قراءة في تقرير صندوق النقد الدولي عن الاندماج المغاربي (2018)

Mohammed Hemchi محمد حمشي |

المغرب العربي بوصفه إقليمًا بلا إقليمية **

الاندماج الاقتصادي في المغرب العربي: مصدر للنمو لم يستغل بعد عنوان التقرير:. المؤلف: فريق من خبراء صندوق النقد الدولي. سنة النشر:.2018 الناشر: صندوق النقد الدولي. عدد الصفحات: 48 صفحة.

‪The Arab Maghreb as a Region without Regionalism

A Review of the IMF Report on Regional Integration in the Maghreb (2018)‬

مقدمة

نشرت إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، عام 2018، تقريرًا حول "الاندماج الاقتصادي في المغرب العربي"، واصفة إياه بمصدر النمو الذي "لم يُستغلّ بعد"1. ينقسم التقرير إلى ثلاثة فصول في نحو 40 صفحة، وهي: فصل حول العلاقات الاقتصادية بين بلدان المغرب العربي، وفصل حول المنافع المترتبة على تعزيز الاندماج الإقليمي في المنطقة، وفصل حول الأهداف المشتركة على مستوى السياسات في بلدان المغرب العربي. وكعادة منشورات صندوق النقد، جاء التقرير ثريًّا بالجداول والأشكال البيانية، فضلً عن الملاحق البيانية. يناقش التقرير إمكانيات الاندماج الاقتصادي في الفضاء المغاربي بوصفه مصدرًا للنمو لم يستغل بعد. ويجادل بأن زيادة الاندماج الاقتصادي، إقليميًّا وعالميًّا، من شأنها أن تخلق دينامية إيجابية لرفع معدلات النمو على نحوٍ قابلٍ للاستمرار. كما أن زيادة الانفتاح على التجارة والاستثمار بينيًّا، من شأنها أن تتيح "المزيد من السلع والخدمات بأسعار أقل، وتحفيز المنافسة، وتشجيع الابتكار والتنوع، وزيادة الشفافية، والحد من المكاسب الريعية، وصولً إلى زيادة الإنتاجية والنمو" في بلدان المغرب العربي جميعها. وعلاوة على ذلك، يحاجّ التقرير بأن الاندماج الإقليمي "يمكن أن يكون أداة قوية، تكملها السياسات المحلية، لرفع النمو الممكن في المغرب العربي، وخلق فرص العمل، والحد من الفقر"2. ويسعى التقرير، على نحو مركز، إلى دراسة الأسباب الأساسية لتدنّ مستوى الاندماج الإقليمي في المغرب العربي، وعرض المسوغات الاقتصادية الداعمة لزيادة الاندماج، وتقييم الآثار الممكنة للاندماج في النمو والتوظيف، واق اررح مجموعة من الأهداف "المشتركة" لتحقيق مزيد من الاندماج الإقليمي. على الرغم من تأكيد التقرير وجود عوامل جيوسياسية تعوق اندماج المغرب العربي الإقليمي، فضلً عن الأسباب المعقدة خلف تعطل اتحاد المغرب العربي (ولا سيما الخلاف بين الجزائر والمغرب حول الصحراء الغربية، والدور الذي تؤديه التهديدات الأمنية العابرة بين الدول المغاربية في تشديد الضوابط الحدودية)، فإن فهم "منطق" اللااندماج في المغرب العربي يتطلب مقاربة مركبة تنطلق من الاف اررض أن الاقتصادي وحده غير كافٍ. وفي هذا السياق، يبقى الموضوع في حاجة إلى مقاربة له من منظور الاقتصاد السياسي (الدولي)، لكن من دون تجريد هذه المقاربة من استبصارات المنظورات الاجتماعية. وتسعى دراستنا هذه إلى ردم الفجوة الناجمة عن غياب الاقتصادي – السياسي في التقارير الاقتصادية الصرفة حول الاندماج المغاربي، وتفترض أن "منطق" اللااندماج المغاربي يستند، على الأقل، إلى أسطورتين مؤسَّستين ينبغي تفكيكهما على نحوٍ متأنٍّ، وهما: مركزية الخلاف الجزائري - المغربي، وتباين الأنظمة الحاكمة في دول المغرب العربي. تنقسم الدراسة إلى محورين أساسييّن. يلخص المحور الأول، على نحوٍ وافٍ، أبرز الموضوعات الواردة في التقرير، وذلك تحت عنوان "ما يخبرنا به التقرير" حول إشكاليات الاندماج الإقليمي في المغرب العربي، بينما يتصدى المحور الثاني لفحص "ما لا يخبرنا به التقرير"، ويقدم حججًا للمجادلة بأن الخلاف الجزائري - المغربي قد يكون معيقًا للاندماج المغاربي، لكنه ليس مُعطِّلً له بالضرورة. وأبعد من ذلك، تحاجّ الدراسة بأن "الإصرار على" التمسك باتحاد المغرب العربي بوصفه المسار الإقليمي المرجعي في المنطقة، الذي يبقى دائمًا موضوعًا للبعث وإعادة الإحياء، هو ما يؤدي دور المعطل الفعلي للاندماج المغاربي. وتحت عنوان "ما لا يُدرَكُ كله لا ينبغي أن يتُرَك بعضُ ه"، تقترح الدراسة الذهاب نحو التفكير في مسارات بديلة ومتاحة، كالمسارات ثنائية الأطراف، ويمكن أن تمثّل مقدمةً وعاملَ جذبٍ نحو اندماجٍ إقليمي أوسع وأعمق، بدلً من انتظار حل الخلافات الجزائرية - المغربية من أجل بعث اتحاد المغرب العربي، ومن ثم بعث مسار الاندماج المغاربي. لاحقًا، تحاجّ الدراسة بأن مسار الاندماج الإقليمي هو مسار لا سياسي تحرّكه نخبٌ تنشأ وتنضج في بيئاتٍ محلية يتسم فيها الحقل السياسي بالانفتاح والإشراك Inclusion، وتسمح بتطور قطاعٍ مدني غير حكومي وغير مسيّس من جهة، وقطاعٍ اقتصاديٍّ خاص قادر على الضغط على الحكومات من أجل عبور الحدود، ومندمج في الفضاء السياسي عبر علاقاتٍ صحّيةٍ بالمجتمع المدني المحيط به، من جهة أخرى. وأخيرًا، تقدّم الدراسة الإدارة المشتركة للمناطق الحدودية الطرَفية، وما تفرضه من تحديات تنموية وتهديدات أمنية، بوصفها فضاءً لتعلُّم الاندماج الإقليمي.

أولا: ما يخبرنا به التقرير

1. حول مبادرات تحرير التجارة

يبدأ التقرير بمسحٍ لمبادرات تحرير التجارة البينية في فضاء المغرب العربي، بدءًا باتحاد المغرب العربي (عام 1989) بوصفه مسارًا عامًّا

  1. المرجع نفسه، ص.4

للتعاون والاندماج الإقليميين، والذي تعطّل تمامًا منذ عام 1994 بسبب تدهور العلاقات بين الجزائر والمغرب وغلق حدودهما البرية، ثم انضمام ليبيا والمغرب وتونس إلى اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى في عام 1997، مرورًا بتوقيع المغرب وتونس اتفاقيةَ أغادير بغرض إنشاء منطقة تجارة حرة في عام 2004، وصولً إلى مبادرة إنشاء منطقةٍ مغاربية للتجارة الحرة التي وقّع وزراء التجارة المغاربة اتفاقيةً بشأنها في عام 2010، لكن لم يتم تصديقها حتى الآن. وهذه المبادرات "لم يكن لها سوى تأثير محدود"3 في التجارة البينية داخل الإقليم. ومن ناحيةٍ أخرى، تنخرط دول المغرب العربي في عدد من المسارات المرتبطة بالخارج. فعلى سبيل المثال، تشارك الجزائر والمغرب وتونس في اتفاقية الشراكة الأورومتوسطية التي تهدف إلى إزالة الحواجز عن حركة التجارة والاستثمار بين الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط، وفي ما بين دول جنوب المتوسط، كما تشارك موريتانيا في اتفاقية الشراكة الاقتصادية بين الاتحاد الأوروبي ودول غرب أفريقيا التي تهدف إلى تحرير التجارة الثنائية وتقديم الدعم الإنمائي إلى تلك الدول، وقد وقّع المغرب وتونس عددًا من اتفاقيات تحرير التجارة مع الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة European Free Trade

الشكل)1(أبرز الاتفاقيات التجارية التي تنخرط فيها دول المغرب العربي

EFTA Association, التي تأسست في عام 1960 4، فضلً عن اتفاقيات لتحرير التجارة الثنائية مع تركيا، كما وقّع المغرب اتفاقية لتحرير التجارة مع الولايات المتحدة الأميركية. وتشارك دول المغرب العربي جميعًا في اتفاقية النظام الشامل للأفضليات التجارية بين البلدان النامية في إطار مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لتبادل الأفضليات التجارية بين البلدان النامية، منذ عام 1988، رغم أن الاتفاقية الوحيدة المفعلة، في هذا الإطار هي الاتفاقية المبرمة بين المغرب وموريتانيا. أخيرًا، يحظى كل من موريتانيا والمغرب وتونس بعضوية منظمة التجارة العالمية، بينما تبقى الجزائر منذ عام 1987، وليبيا منذ عام 2004، في طور التفاوض من أجل الانضمام إليها. كما تنخرط دول المغرب العربي في مبادرة الحزام والطريق الصينية؛ فقد وقعت، فعل، الجزائر وليبيا والمغرب وتونس اتفاقيات شراكة مع الصين في إطار المبادرة (ينظر الشكل 1.)

