إلغاء الهند وضع ولاية جامو وكشمير الخاص: خيارات باكستان

Zahid Shahab Ahmed زاهد شهاب أحمد | محمد وقاص جان | M. Waqas Jan *

الملخّص

تهدف هذه الدراسة إلى عرض الخيارات السياسية المُ تاحة أمام باكستان في ما يتعل ق بنزاعها مع الهند بشأن جامو وكشمير. وترك ز على الأزمة التي تلت إلغاء الهند الوضع الخاصّ لولاية جامو وكشمير في آب/ أغسطس 2019. فمن خلال البحث في هذه الأزمة، ولا سيما من حيث إن ها نتيجة مباشرة للطريقة التي نشب فيها هذا النزاع وتطوّر على مدى العقود السبعة الأخيرة، تعرض الدراسة سلسلة تدابير يمكن للحكومة الباكستانية أخذها إمّا وحدها و/ أو بالتنسيق مع جهات دولية فاعلة، من أجل تأمين الدعم للتوصل إلى حل مستدام بشأن النزاع المتعلق بجامو وكشمير. صحيح أنّ مثل هذه التدابير قد تمثل عودة لظهور الدبلوماسية القسرية المستوحاة من الحرب الباردة، التي طبعت جنوب آسيا، إل ا أنّ هناك بعض القيود التي قد تتطل ب من باكستان التحل ي بالصبر وإنتاج مكتسبات القوّة الناعمة. كلمات مفتاحية: الهند، باكستان، جامو، كشمير. The aim of this Study is to provide policy options for Pakistan in relation to the Jammu and Kashmir (J&K) dispute with India. A special focus is on the crisis following the Indian revocation of J&K's special status in August 2019. Since then there is not just a complete blackout in J&K but also another low in the India-Pakistan relationship. Based on the analysis of the diplomatic support that Islamabad has received from the international community in general and the Muslim world in particular, this paper argues that Pakistan has to mainly rely on what it can do on its own. By examining how the present crisis is a direct outcome of how this conflict has transpired and evolved over the last seven decades, this paper draws a series of measures which the Pakistani government can take at its own and in collaboration with international actors to obtain support for a sustainable solution to the J&K dispute. Keywords: India, Pakistan, Jammu, Kashmir.

Indian Revocation of Jammu and Kashmir's Special Status: Options for Pakistan

مقدمة

في عالم تعود فيه النزاعات الإقليمية إلى بعض الموروثات المتجذّرة بعمق في حقبتَي الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، يجدر على الدوام النظر إلى ما تُ ثّله هذه النزاعات من مخاطر دائمة تهدّد بزعزعة السلام الهشّ الذي بات يراه كثير من قادة العالم أمرًا مُسلّمً به. وتتجلّ هذه المخاطر في بعض النزاعات الحدودية الأكثر صعوبة في العالم، وقد ازدادت تعقيدًا بسبب طبيعة الحرب الحديثة التي تشهد تطوّرًا سريعًا، وضبابية الحدود الفاصلة بين السياسات الإقليمية والسياسات الدولية. وأدّى ذلك إلى نشوء أوضاع أتاحت لهذه النزاعات المحلّية أن تُلحق الخراب والدمار في أرجاء المنظومة الدولية، مع ما ينجم عنه من عواقب وخيمة نهائية. فالحدود المتنازع عليها بين إسرائيل وسورية، وبين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، وفي شبه جزيرة القرم، وفي بحر الصين الجنوبي، هي حالات تمثّل بعضًا من أخطر بؤر التوتر في العالم التي قد تؤدي إلى نشوب نزاع عالمي مدمِّر، لكن من بين هذه النزاعات كلها، قد تكون التطوّرات الأكثر خطورة تلك التي نشهدها حاليًّا في جامو وكشمير؛ إذ لا يزال النزاع في كشمير، الذي بدأ منذ عام 1947، نزاعًا قائمًا يشمل الهند وباكستان، الدولتين النوويتين العدوّتين في جنوب آسيا. يمثّل نزاع جامو وكشمير أحد أصعب النزاعات في العالم، وهو النزاع الإقليمي الوحيد من نوعه الذي لا يزال قائمًا. فقد خاضت من أجله الهند وباكستان ثلاث حروب، إضافةً إلى مناوشات ما بين متوسّطة وصغيرة المدى، تقع حتى اليوم في شكل اشتباكات منتظمة عبر الحدود. أما المواجهة الأخيرة التي اندلعت بين الدولتين في آذار/ مارس 2019، على سبيل المثال، فتتمثل في الاشتباك الجوّي الأوّل بين دولتين تملكان أسلحة نووية. وكان فتيل هذه المواجهة المتجذّرة مرّةً أخرى، في أعمال العنف المتواصلة في ولاية جامو وكشمير، هجومًا عسكريًّا مدمّرًا على قافلة لقوّات الاحتلال الهندية. لامت الهندُ باكستان على هذه الحادثة، وتذرّعت بها لتوجيه ضربات جوّية "تأديبية" عبر حدودها مع باكستان، وكانت حصيلتها مُنازلة جوّية بين طائرات حربية للدولتين في أجواء الأراضي المتنازَع عليها1. ومع أنّ الدولتين نجحتا في تخفيف حدّة النزاع والحؤول دون انتقاله إلى المجال النووي، فإنّ خير مثال على مدى اقترابهما، من جديد، من التدمير الشامل متمثّل بنزاع جامو وكشمير. وكانت هذه الحادثة أيضًا سببًا لوصف الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، منطقة جامو وكشمير بأنّها أخطر مكان على وجه الأرض2. صحيح أنّ الأشهر التي تلت المعركة الجوّية أفضت إلى جولة انتخابات أخرى يشوبها الانقسام في الهند، إلّ أن حدّة التوترات تصاعدت مجددًا بعد قرار حكومة حزب بهاراتيا جاناتا التي أ - القاضي - Bharatiya Janata Party, (BJP) عيد انتخابهاُ بإلغاء الوضع الخاص لمنطقة جامو وكشمير بموجب الدستور الهندي. منذ ذلك الحين، أدّى هذا القرار - الذي أعقبه فرض حظر تجول قاسٍ وواسع في شتى أنحاء المقاطعات الخاضعة للسيطرة الهندية في جامو وكشمير - إلى تفاقم التوتر في العلاقات الهندية - الباكستانية. ويعود ذلك إلى أنّ باكستان رأت في هذه الخطوة انتهاكًا صارخًا لحقوق المسلمين الكشميريين الذين كثيرًا ما أعربت الدولة الباكستانية عن تضامنها معهم. ورأت القيادة الباكستانية أيضًا أنّ هذه الخطوة مجرّد نذير للمزيد من القمع الوحشي للحركات الاحتجاجية الكشميرية، وهو ما قد يؤدّي إلى إبادة جَمْعية واسعة. وأوضح قادة باكستان، في هذا السياق، أنّهم سيُضطرون إلى التدخّل إذا حصل ذلك لمنع حصول كارثة كهذه، بأي وسيلة لازمة3، ما قد يفتح الباب أمام مقاربات قسرية أوضح في التعاطي الدبلوماسي. ويمكن القول إنّ تلك المقاربات تستلزم تعزيز الاهتمام بما وصفه الاقتصادي الأميركي وأستاذ السياسات الخارجية في جامعة ماريلاند توماس شيلينغ ب "الإكراه"، في مقابل ما يُعرف ب "الردع"4، خصوصًا عندما نأخذ في الحسبان التوازن الاستراتيجي الدقيق الذي ميّز العلاقات الهندية - الباكستانية في العقود القليلة الماضية. لذلك، في وقت تتوافر فيه الكثير من الدراسات التي تبحث في كيفية استخدام الهند مقاربة مثل هذه المقاربة خلال بعض الفترات الأكثر تقلّبًا في علاقاتها بباكستان5، لم يلقَ إمكان اعتماد باكستان مقاربة أكثر قسرية ترتكز على الدبلوماسية، لا على القوة الحادة، الاهتمامَ الكافي. لذلك، تبحث هذه الدراسة، من خلال الاعتماد على هذا السياق، في سياسة باكستان الخارجية الحالية والخيارات الدبلوماسية

