­القطبية الأحادية للنظام الدولي: أي مكانة للصين؟ * * *

Abdennour Benantar عبد النور بن عنتر | * * Translated by Aoumria Soltani ترجمة عومرية سلطاني |

الملخّص

يتعرض مفهوما القوة العظمى والقطبية الأحادية للمساءلة مع تطور تيارات وازنة عديدة، مثل عدم قابلية القوة للتحويل وانتثار القوة وتعقد التفاع تاا عبر الوطنية والاعتماد المتبادل. تحاجّ هذه الدراسة بأن هذه التحولات المرتبطة بصعود الصين وتحقيقها مرتبة "القوة العظمى الناشئة المحتملة" وتضييق الفجوة في موارد القوة العالمية، تجعل الولايات المتحدة، التي لا تزال تحظى بقدرة لا مثيل لها، ربما آخر قوة عظمى بالمعنى الموروث من حقبة الحرب الباردة. وتخلص إلى أن القطبية الأحادية لا تزال منيعة من التحدي لأن ديناميات التفاعل بين الدول، التي ينخرط فيها فاعلون من المفترض أن يعملوا من أجل بناء عالم متعدد الأقطاب، تساهم في إعادة إنتاج القطبية الأحادية.

The notions of superpower and unipolarity are seriously questioned by heavy trends: non-fungibility and dissemination of power; complexity of transnational interactions and interdependencies. The article argues that because of these mutations, China's rise, achieving the rank of "emerging potential superpower", and the narrowing of the gape on global power resources, the United State, who still have unmatched capacity, will probably be the last superpower in a Cold war era sense. The article concludes that unipolarity is not challenged because the operating interstate dynamics, in which involved actors which are supposed to work for building a multipolar world, contribute in fact to reproducing unipolarity. Keywords: Unipolarity, Superpower, Great Powers, United States, China.

Unipolarity of the International System: What status for China?

كلمات مفتاحية: القطبية الأحادية، القوة العظمى، القوى الكبرى، الولايات المتحدة، الصين.

مقدمة

على الرغم من التحولات العميقة التي تعرفها القوة (عدم القابلية، فإن النظام 1للتحول non-fongibilité والانتثار)dissémination ما بين الدول لا يزال قائمًا على قوةٍ عظمى وحيدة؛ هي الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحالة، وعددٍ معينٍ من القوى الكبرى. ويتطور النطاق الذي تعمل فيه الدول من دون اعتراض على البنية أحادية القطبية للنظام الدولي، حتى إن كنّا نلاحظ قطبيةً تعدديةً قطاعية، اقتصادية على سبيل المثال. وقد أثارت الأزمة المالية والاقتصادية خلال الفترة 2009-2008 وحالات إعادة التشكيل التي حدثت على مستوى القوة العالمية (صعود الصين، وعودة روسيا) افتراضات تُشكّك في سمة أحادية القطب للنظام الدولي. لكن الأمر هنا يتصل بتغيير داخل نظام القطبية الأحادية، أكثر منه بتغيُّ هذا النظام؛ إذ يتطوّر النظام نحو وضع جديد، نوع من القطبية الأحادية المخففة، نتيجة لتضييق حاصل في فجوة الموارد، ولا سيما بين الولايات المتحدة والصين، من دون أن يقود ذلك بالضرورة إلى مساءلة تُطاول سمته القطبية هذه. تستند هذه الدراسة إلى حجة رئيسة، مفادها أن ثمة استمرارية في القطبية الأحادية، تؤدي إلى إعادة إنتاجها الديناميات ذاتها التي يُفترض أن تتحرك من خلالها القوى المعنية بالعمل لأجل نظام متعدد الأقطاب. وبناء على ذلك، لا يزال النظام الدولي الذي انبثق في نهاية الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفياتي، مستندًا إلى قوة عظمى وحيدة. ماذا إذًا عن صعود الصين وموازنة équilibrage القوة الأميركية؟ هذا السؤال هو ما سنحاول الإجابة عنه بالاستناد إلى ثلاث فرضيات: أولاها أنّ زمن القوى العظمى على النحو الذي عهدناه حتى الآن قد ولّ؛ وثانيتها أنّ انكماش فجوة موارد القوة بين الولايات المتحدة والقوى الأخرى، ولا سيما الصين، هو نتيجة انتثار القوة العالمية أكثر مما هو نتيجة لأفول الولايات المتحدة؛ وثالثتها أنَّ سلوك القوى العظمى غير الأميركية يساهم في عملية processus إعادة إنتاجٍ لنمط التفوق الأميركي. يعني استحضار القطبية الأحادية استدعاءً للقوة2، بهدف تحديد الفواعل الرئيسة المعنية. ونظرًا إلى أن تقديم مناقشة مستفيضة لمفهوم القوة ليس مُتاحًا في هذه المساحة3، يمكن التركيز هنا على جانبيها اللذين يحضران في النقاشات النظرية المختلفة في العلاقات الدولية: القوة باعتبارها علاقة، والقوة باعتبارها فعلً؛ يتصل الأول بالقدرة على الإكراه والتأثير والضبط والتنظيم، في حين يحيل الثاني إلى ممارسة القوة المستندة إلى الموارد الملموسة وغير الملموسة4. وفي الوضع الدولي الحالي، فإن الولايات المتحدة فقط هي التي لديها هذه المجموعة المتكاملة من القدرات. وتبعًا لذلك، ستتعامل التحليلات التي سنقدمها في الصفحات التالية مع القوة في جوانبها العسكرية بصورة أساسية. لمناقشة القطبية الأحادية ومآلها، ننطلق في تحليلنا من ثلاثة محاور: نتطرق في المحور الأول إلى مفهوم القطبية الأحادية و"لحظة/ حقبة القطبية الأحادية." ونفحص في المحور الثاني مسألة الموازنة وإعادة إنتاج القطبية الأحادية: إذا كان التفوق الأميركي "مستمرًا"، فذلك نتاج سلوك قوى أخرى أكثر منه نتاج سلوك الولايات المتحدة. وفي المحور الثالث، ننظر في مستقبل القطبية الأحادية من خلال مناقشة صعود الصين التي ارتقت إلى مرتبة "القوة العظمى المحتملة الناشئة." ونختم بسؤال عن آفاق القطبية الأحادية، بافتراض يقول إنها ستستمر فترةً مقبلة، وإن الولايات المتحدة قد تكون آخر قوة عظمى بالمعنى الموروث عن الحرب الباردة.

