الديمقراطية المنتخبة والاستبداد النافذ:

Imad Alsoos عماد الصوص |

الملخّص

تفسِّ ر الدراسات العوائق التي تحول دون التحول الديمقراطي في دول الشرق الأوسط باعتبارها شكل ا من أشكال النيوباتريمونيالية؛ وهي مزيج بين الباتريمونيالية التقليدية والإجراءات الانتخابية الشكلية. إل ا أن نهج الدراسات هذا لا يميّز، بل يجمع، بين مجالين من مجالات الحوكمة: أولهما الحكومة بوصفها مجال ا للسياسيين المعيّنين أو المنتخبين، وثانيهما بيروقراطية الدولة بوصفها مجال ا للموظفين الإداريين الذين تحتاج إليهم الحكومة لتنفيذ إجراءاتها المزمعة. بناءً على ذلك، ومع التركيز على العوائق التي واجهتها حكومة حماس المنتخبة (2007-2006)، تفرق الدراسة من الناحية النظرية بين نوعين من الحكومات: الحكومة في منصب الحكم، والحكومة في السلطة. وبينما كان من المفترض أن تتقل د حكومة حماس الحكم، رفض الموظفون الإداريون الامتثال والاستجابة. وتبعً ا لذلك، واجهت الحكومة المنتخبة قيودًا مؤسساتية محلية وخارجية، عرقلت سير عملها وأثارت صراعًا على السلطة، ما أدّى إلى اشتعال حرب داخلية وانهيارٍ للديمقراطية الانتخابية. كلمات مفتاحية: السلطة الفلسطينية، حماس، حركة فتح، الاستعمار الاستيطاني. Scholarship explains impediments to democratic transition in Middle Eastern countries as forms of neopatrimonialism - a combination of patrimonial tradition and cosmetic electoral procedures. However, this approach conflates two spheres of governance: firstly, the government as a sphere of appointed or elected politicians, secondly, the state's bureaucracy as a sphere of administrative staff necessary for the government to execute its planned actions. The impediments Hamas governments (2006-2007) faced highlight the difference between the two spheres. Accordingly, I conceptually differentiate between two types of government: government in office and government in power. While the Hamas government was supposed to rule, the administrative personnel refused to comply. Thus, the elected government in office faced local-institutional and external constraints which prevented its functioning, and provoked power struggles that led to internecine war and the collapse of the electoral democracy. Keywords: Palestinian Authority, Hamas, Fatah, Settler Colonialism.

فشل الديمقراطية الانتخابية الفلسطينية، 2006 - 2007

Democracy in Office, Authoritarianism in Power:

The Failure of Palestinian Electoral Democracy, 2006 - 2007

مقدمة

تفسِّ الدراسات المُستقاة من نظرية الحكم (هيرشافت) لماكس فيبر أن العوائق التي تحول دون التحول الديمقراطي في دول الشرق الأوسط هي شكل من أشكال الإرثية المحدثة أو النيوباتريمونيالية1؛ أي مزيج بين الإرثية التقليدية والإجراءات الانتخابية الشكلية2. إلاّ أن نهج الدراسات هذا يجمع بين مجالين من مجالات الحوكمة: أولهما الحكومة بوصفها مجالً للسياسيين المعيّنين أو المنتخبين، وثانيهما إدارة الدولة بوصفها مجالً للموظفين الإداريين الذين تحتاج إليهم الحكومة لتنفيذ إجراءاتها المزمعة. وأوضح هنا كيف تلقي العوائق التي واجهتها حكومة حماس المنتخبة)2007-2006(الضوء على الفرق بين هذين المجالين. وتتمثّل حجّتي في أن إدارة الدولة المبنيّة على أساس تكوينات فصائلية عملت على شلّ عمل الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا والتعبئة ضدها، وصولً في نهاية الأمر إلى إطاحتها وإعادة إقرار النظام القديم. وبناءً على ذلك، أُفرّق، من الناحية المفاهيمية والتحليلية، بين نوعين من الحكومة: الحكومة في منصب الحكم، والحكومة في السلطة3. وبينما كان من المفترض أن تتقلّد حكومة حماس زمام الحكم والسلطة، عبر احتكار الاستخدام المشروع للقوة وإدارة مؤسسات الدولة الإدارية، إلا أن الموظفين الإداريين رفضوا الامتثال والاستجابة لتوجيهات وأوامر الحكومة. بناءً على ذلك، أُناقش في هذه الدراسة أن حركة حماس كانت في منصب الحكم (عبر الفوز في الانتخابات)، وأن إدارة الدولة كانت، برعاية حلفاء أقوياء ودعمهم، تملك النفوذ والسلطة. وتشير عبارة "في منصب الحكم" إلى حكومة منتخبة، تتألّف من وزراء غير موالين للنخبة التقليدية الحاكمة، يتولّون مناصب سياسية، ويديرون من خلالها بيروقراطية معادية، تهدف إلى عرقلة عملهم وإبعادهم عن مناصبهم (المقررة ديمقراطيًا) لإعادة إقرار النظام القديم. أما عبارة "في السلطة"، فتشير إلى نظام سياسي مبنيّ على أشكال من الولاء الحزبي الفصائليّ الذي يتغلغل في إطاره المؤسسّي بأكمله. وهذا التقليد القائم على الولاء ليس عقلانيًا ولا قانونيًا، بالنظر إلى الدولة باعتبارها كيانًا متخيلًاّ، وفقًا لما يشير إليه ماكس فيبر ضمنيً4. ويمكننا القول إن سُلطات الدولة التي جاءت عن طريق الانتخابات، والتي تُهدّد استقرار أ سس النظام الاستبدادي القابع منذ زمن وتُزعزعه، قد فتحت الباب أمام التغيير على مستوى "منصب الحكم"، لكنها لم تُؤتِ ثماره بالضرورة. قبل أن أدخل في حوار نظري مع الدراسات المتعمّقة في التحولات السياسية وفشل الديمقراطية الانتخابية في فلسطين، وقبل الشروع في تحليل القيود المفروضة على حركة حماس في منصب الحكم، أطرح أولًالسؤال التالي: بالنظر إلى الأهداف غير الديمقراطية للسلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح، وشعبية حماس الكبيرة آنذاك، لماذا وافقت السلطة الفلسطينية في المقام الأول على فتح نظامها السياسي نسبيًا لأشكال الديمقراطية الانتخابية؟

أولا: الديمقراطية الانتخابية في فلسطين

1. انفتاح النظام السياسي للسلطة الفلسطينية على الديمقراطية الانتخابية

استند نظام السلطة الفلسطينية السياسي، في أثناء فترة تأسيسه في عام 1994، إلى مصادر ياسر عرفات الشعبية من القوى الناعمة (الإقناع) والتكنولوجيا القمعية الموجّهة خصيصًا لإسكات المعارضين والخصوم. وباختصار، أسفرت وفاة عرفات في عام 2004 وعدم قدرة السلطة الفلسطينية على استخدام القمع في عام 2005، عن تفكك مصادر حكم السلطة الفلسطينية وتمزيقها، ما سهّل الانفتاح النسبيّ لنظام السلطة الفلسطينية السياسي على الديمقراطية الانتخابية.

2. انقطاع مصادر الحكم التقليدية للسلطة الفلسطينية

حرمت وفاة عرفات، الذي لم يكن أيقونةً ورمزًا لحركة فتح فحسب، بل للشعب الفلسطيني برمّته، خلفاءه داخل السلطة الفلسطينية، بقيادة فتح، من مصادره الشعبية للحكم. ولشرح هذا الانقطاع،

  1. تم كذلك استخدام مصطلح الغنائمية في بعض المواضع الأدبية ترجمةً عربية للنيوباتريمونيالية.Neopatrimonialism
  2. Peter Pawelka, "Der Staat im Vorderen Orient über die Demokratie- Resistenz in einer globalisierten Welt", Leviathan , vol. 30, no. 4 (December 2002), p. 432; Jason Brownlee, "...And Yet They Persist: Explaining Survival and Transition in Neopatrimonial Regimes", Studies in Comparative International Development , vol. 37, no. 3 (Fall 2002), p. 35; Helga Baumgarten, "Neopatrimonial Leaders Facing Uncertain Traditions", in: Roger Heacock (ed.), Political Transitions in the Arab World (Birzeit: Ibrahim Abu-Lughod Institute, 2002), p. 48; Houchang E. Chehabi & Juan J. Linz, Sultanistic Regimes (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1998), p. 8; Juan J. Linz, The Breakdown of Democratic Regimes: Crisis, Breakdown, and Reequilibration (Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1978), p. 236.
  3. الحكومة في منصب الحكم، المنتخبة رسميًّا، ترجمة لعبارة office in Government، والحكومة في السلطة، النافذة، ترجمة لعبارة power in.Government
  4. Max Weber, Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology, Guenther Roth & Claus Wittich (eds.) (Los Angeles: University of California Press, 1978), p. 229.

سأقوم بتأطير مناقشتي ضمن مفهوم فيبر لمصادر الحكم (السلطة) الثلاثة: الكاريزمية، والتقليدية، والعقلانية القانونية5. السلطة الكاريزمية مستمدة من السمات غير العادية أو "الخارقة" التي يتحلّ بها القائد، لكنها مبنيّة أيضًا ومتأصلة على تصوّر المحكومين (الرعايا) أو انطباعهم6. كان مقام عرفات أو مكانته متجذرة، تحديدًا، في ارتباطه الوثيق بالقضية الفلسطينية7؛ إذ احتل مكانًا مهمً في الوعي الوطني للشعب الفلسطيني منذ وقفته "البطولية" في معركة الكرامة في عام 1969 8. وحتى في أدنى مستوياتها، تجاوزت شعبية عرفات شعبية الشخصيات الفلسطينية الرئيسة والبارزة الأخرى، مثل الشيخ أحمد ياسين أو حيدر عبد الشافي9. كما وافق معظم الفلسطينيين وأجمعوا، في الداخل وفي الشتات، على قيادته. وفي هذا السياق قال أحد مؤسسي حركة القوميين العرب (الذي أصبح في ما بعد أول أمين عام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) جورج حبش: "قد نختلف مع عرفات، ولكننا لا نختلف عليه"10. ومع ذلك، فإن هذا النوع من الحكم أو السلطة مؤقت وعابر وماديٌّ، يذبل ويموت بموت الحاكم. وبالفعل، فإن هذه المكانة التي كانت لعرفات، لم يشاركه فيها أحد أو "يرثها" منه أيٌّ من قادة فتح، بمن فيهم الرجل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية وخليفته محمود عباس (أبو مازن.) من ناحية أخرى، تستمد السلطة التقليدية شرعيتها من علاقات الخضوع المباشرة أو الشخصية، كما هي الحال في المجتمعات التقليدية التي يسود فيها نظام عائلي أو قبلي قائم على القواعد والعادات الراسخة، حيث يقبل ويُسَلِّم الرّعايا المحكومون بهذا الشكل من الحكم باعتباره شرعيًا بسبب امتداد فترته وتطوّره، ليصبح تقليدًا وعُرفًا "في حد ذاته"11. وقبل تأسيس السلطة الفلسطينية في عام 1994، كان المجتمع الفلسطيني قائمًا في جوهره على القانون التقليدي والعُرفي12، مثلً، في طريقة حلّ النزاعات بين العائلات، حيث لم تحلّ السلطة الفلسطينية، بقيادة عرفات، محل هذه التقاليد، لكنها أعادت بناء تحالفات مع عائلات محلية وأ حْيَت وأضْ فَت الطابع المؤسسي على الشبكات التقليدية، مثل شبكات "المخاتير" (جمع مختار، وهم القادة المحليون التقليديون) للمصالحة بين الناس. وبُنِيت هذه السلطة التقليدية على مدى عقودٍ من ولاء هذه العائلات لعرفات. وفي المقابل، كان عباس جزءًا من نخبة سياسية افتقرت إلى الروابط مع العائلات والقبائل التقليدية. يقوم بناء فيبر النموذجي والمثالي للسلطة أو الحكم القانوني العقلاني على التكوين الذي تستمد فيه الحكومة شرعيتها من القانون واللوائح المعمول بها، ويمكن أن يتجسّد هذا النوع من السلطة، من بين سائر أنظمة السلطة، في الديمقراطية التمثيلية13. كما استخدمت السلطة الفلسطينية بقيادة عرفات هذا الشكل من الحكم لتبرير ممارستها السلطة "انتخابيًا." فعلى سبيل المثال، سمحت السلطة الفلسطينية بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في عام 1996، حيث كان من المتوقع أن يفوز بها عرفات وفتح. ومع ذلك، لم تُطبّق السلطة الفلسطينية هذا المصدر من السلطة أو الحكم على جهازها الإداريّ، مُفضّ لة بذلك الفئات أو الفصائل الموالية. وسأناقش أدناه كيف استند خُلفاء عرفات في فتح إلى الولاء الفصائلي (الحزبي الفئوي) من أجل إعادة إقرار حكم فتح وسلطتها في أعقاب فوز حماس بالانتخابات. كان خُلَفاء عرفات الذين زعموا أنهم "إصلاحيون" آنذاك، بقيادة محمد دحلان وعباس، على خلاف مع حكم عرفات، واصفين إياه ب "الإرثي" و"الفاسد"14. كما زعموا أنهم أدخلوا إصلاحات ديمقراطية قائمة على إجراءات عقلانية قانونية، معتبرين أنهم لا يملكون، أو يرفضون، مصادر السلطة التي كان عرفات يُعوّل عليها مسبقًا. وسأناقش أدناه كيف أن عرفات لم يكن، في حقيقة الأمر، في حاجة، بصفته حاكمً كاريزميًا وتقليديًا، إلى أشكال السلطة العقلانية القانونية لإضفاء الشرعية على حكمه، على العكس تمامًا من إدارة السلطة الفلسطينية وتشكيلها. وبناء عليه، لم ينتهج خلفاؤه أبدًا نهجًا قانونيًا عقلانيًا لإصلاح الإدارة، بل استخدموا، بدلً من ذلك،