  1. 5  David B. Carter, "The Compellence Dilemma: International Disputes with Violent Groups," International Studies Quarterly , vol. 59, no. 3 (2015); Patrick Bratton, "Signals and Orchestration: India's Use of Compellence in the 2001–02 Crisis," Strategic Analysis , vol. 34, no. 4 (2010).
  2. Jonathan Marcus, "Analysis: The World's Most Dangerous Place?" BBC News , 23/3/2000, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/8uw4dz
  3. The Editorial Board, "The U.N. Can't Ignore Kashmir Anymore," The New York Times , 2/10/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/knw4dz
  4. Thomas C. Schelling, Arms and Influence (USA: Yale University Press, 1966), pp. 69-70.
  5. 1  Tribune News Service, "Pakistan's PM Imran Khan Warns of Nuclear War with India after Both Sides Shoot Down Warplanes and Kashmir Crisis Escalates," South China Morning Post , 27/2/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/pxw4dz

المُتاحة لها، بناءً على موقفها الدائم بشأن نزاع جامو وكشمير. وتقوم بذلك من خلال تقديم خلفية تفصيلية عن الجذور التاريخية لنزاع كشمير، وتبحث في الطرائق المتعدّدة التي أغرقته في النزعات القومية والهويات الاجتماعية السياسية المتنافسة لكلّ من الهند وباكستان. يلي ذلك عرضٌ عامٌّ للأزمة الراهنة التي أعقبت إلغاء الوضع الخاصّ الذي منحته سابقًا الحكومةُ الهندية لكشمير. وتقترح هذه الدراسة، من خلال إظهارها أنّ الأزمة الراهنة هي نتيجة مباشرة لكيفية نشوب هذا النزاع وتطوّره في العقود السبعة الماضية، سلسلةَ إجراءات يمكن أن تتخذها الحكومة الباكستانية، و/ أو يُتوقّع أن تتّخذها على مستوى الدولة للحؤول دون خروج الأزمة عن السيطرة. أما العنصر الرئيس هنا، فيكمن في أن هذه الإجراءات عقابية ووثيقة الصلة بمصالح باكستان الثابتة في منطقة كشمير، من غير أن تؤدّي إلى تصعيد غير متوقَّع في الأعمال العدائية بين الجارتين النوويتين.

أولا: الإرث المستمرّ لنظرية الأمّتين

بالنظر إلى أن نزاع كشمير يتجاوز أن يكون مجرّد نزاع إقليمي، ناقش أكاديميون ومحلّلون سياسيون طبيعته المستعصية، بسبب تجذّره في طائفة واسعة من القضايا الخلافية والمعقّدة المتّصلة بقوميتين وهويّتين متنافستين6، وهي قضايا تتجاوز الانقسامات الإثنية والدينية والطائفية، وقد ترسّخت على نحو متنامٍ في العقود السبعة الماضية، في حين يعزو كثير من الباحثين أسبابها مباشرةً إلى مرحلة تقسيم شبه القارّة؛ إذ وقع تقسيم شبه القارة الهندية في نهاية الحرب العالمية الثانية، على أسس طائفية؛ وبناءً على هذا التقسيم، أصبح منذ ذلك الحين علّة وجود باكستان وأيديولوجيتها القومية بصفتها جمهورية إسلامية. ويعود السبب الجوهري الذي يجعل كشمير أرضًا متنازعًا عليها، تُطالب بها الهند وباكستان، مُتذرّعتيَن، منذ ذلك الحين، بمطالب متباينة، إلى أنّ حركة استقلال مسلمي شبه القارّة الهندية ضد الحكم الاستعماري البريطاني، قامت على فكرة أنّ "مسلمي الهند وهندوسه" يشكّلون "أمّتين"، وأنّ كلًّ منهما يستحق دولته الخاصّة به7. واستخدم آباء باكستان المؤسّسون، من أمثال محمّد علي جناح، "نظرية الأمّتين"، بصفتها المبدأ التوجيهي لتقسيم شبه القارّة الهندية ووجود باكستان نفسها بصفتها وطنًا منفصلً لمسلميها. لذلك، تستند الحركة القومية الباكستانية والنضال الذي نجم عنها سعيًا وراء تحقيق الاستقلال والهوية الخاصّة، إلى هذه الفكرة، أي إقامة دولة ديمقراطية مسلمة، تسترشد وتتأثر، إلى حد بعيد، بتعاليم الإسلام، من دون أن تكون دولة دينية. وبذلك، تبرز باعتبارها إحدى الدول القومية الديمقراطية الحديثة الأولى في العالم التي أُنشئت على أسس دينية.

بما أنّ منطقة جامو وكشمير تضمّ أكثر من 8.5 مليون مسلم، يشكّلون نحو 70 في المئة من مجمل سكّانها8، ترى باكستان في طبيعة هذه المنطقة المتنازع عليها "أجندة تقسيم غير مكتملة"9. وبناءً على ذلك، بات وجود القوّات الهندية - التي ازداد عددها على نحو كبير بعد إلغاء الحقوق الخاصّة للمنطقة - يوصف بأنه احتلال قسريّ للمنطقة غير شرعي. وساهمت عملية القمع غير المسبوقة، التي تزامنت مع دعوات طائفية خافتة ومبطَّنة تؤجج التشدّد اليميني المتطرّف لحكومة حزب بهاراتيا جاناتا في تمسّكها بالهندوتفا Hindutva (الحركة القومية الهندوسية)، في تسويغ موقف باكستان من نظرية الأمّتين. من حيث المضمون، يعني ذلك تراجع الهند عن مزاعمها القديمة بشأن أساسها العلماني المُكرَّس في المبادئ التي دعا

  1. Navnita Chadha Behera, "The Kashmir Conflict: Multiple Fault Lines," Journal of Asian Security and International Affairs , vol. 3, no. 1 (2016); Stephen P. Cohen, "India, Pakistan and Kashmir," Journal of Strategic Studies , vol. 25, no. 4 (2002); Stephen P. Cohen, Shooting for a Century: The India-Pakistan Conundrum (Washington D.C: Brookings Institution Press, 2013); Tsering Dorjay, "Ideological War and People Dilemma in Kashmir," Indian J. Soc. & Pol. , vol. 4, no. 1 (2017); A. Z. Hilali, "Kashmir Dispute and Un Mediation
  2. Stephen P. Cohen, The Idea of Pakistan (Washington D.C: Brookings Institution Press, 2004), pp. 28-29. 8  Zeeshan Shaikh, "Share of Muslims and Hindus in J & K Population Same in 1961, 2011 Censuses," The Indian Express , 30/12/2016, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/p0w4dz 9  Cohen, "India, Pakistan and Kashmir,"p. 46.
  3. Efforts: An Historical Perspective," Small Wars & Insurgencies , vol. 8, no. 2 (1997); Alice Thorner, "The Kashmir Conflict (Continued)," Middle East Journal , no. 3 (1949); Stanley Wolpert, India and Pakistan: Continued Conflict
  4. or Cooperation? (Berkeley (United States): University of California Press, 2010).

إليها جواهر لال نهرو Nehru Jawaharlal 1947-1964() في حزب المؤتمر الوطني الهندي10. أدّت هذه التطوّرات إلى إضفاء نوع من القوّة على مزاعم باكستان الثابتة بشأن إخضاع الشعب الكشميري وقمعه على أساس تمييز ديني صرف. وألقت ظلالها على تصوير الهند نفسها بوصفها دولة ديمقراطية متسامحة وشاملة وحيوية، والتي كانت - لولا ذلك - في طريقها إلى الاعتراف بها بوصفها قوّة إقليمية، إن لم تكن عالمية، تتطوّر بسرعة. وبعد أن عزّز هذا التأكيد العلني موقف باكستان، باتت خياراتها - إذْ تجدُ نفسها في سياق مواجهة هذه التطورات - تمثّل فرصةً كبيرة لها لتعبئة جهودها الدبلوماسية. وتشمل هذه الجهود إجراءات أحادية ومتعدّدة الأطراف، لا تهدف إلى تسليط الضوء على محنة الشعب الكشميري طوال هذا النزاع الذي مضى عليه سبعة عقود فحسب، بل إلى إرغام الهند، في أحسن حال، والأطراف المعنية الأخرى في المنطقة (مثل الولايات المتحدة والصين) على التوصّل إلى حلّ نهائي أكثر عدلً. وترى باكستان أنّ هذا الحلّ سيبيّ الحاجةَ إلى نظرية الأمّتين وأساسها المنطقي، وسيتيح حقَّ تقرير المصير للشعب الكشميري والاعتراف السلمي به، عوضًا عن القهر الوحشي والاحتلال اللذين يخضع لهما على يد الدولة الهندية وجيشها.

