مدى رضا الشباب في ظل التحولّات السياسية والاقتصادية بعد "الربيع العربي"

Hicham Raïq هشام رائق | * * Mohamed Ourya محمد أوريا |

الملخّص

According to the World Bank indicators, the Maghreb youth unemployment rate is among the highest in the world. After the Arab Spring uprisings (2011), the youth aspirations and expectations clashed with the economic difficulties and political reality in the Maghreb countries, which are unable to provide employment opportunities and efficient solutions to youth major problems. In the light of this situation, we analyzed (using quantitative methods) the satisfaction degree of young people under the effect of economic challenges and political transformations in the Maghreb region. It is clear from the results that the Maghreb youth adhere more to the economic priority, despite other priorities related to administrative corruption, the lack of public services, the fight against terrorism and insecurity. The second conclusion is that the youth economic expectations create a kind of homogeneity in this region. In all the observed countries, most young people consider the economy as the first priority, as well as the entire population.

تحليل انحدار لوجستي ثنائي الاستجابة لعيّنة من المغرب العربي

The Satisfaction Degree of Young People In light of the Political and Economic Transformations after the "Arab Spring"

Bilateral Logistic Regression Analysis for a Sample from the Maghreb

يُعتبر معدل البطالة لدى الشباب المغاربيين من بين أعلى المعدلات في العالم، بحسب المؤشرات المتوافرة لدى البنك الدولي. فبعد انتفاضات "الربيع العربي" (2011)، اصطدم طموح هؤلاء الشباب بالواقع الاقتصادي والسياسي في منطقة المغرب العربي غير القادرة على طرح حلول عملية وملموسة للإشكالية الكبرى عندهم؛ أي توفير فرص الشغل. في ظل ذلك، استخدم البحث أدوات المناهج الكمية لدراسة مدى رضا الشباب أمام التحديات الاقتصادية والتحولات السياسية في المنطقة. ليتضح من خ لاا النتائج أنّ الشباب المغاربيين يتمسكون بالأولوية الاقتصادية، على الرغم من أوليات أخرى مرتبطة بالفساد الإداري، والخدمات العمومية، ومحاربة الإرهاب، وانعدام الأمن. والاستنتاج الثاني هو أن البعد الاقتصادي يوجد نوعًا من التجانس في هذه المنطقة؛ إذ تعتبر كل الدول موضوع الدراسة هذا التحدي على رأس الأولويات بالنسبة إلى الشباب، والمجتمع كله أيض ا. كلمات مفتاحية: الشباب المغاربيون، الانحدار اللوجستي، التحدي الاقتصادي، عدم الرضا عند الشباب.

Keywords: Maghreb Youth, Logistic Regression, Economic Challenge, Youth Dissatisfaction.

مقدمة

يُعتبر التحوّل السياسي مسألة محورية بالنسبة إلى بلدان المغرب العربي؛ نظرًا إلى تأثيره في مجالات حيوية بالنسبة إلى الشباب ومتطلّباتهم الاقتصادية، خصوصًا أنهم يشكلون فئة مجتمعية هشّة، تحتاج إلى سياسات ابتكارية لتوفير الظروف والوسائل اللازمة وفرص جديدة وكافية لتحقيق المستوى المعيشي المطلوب. لكن اصطدم طموح هؤلاء الشباب، بعد انتفاضات الربيع العربي منذ عام 2011، بالواقع الاقتصادي والتوجّهات السياسية غير القادرة على طرح حلول عملية وملموسة للإشكالية الكبرى عندهم؛ أي توفير فرص الشغل. بحسب المؤشرات المتوافرة لدى البنك الدولي1، يُعتبر معدل البطالة لدى الشباب في المغرب العربي من بين أعلى المعدلات في العالم. ففي الجزائر، ارتفع هذا المعدل إلى 29 في المئة في عام 2017 بين الفئات العمرية بين 15 و 24 عامًا، وسُجّلت نسبة أعلى للبطالة في تونس، حيث وصلت في عام 2017 إلى ما يقارب 35 في المئة من الشباب 24-15(عامًا.) في حين كانت الوضعية أسوأ في ليبيا، حيث تجاوزت هذه النسبة 50 في المئة خلال عام 2017 بالنسبة إلى الشباب 24-15(عامًا.) أما بالنسبة إلى المغرب، فكانت نسبة البطالة لدى الشباب، في العام نفسه، 22.3 في المئة، أي أقل من بقية دول المغرب العربي. في ظل هذه المؤشرات التي تعطي شعورًا بعدم الاطمئنان، تهدف الدراسة إلى معرفة مدى رضا الشباب المغاربيين عن أوضاعهم بعد مرور نحو عقد من انتفاضات الربيع العربي، وخصوصًا أنّها تتزامن مع إصدار البيانات المحدثة في الباروميتر العربي Arab Barometer2 لعام 2019-2018، وتعزيزها ببيانات المؤشر العربي3 لسنوات 2018-2011. وتكمن أهمية الدراسة في قياس مستوى الرضا في علاقته مع التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها المنطقة، والتي يمكن قياسها عبر المتغيرات المتوافرة في البيانات المذكورة. وسيتم استعمال منهج كمي لدراسة العلاقة بين محددات سياسية واقتصادية من جهة، ومستوى رضا الشباب من جهة أخرى عبر تحليل انحدار لوجستي ثنائي الاستجابة، كما سنشرح ذلك في الفقرة الخاصة بالمنهج. أمّا الإشكالية التي تتمحور حولها الدراسة، فتكمن في معرفة ما إذا كان الشباب هم فعلً أكثر تضرّرًا من الأوضاع الحالية، مقارنة بالمجتمع كله، وخصوصًا أن الشباب، بصفة عامة، بصفتهم فئة اجتماعية هشّة، يعيشون مرحلة انتقالية نحو البحث عن الاستقلالية وتحقيق الذات. وقد يصطدم هذا الطموح بالتحولّات السياسية والواقع الاقتصادي لدول المغرب العربي، وعجز هذه الدول عن توفير الفرص الكافية للشغل، باعتباره مصدرًا أساسيًا لتحسين أوضاعهم. من هذا المنطلق، نطرح التساؤل الأول: إذا كان الشباب غير راضين عن أوضاعهم، فما القضايا الأهم والأشدّ تأثيرًا في عدم رضاهم؟ أيكون شعورهم بعدم الرضا مرتبطًا أكثر بقضايا سياسية أم بقضايا اقتصادية أم اجتماعية مرتبطة بمجالات أخرى؟ قد يُعتقد أن هناك تجانسًا في المشكلات والتحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه الشباب المغاربيين. لكن التوجهات الاقتصادية والسياسية، وحتى طبيعة ثورة الربيع العربي لكل دولة، لا تصب في دعم فكرة التجانس. ومن ثمّ يمكن طرح التساؤل الثاني: هل هناك فعلً تجانس بين دول المغرب العربي من حيث مدى ردات فعل الشباب أمام التحديات الاقتصادية والسياسية؟ حيث تطرح مسألة التجانس، أيضًا، نقاشًا داخل كل مجتمع على حدة. من هنا يُطرح التساؤل الثالث لمعرفة هل هناك تشابه بين الشباب من جهة، والمجتمع كله من جهة أخرى، من حيث التجاوب مع التحديات السياسية والاقتصادية ومدى الرضا بالأوضاع العامة.

أولا: المنهجية: الانحدار اللوجستي

قبل تحليل البيانات ومناقشة النتائج، سنعرض لبعض الدراسات والمفاهيم التي يمكن من خلالها فهم سياق التحولات السياسية والاقتصادية، ارتباطًا بواقع الشباب المغاربيين، بما في ذلك التحديات الجديدة في سوق العمل. لكن قبل ذلك، سنُلقي الضوء على المنهجية المُتبعة في هذه الدراسة. اهتمت الدراسة بأربع دول من المغرب العربي (المغرب، والجزائر، وتونس، وليبيا، مع غياب موريتانيا نظرًا إلى عدم توافر البيانات الضرورية.) كما حُدّدت المدة الزمنية للدراسة، بحسب البيانات المتوافرة، بالفترة ما بعد عام 2011 و 2019. وتكمن أهمية المدة المحددة في تقييم الأوضاع بعد أحداث الربيع العربي في المنطقة المغاربية. ولإنجاز هذا الدراسة، استُخدمت أحدث بيانات مسح الباروميتر العربي - الدورة الخامسة 2019-2018 (مكوّن من عينة تمثل 9119 مستجيبًا من الدول الأربع المذكورة)، كما عُزّزت ببيانات المؤشر العربي 2018-2011() الصادر عن المركز العربي للأبحاث

  1. The World Bank, "Unemployment, Youth Total (% of Total Labor Force Ages 15-24) (Modeled ILO Estimate) - Algeria, Morocco, Tunisia, Libya," World Bank Data, 21/6/2020, accessed on 13/6/2020, at: https://bit.ly/2HI8dIF
  2. الباروميتر العربي - الدورة الخامسة 2019-2018، شوهد في 2020/10/26، في: https://bit.ly/3kyxtzQ
  3. ينظر: بيانات المؤشر العربي في: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، برنامج قياس المؤشر العربي، سنوات متعددة الرأي العام، 2018-2011 شوهد في، 2020/10/29، في: https://bit.ly/3dXFRGl

