الاتحاد الأوروبي فاعلا أمنيًا؟ دراسة في حدود التحولات البراديغمية للاستراتيجية الأمنية الأوروبية (2003) والاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي (2016)
الملخّص
تبحث الدراسة في التحولّات البراديغمية التي افترضتها الوثائق الاستراتيجية الكبرى للاتحاد الأوروبي؛ "الاستراتيجية الأمنية الأوروبية" (2003) و"الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي بشأن السياسة الخارجية والأمنية" (2016.) وتجادل بأنّ تقديم استراتيجية 2016 "المطواعية" باعتبارها أولوية للعمل الخارجي والأمني للاتحاد، لم يكرّس في أصله سوى مزيدٍ من الأدوار الأمنية للاتحاد؛ لذلك اعتمدنا تقسيمًا ثلاثيا للدراسة: يبحث الأول، بمساعدة الباحثين النقديين للأمن، في "جينالوجيا المطواعية" وكيف تكرّس الحوكمة التي تعتمد "عقلانية المطواعية" منطق ا مكث ف ا للأمن. ويتطرّق المبحث الثاني إلى براديغمَي "المعيارية" و"المطواعية"، في معانيهما ودلالاتهما وتطبيقاتهما على مستوى الاستراتيجيتين العالميتين للاتحاد الأوروبي (2003 و 2016)، ثم نعرِض الآليات المؤسسية التي استحدثها الاتحاد تلبية لمتطلبات براديغمه الجديد. أما المبحث الثالث، فيختبر حدود التحوّل من خلال فحص تطبيقات "براديغم المطواعية" في الأجندة الأوروبية للهجرة. كلمات مفتاحية: المطواعية، المعيارية، الاتحاد الأوروبي، الاستراتيجية الأمنية الأوروبية. This article examines a contingent Paradigmatic shifts at the 'ESS 2003 and 'EUGSS 2016 '. It mainly argued that, the EUGS's including of 'Resilience' as a strategic priority of EU external and security action settled more security roles to the EU. To address these shifts, the article provide three sections. Firstly, we trace with the help of CST the 'genalogy of resilience', and show how resilience as a rationality of governance endorse an intensified logic of security. latter, we explore the EU's two paradigms, 'Normative' and 'Resilience', their meanings, connotations and applications in the EES 2003 and the EEGSS 2016 , and show how the EU display a new institutional mechanisms and security/ defense initiatives in order to fulfill its new paradigm. Thirdly, we, test the limits of these shifts by examining the applications of resilience within the European agenda on Migration.
EU as a Security Actor? A Study on the EUGSS 2016 and ESS 2003 Paradigmatic Shifts
Keywords: Normative, Resilience, European Union, The European Security Strategy.
مقدمة
تَنازع الأوروبيون، كثيرًا، بشأن وضع تعريفٍ شامل وحصري لهويتهم العالمية، وبصورة أدقّ لطبيعة دورهم العالمي، خصوصًا بعدما نجحوا في التأسيس لكيان متخطٍ حدودهم القومية، وحاز شرعية وصفه كيانًا سياسيًا مستقلً، كما اعتادت أن تقنعنا أدبيات التكامل الأوروبي بذلك. فقد تنازعهم الخلاف حول ماهية أوروبا داخليًا، وما إن كانت تعبّ عن هوية حضارية، أم جغرافية، أم أنّها مجرد كيان اقتصادي وسياسي وضعت معاهدة ماستريخت حدودها. إلّ أن هذا الخلاف أبان هواجس عميقة تعتريهم في ما يتعلق بمدى قدرتهم على العمل بشكل متجانس واستراتيجي على الصعيد العالمي، وفي ما يتعلق بتحقيق ما اعتبروه "أمنًا أوروبيًا." تكتشف هذه الدراسة أحد أوجه التنازع من خلال دراسة الفحوى والدلالة لأهم وثيقتين استراتيجيتين أصدرهما الاتحاد الأوروبي: "الاستراتيجية الأمنية الأوروبية" 2003() و"الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي بشأن السياسة الخارجية والأمنية".)2016(تكمن أهمية الوثيقتين في أنّهما تُدرجان ضمن فئة "الاستراتيجيات الكبرى" التي نجح الاتحاد، أول مرة منذ تأسيسه، في استحداثها. فخلافًا لوثائق السياسة الأوروبية للأمن والدفاع ESDP والسياسة الأمنية والدفاعية المشتركة CSDP التي لا تزال تعكس تفضيلات الدول الأوروبية، تعبّ الاستراتيجيتان عن رغبة الاتحاد في العمل باستقلالية في المجالات الخارجية والأمنية والدفاعية، وعن قدرته على وضع استراتيجيات شاملة لقطاعات وأقاليم ومواضيع كثيرة1. والأمر كلّه خدمةً للمصالح والقيم الأوروبية؛ إذ ذَكر خافيير سولانا، الممثل السابق للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة في الاتحاد الأوروبي، في إطار استراتيجية 2003 أنّ "الاتحاد الأوروبي وافق أوّل مرة على التقويم المشترك للتهديدات التي تواجهه، وعلى وضع أهداف واضحة لتطوير مصالحه الأمنية بناءً على المصالح والقيم الأوروبية" 2. كما أكّدت فيديريكا موغيريني، Federica Mogherini المسؤولة السابقة عن الشؤون الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، في مقدمة استراتيجية 2016 أنّ "مطمح الاستقلال الاستراتيجي للاتحاد ضروري لتعزيز المصالح المشتركة للمواطنين الأوروبيين ولمبادئهم وقيمهم"3. وتنبئنا الاستراتيجيتان، كذلك، عمّ يمكن تسميته "ثقافة استراتيجية للاتحاد"4، يوضح من خلالها تصوّراته للتهديد على المستويين الأوروبي والعالمي وآليات تحقيقه الأمن، والأهم المعايير والمعتقدات التي يستند إليها في ما يعتبره استخدامًا مشروعًا للقوة، ورحلة البحث عن هويّة الاتحاد العالمية، وعن قيمته المضافة والبراديغم الموجّه إلى عمله الخارجي والأمني. إذًا، هذا ما تعرض له هذه الدراسة وتناقشه وتحلّله، خصوصًا بعدما لاحظت الكاتبة تحولّات براديغمية طارئة على مستوى استراتيجية 2016، تجسّدت بتقديم "المطواعية"5 أولوية لعمل الاتحاد الخارجي والأمني. تحولٌ، كما ستجادل الدراسة، لم يكرّس سوى مزيدٍ من الأدوار الأمنية للاتحاد، ذلك أنّ الحوكمة التي تستند إلى "عقلانية المطواعية"، كما أخبرنا الباحثون النقديون، لا تفيد سوى تكثيف المنطق الأمني، بل وضعهما الاتحاد باعتبارهما شرطًا مسبقًا لتحقيق الأهداف المعيارية التي أعلن التزامه بها في استراتيجية.2003 تعمل الدراسة على توضيح هذه التحولّات المفترضة من خلال ثلاثة مباحث: يبحث الأول نظريًا في جينالوجيا "المِطواعية" Resilience، أي المفهوم المركزي في الدراسة، وكيف أنّ اقتران فهمنا للأحداث المستقبلية بعنصر المفاجأة، أثّر بشكل كبير في خطاب الحوكمة الذي يلفظه الفاعلون السياسيون، وفي منطق عمل هذا النوع من الحوكمات. أما المبحث الثاني فيتطرّق إلى براديغمي "المعيارية" و"المطواعية"، في معنييهما ودلالاتيهما وتطبيقاتهما على مستوى الاستراتيجيتين العالميتين للاتحاد 2003(و 2016)، ثم نعرِض الآليات
المؤسسية التي استحدثها الاتحاد تلبيةً لمتطلبات براديغمه الجديد. وسيكون المبحث الثالث اختبارًا لحدود هذه التحولّات من خلال فحصه تطبيقات "براديغم المطواعية" في الأجندة الأوروبية للهجرة. لتخلص الدراسة في الأخير إلى أنّ براديغم المطواعية، على الرغم من استحداثه ابتكارات مؤسسية ومفهومية لإدارة ملف الهجرة غير النظامية، مثل "الرابطة الإنسانية-الإنمائية" مدخلً لمساعدة المهاجرين أو تقديمهم فرصًا اقتصادية للدول المضيفة لهم، فإنّ الاتحاد لم يبتعد كثيرًا عن مقاربته التقليدية لهذا النوع من الهجرات باعتبارها تهديدًا أمنيًا وللمهاجرين باعتبارهم مواضيعَ أمنية، أو ما اصطلح عليه "رابطة الهجرة."-الأمن
أولا: في "جينالوجيا المطواعية" ووعدية الخطاب الأمني
إنّ الإجابة عن سؤال "ما المطواعية؟"، أمر شبيه بإجابة جيف هيوسمانس عن سؤاله "ما الأمن؟"، الذي لاحظ من خلاله أنّ حديث الجميع عن أنواع مختلفة من الأمن-الإنساني، المجتمعي، البيئي، العسكري، الفردي، العالمي، لم يقابله استكشافٌ متعمّق ل "الأمن" باعتباره مفهومًا ناظِمً يشكّل مجالً جامعًا للمعرفة والممارسات والتقنيات التي يوضع من خلالها تصوّر معيّ لبعض الأحداث باعتبارها قضايا أمنية6. كذلك جادلت كلوديا آرادو، أنّ سؤال شْكَلة المطواعية يدعونا إلى التركيز على "الأ" Problematisation التي أدّت إلى الاستجداء بالمطواعية؛ والأشكلة هنا مهمة لأنّ بحثنا في الطريقة التي قُدّمت بها مواضيع معينة، باعتبارها مشكلات ستساعدنا في فهم الحفاوة الأوروبية والعالمية بالمطواعية باعتبارها الاستجابة المثلى للأخطار والتهديدات المستقبلية. وجادلت آرادو، ومن خلال اعتمادها التراث الفكري لميشال فوكو والطريقة التي حلّل بها أشكال السلطة التي تمارسها الدولة، بأنّ القول إنّ العالم الذي نعيشه يتخلّله عنصرَا المفاجأة والجدّة يعني ترسيخًا لنظام معرفي يفترض وجود عالم راكد أو مستقرّ يحمل دائمًا احتمالية ظهور أحداث طارئة، وإن من غير الممكن التنبؤ به أو نمذجته في شكل تقنيات إدارة المخاطر كما جرت العادة، الأهبة والمطواعية، فحسب، ستساعدنا في التحكّم في أحداثه المفاجئة، وعلى عكس الادعاءات السابقة القائلة إنّ الطارئية أو الأحداث الطارئة، لا يمكن التحكّم فيها زمنيًا، أكّدت آرادو أنّ المنطق الجديد يفرض علينا تعايشنا معها حرفيًا7. إنّه بحثنا في "جينالوجيا المجهول" كما سمّته في أحد أعمالها السابقة8. لاقتران فهمنا بأحداث متوقعة في المستقبل مع عنصر المفاجأة؛ أي معالجتها كما لو نُعالج العَدَم اختصارًا، آثارٌ بليغة في تحوّل خطاب الحوكمة الذي يلفظه الفاعلون السياسيون ومنطق عمل هذا النوع من الحوكمات. فمن شأن استجدائهم "بخطاب المطواعية" أن يمنحهم شرعيةً جديدة، ما سمّ ه جينس بيكرت "شرعية الوعود" كنوع ثالث يضاف إلى "شرعيّتي المدخلات والمخرجات التي يمكن أن تحوزها السلطة السياسية في المجتمعات الديمقراطية"9. وعيب السياسات الوعدية أنّها تكرس منطقًا مكثّفًا للأمن، يدمّر إمكانات السياسة التفاوضية كلها بسبب الافتراض المسبق بإمكان التحكّم في المستقبل؛ فبجعله المعافاة المثلى للدول والمجتمعات والأفراد من الأحداث الطارئة في صلبه، أثّر خطاب المطواعية بشكل كبير في فهمنا الزمن الذي سيصبح مع مرور الوقت مُميّعًا، لا فرق فيه بين الماضي والحاضر والمستقبل. لذلك، وُصف خطاب المطواعية بأنّه خطاب مستقبلي موجّه إلى الماضي، يشجّع الفاعلين على التعلّم من الكوارث السابقة، وعلى الاستجابة الجيّدة في حال حدوث أخرى مستقبل 10. بدوره، فرض هذا النوع من الخطاب أشكالً حوكمية جديدة، "حوكمة استباقية" أو "حوكمة عن بُعد"، تعزّز حضورها الأكاديمي والعملي أكثر بعدما أصبحت المطواعية المبدأ الموجّه إلى العمل الدولي في مجالات الإدارة الدولية للأزمات والكوارث والتنمية والمساعدات الإنسانية وبناء الدول11. ويفترضُ هذا النوع من الحوكمات إقرارًا بفشل "نموذج التدخل الدولي الليبرالي التقليدي" والقيم والمعتقدات العالمية التي تدعمه، كونه "استراتيجية بناء" مفروضة من الخارج من أعلى إلى أسفل، وإقرارًا بإنكار قدرتنا على معرفة ما يحدث في العالم، ومن ثم إقرارًا بضرورة تبنّي رؤية أكثر براغماتية للمشاركة الدولية في عملية البناء، سواء كانت لدول ولسلمٍ أم لتنمية، كما عبّ عن ذلك جوناثان