ثانيًا: قضية خرجت من رحم العنف

إنْ كان هناك من أمر وحيد بقي مؤكّدًا، كما تجلّ طوال تاريخ العلاقات الهندية - الباكستانية، فهو نزوع الدولتين إلى العنف بسبب هذه المنطقة المتنازَع عليها. وحتى في غمرة المطالبات الواسعة بالتقسيم على امتداد خطوط طائفية تعود إلى عام 1947، اكتسبت الأراضي التي تضم جامو وكشمير أهمّية استراتيجية فائقة، باعتبارها متاخمة، جغرافيًّا، لكلّ من الهند وباكستان. فمواردها المائية العذبة التي لا تقدَّر بثمن، وطرقها البرّية المباشرة (عبر أفغانستان) بين الصين وآسيا الوسطى غير الساحلية، تجعل تنازل الهند أو باكستان عنها بسهولة للآخر أمرًا مستبعدًا11. نتيجة ما سبق، اندلعت في شتّى أنحاء المنطقة أعمال عنف واسعة، بعد تقسيم شبه القارّة في آب/ أغسطس 1947. بدأت أولً في شكل انتفاضة محلّية محدودة على المهراجا (الأمير الحاكم) الحاكم، لتحمل أعمال العنف طابعًا مختلفًا كلّيًّا في أجواء مناخ سياسي متوتّر أصل12. جرى ذلك عندما استطاعت شريحة من السكّان المسلمين المحلّيين الاستيلاء على مدينة مظفّر أباد والمناطق المحيطة بها وتحريرها من حكم المهراجا13، بعد أن طلبت مساعدة من رجال القبائل على الحدود مع باكستان التي أُقيمت حديثًا. عندها فحسب، اختار المهراجا توقيع صكّ الانضمام إلى الهند بعد أن أخفق في نيل الاستقلال وعَجز عن إخماد الاضطرابات. وعقب الاتفاق بين المهراجا والهند، في، أُتشرين الأول/ أكتوبر 1947 رسلت القوات الهندية إلى سرينغار Srinagar14. وفي وسط أعمال العنف التي أعقبت ذلك، تفاقمت هذه الاشتباكات الأوّلية بين قوات غير نظامية لتمسي نزاعًا عسكريًّا شاملً بين الهند وباكستان. وتضمّنت المواجهاتُ العسكرية اللاحقة الحربَ الهندية - الباكستانية الأولى 1948-1947() التي شهدت تعبئة واسعة للقوات من جهة الطرفين15. وفي حين أنّ الحرب نفسها انتهت على طول خطّ إطلاق النار بوساطة الأمم المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر 1948، فإنها أفضت إلى عسكرة شبه نهائية للمنطقة حتى يومنا هذا. ومع انتهاء هذه الحرب، وُضعت المناطق الغربية والشمالية، المعروفة اليوم باسم آزاد كشمير Kashmir Azad وغلغت بلتستان Gilgit-Baltistan، تحت سيطرة باكستان، بينما بقيت الأراضي الباقية تحت سيطرة الهند، المعروفة باسم كشمير، خاضعةً للإدارة الهندية16. بيد أنّ هذه التسوية لم تضع حدًّا للصراع؛ إذ أدّت التوترات المتفاقمة في السنوات التالية إلى حربين شاملتين أخريين: الأولى في عام 1965،

  1. 15  Ibid., p. 21.
  2. 16 سيطرت الصين منذ أوائل ستينيات القرن الماضي على جزء من جامو وكشمير؛ وهي منطقة قليلة الكثافة السكّانية تُدعى أكساي تشين.
  3. James D. Howley, "Alive and Kicking: The Kashmir Dispute Forty Years Later," Dickinson Journal of International Law , no. 9 (1991), p. 89.
  4. Wolpert, pp. 22-23.
  5. Ibid., p. 23.
  6. 10  Behera, p. 41.
  7. 11  Neera Chandhoke, "Is the United Nations Still Relevant for Kashmir?" The Journal of Modern Hellenism , no. 30 (2014), p. 93.

والثانية في عام 1971؛ ما صلّب المواقف من الحدود المتنازَع عليها. وبذلك، تحوّل خط إطلاق النار الذي رَعته الأمم المتحدة، والذي أصبح حدودًا بحكم الأمر الواقع بين الدولتين، إلى خطّ المراقبة Line of Control بعد اتّفاق سيملا Simla الذي جاء ثمرة مفاوضات ثنائية في عام 1972. ونجح هذا الخطّ في تجنّب محاولات كثيرة لتعديله أو حتى إزالته عبر العديد من الأفعال الدبلوماسية والعسكرية، منها حلول دبلوماسية متعدّدة عرضها وسطاء محلّيون ودوليون17، إضافة إلى محاولات كثيرة لإعادة رسمه بالقوّة كما حصل في أزمة كرغيل Kargil في عام 1999. تلت هذه المحاولات أيضًا حوادث كثيرة، مثل الهجمات على البرلمان الهندي في عام 2001، وتفجيرات قطار سامجهواتا السريع Express Samjhauta في عام 2007، وهجمات مومباي في عام 2008، وهجمات أوري Uri وباثانكوت Pathankot في عام 2016، وتزامنت كلها - على نحو مباشر - مع اشتداد التوتّرات على امتداد خطّ المراقبة. يمثّل بعض من هذه الحوادث أيضًا مواقف بلغت فيها الهند وباكستان شفير نشوب نزاع شامل، خصوصًا بعد أن أصبحتا دولتين تملكان أسلحة نووية. وعلى الرغم من الأعمال العدائية هذه، فإن خطّ المراقبة يشكّل حتى اليوم حدودَ الأمر الواقع بين الدولتين ضمن أراضي كشمير المتنازَع عليها. ويشكّل هذا الخط اليوم جمودًا وتسوية مزعجة، وهو لا يزال شاهدًا على خروقات منتظمة لوقف إطلاق النار وعنف متواصل. وهذا ما تجلّ في ما يحصل حتى اليوم من قصف مدفعي وتبادل متكرّر لإطلاق النار بين الجيشين الهندي والباكستاني. كما ذُكر سابقًا (في المقدمة)، يشكّل دخول عنصر الاشتباكات الجوّية في أجواء خطّ المراقبة تطوّرًا مقلقًا؛ إذ بلغت الأعمال العدائية بين الدولتين مستويات جديدة بكل ما للكلمة من معنى، وهو أمرٌ يعزّز إمكان أن يكون خطُّ المراقبة بقعةَ توتّرٍ نووي - علمً أنّ هذه المنطقة تُعدُّ إحدى أكثر المناطق تسلّحًا في العالم أصلً – وهو يشهد اليوم تصعيدًا غير مسبوق في استخدام الدولتين طائرات حربية. وبما أنّ كلتا الدولتين أظهرت استعدادًا ملحوظًا لنقل النزاع من الميدان الحربي دون التقليدي إلى التقليدي، فإنّ من شأن الاحتمال المتنامي نحو تصعيد عَرضَي على الصعيد النووي أن يؤدي إلى عواقب وخيمة تُغيّ العالم18. يصحّ ذلك على وجه الخصوص أثناء النظر إلى كيفية بقاء مفهوم الردع هشًّا، حينما أظهرت الدولتان نزوعًا متزايدًا إلى الإكراه عند خطّ المراقبة بواسطة ما يسمّى أساليب قتالية دون تقليدية و/ أو هجينة. ومن خلال التعزيز المستمر لما هو نوع من "التهديد القائم"، يبقى نزوع الدولتين إلى الإكراه والعنف مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بهذا النزاع19. لذلك، يشكّل النزاع المتعلق بجامو وكشمير تهديدًا خطرًا للأمن الإقليمي في جنوب آسيا، وللعالم كلّه أيضًا. وبالنظر إلى التاريخ المضطرب لهذا النزاع على نحو خاص، يمثّل التوقيت والسياق الحالي الذي قرّرت فيه الحكومةُ الهندية إلغاء الوضع الدستوري الخاصّ للمنطقة تطوّرًا بالغ الخطورة؛ إذ أضاف بُعْدًا جديدًا ومثيرًا للقلق لهذا النزاع المتفاقم الذي يجب معالجته في الوقت الملائم بطريقة فعالة، ولا سيما بالنظر إلى موقف باكستان المبدئي منذ عقود من هذه المسألة. لكن قبل الاستفاضة في كيفية معالجة باكستان هذه المسألة ووجوب فعلها ذلك، من المهم أولً فهم أهمّية التعديل الدستوري الهندي بشأن جامو وكشمير.