  1. ما يرد بين علامتي الاقتباس، ضمن هذا القسم، هو اقتباسٌ مباشر من نص التقرير. المصدر: ألكسي كيرييف [وآخرون]، الاندماج الاقتصادي في المغرب العربي: مصدر للنمو لم يُستغلّ بعد، سلسلة دراسات صندوق النقد الدولي (واشنطن دي سي: صندوق النقد الدولي، 2018)، ص 6.
  2. تضم الرابطة آيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا، وتعمل موازاةً مع الاتحاد الأوروبي، إذ تعد جزءًا من السوق الأوروبية المشتركة ومن منطقة شنغن، غير أن الدول الأربع ليست أعضاء في الاتحاد الجمركي للاتحاد الأوروبي. ينظر موقع الرابطة في: /https://www.efta.int المصدر: المرجع نفسه، ص.12

الشكل)2(التدفقات التجارية البينية في منطقة المغرب العربي

أ. اتجاهات التجارة بين البلدان المغاربية والعالم

شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا في درجة الانفتاح التجاري عبر دول المغرب العربي ووتائره، ما عدا المغرب، وذلك على الأرجح بسبب

التجارة

انخفاض أسعار المواد الأولية وعدم كفاية التنوع الاقتصادي، خاصة بالنسبة إلى الجزائر وليبيا وموريتانيا. ويرجح التقرير أن يكون التنافس الدولي المتزايد، وخاصةً مع تنامي الصادرات الصينية إلى المنطقة (من 5 مليارات عام 2006 إلى نحو 14 مليار دولار عام 2016؛ أي ما نسبته 12-8 في المئة من مجموع الواردات)، أحد التحديات الأخرى التي تعوق الاندماج الإقليمي. فضلً عن ذلك، وبخلاف المعادن والوقود والإنتاج الحيواني والزيوت النباتية، لا تزال جودة المنتجات التصديرية لدول المغرب العربي، عمومًا، أقل منها في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الأخرى، ولا سيما السلع في قطاعات الصناعة التحويلية والآلات والنقل. وحتى مع تحسّن اندماج الاقتصادات المغاربية في سلاسل القيمة العالمية، وإن على نحو متفاوت، يبقى الجزء الأكبر من هذا الاندماج مع شركاء اقتصاديين خارج المنطقة. وأبعد من ذلك، حتى مع نمو نسب مداخيل السياحة من إجمالي الناتج المحلي، خاصة في تونس والمغرب، فإن نشاطات السفر والسياحة بين دول المنطقة تبقى محدودة في الوقت الذي يأتي فيه معظم السياح من خارج المنطقة.

ب. حالة الاندماج الإقليمي في مجالات التجارة والاستثمار والخدمات المالية والعمل

يسجل التقرير أنه على الرغم من الترتيبات المؤسسية القائمة، لا يزال حجم التجارة بين دول المغرب العربي محدودًا؛ إذ تبقى مستويات التجارة البينية أدنى بكثير منها مقارنة بتجارتها الخارجية مع الاقتصادات من خارج المنطقة، إذ "يبلغ حجم التجارة البينية أقل من 5 % من مجموع التجارة في المنطقة، مقارنة بحجم التجارة الإقليمية الذي يبلغ نحو 16 % في أفريقيا، 19 % في أمريكا اللاتينية، 51 % في آسيا، 54 % في أمريكا الشمالية، و 70 % في أوروبا." فضلً عن ذلك، "لا تتخذ دول المغرب العربي الخمس أيًا من بلدان منطقتها شريكًا تجاريًا أساسيًا لها. فمعظم الأنشطة التجارية لبلدان المغرب العربي تتم مع أوروبا"5، وتبقى فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، الأقرب جغرافيًا من المنطقة، مقصدًا لما يزيد على نصف صادرات دولها جميعًا، ما عدا موريتانيا. وتتشكل التجارة البينية من تدفقات أساسية قليلة (صادرات الغاز والنفط من الجزائر إلى المغرب وتونس، وصادرات الحديد والصلب والملابس من المغرب إلى الجزائر، وصادرات الحديد والصلب من تونس إلى الجزائر، وصادرات الزيوت الحيوانية والنباتية من تونس إلى ليبيا.) ويقترح التقرير لائحة من السلع المهمة القابلة

  1. كيرييف [وآخرون]، ص.10

للتصدير، لكنها لا تدخل ضمن التدفقات التجارية البينية، كالسيارات وقطع غيارها من المغرب، والأسمدة من الجزائر، والأسماك من موريتانيا، وأشباه الموصلات الكهربائية من تونس (ينظر الشكل.)2

الاستثمار الأجنبي المباشر

يسجل التقرير أيضًا شحّ الاستثمارات الأجنبية المباشرة البينية، إذ يكون جلّ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلة والخارجة مع أوروبا وأجزاء أخرى من العالم. ويرجع ذلك، على الأرجح، إلى القيود التي تفرضها دول المغرب العربي على هذه الاستثمارات، نحو إلزام الشركات الأجنبية بالعمل مع شركاء محليين واستخدام مدخلات محلية.

الاندماج المالي

يبقى الاندماج المالي عبر حدود دول المغرب العربي محدودًا جدًا، وهو، أساسًا، ما يعكس حالة التعاون الاقتصادي الإقليمي. ويبقى المغرب استثناءً، فقد توسعت عمليات جهازه المصرفي العابرة للحدود لتشمل 22 دولة أفريقية، لكن الأمر يقتصر فقط على تونس وموريتانيا من بين الدول المغاربية. ولا تزال فرص تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، فضلً عن الحصول على مختلف الخدمات المالية، محدودة ودون متوسط اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. وفي مجال التكنولوجيات المالية، يقترح التقرير أن "إزالة الحواجز التجارية والتنسيق التنظيمي في تطبيق هذه التكنولوجيات الجديدة على نحو أسرع وأوسع نطاقًا"6، من شأنه أن يشجع على زيادة الاندماج المالي في المنطقة.

العمل

حتى على مستوى الهجرة البينية، وعلى الرغم من أن حرية انتقال العمالة بين دول الاتحاد المغاربي كانت أحد أهدافه، فإن النسب تبقى متدنية جدًا (لا تتجاوز 1 في المئة من مجموع سكان المنطقة، وأقل من 0.5 في المئة من مجموع القوة العاملة)، مع أن المغرب والجزائر، مثلً، يعدّان من بين أكبر الدول المصدّرة للمهاجرين في العالم، تحديدًا نحو دول الاتحاد الأوروبي.

ج. ما الذي يفسر ضعف الاندماج في منطقة المغرب العربي؟

يفترض التقرير أن أسباب اللااندماج في المغرب العربي عديدة ومعقدة، تعود أساسًا إلى الطابع التقييدي للسياسات التجارية والاستثمارية (تعريفات أقل مع اقتصادات الاتحاد الأوروبي مقارنة بها مع الاقتصادات المغاربية بعضها مع بعض)7، واستمرار الحواجز التجارية الجمركية وغير الجمركية، وفقر البنية التحتية الإقليمية ما يؤدي إلى زيادة تكلفة التجارة (مثلً، وبسبب الحدود، وخاصة في الحالة الجزائرية - المغربية، ليس ثمة شبكة إقليمية للسكك الحديدية والطرق السريعة، بينما تتوقف الشبكات المحلية منها عند حدود الدول، أما خطوط النقل البحرية فهي تخدم التجارة الخارجية مع الاتحاد الأوروبي مقارنة بالتجارة البينية)، فضلً عن الاعتبارات الجيوسياسية، إذ يستمر التوجه التقليدي للتجارة الخارجية نحو الاتحاد الأوروبي، بينما تتجه المحاولات الحديثة للتنويع نحو أفريقيا جنوب الصحراء، ويتضافر كل ذلك مع صعود الصين بوصفها سوقًا لصادرات المغرب العربي، فتتشتت أكثر فأكثر جهود الاندماج الإقليمي في المنطقة. 2. حول المنافع المترتبة على تعزيز الاندماج

أ. ما أهمية تعزيز الاندماج؟

يحاجّ التقرير بأن تعزيز الاندماج الإقليمي بين دول المغرب العربي، التي يجمعها تقارب جغرافي وانسجام ثقافي ولغوي وتاريخ ومصير مشترك، من شأنه أن يمكنها من "الاستفادة من وفورات الحجم، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإنشاء سلاسل قيمة إقليمية والاندماج بشكل أفضل في سلاسل القيمة العالمية، وتعزيز قدرتها على التفاوض الجماعي"8. على مستوى وفورات الحجم، من شأن الاندماج الإقليمي أن يؤدي إلى بناء سوق من نحو 100 مليون مستهلك، وبإجمالي ناتج محلي مشترك بقيمة 360 مليار دولار (مماثل لإجمالي الناتج المحلي لجنوب أفريقيا أو النرويج)، وبنصيب فردي من إجمالي الناتج المحلي الإقليمي بنحو 4000 دولار (مماثل لجنوب أفريقيا أو إندونيسيا.)

  1. 8 المرجع نفسه، ص.19
  2. يبقى المتوسط البسيط للتعريفة الجمركية المطبقة في دول المغرب العربي أعلى مما هو عليه، مثلً، في مجموعة العشرين وفي مجموعة اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. على سبيل المثال، بلغ هذا المتوسط نحو 14 في المئة في عام 2016، مقابل 5 في المئة في الاتحاد الأوروبي، و 4 في المئة في الولايات المتحدة الأميركية، و 10 في المئة في الصين. وأبعد من ذلك، عرفت الجزائر مثلً، مع بداية عام 2018، تطبيق حظر مؤقت على استيراد نحو 850 سلعة، وزيادة عدد السلع الخاضعة لضريبة انتقائية نسبتها 30 في المئة، إلى جانب تطبيق زيادة معتبرة في التعريفة الجمركية (حتى 60 في المئة) على بعض المنتجات الأخرى. وإلى جانب الحواجز الجمركية، تواجه التجارة الإقليمية البينية حواجز غير جمركية عديدة، نحو: ارتفاع تكاليف معاملات التصدير أو الاستيراد، واعتماد نقاط التفتيش على الطرق، والتأخر عند المعابر الحدودية، وطول المدة التي تستغرقها إجراءات التخليص الجمركي وأوجه القصور التي تشوبها. ينظر: المرجع نفسه، ص.15-14
  3. 6 المرجع نفسه، ص.13

من شأن هذه السوق، القائمة على منطق الاندماج الإقليمي، أن تخلق حوافز جاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتشجّع على الابتكار، وتسهّل نقل التكنولوجيا. لكن تحقيق ذلك يقتضي تبسيط قوانين الاستثمار عبر المنطقة وتوحيدها، فضلً عن متطلبات جوهرية أخرى "كالسياسات الاقتصادية السليمة، والنمو القوي، واستقرار سعر الصرف، ورأس المال البشري السليم، والبنية التحتية الجيدة، والاستقرار السياسي، وجودة الإطار التنظيمي"9. من شأن الاندماج الإقليمي أن يؤدي إلى تنمية سلاسل القيمة الإقليمية (ما سيحرر حركة المكونات بين الشركاء الإقليميين) واندماجها، على نحو أفضل، في سلاسل القيمة العالمية، ما يعني إنشاء بيئة استثمارية أفضل حتى بالنسبة إلى عمليات التصدير نحو الأسواق القريبة، مثل الاتحاد الأوروبي. ومن الواضح أن الاندماج في سلاسل القيمة العالمية يوفر قنواتٍ لنقل المعارف والتكنولوجيات من الاقتصادات المتقدمة الاقتصادات المغاربية وفيما بينها، وهو ما يسمح للمغرب العربي بأن يصبح، مثلً، مركزًا للتجارة والاستثمار بين أفريقيا جنوب الصحراء والاتحاد الأوروبي. من شأن الاندماج الإقليمي أن يعزز القدرات التفاوضية لدول الإقليم في المجالات ذات الاهتمام المشترك، بدلً من تفاوضها منفردة، سواء مع الشركاء الاقتصاديين الأكبر حجمً منها، أو مع المجموعات/ التكتلات التي تنتمي إليها، أو في إطار منظمة التجارة العالمية ذاتها. ويضيف التقرير أن اندماج دول المغرب العربي يسهم في تعزيز صمودها أمام التأثير المحتمل لتصعيد النزاعات التجارية العالمية.

