الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية: قراءة في التوافق السوداني ***
الملخّص
تتناول هذه الدراسة معالم التوافق السياسي في السودان في ما بعد إطاحة حكم عمر البشير. وتركز تحليلها على الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية، محتواها ومآلاتها، فضل ا عن سياقها والقوى المشاركة فيها. وتزعم الدراسة، من خال استعراض هذه الوثيقة، أنّ نجاح الانتقال القائم على التوافق مرهون بقدرة النخب على اجتياز عدد من التحديات التي تعترضها، وأهمها تحدي إحال السام، وتعزيز التحالف بين القوى المتوافقة، وعبور المأزق الاقتصادي، وإدارة التوقعات الجماهيرية. وتتتبّع أبرز محطات المسار التفاوضي من لحظة إعان عزل البشير في نيسان/ أبريل 2019، وحتى توقيع الوثيقة في آب/ أغسطس 2019. ومن ثم تنتقل إلى تحليل أبرز بنودها، والمؤسسات التي أنشأتها، وتقدّم خطوط ا عامة لتقييم مدى قدرتها على خلق ضمانات تيسّ ر الانتقال الديمقراطي. كلمات مفتاحية: السودان، قوى إعان الحرية والتغيير، المجلس العسكري الانتقالي، الوثيقة الدستورية، المرحلة الانتقالية. This study examines the features of the political reconciliation in Sudan following the overthrow of Omar al-Bashir's rule. It analyses the interim constitutional declaration in terms of content, outcome, context, and the forces involved in writing it. The study argues that the success of a consensus-based transition depends on the ability of elites to overcome a number of challenges, the most important of which are establishing peace, strengthening the alliance between coalition forces, overcoming the economic impasse, and managing public expectations. The study traces the most prominent milestones of the negotiations from the announcement of al-Bashir's dismissal in April 2019, until the declaration was signed in August 2019. Then, it proceeds to analyse the most important bands of the document, and the institutions that have implemented these, and assesses the extent of the declaration's ability to facilitate the democratic transition. Keywords: Sudan, Forces of Freedom and Change, Sudanese Constitutional Declaration, the Transitional Military Council, Transition.
The Constitutional Charter for the Transitional Period: A Reading of the Sudanese Consensus
مقدمة
في صباح الخميس 11 نيسان/ أبريل 2019، خرج النائب الأول لرئيس الجمهورية ووزير الدفاع السوداني، عوض محمد أحمد بن عوف، ليعلن "اقتلاع النظام" وزوال حكم عمر حسن البشير، بعد ثلاثة عقود كاملة في السلطة1. سادت أوساط الجماهير الثائرة سعادةٌ اختطت بالحيرة، فمن لحظتها ظلّت الساحات المحتفلة بانتهاء عهد القهر الطويل وزوال حكم البشير في حالة ترقب حذر من أن تفرض خيارات المجلس العسكري، وارث البشير، قيودًا على تطلعات الثورة. تلك الهواجس من نيات المجلس العسكري تجلّت سريعًا في صورة إجراءات تستهدف عرقلة مطالب التغيير. وما استدعى خوفًا مضافًا ملأ وجدان السودانيين هو ما أدركوه من مآلات الموجة الأولى من الربيع العربي. كان طبيعيًا أن يُفسَّ إعلان تشكيل مجلس عسكري في السودان يدير شؤون البلاد لفترة انتقالية، مدتها عامان، عبر عدسة تجربة مصر، التي قبض فيها العسكر على مقاليد الحكم، بعدما انقلبوا على الثورة. ولم يكن الأمر في الخرطوم في حاجة إلا إلى مواجهات دامية توقع قتلى وجرحى، وقد تورّط المجلس العسكري فيها، ليزداد في عين الجماهير الشك في نيات نخبة موروثة من عهد البشير، ويبعد الأمل في الانعتاق من ربقة النظام السابق. راوح الانتقال السياسي في المكان حينًا، حتى جاءت بوادر بقرب توافقٍ يوقف المواجهة بين الثوار والمجلس العسكري. ودُشِّن مسار تفاوضي يجمع بين الأمل والخوف، وبقي هناك توازن بين المصالح والقوى المتنازعة على السلطة حول ما يجري في الميادين المفتوحة والغرف المغلقة. وفي النهاية، جاء توافق المجلس العسكري الانتقالي وقوى إعلان الحرية والتغيير "قحت" على شروط لإدارة الفترة الانتقالية بعد سقوط نظام البشير، ليدشن مرحلة جديدة. صحيح أنها تحيي الأمل في التغيير الديمقراطي، لكن بشروط براغماتية صعبة، ليست على صورة ما تمنّى الثائرون. في هذه الدراسة، نحاول فحص معالم هذا التوافق السياسي من خلال دراسة وثيقته الأساسية، وهي الوثيقة الدستورية الموقعة في 17 آب/ أغسطس 2019. وسنتتبّع أبرز محطات المسار التفاوضي الذي انطلق في منتصف نيسان/ أبريل 2019، وحتى توقيع الوثيقة، وسنسعى إلى تقييم قدرتها على خلق ضمانات تيسّ الانتقال الديمقراطي. لكن قبل ذلك، سنلقي الضوء على ملامح النموذج التوافقي وطبيعة الانتقال إلى الديمقراطية الذي يتأسس على توافقٍ بين عناصر من النخبة على جانبي النظام والمعارضة.
أول ا: الانتقال عبر التوافق بين النخب
لقد عوّلت دراسات التحول الديمقراطي كثيرًا على دور النخب في إحداث الانتقال والدفع بمساراته قدمًا، وقد وسم نموذج الانتقال عبر التوافق عديد التجارب في بلدان الموجة الثالثة للديمقراطية2. وعربيًا، تبرز تجربة تونس بوصفها التجربة الوحيدة التي نجت من الانتكاس من بين بلدان الربيع العربي، إذ ينسب النجاح فيها إلى توافق براغماتي جمع معتدلي المعارضة ومعتدلي نظام بن علي. وقد وافقت التجربة التونسية ما تعتبره غالبية الدراسات "عوامل حاسمة" في تأسيس نظام سياسي بديل وبدء مسار للانتقال، وأهمها تلاقي إرادة طرفين من النخب؛ المعتدلين من النظام السابق، والمعتدلين من قوى التغيير. وتكمن أبرز المعضلات في نموذج التوافق من حقيقة أنه يولد من رحم مبادرة ليست ديمقراطية، في حين أنّ غايته أنْ يؤسس لبنية ديمقراطية؛ فتلاقي إرادة طرفيَن سياسيَيّن معتدليَن يحمل في طياته استبعادًا وإقصاءً لمن يوصمون بأنهم أقل اعتدالً، ولو بدا مؤقتًا، لأطراف عدة. وقوام النموذج هو أن يعمل هؤلاء المعتدلون، من حاملي مفاتيح التغيير، بمعزل عن مشاركة قوى لا تُرى فيها الرغبة في إنجاز تسوية سريعة تمهد للانتقال.