  1. هناك انفصال نسبي بين القوة العسكرية والقوة الاقتصادية، وهذا الانفصال ظاهرة حديثة في التاريخ، ففي الماضي القريب كانت الدول الأقوى عسكريًا هي أيضًا الأقوى اقتصاديًا. بينما نلاحظ اليوم انفصالً بينهما، كما يظهر من خلال مثالي أميركا وروسيا من جهة، واليابان وألمانيا من جهة أخرى[...]هذا الانفصال بين القوة العسكرية والقوة
  2. للاطلاع على تحليل معمق لهذ المفهوم، ينظر: Dario Battistella, "Le concept de puissance," in: Eric Ouellet et al. (dir), Les etudes stratégiques au XXIe siècle (Outremont: Athéna Editions, 2013), pp. 103-146. 3 في نظر ماكس فيبر، "تعني القوة كل فرصة تتاح فيها للإرادة الخاصة الانتصار في علاقة اجتماعية، حتى ضد مقاومات، ولا يهم على ماذا تستند هذه الفرصة." ينظر: Max Weber, Economie et sociétés , tom. 1: Les Catégories de la sociologie (Paris: Plon Pocket, 1995), p. 95. 4 للاطلاع على مناقشةٍ لهذين الجانبين يُنظر: Battistella.
  3. الاقتصادية أظهر عدم تحوّل القوة أو عدم قابليتها للتحوّل non-fungibility." للاطلاع على نسق التحليل اللافت الذي يورده المؤلِّف، يُنظر: عبد النور بن عنتر، البعد المتوسطي للأمن الجزائري: الجزائر، أوروبا والحلف الأطلسي (الجزائر: المكتبة العصرية، 2005)، ص 35-34. أما الانتثار، فيشير إلى تشتت مصادر القوة وتوزيعها على الكثير من الدول؛ إذ ما عادت
  4. محصورة في دولة واحدة أو دولتين، كما كان عليه الأمر إبان الحرب الباردة، بل صارت منتثرة بين عدد من الدول. (المترجم)

أولا: مفهوم القطبية الأحادية و"لحظة/ حقبة القطبية الأحادية"

1. القطبية الأحادية

القطبية الأحادية5 هي المفهوم الأكثر استخدامًا لتأكيد موقع الولايات المتحدة المهيمن في النظام الدولي بعد الحرب الباردة6. ولأن الولايات المتحدة هي "القائد في نظام القطبية الأحادية"، فهي الأكثر تمتّعًا بالأمن من أي دولة أخرى في العالم، حيث لديها القدرة على التأثير والتحرك في معظم الصراعات و/ أو في الصراعات التي تقرر الانخراط فيها، ولديها فرصٌ كبرى للسيطرة فعليًا على السلوك الداخلي والخارجي لأي دولة صغرى/ أخرى. لكن "القائد في نظام القطبية الأحادية"، على الرغم من قوته، فإنه ليس بمنأى تمامًا عن إمكان الموازنة من قِبل غالبية القوى الكبرى أو كلها إذا ما تصرفت مجتمعة. وللإفلات من هذا تمامًا، عليه أن يكون أقوى من كل هذه القوى التي قد تعمل بوصفها ائتلافَ موازنةٍ يهدف إلى احتوائه7. يرى ستيفن بروكس ووليام وولفورث أن "النظام الدولي يكون أحاديَّ القطب إذا اشتمل على قوة تضعها إمكاناتها من القدرات في فئة قائمة بذاتها، مقارنة بالدول الأخرى كلها"8. ويظل تعريفهما وفيًّا لمعنى القوة العظمى الموروث من الحرب الباردة، لكن فاعليته تتضاءل باستمرار بسبب انتثار القوة. ويركز نونو مونتيرو على ثلاث خصائص لنظام القطبية الأحادية: أولً أنه نظام بين الدول، ما يميزه من الإمبراطوريات؛ وثانيًا أنه نظام فوضوي، لذلك فإن القطب الأوحد غير قادر على ممارسة السيطرة في أنحاء العالم كلها، ما يعني أن الدول الأخرى تملك هامشًا للمناورة؛ وثالثًا أنه يعتمد على قوة عظمى واحدة فقط، تحظى بالتفوق في القوة ولا تواجه منافسة، فإذا ما ظهرت هذه المنافسة، كفَّ النظامُ عن كونه أحاديَّ القطب. ويكشف هذا التمييز بين القطبية الأحادية والأنظمة الأخرى (الإمبريالية والقطبية الثنائية وتعددية الأقطاب ... إلخ) "عن الطابع التاريخي الفريد لحقبة ما بعد الحرب الباردة"9. يتزامن الاستخدام الشائع لمفهوم القطبية الأحادية مع الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة وحرية الحركة الهائلة التي تحظى بها، حيث تُ كّنها من امتلاك مجموعة واسعة من الاستراتيجيات العسكرية ضدّ القوى الكبرى من الخصوم المحتملين. ومع ذلك، فإن حرية الفعل هذه التي لا مثيل لها متجهة نحو الأفول، خصوصًا في "الديار الغريبة الأقرب إلى الصين" proche étranger، حيث يستبعِد تطوير القدرات الصينية، خصوصًا في بحر الصين، خيارات عسكرية كانت الولايات المتحدة قد فكرت فيها في الماضي10. ومن ثمّ يمكن البعد العالمي أن يخفي وراءه تغييراتٍ تحدث على بعض المستويات الإقليمية. ويمكن قول الشيء ذاته بشأن روسيا والأزمة الأوكرانية. لكن، على الرغم من هذا المشهد، فإن النظام الدولي سيبقى أحاديَّ القطبية، طالما الولايات المتحدة ستبقى الدولة الوحيدة التي لديها قدرات هائلة لنشر قواتها خارج حدودها؛ إذ يمكن الصين أن تطور اقتصادًا يعادل، أو ربما يفوق، اقتصاد الولايات المتحدة، ولديها قدرة علمية وتكنولوجية قابلة للمقارنة، لكنها ما لم تختر استخدام مواردها لتطوير القدرة العسكرية للقوة الكبرى - مثلما سنرى لاحقًا - فسيبقى العالم أحاديَّ القطبية11.

2. من "لحظة القطبية الأحادية" إلى "حقبة القطبية الأحادية"

على الرغم من الانتقادات الكثيرة التي واجهتها أطروحته بشأن "لحظة القطبية الأحادية"12، فإن تشارلز كروثامر أصرّ عليها، ولا سيما أن التطورات التي عرفتها الأحداث، تبدو كأنها تثبت صحتها. ففي سياق اتسم بصعود المحافظين الجدد في نهاية عام 2002، وفي خضم الاستعداد لغزو العراق، ردد كروثامر مرة أخرى فكرته التي طرحها في الفترة 1991-1990؛ إذ ترسّخت "لحظةُ القطبية الأحادية"

  1. تُثير القطبية الأحادية سجالً في العلاقات الدولية. من ذلك على سبيل المثال: Ethan B. Kapstein & Michael Mastanduno (dir.), Unipolar Politics: Realism and State Strategy after the Cold War (New York: Columbia University Press, 1999); Thomas S. Mowle & David H. Sacko, The Unipolar Future: An Unbalanced Future (New York: Palgrave Macmillan, 2007); John G. Ikenberry , Michael Mastanduno & William C.
  2. 10  Brooks & Wohlforth, p. 49.
  3. Robert A. Pape, "Soft Balancing against the United States," International Security , vol. 30, no. 1 (Summer 2005), p. 11.
  4. Brooks & Wohlforth, pp. 7, 13-14. 9  Nuno Monteiro, "Unrest Assured: Why Unipolarity is not Peaceful," International Security , vol. 36, no. 3 (Winter 2011-2012), pp. 13-14; Monteiro, Theory of Unipolar Politics , p. 47.
  5. Wohlforth (eds.), International Relations Theory and the Consequences of Unipolarity (Cambridge: Cambridge University Press, 2012); Nuno Monteiro, Theory of Unipolar Politics (Cambridge: Cambridge University Press, 2014).
  6. 6  Stephen G. Brooks & William C. Wohlforth, "The Rise and Fall of the Great Powers in The Twenty First-century: China's Rise and the Fate of America's Global Position," International Security , vol. 40, no. 3 (Winter 2015-2016), p. 7.
  7. Ibid., pp. 13-14.
  8. Charles Krauthammer, "The Unipolar Moment," Foreign Affairs , vol. 70, no. 1 (Winter 1990-1991), pp. 22-33. للاطلاع على الانتقادات التي أثارتها أطروحته، ينظر: Christopher Layne, "The Unipolar Illusion: Why New Great Powers will Rise," International Security , vol. 17, no. 4 (Spring 1993), pp. 5-51.