ودراسة السياسات (مكوّن من عينة تمثل 27563 مستجيبًا من الدول الأربع المذكورة)4. وفي مرحلة أولى، عُدّلت البيانات وجرى التحقّق من صحة المتغيرات مع تصحيح وإعادة ترميز بعض المفردات، بحيث تكون قابلة للاستخدام5. ومن بين المتغيرات المتوافرة، استُخرج عدد محدود من المتغيرات ذات صلة بالموضوع داخل ثلاثة محاور. يتكوّن المحور الأول من المتغيرات ذات البعد السياسي الذي يضم بعض المجالات، من بينها الديمقراطية، والاستقرار والأمن الداخلي، ومحاربة الإرهاب، والخدمات العامة، والفساد المالي والإداري (محاربة الرشوة)، وجرى قياس هذا المحور من خلال تقييم أفراد العيّنة لأهمية كل مجال من بين هذه المجالات. ويتكوّن المحور الثاني من العوامل الاقتصادية (البطالة، والفقر، وارتفاع الأسعار)، كما يضم متغيرات بشأن تقييم أفراد العينة الأوضاع الاقتصادية بشكل عام في الوقت الراهن، وتقييمهم الأوضاع الاقتصادية قبل خمس سنوات (هل يعتقدون أنّها كانت أفضل من الوقت الراهن؟)، ثم تقييمهم الأوضاع الاقتصادية في المستقبل (هل يعتقدون أن الوضع سيكون أحسن خلال السنوات القليلة المقبلة؟.) ويتكوّن المحور الثالث والأخير من متغيرات حول المكانة الاجتماعية والاقتصادية: النوع، والحالة الزوجية، والوضعية المهنية، والمستوى الدراسي، والعمر. وحُدّدت فئة الشباب بالأفراد الذين تراوح أعمارهم بين 18 عامًا، استنادًا إلى مجموعة من الدراسات التي أُو 25 نجزت أغلبيتها تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة. ومن المعلوم أن الخبراء داخل المنظمة نفسها يشيرون إلى أنه ليس هناك مقياس ثابت لتحديد أعمار فئة الشباب، وقد تختلف الآراء بحسب المجتمعات والسياقات والتوجّهات النظرية والمنهجية. وتتكوّن المتغيرات المستقلة التي استعملت من أسئلة يمكن من خلالها تحديد هل المستجيب اعتبر مجالً معيّنًا (مثلًالفساد الإداري) من بين أهم التحديات التي يواجهها البلد، عبر جوابه نعم أم لا. إضافة إلى ذلك، أُدخلت متغيرات المحور الثالث باعتبارها متغيراتٍ ضابطةً. تتجلّ أهمية الدراسة من الناحية المنهجية في كيفية استعمال أدوات متقدمة في المناهج الكمية لدراسة مدى رضا الشباب أمام التحديات الاقتصادية والتحولات السياسية. وتستعمل أغلبية الدراسات بشأن "مدى الرضا" بيانات ثنائية الاستجابة، باعتباره متغيرًا تابعًا لمعرفة حجم تأثير بعض العوامل الأخرى. ويعتبر تصميم الانحدار اللوجستي من بين النماذج الأمثل لتحليل هذا النوع من العلاقات6. ويمكن تبرير نموذج الانحدار اللوجستي في دراستنا من خلال السعي للتنبؤ بمن هم "غير راضين عن الأوضاع العامة" مقابل "من هم راضون"7. ويصبح المتغير التابع من نوع ثنائي الاستجابة بترميز 1(= عدم الرضا مقابل 0 = وجود الرضا.) إلّ أنه لا يمكن التنبؤ بمعامل الانحدار اللوجستي كما في نماذج الانحدار الخطي لأنه لا يُعبّ عن الزيادة في القيمة الحقيقية، بل يجب اعتباره احتمالً داخل فترة بين 0 و 1. لذلك يجب تحويل القيم التنبُئيّة لتصبح قابلة لتفسير وتحليل مدى رضا الشباب على نحوٍ أكثر دقة وانسجامًا مع واقع الدراسة وخصائص البيانات المتوافرة. وسوف نُحلّل نسبة الأفضلية8 Odds Ratio لتحديد القوة التنبُئيّة للمحددات السياسية والاقتصادية. لرفع أداء النموذج وجعله أكثر قابلية للتفسير، جرى الاحتفاظ في النموذج النهائي بالمتغيرات المستقلة ذات الدلالة الإحصائية، واقتناء هذه المتغيرات وفقًا لطريقة الاستبعاد الخلفي مع تحديد معيار الخروج9 في مستوى الدلالة 0.10، استنادًا إلى بعض الدراسات المختصّة في هذا النوع من الطرائق المنهجية10. ومن ثمّ، سيُزيل النموذج في كل مرة المتغير مع أعلى قيمة احتمال حتى يصل إلى نموذج نهائي متوازن يحتوي على المتغيرات المستقلة المهمة فحسب. من جهة أخرى، استُعمل متغير الترجيح لتصحيح أخطاء أخذ العيّنات. وستعرض نتائج هذا النموذج ومناقشتها بالنسبة إلى كل بلد من بلدان المغرب العربي لموضوع المقارنة بالنسبة إلى الشباب، ثم إلى المجتمع كافة.

ثانيًا: التحولّات السياسية في المغرب العربي وتأثيرها في الشباب

تختلف دول المغرب العربي من حيث الصراع بين القوى السياسية. فتونس تشهد أعمق دينامية ثورية، مقارنة بالبلدان الأخرى. وعلى

  1. 9 تساعد هذه الطريقة في الاحتفاظ بالمتغيرات المتميزة، باعتبارها أكبر قوة تنبُّئية، ويجري استبعاد متغير بمتغير (الاستبعاد الخلفي)، بحسب معيار محدد في مستوى 0.10 كدلالة إحصائية. ويعني ذلك أنه يستبعد كل متغير له دلالة إحصائية تتجاوز 0.10. 10  Hosmer & Lemshow, p. 139.
  2. هذه العملية مرتبطة أساسًا بمعالجة القيم المفقودة والتأكد من توافر الأجوبة بالنسبة
  3. David Hosmer & Stanley Lemshow, Applied Logistic Regression , 3 rd ed. (New Jersey: Wiley, 2013), p. 18.
  4. حُدّد المتغير الثنائي الاستجابة "مدى الرضا في مقابل عدم الرضا" من بيانات مسح الباروميتر العربي عبر أربع عبارات: "الرضا عن الأوضاع الاقتصادية العامة"، "الرضا عن أداء الحكومة"، "الرضا عن النظام التعليمي"، "الرضا عن الرعاية الصحية." وحُدّدت فئة "من هم راضون" (بترميز = 0) جميع الأفراد الذين هم راضون تمامًا عن الأوضاع، على الأقل في ثلاث عبارات من الأربع المذكورة. وحُدّدت فئة "من هم غير راضين" (بترميز = 1) في جميع من بقي.
  5. نسب الأفضلية، تُحدّد قوة الارتباط بين حدثين، ويمكن تعريفها في سياق الدراسة بأنها نسبة ارتفاع احتمال عدم الرضا تحت تأثير العوامل الاقتصادية والسياسية.
  6. 4 جرى الحصول على هذه العيّنة عبر 6 مسوح موزّعة على 6 سنوات في الفترة
  7. إلى الدول الأربع، مع التأكد أيضًا من سُلّم القياس.

الرغم من قوة هذه الدينامية وفرادتها، فإنها تشكل مصدر تذبذب عام لجلّ الجهات الفاعلة المشاركة في العملية السياسية. ويتضح ذلك في صعوبة الوصول إلى توافق سياسي يسمو على الخلافات الأيديولوجية، ليعطي أولوية وطنية إلى الأزمة الاقتصادية التي عمّقها ضربُ السياحة في مقتل ابتداء من عام 2011، وصلت إلى أقصى مداها مع الهجمات الإرهابية في عام 2015 11. وهذا يؤكد أنّ ديمقرطة البلد التي جعلت تونس معيارًا في العالم العربي، ما عادت كافية بالنسبة إلى الشباب العاطلين من العمل الذين يبحثون عن حلول آنية للخروج من الأزمة. لهذا يمكن القول إنه إذا كانت تونس قد نجحت، نسبيًا، في رهانها الديمقراطي، فإنّ الرهان الاقتصادي لا يزال التحدي الأكبر. على سبيل المثال ألقى الصراع في ليبيا بظلاله على جيرانها، وخصوصًا تونس، حيث أدّت الحرب إلى عودة عدد كبير من العمالة التونسية من ليبيا، وكانت ترسل أموالً إلى تونس. ومن ثمّ حرم الصراعُ الليبي تونس من مكاسب مالية هائلة، لكنها امتصّت الصدمة. وكان هذا بفضل أولئك الذين أُجبروا على العودة، واستثمروا في ميادين أخرى، مثل الشركات الصغرى والعقارات؛ ما عزّز الاقتصاد الوطني. كما ساهم المهاجرون الليبيون ذوو القوة الشرائية العالية بتخفيف أزمات الاقتصاد التونسي. وبهذا تكون تونس قد عوّضت نسبيًا خسارات اقتصادها نتيجة عودة الرساميل والأفراد من ليبيا12. إضافة إلى أن الديون كانت قد تقلّصت قبل الثورة، ولم تؤدِّ القروض الجديدة التي جرى التعاقد عليها بعد الثورة في تونس وظيفتها من الاستثمارات التي كان ينبغي القيام بها في التعليم والصحة. وأصبحت المعضلة المطروحة بين أوساط الشباب هي أن الاقتصاد كان أحسن في ظل النظام السابق، على الرغم مما قامت به الدولة من عمل حقيقي في تحديث آليات الحكم. فحينما ثار شباب تونس ضدّ النظام السياسي، كان الأمل كبيرًا في تحقيق ثورة اقتصادية أيضًا. لكنّ سرعة التحول السياسي الذي شهدته تونس عبر وضع دستور متقدم وإقامة نظام انتخابي ديمقراطي، كان يسير، ولما يزل، بوتيرة أسرع من التحول الاقتصادي المطلوب؛ صحيح أنّ تونس تحتل مرتبة متقدمة 53() وفقًا لمؤشر الديمقراطية13، وهي الأولى في العالم العربي، لكنها تحتل مرتبة متأخرة 128() في تصنيف مؤشر الحرية الاقتصادية14. وهذه الهوّة بين الإصلاحات السياسية والإصلاحات الاقتصادية التي تفاقمت شيئًا فشيئًا مع حكومات ما بعد الثورة تبقى جزءًا من تفسير إحباط الشباب ويأسهم. كما يفسر أيضًا إقبال جزء مهم من هؤلاء الشباب على الهجرتين: الشرعية والسرية على نحوٍ مثير ابتداء من عام 2012 15. كما في الإمكان إضافة تأخر التوافق بين الأحزاب المتباينة أيديولوجيًا في إيجاد أرضية لتفاهم سياسي يعلو على المصالح والصراعات السياسية، أدى هو الآخر إلى إعطاء أولوية للخطاب السياسي الذي تأزم مع مرور الوقت، على حساب الحلول الاقتصادية الناجعة التي تأخرت إلى أن أصبحت شبه مستعصية مع تعاقب الحكومات منذ عام.2012 أمّا بالنسبة إلى الجزائر والمغرب، فقد يؤثّر عدم الاستقرار والتذبذب السياسي في اقتصاديهما وأوضاع الشباب فيهما، على الرغم من أن رياح التغيير السياسي في عام 2011 مرّت بأقل الخسائر، حيث لا تزال المطالب مُلحّة من أجل توفير الظروف الاقتصادية للعيش، وخصوصًا تحسّن ظروف الشباب؛ إذ المكوّنات داخل السلطة في البلدين غاية في الاختلاف. ويكمن التحدي الرئيس في المغرب في جعل الطبقات الاجتماعية القريبة من دوائر الحكم، والمستفيدة من هذا القرب، تعمل بتنسيق مع الفئات الاجتماعية للمطالبة بالتغيير السياسي الذي من المفروض أن يُهيّئ الجو لتغيير اقتصادي عبر عدالة اجتماعية وإعادة توزيع أفضل للثروة، وخصوصًا أنّ تجربة الحكومة ذات التوجّه الإسلامي لم تكن بالضرورة في مصلحة الطبقات المُهمّشة التي كان الإسلاميون يدافعون عنها قبل مشاركتهم في الحكم16. يضاف إلى ذلك أنّ الأولوية التي أُابتداء من عام 2012 عطيت للبنية التحتية على مدى عشرين سنة الماضية (حكم الملك محمد السادس)، لم يستفد منها الوسط القروي من كهرباء وتوزيع الماء الصالح للشرب على الوجه المطلوب؛ ما ساهم في عزل مناطق عن قطار التنمية وضاعف من تهميش شبابها. أمام هذه التحديات، تميّزت العقود الأخيرة بتعارض بين الخطابات السياسية، حيث واجهت الحكومات مشكلات في تطبيق أفكارها على أرض الواقع. فهناك تيارات تريد توجيه السياسات نحو المجال القروي، مع الترويج للنشاطات غير