والحال أن حالات الموجة الثالثة، بما فيها حالة الربيع العربي الوحيدة التي انتهت بنجاح التحول إلى الديمقراطية وهي الحالة التونسية، لا تُثبت أن التوافق القائم على استبعاد جزئي للقوى السياسية يُفضي
بالضرورة إلى حدوث ما وعدت به النخب الموصوفة بالمعتدلة من تغيير ديمقراطي؛ فما يحدد إن كانت التجربة ستفضي إلى منتهى ديمقراطي أو غير ديمقراطي هو جملة من عوامل بنيوية، هذا من دون نفي لصحة القول بأن قدرات النخبة على الالتزام بالتوافق وحمايته تظل عاملً أساسيًا في نجاح الانتقال المبني على التوافق. تُظهر تجربة الموجة الأولى من الربيع العربي، وقبلها تجارب الموجة الثالثة للديمقراطية في بلدان أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، أثرًا مهمً يتعلق بارتهان عمل النخب بقدرتها على احتواء الجماهير، واستيعاب تطلعاتها. والخشية تحكم النخب من أن هذا الإحباط الجماهيري يكون سببًا في تجدد الغضب، وأن تستغله القوى المناوئة لها، فالجماهير قد لا تتفهم مصاعب إدارة التحول عن السلطوية، وتتعجل من النخب النتائج، ومن ثم تحمّلها المسؤولية عن أي تردّ للأوضاع وتقلّص لما عُنون بأنه هدف من أهداف التغيير. كذلك، تبين هذه التجارب كيف ظلت محاولات أطراف التوافق للانفراد بالسلطة تدفع القوى غير الديمقراطية قدمًا، وتسمح لها باستعادة مواقعها القديمة وتعزيزها، ومن ثم ينحسر أفق تفكيك النظام السابق. هكذا بيّنت الموجة الأولى للربيع العربي أن أجواء العناد والاستقطاب السياسي تمكّن القوى غير الديمقراطية من الانقضاض على العملية السياسية برمّتها، لتؤسس سلطوية جديدة3. وفي الدروس المستفادة من تجارب بلدان الموجة الثالثة للديمقراطية التي تمكنت فيها النخب من حماية التوافق وإنجاحه، بقي شيء من عجز النخب عن حماية مجمل الغايات الديمقراطية رغم التزامها بالشكل الانتخابي، الأمر الذي انتهى بها إلى تأسيس نظام تغلب عليه رمادية ديمقراطية (أو سلطوية، سيّان)، وسرعان ما كانت تتقلص إلى مجرد سلطوية انتخابية؛ أما الحالات التي شهدت التزام نخب التوافق بالمبدأ التوافقي، وأظهرت قدرات سياسية وتعبوية معتبرة، تكفل حفظ التوافق، فإن هذا التوافق بقي صامدًا في وجه التحديات، سواء القادمة من جهة قطاع من الجماهير المتعجلة، أو تلك التي تأتي من جهة قوى النظام السابق الراغبة في تقويض مسارات التغيير. وللمقاربة بين ما وقع في الموجة الأولى للربيع العربي وما يجري في حالتَي السودان والجزائر، يستخلص عزمي بشارة ثلاثة عوامل حاسمة، هي: ثقافة النخب وقدراتها، وعدم تدخّل مؤسسات السلاح، وعدم وجود ضغوط خارجية معادية للتحول ناجمة عن الأهمية الجيوستراتيجية للبلد محل الانتقال4. بشارة الذي عوّل على ثقافة النخب وتفهّمها طبيعة التحديات التي تواجهها في هذه المرحلة البالغة الحساسية، وتمتعها بالمسؤولية السياسية والحس الديمقراطي السليم، وافق ما ذهب إليه لاري دايموند من وجود ملامح تخص النخب ذاتها، وهي التمتع بصفات "الإبداع، والالتزام، والجسارة، والقيادة الاستراتيجية، والتحلي بالمسؤوليّة"، وقد اعتبر دايموند هذه الصفات ركنًا أساسيًا يحدد قدرتها على تشييد البنيان الديمقراطي5. ولعلنا نضيف، استفادةً من تجربتَي مصر وتونس، أن قدرة النخب على التمييز بين ما هو جوهري وما هو هامشي، وبين ما يتصل بالصالح العام وبين ما هو ذاتي، يؤثر في هذا الخصوص؛ إذ كشفت التجربتان أن استغراق أطراف الاتفاق السياسي في المناكدة المتبادلة والاستقطابات السياسية، يستنزف ثقة الجماهير بالنخب وبالاتفاق في آن معًا.
ثانيًا: من الغضب إلى مائدة التفاوض: الشعب يرسم البدايات
تروم هذه الدراسة فهم تحدي الانتقال من السلطوية وبناء بديل منها يتسم بقدرته على دمج القوى المختلفة في سياق تجربة بلد عانى غوائل الحروب الأهلية والانقسام الوطني، فضلً عن القمع الشديد، والتردي الاقتصادي الحاد. وتسأل إن كان من الممكن، عبر الاتفاق السياسي، خلق ضمانات حقيقية لإنجاز الوعود بمنع عودة السلطوية وتأسيس مجال سياسي ديمقراطي. وفي سبيل هذا الهدف، نفحص نص الاتفاق السوداني باستخدام عدسة ثلاثية، تسأل أولً عن سؤال الاستدامة الديمقراطية؛ أي تعيين مدى ديمقراطية المخرجات المؤسسية التي أنتجها الاتفاق السياسي، وقدرتها على البقاء، ويشمل هذا تساؤلً فرعيًا عن قدرة الاتفاق على فرض تغييرات هيكلية، تلغي الطابع الإقصائي للسياسات السلطوية التي اعتمدها النظام السابق، واعتادتها أجهزة الدولة. وثانيًا سؤال المشاركة، وهو المتعلق بقدرة الاتفاق على تأسيس مجال سياسي مفتوح وحر، بما يشمله ذلك من إطلاق للحريات، وتعزيز فاعلية المجتمع المدني وحضوره في الشأن العام، وتحرير العمل الحزبي من قيوده، ووضع ضمانات لحماية القدرة التعبوية التي أنتجتها الثورة، عبر توسعة حدود المشاركة
الجماهيرية، في سبيل استعادة سهم الجماهير وقوى المجتمع الفاعلة في إقرار السياسات العامة. وأخيرًا السؤال عن إدارة توقعات المرحلة الانتقالية، ويتعلق ذلك بقدرة الاتفاق على رسم آلية لإدارة الدولة في مرحلة الانتقال تستوعب توقعات الجماهير المرتفعة بعد الثورة، بل تُعقلنها إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، عبر سلطة حكم جديدة يكون في استطاعتها خلق توازن بين ما هو اجتماعي واقتصادي من هذه التوقعات، وبين ما هو سياسي، وكذلك تعتبر المعيقات الأمنية وتتجاوز مخاوف تجدد العنف الأهلي المسلح. والغاية هي ضمان استمرار الدعم الشعبي للاتفاق وللمسار السياسي الذي يخُطّه، ومنع انقلاب الجماهير عليه، بدافع من اليأس وعدم الثقة بالمستقبل.
مع لحظة سقوط البشير، عاشت الجماهير مزاجين، أولهما تفاءل بإمكانية التغيير السريع، وقد أغوته لغة مهادنة اعتمدها المجلس العسكري وعكستها رسائله الموجَّهة إلى قوى الثورة، والوعد بإجراء انتخابات في نهاية فترة قصيرة يحكم فيها المجلس العسكري مؤقتًا، وثانيهما مزاج تشاؤمي، غلّفه إحساس الجماهير بأن ما يجري من جهة القوى المسلحة هو بمنزلة التفاف على مطالب الشعب الثائر في الميادين والشوارع. جاءت قرارات فرض حالة الطوارئ، وبوادر قمع من السلطات العسكرية6، لتعزز الهواجس. وغلب على فاعلي الثورة، الذين لم يبارحوا ميادينهم، شعورٌ بأن قطاف الثورة المستحق قد سُلب من أياديهم. وفي هذه الأجواء التي استعادت روح الغضب سريعًا، تجددت المطالبات بإسقاطٍ ثانٍ للنظام، تحت شعار "يسقط تاني." وبادر تحالف قوى الحرية والتغيير7، الممثل الأبرز لقوى الثورة، إلى بلورة مطالب الجماهير في صورة رفض قاطع لخطوات العسكر8. ذكّر الموقف الجديد لقوى إعلان الحرية والتغيير بقدرةٍ بيّنها قبلً تجمّعُ المهنيين السودانيين حين صاغ الغضب الجماهيري في مطالب ومواقف تُطرح في وجه السلطة، وذلك منذ لحظة اندلاع شرارة الثورة وفي إثر قرارات رفع أسعار الخبز. لقد صعد التجمّع ليكون الممثل للشارع الثائر، يقبل به الجميع، ويقوم من ثم بدمج المطالب المعيشية المتنوعة في مطلب سياسي عريض، عنوانه التغيير في السودان. وفي بيانه الصادر في 23 كانون الأول/ ديسمبر 2018، أفصح تجمّع المهنيين باسم الثوار عن عزمهم إسقاط البشير، عبر الاحتجاج السلمي9. وازدادت هذه القدرة بتفاعل التجمع جيدًا مع "خارطة" القوى المعارضة في السودان، وسعيه إلى توحيدها، في وقت خارت فيه قوى النظام، وازدادت عوامل الانشقاق بين نخبته. جرى في هذه الأجواء طرحُ التجمّع إطارًا سياسيًا جامعًا، ليصيغ المطلوب ثوريًا، ويرسم مسارًا لتخطي مرحلة حكم الدكتاتور، وإنشاء نظام جديد بديل من نظامه. ولم يكن مستغربًا أنه بمجرد إعلان سقوط البشير، سارعت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى تثبيت موقفها المنطلِق من هذا الإعلان، ليكون إطارًا تفاوضيًا يحقق مسعاها لإنجاز تغيير جذري في السودان، يفكك تركة الاستبداد. وجرى استثمار الزخم الجماهيري الكبير في حملات وفعاليات ضغط تُشعر قوى النظام السابق، والقوات المسلحة بالخصوص، بأن الشارع وحده هو الذي يملك مفاتيح التغيير في البلاد. وقد حرصت قوى إعلان الحرية والتغيير على تنبيه الجماهير ألا تنخدع بالفرح اللحظي في إثر بيان بن عوف، وسارعت إلى إعلان رفض البيان رفضًا صريحًا، معتبرةً أن تولّ العسكريين للسلطة أمر غير مقبول، ودعت الثائرين إلى مواصلة اعتصامهم أمام القيادة العامة للقوات
المسلحة، وحشد المسيرات والاعتصامات في مختلف أنحاء السودان، إلى حين تسليم السلطة إلى حكومة مدنية تعبّ عن قوى الثورة10. نقل الموقف الصلب من جانب قوى إعلان الحرية والتغيير الكرة إلى ملعب المجلس العسكري، الذي ألجمته المفاجأة، فسارع إلى تعديل خطابه، بل تغيير بعض الوجوه التي تصدرت باسمه، عسى أن يتقي بذلك غضبة الجماهير. وهكذا، في 12 نيسان/ أبريل 2019، رأينا بن عوف يتنحى، ليصعد إلى رئاسة المجلس بديلً منه هو عبد الفتاح البرهان11. وبدوره، بادر البرهان إلى إبداء استعداد المجلس العسكري لإجراء إصلاحات تتوافق مع رؤية التغيير التي اقترحتها قوى إعلان الحرية والتغيير، ووعد برفع القيود عن الحريات12. وفي هذه الأجواء، سعى المجلس العسكري لممالأة جماهير الثورة، فسارع إلى عقد أول لقاء بينه وبين قوى إعلان الحرية والتغيير قبيل إعلان تشكل المجلس رسميًا. وخلال اللقاء، اشترطت قوى إعلان الحرية والتغيير إحداث جملة من التغييرات كي تتعاون مع المجلس العسكري، ومركزت إعلان الحرية والتغيير بوصفه نقطة البدء في أي نقاش، جاعلةً مطالب تسليم السلطة إلى حكومة مدنية انتقالية، وحل أجهزة الأمن السياسي المسؤولة عن استشراء القمع، وإبطال القوانين المقيدة للحريات، والإفراج عن المعتقلين، أولويةً13. وربما تجدر ها هنا العودة إلى فحص نص البيان المعنون "إعلان الحرية والتغيير"14، المنشور في الأول من كانون الثاني/ يناير. 2019 وبمطالعة هذا البيان، نلمس اتصاله بما انتهت إليه المفاوضات بين قوى النظام القديم ممثلةً في العسكر والقوى الثورية ممثلةً في قوى إعلان الحرية والتغيير.
