st Session, 'Jerusalem Embassy Relocation Implementation Act of 1995,' Wa'hington, 9 May 1995," in: Documents on Jerusalem , vol. 1, p. 296.
  3. Republican Party Platform of 1996," The American Presidency Project, 12/8/1996, accessed on 26/4/2017 at: http://bit.ly/2pwW9AU
  4. 1996 Democratic Party Platform," The American Presidency Project, 26/8/1996, accessed on 26/4/2017, at: http://bit.ly/2oHoLXW
  5. Azem, p. 15.
  6. 2008 Democratic Party Platform, The American Presidency Project, 25/8/2008, accessed on 4/5/2017, at: http://bit.ly/2nSSPzP
  7. الإنجيليون الأميركيون.. ماذا يريدون الآن من العرب والمسلمين؟"، 47 الجزيرة نت، 2018/12/7، شوهد في 2019/7/25، في http://bit.ly/2mO4LBS:
  8. الإنجيليون أبرز داعمي ترامب وحزبه: من هم وما أجنداتهم؟"، 48 القدس العربي،
  9. America's Demographic Landscape," Religious Changing Study , Pew Research Center, 12/5/2015, accessed on 26/9/2019, at: https://pewrsr.ch/2mTqYhO
  10. Religious Landscape Study," Pew Research Center, accessed on 24/7/2019, at: https://pewrsr.ch/2lJXOSp

تكشف المعطيات العامة عن أنّ ربط الموقف الأميركي بالمتغير الثقافي الديني ليس دقيقًا، وهو ما يؤكد فرضية أساسية لهذه الدراسة مفادها أنّ هذا العامل ليس هو العامل الأساسي، لكن ربما هو القوة التنظيمية لبعض القوى الدينية، وتحالفها مع لوبيات إسرائيلية هو الأساس. عمليًّا، لدى أقل من ربع الأميركيين، نظريًا، اعتقاد متمثل بأهمية إسرائيل دينيًا. بل الأهم من ذلك أنّه، عمليًّا أيضًا، يتّضح أن لدى بعض أهم رموز الإنجيليين، ومن ثمّ شرائح مهمة منهم، مواقف سلبية من اليهود. وعلى سبيل المثال لا الحصر، أُزيح النقاب في عام 2002 عن تسجيل، يعود إلى عام 1972، لمحادثة بين الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون وبيلي غراهام 2018-1918() الذي يوصف في الكثير من الأحيان بكونه أهم قائد إنجيلي في الولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ يتفق كلاهما على أنّ اليهود من أسباب "مشكلات العصر"، واللافت أنه في العام نفسه، أنتج الإنجيليون فيلمً بعنوان "أرضِ ه"، يتحدث بإيجابية عالية عن إسرائيل، وقد افتُتِح الفيلم باستضافة رئيسة وزراء إسرائيل، غولدا مائير 1974-1969() وكان غراهام قد كتب وتحدث مرارًا عن دعمه إسرائيل51. في الواقع، هناك شبه اتفاق على أنّ التعاليم والمعتقدات الإنجيلية بخصوص اليهود سلبية، سواء من حيث دورهم الحديث في نشر قيم وأفكار "ليبرالية"، مثل المثلية الجنسية والإجهاض وغير ذلك52، أو بخصوص موقفهم من المسيحية ورفضهم المسيحية تاريخيًّا. وتبدو نقطة الالتقاء الوحيدة متعلقة بالمستقبل والاعتقاد بنبوءات بشأن تجمّع اليهود في فلسطين وإيمانهم بالمسيح عندما يعود53. ففي عام 1878، كتب وليام بلاكستون (1935-1841) William Blackstone وهو من روّاد مدرسة تُعرف بالتدبيرية (وهي جزء من الصهيونية المسيحية) كما أنه مؤلف كتاب   المسيح آت - وثيقةً تدعو إلى دولة يهودية في إسرائيل، وفي عام 1891 جعل 400 شخصية أميركية مرموقة توقّعها54. لكن هناك جماعات بروتستانتية أخرى تتبنّى موقفًا ناقدًا لإسرائيل، مثل المجلس الوطني للكنائس ومجلس الشرق الأوسط للكنائس أيضًا55. يعتقد جيمس ويلسون، الأستاذ السابق في جامعة هارفارد، أنّ القوة التصويتية للإنجيليين الذين يعتبرون دعم إسرائيل واجبًا دينيًا (على الرغم من الاختلافات وحتى الكراهية لليهود أحيانًا) لا تزيد على 16 في المئة من القوة التصويتية الأميركية، مع أقل من 2 في المئة لليهود56. وبناءً عليه، لا تبدو قوة الإنجيليين واليهود التصويتية آتية من عدد أصواتهم، بقدر ما تأتي من قدرتهم على تنظيم صفوفهم السياسية وتأثيرهم في الانتخابات لأسباب ليست أساسًا دينية. وهذا ما يقود إلى أهمية دور اللوبي الإسرائيلي وتنظيمه.

2. اتجاهات اليهود الأميركيين

في السبعينيات والثمانينيات، كان هناك اعتقاد يُشبه الإجماع على أنّ اليهود يؤيدون إسرائيل ومواقفها57، لكنّ هذا الإجماع اختلف في القرن الحادي والعشرين؛ إذ أشارت استطلاعات رأي ومسوح في عام 2003 متعلقة بتغيّ في اتجاهات الطلاب اليهود إلى أنّ الربط بينهم وبين السياسات الإسرائيلية أصبح أقل "أوتوماتيكية"؛ أي إنه ليس شرطًا أن تكون مؤيدًا لإسرائيل إذا كنت يهوديًّا. ثم ظهرت جماعة ضغط جديدة يهودية (لوبي) تسمى "جي ستريت" Street J. أقل حماسةً للدعم غير المشروط لإسرائيل، وتُؤيد حل الدولتين. ومع الانتخابات الرئاسية في عام 2016، اتضح وجود تحولّات داخل الحزب الديمقراطي، ليُصبح أقل "تعصبًا" لإسرائيل، مع أن اليهود تقليديًّا أكثر تصويتًا له. ولا تعكس هذه التحولّات التي ستُعرض وتُوثّق تاليًا في هذه الدراسة، سوى جزء من المشهد، فهناك وجه آخر هو تزايد التعصب لإسرائيل على أساس ديني أصولي يهودي، وأنّ الأصولية تزيد بين الشباب اليهود باطّراد؛ أي إن هناك ميلً أقل بين العلمانيين والليبراليين إلى تأييد إسرائيل من دون شروط، لكنّ هناك تشددًا بين الأصوليين، وهؤلاء عددهم في ازدياد. وفي مقابل تأسيس "جي ستريت"، أُسّس لوبي أشد يمينية، يشترط من أجل تقديم الدعم إلى إسرائيل عدمَ الاعتراف بالحقوق الوطنية للفلسطينيين، وفي مقابل تحولّات الحزب الديمقراطي لجهة بروز بعض الأصوات فيه الرافضة لبعض السياسات الإسرائيلية، هناك المزيد من التطرف في الحزب الجمهوري لجهة الانحياز غير المشروط إلى هذه السياسات. وكما سيلُاحَظ لاحقًا، فإنّ بعض الباحثين، أو السياسيين اليهود، يُلقي اللوم في هذه التحولّات على عدم الإيمان والمعرفة بالتاريخ الديني وعلى مركزية أمور أخرى، مثل مكانة القدس في الهوية اليهودية.