جوزيف: "يعكس صعود المطواعية باعتباره استراتيجية جديدة، الاعتقاد والحاجة إلى الابتعاد عن مشاريع الهندسة الاجتماعية الكبرى[...]التي تسعى للسيطرة على الأنظمة[...]إلى رؤية أكثر براغماتية للحياة الاجتماعية[...]أو الإيمان البراغماتي بالحاجة إلى تكييف السلوك البشري والاجتماعي"12. عمليًا، تجسّدت هذه الرؤية البراغماتية بطرح فكرة تنويع الفاعلين المحليين المطواعين وتوزيع المسؤوليات بينهم؛ أي بتركيز الفاعلين الدوليين على الحكومات والمجتمعات والأفراد المحليين، على تعلّمهم وتعليمهم كيفية التعامل والتكيّف مع اللايقين، لذلك عُرّفت المطواعية بأنّها "القدرة الداخلية للمجتمعات على التعامل مع الأزمات، مع التركيز على تنمية تنظيمها الذاتي وقدراتها الداخلية، بدلً من التأمين الخارجي للمساعدة والموارد أو الحلول السياسية"13. لم يستثن براديغم المطواعية فكرة التدخل الدولي (الليبرالي) طبعًا، حيث لا يزال الإيمان بالمسؤولية الدولية في بناء القدرات المحلية راسخًا، لكنه كيّفها وعدّلها وجعلها عملية ومرنة أكثر؛ إذ من خلال دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في كوسوفو وأفغانستان وأماكن أخرى، لوحظ حدوث تغيير على مستوى المصطلحات من "بناء القدرات" Building Capacity إلى "تنمية القدرات" development Capacity التي تعني تقديم المجتمع الدولي برامج إرشادية وتدريبية لتعزيز قدرات الأفراد والمجتمعات الذاتية والقائمة14. لم يُ سّ جوهر فكرة التدخّل، حيث لا تزال الإبداعات المفهومية لبراديغم المطواعية تكرّس المنطق الوصائي والتحويلي نفسه؛ إذ المجتمعات المحلية لا تزال عاجزة عن فهم خياراتها، ولا تملك الخبرة اللازمة لحل مشكلاتها، هي ليست على دراية بمصلحتها، لكن يعلم الفاعلون الدوليون ويعملون في سبيل ذلك. الوعد بتحقيق الأمن للأوروبيين وشركائهم الإقليميين، والرؤية البراغماتية للدور العالمي للاتحاد، أمور حاضرة في صفحات الاستراتيجية الجديدة 2016()، بل ستكون آثارها العملية الأساس الذي نعزّز به افتراضنا بتكثيف الأدوار الأمنية للاتحاد الأوروبي. ولعلّ ما نستهلّ به حجّة التغيير، استبدال نبرة التفاؤل التي ميّزت افتتاحية استراتيجية 2003، "لم تكن أوروبا يومًا مزدهرةً وآمنة ولا حرّةً إلى هذا الحد، حيث أفسح عنف النصف الأول من القرن العشرين الطريق لفترة من السلام والاستقرار لم يسبق لها مثيل في التاريخ الأوروبي"15، بأخرى تشاؤمية أكثر لاستراتيجية 2016، متوافقة جدًا وخطاب المطواعية الصاعد، "إننا نعيش زمن الأزمات الوجودية في داخل أوروبا وخارجها، اتحادنا معرّض للتهديد. أصبح مشروعنا الأوروبي الذي جلب السلام والازدهار والديمقراطية بشكل غير مسبوق، موضع تساؤل[...]سنجتاز هذا العالم الصعب المعقّد والمترابط والمتنازع عليه بشدّة، مسترشدين بمصالحنا ومبادئنا وأولوياتنا المشتركة"16.
ثانيًا: "براديغم المعيارية" و"براديغم المطواعية:" إيضاحات مفهومية
بدأ الجدل بشأن طبيعة الدور العالمي للاتحاد الأوروبي، مبكرًا، في إطار الجماعة الأوروبية، مع ما سُمّي النقاش الكبير الذي دار في بداية السبعينيات، بين المدافعين عن أطروحات أوروبا "قوة مدنية"17 وأوروبا "قوة عسكرية"18، والتحذير من أوروبا "قوّة رأسمالية عظمى" بسبب ارتكاز هويتها العالمية على السوق، وما قد يسبّبه ذلك من إدامة لسياساتها الاستغلالية19. فأن تكون "أوروبا قوّة مدنية" يعني قبول الفاعلين الأوروبيين بوجوب التعاون مع الآخرين في أثناء سعيهم لتحقيق غايات دولية؛ والتركيز على الوسائل غير العسكرية، خصوصًا الاقتصادية لتأمين أهدافهم المحلية؛ والاستعداد لتطوير مؤسسات متخطية الحدود القومية لمعالجة القضايا التي
يعتبرها المجتمع الدولي حاسمة20. بل يجب أن توصف الوسائل التي تستخدمها والغايات التي تسعى لتحقيقها بالمدنية. واعترض أنصار "أوروبا قوة عسكرية" على ذلك، ودافعوا لمصلحة الاكتفاء الذاتي للاتحاد في مسائل الدفاع والأمن21. ولاحقًا، بعد التأسيس الرسمي للاتحاد الأوروبي في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1993، بموجب معاهدة ماستريخت التي جعلت من "السياسة الخارجية والأمنية المشتركة" إحدى دعائمه الثلاث، جدّد الباحثون الأوروبيون دعواتهم إلى أن يكون تعريف دوره العالمي واضحًا، حتى يكون فاعلً مؤثّرًا، فأسفرت نقاشاتهم عن تقديمهم "أوروبا قوّة معيارية." قدّم هذا المفهوم ودافع عنه إيان مانرز، وتجدر الإشارة إلى أنّ من غير الممكن إدراك كُنهِه بمعزلٍ عن النقاشات النظرية التي تزامنت مع فترة ظهوره. فنهاية الحرب الباردة، بقدر ما كانت مفاجأة لأغلبية منظّري العلاقات الدولية، فإنها فسحت لهم المجال لتعديل أطرهم النظرية والمفهومية، والأهم من ذلك أنّها ساعدتهم في ردم الفجوة أو المعارضة التقليدية التي رُسّخت بين العقلانيين والبنائيين؛ إذ إنّ القضايا التي يدرسها البنائيون (المعايير والهويات) ليست عقلانية، وبالمثل، لا يستطيع العقلانيون التعامل مع المعايير والهويات في برامجهم البحثية22، بل يقع تقديم المفهوم في صلب المحاولات الأوروبية للتخلّص مما اعتبروه "هيمنة أميركية" في مجال التنظير للسياسة الخارجية، ذلك أنّ الأطر التقليدية التي وضعها الباحثون الأميركيون للتنظير للسياسة الخارجية، مثل نموذجي "الفاعل العقلاني" و"صنع القرار" لريتشارد سنايدر Richard Snyder وبعده غراهام أليسون Graham T. Allison، وبسبب تركيزها على الدولة باعتبارها فاعلً عقلانيًّا أنانيًّا غير معني سوى بمصالحه الوطنيّة، قوّضت أي محاولة تنظيريّة لتفسير السياسة الخارجيّة للاتحاد الأوروبي باعتباره فاعلً غير دولتي23. ساعدتهم الحجّة البِنائيّة في أنّ "للممارسة دورًا في تشكيل هويات الفاعلين"، والحجة الليبرالية المؤسسية في أنّ "للمؤسسات دورًا في صياغة وتوجيه مصالح الدول"، للانتقال إلى مستوى تنظيري آخر ادّعوا فيه أنّ عملية صنع السياسة الخارجية للاتحاد ممكنة، وحدوثها خاضعٌ لسياق وعوامل مغايرة للتي تخضع لها الدولة تقليديًا؛ وسياقيًا، يمكن لعضوية الدول الأوروبية في الاتحاد أن تُحدث تكيّفًا كلّيًا adaptation Macro لسياساتها الخارجيّة على اختلافها، وتنشئة صغرى socialisation Micro لنُخبها المكلّفة بصنع السياسات، ومن ناحية أخرى تؤدي التفاعلات الحاصلة في داخل الدول الأوروبية، مثل أنظمتها الدستورية وعلاقة الحكومات بالأحزاب وبجماعات المصالح، والهياكل البيروقراطية للاتحاد باعتبارها هياكل تتوسط بيروقراطيات الدول الأوروبية، دورًا كبيرًا في تشكيل السياسة الخارجية للاتحاد وصوغها وتعديلها24. ساهم العود المتجدّد للاهتمام بالدور التفسيري المحتمل إلى المعايير والهويات والقيم، من جانب آخر، بمنح دلالات عدة "للقوّة" المفهوم المركزي في العلاقات الدولية، أو ما سمّ ه جوزيف ناي، بالأحرف اللاتينية، "الوجه المتغيّ للقوّة"، أيّ الطرائق المختلفة التي يستخدمها الفاعلون الدوليون تحقيقًا للنتائج التي يريدونها. ناي، وإن لم يكن أوّل من تحدث عنه، حيث سبقه ستيفن لوكيس عندما تحدّث عن الوجه الثالث للقوّة25، لكن ما يُحسب له ابتكاره هو مفهوم "القوّة الناعمة"، أو "الاختيارية" كنقيض للصلبة والآمرة. فامتلاك الدولة القوة الناعمة، يعني امتلاكها القدرة على تشكيل تفضيلات الآخرين، ليس باستخدام
الإكراه والعنف، لكن بحسن توظيفها ثقافتها وقيمها السياسية ومؤسساتها أو كاريزميتها التي تحوز سلطة أخلاقية وشرعية تجعل من الباقين يتبعونها، ليس كُرهًا، بل اقتناعًا؛ ففي حال القوة الصلبة، تأمر الباقين بأن يفعلوا ما تريد، أما في حال القوة الناعمة، فالباقون يريدون ويفضّ لون، بل يوافقون على الوضعية المنتجة ما تريده26. مقولة "أوروبا قوّة معيارية"، إذًا، لا يمكن فهمها إلّ رغبةً من مانرز وزملائه لضخّ روحٍ جديدة في النقاشات الجارية بشأن جدوى العمل الأوروبي الخارجي المشترك من رَح م التعديلات التي أقحمها التأمّليون على فهمنا للسياسة الدولية. هي محاولة مُبدِعة لتجاوز الجدل العقيم الذي سبّبه المدافعون عن أطروحتي "أوروبا قوّة عسكرية/ مدنية"، بإصرارهم على التعامل مع الاتحاد باعتباره كيانًا دولتيًّا، من خلال تقديم العمليّات المعرفية-الإدراكية الحاصلة على مستوى الاتحاد باعتبارها مكونًا جوهريًا ورمزيًا لسياسته الخارجية. فما يُعرّف الاتحاد خارجيًا ليس ترسانته النووية ولا إنتاجه الاقتصادي حصرًا، بل المبادئ والمعايير والقيم المشتركة التي التزمت دولُه بها، من سلم وحريّة وديمقراطية وحُكمٍ للقانون واحترامٍ لحقوق الإنسان. بذلك، أن يكون الاتحاد "قوّة معياريّة"، يعني قدرته على نشر معاييره واستخدامها لتشكيل البيئة الدولية المحيطة به؛ بصيغة أخرى، قدرته على فرض معاييره وجعلها "اعتيادية" ومقبولة عالميًا ونزع الشرعية عن أخرى أو بالأحرى إسكاتها27.