  1. Ibid., pp. 212-254.
  2. Ibid., pp. 215, 400.
  3. Asad Ghanem, Palestinian Politics after Arafat: A Failed National Movement (Bloomington, IN: Indiana University Press, 2010), p. 16.
  4. Yazid Sayigh, Armed Struggle and the Search for State: The Palestinian National Movement 1949-1993 (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1997), p. 178.
  5. Palestinian Center for Policy and Survey Research, "Results of Poll no. 7: Appointment of Prim Minister, Political Reform, Roadmap, War in Iraq, Arafat's Popularity, and Political Affiliation", 3-7 April 2003, accessed on 20/1/2020, at: https://bit.ly/2uvXCtN
  6. محسن صالح فلسطين اليوم (محرر)، العدد، 3395، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2014/11/11، شوهد في 2020/9/7، في: https://bit.ly/367pNxd
  7. Weber, pp. 226-231.
  8. Jamil Hilal, The Palestinian Political System after Oslo: Analytical Critical Study (Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1998), pp. 77-78.
  9. Weber, p. 220.
  10. أحمد عيسى (ناشط من التيار الإصلاحي في حركة فتح)، مقابلة شخصية، غزة،.2012/4/4 سيتم في هذه الدراسة استبدال أسماء من أُجرِيَت معهم المقابلات بأسماء مستعارة بناءً على طلبهم. أما بالنسبة إلى القادة السياسيين الرسميين الذين يظهرون في وسائل الإعلام، مثل صلاح البردويل الناطق الإعلامي الرسمي لحركة حماس، فسأشير إليهم بالاسم.

الانتخابات فحسب لإضفاء طابع الشرعية على حكمهم وسيادتهم15، ولتلبية المطالب الدولية التي تُنادي بإجراء إصلاحات سياسية في السلطة الفلسطينية؛ ومن ثم تأمين التدفّقات المالية والمادية16. كما اعتبُر أن تلبية المطالب الداخلية لإجراء انتخابات "ديمقراطية" ضرورية للسيطرة على المعارضة الإسلامية الناشئة، أي حماس. وتجسّد هذا الاتجاه لاحقًا في اتفاقية القاهرة في عام 2005 التي صدّقتها الفصائل الفلسطينية الرئيسة17.

3. زوال القمع

أتاح مرسوم عرفات "السري [غير الرسمي"] الذي وضع حدًّا للقمع ضد حماس حتى تشارك في أحداث الانتفاضة الثانية)2005-2000(18، فرصةً لها لإعادة تشكيل نفسها (بما في ذلك عسكريًا)، ما جعل من الصعب على خلفاء عرفات لاحقًا عكس مسارها أو قلب الموازين المترتبة على ذلك. واختارت حماس سابقًا وخلال أواخر التسعينيات أسلوب الحوار والاسترضاء في تعاملها مع السلطة الفلسطينية على الرغم من اعتقال ناشطيها وتعذيبهم. وفي المقابلات كلها التي أجريتُها مع قادة حماس السياسيين والمحليين والناشطين، كانوا يميلون إلى سرد قصة اعتقالهم بين عامي 1995 و 2000 في سجون السلطة الفلسطينية وتعرّضهم فيها للإذلال والتعذيب. ومع ذلك، تسبب تراجع القمع بنقلة نوعية في فكر حماس، مُبشّبعد عام 2000ًا بحقبة جديدة لناشطيها الذين عقدوا العزم على فرض حضورهم وتحدي سياسة الملاحقات والاعتقالات السياسية من السلطة الفلسطينية19. وكما قال أحد ناشطي حماس: "إن العودة إلى فترة القمع السابقة لم تعد خيارًا ممكنًا"20. يضيف الناطق الإعلامي الرسمي لحركة حماس، صلاح البردويل، أنه خلال السنتين الأوليين من الانتفاضة الثانية)2002-2001(، بدأت المواجهات مع قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية على المستوى الفردي؛ عندما حاولت السلطة الفلسطينية اعتقال عبد العزيز الرنتيسي وإسماعيل أبو شنب. استند رفض ونبذ أوامر الاعتقال التي كانت تُصْدرها السلطة الفلسطينية إلى "مبادرات فردية" يدعمها كذلك بعض مقاتلي حماس؛ وبذلك أظهرت حماس "إجماعًا غير رسمي" ضد القمع السياسي21. ومع ذلك، رفضت حماس في عام 2005 القمع رسميًّا، وغدا ناشطوها "خطًّا أحمر لا يمكن أن تتجاوزه"22 تكنولوجيا القمع التابعة للسلطة الفلسطينية. فمثلًاشتبكت كتائب القسام التابعة لحماس وواجهت السلطة الفلسطينية عندما اعتقلت محمد الرنتيسي، نجل الشهيد الفلسطيني وأحد مؤسسي حركة حماس، عبد العزيز الرنتيسي، في عام 2005، وردّت عليها باستنفار قواتها في أجزاء مختلفة من غزة وإقامة حواجز عسكرية. وفي منطقة الزيتون في مدينة غزة، واجهت حماس المركبات المصفحة التابعة للسلطة الفلسطينية بالأسلحة المضادة للدبابات. وحققت السلطة بعدئذٍ الاستقرار من خلال إجراء مفاوضات مع حماس وإطلاق سراح الرنتيسي23. بخلاف الفترة 2000-1995، لم تتمكن السلطة الفلسطينية من نشر العنف في غزة، بل اضطر خلفاء عرفات إلى ممارسة المنطق الديمقراطي الذي أدّى بدوره إلى توفير فرص متزايدة لدخول حماس في النظام السياسي وإضفاء أهميتها السياسية والشعبية قانونيًا على النظام السياسي الفلسطيني. ودفع هذا التطور الإصلاحيين إلى تحريض إدارة الدولة الموالية للفصائلية الحزبية لإطاحة حماس واسترجاع منصب الحكم.

ثانيًا: الانتقال السياسي في فلسطين

1. تحديد موقع الحالة الفلسطينية من الدّراسات المتعل قة بالانتقال السياسي

لماذا تفشل الديمقراطيات الانتخابية في عمليات الانتقال سياسيًّا من مرحلة الاستبداد أو السلطة المطلقة؟ وكيف ذلك؟ للإجابة عن الجزء الأول من السؤال: "لماذا؟"، استندت الدراسات والاجتهادات إلى نهج النيوباتريمونيالية؛ إذ يكمن جوهر هذا النهج في أن الحكم

  1. في مقابلة مع مجموعة الأزمات الدولية، قال مسؤول أمن مصري، ساعد في التوسط بين حركتي حماس وفتح في تأجيل الانتخابات التشريعية من تموز/ يوليو 2005 إلى كانون الثاني/ يناير 2006: "سيصبح أبو مازن [الرئيس عباس] والسلطة الفلسطينية أقوى في غضون بضعة أشهر، وخاصةً بعد فك الارتباط مع غزة. وهذا هو الوقت الذي ينبغي فيه إجراء الانتخابات." ينظر: International Crisis Group, "Enter Hamas: The Challenges of Political Integration", Middle East Report , no. 49 (January 2006), p. 7.
  2. International Crisis Group, "The Meanings of the Palestinian Reform", Middle East Report , no. 2 (November 2002).
  3. النص الكامل لوثيقة إعلان القاهرة"، 17 دنيا الوطن، 2005/3/17، شوهد في 2020/1/20، في https://bit.ly/2RutzMl:
  4. عبد الرحمن حمد (سياسي فلسطيني شغل عدة مناصب حكومية)، مقابلة شخصية، غزة،.2012/10/14
  5. صلاح البردويل، مقابلة شخصية، غزة،.2012/11/4
  6. موسى علي، مقابلة شخصية، غزة،.2012/3/12
  7. البردويل.
  8. Ali.
  9. بيان صحفي تعقيبًا على قيام عناصر الشرطة بمحاولة اعتقال الأخ محمد الرنتيسي نجل الشهيد القائد د. عبد العزيز الرنتيسي،" الموقع الرسمي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، 2005/10/2، شوهد في 2020/9/7، في: https://bit.ly/33kCpB1