ثًالث ا: الأزمة الحالية

بدأت الأزمة الحالية بعد اتخاذ الحكومة الهندية قرار إلغاء الوضع الخاصّ لجامو وكشمير عبر إلغاء المادّتين 370 و 35 أ. ولم يشكّل هذا القرار مفاجأة، نظرًا إلى تعاظم النزعة القومية الهندوسية في الهند؛ إذ يؤمن القوميون الهندوس بفلسفة الناشط السياسي فيناياك دامودار سافارْكار Savarkar Damodar Vinayak الخاصّة بالهندوتفا. وقد رأى أنّ الطريقة الوحيدة لتعزيز القومية في الهند تكون من خلال القومية الهندوسية. وفي أثناء الولاية الأولى لناريندْرا مودي Modi Narendra بصفته رئيسًا لوزراء الهند 2019-2014()، شهد العالم أعمال عنف كثيرة، مدفوعة بتطرّف ديني على أيدي المتشدّدين الهندوس في الهند. ومن خلال حملات مثل "مراسم تغيير الدين من الإسلام والمسيحية إلى الهندوس والسيخ" (غار وابسي Wapsi Ghar((العودة إلى الوطن)، يرمي القوميون الهندوس إلى ما يزعمون أنّه إعادة الأقلّيات الدينية إلى اعتناق الهندوسية20. وبحجّة حماية البقر، انخرط القوميون الهندوس في سياسات الدفاع عنه، ما أجّج أيضًا أعمال العنف التي امتدّت إلى الأقلّيات الدينية، خصوصًا

  1. Moeed Yusuf & Adil Najam, "Kashmir: Ripe for Resolution?" Third World Quarterly , vol. 30, no. 8 (2009).
  2. Owen B. Toon et al., "Rapidly Expanding Nuclear Arsenals in Pakistan and India Portend Regional and Global Catastrophe," Science Advances , vol. 5, no. 10 (October 2019).
  3. John Merrill & Ilan Peleg, "Nuclear Compellence: The Political Use of the Bomb," Crossroads , vol. 11 (1984).
  4. Debraj Deb, "'Ghar Wapsi' Bid in Tripura: 96 Christians 'Reconverted' to Hinduism," The Indian Express , 21/1/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/pow4dz

المسلمة منها21. وعلى الرغم من هذه الفوضى كلّها في الهند، فإن مودي فاز بأغلبية أكبر في انتخابات عام.2019 حقّقت الحكومة الهندية بقيادة القوميين اليمينيين الهندوس في حزب بهاراتيا جاناتا رغبة قديمة في إلغاء الوضع الخاصّ لجامو وكشمير في 5 آب/ أغسطس 2019. وكانت الهند مدركة أنّ شعبَ جامو وكشمير لن يُرحّب بهذا القرار، لذلك نشرت آلاف القوّات الإضافية في المنطقة؛ ما أدّى إلى سجن نحو 3.000 شخص من بينهم محامون محلّيون ورجال أعمال ومديرون تجاريون وناشطون سياسيون22. وقطعت خدمات الهاتف والإنترنت والتلفاز عن شعب جامو وكشمير أكثر من شهر. يوجد في ولاية جامو وكشمير سبعة ملايين شخص ونحو 700,000 جندي هندي23، وهو أمرٌ يجعل الولاية إحدى أكثر المناطق تسلّحًا في العالم؛ صحيح أنّ القوات العسكرية تنتشر في جامو وكشمير بعدد كبير دائمًا، إلّ أنّ هذا القمع غير مسبوق، إلى حدّ منع - على سبيل المثال - وفدًا من أحزاب المعارضة من دخولها. تجدر الإشارة إلى أنّ المادة 370 أتاحت للهند سيطرة محدودة على جامو وكشمير بسبب نظام حكم الولاية شبه المستقلّ؛ إذ نصّت هذه المادة على أنّ لولاية جامو وكشمير دستورَها وعَلَمها الخاصَيّن. وأتاحت المادة 35-أ للمشرّعين في الولاية تعريف المواطنة فيها ولم تُجز للغرباء الإقامة الدائمة فيها، أو شراء أرض، أو شغل وظائف حكومية، أو نيل منح دراسية24. إضافة إلى ذلك، قسّم هذا القرارُ جامو وكشمير ولايتين؛ ما أدّى إلى فصل منطقة لاداخ Ladakh الآن، لكنْ شعر مسلمو المنطقة ووادي كشمير أنّهم تعرّضوا للخيانة. وتزعم الهند أنّها قامت بذلك نزولً عند رغبة الأغلبية البوذية في لاداخ. ومع ذلك، يحتفل حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم وجناحه الأيديولوجي راشتْريا سوايامْسيفاك سانغ Rashtriya Swayamsevak Sangh بإلغاء المادة 370. وهذا يدلّ على وجود دعمٍ شعبي عارم في الهند لقرار الحزب. هناك أسباب كثيرة وراء القرار الذي اتخذته حكومة مودي؛ إذ أفصح البرنامج الانتخابي لحزب بهاراتيا جاناتا في عام 2014 عن رغبة في إلغاء المادة 370 في الدستور الهندي. وروّج الحزب في تلك الانتخابات أيضًا ل "المهمّة "44 القاضية بنيل 44 مقعدًا في انتخابات ولاية جامو وكشمير. لكنّ الحزب نال 25 مقعدًا، لأنّ الحزب الديمقراطي الشعبي فاز ب 28 مقعدًا25. وكانت غاية "المهمة "44 الرئيسة متمثّلة بالفوز بنصف المقاعد النيابية على الأقلّ في جامو وكشمير لتنفيذ أجندة الحزب بوسيلة قانونية/ دستورية. وعندما لم يحدث ذلك، آثر الحزب اعتماد استراتيجية أكثر قسوة وغير ديمقراطية، تحقيقًا لرغبته في "أمّة واحدة، دستور واحد." كما نصّ البرنامج الانتخابي لحزب بهاراتيا جاناتا بوضوح في عام 2019 على نيّاته في ما يتعلّق بجامو وكشمير بالقول: "إنّنا ملتزمون بإلغاء المادة 35 أ من دستور الهند، كونها بندًا يميّز ضدّ المقيمين غير الدائمين والنساء في جامو وكشمير. ونعتقد أنّ هذه المادة عقبة تحول دون تطوّر الولاية. وسنقوم بكل الخطوات لضمان بيئة آمنة وسلمية لسكّان الولاية كافّة"26. في ظلّ حكومة مودي، لم يكن الوضع السائد في جامو وكشمير مستقرًّا. ووفقًا للبوابة الإلكترونية لجنوب آسيا لرصد الإرهاب Portal Terrorism Asia South، يتزايد عدد القتلى باطِّراد منذ أن تشكّلت حكومة مودي في عام 2014؛ إذْ بلغ عدد الضحايا 451 شخصًا في عام 2018، في حين بلغ 181 شخصًا في عام 2013 27. أما ما أدّى إلى تفاقم الوضع على نحو كبير في جامو وكشمير، فهو مقتل قائد الثورة في المنطقة، برهان واني Wani Burhan 28، الذي سقط في اشتباكات مع قوّات الأمن الهندية في عام 2016. وعلى الرغم من القيود التي فرضتها قوات الأمن الهندية، حضر الآلاف جنازته،