ثًالث ا: من الميدان إلى طاولة التفاوض: المسيرة الصعبة
نطق الإعلان باسم "شعب السودان في المدن والقرى، شمالً وجنوبًا وشرقًا وغربًا ووسطًا، بكافة قوانا الشعبية والسياسية والاجتماعية والنقابية والمدنية وأصحاب المطالب" معربًا عن تمسكه بسلمية مسعاه، ومحددًا مطالبه في ثلاثة، هي: تنحّي البشير الفوري، بغير قيد أو شرط15، وتشكيل حكومة انتقالية قوامها كفاءات وطنية بتوافق جميع أطياف الشعب السوداني، ووقف فوري لصور الانتهاك التي يتعرض لها السودانيون، ومحاكمة من اقترفوها، وإلغاء كل ما يرتبط بها من القوانين المقيدة للحريات16. وقد نتج عبر مراحل الاحتجاج مسعى موازٍ لوضع تفاصيل هذا الإعلان، وكثيرها جاء مشتقًا من المطالب الإصلاحية التي تراكمت في السابق في السودان، واستلهمت كذلك مبادرات سابقة، مثال ذلك "مذكرة الرحيل" التي تعد أول إعلان يترجم صوت الميادين، وطالبت صراحة بتنحي البشير، والتي أصدرها تجمّع المهنيين السودانيين قبل أيام من إعلان الحرية والتغيير، وسمّت بعض ملامح الانتقال المأمول، منها حكومة انتقالية توافقية تُشكَّل من الكفاءات18. وفي 20 نيسان/ أبريل 2019، وقبل يوم واحد من عقد مؤتمرها الصحفي لإعلان سلطة انتقالية تحل محل البشير، تلقّت قوى إعلان الحرية والتغيير من اللجنة السياسية للقوات المسلحة الدعوة إلى اجتماع عاجل، يُعقد في مساء اليوم نفسه في القصر الجمهوري. وإزاء الدعوة، بادرت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى إعلان أنها "متمسكة بأهدافها المحددة في إعلان الحرية والتغيير، وأولها التسلم الفوري للسلطة من جانب سلطة انتقالية مدنية، متوافق عليها عبر قوى إعلان الحرية والتغيير"19. ونوّهت بأن مؤتمرها الصحفي غير مؤجل، بغضّ النظر عما سيصل إليه هذا الاجتماع.
لم يتمخّض الاجتماع عن أي نتائج إيجابية، واتهمت قوى إعلان الحرية والتغيير "أذيال النظام وبقاياه"، مشيرةً بصريح العبارة إلى اللجنة السياسية في المجلس العسكري برئاسة الفريق عمر زين العابدين وعضوية الطيب بابكر، بأنهم يعملون ضد الثورة20. وقال بيانها: إن اللجنة السياسية "تقف بصورة واضحة ضد وصول الثورة لغاياتها وأهدافها، وذلك عبر طرحهم لعملية انتقالية يشارك فيها رموز النظام السابق وحلفاؤه ومن كانوا جزءًا منه"21. وطالب البيان جماهير الثورة بالحذر من هؤلاء، مشددًا على أن الثورة تمرّ "بمنعطف خطير." ورغم محاولة الفصل بين اللجنة السياسية والمجلس العسكري، عبر التنويه في بيانها بدور القوات المسلحة الإيجابي "في تعزيز ودعم الثورة وحماية المتظاهرين في مواجهتهم مع ميليشيات المؤتمر الوطني"، فقد دانت قوى إعلان الحرية والتغيير من يتكالبون من أجل "إعادة إنتاج النظام بنفس الوجوه والأجسام البائدة." كما شددت على الرفض التام لتضمين "أيٍ من رموز النظام كجزء من عملية التغيير"، داعيةًالمجلس العسكري إلى "الاستجابة الفورية والعاجلة لمطلبنا المركزي والمتمثل في تسلم الدولة للسلطة الانتقالية المدنية، كضامن حقيقي وطريق آمن يقودنا جميعًا نحو تحقيق أهداف الثورة والمتمثلة في إعلان الحرية والتغيير"22. ومن لحظة الخلاف تلك، وفي ظل تمسك قوى الثورة بمطالبها، تحوّل إعلان الحرية والتغيير إلى إطار سياسي يحسم خيارات الثوار، ويحدد بوضوح مواقف والتزامات قوى الثورة في مفاوضاتها مع المؤسسة العسكرية. وقد أعادت لجنة الاتصال المخوّلة من قوى إعلان الحرية والتغيير للتفاوض توكيد ثلاث نقاط، ترسم ترتيبات الحكم الانتقالي المطلوبة، بما يحدد مجال التفاوض وموضوعاته، اشتقاقًا من هذا الإعلان، متمثلة في ثلاث مؤسسات هي: مجلس رئاسي مدني يُ ثَّل فيه العسكريون، وحكومة يتولاها مدني، ومجلس تشريعي يُ ثَّل فيه السودانيون جميعًا23.
رابعًا: مراوغات بدل ا من مفاوضات
في ضوء تعنّت اللجنة السياسية للمجلس العسكري، قررت قوى إعلان الحرية والتغيير تعليق التعامل معها، متهمةً إياها بأنها تسعى إلى إعادة إنتاج النظام السابق24، ولوّحت في مواجهتها بورقة الضغط الجماهيري25. وبالفعل، احتدم الضغط الجماهيري، لتتلقى قوى إعلان الحرية والتغيير في خلال اليوم الثاني دعوةً من رئاسة المجلس العسكري لاجتماع في مساء الأربعاء 24 نيسان/ أبريل 2019. انتهى الاجتماع، برضوخ المجلس العسكري واستجابته لتحفظات قوى إعلان الحرية والتغيير، وتوجَّه إليها بالدعوة إلى استئناف عملية التفاوض26. اشترطت قوى إعلان الحرية والتغيير، لرجوعها إلى طاولة المفاوضات، قبولً غير مشروط بمبدأ الانتقال السلمي، وتسليم الحكم إلى سلطة مدنية انتقالية، معتبرةً هذا المطلب رأس التطلعات المشروعة للشعب السوداني، التي لا مساومة فيها أو تراجع عنها.
حثّت قوى إعلان الحرية والتغيير الجموع في ساحة الاعتصام على "ترتيب الصفوف وإقامة المتاريس وحمايتها"27، وعادت إلى الضغط بورقة العصيان المدني والإضراب العام. وفي الوقت ذاته، بلورت ملامح وثيقة لإدارة الفترة الانتقالية، قالت إنها عرضتها على المجلس العسكري، لكن رده جاء "مخيبًا للآمال ويدل على عدم جدية المجلس في تسليم السلطة للمدنيين"28، ودانت المزايدة السياسية وسلوك المناورة الذي أظهره المجلس العسكري من أجل عدم تضمين شروط الانتقال29.