ب. الإمكانيات التجارية الإقليمية

يفيد التقرير أن خصائص التدفقات التجارية في إقليم المغرب العربي تشير إلى أن ثمة إمكانيات كبيرة للتجارة الإقليمية البينية. مثلً، تشير مستويات التركز السوقي وكثافة التجارة ومعدلات استمرارية المنتجات إلى إمكانية كبيرة للاندماج، فضلً عن ضرورة الاستفادة بصورة أكبر من المزايا النسبية للدول منفردة. أولً، يؤكد "مؤشر التركز السوقي"، وهو مقياس لتشتت الصادرات عبر الشركاء التجاريين، أن ثمة إمكانية كبيرة لتنويع هؤلاء الشركاء، خاصة عبر الاندماج الإقليمي، وذلك لأن نصف التدفقات التجارية الثنائية المحتملة على الأقل بين دول المغرب العربي إما منعدمة أو متدنية جدًا. ثانيًا، يؤكد "مؤشر كثافة التجارة" أن دول المغرب العربي جميعًا، ما عدا موريتانيا، تعد أهم وجهات تجارية لبعضها البعض، وأقل أهمية لباقي دول العالم (ينظر الشكل)310. ثالثًا، يؤكد "مؤشر استمرارية المنتجات"، وهو مقياس لاستمرارية العلاقات التجارية، أن "نسبة كبيرة من المنتجات التصديرية الجديدة باختلاف قيمتها يتوقف إنتاجها نظرًا لأن عدد الأسواق الخارجية التي تصل إليها ليس كبيرًا بما يكفي. ويشير ذلك أيضًا إلى وجود إمكانية كبيرة غير مستغَلَّة لتعزيز الاندماج بما يتيح خلق أسواق خارجية جديدة لفرادى المنتجات، وربما تحسين معدل استمراريتها"11. من ناحية أخرى، يؤكد التقرير الطبيعة التكاملية للتجارة البينية بين دول المغرب العربي، إذ يبين "مؤشر التكامل التجاري"، الذي يقيس مقدار التداخل بين هيكلَ الصادرات والواردات، أن ثمة تطابقًا بين صادرات المغرب العربي ووارداته من جهة، وواردات الشركاء التجاريين الرئيسين للدول المغاربية من خارج المنطقة، من جهة أخرى (يشير التقرير مثلً إلى أن صادرات الجزائر وموريتانيا والمغرب وتونس متكاملة تمامًا مع واردات الدول المغاربية الأخرى بقدر تكاملها مع واردات الاتحاد الأوروبي على الأقل.) وأبعد من ذلك، يؤكد التقرير أن دولً مغاربية تبقى متكاملة بينيًّا، بعضها مع بعض أكثر مما هي متكاملة مع شركائها الرئيسين من خارج المنطقة (مثلً، يتفوق مؤشر التكامل التجاري للجزائر مع موريتانيا والمغرب على مؤشر تكاملها التجاري مع إيطاليا التي تعد شريكًا رئيسًا.) ويخلص التقرير إلى أنه على الرغم من أن الدول الأوروبية هي الشريك التجاري التقليدي للمغرب العربي، فإن التجارة البينية بين الاقتصاديات المغاربية تعدّ مصدرًا كبيرًا للإمكانيات التجارية غير المستغلة بالنسبة إلى دول المغرب العربي (ينظر الشكل)412.

  1. المرجع نفسه.
  2. المرجع نفسه، ص، حيث يدرج التقرير أشكالً بيانية أخرى تمثل مؤشرَ 22 ي التركز السوقي واستمرارية المنتجات.
  3. المرجع نفسه، ص.19
  4. يدرج التقرير حسابات الميزة النسبية ويحدد جملة من المنتجات ومجموعات المنتجات التي يمكن زيادة التجارة البينية فيها بين اقتصادات المغرب العربي. مثلً، يتمتع المغرب بميزة نسبية أقوى من تونس في خدمات النقل والغذاء والفلزات والكيماويات، وأقوى من الجزائر في المعادن، وأقوى من ليبيا في الفلزات، وبناء عليه، يمكنه تصدير مزيد من هذه المنتجات إلى كل من هذه الدول. وفي الوقت نفسه، يمكن تونس تصدير مزيد من المعادن إلى الجزائر ومزيد من الخضراوات إلى المغرب ومزيد من الأخشاب إلى موريتانيا. وينتهي التقرير إلى أن المغرب يمكنه زيادة صادراته إلى الجزائر في ما لا يقل عن 36 منتجًا، وإلى تونس في 22 منتجًا، وإلى موريتانيا في 10 منتجات، وإلى ليبيا في 8 منتجات. كما يمكن تونس أيضًا زيادة صادراتها الإقليمية في 30 منتجًا تقريبًا بحسب البلد. ويمكن موريتانيا زيادة صادراتها إلى المغرب وتونس في 4 منتجات، وإلى الجزائر في منتجين، وإلى ليبيا في منتج واحد فقط. أخيرًا، يمكن الجزائر زيادة صادراتها في 6 منتجات تقريبًا بحسب البلد.

الشكل)3(كثافة التجارة البينية والتجارة الخارجية مع الاتحاد الأوروبي عام 2016

الشكل)4(إمكانيات التجارة الإقليمية عام 2016 13

  1. حجم الإطار يعكس حجم الصادرات في عام 2016، وتشير الأرقام إلى قيمة مؤشر الميزة النسبية. المصدر: المرجع نفسه، ص.22 المصدر: المرجع نفسه، ص.24

. ب

ج. التأثير المحتمل لزيادة الاندماج في النمو

يؤكد التقرير، أيضًا، أن الاندماج الإقليمي سيكون له تأثير إيجابي كبير في مستويات الرخاء في دول المغرب العربي، وذلك عبر زيادة النمو وتحسين الظروف المعيشية. ويشير، على سبيل المثال، إلى أن تعزيز المشاركة في سلاسل القيمة العالمية وتنويع الصادرات، فضلً. ج عن تحسين الجودة، من شأنها جميعًا أن ترفع مستوى الدخل إلى نحو 10-5 في المئة خلال 5 إلى 10 سنوات في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية العادية.. د بتعبير آخر، إذا كان من المتوقع أن متوسط النمو السنوي للفترة 2023-2018() سيبلغ 1.6 في المئة في الجزائر، و 3.9 في المئة في ليبيا، و 3.4 في المئة في تونس، و 4.1 في المئة في المغرب، و 5.5 في المئة في موريتانيا، فمن المتوقع أيضًا أن ترتفع هذه المعدلات بنسبة 1 في المئة. ه في المتوسط في حالة زيادة الانفتاح في البلدان المغاربية، وبنسبة 0.7 في المئة في حالة زيادة مشاركتها في سلاسل القيمة العالمية، وبنسبة 0.6 في المئة في حالة تنويع اقتصاداتها، وبنسبة 0.2 في المئة في حالة تحسين جودة المنتجات. وباستعمال نموذج حسابي آخر، يتوقع التقرير أن إلغاء التعريفات الجمركية جميعًا المفروضة على التجارة الإقليمية من شأنه أن يؤدي، على المدى الطويل، إلى ارتفاع النمو تقريبًا بنسبة 1 في المئة، وارتفاع. و معدلات التوظيف بنسبة 1.2 في المئة، وزيادة التجارة الإقليمية بنسبة 33 في المئة. ومن ناحية أخرى، يستند التقرير إلى دراسة. ز مشتركة بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية عام 2017 إلى أن الاندماج الإقليمي من شأنه أن يحفز نموًّا سريعًا في متوسط الدخول وتراجعًا في مستويات الفقر.

3. حول الأهداف المشتركة لسياسات دول المغرب العربي

يوصي التقرير بضرورة استغلال دول المغرب العربي للزخم الناتج من الاتجاهات الحالية في الاقتصاد والتجارة والاستثمار العالمي. كما يوصي بتوظيف الزيادة في الإيرادات، الناتجة من زيادة الطلب من الشركاء التقليديين في أوروبا، في موازنة التكلفة الناجمة مبدئيًا عن. ح تعزيز الاندماج الإقليمي. من جانب آخر، يوصي التقرير باستغلال مبادرة الحزام والطريق الصينية وتنسيق التعاون مع الصين، في إطار المبادرة، لصالح الاندماج الإقليمي في المغرب العربي. فضلً عما سبق، يدرج التقرير جملة من التوصيات، أبرزها:. أ مراعاة مخاطر زيادة النزعة الحمائية عالميًا، وتقلبات الأسواق المالية، وعدم الاستقرار الجغرافي السياسي في المنطقة. تعزيز التعاون البيني بشأن التجارة الإقليمية وبشأن التجارة المتعددة الأطراف خارج الإقليم، وذلك باعتماد نظام قائم على القواعد، وهو ما يسمح بجني منافع الاقتصاد العالمي والحد من الانعكاسات السلبية للاضطرابات التجارية العالمية. رسم أهداف مشتركة على مستوى السياسات، وذلك للحد من انعكاسات البيئة الاقتصادية العالمية، الديناميكية نسبيًا والهشة في الوقت نفسه. عدم التعامل مع الاندماج الإقليمي بوصفه هدفًا في حد ذاته، بل بوصفه أداة لتحقيق الأهداف المشتركة على مستوى السياسات، ذات الأهمية لكل دولة من دول المغرب العربي على حدة، وللإقليم عمومًا (ينظر الإطار.) ضمان معاملة متكافئة تتيح للمشروعات الصغيرة والمتوسطة في القطاع الخاص توفير فرص العمل اللازمة لتوظيف شباب المنطقة عندما يصبح القطاع العام غير قادر على الاضطلاع بدور الملاذ الأول للتوظيف، واستغلال التجارة والتكنولوجيا في إقامة سوق إقليمية داخلية كبيرة بغرض تعزيز قدرة المنطقة على المنافسة عالميًّا. تعزيز الشفافية، ولا سيما بيانات الاستثمار الإقليمي وحركة العمالة والتدفقات المالية. إقامة مؤسسات مالية إقليمية مشتركة بوصفها وسيلة لتعزيز اندماج أسواق السلع والخدمات ورأس المال والعمل، وزيادة شبكات الأمان الاجتماعي وتحسينها في كل دولة لموازنة الآثار الجانبية المحتملة لزيادة الاندماج الإقليمي في الأشخاص والعمالة وال كررات، وزيادة قدرة الم وررعات الصغيرة والمتوسطة والمجتمعات الريفية على الانخراط في التجارة، بما في ذلك التجارة الإقليمية، واستغلال التجارة بوصفها وسيلة لتوفير فرص إضافية للشباب والنساء والمهاجرين والفئات الأخرى الأقل حظًا. الاستفادة من المفاوضات، وذلك عبر العمل على وضع اتفاقية اقتصادية إقليمية عميقة، تغطي جميع المجالات التي يشملها فعلًالاندماج المغاربي، مثل، تحرير التجارة في السلع والخدمات، وحرية حركة رأس المال والعمالة، فضلً عن مجالات جديدة، نحو: سياسات المنافسة المشتركة والنظام الاستثماري، وإنفاذ حقوق الملكية الفكرية، وعلاوة على ذلك، ينبغي أن تتضمن هذه الاتفاقية آليات لحل النزاعات ورصد السياسات.