1. "براديغم المعيارية"
يمكن ملاحظة حضور "أطروحة أوروبا قوّة معياريّة" الواسع في أغلبية الوثائق المعنية بالسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد، فاستراتيجية 2003، مثلً، وضعتها كبراديغم موجه إلى العمل الخارجي للاتحاد بإعلانها أنّ إبراز القِيم الأوروبية خارجيًا يجب أن يكون المبدأ الموجّه للاتحاد؛ "يجب أن تستند شراكتنا مع الباقين على اح اررم القيم المشتركة، ولا سيما حقوق الإنسان، الديمقراطية، سيادة القانون، وعلى مبادئ اقتصاد السوق، وكذلك على أهداف ومصالح مشتركة"28. ولم تجعل استراتيجية 2003، في مجال التهديدات الأمنية وإدارة النزاعات، من العمل العسكري الخيار الأول والوحيد للتعامل معها، لكنّها أكّدت بدلً من ذلك تشكيلة منوعة من الخيارات، وبعبارة الاستراتيجية "يجب أن نكون فعّالين أكثر في متابعة أهدافنا الاستراتيجية، وينطبق الأمر على مجموعة كاملة من الأدوات المتاحة لنا لإدارة الأزمات ومنع الصراع، بما في ذلك الأنشطة السياسية والدبلوماسية والعسكرية والمدنية والتجارية والإنمائية. نحن بحاجة إلى سياسات فعّالة لمواجهة التهديدات الدينامية الجديدة. نحن بحاجة إلى تطوير ثقافة إستراتيجية تُعزّز تدخّلً مبكّرًا وسريعًا، وقويًا عند الضرورة"29. مثّلت هذه الفقرة تحديدًا مفترقَ طرقٍ لكثير من الباحثين في مجال عسكَرة الاتحاد الأوروبي. بين من اعتبرها إصرارًا أوروبيًا على مواصلة تقليد "القوة المدنية"، وأنّ الاتحاد لا يزال يُفضّ ل استخدام الأدوات المدنيّة لضمان أمن واستقرار الأقاليم المضطربة على الرغم من الإمكانات العسكريّة التي يحوزها؛ بل إنّ هذه الأدوات هي ما يجعل الانخراط الأوروبي الوقائي فعّالً ومتميّزًا من الانخراط الأميركي المكرّس للعمل العسكري المباشر30. أما مانرز فرفض أن يتخذ الاتحاد من المعيارية حجّةً ليعزّز عسكرته، ودعا إلى أن يكون "مورّدًا للأمن الإنساني"، ويكون اهتمامه الأساسي حياة البشر وكرامتهم وتحرّرهم من الخوف والفاقة؛ يجب ألا يميل الميزان الأوروبي إلى مصلحة ترجيح كفة الردود العسكريّة قصيرة الأمد التي تخاطر بصنع سلام هشّ، وفي أسوأ الأحوال انحراف الاتحاد عن جادّة المسار الذي أُسّس لأجله أول مرة، ما حذّر منه جون مونيه بقوله: "لقد شيّدنا الاتحاد خصيصًا للفِرار من عقليّة القوة العظمى التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر"31. أكّدت استراتيجية 2003 ثانيًا، ضرورة تعزيز الاتحاد "حلقة من الدول المتمتعة بحوكمة جيّدة في جواره الشرقي والجنوبي"، وأحكمت الربط بين "الحوكمة الجيّدة" والأمن الأوروبي؛ "إن عالمًا تسوده دولٌ متمتعة بحوكمة جيّدة لهو السبيل الأمثل للحفاظ على أمننا[...]إنّ ذيوع حوكمة جيّدة، دعم الإصلاح الاجتماعي والسياسي، التعامل مع قضايا الفساد واستغلال السلطة، إرساء سيادة القانون وحماية حقوق الإنسان لهي أفضل الوسائل تعزيزًا للنظام الدولي"32. تركيز الوثيقة بهذا الشكل على قدرة الاتحاد ورغبته في مساعدة الدول على امتلاكها حوكمة جيّدة، لا يعكس تقديم الاستراتيجية "الخارج" باعتباره " خط الدفاع الأول " و " أولوية جغرافية رئيسة للعمل الخارجي للاتحاد"، لكنّه مثّل الحد الأقصى من الحماسة التحويلية لأطروحة "أوروبا قوّة معيارية" بسبب القدرات المالية والفنية الضخمة التي يتعيّ على الاتحاد تسخيرها ليتسنّى لمن حوله تبنّي قِيمه ومعاييره نفسها. وفي
هذا السياق، يمكن الاستدلال بسياسة الجوار الأوروبية 2004() التي أُطلقت خصيصًا لمعالجة هذا الهدف الاستراتيجي مع ما اصطلح عليها دول الجوار الشريكة (الثالثة.) فكانت الخطة بأن يعتمد الاتحاد مقاربة "بناء المؤسسات" Institution-building على النمط الأوروبي، تُنقل بموجبها التجربة الأوروبية في مجال الإصلاح السياسي والتشريعي والاقتصادي إلى دوله الشريكة، بل تُجبر على تبنّيها في حال أرادت الحصول على مساعدات وتسهيلات مالية وفنية تصل إلى حدّ منحها لقب "الدولة المرشّحة للعضوية في الاتحاد"؛ هي "مشروطية إيجابية" تعمل بمنطق "المزيد من الإصلاحات، في مقابل المزيد من الامتيازات"، خصّص لها الاتحاد أغلفة مالية معتبرة33 وبرامج عدة لتحقيقها، مثل التوأمة المؤسسية واستحداث مكتب تبادل معلومات المساعدة الفنية TAIEX ومشروع "دعم تحسين الحوكمة والإدارة" SIGMA34، وخُطط عملٍ اتفق عليها الطرفان مكمّلة لاتفاقات الشراكة المتوسطية EMAA واتفاقات الشراكة والتعاون PCA، والهدف منها وضع معايير للإصلاحات المحلية وتحديد أجندة التعاون الثنائي ودعم الاتحاد الأوروبي المكمّل بآلية منتظمة للمراقبة والإبلاغ. أخيرًا، حدّدت استراتيجية 2003 "تعددية الأطراف الفعّالة" كهدف استراتيجي ثالث يجب على الاتحاد الالتزام به والسعي لتعزيزه، نظرًا إلى فاعليته في معالجته الجذرية-طويلة الأمد للتهديدات وتحقيق الأمن العالمي، ولأنّ الالتزام به يبيّ التزامًا بمبادئ القانون الدولي والأمم المتحدة؛ "نحن ملتزمون بدعم القانون الدولي وتطويره. فميثاق الأمم المتحدة هو الإطار الأساسي للعلاقات الدولية. ومجلس الأمن هو المخوّل الرئيس بتحقيق السلم والأمن الدوليين. أن يتحمل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المسؤولية الأساسية عن صون السلم والأمن الدوليين. إن دعم الأمم المتحدة وإمدادها بالتجهيزات اللازمة للإيفاء بمسؤولياتها وللعمل بفاعلية لهو مسؤولية أوروبية"35. تبنّي استراتيجية 2003 "تعددية الأطراف"، يجب ألّ يُفهم إلّ تتمّةً لأطروحة "أوروبا قوّة معيارية"؛ إنّ الاتحاد يرغب في تسويق صورته باعتباره فاعلً يحترم القواعد المتّفق عليها دوليًا، بأن دعوته إلى العمل مع منظمات دولية، مثل الأمم المتحدة، ومنظمات إقليمية، مثل الآسيان والاتحاد الأفريقي وغيرها، ومع دول منافسة، مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا، تعكس رغبته في بناء نظام دولي متعدّد الأقطاب، قِوامه عمل مؤسسي وقواعد وقوانين متفق عليها؛ "لقد وسّعنا فعليًا علاقاتنا مع الصين وروابطنا مع كندا واليابان وثيقة ومديدة، أما روسيا فتظل شريكًا مهمً في القضايا العالمية. ولا يزال المجال متاحًا لتحسين علاقتنا مع الهند أكثر. ومنذ عام 2003 ارتقت علاقتنا مع باقي الشركاء، البرازيل وجنوب أفريقيا ومع شركائنا الأوروبيين، مثل النرويج وسويسرا"36. عرض باحثون لأطروحة "أوروبا قوّة معيارية" ناقشوها بين من وسّع إطارها ودافع لمصلحة استمرارها، ومن انتقدها ودعا إلى إحداث مراجعات كبرى لها، وللاستراتيجية الأمنية الأوروبية ككل. بالنسبة إلى المدافعين، أصبح شائعًا في الأدبيات التي تتناول السياسة الخارجية للاتحاد أن تجادل في أنّ الاتحاد اتخذ من المقاربة التضامنية مع الشؤون الدولية مرتكزًا لهويّته، وبأنّه أصبح يتصرّف كسلطة أخلاقية37 وفاعل خيري يخدم المصلحة العامة الدولية38، وفاعل دبلوماسي في مجال حقوق الإنسان39. وحتى أولئك منتقدو الاختزال المثالي الليبرالي للاتحاد، ككيان يعتمد الشواغل الأخلاقية والقيمية، فحسب، دليلً موجِّهًا سياسته الخارجية والأمنية، أقروا بأنّه "حتى يمارس الاتحاد تأثيرًا عالميًا، عليه أن يبقى مستودعًا مؤسسيًا لهذه الشواغل وأن يضيف عليها القوّة المادية لدوله"40. وبالعودة إلى ناي، كان تطويره مفهوم القوّة الناعمة، استجابةً منه لادّعاء المؤرّخ البريطاني بول كينيدي في عام 1987 القاضي بأنّ الأفول الأميركي أمرٌ لا مفرّ منه، الذي اعتبره خاطئًا لأنّ مفهوم القوة الذي اعتمده كينيدي للتنبؤ بمستقبل القوّة الأميركية جرى تحويره، إذًا هو ليس أفولً أميركيًا بقدر ما هو تغير براديغمي. والمنطق نفسه الذي اعتمده ناي في تقديم حجج بديلة لاستمرارية الفاعليّة الأميركية في
العالم، تبنّاه باحثو التكامل الأوروبي لتقديم حجج تفيد استمرارية فاعلية الاتحاد. وبالنظر إلى توقيت إصدار الوثيقة، نجد أنها تزامنت مع الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 والخلاف الأوروبي - الأطلسي الذي ظهر نتيجة ذلك، فما كان من الأوروبيين إلّ أن قدّموا الاتحاد بأنّه، على خلاف أميركا، ملتزم بقواعد القانون الدولي41. فضلً عن أن تلك الفترة اعتبُرت الفترة الذهبية للتكامل الأوروبي بتوسعة العضوية في الاتحاد، ما منح تعزيزًا وشرعية أكثر لمعاييره على المستوى العالمي. أما المجادلون بفشل الأطروحة، فقدّموا حججًا عدة تتعلّق أكثر بتطبيقاتها العملية. بين من اختبر حدود القوّة المعيارية للاتحاد في جواره الجنوبي، مثل الباحث محمد حمشي الذي جادل بأنّ الاتحاد فوّت الفرصة السانحة التي وفّرها له "الربيع العربي" هناك في ما يتعلّق بتعزيز التحوّل الديمقراطي لدوله والدفع بها نحو الأهداف التي يُفترض أنّها تتفق مع غائية القوّة المعيارية، وأنّه، وفي الوقت الذي أبقى الاتحاد على خطاب الترويج للمعايير والسعي الحثيث لنقلها، فإنّ سلوكه الخارجي بقي قائمًا على منطق المحافظة على استقرار أنظمة الحكم، بل الصمت وغضّ الطرف عن ممارساتها التسلطية42. متلازمة "الاستقرار بدلً من الديمقراطية"، اعتبرتها تانيا بورزل جزءًا أصيلً من سياسة الجوار، بل نتيجة حتمية للسعي الأوروبي المزدوج لتعزيز "الحوكمة الجيّدة" في الدول السلطوية ودَمقرطتها في الوقت نفسه، فعمليًا لا يمكن لتعزيز الديمقراطية أن يوجد استقرارًا على المدى القصير، بل على العكس، وفي هذا النوع من الأنظمة، ينطوي الأمر على زعزعة للاستقرار وحالة من اللايقين السياسي، لأنّه يتطلّب انتقالً للسلطة وتغييرًا للنظام43. وكذلك، الترويج للمشروطيّة بالطريقة التي عرضتها سياسة الجِوار، مثّل لآخرين إضفاءً قسريًا للهويّة الأوروبيّة على دول العالم الثالث من دون مراعاة خصوصياتها الثقافية والسياسية والاقتصادية، هي سياسة إمبريالية بوجه جديد، لأنّه، وعلى مر التاريخ، كثيرًا ما سعت الإمبراطوريات لفرض الاستقرار في المناطق المحيطة بها واستخلاص مزاياها الاقتصادية وتصدير نظامها الإمبريالي عبر تدجين نخبها44؛ فالاتحاد الأوروبي بتبنيه "براديغم المعيارية"، وبسبب التنازع الراسخ في المخيّلة العالمية بين المعايير والمصالح، رسّخ الاتهامات التي عادةً ما تُكال له بأنّه يتصرف وفقًا لمصالح دوله، لا وفق المعايير التي أعلن دفاعه عنها، على الرغم من أنّ التقويم المعياري للمصالح، يبقى حُكمً سياسيًا في الأساس45. اختبر آخرون حدود القوة المعيارية للاتحاد في جواره الشرقي، خصوصًا بعد الاستحداث الأوروبي للشراكة الشرقية EaP 2009(.) فالأخيرة، وإن كانت مبادرة سياسية تَعِدُ بضخّ بُعدٍ سياسي جديد لانضمام دول الجوار الشرقي إلى الاتحاد، فإنّ تغييبها خيار العضوية -"الجزرة الذهبية" - أبطل فاعليتها والطموح المعياري للاتحاد ككل. وأثبتت التجربة الإمبيريقيّة في الإقليم القوقازي أنّ دوله أبانت مستويات متباينة من التماثل مع المشروطية التي فرضها الاتحاد، على الرغم مما أحدثته من توافقٍ سياسي ومؤسساتي سيّئ؛ إذ أظهرت جورجيا وأرمينيا مستويات امتثال رسمي متشابهة مع سياسات الاتحاد في مكافحة الفساد، على الرغم من اختلاف امتثالهما السلوكي - أي مدى تغيّ سلوكهما الذي سبّب الفساد في المقام الأول، وامتثالً جيّدًا وسياسات الهجرة الأوروبية، وفي مجال الطاقة، امتثلت أرمينيا وسياسات تشكيل السوق الأوروبية - سياسات تهدف إلى التخفيف من تأثير العوامل الخارجية سلبيًا في عمل السوق – في حين أظهرت جورجيا التزامًا ضعيفًا بسياسات تشكيل السوق والتزامًا قويًا بسياسات صُنع السوق - سياسات تسعى لضمان عمل الأسواق من خلال تحريرها46. كشف التعامل الأوروبي مع دول الجوار الشرقي، أيضًا، عن كيف أن السرد الأمني للتهديد/ الخطر الحاضر في استراتيجية 2003 يكرّس منطق عمل مغاير تمامًا للسرد الأمني القائم على تصدير النموذج المعياري للاتحاد. فمما لا شكّ فيه أنّ السرد الثاني يشير إلى عقد طرفين متماثلين تفاهمات/ شراكات لمواجهة تحديات أمنية مشتركة، لكنّ السرد الأول ساعد في فرض تصوّرٍ واحد للأمن والتهديد، التصوّر الأوروبي، وأبقى على علاقة غير متكافئة بين فاعلٍ قويّ يحاول فرض نموذجه الأمني على آخر، إضافة إلى تأطيره بلغة التهديد والخطر لا يملك حق فرض انشغالاته الأمنية المغايرة. وانتقلنا بالضرورة من شراكة لمصلحة مشروع سلام أوروبي قائم على ترتيبات تعاونية، إلى