وفي 11 أيار/ مايو 2019، وبعد فترة ترقّب حذر، دعا المجلس العسكري قوى إعلان الحرية والتغيير إلى العودة مجددًا إلى طاولة المفاوضات30. وفي 19 أيار/ مايو 2019، خرج من طرفي التفاوض كليهما منْ يؤكد أنهما قد اتفقا مبدئيًا على تعيين صلاحيات مجلس السيادة، ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي، وتحديد مدة الفترة الانتقالية في ثلاث سنوات، وأن قوى إعلان الحرية والتغيير ستحظى بثلثي مقاعد المجلس التشريعي، في حين تُخصص للقوى الأخرى النسبة المتبقية. كذلك اتفقا على وضع اللبنات الأولى لمسارٍ للعدالة الانتقالية، يبدأ بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن الأحداث التي وقعت في ميدان الاعتصام في 13 أيار/ مايو 2019، وأخرى لمتابعة عمل اللجنة في الميدان31. ودلالةً على توافق الطرفين، برز الاقتراح برئاسة دورية يتداولها مدنيون وعسكريون32. لم تدم حالة التقارب، وسرعان ما دخلت المفاوضات نفقًا مظلمً. وأمام هذا الوضع دعت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى إضراب شامل في السودان يومي 28 و 29 أيار/ مايو 2019 33. وفي بيان لها، اعترضت بشدة على زيارة حميدتي إلى الرياض، ملمّحة إلى أن هذه الزيارة تكشف عن نية العسكريين إطالة مدة بقائهم في السلطة35. كما اتهمت البرهان الذي قام بجولة خارجية هو أيضًا، بأنه يهيّئ الوضع أمام التدخل الأجنبي36. ورغم ذلك التصعيد، أكد المتحدث باسم قوى إعلان الحرية والتغيير أن الأمر لم يصل بعد إلى حد الدعوة إلى إسقاط المجلس العسكري37. وانقضى شهر أيار/ مايو، من دون توصل الطرفين إلى اتفاق حول مناصفة عضوية المجلس السيادي وتداول رئاسته38. وبحلول حزيران/ يونيو 2019، راجت أنباء عن قرب التوصل إلى اتفاق بين الطرفين على مناصفة أعضاء المجلس السيادي، وعلى رئاسته الدورية40. وما إن تم فض اعتصام القيادة العامة في 3 حزيران/ يونيو 2019 وسقوط عدد من القتلى والجرحى من المعتصمين، حتى بادرت قوى إعلان الحرية والتغيير إلى إعلان وقف كافة الاتصالات مع المجلس العسكري الانتقالي، داعيةًالجماهير إلى العصيان المدني الشامل، كما حمّلت المجلس المسؤولية التامة عما حدث41. ورغم محاولات التهدئة واستعادة المسار التفاوضي، أعلنت قوى إعلان الحرية والتغيير رفضها التعامل مع المجلس العسكري، الذي تعمّد سفك الدماء لعرقلة المفاوضات42. ولكن بعد دخول الطرف الإثيوبي على الخط43، وبطلب من المجلس العسكري44، توحدت رؤية الطرف الإثيوبي مع الاتحاد الأفريقي فيما بات يعرف ب "المبادرة الإثيوبية الأفريقية." وقدّمت المبادرة ضمانات جديدة أقنعت قوى إعلان الحرية والتغيير بإمكانية إلزام المجلس العسكري ووقف مناوراته. واشترطت لأجل عودتها إلى التفاوض تحديدَ جدولٍ زمني لهذا التفاوض، في حدود ثلاثة أيام، وأن يركز على الأمور المعلّقة بشأن المجلس السيادي فحسب45. وبالفعل، وفي 5 تموز/ يوليو 2019، تم الاتفاق على مدة الفترة الانتقالية، إضافة إلى المجالس الثلاثة المكوّنة لهياكل الحكم الانتقالي، على أن تُسند الرئاسة إلى العسكريين خلال الواحد وعشرين شهرًا الأولى، بما فيها الستة أشهر الأولى، ثم تنتقل رئاسة آخر ثمانية عشر شهرًا إلى المدنيين46. استمرت المفاوضات بين الجانبين في مسار متعرج، إلى أن تم الإعلان في 12 تموز/ يوليو 2019، عن التوصل إلى وثيقة "الاتفاق السياسي"، التي مهدت ل "اتفاق "الوثيقة الدستورية" النهائي. حدّد الاتفاق السياسي نسب تمثيل المدنيين والعسكريين في مجلس السيادة، ومجلس الوزراء، كما رسم طريقة تعيينهما. إضافة إلى ذلك، نص
الاتفاق على تأجيل تشكيل المجلس التشريعي، وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة في أحداث فض اعتصام القيادة العامة47. عاد الطرفان إلى التفاوض مرة أخرى في 1 آب/ أغسطس 2019، بعد توقّفٍ على خلفية أحداث عنف في مدينة الأبيض48، ليعلن المبعوث الأفريقي حسن لباد بعدها بيوم واحد عن توصل الطرفين إلى اتفاق بشأن الوثيقة الدستورية49. وسارت الأمور صوب النجاح، وجرى الاحتفال بتوقيع الوثيقة في 17 آب/ أغسطس وسط حضور دولي وأفريقي وعربي كبير.
بوجه عام، ظهر أن قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري قد ملكا القدر الأكبر من الموارد السياسية وأدوات الضغط والمفاوضة؛ ففي جانب العسكر كان السلاح وكتلة أنصار النظام السابق من المسيطرين على الثروة فضلً عن بيروقراطية الدولة، وفي جانب قوى إعلان الحرية والتغيير كانت القدرة على تحريك الشارع وتوجيه الضغوط عبر الاحتجاجات الضخمة الموردَ الأكبر والمعزز لفرض رؤية التغيير. وليس بمستغربٍ أن تكون ملكية هذه الموارد السياسية والقدرة على تعبئتها، سببَ التوازن الذي دفع الفريقين إلى وضع قواعد تنافسية غير عنيفة للخروج من الأزمة. هذه القواعد المتوافق بشأنها غايتُها إفساح المجال لتحكيم المصالح ضمن أجواء تنافسية انتخابية بديلة من الاستقطاب الإقصائي والعنيف. وتبرز ها هنا عناصر في الثقافة السياسية، تجعل هؤلاء الفرقاء لا ينسون إرث العنف في السودان، فهو إرث ثقيل صنعته تمردات دموية، ومسلسل لم ينته من حروب أهلية، فضلً عن فظائع راكمها عنف الدولة. ويبقى السؤال، هل ترسم الآثار الماثلة لهذه التجربة خطًا أحمر أمام أعين المتفاوضين على الجانبين، وتدفعهم إلى القبول باقتسام السلطة؟
خامسًا: الوثيقة الدستورية: الشكل الإجرائي وتحديات التطبيق
دمجت النسخة الرسمية المنشورة من الوثيقة الاتفاق السياسي في الوثيقة الدستورية. وتجدر هنا الإشارة إلى أن ملاحظات عديدة ترد على صياغة الوثيقة، وفيما يبدو أنها تعكس خلافات أيضًا تتخطى مجرد فنّيات الصياغة، إذ تأخر صدور الوثيقة رسميًا حتى تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بظهورها في الجريدة الرسمية50، رغم توقيعها قبل ذلك بشهور. من وجهة الانتقال السياسي، نجد أن الاتفاق الدستوري قد عُني بتفكيك نسبي للبنية السلطوية لنظام البشير وإبدالها بكيان سياسي هجين، يتمثل في حكومة تعبّ بصورةٍ ما عن الجماهير، لكنها غير منتخبة؛ والتوافق عليها ها هنا تم بين نخب محدودة، وليس استنادًا إلى قاعدة تأييد عريضة، علامتها التوافق الحزبي العريض وإحراز الأغلبية الانتخابية. المعنى أن هذا النمط المتسق مع نموذج الانتقال عبر التوافق، تظل فاعليته موقوفة على قدرة النخب، المُشَّكِلة للسلطة الجديدة. ولا يمكن من خلال وصف البناء السياسي الذي يرسمه الدستور أن نمسك بالضمانات الواقعية للدفع بمسار الانتقال صوب الديمقراطية، لكن هناك جملة من الضمانات المعززة لعمل السلطة الجديدة كامنة في النص. وفي الواقع، على السلطة الجديدة أن تحمي تماسك تحالفها، وأن تحظى بدعم كتلة جماهيرية واضحة، وأن توظّف ما تملكه من مقدرات سياسية في إدارة عملية إعادة تأسيس النظام السياسي في السودان، وهي عملية يفترض أن تنتهي