في التسعينيات، لأن القوى التي يُفترض منها موازنة الهيمنة الأميركية ظلت متأخرة جدًا. وحدها الصين اكتسبت قوةً لكنها تبدو متأخرة جدًا، حيث سيتطلّب منها الأمر عقودًا قبل أن تتمكّن من تحدي التفوّق الأميركي، هذا مع افتراض أنها ستحافظ على وتيرة نموها الحالية. لذلك فإن ثمة هيمنةً تمارسها قوةٌ واحدة، ما مِن أعداء لها من القوى الكبرى، ما يجعل من الوضع فرادةً تاريخيةً من الدرجة الأولى. وأضحت "لحظة القطبية الأحادية" التي ترسخت مع مرور الزمن، "حقبةَ القطبية الأحادية" التي سيكون مستقبلها مرهونًا بخيارات الولايات المتحدة الاستراتيجية: الحفاظ على القطبية الأحادية؛ والتطور نحو تعددية الأقطاب؛ والنقل التدريجي للسلطة إلى مؤسسات متعددة الأطراف13. لكن الحفاظ على القطبية الأحادية، ومثلما سنوضح لاحقًا، سيكون نتاجًا لسلوك القوى الكبرى، أكثر مما ينتج من سلوك الولايات المتحدة. يستعيد كريستوفر لاين بدوره أطروحته عن "وهم القطبية الأحادية" ويدعم فكرةَ بداية الدينامية المتعددة الأقطاب؛ وهو إذ يعترف بأن التطورات التي عرفتها السنوات الأخيرة تتناقض مع ما كان توقعه في عام 1993، يشكّ في أن يطول أمد الهيمنة الأميركية حتى عام 2030. ويرى أن المفارقة تكمن في أن محاولةً لإطالة أمد هذه الهيمنة، يمكن أن تسرع نهايتها بتحفيز المزيد من الجهود المكثفة لموازنتها14. هل تتطابق مرحلة النزعة الانفرادية بالغة الوضوح (في حالة العراق، 2003) مع "لحظة الإمبراطورية"؟ ابتغت الولايات المتحدة، من خلال استهداف العراق، استعادةَ الصدقية والشرعية الردعية لقوتها "التي قوّضتها نهايةُ الحرب الباردة، والترويجَ في الوقت نفسه لتصوّر كلاسيكي للنظام الدولي." وبهذا المعنى، فإن غزو العراق "لا يمثل حقًا قطيعة مع السياسة الأميركية التي تم تنفيذها في أعقاب أحداث 11 سبتمبر مباشرة، وهي تعبيرٌ محتدم عن سياسةٍ وضعت أسُسَها إدارةُ بوش، خلال السنوات الأخيرة"15. فكانت أزمة العراق مناسَبة لتأكيد التفوق الأميركي الذي أعادت القوى الكبرى إنتاجَه، في حين كان يُفترض منها أن تواجهه. وفي نهاية المطاف، "الولايات المتحدة قويةٌ لأن احتمال تأثيرها في الآخرين يفوق احتمال تأثُّرها بهم، وهذا بفضل مجموعة السياسات البديلة التي توفرها قدراتها المادية"16. ومع ذلك، فإن هذه القدرة الفعلية التي تُتيحها لها قدراتها المادية ينبغي ألا تحجب حدود قوتها والتناقضات التي تنطوي عليها، والتي لا يمكنها إلّ أن تؤثر في القطبية الأحادية.

ثانيًا: مسألة الموازنة وإعادة إنتاج القطبية الأحادية

1. حدود القوة الأميركية وتناقضاتها

إن تعقُّد الرهانات الدولية، باستثناء حالات استثنائية، مثل غزو الكويت على سبيل المثال، يجعل وجود قوة واحدة قادرة على حشد الدول كلها، أو على الأقل الأكثر نفوذًا منها، أمرًا صعبًا؛ نجحت الولايات المتحدة، بين عامي 1990 و 1991، في إنشاء تحالف ظرفي، لكنها لم تعد قادرة على تحقيق الإنجاز نفسه، مثلما يتضح من إقدامها منفردةً على غزو العراق في عام 2003. ولم يمنعها الأمر من التحرك بطبيعة الحال، لكنه كان أيضًا السبب، بين أسباب أخرى، في حرمانها من الدعم؛ ذلك أنّ نزعتها الانفرادية في القضايا السياسية والاقتصادية والبيئية تثير غضبًا متزايدًا وتُقوّض علاقة التحالف مع الدول الأوروبية. كتب باري بوزان في تحليله نقطة التحول التي اعترت سياسة الولايات المتحدة وأثرت في قيادتها، أن "الولايات المتحدة صارت منذ نهاية

  1. Charles Krauthammer, "The Unipolar Moment Revisited: United States World Dominance," The National Interest , no. 70 (Winter 2002-2003), pp. 6, 17.
  2. Christopher Layne, "The Unipolar Illusion Revisited: The Coming End of the United States' Unipolar Moment," International Security , vol. 31, no. 2 (Aut. 2006), pp. 39, 41.
  3. David Morin, Alex MacLeod & Pierre-Louis Malfatto, "Contre l'hégémonie? L'ordre international à l'épreuve de la crise irakienne," in: Alex
  4. Macleod & David Morin (dir.), Diplomaties en guerre: Sept Etats face à la crise irakienne (Montréal: CEPES; Athéna Editions, 2005), pp. 28, 31. 16  Dario Battistella, Un monde unidimensionnel , 2 eme éd. (Paris: Presses de Sciences Po, 2015), p. 45.