شراكة لمصلحة إدارة المخاطر والتهديدات قائمة على "أمننة" دول الجوار الشرقي، وما انطوى عليه الأمر من منافسة بين الفاعلين المشاركين في صوغ سياسة الجوار ومعها الشراكة، كانت الكلمة العليا فيه دائمًا لمصلحة المدافعين عن المصالح الأمنية الحصرية للاتحاد؛ وضرب الباحث جورج كريستو مثالً على الطريقة التي سيطرت فيها المخاوف الأوروبيّة من تدفقات الهجرة غير النظامية وشبكات الجريمة المنظمة، على تأطير الشراكة لمسألة تحرير التأشيرات وإعادة القبول التي قدمتها حافزًا رئيسًا للتكامل. في الوقت الذي اعتبرتها بيلاروسيا ذات أهميّة حاسمة لأمنها، قدّمتها الشراكة كهدف طويل الأمد إلى كل دولة على ح دة، وقايضتها بتوافر ظروف تنقل آمنة وجيّدة التنظيم. مثل هذا الإجراء لم يساهم في تقويض صدقيّة الاتحاد كفاعل أمني في الشرق، فحسب، لكنّه سمح للنخب المحافظة في القيادة البيلاروسية باستغلال عروض الاتحاد بشكل انتقائي بما يتوافق والهويّة والممارسات التي أسّسها النظام البيلاروسي لبقائه في الحكم47. لم تغب هذه الانتقادات كلها المقدّمة إلى استراتيجية 2003، طبعًا، عن بال القادة الأوروبيين الذين انتقدوها على طريقتهم، لأنها لا تتواءم وأولوياتهم الجيوسياسية وثقافتهم الاستراتيجية ومنظورهم الخاص إلى الأمن، وباستثناء المعارضة الألمانية والبريطانية، وافقت أغلبية دول الاتحاد على بدء عملية مراجعة واسعة، تُوّجت بمصادقة المجلس الأوروبي عليها في كانون الأول/ ديسمبر 2008 وإصدارها تحت عنوان "تقرير حول تنفيذ الاستراتيجية الأمنية الأوروبية"48. وشمل التقرير توسيعًا للمجالات الجديدة التي كان الاتحاد في حاجة إلى معالجتها، مثل مجالات الأمن السيبراني وتغيّ المناخ والأوبئة، وتوسيعًا لقائمة الأدوات والموارد التي ستسهّل عليه متابعة أهدافه الأمنية. على الرغم من ذلك، فإنّ التقرير لا يرقى لوصفه "مراجعة استراتيجية"؛ إذ لم يوضّ ح كيف يمكن أن يستبق الاتحاد الأحداث ويتصرّف قبل وقوع الكوارث، ولا كيفيّة توقيت توظيفه الأدوات المدنيّة والعسكريّة لإدارة الصراعات التي سبق ورودُها في استراتيجية 2003. ولعلّ أهمّ ملاحظة يمكن تقديمها في سياقه الدعوات المتزايدة ليوليَ الاتحاد مصالحه مزيدًا من الاهتمام، ليكون تفكيره استراتيجيًا أكثر وذا فاعليّة. دعوات ما انفكت تتكرّر منذ مراجعة عام 2008 إلى غاية إصدار "الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي" في حزيران/ يونيو 2016 التي وجدت أخيرًا المفهوم الناظم الذي من شأنه أن يعبّ عن هذه الغاية.
2. براديغم "المطواعية"
كان السياق الداخلي والخارجي مهمً لفهم حيثيات إصدار استراتيجية 2003، والأمر نفسه يمكن المحاجّة به مع استراتيجية 2016؛ ففي الوقت الذي تأثرت الأولى بالغزو الأميركي للعراق وما أحدثه من خطوط صدع في العلاقات الأوروبية - الأوروبية والأوروبية - الأطلسية، كان للتصويت لمصلحة خروج بريطانيا من الاتحاد في تموز/ يوليو 2016 وما اعتبره الأوروبيّون أنشطة روسيّة معادية، مثل ضمّها شبه جزيرة القِرم 2014() ومشاركتها في الأزمة الأوكرانيّة 2013()، فضلً عن التصريحات المتكررة لدونالد ترامب بتقادُم الحلف الأطلسي في أثناء حملته الانتخابية، الأثرُ البالغ في الصياغة الجديدة التي كُتبت بها استراتيجيّة 2016؛ إذ لم يكن من بُدٍ هذه المرة سوى العمل على استمرارية الاتحاد الذي تعرّض لأكبر أزمة شرعيّة في تاريخه، حيث أصبح بقاؤه بموجبها مهدّدًا، والعمل على التخفيف من وطأة التهديدات التي عَصَفت بالأمن الأوروبي وبالأمن العالمي. استراتيجية 2016، إذًا، وبجعلها الأمن الأوروبي مشروطًا بتحقّق الأمن داخل الاتحاد وخارجه، كما عبّ ت عن ذلك موغيريني في معرض تقديمها لها، لا يمكن أن تُقرأ إلّ باعتبارها استراتيجية بقاء ابتَدعت التزامًا داخليًا تجاه الاتحاد كهيئة جماعية ملزمة بمتابعة الأهداف الأمنية الأوروبية، والتزامًا خارجيًا لدول الجوار وباقي العالم بالمساهمة أيضًا في تحقيق أمنهم وسلامهم49. فرضت هذه النيّة التي أبانتها استراتيجيّة 2016 من خلال تقديم الاتحاد باعتباره فاعلً عالميًا ملزمًا بتأدية مهمات أمنية في داخل دوله وفي العالم، بدورها، سؤالً مُلحًّا آخر؛ ما المنطق الحوكمي الجديد الذي ينبغي للاتحاد تبنّيه من أجل أن يتمكّن من التعامل، بفاعلية، مع هذه البيئة السياسية والاقتصادية والأمنية المتغيرة الوتيرة؟ الإجابة هذه المرة قدّمتها ناتالي توتشي، المستشارة الخاصة لموغيريني ونائب المسؤولة عن فريق محرّري استراتيجيّة 2016، بتقديمها "المطواعية" أولوية رئيسة، موجّهةً إلى الاتحاد الأوروبي50، وعزت ذلك إلى ثلاثة أسباب سياسية ومؤسسية، نسردها كالآتي:. أ إنّ المطواعية، باعتبارها مفهومًا مستخدمًا في أغلبية مجالات السياسة، ومن حيث هي قدرةٌ على التكيّف والاستجابة والتعافي
عقب الأزمات والصدمات، تتواءم جدًا مع الأساس المنطقي. ب سّست لأجله استراتيجية الذي أ 2016، بأن يكون للاتحاد، ككيان متعاضد، دورٌ في الشؤون العالميّة. بل إن إصرار موغيريني وَسمَها بالعالميّة، بدلً من "الأمنيّة"، يتجاوز توسيع نطاقها الجغرافي لتشمل العالم إلى توسيع نطاقها العملي بالجمع بين جميع الفاعلين والمؤسسات والسياسات والأدوات التي يشملها الاتحاد، ومن ثم، توسيعًا لنطاقها الموضوعاتي لتشمل المجالات التقليدية للسياسة الخارجية، مثل الدبلوماسية والدفاع والتنمية إلى البعد الخارجي لمجالات السياسة الداخلية من البحث العلمي والبنية التحتية إلى الطاقة والمناخ والتجارة51. كانت ناتالي مقتنعةً بأنّ "الداخل الأوروبي هو خط الدفاع الأول"، ومن شأن "المطواعية" أن تقدّم معجمً مشتركًا تستخدمه الجماعات السياسية كلها في الاتحاد التي اعتادت العمل بشكل منفصل من الجماعات البيئية والإنسانية والتنموية التي كانت السبّاقة في استخدام مقاربة المطواعية52، إلى جماعات الأمن والدفاع. ومن شأن مثل هذا الدمج أن يساعد الاتحاد في تبني مقاربة متكاملة لتسوية الصراعات والأزمات تلبية لعقيدة الأمن الإنساني53، أولى لبِنات العمل الخارجي والأمني للاتحاد التي أكدّتها استراتيجية 2016؛ "سيتم توسيع نطاق "المقاربة الشاملة" أكثر[...]فالاتحاد سيتبع مقاربة متعدّدة الأوجه تسمح بعمله في مراحل دورات الصراع كلها. سنستثمر في الوقاية والتسوية وفرض الاستقرار ونتجنّب الانسحاب المبكّر في حال حدوث أزمات في أماكن أخرى"54. اررغ تااية المبدئية أنّها تتناغم جدًا مع فلسفة "ال" التي استرشدت بها Principled pragmatism المفوضية الأوروبية55. ردًّا على الدعوات المتزايدة لتكون مبادئ السياسة الخارجية للاتحاد مستمدةً من الواقع السياسي، لا منفصلةً عنه، حيث تشير البراغماتية المبدئيّة إلى ضرورة تكيّف الاتحاد مع البيئة الدولية المتغيرة، وسياسته الخارجية في حاجة إلى جرعةٍ من الواقعية السياسية إلى جانب التزامها بالمهمات المعيارية؛ و"سوف نسترشد بمبادئ واضحة، نابعة من التقويم الواقعي للبيئة الاستراتيجية الحالية، ومن التطلّع المثالي إلى تعزيز عالم أفضل"56. إضافة إلى ذلك، لم يُعلن محررو الاستراتيجية مباشرةً عن تخلّ الاتحاد عن تأدية المهمات التحويلية -المعيارية التي كثيرًا ما ألزموه - وأجهدوه - بها، لكنّهم جعلوا من "تعزيز مطواعية" دول الاتحاد والأخرى الواقعة إلى جواره شرطًا مسبقًا لتحقّقها57؛ "اكتساب الدول والمجتمعات القدرة على الإصلاح - وبالتالي تحمّل الأزمات الداخلية والخارجية والتعافي منها - سيعود بالفائدة عليهم في الدرجة الأولى وعلى الدول الأوروبية[...]الدولة المطواعة دولة آمنة وهي مفتاح الازدهار والديمقراطية"58. ولعله مكمن الاختلاف الرئيس مع استراتيجية 2003، بأن جعلت استراتيجية 2016 "تعزيز مطواعية الدول والمجتمعات" أولويّةًاستراتيجية له، أصبحنا نتحدث عن قوّة تحويلية من طابع جديد تتعلّق أساسًا بقدرة الاتحاد ليس على فرض معاييره وقيمه فحسب، لكن تعزيزه مطواعية دول ومجتمعات جواره الشرقي والجنوبي59. وعلى المستوى الدولي، دعت الاستراتيجية إلى أن يتبنّى الاتحاد مقاربةً براغماتية "لتعددية الأطراف" باعتبارها إطارًا جديدًا للحوكمة العالمية في القرن الحادي والعشرين، كما دعت إلى إعادة مراجعة طريقة عمل المؤسسات المتعددة الأطراف وبضرورة أن تأخذ في الحسبان التوزيع الجديد للقوة على المستوى الدولي60. الموقف البراغماتي نفسه اتخذه الاتحاد من روسيا، من خلال وصف علاقته بها "تحديًا استراتيجيًا رئيسًا"، وأن أي تغيير جوهري قد يطرأ على هذه العلاقة مرهونٌ بمدى الالتزام الروسي بالاحترام
الكامل للقانون الدولي والمبادئ التي يقوم عليها النظام الأمني الأوروبي61. يمثّل المفهوم في أصله اعترافًا ضمنيًا بالطبيعة المعقّدة للعالم. ج الذي نعيش، وبعدم القدرة على التحكّم في جميع ديناميّاته، حيث يشير استجداء الاتحاد بالمطواعية إلى الوثبة المفهومية والإدراكيّة الكبرى التي قام بها الاتحاد نحو إقرار سياساته بالطبيعة المتأصّلة للخطر واللايقين، وبأنّ التطوّرات الحاصلة - أو الممكن حصولها - في الداخل الأوروبي وفي الجِوار ليست خارج نطاق فهمه فحسب62، لكنها خارج سيطرته أيضًا. إنّه اعتراف بلاخطيّة الحداثة والاستقرار والديمقراطيّة، المفاهيم التي يستند إليها خطابه الدولي باستمرار. فالأولويّة الكبرى التي منحتها المطواعية لحاجات الأشخاص المحليين وتطلّعاتهم، من شأنها أن تخلّص الاتحاد من أعباء مقاربة "بناء-المؤسسات" والانفصال الذي كرّسته بين ما هو "عالمي" و"محلي"، وانتقلت به إلى حوكمة خارجيّة جديدة تنطلق من أسفل إلى أعلى؛ من المحلي حيث أصل المشكلة في خطٍ تصاعدي إلى أعلى. أما تدخّله فيجب أن يكون لبناء قدرات الفاعلين المحليين للتعامل الجيّد والأزمات الطارئة، وليس استجابةً لدعوات دولية كما كانت الحال سابقًا، وبتعبير الاستراتيجية؛ " سنعمل في مجالات التنمية والدبلوماسية وسياسة الأمن والدفاع المشتركة، لنتأكد من أنّ من شأن جهودنا لإصلاح قطاع الأمن أن تمكّن وتعزّز قدرات شركائنا لتوفير الأمن في إطار سيادة القانون. وسنتعاون مع باقي اللاعبين الدوليين وننسق عملنا بشأن بناء القدرات مع الأمم المتحدة ومع الحلف الأطلسي خصيصًا"63.