بحل التناقض، أي بتسليم سلطة صيغت على منوال غير ديمقراطي إلى حكومة ثانية تكون منتخبة ديمقراطيًا. ننتقل إلى محتوى الوثيقة، والملحوظة الأهم فيها أنها قد بدأت من محددات سابقة لدستور السودان الصادر في عام 2005، رغم أنها ألغته. صحيح أنها أعادت تعريف السودان بأنه دولة ديمقراطية برلمانية، ذات حكم لامركزي، كما شملت تعريفًا للحقوق والحريات الأساسية والشخصية للمواطنين واح اررم كرامتهم وتجريم كل ممارسات التعذيب والمعاملة القاسية التي تحطّ من الكرامة، لكنها لم تبيّ الخصائص التي يتشكل بموجبها توازن السلطات، وكيف ستحدّ الصلاحيات التي ترسمها لكل هيئة سياسية من السمة القديمة لدساتير السودان المتعلقة بغلبة السلطة التنفيذية على ما عداها. مفهوم أن الوثيقة مجرد وثيقة انتقالية، لا يجب أن نحمّلها ما لا تحتمل، وأنها ستفضي إلى صياغة دستور جديد أكثر ديمومة، لكن الأمر لا يمنع من إبداء مثل هذه الملاحظات التي تؤطر الحركة السياسية فيما يجيء من المرحلة الانتقالية التي تتخطى الثلاثة أعوام. الوثيقة التي مُهرت بتوقيع تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير، والمجلس العسكري، وضمِنتها رباعية دولية تتشكل من الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي، رسمت هيكلً للحكم قوامه ثلاثة كيانات: مجلس السيادة يقوم مقام رئاسة الدولة، وحكومة يديرها مجلس للوزراء مكون من تكنوقراط وشخصيات مستقلة، ومجلس للتشريع. كان قلب السلطة الجديدة بالطبع مجلس السيادة الذي أقيم وفق معادلة مناصفة هي 5(½ + 5)½، تشاطر فيها المدنيون والعسكريون المقاعد العشرة للمجلس، ويتم التوافق بينهم على شخص مدني يعمل مرجِّحًا. وبناء عليه، برز مجلس السيادة بوصفه القلب من عملية التوافق الانتقالي، حيث المجلس العسكري (ممثلً لنخبة النظام القديم، ووريثًا واقعيًا له) برز شريكًا لقوى إعلان الحرية والتغيير، أو تحديدًا القوى الموقعة الإعلان (وقامت ههنا بدور الوكيل عن الجماهير التي أطاحت البشير)51. اللافت أن أعضاء المجلس الأحد عشر لن يكون في مقدور أي منهم، ولا أي ممن تولوا مناصب في المرحلة الانتقالية، الترشح في الانتخابات التي تلي تلك المرحلة. ربما سيشكل هذا الشرط ضمانة من بين الضمانات المطلوبة للوقاية من خطر طمع العسكريين في السلطة. هذا هو المفترض وفق النص، وهذا كذلك المحل الأكبر للشك حول ما ستجيء به تطورات الأحداث بعد انقضاء المرحلة الانتقالية. لقد حددت الوثيقة في جانبها السياسي فترة انتقالية تبلغ مدتها 39 شهرًا، تنتهي بإجراء انتخابات تنقل مقاليد الحكم إلى سلطة مدنية منتخبة. وجعلت الوثيقة على رأس أولوياتها استعادة السلام في السودان، عبر خطة طموحة مدتها ستة أشهر، لحل الخلافات في مناطق النزاع الداخلي بالجنوب وبدارفور وكردفان. أيضًا، من بين الأولويات المتفق على إنجازها في خلال الثلاثة أعوام ونيّف للمرحلة الانتقالية تطبيق جملة من الإصلاحات التشريعية، تبدأ بإنهاء القيود القانونية على الحريات، والبدء في برنامج لإصلاح الحكومة، وبرنامج عاجل للإنقاذ الاقتصادي، فضلً عما يتعلق بتضمين النساء والشباب في سياسات الدولة، وغير ذلك. يتولى مجلس السيادة اختيار رئيس الوزراء، ويوافق على الوزراء العشرين الذين يقترحهم رئيس الوزراء، كما يعيّ حكام الأقاليم والولاة. واستحدثت الوثيقة عددًا من المفوضيات المستقلة، التي تعمل إلى جانب الحكومة52. ويمتلك المجلس السيادي العديد من صلاحيات رئيس الجمهورية المعروفة في السودان، كتعيين أعضاء السلك الدبلوماسي، ورأس الجهاز القضائي وقضاة المحكمة العليا والنائب العام، وله صلاحيات أيضًا تتعلق بفرض حالة الطوارئ وإعلان الحرب. تتطرق الوثيقة إلى العديد من محددات عمل الوزارة خلال المرحلة الانتقالية، ونطاق اختصاصها وما يتعلق بها من إجراءات. وبالمثل ما يتعلق بتشكيل المجلس التشريعي الانتقالي الذي تحددت عضويته بثلاثمئة عضو، تحدد قوى إعلان الحرية والتغيير ثلثيهم، وتظل نسبة الثلث الأخير لتضمين وتمثيل القوى الأخرى التي لم توقّع الإعلان بعد. وحُدد مدى زمني هو ثلاثة أشهر للانتهاء من مشاورات تشكيل المجلس وإعلانه، إلا أنه قد عُطِّل بسبب رفض الحركات المسلحة، المتمثلة في الجبهة الثورية السودانية، تشكيلَ المجلس التشريعي قبل التوصل إلى اتفاق سلام53. أسندت الوثيقة في فصلها الثاني، المادة 8()، البند 12()، مهمة إصلاح الأجهزة العسكرية للمؤسسات العسكرية، نفسها. وهو ما يتناقض
مع المادة 32() التي تخضع القوات المسلحة للمجلس السيادي54. هذا مع العلم أن تعيين وزيري الدفاع والداخلية يقع على عاتق، العسكريين من مجلس السيادة، وبناء عليه، فإن المادتين تنفيان أي دور للسلطة التنفيذية، وهو ما يتناقض ومفهوم النظام البرلماني الذي يكون فيه رئيس الوزراء قائدًا عامًا للقوات المسلحة. كما نصت الوثيقة على عقد مؤتمر دستوري قومي قبل نهاية الفترة الانتقالية، وإنشاء آليات للإعداد لوضع دستور دائم للسودان كإحدى مهمات المرحلة الانتقالية، وهو ما أشار إليه الفصل الرابع عشر، القاضي بتكوين عدد من المفوضيات من بينها مفوضية صناعة الدستور والمؤتمر الدستوري، ومفوضية الانتخابات، ويلاحظ أنه لم يتم تحديد آلية وجدول زماني لعمليتَي صياغة الدستور والانتخابات اللتين تعدان من أهم الاستحقاقات في الفترة الانتقالية55.
سادسًا: التحديات أمام الاتفاق
قد يكون من الصعب في هذه المرحلة تقييم الاتفاق من منظور قدرته على تعزيز الاستدامة الديمقراطية، فلا زالت العديد من عناصر بناء النظام الجديد لم تكتمل. والقول بمدى ديمقراطية المخرجات التي أنتجتها الوثيقة سيكون دربًا من التكهن، لكن يبقى ملمح مهم حول قدرة النخبة، التي تعمل وفق هذه الوثيقة، على إحداث تغييرات هيكلية تُجاوز السياسات السلطوية الموروثة عن النظام السابق. وبمراجعة الأوضاع التي مرت بها مراحل التفاوض على الاتفاق وما انعكس منه في الاتفاق، وتلك الوقائع التي تلت في الشهور المنقضية، يمكن الوقوف على ثلاثة تحديات واضحة أمام التوافق الانتقالي في السودان، نجملها في ما يلي.