التسعينيات وعلى نحو أكثر حدة منذ عام 2003، عدوًّا لمشروعها الخاص الذي قادته طوال القرن العشرين." فزادت من رفضها الالتزامَ بتعددية الأطراف، وانقلبت ضد العديد من المنظمات الدولية، وانسحبت من القيادة في مجال التجارة، وفقدت وضعَها قائدًا في المجال المالي. ولأنها تبنّت "خطابًا وممارسةً يستندان إلى نزعة السيادة والانفرادية والاحتفاء بقوتها الخاصة"، أضرّت بولاء أتباعها في كل مكان، ولا سيما في أوروبا الغربية17. وتؤثر النزعة الانفرادية التي تتبعها إدارة دونالد ترامب، بما في ذلك قرار الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، في العلاقة بأوروبا. ألَم يكن أهم الدروس المستفادة من أزمة العراق، تأكيد هذا التوجُّه العميق الذي تعرفه القوة، ولا سيما سمتها غير القابلة للتحول؟ واتضح في هذه الأزمة أن القوة العسكرية الأميركية يمكن أن تنازعها الأهميةَ وسائلُ ناعمة؛ إذ انتهى عرض القوة العسكرية في تحرير الكويت في عام 1991 إلى انطلاق عملية أوسلو، لأنه اعتبُر شرعيًا. في حين اضطرت القوى الكبرى التي كانت غير قادرة على موازنة القوة العسكرية الأميركية خلال غزو العراق في عام 2003، إلى تشكيل تحالف يعادل قوتَها الناعمة، ما حرم أميركا من الشرعية الدولية. ولم يؤدِّ هذا الثقل الموازن الناعم إلى تَجنُّب الحرب، لكنه جعل تكلفتها عاليةً بالنسبة إلى الولايات المتحدة18. وفي حين فرضت هذه الأخيرة إرادتها، ظلت غيرَ قادرة على إدارة العراق بعد الغزو/ الاحتلال، وكان عليها أن تناشد دعم الأمم المتحدة والقوى الأخرى. ويشير الأمر هنا إلى عدم قدرتها على تهدئة المناطق الرمادية التي عملت على إنتاجها بتدخُّلها عسكريًّا فحسب. بيد أنّ قدرتها على إشراك القوى التي عارضت الغزو (فرنسا وألمانيا) في بناء الدولة في العراق، تميل إلى إثبات أن قوتها الناعمة لم تزل فعالة. ويصحُّ ذلك حتى في حالة أن سلوك فرنسا وألمانيا أملته أيضًا مصالحُهما الخاصة في المنطقة، ومن هنا تأتي الحاجة بالنسبة إليهما للمساهمة في إحلال الاستقرار في هذا البلد.

2. تعددية أقطاب أم إعادة إنتاج للقطبية الأحادية؟

لا يقود سلوك القوى الكبرى إلى لعبة موازنة القوة الأميركية. بل هي، ومن خلال قيامها بذلك، تُديم القطبية الأحادية، على الرغم من الخطاب المعتمد عن عالم متعدد الأقطاب، مثلما يرى داريو باتيستيلا الذي ينطلق من تحليل فجوة الموارد غير المسبوقة بين الولايات المتحدة والقوى الأخرى؛ ومن خلال فحص محدِّدَين رئيسين: الناتج المحلي الإجمالي والإنفاق العسكري، يستنتج أن "القطبية الأحادية لا توجد بسبب المقوّمات التي تملكها الولايات المتحدة فحسب، بل يجري تعزيزها، إن لم يكن إعادةُ إنتاجها، من خلال سلوك الدول الأخرى التي لا تسعى لموازنة القدرات المادية التي تحوزها الولايات المتحدة." ويجادل المتخصص في العلاقات الدولية بأن الولايات المتحدة نجحت في إقامة نظام دولي مهيمن "ذوَّتَتْهُ" القوى الكبرى، وأنه في غياب موازنة داخلية (زيادة في قدراتها الخاصة) وخارجية (ائتلاف أو تحالف مع دول أخرى)، فإن هذا النظام مرشح ليستمر. والحال هذه، فإن ما يحدث هو أن سلوك هذه القوى "يساهم، بعد عشرين عامًا من نهاية الحرب الباردة، في أن يبقى التفوق الأميركي، العائد في البداية إلى تمركز موارد مادية، باقيًّا ويتمدد alive and "still19. لا تسعى الصين، وهي المنافس الرئيس للولايات المتحدة، لموازنة قدراتها العسكرية، غير أن الموازنة جارية في المجال الاقتصادي. لذلك سيبقى العالم أحادي القطب ما بقيت الصين على خيارها بعدم استخدام مواردها لتطوير قدرة عسكرية تليق بقوة عظمى20. ولأجل أن تتمكن الصين والقوى الكبرى الأخرى من تحقيق التوازن مع الولايات المتحدة، ومن ثمّ إنهاء عالم القطبية الأحادية، ثمة شرطان ضروريان، وفقًا لما ذكره مونتيرو: أن تكون لديها القدرة على نشر القوة خارج منطقتها؛ والحفاظ على مستوى من القوة الاقتصادية يضاهي ذلك الذي تحظى به أميركا21. إن المقومات الثلاثة الأساسية للقوة التي تسمح بقياس التفوق الأميركي، ومقارنة الوسائل التي تملكها القوى الرئيسة، ومن ثمّ إلقاء الضوء على الفجوة المتحققة لفائدة الولايات المتحدة، هي: العسكرية

  1. Barry Buzan, "A Leader Without Followers? The United States in World Politics after Bush," Policy Paper , no. 2 (2007), p. 2.
  2. Joseph S. Nye Jr., "US Power and Strategy after Iraq," Foreign Affairs ,
  3. Battistella, Un monde unidimensionnel , pp. 46, 54.
  4. Brooks & Wohlforth, p. 14. 21  Monteiro, Theory of Unipolar Politics , p. 122.
  5. vol. 82, no. 4 (2003), pp. 66-67.

والاقتصادية والتكنولوجية22. دعونا نبدأ بالمقوم الأول، وهو توزيع القوة العسكرية. يوضح الجدول التالي الفجوةَ الكبرى بين الإنفاق العسكري للولايات المتحدة والإنفاق بين القوى الرئيسة الثماني الأخرى مجتمعةً (الصين وروسيا والمملكة المتحدة وفرنسا والهند واليابان وألمانيا والبرازيل) في عام 2016؛ إذ بلغت 606.203 مليارات دولار، في مقابل 512.980 مليارًا. وبلغ الإنفاق الأميركي ذروته في عام 2010 عند حدود 758.890 مليارًا، لينخفض بمقدار 152.657 مليارًا بين عامي 2010 و 2016، وأعلنت إدارة ترامب عن زيادة قدرها 54 مليارًا في عام 2018. ويزداد إنفاق الصين باستمرار؛ إذ تضاعف على مدى 10 سنوات، ووصل إلى أعلى مستوى له في عام 2016. جدول بالإنفاق العسكري للدول الرئيسة (مقدرًا بمليارات الدولارات) بين عامي 2007 و 2016

الصينالولايات المتحدةالسنة الدولة
103.670636.6742007
113.542683.7762008
137.512738.6212009
144.499758.8902010
156.009749.5332011
169.382706.9182012
185.152650.8512013
200.915610.6362014
214.093596.0102015
225.713606.2332016