على مستوى المنطقة. جديدة في المنطقة، وتعزيز حرية حركة العمالة ورأس المال عبر الحدود. الريف والمهاجرين.) النزاعات وآليات لرصد السياسات. يضطلع القطاع الخاص بدور أنشط في استكشاف أسواق إقليمية جديدة.

. ط التفاوض كمنطقة واحدة مع كبار الشركاء التجاريين، مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية والصين، وهي استراتيجية توظفها التكتلات الإقليمية الأخرى، لكنها غير مستغلة في المغرب العربي.. ي يؤكد التقرير استعداد صندوق النقد الدولي لدعم جهود الاندماج الإقليمي بين دول المغرب العربي، وتقديم المشورة والمساعدة الفنية بشأن السياسات في سياق أنشطة الرقابة بهدف الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي، بوصفه شرطًا أساسيًا للنجاح في تحقيق الأهداف المشتركة على مستوى السياسات.

ثانيًا: ما لا يخبرنا به التقرير

كغيره من تقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية، يستمد تقرير صندوق النقد الدولي قوته من سلطة الأرقام/ البيانات والمؤشرات الاقتصادية التي تستند إليها استنتاجاته. ورغم إشارته إلى وجود عوامل جيوسياسية تعوق اندماج المغرب العربي الإقليمي، فضلً عن الأسباب المعقدة خلف تعطل اتحاد المغرب العربي (ولا سيما الخلاف بين الجزائر والمغرب، والدور الذي تؤديه التهديدات الأمنية في تشديد الضوابط الحدودية)، فإن فهم منطق اللااندماج في المغرب العربي

إطار الأهداف المشتركة على مستوى السياسات المغاربية

- الوظائف: الهدف النهائي من الاندماج الإقليمي هو توفير فرص العمل وتحسين معيشة المواطنين من خلال تحقيق نمو مرتفع قابل للاستمرار. وينبغي التشجيع على توفير فرص العمل من خلال سلاسل القيمة الإقليمية وزيادة الاندماج بين القطاعات الخاصة - الانفتاح: يتعين وضع نموذج اقتصادي جديد وأكثر انفتاحًا في دول المغرب العربي جميعًا، وذلك بتوفير فرص تجارية واستثمارية - الاحتوائية: ينبغي أن يؤدي النمو الإضافي الناتج من الاندماج الإقليمي إلى توفير فرص للجميع (الشباب والنساء وسكان - المفاوضات: ينبغي أن تتفاوض البلدان المغاربية بشأن وضع اتفاقية اقتصادية إقليمية عميقة، وأن تصمم نظامًا للتفاوض لحل - التجارة: ينبغي أن تولي دول المغرب العربي اهتمامًا أكبر بالتجارة الإقليمية، بحيث يتولى القطاع العام تنسيق السياسات، بينما

يتطلب مقاربة مركّبة تنطلق من افتراضٍ مفاده أن الاقتصادي وحده، مفصولً عن السياسي، غير كافٍ لاستيعابه، وأننا في حاجة إلى مقاربة للموضوع تأخذ في اعتباره، على الأقل، حججًا من منظور الاقتصاد السياسي (الدولي)، من دون تجريد هذه المقاربة من الاستبصارات التي توفرها المنظورات الاجتماعية. وبسبب مضامينه الاقتصادية المحضة على الأرجح، لا يشير التقرير إطلاقًا إلى الشق السياسي في "منطق" فشل الاندماج المغاربي. وثمة، فقط، تشديد على الدور السيئ الذي يؤديه الخلاف الحدودي بين الجزائر والمغرب في تعطيل آليات الاندماج الإقليمي، على غرار الشبكة الإقليمية للسكك الحديدية والطرق السريعة. وهي مسألة بالغة الأهمية ولا ريب، فمثلً، وبسبب الحدود، وخاصة في الحالة الجزائرية - المغربية، ليس ثمة شبكة إقليمية للسكك الحديدية والطرق السريعة، بينما تتوقف الشبكات المحلية منها عند الحدود البينية الفاصلة بين الدول. في هذا السياق، تسعى هذه الدراسة، في هذا المحور، إلى فهم منطق الفشل في الاندماج المغاربي بعيدًا عن الاقتصادي. وهي تحاجّ بأن منطق اللااندماج المغاربي يقوم، على الأقل، على أسطورتين مؤسَّستين. وتكمن المشكلة مع هذه الأساطير المؤسَّسة في أنها متجذرة، ليس فقط في الخطاب السياسي، لكنها تمتد إلى الوعي الأكاديمي والمزاج المجتمعي على حدٍّ سواء. الأسطورة الأولى هي مركزية الخلاف

الجزائري - المغربي، أما الأسطورة الثانية فهي تباين الأنظمة الحاكمة في دول المغرب العربي.

1. الخلاف الجزائري - المغربي معيق، لكنه ليس معطل ا للاندماج الإقليمي في المغرب العربي

ثمة تركيز مبالغ فيه على الخلاف الجزائري - المغربي بوصفه سببًا لتعطل الاندماج في المغرب العربي. ويمكن، بسهولة، دحض ذلك من خلال حجتين أساسيتين: الحجة الأولى هي أنه رغم الامتداد الزمني للخلاف بين الجزائر والمغرب واستعصائه، وانزلاق التوتر في العلاقة بينهما إلى اشتباك مسلح محدود في عام 1963 (حرب الرمال)، فإن العلاقة بين الدولتين لم/ لا توصف بأي حال من الأحوال بأنها علاقة صراع أو عداء. وحتى في الخطاب السياسي الرسمي، لا توجد دلالات على أنّ أحد الطرفين يتصور الآخر بوصفه عدوًّا استراتيجيًّا أو على الأقل بوصفه تهديدًا "وجوديًّا" بالمفهوم الاستراتيجي الذي يمكن أن يمثّل مدخلً لصراعٍ ثنائي مسلح14. ما من شك في أن منطق التجاذب بين الدولتين يبقى محكومًا بحتمية التعايش والحرص على تجنب الانزلاق نحو الصدام العنيف. وفي هذا السياق، يسجل عبد النور بن عنتر أن البلدين عرفا "أزمات سياسية داخلية حادة كان في الإمكان أن تدفع بالنظامين إلى مغامرات عسكرية لتعبئة الرأي العام [الداخلي] ضد عدو خارجي، لكنهما لم يفعلا ذلك قط"15. الحجة الثانية هي أنه رغم محورية النزاع حول الصحراء الغربية في الخلاف الجزائري - المغربي، فإنه لم يؤدِّ قط إلى بروز حالة استقطاب إقليمي دائم يعمق حدة الانقسام بين دول المغرب العربي حول الاندماج الإقليمي. فتونس التي تقتسم مع الجزائر حدودًا منكشفة أمنيًّا، تتبنى سياسة حياد إيجابي، وإن كان "قلقًا" باستمرار16، حيال الخلاف الجزائري - المغربي حول مسألة الصحراء الغربية، فهي من جهة، في حاجة إلى التعاون مع الجزائر في مجال مكافحة الإرهاب، ليس فقط لأنهما يقتسمان أكثر من 950 كيلومترًا من الحدود المشتركة، لكن، أيضًا، لأن الجزائر تتمتع بتجربة ناجحة في مجال مكافحة الإرهاب، كما تبقى تونس، من جهة أخرى، في حاجة ماسة إلى الاستثمارات المغربية المتزايدة خلال السنوات الأخيرة. ولا تعترف تونس بجبهة البوليساريو، لأنها تخشى أن يعتبر المغرب ذلك موقفًا عدائيًّا ضده، ولا يقوم مسؤولوه بزيارات رسمية إلى الإقليم، لكنها في الوقت نفسه تؤمن بحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره حتى لو كان ذلك في شكل وضع قانوني في صالح المغرب. إلى جانب ذلك، تسعى موريتانيا إلى تحقيق نمطٍ مختلف من الحياد، وذلك عبر المحافظة على علاقات متوازنة مع المغرب وجبهة البوليساريو على حدٍّ سواء، ومن ثم مع الجزائر. فهي تستخدم رسميًا جملة "الجمهورية العربية الصحراوية" لكنها لا تستضيف ممثلين لجبهة البوليساريو. ويأتي هذا الاعتراف في سياق السعي لاسترضاء الجبهة بعد تاريخ طويل من الاحتراب مع مقاتليها، عانته موريتانيا خلال "حرب الصحراء الغربية" في سنوات السبعينيات (انتهى بتوقيع اتفاقية لوقف إطلاق النار عام 1979.) غير أن هناك عاملً حاسمً آخر، يتمثل بمخاوف موريتانية معلنة من اتساع بؤرة اللااستقرار في إقليم الصحراء الغربية نحو الداخل الموريتاني، وخاصة مع التقاطعات القبَلية/ المجتمعية على حدود موريتانيا الشمالية مع الإقليم، فضلً عن مخاوف أخرى غير معلنة، من ألا تكتفي مطالب المغرب التوسعية بالصحراء الغربية، وخاصة أن ثمة سجلً تاريخيًّا للمطالب الإلحاقية Irredentist لدى المغرب، إنْ في الأراضي الموريتانية أو في أراضٍ جزائرية. ينسحب منطق الحياد نفسه على موقف ليبيا؛ فنظام القذافي السابق في ليبيا رفض الاعتراف رسميًّا بالجمهورية العربية الصحراوية، لكنه تاريخيًّا قدّم دعمً بارزًا لجبهة البوليساريو، تمويلً وتسليحًا وتدريبًا عسكريًّا. بينما يبقى الموقف الليبي، في فترة ما بعد القذافي الذي سقط نظامه في عام 2011، غير واضح تحت وطأة الصراع المستمر بين حكومة الوفاق الوطني والجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر. أبعد من كل ذلك، يمكن العودة إلى التجربة الأوروبية بوصفها شاهدًا تاريخيًّا على تهافت فرضية الخلاف الجزائري - المغربي بوصفها معطِّلً جوهريًا للاندماج الإقليمي، فقد تمكنت الدول الأوروبية، رغم ما يجمعها من تاريخٍ طويل ودامٍ من الاحتراب وما يفرقها من عوامل حادة نحو الأديان والثقافات والأعراق وحتى أنظمة الحكم القائمة على عكس ما تعرفه دول المغرب العربي، من بلوغ درجات متقدمة جدًا من الاندماج إقليميًّا. وإذا كان الخطاب السائد يشدد على محور الجزائر – المغرب في أي مسار اندماجي في المغرب العربي، فإن