  1. Yaakov Ariel, An Unusual Relationship: Evangelical Christians and Jews , Goldstein-Goren Series in American Jewish History Series (New York: New York University Press, 2013), p. 1.
  2. James Q. Wilson, "Why Don't Jews L'ke the Christians Who Like Them?" City Journal (Winter 2008), accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2oG0SA2
  3. Ariel, pp. 1-3.
  4. Wilson.
  5. Ibid.
  6. Ibid.
  7. Ariel, p. 1.

بعد أن لوحظ تراجع حماسة الطلاب اليهود في الدفاع عن إسرائيل، في سياق انتفاضة الأقصى وأحداث بداية القرن الحادي والعشرين، أُجريت دراسة تقوم على استطلاعات رأي ومجموعات نقاشية، بتمويل من قادة يهود في عام 2003 58، بالتعاقد مع شركة استطلاعات رأي متخصصة، يديرها العضو في الحزب الجمهوري، فرانك لونتز، لإجراء بحث متعلق بالسؤال: لماذا لم يعُد الطلاب الأميركيون اليهود متحمّسين للرد على الانتقادات التي توجّه إلى إسرائيل في جامعاتهم؟ وخرجت الدراسة بنتائج تفيد أن هؤلاء الطلاب "لا يفكرون" في إسرائيل؛ أي إنهم عندما يتناقشون في شؤونهم، بما في ذلك حياتهم باعتبارهم يهودًا، لا يذكرون إسرائيل، ولا يبحثون شؤونها إلا إذا سُئلوا عنها. وعندما يشيرون إلى الإسرائيليين يستخدمون تعبيرات مثل "هم"؛ أي لا يعتبرون أنفسهم شيئًا واحدًا59.وبحسب ما ورد في دراسة لأستاذ الصحافة والعلوم السياسية الأميركي، بيتر بينارت، تتفق نتائج استطلاع الرأي مع دراسات أخرى سبقت تلك الدراسة، تثبت ما يلي: "عمومًا، يشعر الطلاب اليهود الأصغر سنًّا من غير الأصوليين بارتباط أقل كثيرًا مما كان يشعر به مَن هم أكبر سنًّا." وعلى سبيل المثال، رفض اتحاد طلاب جامعة برانديز المدعومة من يهود، في عام 2008، الاحتفال بالذكرى الستين لقيام إسرائيل60. لكن شدّد بينارت أيضًا، في دراسته الصادرة في عام 2010، على صعود جيل جديد من الأصوليين، في مقابل ابتعاد كثير من اليهود الليبراليين والعلمانيين، حيث تزداد الأصولية بين الشباب اليهود الأميركيين، وهؤلاء أشد ارتباطًا وأكثر دفاعًا عن إسرائيل، بعكس الجزء العلماني. وبحسب دراسات اقتبسها بينارت، فإن 12 في المئة من اليهود الأميركيين فوق سن الستين أصوليون، بينما تصل هذه النسبة عند الذين هم في الفترة العمرية 24-18 عامًا إلى 34 في المئة. ولا يشعر إلا 16 في المئة من اليهود غير الأصوليين ممن هم تحت سن الأربعين بأنّهم "لصيقون جدًّا بإسرائيل"، ويؤيد 60 في المئة منهم إقامة دولة فلسطينية. أمّا بين الأصوليين، فالنسبة تصل إلى 79 في المئة، ويؤيد 25 في المئة منهم إقامة دولة فلسطينية61. لم تتوقف الدراسات التي تولاها لونتز عند دراسة عام 2003، بل أوكِلَت إليه، كما يبدو، مهمتان: الأولى تدريب الطلاب اليهود وتدريسهم كيف يدافعون عن إسرائيل، والثانية أن يتابع هو استطلاعاته ودراساته عن اتجاهاتهم. وبدأت دراساته تتَّجه أيضًا إلى استطلاع آراء الطلاب غير اليهود، والأميركيين عمومًا. وفي مقابلة مع جيروزالم بوست في عام صحيفة 2010، عرض نتائج ورشة كان قد نظّمها، جمعت 35 طالبًا من جامعتين من أبرز جامعات الولايات المتحدة، معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT وهارفارد، منهم 15 طالبًا من اليهود و 20 طالبًا من غير اليهود. وبحسب لونتز، فإن الطلاب غير اليهود بدؤوا يتحدثون خلال عشر دقائق عما سمّوه "جرائم الحرب الإسرائيلية"، وعن قوة اليهود واللوبي اليهودي62، والأكثر من هذا أنّ الطلاب اليهود لم يتصدّوا لهم، وهنا أيضًا يُقدّم لونتز ملاحظة، أو فرضية، تتفق مع ما قاله بينارت من قبل متمثلة بأنّ الطلاب اليمينيين (الأصوليين) اليهود يتصدّون فعلً للانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل، أما اليساريون والليبراليون فلا يفعلون ذلك الآن بالقدر نفسه63. في عام 2014، بعد حرب غزة، أجرى لونتز استطلاع رأي بين الأميركيين عمومًا، ليتضح أن 68 في المئة من النخب يعلنون تأييدهم لإسرائيل 33(في المئة يؤيدونها بقوة، و 21 يؤيدونها، و 15 في المئة حياديون مع ميل طفيف إليها)، لكن بين طلاب الجامعات هناك 36 في المئة يؤيدون إسرائيل 14(في المئة يؤيدونها بقوة، و 7 في المئة يؤيدون تأييدًا عاديًا، و 16 في المئة محايدون مع ميل طفيف إليها.) والنتيجة الإجمالية هي: 54 في المئة يؤيدون إسرائيل، و 38 في المئة محايدون، و 8 في المئة يؤيدون الفلسطينيين64. من خلال العودة إلى اتجاهات الطلاب اليهود أنفسهم، قال لونتز، في ورشة عمل مغلقة ل 150 شخصًا وُصفوا بأنهم "كبار المؤيدين لإسرائيل"، من دون معلومات إضافية عن هويتهم، نظّمتها الحكومة الإسرائيلية في عام 2016، إنّ اتجاهات الطلاب اليهود الأميركيين تزداد سلبية إزاء إسرائيل؛ حيث يؤمن 42 في المئة بأن إسرائيل تريد السلام، و 38 ة وغربية"، و في المئة فقط يعتقدون أنها "متحضّ31 في المئة