يعكس الإنفاق العسكريّ الاستثمار الطويل الأجل في توليد القوة العسكرية. ويمكن أن يؤدي تراكمها مع مرور الوقت إلى قدرات يصعب اللحاق بها، حتى بالنسبة إلى دولة تملك موارد مالية هائلة للانخراط في مثل هذا الجهد. أما فيما يخص القدرة التكنولوجية، وعلى نحو أكثر تحديدًا، البحث والتطوير، فإن الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي لديها نفقات ضخمة وبنية تحتية متطورة جدًا. واتسعت الفجوة مع الصين، حيث سيكون مسارُ رأبِها طويلً جدًا، خصوصًا أن تحويل القوة الاقتصادية إلى قوة عسكرية وقدرة تكنولوجية أمر معقد23. الحال هذه، كيف يمكن إذًا تفسير عجز الولايات المتحدة عن إدارة أزماتٍ كان بعضُ ها نتاجًا لسلوكها، وعن فرض إرادتها حيالها؟ ألا يتعلق الأمر هنا بحدود القوة الأميركية على الرغم من أنها متفوقة؟ أم أنّ الأمر أيضًا هو من نتائج ميل المشهد الدولي إلى المزيد من التعقُّد؟ وهنا يبدو أن تدخُّل روسيا في سورية يدعم حجية هذه الأسئلة، حيث أظهرت من خلال تدخّلها هذا أنّ "لاتماثل القوة العسكرية" مع القوى الغربية يمكن تعويضه من خلال عزمها على توظيف قواها العسكرية. وإبرامُ اتفاقيةٍ مع روسيا لتجنب وقوع احتكاك في المجال الجوي السوري، يعني اعتراف الولايات المتحدة، على نحوٍ ما، بمصلحة روسيا الإبقاء على النظام السوري. وهكذا، أظهرت روسيا قدرتها على تعبئة أدواتها العسكرية ولم تكتفِ بالمعارضة اللفظية التي ميزت سياستها منذ نهاية الحرب الباردة24. وتُفسَّ أيضًا فاعليةُ تقدمها في الوضع السوري بعدم انخراط الولايات المتحدة فيه، أو على الأقل انخراطها المحدود. لذلك، تستفيد روسيا من "الفراغ" الذي تركته القوة الأميركية. لتوضيح عدم قدرة الولايات المتحدة على إدارة أزمات محددة، يعكس باتيستيلا التفكير على نحو ما، فيولي اهتمامَه للقدرة على اتخاذ قرار الاختيار، بدلً من الإخفاق فيه، حيث يرى أن "تأكيد[...]أن القدرات العسكرية الأميركية غير قادرة على إحلال النظام العام في العراق وأفغانستان، يستند إلى تعريفٍ علائقي للقوة"؛ إذ ما دام النظامان اللذان أقامتها في كابول وبغداد لا يزالان يواجهان تحديًا من خصومهما،"فستفشل الولايات المتحدة في فرض إرادتها على الخصوم الذين يحاربونها هناك[...]وهذه كانت الحال في فيتنام في السابق؛

  1. Brooks & Wohlforth, pp. 16-18
  2. Ibid., pp. 18-19, 29. 24  Isabelle Facon, "L'année syrienne de Moscou et la 'multipolarisation' du monde: La Russie en quête d'un rebond," in: Arnaud Dubien (dir), Russie 2016: Regards de l'Observatoire franco-russe, pp. 40-41, accessed on 19/11/2017, at: https://bit.ly/3n5gaaj تحجب الأزمة السورية على نحو ما معيار الطاقة في التنافس الدولي. لكن ذلك لا يحول دون أن يعتبر بعض المؤلفين أن المنافس المكافئ المقبل للولايات المتحدة في الشرق الأوسط ليس روسيا، بل الصين؛ ذلك أن مصالحها المتنامية في مجال الطاقة في الخليج، قد تحثّها على تطوير قدرة عسكرية كفيلة بحمايتها. ينظر: Marc Lynch, "Belligerent Minimalism: The Trump Administration and the Middle East," The Washington Quarterly , vol. 39, no. 4 (2016), p. 133. يبدو أن إنشاء قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي يسير في هذا الاتجاه.
  3. المصدر: "Military expenditure by country, in constant (2015) US$ m., 1988- 1996," Stockholm International Peace Research Institute (2017), accessed on 21/11/2017, at: https://bit.ly/3khc4Kd

فحينها أيضًا واجهت خصمً غير متماثل." ومع ذلك، لا بد من الإشارة، يضيف باتيستيلا، إلى أن "فشل الولايات المتحدة في فرض إرادتها في العراق أو أفغانستان هو نتاج قرارها الخاص بمحاولة فرض إرادتها." في حين أنه، وبسبب نقص الموارد المادية، لا يمكن للدول الأخرى اتخاذ مثل هذا القرار، ومن ثمّ ليس لديها مثل هذه "الحرية في المناورة، وإمكانية الاختيار ما بين الفعل والامتناع"25. وتبدو مسألة تعددية الأطراف مثالً واضحًا أيضًا. فلدى الولايات المتحدة وحدها، وبخلاف الدول الأخرى، الوسائلُ لاستكشاف خيارات أخرى بديلة، ثنائية وأحادية. وتتيح لها هذه القدرة التي تُخوّلها إياها قوتُها، بلوغ مجموعة أوسع من الخيارات التي تمنح بُعدًا استراتيجيًا لانخراطها في الأزمات الدولية، أو عدم انخراطها، أو حتى انسحابها منها. غير أن هذا يعَدّ أيضًا مصدر معضلة بالنسبة إليها؛ إذ ما هي أفضل طريقة لتوظيف قوتها؟26 تُظهر الحالتان الليبية والسورية أنه لا يمكن القوى الغربية الأخرى أن تتصرف من دون الولايات المتحدة، ولو اقتصر الأمر على الدعم اللوجستي فحسب. تتدخل فرنسا أحيانًا بمفردها، لكنها تقوم بذلك في مسارح منخفضة الحدة للغاية (كما في مالي وأفريقيا الوسطى وغيرها)، بل وتستفيد حتى في مثل هذه الحالات، من دعم لوجستي أميركي مُعيّ. ففي ليبيا، لم يكن الحلفاء الأوروبيون ليتمكّنوا من تغيير الوضع هناك لولا موارد منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومن ثَمَّ أميركا. كما تؤكد الحالة السورية أيضًا الدور الحاسم الذي تؤديه أميركا: فحلفاؤها لا يمكنهم التصرف من دون انخراطها.

ثًالث ا: مستقبل القطبية الأحادية

1. الصين وإعادة إنتاج الأحادية القطبية

هل يندرج سلوك الصين، وهي التي يُزعم أنها المنافس الرئيس للولايات المتحدة، ضمن استراتيجية تهدف إلى موازنتها؟ فصار صعودها مدعاةً للقلق بالنسبة إلى أميركا، بل ولجيرانها أيضًا، ولا سيما بسبب سلوكها في بحر الصين. يميز أميتاف أشاريا بين ثلاثة منظورات في هذا الصدد: يقارن المنظور الأول صعود الصين بصعود الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر (السعي للتوسع الإقليمي عملً بعقيدة مونرو)، وتدّعي أن الصين تسعى للهيمنة الإقليمية27. يقول جون ميرشايمر، وهو أحد مؤيدي هذا المنظور، إن صعود الصين لا يمكن أن يكون سلميًا، لأن أي قوة إنما تحاول بسط هيمنتها على منطقتها، و"إن الهدف النهائي لكل قوة كبرى هو تعظيم حصتها من القوة العالمية والهيمنة على النظام في نهاية المطاف"28. ويتصور المنظور الثاني توازنًا للقوى في النظام الناشئ في آسيا الذي سيكون محوره إما ائتلافًا من القوى الكبرى، وإما قيادة ثنائية صينية - أميركية. أما المنظور الثالث فيعتبر أن صعود الصين يمكن أن يؤدي بدوره إلى جماعة رخاء وسلام في المنطقة، قوامها التكامل الاقتصادي والمؤسسات المتعددة الأطراف والقيم المشتركة. ويحاجّ أشاريا، مؤيدًا هذا المنظور، بأن العوامل الداخلية (الليبرالية) والخارجية (التكامل) من جهة، والقيود الخارجية على عمليات التوازن/ الاحتواء من جانب الولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى، يمكنها أن تحدّ من قدرة الصين على تطوير وشرعنة نظام تكون هي محوره. وينظر في صعود هذه الأخيرة من خلال زاوية الظروف الإقليمية، مؤكدًا أن الأقاليم تفرض إكراهات على ظهور القوى المهيمنة29. ومن ثمّ، يعطي مكانًا أساسيًا لحسابات المصالح والسياق والتنشئة الاجتماعية الإقليمية30.