1. التحدي الاقتصادي
إن قدرة الحكومة الجديدة والمكون السياسي الحاكم على إدارة توقعات الجماهير التي ثارت بالأساس من أجل العيش، واستطاعتها أن تقنع هذه الجماهير بجدوى برنامجها لإدارة مرحلة الانتقال، لا زالت معلّقة بالقدرة الاقتصادية. والحال أن المؤشرات الاقتصادية بالغة السوء؛ إذ تضخم الدين الخارجي لمستوى مقلق، وبلغ في بداية عام 2020 مستوى قياسيًا، ناهز ستين مليار دولار أميركي56. ولم يتم بعد تخطّي آثار استمرار العقوبات الأميركية التي تقف عقبة في وجه الاستثمار الأجنبي في البلاد. كما أن الوضع على المستوى المحلي لم يتحسن؛ فغلاء المعيشة مستمر، ومعدلات التضخم في تصاعد، والأسوأ أن معدلات الفساد لا تشهد تحسنًا حقيقيًا. إضافة إلى ذلك أن الخدمات العامة تعاني وضعًا صعبًا جدًا؛ فالتعليم والصحة والمواصلات دون المستويات المعيارية، وثمة مناطق عدة من السودان تقع ضمن وصف المحرومة، فضلً عن أن معدلات البطالة في مستويات عالية، وهي تتركز في فئة الشباب، ولا يبدو أن ثمة تحسنًا نوعيًا يمكّن من استيعاب هذه الفئة التي تمثل قوة الغضب الكبرى في السودان. في حين تحتاج مهمة خلق وظائف جديدة وتحسين نوعية المعيشة إلى طفرة اقتصادية، لا تبدو معطياتها متوافرة بيد الحكومة. والخشية من أن التوقعات الجماهيرية العالية من الاتفاق، في ظل الدعم الشعبي الواسع له، قد تنكسر أمام إحباطات الاقتصاد المتعثر واستحكام مأزقه. ويتفق عديد المراقبين على أن السودان لن يستطيع الاستغناء عن القروض، لكن الخشية من أن يدفع تراكمها إلى المزيد من الإرهاق للاقتصاد. كما أن خوض مسار الإقراض وفق معيارية البنك الدولي التي تقضي بإصلاحات تقوم على إجراءات تقشفية حادة، تشمل رفع الدعم عن السلع والوقود وتحرير الخدمات، قد لا يكون حلً، وكذلك الاعتماد على الأدوات المالية وحدها، كتعويم العملة، وتحرير أسعار الصرف، وتدعيم الاحتياطات النقدية، من دون وضعها في سياق يُنتج أثرًا واضحًا في معيشة المواطنين، قد يكون خيبةً تؤجج الغضب الجماهيري، وتقوض التوافق السياسي. وفي إطار معالجة الوضع الاقتصادي المتردي، قامت وزارة المالية السودانية بالبدء في طرح مسودة لموازنة عام 2020، تقضي رفع الدعم عن السلع، إلا أن قوى إعلان الحرية والتغيير رفضتها، بحجة أنها لا تعبّ عن الوثيقة الدستورية والبرنامج الإسعافي57، ولا عن طموحات وتوقعات قوى الثورة والشعب السوداني، كما رفضت الجدولة الزمنية لرفع الدعم المتضمَّنة في الموازنة58. وأمام هذا الرفض، تم تعديل الموازنة بتجميد رفع الدعم لمناقشته عبر مؤتمر
اقتصادي كان من المفترض انعقاده في آذار/ مارس 2020 لدراسة كافة قضايا الاقتصاد السوداني، إلا أنه أُجّل في ظل تفشّ فيروس كورونا المستجد. وأجاز مجلسَا السيادة والوزراء موازنة عام 2020 التي تتضمن نفقات بقيمة 584.4 مليار جنيه، وإيرادات متوقعة بنحو 568.3 مليار جنيه، وبعجز متوقع 16.1 مليار جنيه، وتتضمن زيادة في الإنفاق على الصحة والتعليم59. كما رسمت وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي السودانية جدولً زمنيًا و"خارطة" طريق لمعالجة الديون الخارجية في مشروع موازنتها للعام المالي 2020، تضمنت بدء التفاوض في آذار/ مارس 2020 مع صندوق النقد الدولي للاتفاق حول برنامج للإصلاح الاقتصادي، وسريان تنفيذ البرنامج في نيسان/ أبريل وتشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر 2020 60. وثمة ضرورة لأن يبحث السودان عن سبيل يحقق جذبًا سريعًا للاستثمارات الخارجية، وتهيئة بيئة الاستثمار وربط المزايا والتسهيلات بمخطط استثماري يخلق فرص العمل ويعزز البنية التحتية ويدفع بالمجالات الاقتصادية التي يملك السودان فيها ميزة نسبية إلى الأمام. وتظل قضية البنية التحتية المتهالكة سببًا جوهريًا في إدامة المأزق الاقتصادي. ولا مجال في ضوء تعثّ مالية الدولة لإحداث طفرة في هذه البنية، تُ كّن من الدفع بالنمو الاقتصادي؛ الأمر الذي يتطلب تضافرًا للجهود الدولية لدعم السودان. وتكمن البداية لحلحلة المأزق الاقتصادي في فك الأصول السودانية المجمدة في الخارج بسبب العقوبات، والأهم تخفيض عبء الدين الخارجي، سواء بإعادة جدولة الديون السيادية، أو بتحويل بعضها إلى منح توجَّه إلى تنمية البنية التحتية، والشبكات الخدمية، وتعزيز المواصلات الخادمة للاقتصاد من موانئ وشبكات اتصالات عالية الكفاءة.
2. تحدي إحلال السلام وإدماج قوى المعارضة في السلطة الجديدة
أحد أهم التحديات أمام إنجاح الانتقال من السلطوية في السودان هو توسيع أفق المشاركة، وتشكيل مجال سياسي مفتوح. صحيح أن الوثيقة أظهرت عناية بتحرير العمل الحزبي، وتعزيز صور المشاركة الجماهيرية، والحريات السياسية، لكن تبقى معضلتان على مستويَي القوى المسلحة والقوى السلمية.
أ. المعارضة المسلحة
ارتفعت نبرة النقد بمجرد توقيع الاتفاق السياسي، في ضوء مطالبة أطياف القوى المسلحة المعنية بمسألة السلام بحصص في الحكومة والمجلس السيادي والبرلمان. ووُوجِه الموقف، في البداية، بمحاولة من جانب الحكومة الانتقالية وقوى إعلان الحرية والتغيير برفض مبدأ المحاصصة، بتوكيد أن محادثات أديس أبابا التي جرت في تموز/ يوليو 2019، لم تتطرق إلى هذا المبدأ على الإطلاق، كما لم تصدر وعود أو توقَّع اتفاقات بهذا المعنى مع أي طرف61. ورغم حالة الشد والجذب في البداية، جرى دعم التفاوض بنصب عدة جولات، كانت أبرزها جوبا، التي وفرت مجالً للوصول إلى اتفاق إجراءات بناء الثقة والتمهيد لتفاوض جرى توقيعه في 11 أيلول/ سبتمبر 2019 62. إضافة إلى أديس أبابا حيث جرت المفاوضات العامة، دخلت القاهرة على الخط في مرحلة خلافات بين القوى، هذا فضلً عن مؤتمرات تفاوضية تخص المسارات المختلفة، عُقدت داخل السودان نفسه. والملاحظ أن المفاوضات في جوبا قد صممت لتأخذ مسارات خمسة، تمثل مناطق النزاع هي:
مسار غرب دارفور
يتكون هذا المسار من الحركات التالية: حركة العدل والمساواة السودانية: أسسها خليل إبراهيم الذي تولى عددًا من المناصب الوزارية في حكومة البشير قبل أن يتمرد عليه في عام 2001. وقد نشأت الحركة في ظل انشقاق عرفته حركة تحرير السودان عام 2001. وبدأت الحركة نشاطها العسكري في شباط/ فبراير 2003، وتتمثل مطالبها في التداول السلمي للسلطة، والتوزيع العادل للثروات والوظائف والمناصب العليا في الدولة السودانية بعيدًا عن أي تمييز عرقي63. حركة تحرير السودان - جناح مناوي: من الحركات الرئيسة في الإقليم، حيث ظل مني أركو مناوي يقاتل حكومة البشير إلى أن وقّع معها اتفاق أبوجا للسلام عام 2006، وبعد ذلك أصبح كبير مساعدي البشير، لكنه سرعان ما عاد إلى الحرب والقتال، متهمً البشير بالتباطؤ في تنفيذ الاتفاق.
حركة تحرير السودان - المجلس الانتقالي: تأسست عام 2015 بعد انفصالها عن حركة تحرير السودان. ويترأس رئيس الحركة الهادي إدريس حاليًا الجبهة الثورية التي تضم حركات مسلحة. حركة تجمع قوى تحرير السودان: بقيادة الطاهر حجر، تأسست عام 2017، وهي إحدى الحركات المسلحة المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية في أيلول/ سبتمبر 2019، وهي حركة منشقة عن حركة عبد الواحد نور. وتتمثل أبرز القضايا الخاصة بهذا المسار في: الوضع الإداري لدارفور في الفترة الانتقالية والعودة إلى حدود دارفور التاريخية، والمشاركة في السلطة الإقليمية والولائية، وتقسيم الثروة على كافة مستويات الحكم بعدالة، والأرض والحواكير، والنازحين واللاجئين، والرحّل والرعاة، والتعويضات وجبر الضرر، والعدالة الانتقالية والمحاسبة والمصالحة، والتنمية وإعادة الإعمار، والترتيبات الأمنية، وغيرها من القضايا64.
مسار كردفان والنيل الأبيض
تسيطر الحركة الشعبية - جناح مالك عقار على منطقة النيل الأزرق، بينما تسيطر الحركة الشعبية - جناح عبد العزيز الحلو على منطقة جنوب كردفان. تعد الحركة الشعبية بجناحيها امتدادًا للحركة الشعبية لتحرير السودان التي كانت تقاتل في جنوب السودان. تتكون الحركة الشعبية- جناح مالك عقار من مقاتلين انحازوا إلى الجنوب في حربه مع الشمال، ورغم انفصال الجنوب في عام 2011، فإنها عادت إلى التمرد من جديد، بدعوى أن الحكومة السودانية تنصلت من الامتيازات التي وفرتها اتفاقية السلام لمناطقهم في جنوب السودان. وتخوض الحركة نزاعًا مسلحًا مع النظام السابق منذ عام
وفي مفاوضات الحركة مع الحكومة الانتقالية، قدّم مالك عقار رؤية اشتملت على خيار الحكم الذاتي للمنطقتين، وأهمية إنهاء الحرب على أساس العدالة وعدم التمييز وبناء دولة جديدة. وبالفعل، وقّع الطرفان في 15 آذار/ مارس 2019، وثيقةً سياسية خاصة بقضايا الحكم والسلطات والصلاحيات في ولايتَي جنوب كردفان والنيل الأزرق65. ويبقى فقط ملف الترتيبات الأمنية وهياكل الحكم، وتستمر المشاورات بين الجانبين لمواصلة التفاوض بمشاركة وفود فنية متخصصة في المجال الأمني66. تتمثل أبرز القضايا الخلافية بين الحركة الشعبية - جناح عبد العزيز الحلو، في مطلب علمانية الدولة، وحق تقرير المصير، وهذا ما رفضه وفد الحكومة الانتقالية، وطلب إرجاءَه إلى حين عقد المؤتمر الدستوري في نهاية الفترة الانتقالية68. وهو ما رفضته الحركة وعلقت على إثره التفاوض مع الحكومة. وعادت الحركة الشعبية - جناح الحلو، مجددًا، إلى طاولة التفاوض مع الحكومة، على أن تنطلق جولة مفاوضات بينهما في آذار/ مارس 2020 69.