  1. عرض الباحث نتائج دراسة أجريت في عام 2003، في دراسة سابقة له، وهنا يُعيد عرض هذه النتائج، وإجراء قراءة جديدة لها، من خلال مقارنتها بدراسات لاحقة - ووضعها في سياق تطورات حدثت لاحقًا - لتلك الدراسة، خصوصًا تحولّات الحزب الديمقراطي وحملات المقاطعة وظهور لوبي يميني إسرائيلي أشد تطرّفًا. للاطلاع على الدراسة المشار إليها، يُنظر: حوليات القدس، العدد أحمد جميل عزم، "القدس في الخطاب السياسي الأمريكي"، 15 (ربيع- صيف 2013)، ص.23-6
  2. Peter Beinart, "The Failure of the American Jewish Establishment," The New York Review of Books , vol. 57, no. 10 (June 2010), accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2ljSkgT
  3. لمزيد من التفصيلات عن هذه الدراسة وتغير آراء الطلاب، ينظر: عزم؛.Beinart
  4. Ibid.
  5. Evelyn Gordon, "Frank Luntz on Why American Jewish Students Won't Defend'Israel," Commentary , 18/7/2010, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2llQyvI
  6. Ibid.
  7. Communicating the Truth about Israel," Jewish Philosophy Place , September 2014, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2lkEuuE; Philip Weiss, "'Zionism' is now a Dirty Word for American Opinion Elite, Frank Luntz Concedes," Mondoweiss , 16/11/2014, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2lLioSm

يرونها ديمقراطية، وهناك ما لا يقل عن 21 في المئة يعتقدون أنه عليها أن تصطف إلى جانب الفلسطينيين65. وجدت هذه النتائج والاتجاهات ترجمة لها داخل جامعات أميركية كبرى، أقرّت قرارات تؤيد حق حملات مناصرة الحقوق الفلسطينية، منها على سبيل المثال لا الحصر جامعة هارفارد التي قرر اتحاد الطلاب فيها (الحكومة الطلابية) تقديم مجموعات مناصرة للحقوق الفلسطينية، مثل "طلاب من أجل العدالة لفلسطين"، ونشاط "أسبوع الأبارتهايد" المناهض لإسرائيل. وتلقّت مجموعة "طلاب من أجل العدالة لفلسطين" تكريمًا من رئاسة جامعة نيويورك، على الرغم من تغيّب رئيس الجامعة عن المناسبة66. وبحسب تقرير قدّمته "رابطة مكافحة التشهير Anti-Defamation League (ADL) "، المؤيدة بشدة لإسرائيل، ارتفعت في السنة الأكاديمية 2015/2014 النشاطات والبرامج "المناهضة لإسرائيل" صراحة في الجامعات الأميركية بنسبة 30 في المئة لتصل إلى نحو 520 نشاطًا، يدعو أكثر من نصفها إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها67. جاء هذا الربط بين هذه المؤشرات والقدس، على لسان لونتز نفسه في عام 2014، أثناء مناقشة تراجع الحماسة لإسرائيل بين اليهود؛ إذ قال إنه يجب عدم اعتبار نقد إسرائيل نوعًا من "اللاساميّة"، بل بدلً من هذا يجب تبنّي خطاب جديد، مثل "كل شخص يستحق وطنًا. وبالنسبة إلى اليهود الذين شُدّوا قسرًا حول العالم مرارًا قرونًا طويلة، فإنّ هذا الوطن كان دائمًا القدس والأرض حولها"68. وهذه التوصية هي بناء على استنتاجات تقول إن المتدينين اليهود والأصوليين هم أكثر دعمً لإسرائيل؛ لذا يشير، عمليًا، إلى اعتماد الرواية التاريخية والدينية الصهيونية اليهودية وسيلةً لتجنيد الدعم لإسرائيل.

3. تغيرات في الحياة الحزبية الأميركية

جاء في "ورقة تقدير موقف" نشرها "مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية"، وهو مركز يميني إسرائيلي رافض للحلول الوسط في موضوعات مثل القدس، أنّ "الارتباط المستمر لليهود الأميركيين في الشتات بالحزب الديمقراطي، الذي بات حزبًا صريحًا وناقدًا على نحو متزايد لإسرائيل، يثير قلقًا بشأن ما الذي يمكن أن يحدث عندما تنتخب الولايات المتحدة الأميركية رئيسًا ديمقراطيًا آخر"69. اللافت في تحليل المركز أنّ ما يقلقه ليس التغير في الحزب الديمقراطي فقط، بل إنّ هذا يعني تغيّ ا بين اليهود أنفسهم؛ بمعنى أنّ الأمر ليس ابتعاد الحزب عن الجزء اليهودي من قاعدته الانتخابية، بل هذا جزء من التحوّل اليهودي. ويُضيف التحليل "عندما يحدث هذا [انتخاب رئيس ديمقراطي]، فإنّ الفجوة ستزداد بين إسرائيل واليهود الأميركيين الذين هم أحد أقوى المقومات الدبلوماسية وأكثرها ضرورة، وستصبح [الفجوة] أكبر مما هي الآن"70. ربما أتى تحليل مركز بيغن - السادات بعد حوادث عدة، منها بروز اسم برني ساندرز في انتخابات عام 2016 الرئاسية، باعتباره مرشحًا قويًّا في الحزب الديمقراطي، مع أنّه لم يحصل على بطاقة الترشيح لحزبه، لكنه يُعلن عزمه الترشح مجددًا. وساندرز هو يهودي، وعضو في مجلس الشيوخ الأميركي، وجّه نقدًا لاذعًا إلى السياسات الإسرائيلية، وعلى الرغم من تأكيده أنّه هو نفسه مؤيد لإسرائيل بنسبة 100 في المئة، فإنه ينتقد السياسات الحكومية الإسرائيلية. وواظب ساندرز على التعبير عن موقفه هذا بعد الانتخابات، وفي سياق الاستعداد لانتخابات لاحقة؛ فمثلً، قال في نيسان/ أبريل 2019: "عندما كنتُ شابًّا قضيت شهورًا في إسرائيل، وعملت في كيبوتس فترة، ولديّ عائلة في إسرائيل، وأنا لست ضد إسرائيل، لكن حقيقة المسألة أنّ نتنياهو هو سياسي يميني، أعتقد أنه يعامل الفلسطينيين معاملة غير عادلة أبدًا." ووسط ترحيب الحاضرين وتصفيقهم، في مقر شبكة "سي إن إن" التلفزيونية، أضاف قوله: "أنا 100 في المئة مؤيد لإسرائيل[...]ولها كل حق للبقاء، وللبقاء بسلام، وألا تخضع لهجمات الإرهابيين"71. بحسب دوغ روزناو، الباحث في جامعة أوسلو والمتفرغ لكتابة تاريخ الحركة الصهيونية منذ عام 1948، فإنّ "ليبراليين شبانًا، بعضهم مع ميول اشتراكية، وكثير منهم يتعاطفون مع الفلسطينيين، أكثر مما يتعاطفون مع إسرائيل، يدخلون الحزب الديمقراطي." ويضيف، "في هذه الأثناء، تأمل الجماعات الليبرالية اليهودية، مثل "إذا لم يكن الآن"، أو "شبكة إسرائيل التقدمية"، أن تستغل اللحظة للضغط على الديمقراطيين الطامحين إلى الرئاسة ليضعوا في برامجهم الضغط بقوة لتنفيذ موقف الحكومة الأميركية القديم المؤيد للانسحاب

  1. Ofer Neiman, "Most US Jewish Students don't See Is'ael as 'Civilized' or a 'Democracy,' Luntz T'lls Secret Anti-BDS Conference," Mondoweiss , 22/2/2016, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2lmx9e8
  2. Alexander Joffe, "BDS Expands on Campus After 'Apartheid Week' and Oth'r Incidents," The Algemeiner Journal , 1/5/2019.
  3. BDS on American College Campuses: 2014-15 Year-In-Review," ADL, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2lIDSPL
  4. Weiss.
  5. Shay Attias, "Israel Needs American Jewry, Now More than Ever," The Begin-Sadat Center for Strategic Studies, 12/6/2019, accessed on 26/6/2019, at: http://bit.ly/2lmLuHu
  6. Ibid.
  7. U.S. Presidential Candidate Sanders calls Israel's Govern'ent Racist," Yadeot Ahranot , 23/4/2019.