  1. Battistella, Un monde unidimensionnel , pp. 43-45.
  2. Guillaume Devin, "Les Etats-Unis et l'avenir du multilatéralisme," Cultures & Conflits , no. 51 (2003), pp. 157-158.
  3. Amitav Acharya, "Power Shift or Paradigm Shift? China's Rise and Asia's Emerging Security Order," International Studies Quarterly , vol. 58, no. 1 (2014), p. 158.
  4. John J. Mearsheimer, "The Gathering Storm: China's Challenge to US Power in Asia," The Chinese Journal of International Politics , vol. 3, no. 4 (Winter 2010), pp. 381-396; John J. Mearsheimer, "China's Unpeaceful Rise," Current History , vol. 105, no. 690 (2006), p. 60.
  5. Acharya, pp. 158, 171.
  6. للاطلاع على تحليل أثر المحددات الإقليمية في (الأحادية) القطبية، ينظر: David Andrew Tizzard, "American Unipolarity: The Uneven Distribution of Power," Global Politics Review , vol. 3, no. 2 (2017), pp. 11-25.

يتطوّر العالم، بحسب خطاب السياسة الخارجية الصينية السائد في التسعينيات، نحو تعددية في الأقطاب؛ وهو عالم أكثر استقرارًا مع وجود قوة متوازنة تقتسمها خمس قوى كبرى (الصين وأوروبا واليابان وروسيا والولايات المتحدة.) ويمثّل هذا مطلبًا وصفيًّا ومعياريًا في الوقت ذاته. فالخطاب عن عالم متعدد الأقطاب يؤدي دورًا غامضًا في مسار السياسة الخارجية الصينية؛ إذ ليس من الواضح ما إذا كان يعبّ عن قرارات القادة الصينيين، أو ما إذا كان يعكس تفضيلاتهم، أو أنه مظهرٌ من مظاهر مظلومية معينة تدفع بها الصين في علاقتها بالعالم. فقادتُها طالما تحدثوا عن تعددية الأقطاب بطريقة مجردة. ويعتمد كل شيء في واقع الأمر على ما قد تعنيه هذه القطبية التعددية أو تُنتجه: تضاؤل نفوذ القوى العظمى والارتفاع النسبي في التأثير الدولي للدول النامية والصين، أو دعم صعودٍ نسبيّ في القوة وفي الاستقلال الاستراتيجي لليابان، أو دعم تطوير الأسلحة النووية في الهند. وهنا تحديدًا يكمن مصدر التناقض في موقف الصين؛ إذ وبالنسبة إليها، تبدو الهيمنة الأميركية أفضل من الهيمنة اليابانية على سبيل المثال، خصوصًا أن الصين تستفيد من الوضع الحالي اقتصاديًا، ومن الاستقرار العالمي الذي تقدمه الهيمنة الأميركية. فهي تبدو أكثر اهتمامًا بالعولمة من اهتمامها بعالمٍ متعدد الأقطاب، بالنظر إلى الأدوات التي تُتيحها قوّتها. ولا بد من القول هنا إن العلاقات بين القوى الكبرى صارت، وبسبب تأثير العولمة، مزيجًا من التفاعلات التعاونية والصراعية الأكثر تعقُّدًا، والتي ليس واضحًا مدى تحديد القطبية لتوازنها النسبي31. على الرغم من دعمها التعددية القطبية، لا تفعل الصين شيئًا ملموسًا لتشجيع بزوغها؛ إذ لم تشرع في عملية موازنة، داخلية كانت أم خارجية، تهدف إلى مضاهاة القوة الأميركية. يهدف تطوير قدراتها إلى ردع أو إبطاء تورط الولايات المتحدة في المنطقة، لكن الرهان الفوري وعلى المدى المتوسط بالنسبة إلى الصين سيظل تايوان، وليس استراتيجية وجود أميركا في المنطقة في حد ذاتها. إضافة إلى ذلك، لا يبدو أن إنفاقها العسكري، نسبةً مئويةً من الناتج المحلي الإجمالي، قد وصل إلى المستوى الذي يسمح باستنتاج يقول إن اقتصادها قد تمت عسكرتُه وتعبئته لموازنة القوة الأميركية32. ثمة عدم يقين يعتري سلوك الصين: فهي تفضل تارة الانخراط التعاوني في المنطقة وداخل رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) لتأكيد "صعودها السلمي"، وتعمل من أجل كبح طموحات كوريا الشمالية النووية، وتتبنّى تارة أخرى استراتيجية إثبات القوة في بحر الصين وحيال تايوان. وهي تُبدي في الآونة الأخيرة حالةً من ضبط النفس التي تفسرها الحساباتُ الاستراتيجية الخاصة بها، وكذلك الضغوط الناشئة عن توازن القوى والاعتماد المتبادل والمؤسسات الإقليمية. وانخرطت في مؤسسات إقليمية "لتسوِّق" من خلالها سياسة صعودها السلمي، لأنها أدركت أن عنادها يمكن أن يدفع دول الآسيان إلى زيادة تعزيز علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، التي تعمل عاملً للموازنة هناك. كما يفسَّ أيضًا ضبط النفس بتبعيتها للنفط الآتي من الشرق الأوسط وأفريقيا عبر الممرات البحرية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة والهند. باختصار، على الرغم من أن عدم اليقين المحيط بضبط النفس الذي تمارسه الصين، يمثل تحديًا كبيرًا لآسيا، فإن الحسابات الخاصة بهذه القوة، في سياق الاستراتيجية الأميركية "لإعادة الموازنة"، والتكاليف السياسية والحرب مع أعضاء الآسيان تجعل الصراع المسلح غير مرجح. ومن ثم، فإن الولايات المتحدة ستبقى، فترة طويلة، الفاعلَ العسكري البارز في آسيا، على الرغم من التطور الاقتصادي للصين وإنفاقها العسكري. إن بناء القوة البحرية الصينية يمنح الصين قدرات متنامية لمنع وصول الولايات المتحدة وحلفائها إلى مناطق معينة بالقرب من سواحلها، لكن أيّ جهد للسيطرة على الممرات البحرية في المنطقة يمكن أن يجد في مواجهته القوات البحرية الأميركية، بالتعاون مع القوات البحرية اليابانية والهندية33. وفيما يتعلق بالموازنة الخارجية balancing External، لا تنكبّ الصين على محاولة إقامة تحالفات معادية للولايات المتحدة أو تقويض تحالفاتها. ومعاهدة الصداقة الصينية الروسية لعام 2001، مدفوعة بالاعتبارات العسكرية (شراء الأسلحة الروسية للصين) والاقتصادية (لروسيا)، لذلك فإنها أبعد ما تكون عن استهدافها الولايات المتحدة. ويُظهر سلوك الصين، في الوقت الحالي، أنها ليست بصدد موازنة القوة العسكرية الأميركية أو مصالحها34. وفي غياب المحاولات الحقيقية من جانب القوى الكبرى، لموازنة الهيمنة الأميركية على الصعيدين الداخلي والخارجي، يمكننا الاتفاق مع وجهة نظر باتيستيلا القائلة إن هذه القوى "ذوّتت" في سلوكها النظامَ الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة35.