  1. Mucha Mkono, Positive Tourism in Africa (Contemporary Geographies
  2. The World Bank, Macroeconomics & Fiscal Management Global
  3. Statistics Times, "Democracy Index," 27/6/2019, accessed on 13/6/2020, at: https://bit.ly/2Hl9BRm 14 "2020 Index of Economic Freedom," Country Rankings , Heritage, accessed on 13/6/2020, at: https://herit.ag/35ufK6c 15  Hassan Boubakri, "Les migrations en Tunisie après la révolution," Confluences Méditerranée , no. 87 (Avril 2013), pp. 31-46.
  4. of Leisure, Tourism and Mobility) (New York: Routledge, 2019), p. 69.
  5. Practice Middle East and North Africa Region, Republic of Tunisia Impact of the Libya Crisis on the Tunisian Economy , Report No: ACS16340, Feb. 2017, p. 71, accessed on 22/10/2020, at: https://bit.ly/34s79Sk
  6. Intissar Fakir, "Morocco's Islamist Party: Redefining Politics Under Pressure," Carnegie Endowment for International Peace, 28/12/2017, accessed on 13/6/2020, at: https://bit.ly/30i4sjJ

الزراعية في المناطق القروية التي تعاني الجفاف وتهميش الشباب17؛ في حين هناك تيارات سياسية أدّت ورقة التحديث والإصلاحات السياسية، ذات علاقة مباشرة بتطوير الاقتصاد وترشيد النفقات العامة. وساهم ذلك في خصخصة عدد من المؤسسات العمومية، وتنويع الأسواق الخارجية عبر اتفاقات تجارية مع دول أخرى. ومثال على ذلك التحوّل الذي حققه المغرب تجاه أفريقيا جنوب الصحراء، في السنوات الأخيرة، من استثمارات من البنوك المغربية وشركات الاتصالات وشركات التأمين18، غير أنها لم تساهم في النمو المغربي إلّ بمستوى ضعيف. بالنسبة إلى الجزائر، لا تزال الطبقة السياسية تتأقلم مع مطالب "الحراك الشعبي"، من دون نتائج حقيقية، وعلى عكس تونس؛ لأن مستوى التبادلات مع ليبيا أقل حجمً. ومن ناحية أخرى، تعاني الجزائر، في الدرجة الأولى، الجانب الأمني باعتباره أهم عواقب النزاع الليبي، نظرًا إلى حدودها الطويلة والمفتوحة مع ليبيا. وعلى الرغم من ذلك، ولاعتبارات أخرى، عانت الجزائر انخفاض أسعار النفط في عام 2014 وتدهورها في عام 2020، وتعيش حالة ركود. وتتأرجح الحكومات المتعاقبة منذ عام 2011 بين التقشّف وإدارة المخاطر الاجتماعية التي دفعت بالناس، وخصوصًا الشباب، إلى الشارع في إطار الحراك خلال عام 2019. ويمكن القول إنّه كان للاضطراب السياسي منذ بداية الحراك في عام 2019 تأثيرات سلبية في النشاط الاقتصادي؛ إذ عانى بعض الشركات سجن مديريها. كما أدّت القرارات السريعة غير المُمَنهجة بغية إرضاء الشارع إلى تفاقم الأزمة19. أخيرًا، في ما يخص ليبيا، وبعد سقوط معمر القذافي وقتله في عام 2011، غرقت البلاد في حالة من الفوضى. ولم تتمكن أي قوة في ما بعد من السيطرة على كل أنحاء البلاد. ومنذ عام 2015، تتنافس سلطتان على السلطة؛ فمن ناحية هناك حكومة الوفاق المدعومة دوليًا، ومن ناحية أخرى، هناك قوات شرق ليبيا (أو الجيش الوطني الليبي.) وأفسح هذا الانقسام، الذي يضعف ليبيا، الطريق لوجود عدد كبير من القوات الأجنبية في الصراع الداخلي الليبي لدعم الحكومتين المتنافستين. وهو ما يثير تساؤلات بشأن أسباب هذا الاهتمام الخارجي بليبيا. بالطبع هناك احتياطي ليبيا الوفير من النفط. لكن إضافة إلى هذا الاعتبار الاقتصادي، يعود دخول بعض الدول إلى ليبيا إلى أسباب أيديولوجية واستراتيجية. فروسيا مثلً، تريد مواجهة تأثير الدول الغربية والناتو، وبالنتيجة إضعاف الاتحاد الأوروبي. أما تركيز تركيا، فيصبّ في مواجهة الإمارات العربية المتحدة ومصر المعاديتين للتيارات الإسلامية القريبة من أنقرة20. ويُضعف هذا التدخل اقتصاد ليبيا كثيرًا ويؤثر في المجتمع، وخصوصًا الشباب الباحثين عن عمل واستقرار.

ثًالث ا: الفجوة بين طموح الشباب والواقع الاقتصادي

ربطت دراسات سابقة طموح الشباب بالاندماج في سوق العمل للحصول على دخل مناسب وتحسين المكانة الاقتصادية، واعتبرت هذا العامل من بين المحدّدات الأشدّ تأثيرًا في نظرة الشباب (سلبية كانت أم إيجابية)، وتقييمهم أوضاعهم داخل مجتمعاتهم. وتدل هذه الدراسات على وجود رغبة داخل مراكز القرار في بلدان المغرب العربي لمعالجة مشكلات الشباب، على رأسها، تحسين ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية عن طريق توفير فرص الشغل والتأقلم مع واقع سوق العمل21. وعلى الرغم من هذه المجهودات، فإن النتائج جاءت دون متطلّبات فئة الشباب. في المغرب، تدلّ المؤشرات الاقتصادية الرئيسة على تَحَسُّن خلال السنوات الماضية، على الرغم من التباطؤ في النمو خلال عام 2019، بحسب معطيات البنك الدولي22. وحتى في الفترة التي تزامنت مع الأزمة المالية العالمية وثورة الربيع العربي، لم يكن المغرب في أسوأ حالاته، بل بقيت وتيرة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي مقبولة نسبيًا23. كما سُجّل أيضًا انخفاض في معدل البطالة، لكن مشاركة الشباب في القوى العاملة ما زالت منخفضة، حيث تُواجه هذه الفئة نسبًا مرتفعةً من البطالة. ففي حالة النموّ، في إمكان المغرب إيجاد 116000 منصب شغل إضافي سنويًا، لكن لا يستطيع اليوم إيجاد ضعف أو ثلاثة

  1. Megan Perry, "Moroccan Agriculture: Facing the Challenges of a Divided System," Sustainable Food Trust, 10/4/2015, accessed on 13/6/2020,
  2. International Monetary Fund, Monetary and Capital Markets
  3. 23  Edward A. Sayre & Tarik M. Yousef (eds.), Young Generation Awakening: Economics, Society, and Policy on the Eve of the Arab Spring (New York: Oxford University Press, 2016), p. 60.
  4. Karim Mezran & Arturo Varvelli, Foreign Actors in Libya's Crisis (Milano: Ledizioni, 2017), pp. 13-22, 41-56, 73-90. 21  Zakaria Kadiri, "La jeunesse au Maroc: Marginalités, informalités et adaptations," Economia , no. 27 (2016), pp. 23-31. 22  The World Bank, "MOROCCO," accessed on 13/6/2020, at: https://bit.ly/36i8V9T
  5. at: https://bit.ly/2Sgj8eS
  6. Department, Morocco: Financial System Stability Assessment , Country Report no. 16/ 37, 8/2/2016, pp. 11-12.
  7. 19  Jeune Afrique, "Algérie: Ahmed Ouyahia et Abdelmalek Sellal condamnés à 15 et 12 ans de prison," 10/12/2019, accessed on 13/6/2020, at: https://bit.ly/33hOyHV

أضعاف هذا العدد لاستيعاب الأجيال الصاعدة والتحكم في مستوى البطالة24. ويتطلّب هذا التحدي إعادة هيكلة النظم الاقتصادية، وتوفير بيئة حقيقية للاستثمارات، ودعم فرص شغل. من جهة أخرى، تجدر الإشارة إلى أن فئة مهمة من الشباب المغربيين، تختار البقاء مدة أطول ضمن المؤسسات التعليمية في انتظار الحصول على وظيفة، كما تشير إلى ذلك عدة دراسات25. ولا يُساهم هذا الاختيار، بالضرورة، في تحسين ظروفهم؛ إذ كلما تأجل الدخول إلى سوق العمل، يأتي بنتائج عكسية، حيث يبقى الشباب بمستوى تعليمي أعلى، معرّضين أكثر للبطالة، وخصوصًا في بعض المجالات التعليمية التي لم تتأقلم مع واقع سوق العمل في القطاع الخاص ومتطلّباته؛ ما يدفع عددًا كبيرًا من الشباب خرّيجي الجامعات إلى المطالبة بوظائف في القطاع العمومي العاجز عن إيجاد فرص شغل إضافية وكافية للجميع. وفي ظل هذه الظروف، تفاقمت معدلّات البطالة عند الشباب26. وعلى الرغم من أن الحكومة المغربية حاولت إعادة هيكلة بعض القطاعات الحيوية، عبر تشجيع القطاع الخاص وإعادة تنظيم البرامج التعليمية، فإن ذلك لم يساعد في تقليص نسبة البطالة عند الشباب، بل أصبحت هذه الفئة من بين الفئات الأكثر تضرّرًا وتهميشًا وهشاشةً في سوق العمل. لم تكن الحالة أكثر استقرارًا في الجزائر من حيث الفرص الاقتصادية؛ إذ ما زال الاقتصاد الجزائري يعتمد بشدة على المحروقات وأسعار النفط والغاز. والملاحظ أن هناك استمرارًا في تراجع هذا القطاع؛ نظرًا إلى تقلّبات أسعار النفط العالمية وخضوعها للأزمات الدولية، فليس في إمكان الحكومة الجزائرية التحكّم فيها. وهو ما تسبب في تباطؤ النمو حتى في القطاع غير النفطي. وبحسب تقارير البنك الدولي، تأثّر اقتصاد الجزائر أيضًا بالتقلّبات السياسية والفترة الانتقالية التي لم تساعد في طرح رؤية واضحة، يمكن من خلالها ضبط الأوضاع المالية والاقتصادية العامة27. على الرغم من هذه الأوضاع، فإن الحكومات الجزائرية اتّخذت خطوات لتعزيز إيجاد فرص الشغل عبر تمويل برامج طارئة لتوظيف الشباب والحفاظ على الوظائف. وكان الهدف من ذلك تشجيع التوظيف على المدى المتوسط والطويل والتدابير المتعلقة بالحماية الاجتماعية والتضامن. ومهما كان الوعي الحكومي بأهمية الإدماج الفوري للشباب داخل وظائف طويلة المدى، فإن هناك عجزًا في المنظومة الاقتصادية لإيجاد قفزة نوعية، وتوفير فرص شغل في القطاعات الحيوية الحديثة التي تتلاءم مع متطلّبات الشباب. وحتى المنظومة التعليمية، لم تتمكن من تطوير أساليبها وبرامجها موازاة مع متطلّبات السوق. كما يعاني القطاع الخاص في الجزائر نقصًا كبيرًا في بعض التخصصات، في حين يعاني ذوو الشهادات الجامعية أزمةَ الشغل28. أمّا في تونس، منذ ثورة 2011، فلا يزال الاقتصاد يمر بأزمة عميقة واضطراب المؤشرات الاقتصادية العامة، بحسب تقرير البنك الدولي لعام 2019؛ إذ لم تُساعد عملية الانتقال السياسي والمؤسسي في تسريع الإصلاحات الاقتصادية الرئيسة، ولا تزال نسبة البطالة مرتفعة. وعبّت الجماهير المحتجّة في كانون الثاني/ يناير 2016 29 عن عدم الاطمئنان الاجتماعي والاقتصادي؛ ما يدُلّ على أن التحول الديمقراطي لا يزال هشًّا. وبصفة عامة، يبقى الشعور السائد لدى عدد كبير من المواطنين هو أن "أهداف الثورة" (الكرامة، والعدالة الاجتماعية، والحرية) لم تتحقق، على الرغم من أن الحريات السياسية والشخصية تحققت إلى حد كبير30. وأصبحت الحياة اليومية في تونس أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشباب، ولا يرى العاطلون عن العمل أن هناك تحسنًا أو مكافأةً من الثورة. أمام هذه الظروف، بادرت الحكومات التونسية ببرامج تهدف إلى إصلاحات في سوق العمل، في محاولة للحفاظ على مناصب الشغل لدى الشباب وتعزيزها، ولو لم تحقق كلها النتائج المنشودة. وتواجه السياسات الحكومية نحو الشباب عدة تحديات، من بينها الظاهرة الديموغرافية المعروفة باسم انتفاضة الشباب31، حيث ارتفعت نسبة الشباب في الهرم الديموغرافي، ما شكّل ضغطًا كبيرًا على سوق العمل. إضافة إلى ذلك، أشارت منظمة العمل الدولية إلى أن أكثر من