الإسرائيلي من الأراضي المحتلة"72. ويشار أيضًا إلى انتخاب نواب في الكونغرس من أصول عربية، مثل إلهان عمر الصومالية، ورشيدة طليب الفلسطينية، وكلتاهما عبّ ت مع آخرين عن مواقف مناهضة للسياسات الإسرائيلية73. لكن نظرًا إلى تأييد الحزب الديمقراطي التاريخي لإسرائيل، يبدو توقع حدوث تحول كامل قريب في موقف هذا الحزب مستبعدًا، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن معدل 74 في المئة من اليهود صوّتوا له في آخر انتخابات74. في الواقع، هناك تحوّل ولو تدريجيًّا بطيء، ربما يستمر، وربما لا يستمر، في أوساط الناخبين اليهود والحزب الديمقراطي والشباب الأميركيين، لمصلحة موقف أقل انحيازًا إلى الاحتلال الإسرائيلي، في مقابل انحياز أكبر في الحزب الجمهوري. ومن المهم التوقف عند حقيقة أنّ النظام السياسي الأميركي والتقاليد الانتخابية تجعل للنخب وأصحاب القدرة على التمويل دورًا مؤثرًا على نحو خاص، وهذا ما يقود إلى التوقف عند دور اللوبي الإسرائيلي وتحولّاته.

4. تحولّات اللوبي الإسرائيلي

انعكس هذا التحول السالف الذكر في القاعدة الشعبية المكوّنة للّوبي الإسرائيلي والجماعات المنظمة المؤيدة لإسرائيل، داخل اللوبي الإسرائيلي المنظّم. وكان الانطباع أثناء إدارة أوباما أنّ هذا يحدث لمصلحة جماعات أكثر اقترابًا إلى حل الدولتين، فلسطينية وإسرائيلية. وعبّ ت كوني بروك عن هذا التحوّل بالتساؤل، في مقالة طويلة نشرتها بعنوان "هل تفقد جماعة 'أيباك' [لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية] التي كثيرًا ما حاربت سياسات أوباما، نفوذها؟"75. كانت بروك تتساءل عن نفوذ "أيباك" التي قادت طويلًالحركة المؤيدة لإسرائيل. في الإجابة عن السؤال، قالت الكاتبة إنَّ المسؤول السابق في "أيباك"، ستيف روزن Rosen J. Steve، "كان مولعًا بأن يُخبر الناس بأنّه يمكن أن يأخذ أي منديل ورقي Napkin في أي استراحة لاجتماعات مجلس الشيوخ، وأن يحصل على تواقيع عليها لتأييد قضية أو أخرى من عدد من الشيوخ"76. كانت "أيباك" تُجسّد بعض السمات الأساسية في العمل لأجل إسرائيل في الولايات المتحدة، من ضمنها أنّها غير مرتبطة بحزب بعينه في إسرائيل أو في الولايات المتحدة77. كما أنّ نسبة التأييد لإسرائيل بين اليهود كانت كاسحة، وكان اليهود يُعبّ ون إلى حدٍّ بعيد عن اتجاه علماني ليبرالي، قبل أن يزيد التديّن بينهم، كما ذكرنا سابقًا، بالتوازي تمامًا مع تراجع التأييد المطلق غير المشروط في أوساط يهودية أخرى. تركّز الاهتمام في عهد أوباما على نشأة جماعة ضغط (لوبي) إسرائيلي جديد، تُسمى "جي ستريت"، تدعم حل الدولتين، وتريد تسوية مع الفلسطينيين، ودعا هذا اللوبي شخصيات فلسطينية إلى الحديث معه وأمامه، منهم حسام زملط القيادي الشاب في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، الذي سيُصبح بعد ذلك مدير مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ومما قاله زملط في عام 2014: "أنا لا أقول إنّ 'جي ستريت' تمثل التيار الأساسي لليهود الأميركيين، لكنها اتجاه يعطيك بعض الشعور [المتعلق بالسؤالين]: أين هي الأمور؟ وما الذي يحدث؟"78. يبدو أن هناك تقاربًا بين ساندرز واللوبي "جي ستريت"، وكان ساندرز الضيف الأساسي للحديث أمام مؤتمرها السنوي في عام 2018. وكما أشارت صحيفة ذي تايمز أوف إسرائيل، يُشدّد خطاب ساندرز على نقد سياسة إسرائيل إزاء الفلسطينيين، وفي الوقت ذاته فإنّه هو و"جي ستريت" يريدان توجيه رسالة تُفيد أنّ كلًّ منهما "يمكن أن يؤيد إسرائيل، بينما ينتقد حكومتها لسياساتها الاستيطانية، ولإهمالها فرص السلام"79. في الواقع، إنّ ما لم تنتبه إليه غالبية المراقبين أثناء عهد أوباما أنّ "جي ستريت" هي تعبير عن الاستقطاب بين اليهود الأميركيين أنفسهم، وفي مقابل هذه الجماعة، هناك جماعة ضغط أخرى صعدت بسرعة، وهي تُعبّ عن رأي اليمين المتشدد، وهؤلاء سيكون لهم دور خاص في موضوع القدس. إذا كانت جماعة "جي س يررت" تقف ع ىى يسار "أيباك"، فع ىىيمينها وقف "المجلس الإسرائي ييالأم كيرر، إياك". وبحسب تعبيرات في صحيفة Israeli American Council- IAC هآرتس الإسرائيلية، فإن الملياردير اليهودي الأميركي شيلدون أديلسون

  1. Doug Rossinow, "Will Divisions over Israel Fracture the Democratic Party?" The Washington Post , 29/7/2019.
  2. Ibid.
  3. Ibid.
  4. Connie Bruck, "Friends of Israel," The New Yorker , 25/8/2014.
  5. Ibid.
  6. Ibid.
  7. Ibid.
  8. Ron Kampeas, "5 Things to Watch in another Bernie Sanders Presidential Campaign," The Times of Israel , 30/1/2019.