مسار الشرق
يناقش هذا المسار قضايا ولايات شرق السودان الثلاث: القضارف وكسلا والبحر الأحمر، بمكوناتها، ويعد مؤتمر البجا أبرز ما يمثل هذا المسار. تأسس حزب "مؤتمر البجا" في عام 1957، ومنذ ذلك الحين إلى الآن ظل لمؤتمر البجا قضايا معروفة تطالب بإزالة التهميش وتعزيز التنمية وتحسين الخدمات، غير أنه انخرط في العمل المسلح ضد الحكومة عام 1993. وعلى الرغم من توقيع اتفاقية سلام مع النظام السابق في عام 2006، فإنها لم تطبَّق على أرض الواقع، ما حمل مقاتلي البجا على رفع السلاح مجددًا70. توصلت الحكومة الانتقالية مع هذا المسار إلى اتفاق في 21 شباط/ فبراير 2020، تضمّن إنشاء صندوق إعمار قوامه تمويل محلي، وإنشاء بنك أهلي لشرق السودان لاستقطاب الدعم والتمويل من المانحين المحليين والدوليين، لتمويل برامج أساسية في مجال البنى التحتية والتعليم والصحة وبناء القدرات البشرية71.
مسار الوسط
يترأس هذا المسار التوم هجو، نائب رئيس الجبهة الثورية. ويعد هذا المسار من أول المسارات التي تم توقيع اتفاق معها في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2019، اشتمل على مبادئ عامة أبرزها تتناول القضايا الأساسية المتعلقة بالتنمية وقضايا المزارعين وقضية مشروع الجزيرة والأراضي والحقوق في كل المنطقة الوسطى، إلى جانب التوزيع العادل للثروة وإيجاد الموطن والحياة الكريمة للسودانيين72.
مسار الشمال
يتكون المسار من حركتين، ه، اا حركة تحرير كوش، وكيان الشمال. وتكمن قضايا هذا المسار في السدود والأراضي والحدود والمهجرين والرحّل والتنمية والاستثمار. تم التوصل إلى اتفاق في 26 كانون الثاني/ يناير 2019، يعالج قضايا متأثري السدود والأراضي، وتم التوافق على تشكيل لجنة لدراسة مقترحات تنفيذ عدد من القضايا التنموية والاقتصادية بالشمال. كما تناول الاتفاق موضوعات التنمية والخدمات، وإنشاء البنية التحتية اللازمة لعودة المهجرين قسرًا من وادي حلفا73. ويبدو من عمق الخلافات بين الأطراف السودانية، حول قضايا أبرزها المحاصصة في السلطة، وتطبيق منظومة حكم قوامها اللامركزية، ووضع ضمانات لعدالة التوزيع وفض التهميش السياسي والاقتصادي لهذه المناطق، أن مدة الستة أشهر للوصول إلى اتفاق سلام غير واقعية، وحتى ضِ عفها، يعني عامًا كاملً، قد لا يكون مناسبًا. وإن وصلت القوى إلى اتفاق يمهّد للانتخابات، ستظل عديد القضايا ذات الطابع القومي، مثل تعريف هوية الدولة وموقع الدين فيها ومدونة الحريات العامة في الدستور، التي تتباين فيها آراء هذه القوى، محلً للشد والجذب. فضلً عن مشكلات مناطقية تتفاوت حدتها بين مسار وآخر، لعل أبرزها إرث الاقتتال بين المكونات القبلية في بعض المناطق، وما نجم عن توظيف النظام السابق الانشقاقات القبلية لغاية السيطرة على هذه المناطق، حتى تفاقم هذا الملف. وربما يعزز الوصول إلى اتفاق سلام أن قضية هوية الدولة بوصفها دولة وطنية علمانية موحدة محسومة لدى المعارضة المسلحة، التي كررت نفيها أي مطالب انفصالية في خلال عمليات التفاوض. لكنّ هناك تصورًا واسعًا لمعنى لامركزية الحكم، يشمل أطروحات للحكم الذاتي ربما تكون سببًا في بعض الإرباك وتقتضي المزيد من التفاوض التفصيلي. والخشية أن في حال عدم قدرة الحكومة على تحقيق مطالب المعارضة المسلحة، وشعورها بالإقصاء من العملية السياسية، وغياب أي تحسّن تنموي في مناطقها، ستتجه إلى فض الاتفاق، والعودة إلى تمردها على السلطة في الخرطوم. ويبقى عامل عدم الاستقرار الأمني التحدي الأساسي لهذه المرحلة. وبخلاف المشكلات التي قد تترتب على وجود فصائل مسلحة خارج عملية التفاوض، أبرزها حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، التي ترفض الجلوس مع القيادات العسكرية المرتبطة بالنظام السابق، وسجلت اعتراضها أن يكون البرهان على رأس مجلسٍ للسلام، ثمة تفاصيل إشكالية تتعلق بدمج المسلحين والترتيبات الأمنية التي يجب إقرارها لوقف القتال ووضع السلاح نهائيًا. ويزيد من ارتباك قضية السلام وجود تدخلات إقليمية تدفع بالأطراف المتفاوضة نحو التعنت.
ب. المعارضة السلمية
واجه الاتفاق معارضة من بعض القوى السياسية، التي جمعتها راية عريضة باسم "تنسيقية القوى الوطنية الرافضة للتغيير بالسودان." وكان الأبرز بينها من خارج مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير، هو حزب المؤتمر الشعبي، المنسلخ عن حزب المؤتمر الوطني الذي أسسه حسن الترابي في عام 2000، الذي نظر إلى الاتفاق على أنه اتفاق إقصائي. ورفقة توكيدها رفض نظام البشير، شددت التنسيقية على عدم اعترافها بالوثيقة الدستورية، ووعدت "سنقاوم النظام القائم حتى إسقاطه"74. ولوحظ أيضًا منذ الاتفاق تنامي معارضة داخلية بين مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير؛ فعلى سبيل المثال، انسلخ الحزب الشيوعي السوداني، الذي كان طرفًا فاعلً في الحراك الشعبي منذ بدايته في كانون الأول/ ديسمبر 2018، عن العملية السياسية التي أفضت إلى الاتفاق الدستوري. وأعلن الحزب عن عدم مشاركته فيما تمخّض عنه الاتفاق من آليات، على كافة مستويات الحكم، سواء المجلس السيادي، أو التشريعي أو الحكومة. ورأى الحزب أن الوثيقة الدستورية "كرّست هيمنة العسكر على كل مفاصل السلطة، وأبقت على ميليشيات الدعم السريع"75 التابعة للنظام السابق، ودعا السودانيين إلى تصعيد النضال، وصولً إلى الإضراب السياسي العام
لمواجهة هذا الاتفاق. وقد تمثَّل أبرز أوجه نقد الحزب للاتفاق في أن الوثيقة لا تحمل ضمانات لتفكيك النظام الشمولي، ولا الحد من تغوّل الرأسمالية الطفيلية. ووصف الحزب الوثيقة بأنها "لا تلبي تطلعات الجماهير في تحقيق أهداف الثورة والتحول الديمقراطي، وتحسين أوضاعها المعيشية والاقتصادية، ووقف الحرب"76. لم يكن الحزب الشيوعي وحده الذي جأر بمعارضة الاتفاق، فمجموعة من مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير التي شكّلت الحكومة الانتقالية، باتت توجّه سبّابتها إلى الحكومة، وتتعجل فشلها. فحزب الأمة، بزعامة الصادق المهدي، اعتبر أن حكومة حمدوك قد ارتكبت أخطاءً كارثية في ممارسة الحكم في الفترة الانتقالية، وألمح المهدي إلى أنه لا يستبعد تدخل الجيش لتصحيح المسار، وطرح أن الانتخابات المبكرة هي الحل لخروج البلاد من المأزق77. وعلى المنوال نفسه، ألمح عمر الدقير، رئيس حزب المؤتمر السوداني، إلى "فشل الحكومة في التخفيف من معاناة المواطن من غلاء الأسعار، ووقف تدهور العملة السودانية"78. والجدير ذكره أنه قد بدأت بوادر تحويل الغضب إلى فعاليات تنظيمية؛ فتيار نصرة الشريعة وأنصار المؤتمر الوطني يمارسون ضغوطهم في ظل عودة التظاهر إلى الشارع وفق ما سمي "الزحف الأخضر"، الذي انطلق في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2019، اعتراضًا على حكومة حمدوك. وتشير شقاقات المعارضة السلمية إلى ضرورة ملحّة لبذل جهدٍ مضاف لاحتوائها، وضمان دعمها في ترتيبات الفترة الانتقالية. ولا سبيل إلى ذلك بغير فتح باب الحوار والتفاوض، وبناء توافقات جديدة، تقلل من تحدي الاتفاق، وتكفل المشاركة للجميع، وتحدّ من نوازع الإقصاء والرغبة في الاستئثار بالسلطة. ويجدر ها هنا الإشارة إلى إشكال يتعلق بالبنية السياسية التي خلّفها النظام السابق، ونعني حزب المؤتمر، الذي تجذّر في المجتمع بحكم امتداد حكمه ثلاثة عقود، واختلاط بنيته ببيروقراطية الدولة. وهناك كثيرون لم يتورطوا مع النظام السابق في انتهاكاته، وخاصة من عناصر التكنوقراط، الذين يمتلكون الخبرة ولديهم الرغبة في المساهمة في النظام الجديد. الخشية التي نكتسبها من تجارب الانتقال الديمقراطي في الموجة الثالثة، وحتى في التجربتين اليمنية والليبية، هي أن توسيع رقعة الإقصاء السياسي بحق قوى النظام السابق قد تُفضي إلى زيادة حجم المعارضة للتوافق السياسي ومن ثم تقويضه، وهو الذي يتوقف نجاحه بالأساس على توسيع قاعدة المشاركة، لتعكس التنوع واستيعاب مختلف القوى الاجتماعية والسياسية ودمجها في النظام الجديد. وأخيرًا، ثمة ملاحظة عن تهميش دور الشباب، الذي على الرغم من كونه من صنع التغيير في السودان، فإنه لا زال بعيدًا عن المشاركة في الحكم.