  1. Fouad Abdelmoumni, "Le Maroc et le printemps arabe," Pouvoirs , vol. 2, no. 145 (Avril 2013), p. 127.
  2. Sayre & Yousef, p. 59.
  3. Abdeljaouad Ezzrari, Ayache Khellaf & Abdelaziz Nihou, "La dynamique de l'emploi des jeunes au Maroc," in: Karim El Aynaoui & Aomar
  4. The World Bank, Middle East and North Africa (October 2019),
  5. Mohamed Madoui, "Unemployment among Young Graduates in Algeria: A Sociological Reading," Open Journal of Social Sciences , vol. 3, no. 11 (2015), pp. 35-44, at: https://bit.ly/3oBgGOJ
  6. في 16 كانون الثاني/ يناير 2016، بدأت الاحتجاجات في تونس في القصرين، في أثر وفاة الشاب رضا اليحياوي، ثم توسعت إلى مدن أخرى: تالة، وفرنانة في الشمال، والمكناسي في الوسط، ينظر: Le Monde, "Plusieurs manifestations de chômeurs en Tunisie," 21/01/2016, accessed on 1/10/2020, at: https://bit.ly/34tbeVd 30  Wolfgang Mühlberger et al., "Transformation in Tunisia: The First Five Years," EuroMeSCo umbrella, European Institute of the Mediterranean, Joint Policy Study no. 5 (January 2017), p. 20, accessed on 26/10/2020, at: https://bit.ly/31HBomp 31  Sayre & Yousef, p. 25.
  7. Ibourk (eds.), Les enjeux du marché du travail au Maroc , Policy Center for the New South, number 17 (2018), pp. 289-323, accessed on 26/10/2020, at: https://bit.ly/37F4Vks
  8. pp. 146-147, at: https://bit.ly/34rO8iL

ربع الشباب التونسيين (خلال عام 2013) لا يتوافر لهم عمل، وليسوا مندرجين في سلك التعليم، ولا يزاولون أي نشاط تطوعي32. تواجه هذه الفئة مخاطر اجتماعية كبرى، نظرًا إلى فقدانها التواصل مع المجالات الحيوية في المجتمع وإحساسها بعدم القدرة على المشاركة في المجتمع وعدم الإحساس بالمواطنة. في حين دق ناقوس الخطر بالنسبة إلى معدل البطالة بين الشباب الخريجين، حيث سجل في عام 2014 أكثر من 250000 عاطل من العمل من خريجي مؤسسات التعليم. وفي هذا الصدد، حاولت الحكومات السابقة التصدي للأزمة عبر تنفيذ سلسلة من البرامج لتحفيز القطاع الخاص من أجل توفير فرص شغل لخريجي الجامعات. وأُنشئت وكالات33 ومراكز اتصال لتوفير المعلومات للباحثين عن عمل ومساعدتهم. كما أُنشئت أيضًا برامج في الجامعات لتطوير المهارات والتدريب المهني لتزويد الخريجين الجدد والباحثين عن عمل بالكفاءات المطلوبة في سوق العمل بإشراك متدخّلين على الصعيد الإقليمي والجهوي للتقرّب من الواقع الاقتصادي المحلي، واصطدمت كل هذه البوادر بواقع أزمة ما بعد الربيع العربي، حيث يُعتبر الشباب المبادرين بالثورة وضحاياها في الوقت نفسه، والأكثر تضرّرًا بعواقبها الاقتصادية. أما ليبيا، وبعد أربع سنوات من الركود الاقتصادي 2017-2013()، فحققت نموًّا قياسيًا في عام 2017 ناتجًا من عائدات النفط، مع تراجع نسبي في عام 2018. لكن، على الرغم من الفائض الذي تحقق في الموازنة العامة، فإنها لا تزال غير كافية للخروج من الأزمة الاقتصادية والأمنية مع تراكم المشكلات المرتبطة بالفقر وشبه انعدام فرص الشغل، بحسب تقرير البنك الدولي)2019(34. وأصبح من الصعب وجود حلول داخل نظام اقتصادي كان يعتمد منذ عقود على المؤسسات الحكومية والقطاع العمومي لإيجاد فرص الشغل الذي كان يوفر أكثر من 50 في المئة من الوظائف للمواطنين. فأمام النمو السريع للسكان و"الانفجار" الديموغرافي لفئة الشباب على وجه الخصوص، تواجه ليبيا تحديات كبرى. ولم تساعد الأزمة الأمنية والسياسية التي تمر بها البلاد في طرح استراتيجية وخطة اقتصادية واضحة لحل مشكل البطالة. ويلجأ عدد كبير من الشباب إلى القطاعات غير المنظمة، وإن كانت لا توفر الشروط الضرورية من حيث الأجور وساعات العمل والتأمين الاجتماعي35. من جهة أخرى، تعاني ليبيا فجوةً كبرى بين المؤهلات التي يوفّرها نظام التعليم ومتطلّبات سوق العمل؛ ما ساهم في تفاقم البطالة بالنسبة إلى الشباب. وعلى الرغم من استثمار الحكومات السابقة مبالغَ مرتفعةً في التعليم، كما يتضح من معدلّات المتمدرسين36، فإنها حققت نجاحًا أقل في تحسين نوعية التعليم؛ إذ لا توفر المنظومة التعليمية التدريب المستمر للمعلمين على الوجه المطلوب، ويشجع النظامُ بعامة الحفظَ، بدلً من القدرة على التفاعل مع مواقف مهنية لحل مشكلة. نتيجة لذلك، يُفضّ ل المشغلون توظيف عمال لديهم خبرة في العمل، بدلً من حاملي الشهادات الجامعية37. نستنتج من هذه الدراسات عن تجارب دول المغرب العربي، استمرار وجود فجوة بين طموح الشباب والواقع الاقتصادي لهذه البلدان المتعثرة في إيجاد حلول تتجاوب مع تطورات سوق العمل ومتطلبات الوافدين الجدد من الشباب. وربما تفاقمت الفجوة؛ نظرًا إلى عدم فهم خصائص المرحلة الانتقالية للشباب والمخاطر المحيطة بها، وعدم القدرة أيضًا على ابتكار طرائق جديدة في التعامل مع سوق العمل في ظل التحولات الكبرى التي تعرفها الوظائف ومتطلّباتها عبر العالم في شتى القطاعات.

رابعًا: مخاطر المرحلة الانتقالية على الشباب

عرفت المجتمعات ما بعد الصناعية تحوّلً كبيرًا في طبيعة سوق العمل وأشكال البطالة. للتعبير عن هذه التحولّات، قدم غونتر شميد38 تفسيرًا لأسواق العمل الانتقالية Transitional Labour Markets. فبالنسبة إليه، تنشأ المخاطر الاجتماعية من خلال الانتقال بين الوظائف، وبين العمل أيضًا وغيره من النشاطات غير المدفوعة الأجر (التدريب، والبطالة، والتقاعد أو العمل المنزلي.) في هذا الإطار،

  1. Ummuhan Bardak, "Labour Market and Education: Youth and
  2. Isabel Schaefer, Political Revolt and Youth Unemployment in Tunisia (Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2018), p. 82.
  3. The World Bank, "Macro Poverty Outlook Interactive Data: Middle East and North Africa," pp. 164-165, Accessed on 26/10/2020, at: https://bit.ly/3jx6x1S
  4. Groupe de la banque africaine de développement, Organisation de coopération et de développement économiques, Programme des Nations Unies pour le développement & Commission économique pour l'Afrique, "Perspectives économiques en Afrique, Libye 2012,"   p. 14, accessed on 26/10/2020, at: https://bit.ly/2Huawj0 36  Ibid.
  5. Unemployment in the Spotlight," IEMed Mediterranean Yearbook (Barcelona), 2014, pp. 78-84, accessed on 26/10/2020, at: https://bit.ly/3e9GGfD
  6. البنك الدولي، 37 ديناميكيات سوق العمل في ليبيا: إعادة الاندماج من أجل التعافي (واشنطن: 2016)، ص 15، شوهد في 2020/10/26، في: https://bit.ly/34svzeb
  7. Günther Schmid, "Flexible and Secure Labour Market Transitions: Towards Institutional Capacity Building in the Digital Economy," The Institute for the Study of Labor (IZA) (Bonn, Germany), IZA Policy Paper, no. 116 (October 2016), p. 15, accessed on 26/10/2020, at: https://bit.ly/3jwaB2y