  1. يلاحظ عبد النور بن عنتر أن البلدين لا يعملان، على المستوى العسكري، على "تلقين جنودهما عقائد في مجال بناء العدو تقدم الجار الأقرب على أنه العدو." ينظر: عبد النور بن عنتر، "تهديدات غير وجودية: الارتهان المغاربي لصراعات ما دون الحرب"، السياسة الدولية: ملحق تحولات استراتيجية، العدد 191 (كانون الثاني/ يناير 2013)، ص.24
  2. المرجع نفسه.
  3. هذه الطبيعة القلقة للحياد التونسي ليست وليدة تطورات المسألة الصحراوية، لكنها ترجع إلى عام 1960 عندما أعلنت موريتانيا استقلالها عن الاستعمار الفرنسي واعترفت بها تونس، فقاطعها المغرب الذي كان يطالب بالسيادة على الأراضي الموريتانية، ولم تتحسن العلاقات بينهما إلا في عام 1965. ومؤخرًا (صيف 2017)، ألغى الملك محمد السادس استقبالً مبرمجًا لرئيس الحكومة التونسي السابق، يوسف الشاهد، لأنه رفض إضافة فقرة إلى البيان الختامي للّجنة العليا التونسية المغربية تكرس "مغربية" الصحراء الغربية، تجنبًا لإثارة حفيظة الجزائر.

تصدع هذا المحور، بكل تأكيد، لا يضاهي التصدع الذي عرفه محور فرنسا – ألمانيا الذي نجح في التعافي من حرب عالمية مأساوية، وتمكّن من قيادة مسار الاندماج الإقليمي في أوروبا.

2. اتحاد المغرب الغربي بوصفه معطِّ ل ا للاندماج المغاربي: ما لا يُدرَك كلُّه لا ينبغي أن يُترَك بعض ه

ثمة أطروحة تقول بوجود حاجة، آنية وملحة، إلى التخلي عن اتحاد المغرب العربي بوصفه الإطار الأمثل للاندماج الإقليمي في المنطقة. بتعبير آخر، يبدو أن اتحاد المغرب العربي، من خلال ربطه بخلافٍ مزمنٍ ومستعصٍ بين الجزائر والمغرب، صار يمثل في حد ذاته سببًا لتعطل مسار الاندماج الإقليمي في المنطقة. في هذه الحالة، من غير المجدي، بأي حال من الأحوال، الافتراض أن حل النزاع بين الجزائر والمغرب شرطٌ مسبق لإحياء اتحاد المغرب العربي، ومن ثم للاندماج المغاربي. وينبغي الانتباه إلى وجود منطق عكسي يمكن المحاجّة من خلاله بأن الاندماج في حد ذاته هو الذي سيوفر الآليات الملائمة والفعالة لحل النزاعات بين الدول المندمجة، وليس العكس. وما يبرر الدعوة إلى التخلي عن اتحاد المغرب العربي هو أن فشله المزمن يرتبط، جوهريًّا وبنيويًّا، بخلافٍ جزائري – مغربي مزمنٍ لا يلوح في الأفق أي مقدماتٍ لتسويته. إذا كانت مسألة الصحراء الغربية جوهرًا للخلاف الجزائري - المغربي17، فيمكن ملاحظة أن الوضع الراهن سيبقى قائمًا على المدى القريب، والمتوسط على الأرجح، لأسبابٍ ثلاثةٍ على الأقل: المغرب غير مستعد للقبول بحل استفتاء تقرير المصير، ليس فقط بسبب تزايد احتمالات تعارض نتائج الاستفتاء مع مطالبه الإلحاقية، لكن لأسباب عقلانية محضة، تتعلق بعقود من الإنفاق العسكري والإنفاق على البنى التحتية في الإقليم. وبعيدًا عن سرديات السيادة وتصفية الاستعمار وما إلى ذلك، ينبغي دائما استحضار الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لإقليم الصحراء الغربية، سواء بالنسبة إلى المغرب الطامح إلى بسط سيادته عليه ولو عبر منحه وضعًا قانونيًّا خاصًّا من قبيل الحكم الذاتي، أو بالنسبة إلى الجزائر الطامحة إلى قيام دولةٍ صحراويةٍ مستقلة، تتيح لها منفذًا بحريًّا عبر الأطلسي، كما تتيح لها نفاذًا حصريًّا لعقود الإعمار ورخص استغلال المواقع الغنية بالموارد الطبيعية في الصحراء الغربية. الجزائر بدورها غير مستعدة للتضحية برصيدها المعياري المرتبط بدعم مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، فضلً عن أنّ المسألة الصحراوية تبقى، إلى جانب النزاع مع المغرب، عاملً للإبقاء على حدٍّ أدنى من الإجماع الشعبي، داخليًّا، حول السياسة الخارجية وحول الدور المتنامي للجيش تحديدًا، حيث تحظى المؤسسة العسكرية بجزء كبير من الموازنة العامة تحت مسوغ حماية الحدود المنكشفة. وما من شك في أن هذا ينطبق على المغرب أيضًا. يبدو أن استعصاء المسألة الصحراوية، ومن ثم الخلاف الجزائري - المغربي، مرتبطٌ أساسًا بغياب إرادة دولية مشتركة لحل المسألة، سواء عبر الأمم المتحدة أو عبر الضغط على الجزائر والمغرب للذهاب إلى حلٍّ نهائي وحاسم. لذلك، يبدو أن الحل إما أن يكون دوليًّا، وهو مسار يخضع لمنطق عرضي لا يمكن توقعه Contingent Highly وتحكمه موازين القوى الدولية، وإما أن يكون إقليميًّا عبر ترتيبات إقليمية فوق وطنية قادرة على (إعادة) تشكيل سلوك دول المنطقة، وهذه الترتيبات، بطبيعة الحال، ليست مؤسسات اتحاد المغرب العربي، لأن اشتغال هذا الأخير مشروط أصلً بحل الخلاف الجزائري - المغربي. إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يُنتظر حل الخلافات الجزائرية - المغربية المستعصية أصلً على الحل الآن، من أجل بعث اتحاد المغرب العربي، ومن ثم بعث مسار الاندماج المغاربي؟ ما الجدوى من انتظار "ميلاد جنين معلوم مسبقًا أنه أصلً ميتٌ داخل الرحم"؟ ينبغي، بدلً من ذلك، التفكير في مسارات بديلة متاحة أكثر وفعالة أشد، نحو المسارات الثنائية/ الثلاثية ما دون الإقليمية التي يمكن أن تمثّل مقدمةً وعاملَ جذبٍ نحو الاندماج الإقليمي. يُعَدُّ المسار الجزائري - التونسي نموذجًا مثاليًّا في هذا السياق، إذ يمكن الجزائر وتونس الشروع في مسارٍ اندماجيٍّ ثنائي الأطراف، فلهذا المسار تتوافر جملة من الشروط الابتدائية الحاسمة، وهي: الجوار الجغرافي (عكس المسار التونسي - المغربي مثلً)، والسجل التاريخي للتعاون والتقارب وحسن الجوار (مواطنو الدولتين يتنقلون عبر الحدود من دون تأشيرات)، وتهديدات/ تحديات أمنية مشتركة (الإرهاب وحركة التهريب عبر الحدود)، وثمة درجة متقدمة من المشترك في التنسيق الثنائي لمعالجة تلك التهديدات/ التحديات. واستحضارًا لتجربة

  1. حتى إن كانت المسألة الصحراوية جوهرًا للخلاف الجزائري - المغربي، فهي لا تتسم بالخاصية نفسها عندما يتعلق الأمر بعمل اتحاد المغرب العربي، بدليل أن المسألة موجودة قبل تأسيس هذا الأخير، ولم تمثِّل حائلً دون ذلك. وفي اجتماع وزراء خارجية دول الاتحاد، الذي استضافته الجزائر في ربيع 2001، اقترحت الجزائر تحييد ملف الصحراء الغربية والعمل على ملف إحياء الاتحاد، إلا أن المغرب رفض ذلك.

معاهدة "إخاء ووفاق" عام 1983 18، يمكن إلحاق/ التحاق موريتانيا لتوافر الشروط نفسِها تقريبًا، إذا استثنينا نسبيًّا الشرط الأول، ليتحول هذا المسار إلى مسار ثلاثي الأطراف. يجدر التفكير جديًّا طبقًا لهذا المنطق المتاح سياسيًّا، على الأقل، في انتظار التوصل إلى تسوية نهائية لمسألة الصحراء الغربية، ومن ثم تسوية الخلاف الجزائري - المغربي، ويمكن حينها إلحاق/ التحاق المغرب، والاجتهاد، على نحوٍ مشترك، في تطوير الترتيبات القائمة لتصير أشد ملاءمة للوضع الجديد. غير أن للمجلس مسارًا مماثلً كي يكون بديلً ناجعًا من اتحاد المغرب العربي، ينبغي أن يبدأ منضبطًا بتصورٍ مَسارِي ومؤسسي بعيد المدى. والأمر لا يتطلب جهدًا مضنيًا في ابتكار تصور مماثل. يمكن، فقط، العودة إلى النموذج الفذ الذي وضعه بيلا بالاسا 1991-1928() Béla Balassa في ستينيات القرن الماضي19، والذي أثبت حتى الآن نجاعته، سواء في تجربة الاتحاد الأوروبي الرائدة20، أو في غيرها من التجارب الإقليمية الجديدة عبر العالم. يقدم بالاسا الاندماج الإقليمي بوصفه مسارًا من عدة مراحل: منطقة التجارة التفضيلية (تسمى أيضًا منطقة التفضيليات الجمركية)، ومنطقة التجارة الحرة، والاتحاد الجمركي، والسوق المشتركة، والاتحاد النقدي، والاندماج الاقتصادي الشامل. واللافت للانتباه في سيرورة هذا المسار أن الاقتصاديات المحلية كلما انخرطت في مرحلة محددة، زاد شرهها للانتقال والارتقاء نحو مرحلةٍ أعلى. إن الاهتداء بنماذج الاندماج الإقليمي الناجحة، نظريةً وممارسة، من شأنه أن يبرز تهافت الأساس المنطقي Rationale الهش الذي بُني عليه اتحاد المغرب العربي، المتمثل بالاندماج من أعلى، وتسييس العمل الإقليمي، ورهنه بالسيادات المطلقة للدول الأطراف21، إذ تنص المعاهدة المنشئة له على أن المجلس الرئاسي للاتحاد وحده سلطة اتخاذ القرارات، وعلى أن القرارات تُتخذ بالإجماع. وبذلك، يصير الاتحاد محكومًا بمنطق عمل مؤسسي يحمل في ذاته أسباب عطله، فضلً عن أنه لا يضمن أي دور للأجهزة التي يمكن أن تكون أكثر تقنية/ فنية، ومن ثم أكثر تحررًا من القيود السياسية المكبِّلة لقوى الاندماج الإقليمي، مثل اللجان الوزارية المتخصصة.