  1. Alastair Iain Johnston, "Is China a status quo Power?" International
  2. 35  Battistella, Un monde unidimensionnel , p. 63.
  3. Acharya, pp. 167, 169-170. عن القدرات البحرية للصين، ينظر: Marc Julienne, "La puissance maritime et navale de la Chine," Annuaire français des relations internationales , vol. XVII (2016), pp. 583-596. 34  Johnston, pp. 39, 49.
  4. Security , vol. 27, no. 4 (Spring 2003), pp. 30-32, 37.
  5. 32  Ibid., pp. 38-39.

ماذا عن سياسات الولايات المتحدة؟ يرى مونتيرو أنها سياسات تعمل بوصفها جزءًا من عملية تهيّئ الظروفَ الدولية التي تشجع على السياسة الصينية الحالية المتمثلة في عدم السعي للموازنة. ويركز على ثلاثة خيارات متاحة للولايات المتحدة: أولها اتباع استراتيجية هجومية للتفوق على الخصوم، تتمثل في السعي لمراجعة أحد عناصر الوضع الدولي القائم لمصلحتها الخاصة، وثانيها اتباع استراتيجية دفاعية للتفوق على الخصوم بالقيام بأعمال للدفاع عن الوضع القائم ضد التحديات الخارجية، وثالثها الامتناع عن الانخراط في الوضع القائم، أي عدم السعي لا للحفاظ عليه، ولا لمراجعته بأي شكل من الأشكال. ولأنها اختارت استراتيجية التكيّف مع النمو الاقتصادي للصين، والتي تندرج ضمن الخيار الثاني، فقد ساهمت في صعودها الاقتصادي السريع وفي تفوقها الخاص أيضًا. ووضعت الولايات المتحدة في واقع الحال، ومنذ بداية حقبة القطب الواحد، استراتيجيةً عسكرية دفاعية للحفاظ على الهيمنة في منطقة جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، فلم تحاول تغيير الوضع الإقليمي القائم أو الخروج من المنطقة. بل على العكس من ذلك، حافظت على التزاماتها الأمنية تجاه دول المنطقة، واستخدمت التحالفات لمواجهة أي مطالب مُرَاجِعة للوضع القائم. ومن ثم، ما دامت الولايات المتحدة ترتضي النمو الاقتصادي للقوى الكبرى، ولا تهدد بقاءها على المدى الطويل ولا قدرتَها على التطور، ولا تسعى لإحداث مراجعة هجومية للوضع القائم، فقد لا تُحَث هذه القوى على الانخراط في جهود للموازنة. وبهذا المعنى، فإن الاستراتيجية الدفاعية للهيمنة والارتضاء الاقتصادي ستديمان القطبية الأحادية36. 2. الصين: القوة العظمى المحتملة الناشئة لا يُعتبر مسار الصين غريبًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ومن هنا تنبع مخاوفها؛ فهي لا تكرس جزءًا من مواردها الاقتصادية لجهد عسكريّ سابقٍ لأوانه، بل تنكبّ على تعزيز اقتصادها الذي سيكون في نهاية المطاف الأساسَ لبناء قوة عسكرية في المستقبل. وهو المسار نفسه الذي اتّبعته الولايات المتحدة في صعودها الخاص37. ماذا عن وضع الصين في مواجهة الولايات المتحدة؟ هل يمكنها التنافس معها لتصير قوة عظمى؟ تشهد الصين تطورًا يضعها في فئة منفصلة. وهي فئة لا يمكن لمفهوم القوة العظمى استيعابها: فهي قوة أكثر أهمية من القوى الكبرى الأخرى (اليابان وألمانيا وروسيا)، لكنها بعيدة عن كونها منافسًا مكافئًا competitor peer للولايات المتحدة، وهذا ما يؤكده وولفورث وبروكس، حيث يقترحان ثلاثة مستويات ما بين الوضع الحالي للصين والوضع الذي قد تكون فيه قادرة على الظهور بوصفها منافسًا مكافئًا: أولا: حين تكون لديها موارد اقتصادية كافية للحلول محل الولايات المتحدة، باعتبارها قوة عظمى وحيدة: ويبدو أن الصين، بوصولها إلى نسبة ما يقارب 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، بلغت هذا المستوى، لكن الفجوة لا تزال واسعة. ثانيًا: حين تكون لديها موارد اقتصادية وقدرة تكنولوجية كافية لتكون قادرة على مضاهاة القوة العالمية الأميركية، لكنها بعيدة جدًا عن بلوغ هذا المستوى: فمهمتها الراهنة هي إدارة تقدمها التكنولوجي. ثالثًا: حين لن تكون لديها القدرة الاقتصادية والتكنولوجية الكامنة لتطوير مجموعة كاملة من الأنظمة المطلوبة لتوسيع مدى القوة على المستوى العالمي فحسب، بل ستكون بالفعل قد امتلكت هذه الأنظمة وتعلّمت استخدامها بفاعلية38. اعتمادًا على هذا التحليل، يلخص وولفورث وبروكس الفجوة بين الولايات المتحدة والصين، ومن ثمّ الدرجات التي يجب أن ترتقي بها هذه الأخيرة صعودًا على النحو التالي: قوة كبرى - قوة عظمى محتملة ناشئة - قوة عظمى محتملة - قوة عظمى. خلال العقدين الماضيين، لم تكن ثمة حاجة إلى تمييز الصين من القوى الكبرى الأخرى. لكن ومع صعودها الملحوظ، انتقلت الآن إلى المستوى الثاني: "القوة العظمى المحتملة الناشئة." وهي في هذه المرحلة، في طريقها إلى الحصول على قدرة اقتصادية كافية لتكون قادرة على أن تطمح إلى المطالبة بالمستوى الأعلى. فإذا ما تمكّنت من الوصول من الناحية التكنولوجية إلى النقطة التي ستجمع فيها بين القدرات الاقتصادية والتكنولوجية المطلوبة حتى تكون قادرة على تشكيل تحدٍّ للولايات المتحدة في المجال العسكري، يمكنها حينها أن تصل إلى المستوى الثالث، وهو "القوة العظمى المحتملة." وفي هذا الأخير، يمكن أن يكون لدى الصين إمكانات مادية كافية لتضاهي القوة العظمى. بيد أنه سيكون مسارًا شاقًّا وطويلً. لكنّ ثمة شيئًا واحدًا مؤكدًا، هو أن الصين خرجت من موقعها الذي احتلته في التسعينيات، وهو تغييرٌ لا يجيب عنه مفهوم النظام ذي القطب الوحيد. ففي الصيغة التي اقتبسها وولفورث وبروكس عن بوزان،

  1. Monteiro, Theory of Unipolar Politics , pp. 64-66, 100, 120, 122, 128.
  2. Battistella, "Le concept de puissance," p. 134.
  3. Brooks & Wohlforth, pp. 9, 42-43.