الاستبدادي أو الدكتاتوري مبنيّ على شبكات واسعة من العلاقات الإرثية التقليدية: الفرديّة الشخصية وغير الرسمية. ومع ذلك، تمّت إضافة الأحرف البادئة "نيو neo" لإبراز الهياكل المعقدة لمؤسسات الدولة الحديثة وبيروقراطيتها24. وبناءً على ذلك، تعمل شبكات النيوباتريمونيالية سويةً ضد المعارضة حتى في أوقات الانتقال السياسي من أجل إعادة ترسيخ الأنظمة القديمة ووضع حدٍّ للإصلاحات الديمقراطية25. وفي هذا الصدد، ينظر طارق دعنا وهيلغا بومغارتن ووريكس برينن إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها مجرّد نسخة أخرى من العلاقات النيوباتريمونيالية26. أما للإجابة عن الجزء الثاني من السؤال: "كيف؟"، تُركّز الدراسات المقارنة على الأسباب التي تؤدي إلى الانتقال السياسي في المقام الأول؛ لكن، حتى الآن، لا تزال الدراسات والمراجع التي تبحث في كيفية إعادة ترسيخ النظام الاستبدادي واستعادته السلطة بعد الانتخابات الديمقراطية، نادرةً. يخلص جيسون براونلي إلى أن النظام الاستبدادي يمكن أن يُعيد إقرار نفسه وترسيخها في حالتين: 1. اختراقه الدولة والمجتمع من خلال شبكات الحاكم القائمة على المصالح والمحسوبية؛ 2. إذا كانت درجة اعتماد الحاكم على دعم ووصاية قوة عظمى كبيرة. وبناءً على ذلك، سوف يتأتى أحد السيناريوهات التالية: "الاستقرار السياسي" أو "إعادة الإقرار/ الترسيخ" أو عدم الانتقال27. وبعد خمس سنوات، يدحض براونلي في كتابه الاستبداد في عصر الديمقراطية ويُفنّد نسبيًا العامل الخارجي المتمثل في دعم القوى العظمى ووصايتها، بل يركز، بدلً من ذلك، على تنظيم شبكات نيوباتريمونيالية واسعة. وبناء عليه، فإن المقياس الرئيس لنجاح عملية الانتقال السياسية إلى الديمقراطية هو درجة التماسك (أو عدمه) في تنظيم حزب النخبة الحاكمة28. بالتركيز على التحولات السياسية في أعقاب الربيع العربي، يرى عزمي بشارة أن تنظيم الأنظمة القديمة ودعم القوى العظمى ووصايتها، أمران لا ينفصلان: "أصبح التأثير الخارجي نشطًا وملموسًا، وإن لم يكن تأثيره حاسمً إلّ بفعل عوامل داخلية محلية"29. ويخلص بشارة إلى أن وجود العامل الخارجي أمرٌ حاسمٌ لتفسير فشل الديمقراطية الانتخابية المصرية وغيابه، وأمر حيوي لنجاح الديمقراطية التونسية30. تهدف هذه الدراسة المتعلّقة بفشل الديمقراطية الانتخابية الفلسطينية تحديدًا إلى تعزيز هذه الجهود التي تنظر وتحاول تفسير حالات "عدم الانتقال" السياسي. أحد الأسئلة التي تبرز في المقدمة هو كيف واجهت النخبة في السلطة وشبكات التنظيم النيوباتريمونيالية انقسامًا سياسيًا رأسيًا بين معسكرين: من يُسمّون الإصلاحيين (الموالين لدحلان وعباس)، والشرعيين31 (الموالين لعرفات) الذين دخلوا بين عامي 2004 و 2006 في لعبة حصيلتها صفر، أو تعادل، لمصلحة حماس في الانتخابات المحلية والتشريعية. وأّدى هذا الانقسام الداخلي إلى فوضى عارمة في العلاقات الباتريمونيالية داخل المجتمع. لكن، على الرغم مما تكشّف من انقسام داخلي وخسارة مصادر حكم عرفات، فإن الإصلاحيين تمكّنوا من عرقلة عمل الحكومة المنتخبة وإنهاء فترة الديمقراطية الانتخابية. وفي هذا الصدد ولتحقيق ذلك، يمكنني القول إنهم استندوا إلى الولاء المؤسسي الفصائلي الحزبي لإدارة الدولة، وتحالفوا مع القوى الاستعمارية الاستيطانية وضمنوا دعم قوة عظمى في سبيل ذلك. وتجسّد هذا في فرض قيود داخلية مؤسسية محلية وأخرى اقتصادية خارجية على حكومة حماس بهدف عرقلة سير عملها وإفشالها، ومن ثم دفعها في نهاية المطاف إلى ترك منصبها وإزاحتها عن الحكم. إن العلاقات الديالكتيكية أو الجدلية بين الجهاز الإداري التنظيمي للسلطة الفلسطينية وهيكل الاستعمار الاستيطاني، بالغة الأهمية، لأنها تعكس الخواص النوعية لنظام السلطة الفلسطينية. وركّزت الدراسات التي تبحث في الأنظمة النيوباتريمونيالية على النهج المتّبع

  1. Shmuel N. Eisenstadt, Traditional Patrimonialism and Modern Neopatrimonialism (London: Sage Publications, 1973), p. 11.
  2. Brownlee, "… And Yet They Persist", p. 35.
  3. Tariq Dana, "Crony Capitalism in the Palestinian Authority: A Deal among Friends", Third World Quarterly , vol. 41, no. 2 (January 2019), pp. 247-263; Helga Baumgarten, "Hamas: Election-Victory in Palestine. An Islamist Transformation to Democracy in a Neo-Patrimonial Rentier System", Orient , vol. 47, no. 1 (2006), p. 30; Rex Brynen, "The Neopatrimonial Dimension of Palestinian Politics", Journal of Palestine Studies , vol. 25, no. 1 (Autumn 1995), pp. 24, 30.
  4. Brownlee, "… And Yet They Persist", p. 38.
  5. Jason Brownlee, Authoritarianism in an Age of Democratization (Cambridge: Cambridge University Press, 2007), p. 13.
  6. عزمي بشارة، "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال الديمقراطي"، 29 سياسات عربية، العدد 38 (أيار/ مايو)2019، ص.12-8
  7. Azmi Bishara, "Democratic Transition and its Problems: Theoretical Lessons from Arab Experiences", Lecture was given at the Conference "Democracies in Formation: Arab Countries as a Test Ground for New Political Developments", Held at the College de France, Paris, 28/11/2019, accessed on 7/9/2020, at: https://bit.ly/2DChv7n
  8. سأستخدم الأسماء التي يُشاع استخدامها بين المعسكرين نفسيهما: "الشرعيّون " و"الإصلاحيون." ظهرت هذه الأسماء في عام 2003 بسبب الصراع على السلطة بين الرئيس عرفات وعباس (أول رئيس وزراء فلسطيني). وادّعى أنصار عرفات أن الرئيس كان قد حصل على تصويت شعبي مشروع، إلّ أن عباس جاء بالتعيين. وفي المقابل، ادّعى مؤيدو دحلان وعباس أنهم كانوا يهدفون إلى إصلاح السلطة الفلسطينية. وتجلّ المسمّيان خلال الاستعدادات للانتخابات الداخلية لحركة فتح في عام.2004

ما بعد الاستعمار، الذي أصبح فيه الجهاز التنظيمي التابع للحزب الحاكم محورًا للنقاش؛ إلّ أنّ قضية السلطة الفلسطينية وحالها يتطلبان تأطيرًا يلُائم السياق الاستعماري؛ فالسلطة الفلسطينية ليست نظامًا سياسيًا لسلطة الدولة من حيث وضع اللوائح ووسائل الإلزام بها، التي هي بدورها مُدارةٌ مركزيًا ومحدودةٌ إقليميًا. بل على العكس تمامًا، تخضع السلطة الفلسطينية لمطالب الاستعمار الاستيطاني إضافة إلى قمعها المقاومة المحلية. أمّا الإصلاحيون - الذين وقفوا في وجه نهج عرفات للمقاومة بعد عام 2000 32 - فقد وجّهوا الإدارة الموالية لتلبية مطالب الاستعمار الاستيطاني. ويمكن فهم هذا التوجيه ضمن إطار 'الرواتب مقابل السلام'، بدلا من 'الأرض مقابل السلام.' أما استمرار البيروقراطية، فكان في مقابل ولائه للنهج السياسي والأمني الجديد للسلطة الفلسطينية بقيادة الإصلاحيين. وكانت استمرارية البيروقراطي متوقفة على موالاته النهج السياسي والأمني الجديد للسلطة الفلسطينية بقيادة الإصلاحيين.

تلخيصًا لما سبق، لا تقوم إدارة السلطة الفلسطينية على علاقات غير رسمية أو شخصية فرديّة، بل على الولاء المؤسسي الحزبي الفصائلي الذي يركز على توزيع المناصب المؤسسية المتميّزة. كما يوضّ ح إخضاع السلطة لهيكل أوسلو ونظامه مجموعةَ القيود الداخلية والخارجية. 2. طرح نظرية الولاء الفصائلي - المؤسّ سي يمكن أن يقدم تأريخ فيبر لمصادر الحكم الثلاثة في الاقتصاد والمجتمع، رؤى مهمة بشأن الولاء الفصائلي الحزبي لإدارة السلطة الفلسطينية، وكيف تسبّب بخلق عراقيل وعقبات أمام الديمقراطية الانتخابية. تجذب مصادر الحكم المختلفة وجوهًا مختلفةً من الولاء: فبينما تُعتبَ السلطتان الكاريزمية والتقليدية شخصيةً فردية، تتبدّد سمة الشخصية أو الفردية في تلك العقلانية القانونية؛ بمعنى أنها تستمد ولاءها من الدولة بوصفها كيانًا متخيلً مبنيًّا على قواعد وأحكام قانونية. وبناءً على ذلك، وفي حين يمكن أن تكون الأوجه الشخصية "المصدر الأول والمُطلق للولاء "33للحكم الكاريزمي والحكم التقليدي، يجب أن يوسّع الحكم القانوني - العقلاني ويمدّ نطاق السيادة ليشمل الإدارة البيروقراطية للدولة والإطار القانوني العقلاني الذي يقف وراءها34. ويذكر فيبر أن الحاكم "يمكن أن ينتمي إلى أنواع [غير بيروقراطية] أخرى[...]وهذا ينطبق على النوع الكاريزمي التوارثي[...]وعلى النوع الكاريزمي البحت لرئيسٍ اختير عن طريق الاستفتاء"35. ومن الناحية العملية، يمكن أن يتكوّن النظام السياسي من مصادر حكم مختلفة، فعلى سبيل المثال، يمكن أن تكون هناك بيروقراطية إدارية "معروفة"36 بأنها عقلانية قانونية، وفي الوقت نفسه، تابعة لحاكم يتمتّع بالكاريزما؛ حيث إن تلك الأخيرة لا تستطيع النجاة عند موت الحاكم، ولذلك فإن قيادة الإدارة القانونية العقلانية هي أشدّ أهمية لاستمرارية الحكومة القائمة، خصوصًا عندما تتكوّن من قوى كانت في السابق في حالة معارضة راسخة على مرّ الزمن، تمامًا كما في حالة حماس. وبخلاف خلفائه، لم يكن عرفات في حاجة إلى أي إجراءات شكلية قانونية عقلانية على هيئة انتخابات في عام 1996، وفي اعتقادي، يتّسق ذلك مع آراء فيبر ووجهات نظره. وكان الأساس الأهم لحكم عرفات مبنيًا على الكاريزما والتقاليد، وعلى النقيض الآخر، كانت الطريقة التي بنت بها السلطة الفلسطينية، بقيادة عرفات، عناصرها مبنيةً على الولاء المتخيّل لا للدولة، إنما لحركة فتح. وبعد وفاة عرفات، استخدم خلفاؤه، بعد تكيّفهم مع مطالب الاحتلال الاستيطانيّ الإسرائيليّ، هذا الحكم الذي تدعمه البيروقراطية، وسيلةً للحفاظ على حكمهم. هذا، ومورس الولاء الفصائلي الحزبي من أجل إفشال، ومن ثمّ إطاحة حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيًا، وهذا يدحض الحجّة النيوباتريمونيالية القائلة إن الطابع غير الرسمي للقرابة أو القبلية أو الصداقة، سيطر على النظام المؤسسي للسلطة الفلسطينية37.

  1. Amal Jamal, The Palestinian National Movement: Politics of Contention 1967-2005 (Bloomington, IN: Indiana University Press, 2005), pp. 156, 176;
  2. Weber, p. 263.
  3. Ibid., p. 271.
  4. Ibid., p. 220.
  5. Ibid., p. 219. 37  Brynen, p. 25.
  6. International Crisis Group, "The Meanings of the Palestinian Reform", p. 2.