  1. India: Vigilante 'Cow Protection' Groups Attack Minorities," Human Rights Watch, 18/2/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/abw4dz
  2. Niha Masih & Joanna Slater, "Among the 3,000 Detained by Indian Authorities in Kashmir: Children," The Washington Post , 19/8/2019, accessed
  3. Javed Jabbar, "A New Opportunity?" Dawn , 28/8/2019, accessed on
  4. Kashmir Special Status Explained: What Are Articles 370 and 35a?"
  5. Indian Media: BJP's Kashmir Performance," BBC News , 24/12/2014, accessed on 15/11/2020, at: https://www.bbc.com/news/world-asia-india-30595366 26 " BJP Manifesto 2019: Top 10 Promises for Next 5 Years," India Today , 8/4/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/pdw4dz 27 " Fatalities in Terrorist Violence 1998-2019," South Asia Terrorism Portal , accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/0yv4dz 28 كان برهان مظفر واني قائدًا كشميريًا شابًّا لجماعة انفصالية تسمّى "حزب المجاهدين."
  6. on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/bww4dz
  7. 15/11/2020, at: http://tiny.cc/sqw4dz
  8. Al-Jazeera , 5/8/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/acw4dz

ومثّلت هذه الحادثة في حد ذاتها منعطفًا في التمرّد الجاري في جامو وكشمير29. يسود قلق كبير أيضًا بشأن وجود أجندة قومية هندوسية أكبر خلف القرار الأخير. ويرى كثيرون من داخل منطقة جامو وكشمير ومن خارجها، خصوصًا في باكستان، أنّ الهدف من إلغاء المادتين 370 و 35 أ هو تغيير ديموغرافية الولاية الوحيدة ذات الأغلبية المسلمة في الهند؛ إذ يمثل المسلمون 60 في المئة من عدد سكّانها البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة. ويدخل ضمن منتقدي قرار حكومة حزب بهاراتيا جاناتا قادة كشميريون يرون أنّ الهند تعمل بمبدأ هندوتفا لتوطين الهندوس في جامو وكشمير30. لذلك، هناك العديد من التقارير الصادرة عن وسائل الإعلام الدولية التي تصف ضمّ الهند لجامو وكشمير بأنه مشابهٌ حقيقيٌّ للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بشأن الضفة الغربية31. على الرغم من زعْم الحكومة الهندية أنّ قرارها سيكون بداية حقبة جديدة من النموّ والاستقرار في جامو وكشمير، فإنها جوبهت بالكثير من الانتقادات. ووجّهت القيادة الكشميرية التي سُجنت أغلبيتها، أو وُضِ عت تحت الإقامة الجبرية، انتقادات حادّة إلى قرار حكومة مودي. ووصف سياسي كشميري شاب (يدعى شاه فيصل Faesal Shah) هذا القرار بأنّه "اغتيال للدستور" و"خيانة من الدولة الهندية"32. وعلى الصعيد العالمي، انتُقدت الحكومة الهندية لفرضها حظْر التجوّل الكامل على الولاية. وقد رُفع حظْر التجوّل جزئيًّا في عيد الأضحى، وبات العالم شاهدًا على مشاعر الكشميريين الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجًا على قرار الهند. ومع ذلك، زعمت الهند أنّ كلّ شيء على ما يرام، وأنه ليس هناك مِن قمعٍ. أوقع هذا الإنكارُ الهندَ في مشكلة أكبر عبر تدويل نزاع كشمير33. وصرّح رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في هذا الإطار، قائلً: "ارتكب ناريندرا مودي خطأ استراتيجيًّا فادحًا[...]لعب ورقته الأخيرة[...]سيثبت ذلك لمودي أن تدويله نزاع كشمير كان خطأ"ً34. وقد حذّر عمران خان العالمَ من إمكان وقوع مواجهة نووية في جنوب آسيا، وهذا نقيض رغبة الهند الطويلة الأمد بعد اتّفاق سيملا في عام 1972. وإلى جانب العديد من التقارير المنتظمة التي نشرتها وسائل الإعلام العالمية عن الوضع، جرت أيضًا مناقشات في منظمّات دولية؛ مثل الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ومنظّمة التعاون الإسلامي (منظّمة المؤتمر الإسلامي سابقًا.)

رابعًا: خيارات باكستان

في ظلّ الأوضاع الراهنة، وعلى الرغم من خيارات باكستان المحدودة، لا بدّ من النظر في سيناريوهات متعدّدة. لم تسلم طريقة تعاطي باكستان وشركائها الدوليين من الانتقادات المحلّية، لذلك على إسلام أباد تعديل استراتيجيتها الحالية. ونظرًا إلى اهتمام باكستان بهذه القضية منذ أكثر من سبعة عقود، فإنّ عدم اتخاذ أي إجراء ليس خيارًا، بكلّ بساطة؛ إذ بنى كل من جيش باكستان القوي وقيادتها السياسية المدنية أعرافهما الأخلاقية على التعهّد بالتضامن مع النضال الكشميري. لذلك، إذا كان كلٌّ من صقور البلاد وحمائمها مختلفين بشأن مدى التزامهما بالصراع الكشميري، فإنّهما متّفقان على ممارسة جهود دبلوماسية نشِطة أكثر قسرية، ردًّا على الهند، واعتماد استراتيجية قائمة على الإكراه، عوضًا عن الردع البسيط. وفي ذلك بعض الشبه بما وصفه شيلينغ ب "الضغط الممارس على فترة زمنية ممتدّة تتيح له مراكمة زخمه[...]والموجَّه إلى أن يتحرّك الآخرون"35.

  1. Why the Death of Militant Burhan Wani Has Kashmiris up in Arms," BBC News , 11/7/2016, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/s1v4dz
  2. Kashmir: Why India and Pakistan Fight over It," BBC News , 8/8/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/rew4dz
  3. Yossi Beilin, "West Bank Status Quo Shares Eerie Similarities with Kashmir," Al-Monitor , 12/8/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/5mw4dz
  4. PM Modi is 'Murdering the Constitution,' Says Shah Faesal," BBC News , 14/8/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/0hw4dz; "Jammu and Kashmir: Shah Faesal Paints Painful Picture of Curfew, Governor Says Everything Is Fine," India Today , 8/4/2019, accessed on 15/11/2020, at:
  5. Khalid Shah, "Government of India's Narrative Trap on Kashmir,"
  6. http://tiny.cc/wiw4dz
  7. Observer Research Foundation, 27/8/2019, at: http://tiny.cc/uzw4dz 34 " Pakistan's Imran Khan Faced Limited Options on Kashmir," Financial Times , 15/8/2019, accessed on 15/11/2020, at: https://on.ft.com/35v8isE 35  Schelling, pp. 69-70.