Adelson Sheldon "يختطف المجتمع الإسرائيلي الأميركي نحو أجندته اليمينية المتشددة"، عبر هذا المجلس80. صعد نجم أديلسون على نحو كبير مع انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، بسبب الدعم المالي الذي قدّمه لحملته الانتخابية. وأديلسون سّس في عام أيضًا هو من يرعى صعود "إياك" الذي أ 2007، لكنه لم يتوسع إلا بعد أن أغدق عليه أديلسون نفسه التمويل. وفي مؤتمر المجلس في عام 2017، حرص أديلسون على الإعلان أنّه مختلف عن "أيباك"، وأنه لن يدعم أي حكومة إسرائيلية تدعم حل الدولتين، أو تُواصل "تقديم المساعدات للفلسطينيين"، وهو يشير هنا أيضًا إلى نقطة الخلاف مع "أيباك"، حيث لا يريد أي تأييد لحل الدولتين (ما يلغي أيضًا أي حل بالنسبة إلى قضية القدس)، ويرفض تقديم المساعدات الأميركية إلى الفلسطينيين81. يدعم أديلسون، الذي يمتلك كازينوهات قمار في الولايات المتحدة والصين، وجود حكومة متشددة في إسرائيل، مثل حكومة بنيامين نتنياهو. وهو يملك وسائل إعلامية أميركية وإسرائيلية خاصة به. وسمح هذا الدعم لنتنياهو ووزراء الحكومة الإسرائيلية بالتمرد وعدم الاكتراث حتى بالنسبة إلى القادة التقليديين لليهود في الولايات المتحدة، ومن هنا توجد خلافات بين هؤلاء القادة ونتنياهو، وهم الذين أزعجهم على نحو خاص توتر العلاقات بين نتنياهو وإدارة أوباما؛ فرغم استمرار دعم "أيباك" لإسرائيل من دون تردّد، ورغم الدعم العسكري والمالي الكبيرين اللذين قدّمهما أوباما لإسرائيل أيضًا، فإنّ هناك قلقًا من سياسات نتنياهو وخطابه82، إضافة إلى خلافات بشأن قضايا أخرى، منها التشدد الأصولي اليهودي المتزايد في إسرائيل83. وفي وقت تولي "أيباك" و"جي ستريت" المصالح الإسرائيلية نظرة عامة، من دون أن يلغي هذا طبعًا الدور التاريخي الذي قامت به "أيباك" في موضوع القدس، فإن "لوبي أديلسون" وضع القدس في مركز أجندته. فضلً عن أديلسون الذي قدم عشرات الملايين لحملات ترامب الانتخابية، أقام هذا الأخير تحالفًا خاصًا مع صهيونيين ناشطين، يعتبرون ضمن يمين الحركة الصهيونية ومن خارج المؤسسة التقليدية، سواء المؤسسة الأميركية الرسمية أو مؤسسة اللوبي الإسرائيلي التقليدية. وعلى مدى أعوام طويلة، ساهم دبلوماسيون يهود أميركيون لا يخفون علاقاتهم الإسرائيلية الخاصة، مثل دينيس روس ومارتن إنديك اللذين تولّيا مناصب سياسية عدة، مع إدارات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بدعم وجود حكومات إسرائيلية متشددة، لكن ترامب تخلّ عنهما وجاء بفريق صهيوني من عائلته وشركاته الخاصة. يبرز داخل فريق الرئيس ترامب ثلاث شخصيات أساسية، هي جاريد كوشنر، وديفيد فريدمان، وجيسون غرينبلات. ومن المهم دراسة خلفية هؤلاء الرجال التي يُعبّ ون عنها، أكثر من بحث شخوصهم، فهم قد يكونون أشخاصًا عابرين، ينتهي دورهم مع نهاية إدارة ترامب. ولا بد كذلك من دراسة من هم الداعمون الأساسيون لإدارة ترامب، وهنا يبرز اسم أديلسون والشبكة التي يقودها ويُعبّ عنها، كما يأتي أشخاص آخرون، مثل نائب الرئيس مايك بينس.

أ. جاريد كوشنر وجيسون غرينبلات وديفيد فريدمان

جاريد كوشنر، المولود في عام 1981، ليس زوج ابنة الرئيس الأميركي ترامب التي تحوّلت إلى اليهودية فحسب، بل إن نتنياهو صديق والده وعائلته الشخصي، وكثيرًا ما شارك في نشاطات إسرائيلية واستيطانية، كما أن ترامب عيّنه مبعوثًا للشرق الأوسط84. أما جيسون غرينبلات فهو ممثل ترامب لشؤون المفاوضات الدولية، وهو أيضًا محامي شركة ترامب، وقد أقام في الثمانينيات في مستوطنة في الضفة الغربية85. وأما ديفيد فريدمان الذي عُ سفيرًا في إسرائيل، فهو محامٍ يهودي، متخصص في قضايا الإفلاس، ومؤيد علني للاستيطان ويقوم بنشاطات كثيرة لجمع التبرعات للاستيطان، وهو يرفض فكرة الدولة الفلسطينية، ويُهاجم اللوبي الإسرائيلي "جي ستريت"، ويصف أعضاءه بأنهم أسوأ من النازيين، ومن عملاء النازية بين اليهود86. وقد طالب أعضاءُ "جي ستريت" بإلغاء تعيينه في موقعه، لأنّه خالف تعهداته عندما عُيّ سفيرًا، وأنّه لا يمثل الولايات المتحدة بحياد بين الحزبين، وقالوا إنّ فريدمان صرّح في مقابلة في السفارة الأميركية

  1. Chemi Shalev, "Delson Has Hijacked the Israeli-American Community for His Hard-right Agenda," Haaretz , 7/11/2017.
  2. Ibid.
  3. 85  Tally Krupkin, "Trump Names Jason D. Greenblatt, His Company Lawyer, Special International Negotiations Representative," Haaretz , 24/12/2016, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2mOgpNg 86  Itmar Eichner, "J Street Urges Senate to Recall Ambassador Friedman," Ynet News , 1/7/2018, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2lWGkCe
  4. Natan Sharansky & Gil Troy, "Can American and Israeli Jews Stay
  5. Ron Kampeas, "When Netanyahu Slept at the Kushner-Media Tales of Trump's Jewish C'nfidants," The Jerusalem Post , 14/2/2019, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2ntTven
  6. 82  Peter Baker, "For Obama and Netanyahu, a Final Clash after Years of Conflict," The New York Times , 23/12/2016.
  7. Together as One People?" Mosaic Magazine , 9/7/2018, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2nrKbYq