إن النخبة الحاكمة والبيروقراطية هما وجهان لعملة واحدة، هي الفصائلية الحزبية البحتة. وعلى الرغم من أن العلاقات غير متكافئة بين النخبة الحاكمة والبيروقراطية من حيث الهرمية أو التسلسل الهيكلي، فإنها تخدم الأهداف الفصائلية الحزبية نفسها. عندما أذكر "الولاء المؤسسي الفصائلي الحزبي"، أشير إلى الضرورات التنظيمية التي كانت قائمة قبل تأسيس "الدولة"، والتي تُحدّد وتُهيمن لاحقًا على أنماط البيروقراطية والمجال السياسي. وغالبًا ما يطغى هذا التنظيم بنموذج حكمه وهيكل سلطته على هيكل الدولة الجديد، ومن ثم يقوم مروّجو الولاء الحزبي الفصائلي والقائمون عليه بتنصيب نخبة لإدارة الدولة بما يحقق مصلحتها الخاصة. تألّف الموظفون البيروقراطيون العاملون في مؤسسات السلطة الفلسطينية على نحو أساسي من أعضاء فتح وأنصارها، ووُجِّهت انتقادات إلى عمليات التعيينات - بما في ذلك القضائية - باعتبارها مبنية على المحسوبية والانحياز والمحاباة38. أمّا استبعاد أعضاء حماس ومؤيّديها من التعيينات، فاستند إلى عدم وجود "سلامة أمنية"؛39وهو إحدى الآليات الأساسية المستخدمة لاستبعاد المعارضة (مثل أعضاء حماس). كان هذا الاستبعاد الحزبي الفصائلي شبه كاملٍ في قطاع السلطة الفلسطينية الأمني40. شدّد قيادي رفيع في جهاز الأمن الوقائي في مقابلةٍ معه على أن التعيين ضمن الجهاز الأمني اعتمد على أساس العضوية والانتماء إلى فتح من "الداخل:" "تم تشكيله [الجهاز] بالكامل من قادة ونشطاء فتح المحلييّن الذين كان قد تم تشكيلهم خلال الانتفاضة الأولى ")1993-1987(41. وأكّد أن "الخارج" كان متردّدًا في توظيف ناشطي "الداخل"42 في رتبٍ عالية في غزة في عام 1994، إلّ أن التهديد المتزايد من حماس أجبر السلطة الفلسطينية على استخدام كوادر فتح هذه (في الداخل) لمواجهة حماس محليًا. واعترف ضيف المقابلة أنه كان وكوادر فتح يعتقدون أن هدف حماس كان "تمزيق الإجماع الوطني وإضعافنا أمام الاحتلال." لكن خلال الانتفاضة الثانية، "بدأ كثير منا [أعضاء فتح"] يرى حماس على نحو مختلف بوصفها حليفَ مقاومة مُحتملً، "لأن إسرائيل لم تُرِد يومًا قيام دولة فلسطينية." كانت وجهة النظر تلك تحديًا للتوجهات السياسية المتبنّاة في جهاز الأمن الوقائي الذي يتبع له. وأضاف الضيف أنه بعد وفاة عرفات، شككت القيادة الجديدة والإصلاحيون في "ولائنا، وقاموا بفصل أو إحالة بعضنا إلى التقاعد"44.

لهذا، حوّلت النخبة الحاكمة في السلطة الفلسطينية وبدّلت ولاء ناشطي فتح الطوعي الفصائلي إلى ولاء إداري فصائلي، حيث يُصبح صالحًا، بلا شك، للتكيّف مع التوجّه السياسي للنخبة الحاكمة. وقام تحوّل الولاء الطوعي الفصائلي إلى ذلك الإداري البيروقراطي على أساس المزايا الاقتصادية. وبمجرد القيام بذلك، غدا مصير المجموعة بأكملها مرتبطًا باستمرارية النظام الإداري المؤسسي للدولة وتوجّهات النخبة السياسية، حيث إن هذا التحول يساعد في تشكيل توجّهات الأفراد السياسية وقولبتها لتتوافق مع توجّهات النخبة الحاكمة. وفي هذا الصدد، يمكن أن يُصبح أولئك السابقون من أبناء المقاومة

  1. Human Rights Watch, "Abusive System: Failures of Criminal Justice in Gaza", 3/10/2012, p. 9, accessed on 20/1/2020, at: http://bit.ly/2GwNTH5; Hani Albasoos, "Case Study I: The Judicial Sector", in: Are Hovdenak (ed.), The Rule of Hamas in Gaza: Facing the Challenge of Isolation (Oslo: Peace Research Institute, 2010), p. 29, accessed on 20/1/2020, at: http://bit.ly/2VhdTyv
  2. Independent Commission of Human Rights, "The Status of Human Rights in Palestine", Annual Report , no. 15 (2009), pp. 182-183, accessed on 20/1/2020, at: http://bit.ly/2XsBObK قبل عمليات التعيين في مؤسسات السلطة الفلسطينية، تُوجّه هذه المؤسسات الطلبات المعنية إلى الأجهزة الأمنية لسماع كلمتها النهائية، وهذا ما يسمى "التصريح الأمني."
  3. 42 يشير مصطلح "الخارج" إلى من يُطلق عليهم "العائدون" – اللاجئون الفلسطينيون، وهم من أعضاء البيروقراطية في منظمة التحرير الفلسطينية الذين أسسوا وقاموا بدور في بيروقراطية السلطة الفلسطينية في الفترة 1995-1994 – بينما يشير تعبير "الداخل" إلى تنظيم فتح المحلّ. 43 المصري.
  4. جواد المصري، مقابلة شخصية، غزة، 2012/3/23، 2013/3/15، ومقابلة هاتفية،
  5. 40  Ghada Al-Madbouh, "Unpacking Inclusion, Tracing Political Violence: A Case Study of the Palestinian Authority and Hamas's Governance under Occupation", Doctoral Dissertation, University of Maryland, 2011, pp. 77, 181, 256.

الذين تعرّضوا ذات يومٍ للقمع نفسه بأشكاله المختلفة في السجون الإسرائيلية، خلال الانتفاضة الأولى، هم أنفسهم من يُ هّدون الطريق أمام الإقصاء والقمع لرفقاء المقاومة من فصائل المعارضة حتى إن كانوا ضدّ المبادئ التقليدية لحركة فتح - الذين هم جزء لا يتجزأ منها. وعلى الرغم من أن الولاء البيروقراطي يبدو مشابهًا تمامًا للولاء الطوعي الفصائلي من حيث إن كليهما من مظاهر تضامن الجماعة التقليدي، فإنه قد تم إعادة تشكيله لحمايته وتأمين مستقبله ضمن إطار قانوني. وتُنظّم النخبة الحاكمة في السلطة الفلسطينية المصالح المادية لكوادرها من خلال التنظيم السياسي للسلطة الفلسطينية. ببساطة، أسهمت هذه المصالح المادية في المحافظة على النزاع أو الصراع عند النخبة الحاكمة، وذلك بفضل ما له من قدرةٍ على التحكم في التعيينات الحزبية وتخصيصها. أما الرواتب، فأصبحت بدورها آلية لشراء الولاءات من خلال الحوافز والإغراءات المادية. تختلف هذه الحوافز والإغراءات التي تعتمد على الولاء الإداري الفصائلي، عن الحوافز والإغراءات التي توضح العلاقة بين السلطة والمجتمع، والتي أقامتها السلطة الفلسطينية لاختراق المجتمع والتغلغل فيه. هنا النهج النيوباتريمونيالي، ووفقًا لما جاء به كل من دعنا وبومغارتن وبرينين45 يشير بدقة إلى نوع العلاقات بين إدارة السلطة الفلسطينية الموالية والفصائلية من جهة، والمجتمع الفلسطيني من جهة أخرى. ووسّعت السلطة الفلسطينية القطاع العام وحوّلته إلى مصدر رئيس للدخل في غزة والضفة الغربية؛ معتنقةً بذلك نهج النيوباتريمونيالية تجاه المجتمع، فارضة الأبوية الجديدة تجاه المجتمع من خلال استخدام منصب الحكم الرسمي للحفاظ على شبكة فردية وجماعية غير رسمية من المستفيدين، ومن ثم الاحتفاظ بالسلطة واستبقائها؛ للسيطرة على بنية المجتمع الاجتماعية التقليدية والاقتصادية والسياسية. واستخدمت السلطة الفلسطينية أيضًا هذه العلاقات لتعطيل مسار حماس ووصولها إلى السلطة وعرقلتها بعد فوزها بالانتخابات في عام 2006 46. ويمكننا، من خلال هذا السياق، فهم كيف يمكن أن تساعد حجة أو نهج النيوباتريمونيالية في تفسير الطابع غير الرسمي للقرابة أو القبلية أو الصداقة الذي هيمن على الممارسة السياسية للسلطة الفلسطينية في مواجهة المجتمع. لكن، ما سيعوّق إدماج حماس في النظام السياسي والسلطة الفلسطينية، بعد فوزها في الانتخابات التشريعية، هو تقلبات بيروقراطية مؤسسات السلطة الفلسطينية ذاتها ونزواتها، ولا سيما مكتب الرئاسة الذي تشغله فتح.

ا تولّثالث: ي الحكومة المنتخبة الحكم

1. القيود المؤسسية المحليّة: الحيلولة تمكين حماس سياسيًّا دون

في أيار/ مايو 2005، وقبل ثمانية شهور من فوز قائمة حماس "التغيير والإصلاح" في الانتخابات التشريعية، قضت محكمة مدنيّة في دير البلح في غزة ببطلان فوز حماس في الانتخابات البلدية في منطقة البريج. ولم تعترف فتح بنتائج تلك الانتخابات، فقدّمت طلب استئناف إلى المحكمة، إلّ أن استئنافها لم يتعلق بشكوكٍ حول احتمالية تزوير الحزب الفائز النتائج، بل وجّهت فتح أصابع الاتهام نحو لجنة الانتخابات الفلسطينية بأنها كانت يوم الانتخابات "غير فاعلة" في مساعدة الناخبين في العثور على أسمائهم في القوائم الانتخابية، وبناء عليه زعمت فتح أن نحو 700 ناخبٍ محتمل حُرموا من حق التصويت لها. ومن المفارقات هنا أن الشاهد الذي أدلى بشهادة حاسمة أمام المحكمة في هذا الشأن كان رئيسًا للجنة مراقبة الانتخابات في البريج وعضوًا في فتح، حيث أقرّ بمزاعم فتح ضدّ اللجنة الانتخابية واعترف "بعدم فاعليتها." وحضر إلى المحكمة "الناخبون المحرومون"، وشهدوا كذلك ضدّ اللجنة، زاعمين أن موظفي اللجنة في المراكز الانتخابية لم يجدوا أسماءهم في القوائم الانتخابية، ومن ثم حُرموا من حقهم في التصويت لحزبهم: أي فتح. وفي ما بعد، صرّح أحد الناخبين المحرومين الذي مثُل أمام المحكمة للشهادة، أن فتح كانت قد ابتزّته للإدلاء بشهادة زور في المحكمة47. ووزّع أحد مرشحي حماس المنتخبين اعترافه ونشره في البريج. وبعد أيام قليلة من الاستئناف الذي تقدمت به فتح، وكما هو متوقع، خلُصَت المحكمة إلى أن لجنة الانتخابات مذنبة بتهمة "عدم الفاعلية"، ومن ثم أبطلت نتائج الانتخابات، وأعلنت موعدًا جديدًا للانتخاب الفرعي لمجلس البلدية المكوّن من 13 عضوًا. وفي غضون ذلك، واصل المجلس البلدي السابق، برئاسة فتح، حكم البريج حتى سلّمت حماس البلدية لمرشّحي قائمة التغيير والإص حاا في حزيران/ يونيو 2007؛ أي هذا بعد وقت قصير من سيطرتها على غزة.