يعتبر الانتقال من مرحلة التعليم إلى مرحلة التوظيف نقطةَ تحول جوهريةً في مسار أي فرد كيفما كان المجتمع. فللتعليم المدرسي تأثير كبير في طموحات الشباب، باعتباره السبيل الرئيس للخروج من الفقر والهشاشة الاجتماعية. ويشير هذا النوع من الانتقال إلى خطر نقص في الموارد الاقتصادية بين نهاية التدريب والإدماج (أو إعادة الإدماج) في سوق العمل. يمكن أن يؤثر هذا العامل على نحوٍ خاص في الشباب، وفي أولئك أيضًا الذين يعودون إلى التكوين لتحسين مؤهلاتهم على أمل العثور على وظيفة أفضل. ويرتفع الضغط على سوق العمل؛ ما يستلزم تحديث المعرفة باستمرار والتمكين من مهارات دقيقة للقدرة على التنافسية للحصول على وظيفة ملائمة. وقد ترتفع مخاطر الفقر والاستبعاد من السوق بالنسبة إلى من هم أقل تأهيلً أو أقل قدرة على التنافسية39. يشير شميد أيضًا، من جهة أخرى، إلى أن الاستقرار الوظيفي والاستمرارية واليقين، ما عادت مضمونة في أسواق العمل داخل المجتمعات الحديثة، حيث اكتسب العمل الجزئي والموقت والوظيفة الذاتية أهميةً في المجتمعات الحالية. وأصبحت تمثل تحديات جديدة بالنسبة إلى الشباب. والاعتقاد السائد عند عدد كبير منهم (بمن في ذلك المغاربيون) هو أن الانتقال بين التعليم والوظيفة سيكون سلسًا إلى حدٍ ما، ويجري في اتجاه خطي مباشر. وحتى المنظومة التعليمية لم تتغير في عدد من الدول، وتُرسّخ هذا الاعتقاد الذي يرتبط بالمنظور التقليدي للاقتصاد الصناعي كما عرفته الأجيال السابقة. ففي السابق كانت المسارات أكثر استقرارًا وتجانسًا. أمّا اليوم، فعلى الشباب التنقل بين عدة وظائف، قد يكون بعضها أكثر هشاشة وأقل جودة في الطريق للحصول على وظائف أحسن جودة. هناك من يرى أن من الطبيعي أن تميل أسواق العمل الانتقالية إلى إيجاد تراتب وظيفي40. لكن من بين المخاطر التي يواجهها الشباب في هذا السياق هو أن يصبحوا محاصرين في وظائف غير مؤهلة، قد تُحدّ من إمكانات تنقّلهم نحو وظائف أحسن جودة، تتلاءم وطموحاتهم. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن أسواق العمل الانتقالية يمكن أن تؤدي إلى تنقّل من حالة توظيف إلى حالة عدم التوظيف (البطالة بعد تجربة مهنية.) ويمكن أن تكون هذه الوضعية طبيعية بالنسبة إلى الشباب، نظرًا إلى مرونة سوق العمل بحسب الظروف الاقتصادية أو المتطلبات الموسمية، وخصوصًا أن الشباب المبتدئين في سوق العمل، غالبًا، لا يضعون شروطًا عالية في قبول وظيفة، وقد يستجيبون لهذه المرونة (مثلً قبول وظيفة موقتة لبضعة شهور.) تمثل هذه التنقلات سيفًا ذا حدّين. فمن جهة، توفر أسواق العمل المرنة فرصًا لوظائف موقتة، تُنظّمها وكالات تساهم في تنشيط سوق العمل لدمج حجم أكبر من الوافدين الشباب. ومن جهة أخرى، يصبح الشباب محاصرين داخل وظائف غير مستقرة ويواجهون مخاطر الفقر والهشاشة في حالة الانقطاع عن العمل. وربما قد تطول فترات الانقطاع عن العمل؛ ما يؤدي إلى بطالة طويلة المدى ويرفع من مخاطر عدم القدرة على إعادة الإدماج41. يؤثر هذا النوع من البطالة في الأشخاص غير القادرين على إعادة التكوين وتحديث المهارات لكسب تقنيات جديدة ترفع تنافسهم داخل سوق العمل. وقد يقع هؤلاء الشباب في دائرة لا تنتهي من الهشاشة في علاقتهم بسوق العمل. يجب أن يُفهم من خلال هذه النظرية أن التحديات التي يواجهها الشباب ليست مرتبطة بالواقع الاقتصادي لدول المغرب العربي أو عجز القطاعات عن توفير فرص شغل جديدة فحسب، بل هناك أيضًا تحولّات كبرى في أسواق العمل والأنساق الاقتصادية على الصعيد العالمي، التي أثّرت سلبيًا في الشباب من حيث الانتقال بين مجال التكوين ومجال العمل ونوعية الخبرة والمرونة المطلوبة. لفهم هذه التحولات في مجتمع المغرب العربي، وتعميق الدراسة بشأن العلاقة بين التحولّات الاقتصادية والسياسية وأثرها في مدى رضا الشباب بأوضاعهم، سنعرض في مرحلة أولى لبعض النتائج، ثم نحللها ونناقشها42.

خامسًا: النتائج

يمثل الشباب من الفئة العمرية بين 18 و 25 عامًا ما نسبته 22.2 في المئة من مجموع العيّنة. وتتكوّن هذه الفئة من 58.5 في المئة ذكورًا و 1.54 في المئة إناثًا. و 14 في المئة فقط من الشباب المغاربيين متزوجون. وتشير النتائج الوصفية إلى أن 74 في المئة من هذه الفئة تتابع مسار الدراسة في المؤسسات التعليمية، في حين 30 في المئة عاطلون من العمل، والنسبة الباقية تزاول نشاطات مهنية مختلفة، بما في ذلك الأعمال الحرة. أما بخصوص مدى رضا43 الشباب، مقارنة ببقية المجتمع، فيدل الشكل 1(أ) على النسب المئوية للأفراد الذين

  1. Ruud Muffels & Ton Wilthagen, "Flexicurity: A New Paradigm for the Analysis of Labor Markets and Policies Challenging the Trade-Off between Flexibility and Security," Sociology Compass , vol. 7, no. 2 (February 2013), pp. 112-114, 117-119.
  2. Ibid., p. 3.
  3. Schmid, p. 19.
  4. استُخدم برنامج التحليل الإحصائي.SPSS
  5. يطرح معظم الدراسات التي يُقاس فيها الرضا احتمالية الاختلاف في التعبير عن هذا المفهوم من الشرائح الاجتماعية في العينة بحسب تمثلاتها وتصوراتها ومعاييرها ومكانتها... ولذلك حدّدنا المتغير بحسب البيانات المتوافرة في المسح ليشمل عدة جوانب أساسية في الحياة، كما شُح ذلك في فقرة المنهجية في الدراسة. * المغرب: توجد فوارق ذات دلالة إحصائية بين الشباب ومجموع السكان في جميع المراحل الزمنية. * الجزائر: لا توجد أي فوارق ذات دلالة إحصائية بين الشباب ومجموع السكان.

المغرب

الجزائر

يعتقدون أن الأوضاع جيدة، في مقابل الذين يعتقدون أن الأوضاع سيئة، ويُظهر أيضًا مقارنة عبر الزمن لمدى رضا المستجيبين سابقًا، وحاليًا وفي المستقبل44. نلاحظ من خلال الأشكال أن الجزائر وتونس وليبيا تمثل تقريبًا الشكل نفسه. هناك نسبة ضعيفة لمن هم راضون عن الأوضاع العامة في الوقت الحالي، بينما كانت النسبة أكبر بكثير لمن يعتقد أن الأوضاع

الشكل 1(أ) مدى الرضا عن الأوضاع بحسب الزمن لدول المغرب العربي

ليبيا

تونس

كانت أحسن في السابق، أو ستكون أحسن في المستقبل. سُجِّلت أضعف نسبة في تونس 5.2 في المئة فقط من الشباب الراضين عن الأوضاع العامة 7(في المئة بالنسبة إلى المجتمع كافة)؛ ما يدل على حالة عدم اطمئنان شبه عامة داخل المجتمع التونسي. ويتبيّ أيضًا أن الفوارق بين الشباب والمجتمع كافة شبه معدومة، حيث تعبّ الفئات كلها عن مدى الرضا بمستويات متقاربة، ما عدا تونس. وبحسب بيانات هذه الأخيرة، الشباب هم أقل اعتقادًا بتحسّن الأوضاع العامة في المستقبل، مقارنةً بالمجتمع كافة. أمّا في المغرب فالوضع يختلف، حيث تدل البيانات على أن الشباب أقل رضًا بأوضاعهم، مقارنة

  1. اعتمدنا في الحصول على هذه النتائج بيانات 44 الباروميتر العربي - الدورة الخامسة * ليبيا: توجد فوارق ذات دلالة إحصائية بين الشباب ومجموع السكان في المستقبل. * تونس: توجد فوارق ذات دلالة إحصائية بين الشباب ومجموع السكان في المستقبل.

بالمجتمع في جميع المراحل الزمنية. لكن مستوى الرضا في المغرب في الوقت الحالي 27.5(في المئة بالنسبة إلى الشباب)، يتجاوز المستويات المسجلة في الدول الأخرى. لعل تدهور الأوضاع في تونس وليبيا على الخصوص بعد الربيع العربي أدى إلى استياء الشباب والمجتمع كله. واصطدام الطموح بهذا الواقع هو الذي ربما أثّر في الانحدار الملحوظ في مدى الرضا بالأوضاع عبر الزمن. وعلى الرغم من أنّ المجتمع الجزائري لم يعرف الاضطرابات نفسها (مقارنة بتونس وليبيا)، فإن عدم تجاوب الحكومة مع فكرة التغيير، قد يُفسّ انخفاض مستوى الرضا في هذا البلد، مقارنة بالسابق. في حين قد يكون عدم تدهور مستوى الرضا في المغرب مرتبطًا بتسريع وتيرة التعديلات القانونية والإدارية التي كان من شأنها تغيير الحكومة وتعيين رئيسها من حزب العدالة والتنمية، كأول تجربة لحزب ذي توجّه إسلامي. لتعميق التحليل بشأن مدى رضا المجتمعات المغاربية عن أوضاعها العامة، استُعملت أيضًا بيانات المؤشر العربي)، 2018-2011(الصادر عن المركز العربي، وخصوصًا أن هذه البيانات تُحدد خمسة أسئلة، قيّمها المستجيبون، تُعبّ إلى حدٍ ما عن مستوى الرضا تجاه الأوضاع العامة. تشمل هذه الأسئلة الأوضاع الاقتصادية للأسرة والأوضاع الاقتصادية للبلد ومستوى الأمان في مكان السكن ومستوى الأمان في البلد والأوضاع السياسية. ودُمجت هذه الأسئلة في محور واحد45 يقيّم الأوضاع العامة لدى المستجيبين، حيث يمكن مقارنة الدول عبر درجة كلية للمحور (مجموع خمسة أسئلة)46. ويدل الشكل 1(ب) على النسبة المئوية لمن لديهم مستوى الرضا مرتفع. يظهر من خلال المؤشر العربي أن مستوى الرضا عند شباب المغرب العربي (باستثناء الجزائر) تجاه الأوضاع العامة، أقل من مستوى الرضا لدى المجتمع. كما يُظهر أيضًا أن النسب المئوية لمدى الرضا منخفضة في تونس. ولا تتعارض هذه النتائج مع البيانات الأولى في الباروميتر العربي. بالنسبة إلى الشكل 2()، يتبيّ من خلال بيانات الباروميتر العربي - الدورة الخامسة 2019-2018 أن أهم تحدٍ47 عند الشباب في كل

الشكل 1(ب) مدى الرضا عن الأوضاع بحسب المحور المكوّن من خمس فقرات (نسبة مئوية)