في إسرائيل بأنّ الحزب الجمهوري، بلا شك، أشد دعمً لإسرائيل من الحزب الديمقراطي. وأشاروا أيضًا إلى أنّه لم يدعُ أعضاء الكونغرس الديمقراطيين لحضور افتتاح السفارة الأميركية في القدس87. وتعكس مثل هذه الاتهامات حالة الاستقطاب التي يقودها فريق ترامب من الصهيونيين الأميركيين، بين اليهود الأميركيين أنفسهم من جهة، والسياسيين الأميركيين من جهة أخرى. هناك ثلاث ملاحظات لفهم هذا الثلاثي (كوشنر، وغرينبلات، وفريدمان)، والخلفية التي جاؤوا منها، والتي توضح أيضًا الدور الذي يقومون به في رسم الموقف الأميركي من القدس. أولها ما سلف ذكره من روابط مباشرة بالاستيطان الإسرائيلي. وثانيها أنّ هؤلاء ينتمون إلى الأصولية الأرثوذكسية اليهودية، ويقول ناثان دايمنت Diament Nathan (المدير التنفيذي للاتحاد الأرثوذكسي، الإطار اليهودي الأصولي الأوسع في الولايات المتحدة)، إنّها "نقطة فخر" للمجتمع الأرثوذكسي الأميركي أن يكون اثنان من أعضائه (فريدمان، وغرينبلات) في أماكن بارزة في إدارة ترامب88. وثالثها أن هذا الفريق يختلف عن اليهود الأميركيين التقليديين المناصرين لإسرائيل الذين كانوا إلى حدٍّ ما يُعبّ ون عن مناصرة حكومات إسرائيل، بغضّ النظر عمن يقودها. ولدى هؤلاء، كما يلُاحظ من سياساتهم، وكما تستنتج هآرتس، "رغبة في ربط سياسات الولايات المتحدة بسياسات نتنياهو"89؛ أي إنّهم يؤيدون سياسة معيّنة، وهم لاعبون في السياسة الداخلية الإسرائيلية، وليسوا داعمين إسرائيل فحسب. وسيتّضح هذا البعد أكثر في اللوبي الإسرائيلي الجديد (المجلس الإسرائيلي - الأميركي)، كما سيتّضح عند مناقشة دور أديلسون لاحقًا. لكن لعل ما يعبّ عن طبيعة الاستقطاب اليهودي – اليهودي داخل الولايات المتحدة هو أنّ فريدمان كان أول سفير أميركي في إسرائيل لم يكن مقبولً به من مجلس الشيوخ؛ إذ صوّت نصف أعضاء المجلس تقريبًا ضدّ تعيينه90. وفي الحصيلة، يُجسّد هذا الفريق جناحًا متطرّفًا داخل اللوبي الإسرائيلي، ويجسّد صعوده انقسامًا داخل هذا اللوبي. بدأ هذا الفريق عمله أثناء حملة ترامب الانتخابية، مع إشارات خاصة مبكرة إلى موضوع القدس. فمثلً، كتب فريدمان وغرينبلات، بصفتهما مستشارَي ترامب للشؤون الإسرائيلية، ورقة موقف، نشرت في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 (قبل ستة أيام من الانتخابات الرئاسية الأميركية)، وفيها معالم تصوّر ترامب إزاء إسرائيل. ووفقًا لهذه الوثيقة، ستعترف إدارة ترامب بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل، وبحسب قراءة صحيفة هآرتس للوثيقة، فإنه "حتى قبل أن تحدث المفاوضات بين الطرفين [الفلسطيني والإسرائيلي]، ستعترف الولايات المتحدة بالقدس عاصمةً أبدية، غير قابلة للتقسيم، للدولة اليهودية، وستُنقل سفارة الولايات المتحدة إليها"91. اللافت أولً أنّ هذه الوثيقة هي ابتعاد واضح عن السياسات الأميركية السابقة التي مالت، على نحو متزايد، إلى ربط موضوع القدس بالمفاوضات، وثانيًا أنّ هذا الوعد نُفّذ فعلً، وثالثًا أنّ الوثيقة شملت موضوعات أخرى غير إسرائيل، مثل إيران، ما يعكس رؤية الشرق الأوسط من منظار المتغير الإسرائيلي، ورابعًا، وربما الأهم، أنّ الوثيقة وهوية من أعدّوها تعكس تحوّلً في دور الجماعات اليهودية واللوبي الإسرائيلي وطبيعتها. يتضح واقع اللون الديني لفريق ترامب ومسألة قدومه من يمين اليمين، أكثر من خلال الإطلالة على بينس، نائب الرئيس الأميركي.

ب. مايك بينس

تظهر أهميّة نائب الرئيس الأميركي أحيانًا، بصفته مرشحًا ممكنًا للانتخابات بعد الرئيس الحالي، أو أنّه يستطيع زرع أنصار ومؤيدين لمصالحه وسياساته حتى لو لم يكن ينوي الترشح للرئاسة. في خطاب له في عام 2017، احتفالً بالذكرى السبعين لقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة رقم 181، احتفى بدور هذا القرار في نشوء إسرائيل، لكنه اعتبر الفضل الأساسي في قيامها هو وجود "المسدس بيد والمحراث بيد أخرى"، ونشوء إسرائيل هو تجسيد لنبوءة توراتية، "هل لبلد أن تولد في يوم، ولأمة أن تولد في لحظة"، مضيفًا أنّ "من المستحيل عدم ملاحظة أنّ يد السماء تقود ناسها، تكتب تاريخهم في إعادة بناء هذا الشعب القديم على الأرض التي ولدوا عليها." وقال: "قضيتكم قضيتنا، وقيَمكم قيمنا، وقتالكم Fight["] قتالنا92، وأضاف في خطبة في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، في كانون الثاني/ يناير

  1. Ibid.
  2. Amir Tibon, "Greenblatt vs. Friedman: Do Trump's Top Advisers Still Share the Same Israel Policy?" Haaretz , 18/5/2017, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2mOBGq7
  3. Robert Malley & Aaron David Miller, "Trump is Reinventing the U.S. Approach to the Palestinian-Israeli Conflict," The Atlantic , 20/9/2018, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2mOEmEb
  4. Tibon.
  5. Jacob Kornbluh, "Trump's Israel Advisers Issue Position Paper on Israel, Middle East Conflict," Haaretz , 2/11/2016, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2mWxmEZ
  6. Eric Shawn, "America will always Stand with Israel; Says Pence Commemorating UN Vote 70 Years Later," Fox News , 28/11/2017, accessed on 26/9/2019, at: https://fxn.ws/2lVvAnD

2018، أنّ "الملك داود" بنى القدس "عاصمة مملكة إسرائيل" قبل أكثر من 3000 عام ((9(". نشرت مجلة ذا أتلانتيك تحقيقًا طويلً يبدأ بصورة بينس في زيٍّ ديني تعبيري، وتُقدّم تفصيلات حياته وما يفعله الآن، تمهيدًا لترشّحه يومًا لانتخابات الرئاسة. وذكرت أنّه أثناء دراسته في الجامعة تحالف مع مجموعات فيها المتدين ومُدمن المخدرات، والهدف هو الانتخابات. انتقل من الكاثوليكية إلى الإنجيلية، في إطار تعاظم الدور السياسي للتيار الأخير. وفي حملته الثانية الفاشلة لدخول الكونغرس في عام 1990، كانت إحدى دعاياته صورة كاريكاتيرية، فيها شيخ عربي يشكر منافسه الديمقراطي على دعمه مصالح النفط الأجنبية. وبعد فشله الانتخابي تحوّل إلى مذيع يُهاجم ما يراه انحلالً أخلاقيًا، وينتقد الأغاني الحديثة وغير ذلك، ثم عاد إلى الانتخابات مجددًا. وتذكّر المجلة بتصريح صحافي له في عام 2002، يقول فيه "تأييدي لإسرائيل ينبع إلى حدٍّ بعيد من إيماني الشخصي"، معتبرًا أن الإسرائيليين هم أتباع إبراهيم، وأنه سيحصل على البركة إذا باركهم، وعلى اللعنة إذا أساء إليهم.93 تتساءل المجلة: كيف يوفِّق بينس بين تديّنه و"خدمته" ترامب الذي يفتخر بصورة قديمة له يعلّقها في مكتبه، هي غلاف لعدد من أعداد مجلة بلاي بوي Playboy للتعري، ومع فيديوهاته المعروفة عن تحرّشه بالنساء؟ وتوضح المجلة كيفية تقديم بينس إجابة دينية عن إطاعة القائد (وليّ الأمر) وخدمته94. يؤمّن له موقعه مكاسب كثيرة. وأحد عناصر أجندته هو تعديل القوانين الضريبية وقوانين أخرى تدعم الشركات التي يمتلكها متديّنون، ومن مكاسبه أيضًا دخول وزراء من جماعته الدينية إلى الإدارة الراهنة، وقد أُدخل قاضٍ إلى المحكمة العليا من الجماعة نفسها. وعمل على أن يوقّع ترامب قرارًا يزيد مساحة الهامش المسموح به لرجال الدين من أجل نشر وجهات نظرهم السياسية الخاصة في كنائسهم، وحرية الحديث بشأنها (أي توظيف الدين للسياسة)95. كان بينس شخصًا من دون فرص حقيقية للتقدم سياسيًّا، لكن فريق ترامب الذي يريد صوغ تحالف مع جناح الإنجيليين، أو المسيحيين الصهاينة، ساعده وقد يُساعده على المزيد من التقدم. وهذا يكشف تحالف الأصوليات داخل اللوبي الإسرائيلي الجديد الذي يصعب فهمه من دون التوقف عند أديلسون ودوره.