3. الآليات المؤسسية "لبراديغم المطواعية"
حاولنا في المبحث السابق أن نوضح كيف أنّ استراتيجية 2016 كرّست، نظريًا، من خلال تقديمها براديغم المطواعية منطقًا أمنيًا مكثّفًا، وبالضرورة مزيدًا من الأدوار الأمنية للاتحاد. أما المبحث الثاني فمعنيّ بالتأكيد العملي لهذه الحجّة باعتماده شواهد عدة؛ ففي الداخل الأوروبي، كانت الدعوة موجّهة لطمس الحدود الفاصلة بين مجالي الأمن الداخلي والخارجي، حيث مُنحت الوكالة الأوروبية للتعاون في مجال إنفاذ القانون Europol والوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل Frontex منذ عام 2016 سندًا قانونيًا جديدًا لدعمها الدول المجاورة للاتحاد في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية والإرهاب64. وكُلّفت سياسة الأمن والدفاع الأوروبية وسياسة الدفاع والأمن المشتركة، أيضًا، بمهمات الأمن الداخلي ومراقبة الهجرة التي لا تعتبر من مهماتها قانونيًا؛ مثل مهمة EULEX في كوسوفو التي لا تُعدّ أكبر مهمة مدنية لإصلاح قطاع الشرطة ونظام القضاء فحسب، لكنها مُنحت أيضًا تفويضًا تنفيذيًا لمحاكمة جرائم الحرب والجرائم التي أُالخطرة الأخرى، ومهمة "أتالانتا" Navfor EUسّست لاحتواء القرصنة في القرن الأفريقي، وكلّفت بدعم نقل القراصنة إلى سلطات إنفاذ القانون المدنية على الأرض، إلى جانب تأمينها الطرق البحريّة، ولعلّ المثال الصارخ لهذا التداخل هو عملية صوفيا العسكرية التي نشُرت في عام 2015 لإغاثة خفر السواحل الإيطالي ومكافحة شبكات التهريب في وسط البحر المتوسط65. وفرض "براديغم المطواعية" أيضًا إزالة الفصل بين الأمن وباقي التحديات التي يمكن أن يواجهها الاتحاد أو قوانينه التشريعية الملزمة، حيث يكون كلُّ انتهاك من الأفراد أو المؤسسات بحق المكتسبات القانونية للاتحاد ذا صلة بالمطواعية كما حدث في تموز/ يوليو 2017 عندما هدّدت المفوضية الأوروبية ببدء إجراءات صارمة ضد بولندا لسحب حقها في التصويت على المستوى الأوروبي بسبب إصلاحها نظام العدالة الذي اعتُبِ خلافيًا أو مخالفًا للمعايير القانونية الأوروبية لاستقلالية القضاء66. في قضايا الدفاع، أصبح شائعًا القول إن منذ عام 2016 وعَقِبَ إصدار استراتيجية 2016، شهدت السياسة الأمنية والدفاعية للاتحاد زخمً كبيرًا بسبب المبادرات الكثيرة التي أطلقها الاتحاد، والتي يمكن إحصاؤها كالآتي:. أ إطلاق صندوق الدفاع الأوروبي EDF في كانون الثاني/ يناير 2017 لتنسيق وتوسيع استثمارات الدول الأوروبيّة في مجال بحوث الدفاع، خصّص له الاتحاد ميزانية قدرها 90 مليون أورو حتى نهاية عام 2019، إضافةً إلى 500 مليون أورو سنويًا بعد عام.2020
. ب تأسيس قوة القيادة والتخطيط العسكري MPCC ضمن هيئة الأركان العسكريّة للاتحاد في حزيران/ يونيو 2017، تتولّ قيادة البعثات العسكرية غير التنفيذية للاتحاد، كما تعمل على تحسين هياكل إدارة الأزمات التابعة للاتحاد.. ج إطلاق مبادرة التعاون الهيكلي الدائم في مجال الدفاع PESCO في كانون الأول/ ديسمبر 2017 لمراقبة مدى التزام الدول الأعضاء 25(دولة) فيها بمتابعة مشاريع تطوير القدرات الدفاعية ومشاريع صناعة الدفاع الأوروبية.. د إطلاق المراجعة السنوية المنسّقة للدفاع CARD في عام 2017، وهي عملية تطوعية تهدف إلى رصد الخطط الدفاعية للدول الأعضاء في الاتحاد للمساعدة في تنسيق مستويات إنفاقهم وتحديد المشاريع التعاونية المحتملة بينهم. عَمِل الاتحاد منذ عام 2017 على تحسين التنقل العسكري. ه للأفراد والمعدات العسكرية عبر أراضي دوله وخارجها. واقتُ ح تخصيص ما قيمته 6.5 مليارات أورو لدعم البنية التحتية للنقل المدني والعسكري ذي الاستخدام المزدوج.. و باشر الاتحاد في حزيران/ يونيو 2018 بمراجعة البعد المدني لسياسة الأمن والدفاع الأوروبية المشتركة لتأخذ شكل اتفاق سياسة الأمن والدفاع الأوروبية المشتركة المدنية CCC. الهدف منها تكييف السياسة والتحديات الجيوسياسية التي يواجهها الاتحاد وتعزيز قدرته على معالجة الأزمات الدولية؛ مثل البعثة الاستشارية للاتحاد الأوروبي في العراق EUAM Iraq والعملية البحرية لمكافحة الاتجار بالبشر في البحر المتوسط. 67 EUNAVFOR Med Sophia جديرٌ بالذِكر أنّ هذه المبادرات يجب أن تُفهم باعتبارها استمرارية لمشروع عسكرة الاتحاد الذي دشّنته لوبيّات بروكسل المدافعة عن سياسة صناعية-عسكرية للاتحاد، التي حذّر منها مانرز68 كما ذكرنا آنفًا. فبقدر ما يُعزى زخمها إلى المفوضيّة الأوروبيّة التي نجحت في تأسيس "المديرية العامة للصناعات الدفاعية والفضاء" DEFIS DG وإطلاق صندوق الدفاع الأوروبي المعزّز حقيقةً لسوق دفاع أوروبيّة، كذلك منصب الممثل السامي لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في شخص موغيريني بالذات. فمن أمثلة النجاح التي حققتها معاهدة لشبونة 2009() أنّها استحدثت منصب الممثل السامي تمامًا للتعامل والطبيعة الهجينة لقضايا الأمن والدفاع في الاتحاد؛ هي هجينة لأنها كانت (ولا تزال) محل تنازعٍ بين حكومات دول الاتحاد ومؤسساته، خاضعة للقرارات السيادية لدوله، وعصيّة على تحقيق مستويات اندماج عليا. فالممثل السامي هو ممثل لدول الاتحاد في مجال السياسة الخارجية والأمنية للاتحاد ورئيس الخدمة الدبلوماسية للاتحاد (خدمة العمل الخارجي الأوروبي) ونائب رئيس المفوضية الأوروبية69. سمح مثل هذا الامتياز الذي حازه الممثل السامي له، أيضًا، بالعمل على بُعدَي السياسة الأمنيّة والدفاعية للاتحاد؛ البُعد العسكري المتعلّق بعمليات وبعثات إدارة الأزمات الذي لا تزال تفضيلات دول الاتحاد المتحكّم الرئيس في مساراته، والبُعد الصناعي- الدفاعي المرتبط أكثر بسوق الأسلحة وبالتطوير الأوروبي المشترك للقدرات التكنولوجية والصناعية الذي تتجاذبه المفوضيّة الأوروبية والدول الأوروبيّة على حدٍ سواء70. قدّمت موغيريني، خلِافًا لزميلتها كاترين أشتون، مساهمات مهمّة لتعزيز السياسة الأمنيّة والعسكريّة للاتحاد، حتى إنّها أصبحت السمة المميّزة لعهدتها؛ ففي المجال الصناعي-العسكري، لم تكتف موغيريني بالإشارة إلى أهميّة صناعة الدفاع الأوروبية وتكامل سوق الدفاع الأوروبية في استراتيجية 201671، لكنّها انتقلت عمليًا إلى إطلاق المفوضية صندوق الدفاع الأوروبي، بل مكّنها الدعم المستمر لها من زملائها المفوضين، خصوصًا الرئيس جان كلود يونكر، من التوفيق بين تفضيلات دول الاتحاد ومؤسساته في المجال72. أما عن البعد العسكري، فلم تتمكن موغيريني مع موظفيها من تهيئة ظروف عمل، فحسب، ضمنت بموجبها إشراك دول الاتحاد، مع الاحتفاظ باستقلالية محرّريها في أثناء الصياغة النهائية لاستراتيجية 2016، لكنها أضفت نوعًا من الغموض الاستراتيجي على المسائل العسكرية، فلا هي صرّحت بأنّ الاتحاد سيتحوّل إلى تحالف عسكري، ولا بوجوب تخلّيه عن مسائل الدفاع، بل هي استوعبت الاختلاف القائم بين من سمّتهم ناتالي توتشي "كتلة حرجة من الدول الحريصة على تسريع وتيرة سياسة الأمن والدفاع للاتحاد، وأخرى متوجسة من أن يؤدي ذلك إلى تقويض أسبقية الحلف الأطلسي في مجال الأمن والدفاع الأوروبيين وتقويض سيادتها"73.