3. تحدي العدالة الانتقالية وطي صفحة الماضي
يكمن التحدي الماثل أمام السودان حاليًا في كيفية الموازنة بين متطلبات الحقيقة والعدالة وإنصاف ضحايا الانتهاكات من جهة، والحاجة إلى السلام والاستقرار والمصالحة من جهة أخرى. وفي سبيل تحقيق العدالة، تم تشكيل لجنة التحقيق المستقلة الخاصة بأحداث فض اعتصام القيادة العامة بالخرطوم والولايات في 3 حزيران/ يونيو 2019، وحدد القرار مدة عمل اللجنة بثلاثة أشهر، ويجوز تمديدها بناءً على توصيتها لمدة مماثلة، على أن ترفع تقريرًا شهريًا عن سير أعمالها إلى رئيس الوزراء، وتتمتع بممارسة اختصاص النيابة في التحقيق والتحري وإجراءات وتدابير الضبط وتوجيه التّهم والإحالة إلى المحاكمة وفق تفويض النائب العام. إلا أن عمل اللجنة تنقصه الشفافية، ولم يصدر حتى الآن تقرير نهائي يطّلع عليه عامة الشعب، الأمر الذي أثار غضب جماهير الشعب ودفعها إلى الخروج في احتجاجات في 17 آذار/ مارس 2020 تنديدًا بتأخر الإعلان عن نتائج فض الاعتصام. كما كان من المقرر، بحسب الوثيقة، إنشاء مفوضية للعدالة الانتقالية، إلا أنها لم تشكَّل بعد. وفي سياق المفاوضات الجارية بشأن التوصل إلى اتفاق سلام، تقترب الحكومة والجبهة الثورية - مسار دارفور من اتفاق حول وثيقة للعدالة الانتقالية، تتعلق بالمساءلة والمصالحة والقضاء في قضايا وجرائم دارفور. كما تم تشكيل لجنة للتحقيق في مفقودي أحداث فض الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في الخرطوم.
وسبق أن وقّعت الحكومة اتفاقًا يفضي إلى فتح مكتب لمفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، يُعدّ تعبيرًا عن رغبة السودان في فتح صفحة جديدة في ملف حقوق الإنسان.
خاتمة
من خلال تتبع الكتابات حول حال التوافق الانتقالي في السودان، يتبين لنا أن ثمة نظرة اختزالية إلى التحول الممكن سودانيًا، تكرّس نظرةً أداتية، تختصر التحول الديمقراطي في مجرد إنجاز دستور، وإعادة تأسيس مؤسسات سياسية، كالرئاسة والبرلمان، وفق معايير انتخابية صرف، والسماح بعمل حزبي متحرر. وعلى الرغم من أنها أمور مهمة وأساسية، فإن الاقتصار عليها وحدها يعني تجاهل عديد المحددات الجذرية للديمقراطية، ومنها استعادة السلم الاجتماعي، والحد من التهميش، وتجذير المشاركة، وتكريس ضمانات الحقوق والحريات العامة. وما نجده من محدوديات في الوثيقة الدستورية، ومن التباسات في الفعاليات السياسية التي أنتجتها، وكذلك المعيقات التي تبيّنها الفترة الماضية وتعثّ بعض من جهود تشكيل نظام انتقالي في السودان، يشير جميعه إلى عامل اللايقين الذي يميز الانتقال من السلطوية. وتبين الأدبيات أن هذا اللايقين يزداد في ظل نموذج الانتقال عبر التوافق. ويجد بعضٌ من هذا اللايقين جذورَه في العناصر الهيكلية التي يتأسس عليها النظام السياسي، نذكر منها عنصر السلم وتجذير المشاركة وتعزيز البنية الاقتصادية المتسمة بالعدل الاجتماعي. إن حيازة الثقة الجماهيرية والحظوة بالعمق الشعبي الداعم لعمل الحكومة الانتقالية التوافقية يعززان توجهها إلى إنجاز تغييرات جذرية في النظام السياسي من دون وجل. وهذه الثقة هي السبيل إلى تأسيس علاقات متوازنة بين المجتمع والدولة. يعدّ دخول الجماهير إلى المعادلة الجديدة ضمانة تأسيسية، لكن نجاح الانتقال عبر التوافق لا زال موقوفًا على قدرة النخب السودانية على توفير الضمانات لإنجاح هذا التوافق، وعملهم معًا على اجتياز المعيقات التي قد تعترض طريقه، والوصول بالسلطة الجديدة إلى بر أمان ديمقراطي، واستقرار يُنهي أي توجّه نحو العنف. ولا يعني بلوغ التوافق السياسي أن بنية الحكم السلطوية، قد دالت، إذ يظل التحدي كامنًا في القدرة العملية على إحلالها ببنية مغايرة، تعيد ضبط علاقة المواطن بالدولة، وتوفر لهذه العلاقة مجالً سياسيًا تعدديًا ومفتوحًا. في حين أن القدرة الائتلافية تعني فيما تعني تسوية الخلافات، والتحول من العمل المسلح إلى العمل السلمي، والقبول بقواعد اللعبة المرعية من الجميع. ويحتاج الأمر أيضًا إلى تعاضد واسع من القوى السياسية والاجتماعية، تُظلّله معادلة رابح - رابح، وتأتي مخرجاته مغويةً للمترددين والمتحفظين على الاتفاق للانخراط في العملية السياسية. والجدير ذكره أن القدرة التفاوضية للنخب تبرز ها هنا، إذ إن الاستمرار في التفاوض على المسائل التفصيلية والمرحلية يظل ضرورةً في حالة من مثل حالة السودان، في ضوء ركام المظالم والثارات والتصدعات. في حين لا يجيب الاتفاق السياسي عن كيفية تجاوز هذه المظالم وتحقيق دمج للقوى المعبرة عمّن كانوا ضحايا تلك المظالم، لكنه يقدم بيئة تفاعل يمكنها استيعاب مخرجات أي اتفاق سلام، ما دامت النحب قادرة على تفعيل آليات الدمج ولم تُغوِها لعبة الإقصاء. في هذه الحال، يصبح المجتمع المدني فاعلً رئيسًا، بل يقوم أحيانًا بدور الموازن للقوى السياسية المتناحرة، وقوة ضغط لدفعها صوب السلام والعمل السياسي.
المراجع
العربية
في الثورة والقابلية للثورة. ط بشارة، عزمي. 2. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
الأجنبية
Diamond, Larry. "The Spirit of Democracy: How to Make Democracies Work." Center for International Private Enterprise. 28/11/2008. at: https://goo.gl/mdZWcK O'Donnell, Guillermo & Philippe C. Schmitter (eds.). Transitions from Authoritarian Rule: Tentative Conclusions about Uncertain Democracies. vol. 4. Baltimore, MD/ London: The Johns Hopkins University Press, 1986.