  1. Dana, pp. 3-5; Baumgarten, "Hamas: Election-Victory", p. 30; Brynen, p. 30.
  2. ينظر على سبيل المثال: Nidal al-Mughrabi, "Abbas Turns Screw on Hamas by Cutting Gaza's Electricity",
  3. Reuters , 27/4/2017, accessed on 20/1/2020, at: https://reut.rs/374IEtg 46 عزام مصطفى (حركة فتح)، محادثة غير رسمية، غزة، أيار/ مايو.2005

كان موقف المحكمة الموالي والفصائلي الحزبي الذي أشرت إليه في عام 2005 هو المؤشر الأول إلى القيود المؤسسية المحلية التي كانت في انتظار حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية في 26 كانون الثاني/ يناير 2006، التي حصلت فيها على مقاعد كافية لتشكيل حكومة بمفردها. وهكذا، ما كانت سيادة القانون إلّ واجهة للأهداف الفصائلية الحزبية والحصرية للإدارة والرئاسة. ولهذا ومن هذا المنطلق، كانت الخطوة الأولى التي اتّخذها الرئيس عباس في أعقاب فوز حماس غير المتوقع، إصدار مراسيم رئاسية تفرض قيادته على مؤسسات السلطة الفلسطينية كلها، ولا سيما ديوان الموظفين العام والأجهزة الأمنية والمحكمة العليا والمجلس التشريعي الفلسطيني. ولتقنين تلك المراسيم، عقد المجلس التشريعي المنتهية ولايته الذي كانت تُهيمن عليه فتح بالأغلبية، جلسة عاجلة في 13 شباط/ فبراير 2006 - أي قبل خمسة أيام من تنصيب المجلس التشريعي الجديد - حيث أصدر حينئذ المراسيم. وبالاعتماد على الإدارة الموالية والفصائلية الحزبية، كانت الرئاسة - مصحوبة بقيود الاستعمار الاستيطاني - قادرةً على تقويض حماس وإضعافها مؤسسيًا.

2. تقويض المجلس التشريعي الذي تسيطر عليه حماس

بالنسبة إلى الاستعمار الاستيطاني والسلطة الفلسطينية، كانت الغاية المنشودة من المجلس التشريعي الفلسطيني أن يكون تجسيدًا رمزيًّا للنظام السياسي الذي يطمحان إليه، لا أن يكون نموذجًا ومثالً على تمثيل الأحزاب السياسية المختلفة. ولذلك عملت السلطة الفلسطينية والاستعمار الاستيطاني على الحيلولة دون حصول حماس على أغلبية في السلطة التشريعية. وفي انتهاكٍ للقانون الأساسي الفلسطيني المعدل في عام 2003 48، عيّ عباس أحد أنصار فتح من خارج المجلس، أمينًا عامًا له49، في خطوةٍ اعتبرتها حماس "انقلابًا أبيض"50. وفي الجلسة الأولى للمجلس التشريعي الجديد، ألغى نوّاب حماس المراسيم وانتخاب أحد نوّابها وتفويضه، عزيز دويك، رئيسًا للمجلس التشريعي. وفي حين ردّت فتح بمقاطعة جلسات المجلس، إلّ أنها لم تستطع شلّ أدائه أو سير أعماله. حصلت حماس على 74 مقعدًا من أصل 132، أي أكثر من الحد الأدنى المطلوب لعقد جلسة برلمانية بثمانية مقاعد51 (باستثناء النواب الأربعة المستقلين الذين دعمتهم حماس). وتمكّن البرلمان في آذار/ مارس 2006 من تصديق الحكومة العاشرة التي شكّلتها حماس حصريًا؛ وبذلك عزّزت حماس موقفها في الصراع على النظام السياسي للسلطة الفلسطينية، ومهّدت الطريق لدمج الحركة في المستقبل وتمكينها. مع ذلك، واجهت هذه الأداة القوية والفعّالة أزمةً عندما اعتقل الاحتلال العسكري الإسرائيلي 34 نائبًا من حماس ردًا على أسر حماس الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في حزيران/ يونيو 2006، وفرض الاحتلال، إضافة إلى ذلك، قيودًا على حركة النواب. ونظرًا إلى إجراءات الاحتلال هذه ومقاطعة فتح للمجلس، أصبح من المستحيل تجميع الحد الأدنى من النواب 66(نائبًا) اللازم للتمكّن من عقد جلسات برلمانية. بعبارة أخرى، ما عاد المجلس قادرًا على العمل من دون موافقة فتح. وأخيرًا عُقد البرلمان في آذار/ مارس 2007 لمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية، المعروفة أيضًا باسم حكومة مكة، إشارةً إلى اتفاق المصالحة الموقع بين فتح وحماس في مدينة مكة في المملكة العربية السعودية.

3. السيطرة على ديوان الموظفين العام وقطاع الأمن

كان عباس يهدف من خلال تعطيل البرلمان وإحكام قبضته على مؤسسات السلطة الفلسطينية إلى تشديد القيود المؤسسية المفروضة والمحيطة بحكومة حماس. وفي هذا السياق، عيّ أحد منتسبي حركة فتح رئيسًا لديوان الموظفين العام، ضامنًا بذلك احتكاره (بوصفه رئيسًا) لقطاع التوظيف، ومن ثمّ مانعًا حصول الآلاف من منتسبي حماس ومؤيّديها على وظائف داخل مؤسسات السلطة عمومًا، وفي

  1. 2003 Amended Basic Law", art. 50, The Palestinian Basic Law, accessed on 20/1/2020, at: http://bit.ly/2IKOQNF
  2. Mohsen Saleh, The Palestinian Strategic Report (Beirut: Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations, 2006), p. 34.
  3. Mariam Itani & Mohsen Saleh, Conflict of Authorities between Fatah and Hamas in Managing the Palestinian Authority 2006-2007 (Beirut:
  4. Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations, 2006), p. 28. 50  Saleh, p. 28.

قطاع الأمن خصوصًا52. وتفاقمت هذه التطوّرات لتُصبح المجال الرئيس للصراع بين الحكومة والرئاسة، حيث ادّعى كلاهما أحقيته في احتكار الاستخدام المشروع للقوة. وخلُصت غادة المدبوح إلى أن هذا الصراع لم يكن بسبب الانقسامات التقليدية للسلطات والصلاحيات، ولا بسبب تناوب السلطة، موضحة، بدلً من ذلك، أن الصراع كان بين حكومة منتخبة وأولئك الموالين للرئاسة والمدعومين من إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي53. يُعدّ قطاع الأمن أكبر جهة توظيف في السلطة الفلسطينية، حيث كان يتألف، في حزيران/ يونيو 2006، من نحو 50 في المئة من إجمالي موظفي السلطة الفلسطينية، واستهلك ما بين 28 و 35 في المئة من موازنة السلطة الفلسطينية السنويّة54. وكان هذا القطاع السبب الرئيس وراء تأسيس السلطة الفلسطينية نتيجة لاتفاقات أوسلو. وبالفعل ما فتئت إسرائيل تستخدم المعاهدة أداةً لتعزيز مطالبها الأمنية ومطالب مستوطناتها في غزة (حتى أيلول/ سبتمبر)2005 وفي الضفة الغربية. ويشير الباحث شير هيفر إلى أن ما كان يرمي إليه السياسيون والمسؤولون الإسرائيليون من اتفاقات أوسلو، بما في ذلك إسحاق رابين، هو أن تكون وسيلة لإرساء علاقة زبائنية مع السلطة الفلسطينية. أما الهدف الأساسي والغاية القصوى من هذه العلاقة، فهو الاستعانة بمصدر خارج الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي لتحقيق أهدافه في فلسطين55. وبناءً على ذلك، كان من المفترض من قوات الأمن التنسيق مع إسرائيل لمنع أي شكل من أشكال المعارضة للوضع القائم. وفي هذا الصدد، ونظرًا إلى نهجها المُتّبع إزاء مبدأ المقاومة، اعتبِ فوز حماس الانتخابي "تفويضًا رسميًّا لتغيير النظام"56، ومن ثم تهديدًا استراتيجيًا للمشروع الأمني لاتفاقات أوسلو. وإذًا، لم يكن التخلّص من سلطة حماس القانونية على قوات الأمن مطلبًا لفتح فحسب، وأيضًا لشركائها في هيكل أوسلو وإطارها الذين شرعوا في توظيف جهاز الأمن هذا لإسقاط حماس. في محاولةٍ لضمان سيطرته بعد فوز حماس الانتخابي، عيّ عباس مُوالي فتح ومؤيديها قادةً لأجهزة الأمن للتأكد من أنهم سيعملون تحت قيادته وإمرته المباشرة57. وفي 7 نيسان/ أبريل 2006، أي بعد أسبوع من تشكيل حكومة حماس، عيّ عبّاس رشيد أبو شباك مديرًا عامًا لوزارة الداخلية من أجل تخطي عمل الوزير الذي ستُعيّنه الحكومة المنتخبة58. ومع ذلك، لا يملك الرئيس السلطة الدستورية لتعيينهم، ويجب عليهم عدم العمل تحت إمرته؛ فمجلس الوزراء، بحسب نص القانون الأساسي المعدل في عام 2003، هو المخوّل والمتمتّع بهذه الصلاحية59. ورفض قادة أجهزة الأمن المُعيّنون الانصياع لأوامر استدعائهم أو حتى التعاون مع وزير الداخلية سعيد صيام المُعيَّ حديثًا، وأعلنوا بدلً من ذلك أن ولاءهم يقتصر على الرئيس فحسب60. كما رفضوا التعاون مع حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت في آذار/ مارس 2007، مع تعيين المستقلّ هاني القواسمي وزيرًا للداخلية، وفقًا لمطالبة فتح والرئيس بذلك. ولم يكن مسؤولو وشاغلو وظائف السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح على استعداد لتسليم سيطرتهم وسلطتهم على قوات الأمن إلى حكومةٍ بقيادة حماس. حاول عباس في أثناء تولّيه منصب رئيس الوزراء في عام 2003، تحت رئاسة عرفات، انتزاع السلطة على جهاز الأمن وقواته من صلاحيات مكتب الرئيس، وذلك بتأييد ودعم كاملين من القوة الاستعمارية والولايات المتحدة التي أجبرت السلطة الفلسطينية على تعديل القانون الأساسي لعام 1996 واستحداث منصب رئيس وزراء لتقويض صلاحيات عرفات وتسليم جهاز الأمن لعباس؛ فكان أحد أهم الأسباب الرئيسة للانقسام والشقاق بين الشرعيين والإصلاحيين داخل فتح. وهكذا، عندما فازت حماس في الانتخابات، لم يكن من المستغرب شروع عباس في نقل جهاز الأمن من صلاحيات مكتب رئيس الوزراء إلى المكتب الرئاسي. ولمواجهة نهج السلطة الفلسطينية القائم على الولاء والحزبية الفصائلية، شكّلت حماس القوة التنفيذية، مستمدةً أعضاءها من جناحها العسكري وفصائل المقاومة الأخرى. وبدلً من إحلال الأمن، دخلت القوة التنفيذية على الفور في حالة صراع مع عناصر أمن السلطة الفلسطينية الرافضين وجودها. تلخيصًا لما سبق، جسّدت فترة حكم حماس بين آذار/ مارس 2006 وحزيران/ يونيو 2007 واقعًا مُرًا، منعها من وضع قدميها على بداية الطريق المفضية إلى الإصلاح والأمن والاستقرار، فضلً عن التحول الديمقراطي، وكان على حماس أن تتعامل أولً وقبل كل شيء مع التحديات الداخلية التي تفرضها فتح.