دول المغرب العربي هو الوضع الاقتصادي (الفقر، والبطالة، وارتفاع الأسعار ... إلخ.) وفي أغلبية الأحيان، يُعتبر الشباب أكثر اهتمامًا بهذا التحدي، مقارنة بالمجتمع كله. في المغرب مثلً، ذكر 6.94 في المئة من الشباب العامل الاقتصادي من بين أهم المشكلات. ترتفع هذه النسبة إلى 71 في المئة في الجزائر و 66.6 في المئة في تونس. في حين يعتبر بعض العوامل السياسية (مثل الديمقراطية) أقل اهتمامًا لدى الشباب في كل دول المغرب العربي، على الرغم من التحولّات التي عرفها هذا المجال في السنوات الأخيرة/ حيث صنّف أقل من 3 في المئة من الشباب التونسيين والليبيين الديمقراطية باعتبارها عنصرًا أساسيًا يطرح تحديات كبرى في المجتمع. تعتبر محاربة الرشوة والفساد الإداري ثاني أهم تحدٍ في الجزائر وتونس وليبيا، بينما تُعتبر الثالث في المغرب. ويتضح من جهة أخرى أن الشباب في تونس وليبيا يعتبرون محاربة الإرهاب ثالث أهم تحدٍ. كما نجد أنّ الشباب في المغرب والجزائر يعطون أهمية أكبر للخدمات والمرافق العمومية من بين التحديات الأساسية. بصفة عامة، إذا استثنينا بعض الفوارق البسيطة، فهناك تشابه من حيث ترتيب التحديات عند الشباب، مقارنةً بالمجتمع كله؛ إذ يُعبّ طرح هذه المشكلات كأولويات، إلى حدٍ ما، عن حالة عدم الرضا، ليس عند الشباب فحسب، بل عند المجتمع كافة. يتضح من خلال نتائج الانحدار اللوجستي أن التحدي الاقتصادي هو أهم عامل من بين العوامل المؤثرة في عدم رضا المجتمع كله، والشباب على الخصوص، عن أوضاعهم. ويدل النموذج على أهمية هذا المتغير في التنبؤ بعدم الرضا. وتعم قوة هذا التنبؤ جميع دول

  1. جرى التحقق من الاتساق الداخلي للأسئلة من خلال معامل ألفا كرونبخ.)0.72(للتذكير يساعد هذا المعامل في التأكد من قوة الارتباط بين الأسئلة، مع إمكان دمجها في متغير واحد.
  2. يراوح سلّم المحور بين 5 و 20 درجة. لتسهيل عملية المقارنة، جرى تكوين متغير جديد، يمكن من خلاله تحديد مدى الرضا عن الأوضاع العامة لدى كل من حصل على 15 درجة وما فوق. وحُّيد هذا الحد لأنه يضمن أن مستوى الرضا مرتفع في أكبر عدد ممكن من الأسئلة، وبالنتيجة يمثل فئة الراضين بصفة عامة عن الأوضاع. بهذه الطريقة يمكن استخدام معايير تقييم المستجيب في بيانات المركز لقياس مدى الرضا عن الأوضاع العامة.
  3. تم ذكره من بين الأولويات بعد اختياره ضمن لائحة من المجالات، حيث يمكن أن يذكر المستجيب أكثر من مجال. * فوارق ذات دلالة إحصائية. تدل علامة * على وجود فوارق ذات دلالة إحصائية بين الشباب ومجموع السكان/ المغرب: توجد دلالة إحصائية في أهمية الاقتصاد والخدمات العمومية والرشوة. تدل الأرقام على النسب المئوية للمستجيبين الذين يعتبرون أن المجال المذكور مهم بالنسبة إليهم. تدل علامة * على وجود فوارق ذات دلالة إحصائية بين الشباب ومجموع السكان/ الجزائر: توجد دلالة إحصائية في أهمية الاقتصاد. تدل علامة * على وجود دلالة إحصائية بين الشباب ومجموع السكان/ ليبيا: توجد دلالة إحصائية في أهمية الاقتصاد. تدل علامة * على وجود دلالة إحصائية بين الشباب ومجموع السكان/ تونس: توجد دلالة إحصائية في أهمية الاقتصاد والرشوة.

المغرب

الجزائر

المغرب العربي. بعبارة أخرى عندما يرى المواطنون أن الدولة غير قادرة على حل مشكلاتهم الاقتصادية (الفقر، والبطالة، وغلاء الأسعار... إلخ) يزداد استياؤهم من أوضاعهم بعامة. في المغرب مثلً، كلما أشار الفرد إلى المشكل الاقتصادي باعتباره تحديًا، سترتفع احتماليته بأن يكون غير راضٍ عن الأوضاع بمقدار 3.74 مرة، مقارنة بالفئة التي لم تشر إلى هذا التحدي. وتسجل ليبيا أكبر احتمالية لعدم الرضا، تحت تأثير التحديات الاقتصادية،

الشكل)2(التحديات الأكثر أهمية لدى الشباب في مجتمعات دول المغرب العربي

ليبيا

تونس

حيث الفرد الذي يشير إلى المشكل الاقتصادي بصفته تحديًا سترتفع احتماليته بأن يكون غير راضٍ عن أوضاعه بمقدار.10.71 مرة تختلف دول المغرب العربي من حيث حجم الاحتمال ودور بعض المتغيرات الأخرى في التنبؤ بعدم الرضا لدى المواطنين، وخصوصًا الشباب منهم. فبالنسبة إلى الشباب المغربي، يمكن ترتيب المتغيرات بحسب أهمية التنبؤ بعدم الرضا، كالتالي: "التحدي الاقتصادي" بدرجة 3.6، "غير متزوج" بدرجة 2.2، "تحدي الفساد الإداري والمالي"

الجدول)1(نتائج الانحدار اللوجستي

ليبياتونسالجزائرالمغرب
الشبابالمجتمعاملشبابالمجتمعاملشبابالمجتمعاملشبابالمجتمعم التأثير بحسب نوع التحديات
9.27***10.71***3.95***2.32***1.99*2.69*****3.603.74***تحديات اقتصادية
------2.15**2.69**1.76****1.741.70**تحديات الفساد المالي والإداري
----------2.20**----تحديات ضمان الاستقرار
--------------1.95*تحديات الديمقراطية
----------1.42*----تحديات المرافق العمومية
التأثير بحسب المكانة
------1.93*--1.58*--1.86**عاطل عن العمل
------------**2.201.63***غير متزوج
1.60*--------------مستوى دراسي مرتفع
----*2.17----------مستوى دراسي متوسط
--1.30***0.29------0.58**0.73*النوع (المرأة)

بدرجة 1.74، "جنس من نوع ذكور"48 بدرجة 1.72. بعبارة أخرى ترتفع احتمالية عدم الرضا لدى الشباب المغربي كلما كانوا ذكورًا، غير متزوجين، ويعتبرون أن الأولوية يجب أن تُعطى للاقتصاد ومحاربة الفساد الإداري والمالي. حتى بالنسبة إلى الشباب الجزائريين، ترتفع احتمالية عدم الرضا كلما اعتبروا أن الأولوية يجب أن تُعطى للاقتصاد ومحاربة الفساد الإداري والمالي. وترتفع احتمالية عدم الرضا لدى الشباب التونسيين كلما كانوا ذكورًا ولهم مستوى دراسي متوسط ويرغبون في أن يُعطى الاقتصاد أهمية أولى. توجد الرغبة نفسها في إعطاء الاقتصاد الأولوية عند الشباب الليبيين، حيث يمثل هذا المتغير أهم عنصر في التنبؤ بعدم الرضا. كما ترتفع أيضًا الاحتمالية بعدم الرضا لدى الشباب الليبيين كلما كان لديهم مستوى دراسي مرتفع. لتعزيز بعض الأفكار في هذا المجال، يمكن استعمال النموذج نفسه (انحدار لوجستي ثنائي الاستجابة) على عيّنة شباب المغرب العربي من بيانات المؤشر العربي. وتتجلّ أهمية هذه البيانات في توفرها على متغيرات ذات صلة بالموضوع49، تُ كِّن من مناقشة بعض الاتجاهات بشأن ظواهر معيّنة، في إمكانها التأثير في تقييم الشباب للأوضاع العامة (مثل متغير تابع ومؤشر لمدى الرضا.) يمكن تلخيص النتائج من بيانات المؤشر العربي50 في بعض الأفكار التي تدل على بعض

  1. يدل المعامل على أن احتمالية عدم الرضا مرتفعة لدى الذكور، مقارنة بالإناث، ومن ثم يمكن عرض درجة الذكور واحتسابها من خلال درجة الإناث /0.58(.)1
  2. بعد استخدام التحليل العاملي والتحقق من الاتساق الداخلي للفقرات، جرى تكوين محورين مكوّنين من الفقرات المرتبطة بهما. يُعبّ الأول عن مدى رفض المستجيب للنظام السياسي الديمقراطي؛ ويمثل الثاني مدى التجاوب الإيجابي للمستجيب مع الأنظمة المسلحة خارج إطار الدولة. إلى جانب هذين المحورين، يشمل نموذج التحليل اللوجستي الفقرات المرتبطة بمدى ثقة المستجيب بالمؤسسات، كما يشمل متغيّ ا يتعلق بمدى الاهتمام بالشؤون السياسية، ومتغيرًا بمدى اعتقاد المستجيب أن الفساد المالي والإداري منتشر في البلد. للرفع من أداء النموذج وجعله أكثر قابلية للتفسير، جرى الاحتفاظ في النموذج النهائي بالمتغيرات المستقلة ذات الدلالة الإحصائية. وجرى اقتناء هذه المتغيرات وفقًا لطريقة الاستبعاد الخلفي، كما فُسّت هذه الطريقة سابقًا.
  3. رغبةً في عدم تكرار الجداول والمعلومات الوصفية، اقتصرنا على فقرة مركّزة حول المؤشر العربي. الفائدة من الاستناد إلى هذا المؤشر هي تعزيز بعض الأفكار نتائج بيانات، والتعريف بهذه البيانات وأهمية استعمالها، وخصوصًا من ناحية الإمكانات التي توفّرها في مجال التحليل والأسئلة الفرعية ذات الصلة بالموضوع.

الاختلافات بين دول المغرب العربي. في المغرب مثلً كلما ازدادت الثقة بالحكومة وجهاز الشرطة، ارتفعت احتمالية التقييم الإيجابي للأوضاع. لهذين العاملين التأثير نفسه في الشباب الليبيين، إضافة إلى عامل ثالث هو الثقة بالجيش. في حين، يُعتبر جهاز القضاء عاملً مؤثرًا في تونس والجزائر؛ إذ كلما ارتفعت الثقة بالقضاء، ارتفعت احتمالية التقييم الإيجابي للأوضاع لدى الشباب. إضافة إلى القضاء، تُعتبر الثقة بالجيش عاملً مؤثرًا في الجزائر. من جهة أخرى، لم يبرز تأثير الاهتمام بالسياسة أو الاستياء من الفساد الإداري والمالي على مدى رضا شباب المغرب العربي عن الأوضاع العامة في الدول الأربع. حتى بالنسبة إلى مدى تجاوب الشباب مع الأنظمة المسلحة خارج إطار الدولة، لم تتضح العلاقة مع مستوى الرضا. هذا لا يعنى أن ليس هناك استياء تجاه الفساد الإداري مثلً. لكن، كان للقوة التنبئية لعوامل أخرى دور أساسي في مدى رضا الشباب عن الأوضاع العامة.