في ما يتعلّق بالردّ الباكستاني السريع، يمكن القول إنّه كان تقليديًّا؛ فقد استدعت باكستان سفيرها من الهند، وقطعت كلّ الروابط التجارية معها، وتقدّمت بشكوى إلى الأمم المتحدة ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان الأخرى. وفي أثناء ذلك، بقيت التوتّرات على أشُدّها مع حصول مناوشات منتظمة على طول خطّ المراقبة بعد أن فاقم قرارُ الهند، في 5 آب/ أغسطس، الوضعَ من ناحية التصعيد. وأغلقت باكستان مجالها الجوّي أمام الهند، كما أغلقت المنافذ المؤدّية إليها، مانعة إيّاها من استخدام المعبر الباكستاني في التجارة مع أفغانستان، إلّ أن مسألة إغلاق المعابر هذه لا تصبّ في مصلحة باكستان بحكم علاقاتها المتوتّرة أصلً بكلّ من أفغانستان والهند. وأغلقت باكستان أيضًا خدمات القطارَين السريعين ثار Thar وسامجهوتا Samjhota وخدمات الحافلات التي تعمل على خط الهند وباكستان. صحيح أن هذا الإجراء سيمتدّ إلى آلاف المسافرين على جانبَي الحدود، إلّ أنه قد لا يشكّل ضغطًا كافيًا لإرغام الهند على الإنصات لمطالب باكستان. وفي هذا السياق، من المهمّ الإشارة إلى أنّ باكستان أعادت فتح مجالها الجوّي في تموز/ يوليو 2019 بعد إغلاقٍ دام خمسة أشهر، في إثر الغارة الجوّية الهندية على بلاكوت Balakot في شباط/ فبراير 2019. وكان ذلك القرار قد كبّد شركاتِ الطيران خسائر تُقدَّر بملايين الدولارات. وستكون الحالة مشابهة هذه المرّة لأنّ الضغوط على الاقتصاد الباكستاني الهشّ ستكون أشدّ وطأةً من الضغوط على الاقتصاد الهندي. سعى عمران خان مرارًا بعد تقلّده زمام الحكم، في آب/ أغسطس 2018، لإقناع الهند باستئناف محادثات السلام الثنائية. لكنّ عروضه لم تلقَ آذانًا صاغية في الهند؛ ما عرّضه لانتقادات كثيرة من أحزاب المعارضة في باكستان. وغداة الأزمة الحالية، استبعد خان خيار الدخول في حوار ثنائي مع الهند؛ إذ إنه ليس خيارًا عمليًّا، ولا سيما أنّ موقف باكستان من النزاع الكشميري لا يحظى بدعم كامل من المجتمع الدولي. وبدلً من ذلك، على باكستان حثّ القوى العالمية والمنظمّات المتعدّدة الأطراف على الضغط على الهند لاستئناف عملية الحوار الشامل36 من أجل مناقشة كلّ القضايا العالقة، ومنها قضية كشمير. على الرغم ممّ يجري الترويج له في وسائل الإعلام وفي الكتب المدرسية في باكستان، يجب على باكستان الامتناع عن الادعاء أنّ "ولاية جامو وكشمير ستصبح جزءًا من باكستان"، وينبغي في المقابل حشد الدعم من أجل ضمان حقّ تقرير المصير للشعب الكشميري. صحيح أنّ ذلك قد يُنفّر الشرائح الأكثر تشدّدًا في الدوائر الدفاعية والسياسية الباكستانية، لكنها قد تكون المقاربة الأكثر براغماتية وواقعية في تمييز موقف باكستان من موقف الهند؛ ونظرًا إلى أن الهند قوّة احتلال بكلّ الوسائل، فإنّ باكستان من خلال تأكيدها التضامن مع معاناة الشعب الكشميري، تضمن لنفسها فرصةً أفضل بكثير لممارسة الشرعية من خلال الرضوخ لرغبات الشعب الكشميري وسماع صوته. وهذا يتيح فرصة أكبر لإضفاء الشرعية على موقف باكستان المبدئي بطريقة دبلوماسية فعّالة، تتميّز مما يبدو أنه عدوان هندي سافر. في ما يتعلق باحتلال الهند القائم على أعمال العنف، لا تحتاج باكستان إلى عرض ما يتوافر لديها من بيانات عن انتهاكات حقوق الإنسان في جامو وكشمير؛ لوفرة التقارير الصادرة عن منظمّات مستقلة تدافع عن حقوق الإنسان وتشجب الأعمال الهندية الوحشية في الولاية. ويجب ألَّ تكون حملة المناصرة أكثر تنظيمً فحسب، بل عليها أن تكون أوسع، بأكبر قدر ممكن، من خلال استخدام الموارد المتاحة كلّها في باكستان. وتشمل تلك الحملات بعثاتها الدبلوماسية في الخارج والأكاديميين والصحافيين وكل سفير من سفراء "النوايا الحسنة" يمثّل باكستان في مجالات الرياضة الدولية والفنون والثقافة والإعلام. وفي السياق ذاته، أعلنت الحكومة الباكستانية عن تسيير مظاهرات أسبوعية في شتّى أنحاء البلاد تعبيرًا عن التضامن مع شعب جامو وكشمير، إلّ أن أثرها قد يكون محدودًا نظرًا إلى غياب تغطية وسائل الإعلام العالمية. لكنْ ثمّة خيارٌ قليل التكلفة يكمن في وسائل التواصل الاجتماعي التي يجب استخدامها بلغات مختلفة، ترويجًا لموقف باكستان غداة الأزمة الحالية. ولا تزال الحكومة الهندية تضيّق الخناق على وسائل الإعلام المحلّية والدولية بعد شهر من التعتيم الكامل في جامو وكشمير. وعلى باكستان أيضًا استغلال كل الفرص الممكنة للتعبير عن محنة شعب جامو وكشمير بأكمله الذي يعيش في ظلّ ظروف تهدّد حياته. ويجب على باكستان أيضًا صوغ استراتيجية إعلامية شاملة لإطلْاع العالم عمّ يجري في جامو وكشمير حاليًّا. قد يساعد خطاب باكستان الذي يربط الأزمة الراهنة بحرب نووية في جنوب آسيا، بدرجة معيّنة، على تحقيق رغبتها في وساطة دولية أكبر. صحيح أنّ الأخطار المحتملة لحرب نووية قد تعزّز فُرص تدويل القضية المطروحة، لكنّ هناك خطًّا رفيعًا بين اللجوء إلى "شبح" حرب نووية بصفتها أداة سياسية لغايات ردعية من ناحية، والتهديد بخوض حرب نووية باعتبارها جزءًا من دعوة تصعيدية إلى حمل السلاح من ناحية أخرى37. ومع أنّ القلق يساور المجتمع الدولي حيال التوتّرات بين الدولتين النوويتين العدوّتين في جنوب آسيا،

  1. انطلقت عملية الحوار الشامل في عام 1998، لكنّها متوقّفة منذ عام.2004
  2. Merrill & Peleg, pp. 21-22.

على باكستان أن تضاعف حذرها أثناء لجوئها إلى مقاربة كهذه؛ إذ إنها تواجه أزمة اقتصادية عميقة ومتفاقمة، تنامت حدّتها بسبب جائحة فيروس كورونا. وهناك رأي مفاده أنّ باكستان لن تستطيع خوض حرب شاملة طويلة بسبب الأزمة الاقتصادية، إلّ أنها قد تعمد في المقابل إلى خيار قليل التكلفة؛ ألا وهو دعم التمرّد في جامو وكشمير38، أو تعزيز قدراتها الردعية الاستراتيجية بخفض إضافي للعتبة النووية أثناء مواجهتها أي شكل من أشكال العدوان الهندي المحتمل39. أما على صعيد دعم المتمرّدين في كشمير، فقد لا تكون باكستان قادرة على تقديم الدعم الكامل إلى الجماعات الانفصالية هناك. صحيح أنّه من الواضح، في ظل الأوضاع الراهنة، أنّ حزب المجاهدين قد يقود النضال في الولاية، إلّ أنه لن يكون سهلً على باكستان دعم هذه المجموعة عندما تكون البلاد مدرَجة على القائمة الرمادية لدى فرقة العمل المعنيّة بالإجراءات المالية). ترى هذه المجموعة Financial Action Task Force, FATF) أنّ محاولات باكستان المتعلقة بالرّد على الاتهامات الموجّهة ضدّها لا تزال غير مقنعة - وهذا أمر لا يزال يؤدي إلى تداعيات دبلوماسية ومالية خطرة على باكستان. وبناءً على هذه القيود، لم يبقَ أمام باكستان من خيار سوى مواصلة تقديم الدعم السياسي إلى حزب مؤتمر الحرّية، وهو ائتلاف رئيس لأحزاب سياسية في جامو وكشمير. إضافة إلى ما تقدّم، يجب ألَّ تكون المقاربة التقليدية القائمة على حثّ القوى العالمية، مثل الولايات المتّحدة، على التدخّل، هي الاستراتيجيةَ الوحيدة التي تعتمدها باكستان. وذلك يعود إلى أنّ التعاون بين الهند والولايات المتحدة بات أوثق من أي وقت مضى، وقد تراجع دونالد ترامب مؤخرًا عن رغبته السابقة في التوسّط بين الهند وباكستان في قضية كشمير. في الواقع، يُلقي كثيرون اللوم على الرئيس ترامب بشأن تفاقم الوضع مؤخّرًا، لأنّه سبق أن عرض وساطته في قضية كشمير عندما التقى بعمران خان في البيت الأبيض في تموز/ يوليو 201940. ومن أجل تعزيز فرص إقناع الولايات المتّحدة، قد تستغلّ باكستان ما يميّزها من حركة طالبان في سياق المفاوضات الجارية بين الولايات المتّحدة وطالبان، لكنّ هذه الأخيرة كانت قد حذّرت من ربط قضية كشمير بأفغانستان. وهذا الأمر، في السياق الجيوسياسي الحالي، باعتبار باكستان جزءًا من مبادرة الحزام والطريق الصينية، على سبيل المثال، لا يجعلها تتوقّع الكثير من الولايات المتّحدة. أضف إلى ذلك أنّ عدد الدول الغربية التي انتقدت قرار الحكومة الهندية ليس كثيرًا أيضًا.