  1. Al-Madbouh, p. 70.
  2. Ibid., p. 72.
  3. Saleh, p. 328.
  4. Shir Hever, The Privitization of the Israeli Security (London: Pluto Press, 2017), pp. 180-187.
  5. Shaul Mishal & Abraham Sela, The Palestinian Hamas: Vision, Violence,
  6. 59  Saad & Ibhais, pp. 14-15; Roland Friedrich & Arnold Luethold (eds.), Entry-Points to Palestinian Security Sector Reform (Ramallah: Geneva Centre for the Democratic Control and Armed Forces, 2007).
  7. Al-Madbouh, p. 284. 58   "2003 Amended Basic Law", article 69, paragraph 9.
  8. and Coexistence , 2 nd ed. (New York: Columbia University Press, 2006), p. xvi.
  9. 56  Wael Saad & Hasan Ibhais, Security Development in the Palestinian Authority, 2006-2007 (Beirut: Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations, 2008), p. 14.

لم يكن هناك أثر لبرنامج حماس السياسي المتفائل والتطلّعي، أو حتى حماستها تجاه التغيير وإيجاد سُبُل جديدة ومبتكرة للمعالجة والتعامل مع الوضع الفلسطيني61. وفي فترة حكومة حماس، نجحت فتح في إضعافها وتقويضها، تاركةً وزراءها من دون تأثير أو نفوذ حقيقيّ على مؤسساتهم. وزادت التحديات الخارجية، ولا سيما الحصار الاقتصادي، وفاقمت هذا التقويض والإضعاف. وفي الواقع، تُكمل القيود المؤسسية المحلية والحصار الاقتصادي بعضها البعض، وبناء عليه، واجهت إدارة حماس، التي كانت مقيدة ماليًا، وغير قادرة على صرف الرواتب، رفضًا متزايدًا من البيروقراطية خصوصًا، ومن الشعب عمومًا. وفي المحور التالي شرح دقيق عن كيف صرف الحصار الاقتصادي الأنظار عن تقويض فتح قدرة عمل الإدارات، وحوّلها إلى واقع عدم قدرة حماس على تقديم الرواتب والخدمات الأساسية؛ والهدف: إسقاط حماس من الحكم.

رابعًا: القيود الإقليمية والدولية

1. الحصار الاقتصادي ومحاولة إطاحة الحكومة المنتخبة بالعنف

نظرًا إلى الدعم الشعبي والنمو العسكري اللذين اكتسبتهما حماس خلال الانتفاضة الثانية، سعت قيادة فتح الجديدة، التي باتت تفتقر بعد وفاة عرفات إلى الشرعية الاجتماعية السياسية أو القبول الشعبي الواسع، لاستمالة المعارضة من خلال الانتخابات. قدّرَت هذه المناورة لاقتسام السلطة، بدعم من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وجود أقلية لحماس في المجلس التشريعي الفلسطيني. وحتى لو كانت تمثل أقلية معتبرة في المجلس، كان المرجوّ من إدماجها في النظام الرسمي للسلطة الفلسطينية، احتواء ثقلها السياسي والعسكري وتهميشه؛ إذ كان يُعتقد أن وجود حماس في المجلس التشريعي سيجعل السيطرة عليها والتحكم فيها أمرًا سهل62. ولهذه الغاية، سعت فتح لتأجيل الانتخابات التشريعية من تموز/ يوليو 2005 إلى كانون الثاني/ يناير 200663 من أجل كسب الوقت لاسترداد ما فقدته على مستوى المحلّيات والبلديّات، ما يُعزى أساسًا إلى انقسامها الداخلي. ومع حالة الفوضى والارتباك في فتح والسلطة الفلسطينية، قبلت حماس بالترتيبات، واثقةً بأنه لا يزال في إمكانها ترجمة دعمها الشعبي إلى قوة مؤسسية على أرض الواقع. بعد عرفات، جرى تكليف الحكومة برئاسة الإصلاحيين، حيث حافظت على الهيكل الأمني لاتفاقات أوسلو. ونظرًا إلى هزيمة فتح اللاحقة في الانتخابات وعدم قدرتها على قمع حماس، فمن المنطقي افتراض أن الأطراف الفاعلة الأخرى في أوسلو، تدخلت للضغط على حماس للالتزام بمطالبهم. وفي هذا السياق، ضغطت الولايات المتحدة على اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط لفرض ثلاثة شروط على حماس في ما يتعلق بإسرائيل: "الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والالتزام بالاتفاقات الدبلوماسية المبُرمة"64. وصرحت حماس ردًّا على ذلك بأن الاعتراف بإسرائيل سيكون بمنزلة الاعتراف بالاستعمار الاستيطاني65. وبالنظر إلى تاريخ اتفاقات أوسلو والتنازلات (الضمنية) التي انطوت عليها، وفشلها في إنهاء الاحتلال الاستيطاني، وترسيخها إياه وتحصينه بدلً من إنهائه؛ شهدت حماس نتيجةً لرفضها الامتثال لشروط الرباعية زيادةً في دعمها وتأييدها الشعبي66، وإن كان ذلك على الأقل قبل أن يشعر السكان بالآثار الحقيقية للحصار المفروض. ومن وجهة نظر الفلسطينيين، كانت الدولة، في غياب السيادة التي وافقت عليها منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة فتح، مجرّد وهم لا غير67. وواجه رفض حماس الامتثال للشروط تحدّيًا دوليًا وإقليميًا وداخليًا، من خلال استراتيجيتين: أولاهما الحصار الاقتصادي والمالي على حكومتها لإثارة الاضطرابات الاجتماعية وإرغام الفلسطينيين

  1. Khaled Hroub, "'New Hamas' through Its New Documents", Journal of
  2. Sara Roy, Hamas and Civil Society in Gaza: Engaging the Islamist Social Sector (Princeton: Princeton University Press, 2011), p. 41.
  3. International Crisis Group, "Enter Hamas", p. 7.
  4. Ben Smith, "Hamas, Fatah and the Middle East Quartet Principles", House of Commons Library, 17/5/2011, p. 2, accessed on 20/1/2020, at: https://bit.ly/332lWB6
  5. Roy, p. 209.
  6. Palestinian Center for Policy and Survey Research, "Palestinian Public Opinion Poll No. (21)", 14-16/9/2006, at: https://bit.ly/2tORWuX 66  Roy, p. 209.
  7. Palestine Studies , vol. 35, no. 35 (2006).

على إطاحة الحكومة المنتخبة؛ وثانيتهما تشجيع هيكلية أوسلو المباشرة على العنف السياسي من خلال تمويل وتدريب قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية والدعم العسكري المباشر لها بهدف إطاحة حكومة حماس.

2. الحصار الاقتصادي وبداية تراجع شعبية حماس

احتجزت إسرائيل عائدات الضرائب العائدة إلى السلطة الفلسطينية، التي بلغت نحو 100 مليون دولار أميركي شهريًا، أي ما يمثل نحو ثلثي إجمالي عائدات الضرائب للسلطة الفلسطينية و 40 في المئة من ميزانيتها68. وعلى غرار ذلك، حظرت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، المانحان الرئيسان للسلطة الفلسطينية، أيّ اتصال اقتصادي أو مالي مع حكومة حماس حتى لو جرى تشكيل "حكومة تكنوقراط." أما خطط المانحين "الإنمائية"، فاستبدلت بأخرى مخصصة على نحو شبه تام لإغاثة وتخفيف عبء المبادرات المحدودة النطاق والمعتمدة على كثافة اليد العاملة، وهو نمط له جذوره في فترة أوسلو69. استُحدثت آلية صرف أموال الإغاثة وأ عيد تصميمها للالتفاف على حكومة حماس، حيث كانت تمرّ من خلال برنامج موسع لخدمات الطوارئ، يُقدّمه البنك الدولي إلى الإمدادات الصحية الأساسية، ومع ذلك، لم يمتدّ هذا الدعم ليصل إلى ميزانية السلطة الفلسطينية المتعلّقة بالرواتب - باستثناء مُقدّمي الخدمات الصحية الذين تلقّوا رواتب أساسية70. مثّل تولّ السلطة الفلسطينية شؤون الرواتب أكبر تحدٍ أولّي لحكومة حماس؛ حيث كان على الحكومة العاشرة توفير رواتب 160000 موظف، وهذا الرقم يجعل السلطة الفلسطينية الموظِّف والمُنفِق ومقدّم الخدمات الأكبر والرئيس في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وفي وصف لإحدى المنظمات، تمثل السلطة "الخط الفاصل والوحيد بين الكفاف والفقر"71. ويعتمد القطاع العام، تمامًا كالخاصّ، على الأنشطة الاقتصادية المنبثقة من السلطة الفلسطينية. وهكذا أفضت أزمة القطاع العام إلى تراجع القطاع الخاص وانحساره72. وعلى الرغم من التأييد الشعبي المؤقت لحماس بسبب رفضها الامتثال لشروط اللجنة الرباعية في أيار/ مايو 2006، فإن الحصار تسبّب باضطرابات وأشعل فتيل احتجاجاتٍ اجتماعيةٍ سياسية. وفي 2 أيلول/ سبتمبر 2006، بدأت النقابات العمالية إضرابًا مفتوحًا، مُطالبةً باستقالة حكومة حماس73. وبناء عليه، خرجت مظاهرات كبيرة، تحوّل بعضها إلى أعمال عنف ضد مبانٍ حكومية، واندلعت اشتباكات بين القوة التنفيذية الموالية لحكومة حماس وجهاز الأمن الوقائي الموالي للرئاسة. في غضون ذلك، التمست حماس مصادر بديلة للدعم المالي، خصوصًا من جامعة الدول العربية وإيران؛ إذ وافقت الأولى في قمة الخرطوم في عام 2006 على صرف مرتبات شهرية لموظفي السلطة الفلسطينية؛ أما إيران فتبرعت بمبلغ 250 مليون دولار أميركي. ومع ذلك، ونظرًا إلى الحصار المفروض على التحويلات المالية، كان على حماس تهريب الأموال إلى غزة عبر معبر رفح الحدودي74. وفي حين يمكن أن تكون الأموال المهربة التي بلغت أكثر من 50 في المئة من الرواتب بحلول كانون الأول/ ديسمبر 2006 75، قد ساهمت في إبقاء حماس في منصبها، إلّ أنها لم تكن حلًّ مستدامًا يمكن الاعتماد عليه للتغلّب على الحصار المالي والاقتصادي. أما الدعم الشعبي الذي حظيت به حماس في الشهور الثلاثة الأولى، فأخذ في الانخفاض تدريجيًا بعد ذلك على النحو المبين في الجدولين)1(و.)2(