وبالنسبة إلى علاقة الاتحاد بالحلف الأطلسي، فإن موغيريني نجحت أيضًا في تهيئة مناخٍ جيّد للتعاون المؤسسي بينهما. والدليل على ذلك توقيعهما إعلانَ تعاون مشتركين74، نُشَِ الأول في أثناء قمة الحلف في وارسو في عام 2016، وجرت الدعوة فيه إلى إعطاء قوة دفع جديدة ومضمون جديد لما سمّوه "شراكةًاستراتيجية بين الحلف والاتحاد." واتُّفق في هذا الإعلان على التعاون في سبعة مجالات: مكافحة التهديدات الهجينة، التعاون المتعلق بالمجال البحري، قضايا الأمن والدفاع السيبراني، القدرات الدفاعية، التمارين العسكرية، مرونة الدول الشريكة. وصدر الإعلان الثاني في عام 2018، وكانت فيه الدعوة إلى تحقيق تقدمٍ في أربعة مجالات رئيسة: التنقل العسكري، ومكافحة الإرهاب، والمخاطر الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية، وقضايا المرأة والسلم والأمن75. أُسّس أيضًا المركز الأوروبي للجودة في محاربة التهديدات الهجينة 2016() في هلسنكي، باعتباره مركزًا محميًّا من الحصار السياسي الذي عادة ما يعوّق تعاونهما، فهو هيئة دولية غير تابعة للاتحاد ولا للحلف، يضم حاليًا 11 دولة عضوًا في الكيانين، كما دعا الجنرال الأميركي في الحلف بِن هودجز في السنة نفسها إلى إنشاء "منطقة شنغن عسكرية" لخفض الحواجز اللوجيستية والتنظيمية التي يمكن أن تعوّق عملية نقل المعدات العسكرية الثقيلة أو المواد الخطرة عبر الحدود الأوروبية في حالة حدوث أزمة ما76. يجب ألّ تنسينا هذه الإنجازات المحقّقة بينهما، في الحقيقة، التحديات الكبرى التي لا تزال تعوّق تحقيق التعاون المثالي؛ إذ لا يزال ممكنًا وصف علاقتهما ب "الوَهن مؤسسيًا والسيئة جدًا والشاذة"، كما كانت الحال منذ البداية الرسمية لعلاقتهما في عام 1999. وكان الباحث نيكول كوينيج قد تحدث عن كيف أنّ توقيع رئيسي المنظمتين الإعلانين، وليس جميع الدول الأعضاء، يوحي بوجود انفصال بين الجانب البيروقراطي والسياسي، ففي إحدى المقابلات، اشتكى بعض كبار المسؤولين في الحلف من العدد الكبير 74() للإجراءات التي وضعت قيد التنفيذ في المجالات السبعة المتفق على العمل فيها واعتبروها أمورًا بيروقراطية، كما جادلوا باستمرارية الخلافات السياسية بين دول الاتحاد في إعاقة عملية التنفيذ77. ولعل الأمر جليّ من حظر أي محاولة لتطوير كتاب خطط مشترك بينهما بشأن التهديدات الهجينة، ومردّ ذلك إحجام الاتحاد عن ربط مجموعة أدواته المدنية بشكل حصري بقوات الحلف. كذلك، لا يزال التعاون بينهما يتّخذ خطًّا متوازيًا أو تنسيقًا بينهما في أحسن الأحوال، بدلً من كونه عملً مشتركًا، خصوصًا في جانب التمارين المشتركة التي بدلً من أن تكون مشتركة، سعى كل منهما لتحسين أداء المهمات كل على ح دَة، وحتى مقترح التنفيذ المشترك للتنقل العسكري الذي قُدّم في منتصف عام 2018، لقي فرصًا ضئيلة للتنفيذ78. من شأن هذه التوترات وعدم القدرة على تبادل المعلومات والخبرات، أن تعوّق فاعلية أيّ عملية مشتركة بينهما قد يُقْدمان عليها في المستقبل، فضلً عن أنّه سيعزّز الفصل أكثر من الارتباط الاستراتيجي بين الاتحاد والحلف. لا تزال العلاقة مع الولايات المتحدة تقف عاملً حاسمً للعلاقة بين الكيانين أيضًا، خصوصًا بعد صعود دونالد ترامب رئيسًا وتصريحاته ومقاربته العلاقة بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي. وهنا وَجَب التوضيح، أنّ مسألة الاستقلالية الأوروبية عن المِظلّة الأطلسية كثيرًا ما كانت حاضرة في قلب النقاشات الأميركية بشأن العلاقات الأورو-أطلسية، وصلت إلى حدّ التساؤل عن جدوى الحلف الأطلسي، خصوصًا بعد نهاية الحرب الباردة وعَقِب حرب العراق 2003()، فضلً عن أنّ أغلبية الرؤساء الأميركيين صرّحوا مرارًا بضرورة أن يتحمّل الأوروبيون مسؤولياتهم الأمنية. لكن يبدو أنّ الأمر أخذ منحى أكثر جدّة في عهد ترامب، ليس بسبب انتقاداته العلنية المتكررة للحلف ومطالبته أعضاءَه برفع حجم إنفاقهم الدفاعي، فحسب - كما أكّدت شواهد عدة حديثه عن رغبته في الانسحاب الكلي من الحلف - لكن أيضًا إقراره المفاجئ بسحب 9500 جندي أميركي من ألمانيا وانسحاب بلده الرسمي من معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى مع روسيا (آب/ أغسطس 2019)، وتهديده بالانسحاب من معاهدة
الأجواء المفتوحة. هذا السلوك استخدمه باحثون ومعلّقون كثُر، معروفون بتوجّهاتهم المعادية لسياسة ترامب الخارجية، كدلائل على سوء استخدام الإدارة الأميركية ملف التحالفات الدولية واستمرارية الهيمنة الأميركية. لكن ما أغفله هؤلاء أنّ قرار الانسحاب الأميركي من الحلف لا تحدّده تصريحات ترامب، ولا بعض قراراته المفاجئة بشأن خفض التزامات بلده العسكرية والأمنية في القارة الأوروبية، لكنّه مرهون أكثر بتوجّهات وقناعات فواعل أخرى في النظام السياسي الأميركي، مثل الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الكونغرس والبنتاغون والجيش الأميركي79، وبالأوروبيين الذين لا يزالون مصرّ ين على رهن أمنهم ودفاعهم للمظلّة الأطلسية.
ثًالث ا: "براديغم المطواعية" والأجندة الأوروبية للهجرة
تشترك الاستراتيجيتان العالميتان للاتحاد الأوروبي في وضع الهجرة في خانة التهديدات الأمنية لأمن الاتحاد ودوله على حد سواء، لكنهما تختلفان من حيث كثافة التهديد الذي تمثله. ففي الوقت الذي ضمّنتها استراتيجية 2003 بوصفها نوعًا من أنواع الجريمة المنظمة باعتبارها التهديد الرئيس الخامس لأمن أوروبا بعد النزاعات الإقليمية وانتشار أسلحة الدمار الشامل والإرهاب، أولتها استراتيجية 2016 أهمية كبرى مع مسائل اللجوء، بل جعلت من استحداث سياسة هجرة فعّالة إحدى أولويات العمل الخارجي للاتحاد. وفي ذلك انتقل النقاش من التركيز على سيادة القانون والديمقراطية والحوكمة الجيّدة باعتبارها أدوات التغيير الرئيسة للحدّ من تهديد الهجرة في إطار استراتيجية 2003، إلى موضعة المطواعية في قلب الأجندة الأوروبية للهجرة، حيث ذكرت استراتيجية 2016 أنّ: "التركيز سيكون بشكل خاص في عملنا على المطواعية في دول منشأ وعبور المهاجرين واللاجئين. وسنكثّف جهودنا بشكل كبير في مشاريعنا الإنسانية في هذه الدول، مع التركيز على التعليم والنساء والأطفال. كما سنقوم، إلى جانب دول المنشأ والعبور، بتطوير مقاربات مشتركة ومصممة خصيصًا للهجرة، مثل التنمية والدبلوماسية والتنقل والهجرة القانونية وإدارة الحدود والسماح بدخولهم مجددًا وعودتهم. وسندعم بلدان المرور من خلال تحسين قدراتهم على الاستقبال واللجوء والعمل على تعليم المهاجرين وتدريبهم المهني ومنحهم فرص كسب العيش الكريم"80. الحديث الأوروبي عن المطواعية لمعالجة ملف المهاجرين لم تذكره استراتيجية 2016 أول مرة، لكنّ المفوضية الأوروبية كانت قد دمجته سابقًا في سياستها الإنمائية والإنسانية في عام 2012، حيث عرّفتها بأنّها "قدرة الأفراد والأسر والمجتمعات والدول والأقاليم على التكيّف والتصدي والتعافي بسرعة من الضغوط والصدمات"81. وحدّدت معالم التطبيق العملي للتعريف "الأجندة الأوروبية للهجرة" التي أصدرتها المفوضية الأوروبية في عام 2015، والتي كانت بمنزلة (ولا تزال) دليل عملها وعمل الوكالات التابعة للاتحاد والدول الأعضاء فيه. ووضعت الأجندة ثلاثة خطوط عريضة للتعامل الأوروبي ومسألة المهاجرين وفق مبدأ المطواعية، يمكن تلخيصها كالتالي: أولً، تتطلّب المطواعية المشاركة والتعاون المتزامن بين الفاعلين المشتغلين في المجالين الإنمائي والإنساني، أو ما يعرف اختصارًا "الرابطة الإنسانية-الإنمائية"؛ ثانيًا، إنّ فهم السياق شرط أساسي لبناء المطواعية، ويقصد بذلك ضرورة معالجة الأزمات المسببة للهجرة في الدول الضعيفة بنيويًا، إضافة إلى معرفة القدرات المحلية للأخيرة التي يمكن أن تستفيد التدخلات الإنسانية والإنمائية منها وتبني عليها وتعزّزها. وكما ذكرنا سابقًا، تفترض المطواعية مسبقًا مسؤولية أولية تقع على عاتق الحكومات المحلية، أكثر منها على الفاعلين الخارجيين؛ ثالثًا، أن يكون مفهوم مطواعية اللاجئين مرادفًا لاعتمادهم على أنفسهم اقتصاديًا، أي تحقيقهم الاكتفاء الذاتي الاقتصادي في البلد المضيف لهم، بل تقديمهم بوصفهم فرصًا اقتصادية وتنموية إلى البلد المضيف82.
ما لبثت الإنجازات العملية لهذه الأجندة أن عرضتها المفوضية الأوروبية في تقريرها المقدم إلى البرلمان والمجلس الأوروبي في 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2019 كالتالي: جرى خفض المعابر الحدودية، كما أُغير النظامية إلى الاتحاد إلى 150,000 في عام 2018 نقذ ما يقرب من 760,000 شخص من الغرق وأكثر من 23000 مهاجر في الصحراء النيجيرية منذ عام 2015، وجرى ترحيل 347,000 شخص من إيطاليا واليونان بموجب مخططات مخصصة، ونقل 1103 أشخاص منذ عام 2018 بموجب عملية الترحيل الطوعي؛ واستحدث الاتحاد في الدول الأكثر استقبالً للمهاجرين نقاط اتصال لتقدّم الدعم السريع والفعال إليهم، خمس منها تعمل في اليونان وأربع في إيطاليا؛ أما التمويل الأوروبي، فارتفع إلى أكثر من 10 مليارات يورو، مقارنة بالسابق، كما دعمت "الوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل الجديدة" تعزيز قدراتها، بإضافة فيلق دائم مكوّن من 10,000 طاقم عملياتي؛ وفي مسألة التوطين، شجع الاتحاد الدول الأوروبية لتكيّف أطرها القانونيّة لاستقبال من هم في حاجة إلى ذلك فعلً، حيث تمت إعادة توطين نحو 63000 شخص منذ عام 2015؛ أما عن برامج الدعم والحماية التي قدّمها الاتحاد إلى دول العالم الثالث، فنجد مرفق الاتحاد للاجئين في تركيا الذي عمل على تحقيق 90 مشروعًا في تركيا ودعمه نحو 1.7 مليون لاجئ يوميًا، وعلى بناء مدارس ومستشفيات جديدة، كما استُحدث "الصندوق الائتماني الإقليمي للاتحاد الأوروبي للاستجابة للأزمة السورية" الذي قدّم أكثر من 75 مشروعًا يوفّر الصحة والتعليم وسبل العيش والدعم الاجتماعي-الاقتصادي إلى اللاجئين السوريين والمشردين داخليًا وإلى المجتمعات المضيفة في أنحاء المنطقة كلها83. لم تدم حفاوة المفوضية بهذه الإنجازات طويلً، لأنّها، فضلً عن أنها لا تعدو تقويمًا عدديًا للمطواعية باختصارها في جموع المعادين (قسريًا أو طوعيًا) والأرواح المنقذة من الغرق المحتوم في البحر الأبيض المتوسط، إلى نسبة التمويل المالي الذي قدّمه الاتحاد إلى الوكالات التي عيّنها في الدول المستقبلة المهاجرين، لم تُخفِ التنازع العميق بين الدول الأوروبية في ما يتعلق بإدارتهم ملف الهجرة. تنازعٌ سيتم الكشف عنه عبر مستويات عدة. من الناحية النظرية، حتى وإن حاولت الأجندة الأوروبية للهجرة تفادي الاختلالات السابقة لنظام اللجوء الأوروبي بوضعها مخططات "إعادة نقل طارئة"، تستفيد بموجبها الدول الأكثر استقبالً للمهاجرين من غطاء مالي، في مقابل التزامها بتسجيل المهاجرين وتوطينهم، لكنها لم تنجح في إقناع دول أوروبا الشرقية بالالتزام بذلك وإجبارها عليه، ولم تنجح في ثنيها عن التعامل الأمني مع المهاجرين. كما أنّها لم تنجح في جعل دول الاتحاد تتجاوز ما اعتبروه عائقًا أمام أي سياسة مشتركة بينهم في مجال الأمن والدفاع، ألا وهو "غلبة الطابع عبر الحكومي في عملية اتخاذ القرار بشأن سياسات الهجرة واللجوء." فالمعروف تقليديًا ذلك الصراع القانوني والسياسي بين معسكرين بشأن من يتحمل أعباء استقبال المهاجرين غير الشرعيين وطلبات اللجوء السياسي وتكلفتها؛ معسكر دول جنوب المتوسط الأكثر استقبالً للمهاجرين (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وغيرها من الدول) التي تطالب دول الاتحاد بتحمّل الجزء الأكبر من العبء، في مقابل دول وسط أوروبا وشمالها (فرنسا، وبريطانيا، وألمانيا، وغيرها) التي قرّ في ترى أنّ ذلك يتعارض مع اتفاق دبلن الذي أ 15 حزيران/ يونيو 1990، ودخل حيّز التنفيذ في 1 أيلول/ سبتمبر 1997، وينصُ على أن التعامل مع طلبات اللجوء السياسي هو من مسؤولية أول دولة أوروبية تطؤها قدم المهاجر غير الشرعي أو اللاجئ السياسي84. اتفقت دول مثل مقدونيا وصربيا وكرواتيا وسلوفينيا والنمسا، منذ بداية عام 2016، من دون مشورة باقي دول الاتحاد على تقليص "حركة اللجوء" التي تحوّلت تسميتها لاحقًا إلى "حركة الهجرة" من خلال تبنّيها إجراءات عدة، منها تبنّيها المشترك "لنظام موحّد لتسجيل المهاجرين" ودعمها الأنشطة التي تقوم بها الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل Frontex واختيار المهاجرين وتشخيصهم بناءً على جنسياتهم، كما عزّزت سلطات هنغاريا وسلوفينيا ومقدونيا حاجز الأسلاك الشائكة وحضور قوات الشرطة والجيش على طول حدودها85. أما صربيا، فشكّلت سلطاتها شرطة مشتركة ووحدات عسكرية لحراسة حدودها مع مقدونيا وبلغاريا، وفي كرواتيا اقترحت الحكومة إجراءات عسكرية يُسمح بموجبها للجيش الوطني الكرواتي بدعم الشرطة في أثناء حمايتها المسلحة للحدود86. هذه الإجراءات كلها، إضافة إلى الاتفاق الموقّع بين الاتحاد وتركيا في عام 2016، عنت بصيغة أخرى، إنهاءً وغلقًا تدرجيًا لممر البلقان باعتباره ممرًا آمنًا للاجئين. وأبرمت إيطاليا، من ناحيتها، اتفاقية ثنائية مع ليبيا في ما يتعلق بمكافحة الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وفي قمة مالطا، قرّر رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي تعزيز قوات