سادسًا: مناقشة وخلاصة

تتمحور هذه المناقشة حول ثلاث نقاط مرتبطة بأسئلة الدراسة الرئيسة التي طرحناها في المقدمة: أولً، الهدف من السؤال الأول هو معرفة ما إذا كان الشباب غير راضين عن أوضاعهم، فما القضايا الأهم والأشدّ تأثيرًا في عدم الرضا؟ أيكون شعورهم بعدم الرضا مرتبطًا أكثر بقضايا سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية مرتبطة بمجالات أخرى؟ ويكمن أهم استنتاج في هذه الدراسة في تمسك الشباب المغاربيين بالأولية الاقتصادية. وإن كان هناك أوليات أخرى مرتبطة بالفساد الإداري، أو الخدمات العمومية أو محاربة الإرهاب وعدم الأمن من مخلّفات الثورة، إلّ أن هذه الأوليات تكاد تختفي في تصور الشباب كلما واجهوا تحديات اقتصادية، الشيء الذي تؤكده نتائج الانحدار اللوجستي عبر المعامل المرتفع للعنصر الاقتصادي لدول المغرب العربي كلها. من المؤكد في الأوضاع الحالية أن أكبر هاجس لدى الشباب هو الحصول على وظيفة لتحسين الظروف الاقتصادية، فنموذج التنمية الذي اعتمده الجيل السابق من خدّام الدولة في بلدان المغرب العربي، هو اليوم محل انتقاد، ويبقى من أهم أسباب تعميق الفوارق بين الأغنياء والفقراء. في اتجاه آخر، يمكن أن نتساءل لماذا هناك تراجع في الاهتمام بتحديات أخرى، مثل الأمن والاستقرار بعد الثورة أمام التحدي الاقتصادي؟ في الإمكان هنا تقديم الفرضية التي تعتبر أن انتفاضة الربيع العربي أثرت على نحوٍ سلبي في الأمن والاستقرار، باعتبارها أحد أسباب تراجع أهمية محاربة الإرهاب عند الشباب المغاربيين والعرب عمومًا. في الواقع، ولأسباب عدة، لا يزال من الصعب معرفة ما يفكر فيه الشباب العرب بالفعل بشأن الحركات المتطرفة ومحاربتها. على الأقل يمكننا الاحتفاظ بسببين: أولً، يتردّد الشباب والناس عمومًا في التعبير عن آرائهم بشأن كل ما يتعلق بهذه الحركات أو محاربتها، إما لأن الإشكاليات المطروحة تتجاوزهم، لذا، هم غير قادرين على الحكم على مداها. من ناحية أخرى، يتضح أن القوانين السارية تمنع حتى الدعم اللفظي لمثل هذه الحركات. ثانيًا، هناك المشاعر المختلطة والتصورات بشأن هذه الحركات: أتكون حركات مجاهدة باسم الإسلام ضد الطغاة والأعداء، أم أنها رافضة أي تدخل غربي كيفما كان نوعه، أم يجري التلاعب بها واستخدامها باعتبارها أدوات لإضعاف بلدان المنطقة، ومن ثمّ أعطيت الذرائع للتدخل الخارجي؟ هناك ندرة في استطلاعات الرأي والكثير منها غير دقيق في ما يتعلق بالآراء بشأن تلك الحركات المتطرفة. وعلى قلّتها المؤشر العربي نجد مثلً إحصاءات 2018-2017 بالنسبة إلى البلدان التي تسمح باستطلاعات الرأي بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية في أراضيها، حيث نجد تونس المغرب وموريتانيا فحسب من ضمن دول المغرب العربي. تشير أرقام المؤشر إلى أن لدى الأغلبية المطلقة من المستطلعين رأيًا سلبيًا عن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش.) على هذا المستوى، يشير المؤشر إلى أن نسبة من قالوا إن لديهم رأيًا سلبيًا بشأن داعش ارتفعت من 82 في المئة في 2014، إلى 89 في المئة في 2016، لتصل إلى 92 في المئة في 2018-2017. نطرح هنا هذه الفكرة للتدليل على أنّ قضايا الإرهاب ومحاربته لا تمثل بالضرورة أهمية لدى الشباب العرب، ومنهم المغاربيون، أمام المشكلات الاقتصادية المُلحّة. ثانيًا، بالنسبة إلى السؤال الثاني بشأن التجانس بين دول المغرب العربي، من حيث مدى ردات أفعال الشباب أمام التحديات الاقتصادية والسياسية، يمكن القول بحسب النتائج إن البعد الاقتصادي هو الذي يوجد نوعًا من التجانس في هذه المنطقة، حيث إنّ كل الدول موضوع الدراسة تعتبر هذا التحدي على رأس الأولويات بالنسبة إلى الشباب، وحتى بالنسبة إلى المجتمع كله. على الرغم من أن سياسة تحرير الاقتصاد وخصخصته أدّت إلى نمو اقتصادي نسبي، فإن إعادة توزيع الثروة لم تجرِ بطريقة متوازنة؛ ما أثّر سلبيًا في أوضاع الشرائح الهشّة من المجتمع، وخصوصًا الشباب منها. في الاتجاه نفسه، على الرغم من ظهور طبقة وسطى مميزة خلال العقود الماضية، فإن نظام السوق والتجارة الحرة لم يؤدِّ إلى النتائج المنشودة في دول المغرب العربي. وعلى العكس من ذلك، ارتفع مستوى الفوارق الاجتماعية والجهوية، كما ارتفعت البطالة ارتفاعًا مقلقًا، وخصوصًا بين الشباب الحاصلين على شهادات في المدن، حيث أصبح الكثير من خرِّيجي الجامعات والمعاهد غير قادرين على الحصول على وظيفة في سوق

العمل وتحسين ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية51. وعلى الرغم من تحديث بعض القطاعات الاقتصادية وإنشاء مناطق تكنولوجية وصناعية لتحفيز الاستثمارات الأجنبية (وخصوصًا في المغرب وتونس)، مع محاولة تطوير النشاطات في قطاع الخدمات، فإن هذا لم يساهم في إيجاد فرص شغل بالحجم الكافي لاستيعاب الوافدين الجدد من الشباب إلى سوق العمل. وربما كان ذلك من الأسباب التي جعلت أحلام الشباب تتبخّر بعد ثورة الربيع العربي. بل إن الدول التي عرفت انتفاضات أكثر غليانًا، مثل تونس وليبيا، هي التي عرفت تدهورًا حادًّا في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والأنظمة النقدية بعد الثورة وحتى الوقت الحالي. ويبقى ضعف الاستقرار على هذه المستويات (الاجتماعي، والاقتصادي، والمالي) هو الحلقة المفقودة في الربيع العربي. تشير النتائج أيضًا إلى تقارب دول المغرب والجزائر وتونس من حيث أهمية المشكلات المرتبطة بالفساد الإداري والمالي (الرشوة مثلً) في التنبؤ بعدم الرضا لدى المجتمع. كلما أشار المواطنون إلى هذه المشكلة باعتبارها تحديًا، ارتفعت احتمالية استيائهم من أوضاعهم. كما يعتبر العاطلون عن العمل أكثر احتمالية بعدم الرضا بأوضاعهم في الدول الثلاث المذكورة. مهما كان نوع التجانس بين دول المغرب العربي من حيث "الصدمة" الاقتصادية الكبرى لدى الشباب، فإن طرائق الخروج من هذا المأزق تختلف. ففي المغرب وتونس، على سبيل المثال، جرى التركيز على الشركات الصغرى والمتوسطة. زاد الدعم على نحوٍ كبير للشركات الصغرى عبر برامج مختلفة، مثل برنامج "امتياز-نمو" لدعم المقاولات الصغرى في المغرب، التي تمثل 93 في المئة من نسيج المقاولات المغربية52. وركّز المغرب أيضًا على تطوير التكنولوجيات الجديدة. كما جعل إضفاء الطابع الديمقراطي على الإنترنت، والاتصالات السلكية واللاسلكية، الوصولَ إلى الخدمات الائتمانية الصغرى أكثر سهولة. لكن الأمور لا تسير بإيقاع يُ كّن من استيعاب حجم البطالة في أوساط الشباب، حيث ما زالت المشكلات المشار إليها في نتائج الانحدار اللوجستي من فساد إداري ومالي، تمثل حجر عثرة أمام امتصاص أكبر للبطالة. في حين قامت الجزائر بتسهيلات ائتمانية للمشروعات الصغرى، ودعمت التدابير للرفع من فرص الشغل للشباب العاطل عن العمل. لكن، أدّى ضعف المتابعة لهذه البرامج وحاجات الشباب إلى التكوين في مجال المقاولات، إلى إفلاس عدد كبير من المشروعات53. ويبقى الرهان الأكبر بالنسبة إلى المغرب والجزائر هو تقديم تنازلات أكثر، وفقًا للضغوط التي تمارسها المجموعات الشبابية، وخصوصًا من فئة الخريجين، من أجل جسّ نبض التطورات المجتمعية واتخاذ الإجراءات المناسبة في مصلحة الشباب. كما تجدر الإشارة إلى أنّ هناك مجالات كثيرةً تعارض فكرة التجانس داخل بلدان المغرب العربي، وخصوصًا من الناحية السياسية والأمنية. في هذا السياق، تعتبر الوضعية في ليبيا أشدّ تأزّمًا، حيث سجلت أعلى نسب مئوية لدى الشباب الذين صنّفوا "الإرهاب" و"عدم الاستقرار" من بين المشكلات الكبرى في البلاد. على الرغم من أن دراستنا لم تؤدِّ إلى إبراز علاقة مباشرة بين هذه التحديات ومدى رضا الشباب عن أوضاعهم، فإن ارتباطها بالاقتصاد بصفة عامة، كان له تأثير واضح. ربما هذا هو السبب الذي أدّى إلى الرفع من القوة التنبؤية للتحديات الاقتصادية في عدم رضا الشباب عن أوضاعهم في ليبيا، حيث سجّل، هذا البلد أعلى درجة في نسبة الأفضلية Odds Ratio مقارنةً بالدول الأخرى؛ إذ سقط هذا البلد في حالة من الفوضى وتأثر بتدخلات دول أخرى. وتبقى نتيجة الحرب الأهلية في ليبيا القضية الرئيسة التي يسعى الجميع لئلا تكون لها تداعيات خطرة على استقرار المنطقة بأسرها. أمّا على المستوى الداخلي، فتبقى المشكلة الرئيسة في ليبيا هي إنشاء مؤسسات الدولة في مجتمع مُجزّأ، مهما تميز بأهمية التضامن العائلي والقبلي. للحفاظ على حد أدنى من التماسك في ظل الحرب الأهلية الدائرة، يبقى التركيز على تقديم الخدمات إلى الشعب، وإشراك الشباب في عملية اقتصادية من بين الأولويات، كما أظهرت نتائج الدراسة، وخصوصًا أنّ الموارد النفطية المهمة التي يتطلّب استغلالها استثمارات ضخمة واستقرارًا معينًا، ميزة حاسمة بالنسبة إلى النظام الليبي54. ثالثًا، بالنسبة إلى مقارنة الشباب بالمجتمع كله، تَبيّ أن أهمية الاقتصاد تتصدّر الأوليات لدى الجميع، إلّ أن نسبة الشباب التي تعلق آمالها على مجال الاقتصاد مرتفعة، مقارنة ببقية المجتمع، وخصوصًا في المغرب وليبيا والجزائر. ومن المعلوم أن القوة التنبئية للمجال الاقتصادي على مدى الرضا عن الأوضاع تؤدي إلى تقارب بين الشباب والمجتمع من حيث نسبة الأفضلية. بتعبير آخر، هناك عدم