  1. Saleh, p. 44. وأ بناءً على اتفاقية (أو بروتوكول) باريس التي وُقعت في عام 1994 درجت في اتفاق أوسلو الثاني في عام 1995، تُحصّل إسرائيل الضرائب على السلع المتدفقة إلى غزة والضفة الغربية، وتحويلها شهريًا إلى السلطة الفلسطينية. ينظر: "اتفاقية باريس الاقتصادية
  2. 73 منير السومري (قائد في حركة حماس)، مقابلة شخصية، غزة،.2012/3/4
  3. 74  Saleh, p. 30. المصدر: نتائج استطلاع آذار/ مارس 2006 استنادًا إلى: Palestinian Center for Policy and Survey Research, "Palestinian Public Opinion Poll No. (19)," 16-18/3/2006, accessed on 20/1/2020, at: https://bit.ly/2GjhlQ2; نتائج استطلاع حزيران/ يونيو 2006 استنادًا إلى: Palestinian Center for Policy and Survey Research, "Poll no. 20," 15-18/6/2006, accessed on 20/1/2020, at: https://bit.ly/3aHxUDd; نتائج استطلاع أيلول/ سبتمبر 2006 استنادًا إلى: Palestinian Center for Policy and Survey Research, "Palestinian Public Opinion Poll No. (21)," 14-16/9/2006, at: https://bit.ly/2tORWuX; نتائج استطلاع كانون الأول/ ديسمبر 2006 استنادًا إلى: Palestinian Center for Policy and Survey Research, "Poll no. 22," 14-16/12/2006, accessed on 20/1/2020, at: https://bit.ly/2RRO8Bd المصدر: نتائج استطلاع نيسان/ أبريل 2006 استنادًا إلى: "استطلاع رقم 26: استطلاع للرأي العام الفلسطيني: الحكومة الفلسطينية: التمويل الدولي"، جامعة بيرزيت، مركز دراسات التنمية، 2006/4/19؛ نتائج استطلاع أيار/ مايو-حزيران/ يونيو 2006 استنادًا إلى: "استطلاع رقم 27: استطلاع الرأي العام الفلسطيني: الأوضاع المعيشية، الاستفتاء، الحوار الوطني، وثيقة الأسرى، أزمة التمويل، التأييد السياسي"، جامعة بيرزيت، مركز دراسات التنمية، 2006/6/2–5/31؛ نتائج استطلاع أيلول/ سبتمبر 2006 استنادًا إلى: "استطلاع رقم 28: استطلاع للرأي العام الفلسطيني: الأوضاع الداخلية الفلسطينية، تقييم المؤسسات والقياديين، الحكومة المقترحة، الانتخابات
  4. The International Crisis Group, "Enter Hamas", p. 2.
  5. United Nations, "Report of the Commissioner-General of the United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East", General Assembly, Official Records, Sixty-third Session, Supplement no. 13 (2007), accessed on 20/1/2020, at: http://bit.ly/2KPSqbT 72  The International Crisis Group, "Inside Gaza: The Challenge of Clans and Families", Middle East Report , no. 71 (December 2007), pp. 7-8.
  6. 1994/4/29 "، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية - وفا، شوهد في 2020/9/7، في: https://bit.ly/3i25HKF
  7. 68  Roy, p. 202.
  8. 69  Smith, p. 2.

الجدول)1(استطلاعات المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية حول شعبية حماس وفتح في عام 2006 (في المئة)

فتححماسالتاريخ
39472006/3/18-16
39392006/6/18-15
41382006/9/16-14
42362006/12/16-14

الجدول)2(استطلاعات مركز دراسات التنمية حول شعبية حماس وفتح في عام 2006 (في المئة)

م فتححماسالتاريخ
30382006/4/19
35.732.72006/6/2–5/31
34.930.52006/9/16-14

يشير التراجع التدريجي في دعم حماس الشعبي إلى أن الحصار حصد ثماره المرجوّة، وأصبحت المقدرة على دفع الرواتب مصدر الشرعية الرئيس: "الرواتب مقابل السلام"، بدلً من "الأرض مقابل السلام." وفي حين أدركت حماس أنها لن تكون قادرة على تحمّل الحصار المالي والاقتصادي، أو حتى الحفاظ على الأمن بمفردها، فشلت حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في إنهاء الحصار، لأن شروط اللجنة الرباعية لم تكن موجّهةً نحو الحكومة في حدّ ذاتها، بل تجاه حماس بوصفها حركة. وهكذا استمرت الأزمة واشتدّت الاشتباكات الداخلية بين مقاتلي فتح والقوة التنفيذية. ونظرًا إلى قوة حماس العسكرية في غزة، اعتبر هيكل أوسلو ودول المنطقة استخدام القوة خيارًا ضروريًّا لإسقاط حماس.

3. التخطيط للعنف الداخلي ودعمه

تدعم أعمال العنف المُدبّرة والمدعومة من الاستعمار الاستيطاني والقوة العظمى، ما تفسّه العوامل الخارجية من فشلٍ في الديمقراطية الانتخابية وإعادة استقرار الأنظمة القديمة ورسوخها. لا يستثني هذا أو يستبعد انخراط النخبة الحاكمة في السلطة الفلسطينية أو عملها بالوكالة - كما تؤكد دراسات ما بعد الكولونيالية أو ما بعد الاستعمار، لكنه يوضح كيف جرى تأطيرها بما يتوافق مع الإطار الاستعماري ويتماشى معه. بالفعل، كشف تقرير سرّبه مبعوث الأمم المتحدة السابق للشرق الأوسط، ألفارو دي سوتو، عن خطة أميركية تهدف إلى إطاحة حماس عسكريًّا، وذكر فيه كيف كان من الممكن الوصول إلى حكومة وحدة وطنية بين حماس وفتح بعد الانتخابات بوقت قصير، إلّ أن الولايات المتحدة أحبطت أي جهود كان يمكن أن تؤدي إلى مثل هذا التحالف، وطالبت اللجنة الرباعية "بوضع معايير مستحيلة" – في إشارة إلى شروطها الثلاثة - تضمن "بقاء" الخط الذي يفصل بين حماس وفتح واضحًا، وبدلً من ذلك، دفعت الولايات المتحدة نحو حرب داخلية. من اللافت في تقرير دي سوتو أن إثارة الاستياء الشعبي ضد حكم حماس كان شرطًا مسبقًا لا بدّ من توافره لإقالة الحكومة بالقوة. ولذلك لم يكن الحصار الاقتصادي والمالي إلّ مجرّد خطوات أولى لإثارة الاستياء الشعبي الذي سيؤدي إلى تبرير إسقاط حماس بالقوة، إن تحقّق. وكُشِف عن هذه الخطة في تحقيق "قنبلة غزة" الذي أعده الصحافي ديفيد روز الذي كشف عن النيات الأميركية لإطاحة الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا، عسكريًا76. ولهذا الغرض تحديدًا، خصّصت

  1. والاتجاهات السياسية، المفاوضات وعملية السلام، حزب الله وحماس"، جامعة بيرزيت، مركز دراسات التنمية،.2006/9/16-14 75  David Rose, "The Gaza Bombshell", Vanity Fair , 3/3/2008, accessed on 20/1/2020, at: http://bit.ly/2XxRyu9

الولايات المتحدة 86.4 مليون دولار لتقديم الدعم الأمني إلى الحرس الرئاسي، بما في ذلك شحنات الأسلحة والذخيرة والمركبات المدرعة التابعة لقوات الأمن بقيادة فتح في غزة والضفة الغربية. ويذكرُ مصدرٌ آخر، نقلً عن وثيقة للحكومة الأميركية، برنامجًا بقيمة 1.27 مليار دولار أميركي (مُخصّصًا على مدى خمس سنوات) من شأنه أن يُضيف 4700 رجل إلى الحرس الرئاسي البالغ عدد عناصره 15 ألفًا77. كانت النتيجة المرجوّة من تسليح فتح هي "إحداث تغيير في بنية قوات الأمن الفلسطينية و[منح] رئيس السلطة الفلسطينية [القدرة على] تأمين القرارات المتخذة، مثل إلغاء مجلس الوزراء وتشكيل حكومة طوارئ"78. أما آدم أنتوس، فيضيف أن الرئيس عباس كان يريد في البداية التعاون مع حماس، لكن "الضغط على عباس لمناهضة حماس كان كبيرًا تمامًا كواشنطن - إن لم يكن أكبر - داخل حركة فتح التي ينتمي إليها، والتي كانت تسعى للتقليل من أهمية دورها"79. فالرئيس عباس لا يملك خصائص الكاريزما التقليدية مثل عرفات الذي حافظ من خلالها على التماسك الداخلي لمواجهة الضغوط الخارجية؛ إذ يستمدّ عباس قوته من بنية الولاء الفصائلي للجهاز الإداري وبدعم من هيكل أوسلو. كان محمد دحلان أقوى رجال فتح آنذاك، وهو الذي كانت تدين له بالولاء أكبر قوة أمنية، أي جهاز الأمن الوقائي، وكان كذلك مستشار الأمن القومي للرئيس. وكان دحلان يدعو أتباعه إلى مواجهة حماس باستخدام العنف80، مُهدّدًا جميع قادة حماس، ومؤكّدًا أنه ليس على استعداد لتقديم أي تنازلات. وأشار أليستير كروك، مستشار الشرق الأوسط السابق لمنسق السياسة الخارجية والدفاعية في الاتحاد الأوروبي، خافيير سولانا، إلى "أن دحلان رفض التعامل مع [وزير الداخلية المستقل المعيّ في حكومة الوحدة]، وأنزل قواته المسلّحة في الشوارع تحدّيًا له. أما حماس فشعرت بأن لا خيار أمامها سوى إحكام سيطرتها على الأمن وانتزاعه من قبضة القوات التي كانت في الواقع سببًا لانعدامه"81. وفي الواقع، برّرت حماس سيطرتها العسكرية على غزة ضد مؤسسات السلطة الفلسطينية بقيادة فتح باعتبارها إجراءً وقائيًا ضد ما يسمى خطة دحلان - دايتون لإسقاط حكومة حماس82. كان الغزيّون يستخدمون تعبير "الفوضى عارمة" لوصف الوضع الأمني بعد تشكيل حكومة حماس والقوة التنفيذية؛ إذ إن عمليات الخطف والقتل والتعذيب والاغتيال كانت أحداثًا يومية يشهدها المواطن الفلسطيني. ووفقًا لمركز الميزان لحقوق الإنسان، قُتل 178 فلسطينيًا في الفترة 2005-2002، لكن بين عامي 2006 و 2007 فقط، أي خلال وجود حماس في منصب الحكم، قضى 742 فلسطينيًا، وأصيب أكثر من ثلاثة آلاف على نحو رئيس نتيجةً للنزاع القائم بين الفصائل والنزاعات العائلية والهجمات الموجّهة ضد المؤسسات وعمليات الاختطاف. هذه هي الظروف التي أدّت إلى المواجهة العسكرية وما تلاها من سيطرة حماس عسكريًا على قطاع غزة في حزيران/ يونيو 2007، حيث أنهت على نحو كاملٍ وبالقوّة وجود فتح بوصفها كيانًا مسلّحًا في غزة. ومكّن ذلك حماس من ادّعائها حق "احتكار الاستخدام المشروع للقوة" وإزالة عقبة رئيسة من أمام إدراة حكومتها. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الخطوة إلى تمكين حماس من التغلّب على عقبة رئيسة أخرى أمام حكمها، وهي الحصار الاقتصادي. إضافة إلى ذلك، أدّى اندلاع أعمال العنف وما تلاها من قمع حماس للمعارضين إلى خلق قيود جديدة أثّرت تأثيرًا أكبر في الصورة الشعبية للحركة وسُمعتِها في غزة.