خامسًا: المنظمات الدولية

شكّل نيل قضية كشمير بعض الاعتراف خلال اجتماع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، في آب/ أغسطس 2019، انتصارًا أخلاقيًّا بالنسبة إلى باكستان. لكنّ هذا الاجتماع الذي عُقد بطلب من الصين لم يُفضِ إلى نتائج مهمة. واستحوذت الحملة القوية التي أطلقتها باكستان في ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان في جامو وكشمير على قدر من اهتمام جماعات دولية تُعنى بحقوق الإنسان؛ مثل هيومن رايتس ووتش Watch Rights Human، ومنظّمة العفو الدولية  Amnesty International 41. تسعى باكستان أيضًا لتُ اكِم على هذه الاستراتيجية من خلال طرح القضية والهموم المتعلّقة بها هواجسها في اجتماعات مجلس حقوق الإنسان، وفي الجمعية العامّة للأمم المتحدة. غير أن عليها إعادة النظر في ردّة فعلها الأوّلية؛ بإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية. فحتى لو جرى اللجوء إلى المحكمة الدولية، وقبلت الأخيرة بإجراء مداولات بشأن قضية كشمير، فإنّ جلساتها ستناقش مجمل الأراضي المتنازَع عليها، وهذا يشمل كشمير الخاضعة لإدارة باكستان، وربّ ا لن يصبّ في مصلحة أهدافها.

  1. Sameer Yasir, Hari Kumar & Maria Abi-Habib, "India Blames Pakistan for Attack in Kashmir, Promising a Response," The New York Times , 15/2/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/1hx4dz
  2. Mansoor Ahmed, "Pakistan's Tactical Nuclear Weapons and Their Impact on Stability," Regional Voices on the Challenges of Nuclear Deterrence Stability in Southern Asia - Carnegie Endowment for International Peace, 30 June 2016, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/m624dz
  3. Toru Takahashi, "How Trump Triggered the Kashmir Turmoil," Nikkei Asian , 31/8/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/m1w4dz
  4. ينظر: " Kashmir," Human Rights Watch , accessed on 15/11/2020, at: https://www.hrw.org/tag/kashmir

تواصل باكستان اعتماد خيار عقد جلسة عادية لمجلس الأمن بشأن قضية كشمير. وقد تعزّزت آمالها بعد اجتماع مغلق لمجلس الأمن في 16 آب/ أغسطس 2019، لكن لا بد من "مشاهدة الصورة" كاملةً. فعلى صعيد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن، كانت الصين الدولة الوحيدة التي دعمت موقف باكستان من النزاع، بل إنها رأت في خطوة الهند انتهاكًا للسيادة الباكستانية أيضًا42. واختارت روسيا، من بين باقي الأعضاء، دعم الهند. صحيح أنّ الباقين أفصحوا عن قلقهم، أو شجبوا حظر التجول في جامو وكشمير، إلّ أنّهم تردّدوا في اتّخاذ مواقف واضحة من النزاع. وبالنظر إلى موقف موسكو، يُرجَّح - إلى حدّ بعيد - استخدامها حقّ النقض في مجلس الأمن دعمً لموقف الهند. تبنّت الهند موقفًا ثابتًا بشأن نزاع كشمير؛ إذ رأت فيه نزاعًا ثنائيًّا بين الهند وباكستان، وهذا ما تجلّ مثلً في الجلسة الأخيرة للجمعية العامّة للأمم المتحدة، حيث كانت أول مرّة، منذ ثماني سنوات، لم يُشِ فيها الرئيس الهندي في خطابه الرسمي إلى باكستان، أو إلى كشمير43. وكان الهدف من ذلك، على الأغلب، التقليل من أهمية التركيز الدولي على حظر التجوّل الجاري، بينما يجري العمل على تعزيز موقف الهند القائل إنّ تلك مسألة داخلية وبعيدة عن أي تدخّل دولي. وفي المقابل، كان بيان باكستان الرسمي بمنزلة مناشدة قوية توجّهت بها إلى المجتمع الدولي، تُسلّط فيها الضوء على الأخطار الكبيرة المُهدِّدة للسلام والاستقرار الإقليميَيّن، والناجمة عن تردّي الأوضاع في كشمير44. وشدّد رئيس الوزراء عمران خان على نحو صريح، في خطابه أمام الجمعية العامّة للأمم المتّحدة، في جلستها الرابعة والسبعين، على الأخطار التي سيتسبّب بها أي تصعيد أو تعديل قسري للوضع الراهن في جامو وكشمير في إطار الهند وباكستان، لكونهما دولتين تملكان أسلحة نووية. وحمّل المجتمعَ الدولي مسؤولية الحؤول دون تردّي الوضع.

سادسًا: الأمّة

عوّلت باكستان كثيرًا على دعم الأمّة، عندما غاب طرح الخلاف بشأن كشمير في أروقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة طوال نحو 50 عامًا. وكان أكثر ما خيّب ظنّ باكستان في هذه الأزمة الراهنة هو تواني الدول الإسلامية في توفير الدعم. صحيح أنّ الكويت ساندت باكستان في مجلس الأمن، لكن - على الصعيد الفردي - قلّةٌ هم الأعضاء في منظّمة التعاون الإسلامي الذين أصدروا بيانات داعمة لباكستان. وبحلول 8 أيلول/ سبتمبر 2019، لم يصدر الأعضاء المنضوون إلى المنظّمة بيانات رسمية تشير إلى الوضع الراهن في جامو وكشمير، عدا الدول التالية: أذربيجان، وإيران، وماليزيا، وجزر المالديف، وقطر، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، والإمارات العربية المتّحدة. وما شكّل صدمة لباكستان - حتى في الوضع الراهن – أنّ دولة الإمارات منحت حكومة رئيس الوزراء الهندي مودي أرفع وسام بتقليده "وسام الشيخ زايد"45. ومع أنّ وزيرَي خارجية دولتَي الإمارات والسعودية زارا باكستان، في 4 أيلول/ سبتمبر 2019، لتخفيف حدّة التوتّرات بين الهند وباكستان، لاحظ كثيرون أنّ جهدهما كان أقرب إلى محاولة عقيمة لاسترضاء القادة الباكستانيين أكثر من كونه عرْضًا لأيّ دعمٍ لموقف باكستان46، ما دفع كثيرين من أمثال الناشط الاجتماعي والعلمي وأحد مؤسسي البرنامج النووي الباكستاني برويز هودْبهوي Hoodbhoy Pervez، وهو باحث أكاديمي باكستاني معروف، إلى القول إنّ "الأمّة نبذت باكستان"47. ومن ثمّ، كان واضحًا بالنسبة إلى باكستان أنّ الدعم الذي قد تحظى به من الأمّة في دعم موقفها بشأن نزاع كشمير محدود. هذا تقييم واقعي لأنّ أغلبية الدول ذات الأكثرية المسلمة، مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، تربطها علاقات اقتصادية قوية بالهند، ومن المستبعد أن تعطلّها بناءً على مجرّد تضامن مبدئي مع باكستان. في ما يتعلّق بمنظّمة التعاون الإسلامي، عُقد اجتماع طارئ في 6 آب/ أغسطس للبحث في القضية، لكن لم يحضره غير ممثلّي باكستان والسعودية وأذربيجان وتركيا وبعض ممثلّي الدول الأعضاء الأخرى. وأصدرت المنظّمة في وقت لاحق من آب/ أغسطس 2019 بيانًا رسميًّا دعت فيه إلى رفعٍ فوري لحظر التجوّل، وطالبت بإجراء استفتاء عامّ بإشراف الأمم المتحدة لحلّ النزاع48. صحيح أن باكستان تعتمد كثيرًا على منظمة التعاون الإسلامي، إلّ أنه ينبغي اعتماد الواقعية

  1. 46 " UAE and Saudi Arabia Visit Pakistan in Joint Diplomatic Push," The National , 4/9/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/hlw4dz
  2. Mohammad Waqas Jan, "Expanding the Present Discourse on Cpec," in: Zafar Iqbal Cheema, CPEC - A Precursor to Regional Economic Growth and Stability (Islamabad: Strategic Vision Institute, 2019).
  3. The U.N. Can't Ignore Kashmir Anymore."
  4. India's Modi Awarded UAE Highest Honour Amid Kashmir Crackdown," The Sydney Morning Herald , 26/8/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/1jw4dz
  5. 42  Jun Mai, "China Calls India's Move to Scrap Kashmir's Special Status 'Not Acceptable' and Not Binding," South China Morning Post , 6/8/2019, at: http://tiny.cc/lrw4dz
  6. Pervez Hoodbhoy, "Ditched by the Ummah," Dawn , 7/9/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/8pw4dz
  7. OIC Reaffirms Internationally Recognised Status of Kashmir Dispute, Its Resolution through Plebiscite," Dawn , 31/8/2019, accessed on 15/11/2020, at: http://tiny.cc/vlw4dz