حرس الحدود الليبية لتمكينها من اعتراض المهاجرين وأخذهم إلى معسكرات الاستقبال في ليبيا ليتم إقناعهم بالعودة إلى دولهم87. يكمن خلل الأجندة الأوروبية للهجرة واستراتيجية 2016 في تقديم اللاجئين والمهاجرين على أنهم فرص تنموية واقتصادية للدول المضيفة لهم، في الوقت الذي يقدَّمون بصفتهم تهديدًا لاقتصاد وتماسك أوروبا الاجتماعي واستقرارها السياسي88. الأمر الذي أوضحه جواو إستيفينز بشكل جليّ في عمله الذي استكشف فيه الأمننة المؤسسية الأوروبية المستمرة للهجرة. ولا تزال الهجرة في الوثائق الاستراتيجية المعنية بمسائل الأمن والدفاع ل 27 دولة من دول الاتحاد، مصنّفة باعتبارها تهديدًا للأمن القومي، ولا يزال تركيز هذه الدول على تأمين الدولة-الأمة وسكانها، بدلً من تأمين المهاجرين89. كرّست الوثائق المذكورة تداخلً بين الهجرة وشبكات التهريب بمختلف أشكالها، خصوصًا تهريب المهاجرين، على نحوٍ شرعن للاتحاد اعتماده على الوكالات الثلاث التي استحدثها في إطار سياسة الأمن والدفاع الأوروبية المشتركة: بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة في إدارة الحدود الليبية Libya EUBAM، وخلية التخطيط والاتصال EUPLC، وعملية صوفيا البحرية MED EUNAVFOR. كما جرى تضمين المهمة المدنية للاتحاد في النيجر EUCAP Sahel Niger ومهمة الاتحاد الأوروبي للتدريب في مالي EUTM Mali والمهمة المدنية في مالي Mali Sahel EUCAP. دُمجت هذه الهيئات كلها بدءًا من تموز/ يوليو 2016 ضمن إطار شراكة الهجرة لسياسة الهجرة للاتحاد، وبحلول صيف 2017 شرعت المفوضية الأوروبية في تنفيذ مشروع خلايا التنسيق الإقليمي في الساحل بهدف دعم دوله الخمس في مجال الأمن وإدارة الحدود والدفاع90. وعزّز الطابع العسكري-الأمني الذي يطبع المنظورات الأوروبية للهجرة، بدوره، تداخلً بين السياسات الداخلية والخارجية للاتحاد ودوله، كما جسّد ذلك التعاون بين فرونتكس والشرطة الأوروبية ووحدة التعاون القضائي الأوروبية مع عملية صوفيا البحرية وبعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة في إدارة الحدود الليبية، إضافة إلى مهمة الحلف الأطلسي الموجودة في المتوسط91. من الناحية القانونية، تُعدّ الآليات الحمائية التي استحدثتها المفوضية تطبيقًا لمبدأ المرونة مثل "حق العودة" و"إعادة القبول" انتهاكًا صارخًا للآليات التي وضعها المجتمع الدولي، وحتى الاتحاد الأوروبي ودوله لحماية هذه الفئة من المهاجرين، وأعني بذلك المهجّرين قسريًا أو اللاجئين أو النازحين الذين لم تميّز بينهم السياسة الأوروبية للهجرة عيد عمدًا، حيث أ 170380 شخصًا فعليًا من أصل 781554 شخصًا في عام 2018، ووُقّع 23 اتفاقًا وترتيبًا لإعادة قبول المهاجرين92، ليوحي الأمر بأن جلّ اهتمام الاتحاد ودوله منصبّ على إعادة أكبر عدد ممكن من المهاجرين، حارمين بذلك طالبي اللجوء من حقهم في "عدم الإعادة القسرية" Non-Refoulement المكفول لهم، ليضفوا طابعًا شرعيًّا على إعادة اللاجئين وملتمسي اللجوء على الرغم من عدم مشروعيته93، ومن دون حتى مراعاتهم الظروف الآمنة المفترض توافرها في الدولة الثالثة. كانت أوليفيا ساندبرغ دييز قد أشارت إلى هذه الخروقات بشكل مستفيض في ورقتها البحثية الصادرة في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حيث ذكرت أنّ الكثير من الدول التي صنّفت "دولً آمنة" هي ليست كذلك، فالكثير منها ليس طرفًا في اتفاقية اللاجئين، فهي إما طرف جزئي فيها كحال تركيا، وإمّا أنّها تفتقر إلى نظام لجوء فعّال، أو أنّها لا تعترف أصلً بوضع اللاجئ كما ليبيا وباكستان، بذلك هي دولٌ غير مؤهّلة لتقوم بشكل جيّد مطالب العودة التي يكفلها المجتمع الدولي أو خطر الإعادة القسرية قبل ترحيلهم إليها94. ولا تزال تعتبر أغلبية الدول المصنّفة آمنة، مسألة العودة وإعادة القبول، أمرًا غير مرغوب فيه سياسيًا واقتصاديًا، على الرغم من الضغوط التي مارسها عليها الاتحاد الأوروبي (مثل إعلانه سحب حقوق التأشيرة)، فعلينا أن لا ننسى أنّها هي في حدّ ذاتها لا تزال دولً مثقلة بهشاشتها الاقتصادية والسياسية وحتى الأمنية،
لا سيما أنها غير متيقنة من استتباب الأمن وعودته إلى البلدان الأصلية للمهاجرين. لذلك شهدنا في الكثير منها، كما أثبتت الحالة اللبنانية والتركية، ظهور استقطاب مجتمعي حاد وعدم قدرتها على تحمّل الأعباء المنصوص عليها كلها. كما أثبتت الدراسة المعمّقة التي قام بها انهولت وسيناتي لتطبيقات بناء المرونة في الأردن ولبنان، أن الدول الآمنة أيضًا لم تكن سوى استراتيجية لاحتواء المهاجرين، وأنّها قد تهدّد أمن أوروبا بدلً من أن تحفظه95. وفشلت هاتان الدولتان اللتان تؤويان أكبر عدد من اللاجئين السوريين - نحو 655,000 لاجئ سوري في الأردن، وقرابة 920,000 لاجئ في لبنان، بحسب إحصائيات مفوضية اللاجئين الأممية - في الإيفاء بركائز براديغم المرونة التي حدّدتها "الأجندة الأوروبية للهجرة"، خصوصًا الركيزتين الأولى والثالثة. ففي الحالة اللبنانية مثل، لم ينص الاتفاق اللبناني - الأوروبي على منح اللاجئين فرصًا للعمل، لكنه ركّز على إيجاد فرص عمل للبنانيين، ومن المفترض أن يوجد بشكل غير مباشر فرص عمل للاجئين السوريين، وعلى الرغم من أن مساعدات الاتحاد من المفترض أن تدعم اللاجئين السوريين ليحققوا اكتفاءهم الذاتي الاقتصادي، فإنّ لبنان لا يسمح للاجئين السوريين بالعمل، وفي حال حصولهم على فرص عمل، فإنّهم سيفقدون وضعية اللاجئ ويواجه من يقوم بتوظيفهم غرامة مالية96. أما الاتفاق الأردني - الأوروبي، وعلى الرغم من إصدار الحكومة الأردنية 200,000 تصريح عمل للسوريين، في مقابل حصولها على مساعدات من الاتحاد، مثل فك القيود عن الصادرات الأردنية إلى الدول الأعضاء أُفي الاتحاد، فإنّه لم يكن ناجحًا عمليًا، لأنّه منذ عام 2016 صدر 135000 تصريح عمل، في حين حاز 0,0004 لاجئ سوري فقط هذا التصريح في عام 2018 97. في ما يتعلق بالرابطة الإنسانية-الإنمائية، أثبتت التجربة في البلدين الصعوبات الكثيرة التي واجهت تحقيقها لأسباب عدة، نذكر منها المشروطية التي فرضها الأردن على منظمات الإغاثة لتستهدف مشاريعها على حد سواء المجتمع الأردني ومجتمع اللاجئين، الأمر الذي رفضته أغلبية المانحين98. كذلك عوّقت التوترات الحاصلة بين الوكالات الأممية، وبينها وبين غير الأممية، التحقّق الأمثل للرابطة؛ ولم تتمكّن الأمم المتحدة، على الرغم من استحداثها نظام "المنسق المقيم لمنظومة الأمم المتحدة" لتجاوز تضارب المصالح بين وكالاتها، كما حصل بين مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية OCHA والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، من تجاوز أهم اختلال وظيفي يواجه عملها، ألا وهو استبعاد الفاعلين السوريين في هذا المجال وتهميشهم99. ولعله استبعاد يعبّ عن تناقض عميق في سير العمل الإنساني الأممي، يلخّصه السؤال التالي: كيف يمكن العمل مع الفاعلين السوريين وإقامة علاقات عمل معهم في لبنان، أو في الأردن، في الوقت الذي لا يمكن التعرف إلى مدى نزاهتهم وحياديتهم واستقلاليتهم؟
خاتمة: نحو دراسة الأمن الأوروبي من منظور "الأمن الأنطولوجي"
حاولت هذه الدراسة الدفاع عن طرح فرضي معيّ، يقضي "بأنّ التحوّل البراديغمي الذي افترضته استراتيجية 2016 لم يكرّس سوى تكثيف للمنطق الأمني"؛ ما انعكس على تكثيف الأدوار الأمنية المحلية والعالمية للاتحاد. وأكدت شواهد عدة أنّ عام 2016 كان فارقًا لهذا التحوّل، حيث أبان الأوروبيون رغبةً واضحةً في منح أدوار أكبر للمؤسسات المعنيّة بشؤون الدفاع والأمن الداخلي والخارجي على حساب المؤسسات الأوروبية الأخرى. وللمفارقة، فإنّ "الأزمات الوجودية التي يواجهها الأوروبيون، بتعبير استراتيجية 2016، مكّنتهم من تجاوز الجدل الذي كثيرًا ما أعاق تحقيق سياستهم الخارجية والأمنية مستويات اندماج عليا. ووضع براديغم المطواعية، أيضًا، لبنات أساسية في طريق تحقيق مطلب الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد، التي تقتضي أن يصبح التعاون الدفاعي قاعدة والتزامًا طوعيًا، فضلً عن العمل على إيجاد صناعة دفاع أوروبية مستديمة، مبتكرة وتنافسية. واختبرنا أيضًا مدى صحة المنطق الأمني والأدوار الأمنية المكثفة للاتحاد، من خلال دراسة حجم التغيرات التي فرضتها تطبيقات المطواعية في الأجندة الأوروبية للهجرة، لنخلص إلى أنّ الأوروبيين، وإن وضعوا ابتكارات مؤسسية ومفهومية جديدة لإدارة الملف، مثل اعتمادهم "الرابطة الإنسانية-الإنمائية" وتقديم المهاجرين كفرصٍ اقتصادية للدول المضيفة لهم، فإنّهم لم يبتعدوا كثيرًا عن المقاربة التقليدية للهجرة باعتبارها تهديدًا أمنيًا، وللمهاجرين باعتبارهم مواضيع أمنية. فلئن كنّا نتحدّث تقليديًا عن "فخ الأمن الذي أوقعنا فيه باحثو الدراسات الأمنية، والمعضلة المعيارية
المرتبطة بالكتابة حول الهجرة بمنظور أمني"100، فإن الأمر نفسه ينطبق على براديغم المطواعية الذي أوقع الأوروبيين واتحادهم في فخ مماثل، فخ "الأمن الأنطولوجي." هذا المفهوم الذي يشير إلى نزوع الأفراد زمن فوضى الحداثة المتأخرة نحو تأمين وجودهم المعنوي، وليس تأمين بقائهم المادي فحسب، بانتقاله إلى العلاقات الدولية والدراسات الأوروبية101، لفتنا إلى أنّ الدول وغيرها من الفاعلين تسير في النهج نفسه، بأنّ تأطيرهم الأمني للجوء والهجرة وعلاقتهم بمن يعتبرونها دولً منافسة/ معادية، يجب ألّ يفهم حصرًا بأنّه سعي لتأمين بقائهم survival as Security، كما افترض النموذج التقليدي للمعضلة الأمنية، لكنّه بحثٌ في فائدة هويّة مستقرة وإحساس ثابت بوجودهم being as Security، والأمر مهم لاستمرارية فاعليتهم. وكذلك الاتحاد الأوروبي الذي لم ينشأ في الأساس بوصفه فاعلً أمنيًا، ولا كان الأمن علّة وجوده، لكنّ قراءة استراتيجيتَي 2003 و 2016 من منظور "الأمن الوجودي" تساعدنا في فهم الطريقة التي شرعن بها الاتحاد مطالباته بتأدية المزيد من الأدوار الأمنية في داخل دوله وفي الخارج، ومن ثم، استمرارية فاعليته الفريدة من نوعها في مجالٍ كان تقليديًا (ولا يزال) حكرًا على الدولة.