3ً. أنظمة سياسية متباينة شكل ا، متشابهة جوهرًا

لطالما ركزت الأدبيات السائدة، ذات العلاقة بإشكالية استعصاء الاندماج المغاربي، على مشكلة التباين في الأنظمة السياسية الحاكمة في دول المغرب العربي، تُراوح بين الملكية (في المغرب) والجمهورية (في تونس والجزائر وموريتانيا) والجماهيرية (في ليبيا قبل عام 2011.) وبعد الربيع العربي، أصبح الأمر يتعلق بأنظمة انتقالية في تونس وليبيا، والجزائر إلى حدٍّ ما. طبعًا، من شأن تجربة الاندماج الأوروبي أن تفند هذا الافتراض، إذ تشكل الديمقراطية الليبرالية في أوروبا قاسمً مشتركًا بين أنظمة حكم أكثر تنوعًا من حيث الشكل مما هي عليه أنظمة الحكم في دول المغرب العربي. لذلك، يمكن المحاجّة بأن النقاش ينبغي أن يلتفت نحو التركيز على جوهر أنظمة الحكم، ما إذا كانت تسلطية أم تعددية، بدلً من الانشغال بشكلها؛ حينها، يمكن الانتهاء إلى استنتاج مفاده أن سبب اللااندماج الإقليمي في المغرب العربي يرجع، أساسًا، إلى الطبيعة غير الديمقراطية لأنظمة الحكم في دول الإقليم. وينطلق هذا الاستنتاج من افتراضين أساسيين: الأول مفاده أن الدول الديمقراطية غالبًا ما تجنح نحو الاندماج، بينما غالبًا ما تجنح الدول التسلطية نحو ممانعة تيارات الاندماج الإقليمي، أما الثاني فمفاده أن "الأنظمة غير المنفتحة محليًا نادرًا ما تكون لها استعدادات للانفتاح إقليميًّا"22. شدّد الرئيس التونسي السابق، منصف المرزوقي (فترة ولايته -2011 2014) في شتاء 2012، مردّدًا صدى مقولة أنصار نظرية السلام الديمقراطي في حقل العلاقات الدولية القائلة إن "الديمقراطيات لا يحارب بعضها بعضًا"، على أن التسلطيات لا يتحد بعضها مع بعض23. ويأتي تشديد المرزوقي على التسلطية بوصفها عائقًا أمام الاندماج المغاربي في سياق الزخم الذي عرفته الثورتان التونسية والليبية آنذاك، إذ قصد بالتسلطيات (استعمل مفردة الدكتاتوريات) نظام زين العابدين بن علي ونظام معمر القذافي، ولأسباب دبلوماسية على الأرجح لم يأتِ على ذكر النظامين الجزائري والمغربي،

  1. سبق، في 19 آذار/ مارس 1983، أن وقعت الجزائر معاهدة "إخاء ووفاق" مع تونس على أمل أن تكون أساسًا لتعزيز "علاقات الجوار الإيجابي والتعاون الأخوي القائمة بين دول المغرب العربي الكبير"، وانضمت إليها موريتانيا في 13 كانون الأول/ ديسمبر من العام نفسه. الرائد الرسمي للجمهورية التونسية، العدد يُنظر: معاهدة "إخاء ووفاق"، 53، 1983/8/5، ص 2190، شوهد في 2020/4/20، في https://bit.ly/2rGovKz:
  2. Bélla Balassa, The Theory of Economic Integration (California: R.D. Irwin, 1961).
  3. من المدهش أن تجربة الاندماج الإقليمي الأوروبية أخذت المسار نفسَه الذي نظّر له بالاسا.
  4. من المفارقة، تاريخيًّا، أن روح الاندماج الإقليمي كانت أعلى خلال مرحلة ما قبل
  5. عبد النور بن عنتر، "البعد الأمني لإشكالية الاستعصاء التكاملي في المغرب العربي "، ورقة قدمت في الملتقى الدولي "التحديات والرهانات في منطقة شمال أفريقيا"، قسم العلوم السياسية، جامعة سكيكدة، الجزائر، 2013/11/20-19، ص 14. (تم الاقتباس بموافقة من الباحث.) " المرزوقي: هذا عام المغرب العربي الكبير"، 22 الجزيرة نت، 2012/1/12، شوهد في 2019/12/6، في https://bit.ly/342KJDE:
  6. الاستقلال، بين حركات التحرر من الاستعمار، منها في مرحلة ما بعد الاستقلال، بين الدول ذات السيادة.

رغم مركزية سلوكهما المعيق عبر الإصرار على ربط مصير الاندماج المغاربي بخلافاتهما الثنائية. صحيحٌ أن الديمقراطية تمثّل مدخلً نحو الاندماج، وهو ما تثبته التجربة الأوروبية، غير أن الأمر بالتأكيد لا يتعلق، فقط، بشكل نظام الحكم السياسي، لكنه يتعلق أكثر بمدى انفتاح الحقل السياسي وأثر ذلك في الحقل الاقتصادي. لذلك، فالموضوع في حاجة إلى مقاربته من منظور الاقتصاد السياسي (الدولي)، حيث يجري البحث في الكيفية التي يتآثر24 بها السياسي والاقتصادي، محليًّا وإقليميًّا. يزودنا عبد النور بن عنتر بمقدمةٍ متسقة للكيفية التي تمثّل بها الديمقراطية مدخلً للاندماج الإقليمي25، إذ يوالف بين مقاربتين أساسيتين في هذا الصدد: المقاربة الليبرالية المؤسساتية التي تعتبر، استنادًا إلى أفكار إيمانويل كانط، الحوكمة الديمقراطية، والاعتماد المتبادل والمنظمات ما بين الحكوماتية، أدواتٍ فعالةً للتلطيف من حدة المعضلة الأمنية26 الملازمة للنظام الدولي؛ ومن ثمّ، فإن التصرف تحت وطأة الشعور باللاأمن سيبقى طاغيًا على الدول التي تفتقر العلاقات فيما بينها إلى ما يكفي من هذه الأدوات، والمقاربة البنائية التي تركز على العمليات السياسية الداخلية، والمأسسة، والتفاعلات البينذاتية، والتعلم/ التلقين والإقناع، والتنشئة الاجتماعية، ومسارات التذويت27، وتحويل الهويات، وغيرها من الآليات التي من خلالها تتطورُ الثقة المتبادلة والهويات المشتركة، وهي جميعها آليات، لا يمكن أن تشتغل إلا في فضاء سياسي منفتح محليًّا، ممهدة بذلك للانفتاح إقليميًّا. من جهة أخرى، واستنادًا إلى المقاربة البنائية القائلة إن هويات الفواعل، بوصفها مُشَكِّلة لمصالحها، ليست ثابتة كما تزعم المقاربات العقلانية، يمكن المحاجّة بأن الكيفيات التي تحدد بها الدول مصالحها يمكن أن تتغير بتغير هوياتها، وذلك عبر طيف واسع من العوامل التصورية أو المتعلقة بالأفكار Ideational، نحو القيم، والمعايير، والإدراكات، والمعارف، والحجج، واللغة، والخطاب، وغيرها مما يندرج ضمن الفهوم الجماعية والبينذاتية القادرة على تحويل الهويات المحلية المنكفئة على ذاتها، إلى هويات إقليمية منفتحة على الآخر الإقليمي، والقادرة أيضًا على جعل الدول قادرة على إعادة تعريف مصالحها وأدوات تعزيزها. فضلً عما سبق، يوالف بن عنتر بين تشكُّل ثقافة اندماجية (مغاربية)، والضغوطات/ التحفيزات الاقتصادية والسياسية الخارجية، وبروز دولة تتولى دور المشيّد الإقليمي، بوصفها عوامل يمكن أن تساهم مجتمعة في الدفع بمشروع الاندماج المغاربي نحو الأمام، مجادلً بأن "دور الأفكار ومعايير [السلوك] – ذات التشكل المحلي المنشأ والمدعومة بنقل خارجي (الاتحاد الأوروبي بالنسبة إلى الشق الاقتصادي والسياسي والحلف الأطلسي بالنسبة إلى الشق الدفاعي والأمني) للمعايير – ضروري في تشكيل هوية إقليمية مغاربية"28. بعيدًا عن الخطاب الشعبوي القائل بأن الاندماج المغاربي "حلم الشعوب" المغاربية، وأن وجود أنظمة حكمٍ غير ديمقراطية هو ما يُحوّل هذا الحلم إلى سرابٍ محض، ينبغي الانتباه إلى أن الاندماج لا يتحقق آليًّا فور وصول نخب سياسية شرعية إلى الحكم، عبر انتخابات شفافة. على نقيض ذلك، غالبًا ما يبدأ الاندماج عبر مسار تقني لاسياسي Apolotical، ويشمل في البداية ما تسميه أدبيات الوظيفيين Fonctionalists، وهم أبرز من أسّس لنظريات الاندماج الإقليمي، حقل السياسات الدنيا (مثل الاقتصاد والتجارة) التي نادرًا ما تعرف الاستقطاب السياسي والأيديولوجي الذي تعرفه مسائل السياسات العليا (مثل الأمن والدفاع.) ومن اليسير ملاحظة أنّ السياسات الدنيا ترتبط بحاجات الناس الأساسية أكثر مما ترتبط بقيمهم، ما يجعل إمكانية "نقل الولاء" في هذه المسائل، من المحلي إلى الإقليمي، أسهل، في انتظار أن يُنتِج فعل الانتشار Spill-over تقدمًا بعيد المدى على مستوى اندماج السياسات العليا. وفي نهاية المطاف، تثبت التجارب العالمية أن إدماج السياسات العليا لا ينبغي أن يطرح بوصفه هدفًا مُلِحًّا لأي مسار اندماجي ناشئ، بل ينبغي التركيز على مسائل السياسات الدنيا. إن التمييز بين السياسي والاقتصادي مهمّ جدًّا هنا، لأنه يسمح بنقل التركيز من دور النخب السياسية Elites Political، الذي غالبًا ما يكون على أحسن تقدير بطيئًا وعلى أسوأ تقدير مُعيقًا،