ج. شيلدون أديلسون

عندما قرر ترامب في بداية عهده تأجيل نقل السفارة الأميركية في إسرائيل إلى القدس، وصلت مؤشرات غضب أديلسون المانح الأكبر لترامب والحزب الجمهوري إلى الإعلام، ليس بسبب عدم نقل السفارة فحسب، بل بسبب اللقاءات الودّية التي عقدها ترامب مع الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس ومسؤولين فلسطينيين آخرين أيضًا96. أكد وجود أديلسون وزوجته في الصف الأول في حفل افتتاح السفارة الأميركية في القدس (أيار/ مايو 2018)، حين تراجع المسؤولون الرسميون الأميركيون إلى الخلف، ولم يُدعَ آخرون، وخصوصًا من أعضاء الكونغرس الديمقراطيين، كما سبقت الإشارة، دورَ اللوبي الذي يقوده أديلسون في رسم السياسات الأميركية بشأن القدس97. تتنحّى العمليات الانتخابية والسياسية الرسمية التقليدية، أمام نفوذ أديلسون وع اررت الملايين التي تبرع بها لحملات ترامب الانتخابية وللحزب الجمهوري. وكان قد أُعلن في انتخابات الكونغرس (تشرين الثاني/ نوفمبر) أنّ أديلسون سيكون 2018"الصديق اليهودي الوحيد المتبرع" الذي سيدعوه ترامب إلى حفل مراقبة نتائج الانتخابات في البيت الأبيض، وذلك بعد التبرع ب 32 مليون دولار لحملة انتخابات الجمهوريين في ذلك العام، بل بلغت تبرّعات، بحسب صحيفة ذي غارديان أديلسون للجمهوريين في عام 2018، مليون دولار، لكن لفتت هآرتس نحو 113 إلى أنّ تبرعات أديلسون هذه، قابلها تراجع يهود بارزين عن التبرع للجمهوريين بسبب سياسات ترامب، كانوا يتبرعون بسخاء لرؤساء سابقين، مثل بول سينغر الذي دعم الجمهوريين ب 26 مليون دولار في عام 2016، لينخفض هذا الدعم إلى ما وصفته ب "الفتات"، من دون أن تُحدّد مبلغ التبرع، وتراجعت تبرعات آخرين من ملايين الدولارات إلى الآلاف98.

  1. The White House, Foreign Policy, "Remarks by Vice President Mike Pence in Special Session of the Knesset," The White House Website, 22/1/2018, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2lN5jbd
  2. Mckay Coppins, "God's Plan for'Mike Pence," The Atlantic (January- February 2018), accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2ntl07O
  3. Ibid.
  4. Ibid.
  5. Mark Landler & Maggie Haberman, "Mixed Signals From Trump Worry Pro-Israel Hard-Liners," The New York Times , 5/5/2017.
  6. Noa Landau, "'Thus Says the Lord': Religiou' Tune at Jerusalem Embassy Opening Drowns Out Protests," Haaretz , 15/5/2018.
  7. Ibid.

يدعم أديلسون "إياك" ليكون بديلً متشددًا ومنافسًا من "أيباك"99. وأهم ما يقوم به أديلسون لتثبيت نفسه، هو عدم تأييد حكومة إسرائيلية توافق على "حل الدولتين"، كما أوضحت صحيفة هآرتس التي أثارت أيضًا كيفية ترافق دعم أديلسون لهذا اللوبي مع قبول كبار المسؤولين الأميركيين دعواته للحديث في مهرجاناته، كما يفعلون مع "أيباك"100. ويعمل أديلسون في اتجاهين على الأقل، الأول بين اليهود في الولايات المتحدة، والثاني داخل إسرائيل؛ إذ لديه برامج خاصة اجتماعية وسياسية تستهدف الإسرائيليين الذين هاجروا من إسرائيل إلى الولايات المتحدة، يصل عددهم بحسب بعض التقديرات إلى نحو مليون شخص. ولا يعمل "إياك"، بفضل دعم أديلسون له، على تعبئة هؤلاء سياسيًّا فحسب، بل على المساعدة في إدارة شؤونهم الحياتية وحاجاتهم الشخصية وترتيبها أيضًا101. وهؤلاء مهمون على أكثر من صعيد؛ فهم، أولً، يُحدّدون مَن مِن جماعات الضغط الإسرائيلية يحظى بشعبية أكبر بين اليهود الأميركيين "(جي ستريت"، أم "أيباك"، أم "إياك"؟)، وثانيًا، يؤثرون في خيارات المرشحين الأميركيين للرئاسة أو الكونغرس، وثالثًا، يؤثرون بقدر ما في السياسات الإسرائيلية الداخلية، بفضل علاقاتهم بعائلاتهم أو قدرتهم على العودة والتفاعل مع السياسة الإسرائيلية الداخلية. هناك شبكة من المؤسسات التي تشكل معالم هذا اللوبي الجديد الذي هو أشبه ما يكون بجماعة ضغط في الولايات المتحدة ومؤسسة سياسية في إسرائيل؛ فمثلً يملك أديلسون جريدة يومية واسعة الانتشار في إسرائيل، إسرائيل هايوم، وقد كانت أول صحيفة يخصّها فريدمان بمقابلة عندما وصل لتسلم مهماته بصفته سفيرًا للولايات المتحدة في إسرائيل102. وأخيرًا، يمكن أن نخلص إلى أن تراجع داعمي الحزب الجمهوري (في ظل إدارة ترامب)، وتعويض أديلسون ذلك، يعكسان حالة استقطاب وتنافس داخل المجتمع اليهودي الأميركي ذاته.