المراجع
العربية
حمشي، محمد. "الاتحاد الأوروبي والتحول الديمقراطي في الوطن سياسات عربية. العدد العربي: حدود القوة المعيارية." 35 (تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.) سويسي، إبراهيم. "مبدأ عدم رد اللاجئ في ظل الممارسة الدولية - الاتحاد الأوروبي نموذجًا." مجلة الباحث للدراسات الأكاديمية. العدد 12 (كانون الثاني/ يناير.)2018 مطاوع، محمد. "الاتحاد الأوروبي وقضايا الهجرة: الإشكاليات الكبرى المستقبل العربي. العدد والاستراتيجيات والمستجدّات." 314 (كانون الثاني/ يناير.)2015
الأجنبية
Ademmer, Esther & Tanja A. Börzel. "Migration, Energy and Good Governance in the EU's Eastern Neighbourhood." Europe-Asia Studies. vol. 65, no. 4 (June 2013). Aggestam, Lisbeth. "Introduction: Ethical Power Europe?" International Affairs. vol. 84, no. 1 (February 2008). Anholt, Rosanne & Giulia Sinatti. "Under the Guise of Resilience: The EU Approach to Migration and Forced Displacement in Jordan and Lebanon." Contemporary Security Policy. vol. 13, no. 3 (2020). Aradau, Claudia & Rens Van Munster. Politics of Catastrophe: Genealogies of the Unknown. London and New York: Routledge, 2011. Aradau, Claudia. "The Promise of Security: Resilience, Surprise and Epistemic Politics." Resilience: International Policies, Practices and Discourses. vol. 2, no. 2 (2014).
Beckert, Jens. "The Exhausted Futures of Neoliberalism. From Promissory Legitimacy to Social Anomy." Journal of Cultural Economy. vol. 13, no. 3: Re-imagining the Future (2020).
Bendiek, Annegret & Raphael Bossong. "Shifting Boundaries of the EU's Foreign and Security Policy: A Challenge to the Rule of Law." Stiftung Wissenschaft und
Politik (German Institute for International and Security Affairs). SWP Research Paper, no. 12, September 2019. at: https://bit.ly/38qsk9u Bendiek, Annegret. "A Paradigm Shift in the EU's Common Foreign and Security Policy: From Transformation to Resilience." Stiftung Wissenschaft und Politik (German Institute for International and Security Affairs). SWP Research Paper, no. RP 11, October 2017. at: https://bit.ly/3n3gUN6 Börzel, Tanja A. & Vera van Hüllen. "One Voice, One Message, but Conflicting Goals: Cohesiveness and Consistency in the European Neighbourhood Policy." Journal of European Public Policy. vol. 21, no. 7 (June 2014). Bull, Hedley. "Civilian Power Europe: A Contradiction in Terms?" Journal of Common Market Studies. vol. 21, no. 2 (December 1982). Calcara, Antonio. "The Hybrid Role of the High Representative in the Security and Defence Field: More in 10 Months than in the 10 Years?" European Security. vol. 29, no. 3 (July 2020). Cavelty, Myriam Dunn et al. "Resilience and (in) security: Practices, Subjects, Temporalities." Security Dialogue. vol. 46, no. 1 Special issue on Resilience and (in) Security (2015). Chandler, David & Jon Coaffee (eds.). The Routledge Handbook of International Resilience. London; New York: Routledge, 2016. Chandler, David. "Resilience and Human Security: The Post-interventionist Paradigm." Security Dialogue. vol. 43, no. 3 (June 2012). Christou, George. "European Union Security Logics to the East: The European Neighbourhood Policy and the Eastern Partnership." European Security. vol. 19, no. 3 (September 2010). Council of The European Union. European Security Strategy: A Secure Europe In A Better World (Brussels: Council, 2003). at: https://bit.ly/32Prjo6 Del Sarto, Raffaella A. "Normative Empire Europe: The European Union, its Borderlands, and the 'Arab Spring." JCMS: Journal of Common Market Studies. vol. 54, no. 2 (March 2016). Diez, Olivia Sundberg. "Diminishing Safeguards, Increasing Returns: Non-Refoulement Gaps in the EU Return and Readmission System." European Policy Centre, European Migration and Diversity Programme, Discussion Paper presented to the European Migration and Diversity Programme, 4 October 2019. at: https://cutt.us/Xr2RS Diez, Thomas. "Normative Power as Hegemony." Cooperation and Conflict. vol. 48, no. 2 (June 2013). European Commission. "The Eu Approach to Resilience: Learning from Food Security Crises." NATO summit, Brussels, 3/10/2012. at: https://bit.ly/2Kckg2f Fakiolas, Efstathios T. & Nikolaos Tzifakis. "Human Security in EU Strategy: Reflecting on the Experience of EUPM in Bosnia and Herzegovina and EULEX in Kosovo." Journal of Contemporary European Studies. vol. 27, no. 3 (May 2019). Finnemore, Martha & Kathryn Sikkink. "International Norm Dynamics and Political Change." International Organization. vol. 52, no. 4 (Autumn 1998). Galtung, Johan. The European Community: A Superpower in the Making. London: George Allen and Unwin, 1973. Græger, Nina. "European Security as Practice: EU–NATO Communities of Practice in the Making?" European Security. vol. 25, no. 4, European Diplomatic Practices: Contemporary Challenges and Innovative Approaches (February 2016). Howorth, Jolyon. "EU-NATO Cooperation and Strategic Autonomy - Logical Contradiction or Ariadne's
Thread?" KFG Working Paper, no. 90, August 2018. at: https://cutt.us/JGn8f Huysmans, Jef. "Defining Social Constructivism in Security Studies: The Normative Dilemma of Writing Security." Alternatives. vol. 27, no. 1 (2002). ________. "Security! What Do You Mean? From Concept to Thick Signifier." European Journal of International Relations. vol. 4, no. 2 (1 June 1998). Hyde-Price, Adrian. "'Normative' Power Europe: A Realist Critique." Journal of Common Market Studies. vol. 13, no. 2 (2006). Jørgensen, Knud Erik & Katie Verlin Laatikainen (eds.). Routledge Handbook on the European Union and International Institutions. London and New York: Routledge, 2013. Joseph, Jonathan. "Governing through Failure and Denial: The New Resilience Agenda." Millennium: Journal of International Studies. vol. 44, no. 3 (April 2016). Juncos, Ana E. "Resilience as the New EU Foreign Policy Paradigm: A Pragmatist Turn?" European Security. vol. 26, no. 1 (2017). Kinnvall, Catarina et al. Ontological Insecurity in the European Union. London and New York: Routledge, 2020. Koenig, Nicole. "The EU and NATO: A Partnership with a Glass Ceiling." EU Global Strategy Watch & Istituto Affari Internazionali. November 2018. at: https://cutt.us/Lih8O Koops, Joachim A. & Gjovalin Macaj (eds.). The European Union as a Diplomatic Actor. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2015. Lazarou, Elena & Alina Dobreva. "EU Policies – Delivering for Citizens- Security and Defence." EPRS: European Parliament Research Service. June 2019. at: https://cutt.us/hQJI9 Lukes, Steven. Power: A Radical View. London: Palgrave Macmillan, 1974. Mälksoo, Maria. "From the ESS to the EU Global Strategy: External Policy, Internal Purpose." Contemporary Security Policy. vol. 37, no. 3 (October 2016). Manners, Ian & Richard G. Whitman. The Foreign Policies of European Union Member States. Manchester: Manchester University Press, 2000. Manners, Ian. "Normative power Europe Reconsidered: Beyond the Crossroads." Journal of European Public Policy. vol. 13, no. 2 (2006). ________. "Normative Power Europe: A Contradiction in Terms?" Journal of Common Market Studies. vol. 40, no. 2 (February 2002). Mansour, Kholoud. "UN Humanitarian Coordination in Lebanon: The Consequences of Excluding Syrian Actors." The Royal Institute of International Affairs: Chatham House. Research Paper presented to International Security Department. March 2017. at: https://cutt.us/4ygmo Maull, Hanns W. "Germany and Japan: The New Civilian Powers." Foreign Affairs. vol. 69, no. 5 (Winter 1990). Mayne, Richard (ed.). Europe Tomorrow: Sixteen European Looks Ahead. London: Fontana, 1972. ________. Communication from the Commission to the European Parliament, the European Council and the Council: Progress Report on the Implementation of the European Agenda on Migration. Brussels, 16/10/2019. at: https://cutt.us/oV4cT ________. Shared Vision, Common Action: A Stronger Europe. A Global Strategy for the European Union's Foreign and Security Policy. European Union Global Strategy. 2016. at: https://bit.ly/35y5Cuw Menjivar, Cecilia, Immanuel Ness & Marie Ruiz. The Oxford Handbook of Migration Crises. New York: Oxford University Press, 2019.
Meyer, Christoph O. The Quest for a European Strategic Culture: Changing Norms on Security and Defence in the European Union. Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2007. Morillas, Pol. Strategy-Making in the EU From Foreign and Security Policy to External Action. London: Palgrave Macmillan, 2019. Müller, Patrick. "EU foreign policy: No Major Breakthrough Despite Multiple Crises." Journal of European Integration. vol. 38, no. 3 (April 2016).
Noutcheva, Gergana. "Institutional Governance of European Neighbourhood Policy in the Wake of the Arab Spring." Journal of European Integration. vol. 37, no. 1 (2015).
Nye, Joseph S. "Soft Power." Foreign Policy. no. 80 (Autumn 1990). Schreer, Benjamin. "Trump, NATO and the Future of Europe's Defence." The RUSI Journal. vol. 164, no. 1 (2019). Sjursen, Helene. "Doing Good in the World? Reconsidering the Basis of the Research Agenda on the EU's Foreign and Security Policy." RECON online working paper, no. 9, 2007. at: https://bit.ly/3pH6Ew1 ________. "The EU as a 'Normative' Power: How Can this be?" Journal of European Public Policy. vol. 13, no. 2 (2006). Tocci, Nathalie. "Resilience and the Role of the European Union in the World." Contemporary Security Policy. vol. 41, no. 2. Resilience in EU and international institutions (July 2019). ________. "The Making of the EU Global Strategy." Contemporary Security Policy. vol. 37, no. 3 (October 2016). ________. Framing the EU's Global Strategy. London: Palgrave Macmillan, 2017. Tulmets, Elsa. "Institution-Building Instruments in the Eastern Partnership: Still Drawing on Enlargement?" Eastern Partnership Review. no. 6 (2011). at: https://bit.ly/35HoY0g Twitchett, Kenneth. Europe and the World: The External Relations of the Common Market. London: Europa Publications, 1976.