  1. يتآثران بمعنى يؤثران. وفي الوقت نفسِه، يتأثر أحدُهما بالآخر.
  2. بن عنتر، "البعد الأمني"، ص.16-14
  3. يستند الواقعيون في تفسير الصراع بوصفه سمةً تاريخيةً، حتميةً ودائمةً، في العلاقات الدولية إلى مفهوم المعضلة الأمنية التي تواجهها الدول باستمرار، وهو مفهوم بنيويّ يتعلق بالبنية الفوضوية للنظام الدولي، إضافة إلى سمة الاعتماد على النفس. فالدول، بسبب الفوضى، ومن ثمَّ اعتمادها على نفسها، تتخذ إجراءاتٍ لتعزيز أمنها، وبصرف النظر عن كونها ذات طابع دفاعي أو هجومي، فإن الدول الأخرى تفسر تلك الإجراءات على أنها خطر محتمل على أمنها الداخلي. إن حالة الشك وعدم الثقة الدائمتين حيال الاستعدادات العسكرية التي تقوم بها الدول الأخرى من شأنها أن تؤدي بالدول مجتمعة إلى دوامة من الفعل ورد الفعل، أي إن الشعور بندرة الأمن يولد مزيدًا من الشعور باللاأمن، ما يجعل احتمال قيام الحرب أمرًا ممكنًا على الدوام. وحتى عندما يسود اعتقادٌ بأن دولةً ما تضمر نيّات حسنة، يبقى هناك تخوف دائم من أن تتبدل هذه النيات. ينظر: John Baylis, "International and Global Security in the Post-Cold War Era," in: John Baylis & Steve Smith (eds.), The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations , 2 nd ed. (New York: Oxford University Press, 2001), pp. 303-304.
  4. يُقصد بالتذويت Internalization تحول معايير السلوك إلى قواعد مفروغ منها، إذ
  5. يصبح الامتثال لها عملية آلية. 27 بن عنتر، "البعد الأمني"، ص.16

إلى دور النخب البيروقراطية، والنخب التكنو-اقتصادية، والنخب السياسية بمعنى النخب الوظيفية التي تعمل على مستوى أجهزة صنع السياسات العامة Policy-Elites، وهو دور يتسم بالنجاعة والآنية. وفي مراحل متقدمة من التمكين لعمل هذه الأخيرة، من المرجح أن تبرز نخب وتحالفات نخبوية سياسية اقتصادية ذات تطلعات إقليمية، تؤسس حتى لبرامج انتخابية يقوم جوهرها على هدف الاندماج الإقليمي البعيد المدى، بعد أن يكون الوعي الجمعي بالهوية "الإقليمية" قد بلغ مبلغه، مطالبًا بالتمكين على مستوى البرامج والسياسات والأجهزة الفاعلة. لا يمكن هذه النخب اللاسياسية أن تنشأ وتنضج، وتمارس فعلها في الدفع نحو الاندماج، إلا ضمن بيئات محلية يتسم فيها الحقل السياسي بالانفتاح والإشراك Inclusion، وتسمح بتطور قطاعين أساسيين: أولً، قطاع مدني غير حكومي (مجتمع مدني) بنّاء، وغير مسيس (لا يخضع لسياسات التضييق والإقصاء والزبونية)، وقادر على المساهمة في تحويل الهويات المحلية وأقلمتها، وذلك عبر خلق نسيج اجتماعي شبكي يربط تطلعات المجتمعات المغاربية بعضها ببعض، خاصة في الفضاءات الحدودية المشتركة بين الدول. وثانيًا، قطاع اقتصادي خاص مُنتِج، وفعّال، ومبادر، وقادر على الضغط على الحكومات من أجل عبور الحدود (الحدود المعيقة لحركة التجارة والخدمات، والاستثمارات والعمالة)، ومندمج في الفضاء السياسي عبر علاقاتٍ صحية بالمجتمع المدني المحيط به، بما في ذلك الحركات النقابية. وبهذه المواصفات، يمكن القطاع الخاص أن يدشن الشبكات والشراكات العابرة للحدود الضرورية لعملية الاندماج الإقليمي.

4. الفضاءات الحدودية المشتركة والتجارة الموازية عبرها: فرصة ضائعة أخرى

في الوقت الذي تتضاءل فيه مستويات التجارة البينية عبر حدود المغرب العربي لصالح التجارة الخارجية مع الشركاء الأجانب، تنشط عبر تلك الحدود، وعلى نحوٍ متنامٍ، شبكاتُ تهريب المواد والسلع مُشكِّلةً أنماطًا قائمة وراسخة لتجارةٍ بينية موازية. يشير تنامي هذه الأنماط إلى مسألتين أساسيتين: تتمثل الأولى بأن ثمة إمكانيات فعلية للتبادل البيني، لكنها تبقى مهدورة وتتمظهر في شكل شبكات موازية وغير شرعية، أما الثانية فتتمثل بأن الفضاءات الحدودية المشتركة تبقى عرضة للتهميش التنموي، ما يدفع سكانها إلى امتهان التهريب مصدرًا للمعيشة وبديلً من البنى الاقتصادية التي فشلت الدول في توفيرها لهم على تخوم الحدود المغاربية. تقع المناطق الحدودية المشتركة بين دول المغرب العربي على هوامش الديناميات السياسية والاقتصادية. فهي تعاني الحرمان من موارد التنمية ومنافعها، كما تعاني الإقصاء من الحقل السياسي. لذلك، فإن أنماط الحرمان والإقصاء التي تعرفها مجتمعات هذه المناطق، على طرفي الحدود، هي التي تدفعها إلى الاعتماد على التهريب لضمان العيش اليومي؛ وبذلك يصير التهريب ممارسة يومية تعوّض الغياب الاقتصادي للدولة فيها، كما يصير التهريب مظهرًا من مظاهر التمرد اليومي على الحضور السياسي للدولة، متمثلً بالحدود والحواجز والجدران. إن مفردة "التهريب"، بالنسبة إلى هذه المجتمعات، تنطوي على انحياز معياري في لغة الخطاب السياسي إلى الحكومات، فهم يؤمنون بأنهم لا "يهرّبون" عبر الحدود، لأنها بالنسبة إليهم إمعانٌ في حرمانهم والإبقاء عليهم على الهامش، وإنما "يتبادلون" بينهم، التبادل فحسب، لأنه ما من مصدرٍ آخر للعيش اليومي توفّره لهم حكوماتهم، وهم في نهاية المطاف لا يقترفون سلوكًا "غير مشروع"، لكنهم فقط يمارسون نشاطًا تصنفه المنظومة القانونية (الدولية) بأنه نشاط "غير شرعي." ففضلً عما سبق، تقع المناطق الحدودية على هوامش الحقل الوظيفي للدولة، اقتصاديًّا وسياسيًّا، وهو ما يؤثر على نحو مباشر في درجة ولاء المجتمعات المحلية، القاطنة في هذه الفضاءات، تجاه الهويات "الجامعة" المتشكِّلة وطنيًّا. كما يدفع ذلك، هذه المجتمعات، نحو تشكيل هويات محلية، لكنها عابرة للحدود، قائمة على علاقات تضامنية بين الأفراد وأساسها هو اقتسام الهم اليومي وظروف التهميش الناتج من غياب الدولة وهشاشة هويتها الوطنية الجامعة في هذه المساحات، الجغرافية والاجتماعية والمجتمعية في الوقت نفسه. إن هذا الاقتسام هو ما يمنح الهويات المتشكلة ميزة الانفكاك من الأبعاد السياسية القريبة من فكرة الاستقطاب والمميزة لسياسات الهوية "الصلبة" على سبيل المثال. فما نسميه الهم اليومي وظروف التهميش يجمع التجمعات المتجاورة، والقاطنة على طرفي الحدود في ممارساتٍ ذات طابع مجتمعي واقتصادي تخترق أشكال المعاناة المشتركة رغم اختلاف هذه الحدود. وانفكاكُ ذلك عن البعد السلطوي المتضمن في السياسة على هذا النحو، هو ما يجعل البعد الاقتصادي – الاجتماعي القائم على فكرة التبادل والتشارك والتواصل، الأقرب إلى تحقيق الشعور بهذه الهوية "الناعمة" التي تعد عابرة للحدود و"إقليمية" بالمعنى الإيجابي للكلمة. ومن ثم نؤسس على قدرتها مستقبلً على "تليين" الحدود السياسية الصلبة، وليس على إلغائها بالضرورة، ومن ورائها العلاقات السياسية المتأزمة، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار باقي المشتركات الأخرى.