خاتمة

تنظر هذه الدراسة في فشل الديمقراطية الانتخابية الفلسطينية عندما وصلت حماس إلى سدّة الحكم بين عامي 2006 و 2007. واقترحت عاملين تجريبيين: ولاء الموظفين الإداريين الفصائلي والحصري للسلطة الفلسطينية، ودعم الاستعمار الاستيطاني ووصاية القوى العُظمى؛ حيث عرقلت القيود الداخلية والخارجية عمل حكومة حماس. ولذلك فقد جادلت بأنّ حماس كانت في منصب الحكم فحسب، ولم تملك السلطة الفعلية البتة؛ بمعنى أن الحكومة التي ترأسها لم تكن قادرة على ادّعاء حق احتكارها الاستخدام المشروع للقوة، ولا تولّ حكم إدارة الدولة. أما فشل الديمقراطية الانتخابية الفلسطينية، فيشير إلى عدد من الاستنتاجات: أولً، على الرغم من أن السلطة المنبثقة من الاستفتاء الشعبي مثّلت تهديدًا لِلَبِنة وأساس النظام الاستبدادي، وسهّلت انفتاح باب منصب الحكم أمام الديمقراطية الانتخابية بعد وفاة عرفات، فإن ذلك لم يكن كافيًا لإنهاء الحكم الاستبدادي المترسخ والقابع منذ أمدٍ بعيد. وأشارت عناصر الاستفتاء العام إلى انقطاع

  1. Roy, p. 43.
  2. Jonathan Steele, "Hamas Acted on a very Real Fear of a US-Sponsored Coup", The Guardian , 22/6/2007, accessed on 20/1/2020, at: http://bit.ly/2Plzi4e
  3. Adam Entous, "Feature-After Gaza, Some Question who was Overthrowing Whom", Reuters , 17/6/2007, accessed on 20/1/2020, at: https://reut.rs/2Xn97Ng; Al-Madbouh, p. 290.
  4. Rose.
  5. Steele.
  6. Al-Madbouh, p. 483.
  7. Al Mezan Center for Human Rights, "Humanitarian Implications of Israel's Siege on the Gaza Strip", 1/10/2007, pp. 32-33, accessed on 20/1/2020, at: http://bit.ly/2GwYRMI

مؤقت لمصادر الشرعية السابقة للسلطة الفلسطينية تحت حكم عرفات، لكنها لم تكن كافية لإنشاء نظام حكم عقلاني - قانوني حقيقي جديد. ثانيًا، إن إعادة تثبيت الاستبداد وإقراره باعتباره عنصرًا في سياق التحول الديمقراطي، ليست مسألة مدى تنظيم الحزب الحاكم فحسب، بل مدى تجذّر هذا الحزب ورسوخه في إدارة الدولة البيروقراطية. تستند السلطة الفلسطينية بقيادة فتح إلى مصادر الولاء الروتينية التي تطوّرت إلى تقاليد في حد ذاتها وجعلتها في مأمن من تناوب السلطة في البلاد. ومن ثم لا يمكن النظر إلى إدارة السلطة الفلسطينية باعتبارها بنيةً نيوباتريمونيالية، بل منظمة فصائلية مركزية مُعدّة خصّيصًا لاستبعاد المعارضة وإلغاء قدرتها على الحكم. وبناء عليه، لا يمكن اختزال أو تبسيط الصراع القائم بين حماس وفتح إلى نزاعات تقليدية تدور حول المشاركة في السلطة أو التناوب عليها، بل هو بين حكومة منتخبة من معارضة راسخة وإدارة دولة موالية حصريًا للنخبة السلطوية التقليدية. ثالثًا، لا تُعتبر العوامل الخارجية محايدةً أو هامشية غير مهمة، لأنها يمكن أن تكون عاملً حاسمً لإعادة إقرار النظام الاستبدادي وترسيخه، خصوصًا لأن هذا الأخير ظهر في سياق الاستعمار الاستيطانيّ. هذه هي خصوصية القضية الفلسطينية، وهي تُفسّ أهمية ووجوب إعادة التفكير في مقاربات ما بعد الاستعمار عند النظر في الديمقراطية الانتخابية الفلسطينية، حيث ثبت أنها غير كافية لتأطير القضية على نحو كليّ. بيد أن السلطة الفلسطينية تبدو كدولة برئيس ووزراء؛ إلّ أنها في الواقع لا تتمتع بالسُلطات والصلاحيات التقليدية للدولة، إنما هي مرهونةٌ بأمن المُستعمِر. ختامًا، يتعارض الولاء المؤسسي الفصائلي القابع في صميم النظام السياسي للسلطة الفلسطينية مع جوهر سعي الشعب الفلسطيني لتحقيق دولة وطنية مستقلة له، حيث استغل الاحتلال الاستعماري هذا الشكل من الولاء لتعميق توجهاته السياسية ومطالبه الأمنية وتعزيزها. أمّا فوز حماس الانتخابي في عام 2006، فكان مؤشرًا إلى الرفض الشعبي لوضع السلطة الفلسطينية من خضوع وسُخرة؛ ومع ذلك فشلت حماس في التغلب على الوضع الاستعماري من خلال اتّباع وسائل وإجراءات عقلانية قانونية. وأمّا الديمقراطية المُعبّة عن صوت نسبة كبيرة من السكان المتضررين بأفعال القوة الاستعمارية الاستيطانية، فغدت غير فعّالة، ولا مُجدية، ومن ثم جرى إسكاتها ونبذها. وختامًا، وبالعودة إلى المفاهيم الأساسية لهذه الدراسة، يُ كن القول إنه على الرغم من تولّ الديمقراطية منصب الحكم، فإن الاحتلال الاستعماري وحالة خضوع النخبة الحاكمة في فتح بقيا في السلطة.

المراجع

العربية

"استطلاع رقم 26: استطلاع للرأي العام الفلسطيني: الحكومة الفلسطينية: التمويل الدولي." جامعة بيرزيت. مركز دراسات التنمية..2006/4/19 "استطلاع رقم 27: استطلاع الرأي العام الفلسطيني: الأوضاع المعيشية، الاستفتاء، الحوار الوطني، وثيقة الأسرى، أزمة التمويل، التأييد السياسي." جامعة بيرزيت. مركز دراسات التنمية. 2006/6/2–5/31. "استطلاع رقم 28: استطلاع للرأي العام الفلسطيني: الأوضاع الداخلية الفلسطينية، تقييم المؤسسات والقياديين، الحكومة المقترحة، الانتخابات والاتجاهات السياسية، المفاوضات وعملية السلام، حزب الله وحماس." جامعة بيرزيت. مركز دراسات التنمية.

بشارة، عزمي. "ملاحظات عن العامل الخارجي في الانتقال سياسات عربية. العدد الديمقراطي." 38 (أيار/ مايو.)2019 فلسطين اليوم صالح، محسن (محرر). العدد. 3395. مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. 2014/11/11:. في https://bit.ly/367pNxd

الأجنبية

Al-Madbouh, Ghada. "Unpacking Inclusion, Tracing Political Violence: A Case Study of the Palestinian Authority and Hamas's Governance under Occupation." Doctoral Dissertation. The University of Maryland, 2011. Al Mezan Center for Human Rights. "Humanitarian Implications of Israel's Siege on the Gaza Strip." 1/10/2007. at: http://bit.ly/2GwYRMI Baumgarten, Helga. "Hamas: Election-Victory in Palestine. An Islamist Transformation to Democracy in a Neo-Patrimonial Rentier System." Orient. vol. 47, no. 1 (2006). Bishara, Azmi. "Democratic Transition and its Problems: Theoretical Lessons from Arab Experiences." Lecture was given at the Conference "Democracies in Formation: Arab Countries as a Test Ground for New Political

Developments." Held at the College de France. Paris, 28/11/2019. at: https://bit.ly/2DChv7n Brownlee, Jason. "... And Yet They Persist: Explaining Survival and Transition in Neopatrimonial Regimes." Studies in Comparative International Development. vol. 37, no. 3 (2002). ________. Authoritarianism in an Age of Democratization. Cambridge: Cambridge University Press, 2007. Brynen, Rex. "The Neopatrimonial Dimension of Palestinian Politics." Journal of Palestine Studies. vol. 25, no. 1 (Autumn 1995). Chehabi, Houchang E. & Juan J. Linz. Sultanistic Regimes. Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1998. Dana, Tariq. "Crony Capitalism in the Palestinian Authority: A Deal among Friends." Third World Quarterly. vol. 41, no. 2 (January 2019). Eisenstadt, Shmuel N. Traditional Patrimonialism and Modern Neopatrimonialism. London: Sage Publications,

Friedrich, Roland & Arnold Luethold (eds.). Entry- Points to Palestinian Security Sector Reform. Ramallah: Geneva Centre for the Democratic Control and Armed Forces, 2007. Gandhi, Jennifer & Adam Przeworski. "Dictatorial Institutions and the Survival of Dictators." Comparative Political Studies. vol. 65, no. 11 (Fall-Winter 2007). Ghanem, Asad. Palestinian Politics after Arafat: A Failed National Movement. Bloomington, IN: Indiana University Press, 2010. Heacock, Roger (ed.). Political Transitions in the Arab World. Birzeit: Ibrahim Abu-Lughod Institute, 2002. Hever, Shir. The Privitisation of the Israeli Security. London: Pluto Press, 2017. Hilal, Jamil. The Palestinian Political System after Oslo: Analytical Critical Study. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1998. Hovdenak, Are (ed.). The Rule of Hamas in Gaza: Facing the Challenge of Isolation. Oslo: Peace Research Institute, 2010. Hroub, Khaled. "'New Hamas' through Its New Documents." Journal of Palestine Studies. vol. 35, no. 4

Human Rights Watch. "Abusive System: Failures of Criminal Justice in Gaza." 3/10/2012. at: http://bit.ly/2GwNTH5 Independent Commission of Human Rights. "The Status of Human Rights in Palestine." Annual Report , no. 15 (2009). at: http://bit.ly/2XsBObK International Crisis Group. "The Meanings of the Palestinian Reform." Middle East Report. no. 2 (November 2002). ________. "Enter Hamas: The Challenges of Political Integration." Middle East Report. no. 49 (January 2006). ________. "Inside Gaza: The Challenge of Clans and Families." Middle East Report. no. 71 (December 2007). Itani, Mariam & Mohsen Saleh. Conflict of Authorities between Fatah and Hamas in Managing the Palestinian Authority 2006-2007. Beirut: Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations, 2008. Jamal, Amal. The Palestinian National Movement: Politics of Contention 1967-2005. Bloomington, IN: Indiana University Press, 2005. Linz, Juan J. The Breakdown of Democratic Regimes: Crisis, Breakdown, and Reequilibration. Baltimore: The Johns Hopkins University Press, 1978. Mishal, Shaul & Abraham Sela. The Palestinian Hamas: Vision, Violence, and Coexistence. 2 nd ed. New York: Columbia University Press, 2006.

"Palestinian 2003 Amended Basic Law." The Palestinian Basic Law. at: http://bit.ly/2IKOQNF Palestinian Center for Policy and Survey Research. "Results of Poll no. 7." 3-7/4/2003. at: https://bit.ly/2uvbqVy ________. "Palestinian Public Opinion Poll No. (19)." 16-18 March 2006. at: https://bit.ly/2GjhlQ2 ________. "Poll no. 20." 15-18/6/2006. at: https://bit.ly/3aHxUDd ________. "Palestinian Public Opinion Poll No. (21)." 14-16/9/2006. at: https://bit.ly/36uvVPb ________. "Poll no. 22." 14-16/12/2006. at: https://bit.ly/2RRO8Bd Pawelka, Peter. "Der Staat im Vorderen Orient über die Demokratie-Resistenz in einer globalisierten Welt." Leviathan. vol. 30, no. 4 (December 2002). Rose, David. "The Gaza Bombshell." 3/3/2008. Vanity Fair. at: http://bit.ly/2XxRyu9 Roy, Sara. Hamas and Civil Society in Gaza: Engaging the Islamist Social Sector. Princeton: Princeton University Press, 2011. Saad, Wael & Hasan Ibhais. Security Development in the Palestinian Authority, 2006-2007. Beirut: Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations, 2008. Saleh Mohsen (ed.). The Palestinian Strategic Report. Beirut: Al-Zaytouna Centre for Studies and Consultations, 2006. Sayigh, Yazid. Armed Struggle and the Search for State: The Palestinian National Movement 1949-1993. Washington, DC: Institute for Palestine Studies, 1997. Smith, Ben. "Hamas, Fatah and the Middle East Quartet Principles." House of Commons Library. 17/5/2011. at: https://bit.ly/332lWB6 United Nations. "Report of the Commissioner-General of the United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East." General Assembly. Official Records. Sixty-third Session. Supplement no. 13 (2007). at: http://bit.ly/2KPSqbT Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Guenther Roth & Claus Wittich (eds.). Los Angeles: University of California Press, 1978.