  1. Nations Unies, Commission Économique pour l'Afrique, Bureau pour l'afrique du Nord, Être jeune au Maghreb (Rabat: 2013), p. V, accessed on 26/10/2020, at: https://bit.ly/37I2WMn
  2. Yousra Abourabi, Maroc , collection Monde arabe - Monde musulman (Louvain-La-Neuve, Belgique: De Boeck Supérieur, 2019), p. 79.
  3. Asma Benzazoua Bouazza et al. "Establishing the Factors Affecting the Growth of Small and Medium-sized Enterprises in Algeria," American International Journal of Social Science , vol. 4, no. 2 (April 2015), pp. 101-115.
  4. خالد منصور إسماعيل، 54 إشكاليات التحكيم في منازعات عقود النفط: دراسة معمقة وفقًا للتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية وأحكام التحكيم الدولية المتعلقة بمنازعات النفط (الرياض: مكتبة القانون والاقتصاد، 2015)، ص.34-25

الرضا بصفة عامة لدى المجتمع كله، بمن فيه الشباب في ظل التحولات الاقتصادية. في حين تكاد تختفي التحديات السياسية أمام الهاجس الاقتصادي من بين محدّدات عدم الرضا عن الأوضاع، وخصوصًا لدى الشباب. وتكاد تختفي أيضًا المحددات الاجتماعية (تأثير المكانة الاجتماعية) لدى الشباب دائمًا في ظل التحولّات الاقتصادية. يرتبط عدم اطمئنان الشباب تحت الضغط الاقتصادي أساسًا بعدم توفير فرص كافية للشغل، ويجب ألا يُفسر بعجز الحكومات وعدم قدرتها على الرفع من الإنتاج وإيجاد فرص الشغل فحسب. من المؤكد أن لحكومات دول المغرب العربي دورًا ومسؤوليةً في هذا المجال، لكن طبيعة العمل والتعامل مع سوق الشغل يشهدان أيضًا تحولّات. وكما ذكرت أطروحة شميد النظرية55، في إطار أسواق العمل الانتقالية، لا يمكن ضمان مسارات مهنية مستقرة ومستمرة مدى الحياة. ولا يمكن كذلك توفير وظائف عمومية للأفواج الهائلة من الشباب الخريجين الجدد. في عالم ما بعد الصناعي، أصبحت أسواق العمل تفرض أساليب جديدة أكثر مرونة وتنافسية وتتطلب مهارات تتطوّر بسرعة. وربما من بين تحديات الشباب المغاربيين التأقلم مع هذه المتطلّبات الجديدة، وطبيعة أسواق العمل الانتقالية السريعة. وقد يكون لهذه الأسواق الانتقالية الجديدة تأثيرٌ أكبر في استياء الشباب أصحاب الشهادات العليا في بعض المجالات؛ إذ قد تصبح هذه الفئة غير قادرة على التجاوب الإيجابي مع متطلّبات هذه الأسواق من حيث المرونة. وتَبيّ ذلك من خلال نتائج الدراسة، وخصوصًا في تونس وليبيا، حيث تبقى احتمالية عدم الرضا بالأوضاع مرتفعة لدى الشباب ذوي مستويات تعليمية مرتفعة.

خاتمة

منذ عام 2011، سقط نظامان مغاربيان وتأقلم نظامان آخران بطريقة ما مع مستجدات ما بعد الثورات العربية التي اندلعت بعواقب سياسية واجتماعية واقتصادية متباينة. لكن لا يزال الاستقرار في كل هذه الدول هشًّا، والفرص الاقتصادية المتوافرة غير كافية بالنسبة إلى الشباب. وفي إمكان هذه الدراسة أن تفيد في إيجاد شعور مشترك لدى دول المغرب العربي بأهمية المجال الاقتصادي مع تنسيق السياسات في هذا المجال، وخصوصًا في ما يتعلق بالبطالة وتمكين الشباب من خوض تجارب ناجحة داخل أسواق العمل الانتقالية. لكن في واقع الأمر، ما زال حجم التبادلات داخل المنطقة المغاربية منخفضًا، ولا يساعد في التنسيق من أجل امتصاص البطالة. فمن المؤكد أن الدول المغاربية لا يتاجر بعضها مع بعض بما يكفي. والأسباب سياسية أكثر منها اقتصادية؛ إذ إضافة إلى المأزق الليبي الحالي، تبقى مشكلة الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر معوّقة لأي تقارب اقتصادي بين البلدين. لهذه الأسباب وغيرها، تتجه الدول المغاربية، وبصفة فردية، إلى نسج علاقات اقتصادية مع دول جنوب أوروبا والصين أيضًا. وهو الشيء الذي يبقى مفيدًا للمستهلك المغاربي بفضل انخفاض الأسعار الناتج من انخفاض تكلفة الإنتاج الصيني. لكنه غير مفيد، وربمّا مدمّر، في بعض الأحيان للشركات المحلية. فمثلً تسببت نهاية الاتفاقية متعددة الأطياف في عام 2005 بتدفق عدد كبير من المنسوجات الصينية إلى المغرب وتونس. فأثرت بذلك في الصناعات المغربية والتونسية. وبعد ذلك أصبحت تركيا أيضًا شريكًا مهمً لهذين البلدين، حيث وقّعت اتفاقات للتجارة الحرة مع تونس والمغرب. لكن الميزان التجاري لديهما في حالة عجز. من جهة أخرى، ولأسباب تاريخية وسياسية، ما زالت البلدان المغاربية تتجه نحو أوروبا التي استفادت من هذا التقارب، حيث تضمن لها المنطقة المغاربية، بالفعل، الحماية من التهديدات الأمنية ومن الهجرة السرية، وتبقى مصلحتها كبيرة في تطوير التبادل الاقتصادي مع بلدان المغرب العربي. لكن، على الرغم من ذلك، لم تساهم هذه الشراكة في إيجاد الفرص الكافية لإدماج الشباب، حيث أصبح في اعتقاد كثيرين منهم أن الحل موجود في الهجرة إلى الضفة الأوروبية لتحقيق النجاح.

  1. Schmid, p. 14.

المراجع

العربية

إسماعيل، خالد منصور. إشكاليات التحكيم في منازعات عقود النفط: دراسة معمقة وفقًا للتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية وأحكام التحكيم الدولية المتعلقة بمنازعات النفط. الرياض: مكتبة القانون والاقتصاد،.2015 الباروميتر العربي - الدورة الخامسة:2019-2018. في https://bit.ly/3kyxtzQ البنك الدولي. ديناميكيات سوق العمل في ليبيا: إعادة الاندماج من أجل التعافي. واشنطن: البنك الدولي، 2016. فh يttps://bit.ly/34svzeb: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. برنامج قياس الرأي العام. https://bit.ly/3dXFRGl: في المؤشر العربي.

الأجنبية

"2020 Index of Economic Freedom." Country Rankings. Heritage. at: https://herit.ag/35ufK6c Abdelmoumni, Fouad. "Le Maroc et le Printemps Arabe."  Pouvoirs. vol. 2, no. 145 (Avril 2013). Abourabi, Yousra. Maroc. Collection Monde arabe - Monde musulman. Louvain-La-Neuve, Belgique: De Boeck Supérieur, 2019. Groupe de la banque africaine de développement, Organisation de coopération et de développement économiques, Programme des Nations Unies pour le développement & Commission économique pour l'Afrique. "Perspectives économiques en Afrique, Libye 2012." at: https://bit.ly/2Huawj0 Bardak, Ummuhan. "Labour Market and Education: Youth and Unemployment in the Spotlight." IEMed Mediterranean Yearbook (Barcelona). 2014. at: https://bit.ly/3e9GGfD Bouazza, Asma Benzazoua et al. "Establishing the Factors Affecting the Growth of Small and Medium- sized Enterprises in Algeria." American International Journal of Social Science. vol. 4, no. 2 (April 2015). Boubakri, Hassan. "Les Migrations En Tunisie Après La Révolution." Confluences Méditerranée. no. 87 (Avril 2013). El Aynaoui, Karim & Aomar Ibourk (eds.), Les enjeux du marché du travail au Maroc , Policy Center for the New South. Books & Reports. number 17 (2018). Fakir, Intissar. "Morocco's Islamist Party: Redefining Politics Under Pressure." Carnegie Endowment for International Peace. 28/12/2017. at: https://bit.ly/30i4sjJ Hosmer, David & Stanley Lemshow. Applied Logistic Regression. 3 rd ed. New Jersey: Wiley, 2013. International Monetary Fund. Monetary and Capital Markets Department. Morocco: Financial System Stability Assessment. Country Report no. 16/ 37. 8/2/2016. Jeune Afrique. "Algérie: Ahmed Ouyahia et Abdelmalek Sellal condamnés à 15 et 12 ans de prison." 10/12/2019. at: https://bit.ly/33hOyHV Kadiri, Zakaria. "La jeunesse au Maroc: Marginalités, informalités et adaptations." Economia. no. 27 (2016). Madoui, Mohamed. "Unemployment among Young Graduates in Algeria: A Sociological Reading." Open Journal of Social Sciences. vol. 3, no. 11 (2015). at:: https://bit.ly/3oBgGOJ Mezran, Karim & Arturo Varvelli. Foreign Actors in Libya's Crisis. Milano: Ledizioni, 2017. Mkono, Mucha. Positive Tourism in Africa (Contemporary Geographies of Leisure, Tourism and Mobility). New York: Routledge, 2019. Muffels, Ruud & Ton Wilthagen. "Flexicurity: A New Paradigm for the Analysis of Labor Markets and Policies Challenging the Trade-Off between Flexibility and Security." Sociology Compass. vol. 7, no. 2 (February 2013).

Mühlberger, Wolfgang et al. "Transformation in Tunisia: The First Five Years." EuroMeSCo umbrella, European Institute of the Mediterranean. Joint Policy Study no. 5 (January 2017). at: https://bit.ly/31HBomp Nations Unies. Commission économique pour l'Afrique, Bureau pour l'Afrique du Nord. Être jeune au Maghreb (Rabat: 2013). Perry, Megan. "Moroccan Agriculture: Facing the Challenges of a Divided System." Sustainable Food Trust. 10/4/2015. at: https://bit.ly/2Sgj8eS Sayre, Edward A. & Tarik M. Yousef (esd.). Young Generation Awakening: Economics, Society, and Policy on the Eve of the Arab Spring. New York: Oxford University Press, 2016. Schaefer, Isabel. Political Revolt and Youth Unemployment in Tunisia. Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2018. Schmid, Günther. "Flexible and Secure Labour Market Transitions: Towards Institutional Capacity Building in the Digital Economy." The Institute for the Study of Labor (IZA) (Bonn, Germany). IZA Policy Paper, no. 116. October 2016. at: https://bit.ly/3jwaB2y Statistics Times. "Democracy Index." 27/1/2019. at: https://bit.ly/2J7XZSI Outlook Poverty "Macro Bank. World The Interactive Data: Middle East and North Africa." at: https://bit.ly/3jx6x1S _______. Middle East and North Africa (October 2019). at: https://bit.ly/34rO8iL _______. "MOROCCO." at: https://bit.ly/36i8V9T ­_______. "Unemployment, Youth Total (% of Total Labor Force Ages 15-24) (Modeled ILO Estimate) - Algeria, Morocco, Tunisia, Libya." World Bank Data, 21/6/2020. at: https://bit.ly/2HI8dIF _______. Macroeconomics & Fiscal Management Global Practice Middle East and North Africa Region. Republic of Tunisia Impact of the Libya Crisis on the Tunisian Economy. Report No: ACS16340. Feb. 2017. at: https://bit.ly/34s79Sk