بالعودة إلى ما تمت الإشارة إليه في مستهل هذا المحور، يبدو أن الديناميات الاقتصادية ضمن المناطق الحدودية المشتركة تثبت وجود إمكانيات فعلية للتبادل البيني، لكنها تبقى مهدورة وتتمظهر في شكل شبكات موازية وغير شرعية، ومن المرجح أن الاندماج الإقليمي لا يتعارض مع زخمها المتزايد، لكنه سيؤدي بدلً من ذلك إلى توفير الآليات القانونية الكفيلة بضبطها وإدماجها في حركة التجارة البينية العابرة للحدود. ومن جهة أخرى، يبدو أن الهويات المحلية، القائمة على علاقاتٍ تضامنية بين السكان، والمتشكلة على طرفي الحدود، في إمكانها أن تفند الفرضية الشائعة القائلة بأن الهويات الوطنية "ثابتة"، وأنها تقاوم التحول نحو هوية إقليمية ما فوق وطنية. لا يتعلق الأمر بالشق الاقتصادي/ التجاري فحسب، لكنه يتعلق أيضًا بالجانب الأمني. إن العمل الثنائي المشترك بين دول المغرب العربي، من أجل إدارة التحديات التي تطرحها المناطق الحدودية المشتركة، من شأنه أن يُشكّل فضاءً لتعلم الاندماج الإقليمي. تتعامل الحكومات المغاربية مع المناطق الحدودية بوصفها مصادر للتهديدات الأمنية العابرة للحدود، مع أنها تتحمل المسؤولية حيال تنامي تلك التهديدات، إذ بدت في السابق كأنها تمارس "سياسة غض البصر" عن نشاطات تهريب السلع الأساسية (مثل الوقود والمواد الغذائية)، التي تشكل مورد العيش الرئيس لسكان تلك المناطق، والتي تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار المجتمعي على تخوم حدودها. لقد كانت "تغض البصر" عن تلك النشاطات حتى لا تزيد عبئًا إضافيًّا على أعباء جهدها التنموي الذي يعرف، منذ السنوات الأولى للاستقلال، فشلً مزمنًا حتى في المراكز، فضلً عن الأطراف. غير أن التحولات الأمنية التي شهدها الإقليم خلال العقود الأخيرة، بيّنت أن شبكات تجارة السلاح والجماعات الإرهابية وشبكات الإجرام المنظم في إمكانها أن تتحكم في الأساليب والأدوات والطرق والمعابر نفسها التي تستعملها شبكات تهريب السلع الأساسية المتسامَح معها نسبيًّا. ومن هنا، شرعت الحكومات في أمننة الحدود وعسكرتها على نحو غير مسبوق، وصل إلى حد غلقها أو تعزيز كبح الحركة عبرها من خلال وضع مزيد من منظومات المراقبة الأمنية أو تشييد المزيد من الأسيجة والجدران العازلة. تَظل الحلول الأمنية لمشكلات انعدام الأمن في المناطق الحدودية الطرفية، وانعكاسه على الأمن القومي للدولة، غير كافية؛ إذ تثبت التجربة أن الاستجابة ينبغي أن تكون مركبة على نحو يسمح لها بالتعامل مع السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المسبِّبة لانعدام الأمن في تلك المناطق، وبذلك يصير الأمني جزءًا من الحلِّ، لا الحلّ في حد ذاته. يتعلق الأمر هنا بالإقصاء السياسي والحرمان الاقتصادي والشعور بالحرمان والإحباط بوصفها دوافع أصيلة خلف جنوح سكان المناطق الحدودية نحو العنف والتمرد. وفي حالة الإرهاب على سبيل المثال، غالبًا ما تُؤتي الاستجابات الأمنية/ العسكرية، وخاصة في ظل تنسيق استخباراتي بينيّ فعال، أُكلً آنيًّا، كما حدث على الحدود الجزائرية - التونسية؛ لكن جذور الإرهاب، بوصفه تمظهرًا للحرمان والتهميش والإقصاء، ستبقى ماثلة على المدى الطويل، وستتطلب من الدولتين على طرفي الحدود ما هو أبعد من التنسيق الأمني. لا بد من عمل مشترك من أجل تنمية المناطق الحدودية الطرفية29، مع السهر على الاستثمار في الوشائج، المادية والاجتماعية، المتشكّلة على طرفي الحدود بوصفها زخمً محتملً للاندماج الإقليمي عبر الحدود. وينبغي، عند هذه المرحلة، نزع سِمة التهديد الأمني Desecuritizing عن شبكات التهريب السيئة الصيت، بوصفها ردَّ فعلٍ عارضًا حيال الحرمان والإهمال والنسيان من طرف الدولة، لا فعلً مُمنهجًا ضد سلطة الدولة في حد ذاتها. ومن جهةٍ أخرى، يدعو أنور بوخرص إلى (إعادة) الاعتراف بالخصوصية التاريخية والجغرافية للمناطق الحدودية الطرَفية في المغرب العربي، مشيرًا إلى التلاعب الذي شمل السرديات التاريخية التي تصورها للمتلقي بوصفها "مناطق نائية ومهجورة مليئة بالمنشقين والخارجين عن القانون." لذلك، فإن "تضميد جراح الماضي يتطلب من الحكومات تطوير مبادرات تؤكد مساهمة مجتمعات هذه المناطق في كتب التاريخ والقوانين والنصب التذكارية والمعارض وغيرها. وإذا كان ذلك مصحوبًا بنشاطات تنموية تلبي الاحتياجات الإقليمية – في حالة تونس والجزائر، تحسين إدارة الموارد الطبيعية واستثمار جزء منصف من مكاسب الموارد المحلية في مشاريع محلية – فإنه يمكن هذه المبادرات أن تساعد في التخفيف من حدة مشاعر الغضب والاستياء بين المجتمعات الطرَفية"30. 5ً. الاندماج بوصفه مدخلّا للأمن بتكاليف أقل هل يؤدي الاندماج الإقليمي، بما ينطوي عليه من "إرخاء" الحدود البينية، إلى تعزيز، أم إلى تقويض أ مُون الدول الأطراف؟ طبعًا، في حالة المغرب العربي، وعند هذه المرحلة البعيدة تمامًا عن أي مشروع جدّي للاندماج، سيكون من سبيل الصدق مع الذات الاكتفاءُ بالحديث عن أمونٍ وطنية Securities National، حبيسة جغرافيًا، بدلً من

  1. ينبغي أن يتم العمل المشترك هنا على ثلاث خطوات على الأقل: جذب الاستثمارات نحو المناطق الحدودية الطرفية، وتحرير حركة الاستثمارات عبر الحدود بما يسمح بالتكامل بين المشاريع الاقتصادية وتبادل وجهات النظر بشأن الأولويات التنموية، وإشراك المجتمعات المحلية وتمكينها.
  2. Anouar Boukhars, "The Maghreb's Fragile Edges," Africa Security Brief , no. 34 (2018), accessed on 8/12/2019, at: https://bit.ly/2E2b4qW

الحديث عن أمنٍ إقليمي مغاربي Security Regional. ورغم أن الإجابة عن السؤال الآنف طرحُه تبدو بديهية، تستمد بداهتها من التجارب الإقليمية عبر العالم (وخاصة في أوروبا وجنوب شرق آسيا)، فإن الإجابات المناكفة لا تنفكُّ تطفو إلى السطح، من هنا ومن هناك، ملُاجِجةً أن الحدود المفتوحة من شأنها أن تؤدي إلى تقويض الأ مُون الوطنية للدول على طرفي الحدود، وأن تدفق التهديدات الأمنية يتنامى أكثر عبر الحدود المفتوحة و/ أو غير المراقبة. على نقيض ذلك، تذهب أدبيات مختصة عديدة إلى أن تدفق التهديدات الأمنية يعد شرطًا للحالة الإقليمية، أهم من القرب الجغرافي؛ فالتهديدات المشتركة هي ما يجعل الدول تترابط ببعضها، ويعتمد بعضها على بعض، بغضّ النظر عن مواقعها الجغرافية. وإذا كانت الجغرافيا مهمة، فهي تستمد أهميتها من مصدر التهديدات التي تجعل مجموعةً من الدول تنخرط في حالةٍ إقليمية أمنية، حتى إن كانت غير متجاورة جغرافيًّا. لا ينبغي أن ننسى الدرس الذي تُعلِّمنا إياه ضرورات الإدارة "المشتركة" للتحديات التي تطرحها المناطق الحدودية الطرَفية "المشتركة." ووفقًا للمنطق نفسِه، من الواضح أنّ تدفق التهديدات عبر الحدود البينية يمكنه أن "يعلّم" الدول على طرفَ الحدود الكثير للانتقال من المقاربة لأ مُونِها وطنيًّا إلى المقاربة لأمنها المترابط Interconnected، والمتعالق Interrelated، إقليميًّا. ولا يتجلى الإقليمي، هنا، في التنسيق الأمني والاستخباراتي فحسب، لكنه يتبدى أيضًا في اقتسام الأعباء والتكاليف، المادية والاجتماعية، التي تتطلبها الاستجابة لجذور انعدام الأمن ومصادره.

خاتمة

قدمت هذه الدراسة، في محورها الأول، ملخصًا مقتضبًا لتقرير صندوق النقد الدولي، الصادر عام 2018، حول وضع الاندماج الإقليمي في منطقة المغرب العربي، بينما حاولت، في محورها الثاني، التأمل في المضامين غير الاقتصادية لسببية استعصاء الاندماج المغاربي، ساعية إلى ردم الفجوة الناجمة عن غياب الاقتصادي ‑ السياسي في التقارير الاقتصادية الصرفة التي تتناول هذه الإشكالية. كما عملت الدراسة على تفكيك أسطورتين مؤسَّستين رئيستين يقوم عليهما منطق الفشل المزمن للاندماج المغاربي: مركزية الخلاف الجزائري - المغربي، وتباين الأنظمة الحاكمة في دول المغرب العربي. وقدمت الدراسة جملةً من المحاجّات بشأن ذلك، أبرزها: أنّ الخلاف الجزائري - المغربي قد يكون معيقًا للاندماج المغاربي، لكنه ليس مُعطِّلً له بالضرورة، وأنّ اتحاد المغرب العربي، ببنيته المؤسسية الحالية التي ترهن اشتغاله بالسيادات المطلقة للدول الأعضاء، ومن ثَمَّ بالخلاف الجزائري - المغربي، هو ما يُشكّل مُعطّلً، سواء لإصلاحه من الداخل أو لبروز أي مساراتٍ بديلة، كالمسارات الثنائية الأطراف، وأنّ الديمقراطية يمكن أن تمثّل مدخلً نحو الاندماج، غير أن الأمر لا يتعلق فقط بشكل نظام الحكم السياسي، لكنه يتعلق أكثر بمدى انفتاح الحقل السياسي وأثر ذلك في الحقل الاقتصادي، وأن الإدارة المشتركة للتهديدات (الأمنية) والتحديات (التنموية) التي تطرحها المناطق الحدودية الطرَفية "المشتركة" تمثّل فضاءً ملائمًا لتمكين الدول على طرفي الحدود من "تعلّم" ممارسة الاندماج الإقليمي.

  1. ينظر، على سبيل المثال: الفصول الواردة في الكتاب الجماعي الذي حرره ديفيد لايك وباتريك مورغن: David Lake & Patrick Morgan (eds.), Regional Orders: Building Security in a New World (Pennsylvania: Pennsylvania State University Press, 1997).

المراجع

العربية

بن عنتر، عبد النور. "البعد الأمني لإشكالية الاستعصاء التكاملي في المغرب العربي." ورقة قدمت في الملتقى الدولي "التحديات والرهانات في منطقة شمال أفريقيا." قسم العلوم السياسية. جامعة سكيكدة. الجزائر، 2013/11/20-19. ________. "تهديدات غير وجودية: الارتهان المغاربي لصراعات ما دون الحرب." السياسة الدولية: ملحق تحولات استراتيجية. العدد 191 (كانون الثاني/ يناير 2013.) كيرييف، ألكسي [وآخرون.] الاندماج الاقتصادي في المغرب العربي: مصدر للنمو لم يُستغلّ بعد. سلسلة دراسات صندوق النقد الدولي. واشنطن دي سي: صندوق النقد الدولي،.2018

الأجنبية

Aarts, Paul. "The Middle East: A Region without Regionalism or the End of Exceptionalism?" Third World Quarterly. vol. 20, no. 5 (1999). Balassa, Bélla. The Theory of Economic Integration. California: R.D. Irwin, 1961. Baylis, John & Steve Smith (eds.). The Globalization of World Politics: An Introduction to International Relations. 2 nd ed. New York: Oxford University Press, 2001. Boukhars, Anouar. "The Maghreb's Fragile Edges." Africa Security Brief. no. 34 (2018). at: https://bit.ly/2E2b4qW Lake, David & Patrick Morgan (eds.). Regional Orders: Building Security in a New World. Pennsylvania: Pennsylvania State University Press, 1997.