خاتمة

يركز اللوبي الإسرائيلي التقليدي على نقطتين مشتركتين تصنعان السياسة الأميركية الخاصة إزاء إسرائيل؛ الأولى، التقارب الديني والثقافي بين البلدين، ويقود هذا الأمر إلى تقارب في موضوعات مثل القدس ومكانتها بالنسبة إلى اليهود وإسرائيل، أما الثانية أنّ إسرائيل حليف أساسي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وبينهما مصالح استراتيجية وحلف حيوي.

لكن كما أشارت الدراسة، تقلّ نسبة اليهود عن 2 في المئة من سكان الولايات المتحدة، ولا يمكن من يوصفون بالمسيحيين الصهاينة أن يشكلوا في أحسن الأحوال أكثر من 20 في المئة. وتؤكد هذه النسب، مع قراءة تاريخية للسياسات الأميركية في مسألة القدس وإسرائيل، أنّ العامل الديني لم يكن حاسمً في هذه العلاقة. ويلاحظ أن هناك الكثير من الخبراء الذين يشككون في أهمية إسرائيل الاستراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، كما أن سياسات الاحتلال الإسرائيلي تُعرّض سمعة الولايات المتحدة وأمنها للخطر، بسبب دعمها غير المحدود وغير المشروط لإسرائيل. يتمثّل العامل الأهم في قوة الدعم السياسي الأم كيرر لإسرائيل، ومواقف الولايات المتحدة في قضايا مثل القدس، بالعمل المنظم للوبي الإسرائيلي الذي يَ رُّ منذ بدايات القرن الحادي والعشرين بتغيرات متزايدة واستقطاب واضح. هناك جماعات إلى يسار اللوبي التقليدي "أيباك"، مثل جماعة "جي ستريت"، المؤيدة لحل الدولتين والسلام، تعتبر أن تأييد إسرائيل لا يعني منع انتقاد سياسات حكومتها، وهناك عدد متزايد من اليهود

  1. Josh Nathan-Kazis, "Breaking with Script, Adelson Portrays IAC as a Hardline AIPAC Alternative," Forward , 5/11/2017, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2nspFa6
  2. Amir Tibon, "This Powerful Adelson-funded Israel Lobby Could soon Rival AIPAC's Influenc' in Washington," Haaretz , 31/10/2017, accessed on 26/9/2019, at: http://bit.ly/2lY7Wqr
  3. Shalev.
  4. Tibon, "Greenblatt vs. Friedman."

الأميركيين الذين يتبنّون وجهة النظر هذه. وفي المقابل، هناك إلى يمين "أيباك" لوبي يميني يرفض أي نقد لسياسات إسرائيل، وشرطه الأهم لدعم أي حكومة إسرائيلية هو عدم تأييد حل الدولتين، أو تقديم مساعدات للفلسطينيين. وأفضل من يمثل الاتجاه الأخير الملياردير اليهودي شيلدون أديلسون والمجلس الإسرائيلي الأميركي "إياك" الذي يدعمه. ولا يهتم هذا اللوبي بتأمين الدعم لإسرائيل داخل الولايات المتحدة فحسب، بل بالتدخل أيضًا في السياسة الإسرائيلية تدخلً مباشرًا، عبر شبكة من وسائل الإعلام والدعم المالي في إسرائيل، ودعم مئات الآلاف من الإسرائيليين المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وقيام هذا اللوبي بدور أساسي في دفع ترامب إلى تبنّي قرار الاعتراف بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها. يوضح دور هذا اللوبي أن عوامل داخلية أميركية مؤثرة في صنع القرار الأميركي أكثر من أي عامل آخر. ولا ترتبط هذه العوامل حقيقة بالتركيبة الديموغرافية الدينية، أو بعوامل ثقافية، أو بمصالح أميركية حقيقية، بل بدور المال السياسي والقوى المنظمة. في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل حالة الاستقطاب في المجتمع الأميركي، وخصوصًا اليهودي الأميركي، بين قوى علمانية ما زالت تؤيد إسرائيل بقوة، لكنها أقل اندفاعًا في تأييد سياساتها الاحتلالية، في مقابل يمين أكثر تشدّدًا في دعم الاحتلال ورفض الحقوق الفلسطينية.

المراجع

العربية

أنطونيوس، جورج. يقظة العرب: تاريخ حركة العرب القومية. ترجمة ناصر الدين الأسد وإحسان عباس. بيروت: دار العالم للملايين؛ نيويورك: مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر،.1962 عزم، أحمد جميل. "القدس في الخطاب السياسي الأمريكي." حوليات القدس. العدد 15 (ربيع-صيف 2013.) الموسوعة الفلسطينية. بيروت: هيئة الموسوعة الفلسطينية، 1990. هاس، ريتشارد. عالمٌ في حَيْصَ بَيْص: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم. تعريب وتحقيق إسماعيل بهاء الدين سليمان. بيروت: دار الكتاب العربي،.2018

الأجنبية

Ariel, Yaakov. An Unusual Relationship: Evangelical Christians and Jews. Goldstein-Goren Series in American Jewish History Series. New York: New York University Press, 2013.

Azem, Ahmad Jamil. "Moving the U.S. Embassy to Jerusalem: A Chronic Unfulfilled Promise." Jerusalem Quarterly. no. 70 (Summer 2017). Beinart, Peter. "The Failure of the American Jewish Establishment." The New York Review of Books. vol. 57, no. 10 (June 2010). Burchill, Scott et al. Theories of International Relations. 2 nd ed. Basingstoke: Palgrave, 2001. Coppins, Mckay. "God's Plan for Mike Pence." The Atlantic (January-February 2018). Davison, Roderic H. "The King-Crane Commission: An American Inquiry into the Middle East by Harry N. Howard." The Journal of Modern History. vol. 37, no. 1 (March 1965). Documents on Jerusalem. Jerusalem: PASSIA, 1996. Haass, Richard N. Foreign Policy Begins at Home: The Case for Putting America's House in Order. New York: Basic Book, 2013.

.________ A World in Disarray: American Foreign Policy and the Crisis of the Old Order. New York: Penguin Press,

Hermann, Margaret G. & Joe D. Hagan. "International Decision Making: Leadership Matters." Foreign Policy. no. 110 (Spring 1998). Laqueur, Walter (ed.). The Israel-Arab Reader: A Documentary History of the Middle East Conflict. London: Weidenfeld & Nicolson, 1969. Mearsheimer, John J. & Stephen M. Walt. The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy. New York: Farrar, Straus and Giroux, 2007. Slonim, Shlomo. Jerusalem in America's Foreign Policy 1947-1997. The Hague/ London/ Boston: Kluwer Law International, 1998. Spiegel, Steven L. The Other Arab-Israeli Conflict: Making America's Middle East Policy from Truman to Reagan. Chicago: The University of Chicago Press, 1985. United Kingdom. The National Archives, Foreign and Commonwealth Office (FCO). "Report by W. Morris."

Wagner, Donald E. Dying in the Land of Promise: Palestine and Palestinian Christianity from Pentecost to 2000. London: Melisende, 2003. Wilson, James Q. "Why Don't Jews Like the Christians Who Like Them?" City Journal (Winter 2008).