بشأن ما يمكن تحقيقه عمليًّا. وعلى الرغم من مقاطعة باكستان، دُعيت الهند إلى المشاركة بصفتها "ضيف شرف" في اجتماع عقدته المنظّمة في أبوظبي في شباط/ فبراير 2019. وتتبنى باكستان موقفًا ثابتًا بعدم السماح للهند بالمشاركة في منظّمة التعاون الإسلامي، بل بعدم منحها أيّ مكانة. بناءً على ذلك، من المستبعد حدوث أي خرق أو تأثير، إن كان ذلك موجودًا أصلً، لتصريحات/ بيانات المنظّمة بشأن الهند لعدم تمتّع الهند بأي مكانة رسمية فيها. وقد بلغ الإحباط الذي تشعر به باكستان تجاه المنظّمة، مستوى آخر غير مسبوق حين أعلن سيد محمود قريشي، وزير الخارجية الباكستاني، صراحةً، تشكيلَ تكتّلٍ إسلامي آخر لا تقوده السعودية لتحقيق المصالح القومية الباكستانية في ما يتعلّق بنزاع كشمير49. صدرت هذه الملاحظات بُعَيد تردّد المنظّمة في استضافة جلسة بشأن كشمير بطلب من باكستان.

خاتمة

سيكون لقرار الحكومة الهندية بإلغاء الوضع الخاصّ لجامو وكشمير تداعيات خطرة؛ ليس على المستوى الأمني في الهند وفي جنوب آسيا فحسب، بل على العالم بأسره، فقد بلغت التوتّرات بين الهند وباكستان أعلى مستوياتها. وفي الوقت عينه، تمارس باكستان جهودًا دبلوماسية نشطة لكسب المزيد من الدعم من الجهات الدولية الفاعلة في العالم الإسلامي، وفي الغرب. لكنّ موقفها بشأن نزاع كشمير لم يلقَ غير دعم محدود. على الرغم من ردّة فعلها الأولية باللجوء إلى كلّ الوسائل - بما فيها الحرب - دعمً للكشميريين، من المستبعد أن تخوض باكستان حربًا شاملةً، بسبب تردّي وضعها الاقتصادي. وقد لا تلجأ على الفور إلى تبنّي خيار دعم المتمرّدين الكشميريين، نظرًا إلى صورتها "المشوّهة" عالميًّا؛ المرتبطة بتمويل الإرهاب. صحيح أنّه جرى تدويل قضية كشمير على مستويات عديدة، لكن يُستبعَد، إلى حدٍّ بعيد، عقد جلسة رسمية لمجلس الأمن لبحث القضية في الظروف الراهنة. ولم يعُد أمام حكومة عمران خان سوى اعتماد خيارات التكلفة المنخفضة، وحتى الخيارات التي تنعم بأقل مستوى من المخاطر، مثل الدعوة - من خلال البعثات الدبلوماسية ووسائل الإعلام - إلى إجراء استفتاء في جامو وكشمير بإدارة الأمم المتحدة، وذلك على الرغم من الانتقادات الموجَّهة إليها التي تتعلّق بالخيارات التي اعتمدتها في الداخل. ويتعيّ على باكستان أن تتحلّ بالصبر، لأنّ الخيارات المتعدّدة الأطراف، ولا سيما تلك التي تشمل الأمم المتحدة، ستحتاج إلى وقت قبل أن تتبلور. لذلك، ربّ ا على باكستان أن تكتفي بما يمكنها فعله بمفردها في الوقت الراهن. وفي حين أنّ مثل هذه الخيارات قد لا تبدو قسرية أو هجومية في جوهرها من حيث السرعة المطلوبة من جانب الكشميريين، فإنّها تحمل في طيّاتها إمكان إرغام الهند على إعادة النظر في موقفها على المدى البعيد. ويشكّل ذلك جانبًا يمثّل في الوقت الحالي تسويةً صعبة تراوح بين التسويات الأكثر تشدّدًا والأكثر مرونة في القيادة الباكستانية.

  1. Abdul Basit & Zahid Shahab Ahmed, "Pakistan's balancing act may be failing," Al Jazeera , 31/8/2020, accessed on 15/11/2020, at: https://bit.ly/2H8mwGI

المراجع

Ahmed, Mansoor. "Pakistan's Tactical Nuclear Weapons and Their Impact on Stability." Regional Voices on the Challenges of Nuclear Deterrence Stability in Southern Asia, Carnegie Endowment for International Peace, 30 June 2016. at: http://tiny.cc/m624dz Behera, Navnita Chadha. "The Kashmir Conflict: Multiple Fault Lines." Journal of Asian Security and International Affairs. vol. 3, no. 1 (2016). Bratton, Patrick. "Signals and Orchestration: India's Use of Compellence in the 2001–02 Crisis." Strategic Analysis. vol. 34, no. 4 (2010). Carter, David B. "The Compellence Dilemma: Groups." Violent with Disputes International International Studies Quarterly. vol. 59, no. 3 (2015). Chandhoke, Neera. "Is the United Nations Still Relevant for Kashmir?" The Journal of Modern Hellenism. no. 30 (2014). Cheema, Zafar Iqbal. CPEC - A Precursor to Regional Economic Growth and Stability. Islamabad: Strategic Vision Institute, 2019. Cohen, Stephen P. "India, Pakistan and Kashmir." Journal of Strategic Studies. vol. 25, no. 4 (2002). ________. The Idea of Pakistan. Washington D.C: Brookings Institution Press, 2004. ________. Shooting for a Century: The India-Pakistan Conundrum. Washington D.C: Brookings Institution Press, 2013. Dorjay, Tsering. "Ideological War and People Dilemma in Kashmir." Indian J Soc & Pol. vol. 4, no. 1 (2017). "Fatalities in Terrorist Violence 1998-2019." South Asia Terrorism Portal. at: http://tiny.cc/0yv4dz Hilali, A. Z. "Kashmir Dispute and Un Mediation Efforts: An Historical Perspective." Small Wars & Insurgencies. vol. 8, no. 2 (1997). Hoodbhoy, Pervez. "Ditched by the Ummah." Dawn , 7/9/2019. at: http://tiny.cc/8pw4dz Howley, James D. "Alive and Kicking: The Kashmir Dispute Forty Years Later." Dickinson Journal of International Law. no. 9 (1991). "India: Vigilante 'Cow Protection' Groups Attack Minorities." Human Rights Watch , 18/2/2019. at: http:// tiny.cc/abw4dz "Kashmir Special Status Explained: What Are Articles 370 and 35a?" Al-Jazeera , 5/8/2019. at: http://tiny.cc/acw4dz "Kashmir." Human Rights Watch. at: https://www.hrw.org/tag/kashmir Merrill, John & Ilan Peleg. "Nuclear Compellence: The Political Use of the Bomb." Crossroads. vol. 11 (1984). Schelling, Thomas C. Arms and Influence. USA: Yale University Press, 1966. Shah, Khalid. "Government of India's Narrative Trap on Kashmir." Observer Research Foundation , 27/8/2019. at: http://tiny.cc/uzw4dz Shaikh, Zeeshan. "Share of Muslims and Hindus in J & K Population Same in Thorner, Alice. "The Kashmir Conflict (Continued)." Middle East Journal. no. 3 (1949). Toon, Owen B. et al. "Rapidly Expanding Nuclear Arsenals in Pakistan and India Portend Regional and Global Catastrophe." Science Advances. vol. 5, no. 10 (October. 2019). Wolpert, Stanley. India and Pakistan: Continued Conflict or Cooperation? Berkeley (United States): University of California Press, 2010. Yusuf, Moeed & Adil Najam. "Kashmir: Ripe for Resolution?" Third World Quarterly. vol. 30, no. 8 (2009).