انتقل النظام الدولي من صيغة قوة عظمى واحدة + مجموعة من القوى الكبرى، إلى صيغة قوة عظمى + قوة عظمى محتملة ناشئة + مجموعة من القوى الكبرى؛ حيث تمثل الصين الفئة الوسطى، أي قوة عظمى محتملة ناشئة، ما يجعل منها قوة منفصلة في الوضع العالمي. ما عدا الصين، ما من مرشح يمكنه الطموح إلى مكانة القوة العظمى اليوم. ومع ذلك، فإن التطور في اتجاه امتلاك قدرات مادية كامنة لقوة عظمى، وبلوغ هذه المكانة فعليًا هما شيئان مختلفان39. في هذه العملية التي تقوم على الارتقاء في درجات القوة، يكتسي عامل الزمن أهمية قصوى بالنسبة إلى التطور التكنولوجي، ولا سيما في مجال أنظمة الأسلحة. وفي مجالات التكنولوجيا العسكرية، حيث تتخلف الصين كثيرًا، وحيث يستغرق إنتاج الأنظمة العسكرية وقتًا طويلً – هذا إذا مضى كل شيء على ما يرام بالنسبة إلى الصين – فستحتاج بكين إلى سنواتٍ عدة من الجهود المتراكمة لتكون في وضع يُ كّنها افتراضيًا من سدّ الفجوة التي أوجدتها جهودُ الولايات المتحدة المتراكمة على مدى عقود. وهنا تُعد حالة غواصات الهجوم النووية SSN مثالً واضحًا. فالصين اليوم قادرة على إنتاج غواصات مماثلة تقريبًا لتلك التي صنعتها الولايات المتحدة في الستينيات من القرن العشرين، لكن واشنطن استثمرت منذ ذلك الحين مئات المليارات من الدولارات وستة عقود من الجهود لتطوير الجيل الحالي من غواصات الهجوم النووية من فئة فرجينيا40 (دخلت الخدمة في عام).2004 لذلك كله، فإن احتمال تحوّل الصين إلى قوةٍ عظمى لا يزال بعيدًا. وثمة أربع عقبات بنيوية تمنعها من التنافس مع الولايات المتحدة والتحول إلى قوة عظمى: تجعل الصعوبة الكبيرة والمتزايدة في تحويل القدرة الاقتصادية إلى قدرة عسكرية اليوم، الانتقالَ من قوة كبرى إلى قوة عظمى أكثر صعوبة مما كان عليه في السابق. مستوى الصين التكنولوجي أقل نسبيًا، مقارنة بالمستوى السائد في الدولة المهيمنة في النظام الدولي. صار مستوى الصعوبة والتعقُّد في تطوير المعدات العسكرية، إضافة إلى استخدامها، أعلى من ذي قبل، خصوصًا أن الوقت اللازم لتطوير أنظمة الأسلحة يعني عدم إمكانية بلوغ النتيجة إلّ على المدى الطويل، شريطة أن يمضي كل شيء على ما يرام بالنسبة إلى الصين. الفجوة بين قدراتها العسكرية وقدرات الولايات المتحدة واسعة: فالولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي انخرطت، وعلى مدى عقود، في استثمارات ضخمة في القدرات العسكرية، تُ كّنها من إنتاج واستخدام مجموعة كاملة من أنظمة التسلح اللازمة لتوسيع مدى القوة على المستوى العالمي. وبما أن الصين أبعد ما تكون عن ادعاء إمكانية موازنة القوة الأميركية، فإن النظام الدولي ذا القوة العظمى الوحيدة لن يكون منكشفًا، ولعقود مقبلة، أمام قرار صينيّ يستهدف الحصول على قدرات القوة العظمى41. ينتقد مونتيرو هيمنة الجانب الاقتصادي في التحليل المتعلق بمستقبل القطبية الأحادية الذي يسببه صعود الصين، ويعتقد أن الأمر يتعلق بمسألة سلوك القوى العظمى والقرار السياسي، أكثر مما يتصل بالقدرات الاقتصادية. وهنا يقترح أخذ العامل النووي في الحسبان42 وتحويل النقاش من القضايا الاقتصادية إلى تلك المتعلقة بالقرارات السياسية ودورها في الاستثمار في القدرات العسكرية الإضافية. فعلى الرغم من الأهمية التي تمثلها مسائلُ الفوارق في معدل النمو ومحدداتُها التي يركز عليها النقاش، فإنها لا تُعتبر وجيهة لشرح مستقبل التفوق العسكري الأميركي، لسبب واحد بسيط هو أن "القوة العسكرية ليست نتيجة للتنمية الاقتصادية. بل [هي] نتاج قرار الدولة باستثمار جزء من ثروة البلاد في إنتاج القدرات العسكرية مع مرور الوقت، [وهي] لا تتبع بالضرورة النمو الاقتصادي. وبالتطبيق على سياق عالم القطبية الأحادية في العصر النووي، فإنه يعني – وبقطع النظر عن الحجج المعتادة عن الأفول الاقتصادي للولايات المتحدة – أن تفوق القوة الأميركية غير مُهيّأ للتوقف الآن." ويخلص مونتيرو إلى أنه في المجالات النووية والتقليدية على حدّ سواء، لا تحوّل الصين صعودَها بصفتها قوة اقتصادية إلى تحدٍّ عسكريّ لأميركا، بل تتبع سياسةَ أمنٍ قومي ذات طبيعة دفاعية ونطاق إقليمي43. أخيرًا، غياب موازنة عالمية حيال قوة الولايات المتحدة يمنحها هامشًا أكبر للمناورة ويقيّد خيارات جميع القوى الأخرى بصورة حاسمة. ويعني القول إن الولايات المتحدة ليست مقيدة بموازنة عالمية balancing global، أن الحواجز التي تحول دونها مرتفعة للغاية بالنسبة إلى الصين ومجموعة القوى الكبرى الأخرى. ومن هنا يأتي الطابع اللاتناظري العميق الذي لا يزال يميز النظام الدولي: فعلى

  1. Ibid., p. 33.
  2. 43  Monteiro, Theory of Unipolar Politics , pp. 16, 114, 127-130.
  3. Ibid., pp. 9, 40-42, 44, 46.
  4. أكد مونتيرو فكرة وجود تحيّز نحو العامل الاقتصادي في أدبيات القطبية الأحادية، لكن تحليلاته وقعت في فخ التحيز إلى العامل النووي لأنه يعتبر الدول النووية كلها قوى كبرى. في حين أن امتلاك دولة ما السلاح النووي، لا يمنحها بالضرورة مركز القوة الكبرى.
  5. 40  Ibid., p. 36.

عكس القوى الأخرى، لا تواجه الولايات المتحدة "قيدًا يحيط بالسعي النُّظُمي للتوازن"44. ومن ثمّ، فإن استمرار القطبية الأحادية يفسَّ باستمرار فجوة القوة بين أميركا والقوى الكبرى45.

خاتمة: ما الآفاق؟

يجبر تعقُّدُ المشكلات العالمية الدولَ، بما في ذلك القوة العظمى، على التحالف، إن لم يكن التعاون، مع الآخرين. من المؤكد أن للولايات المتحدة القدرة الحصرية للقيام بعمل أحاديّ انفرادي، لكن هذا أمرٌ غير ممكن في كل مكان (كما في كوريا الشمالية أو بحر الصين)، أو في الظروف كلها (مثل الصعوبات في تنفيذ عمليات واسعة ومتزامنة في مسرحين) ويصعب استمراره على المدى الطويل. كما لم تُختزَل القوى الأخرى إلى مجرد دور المساعدين، وهو ما يشير إلى الصعوبات التي تواجهها الولايات المتحدة في الجمع بين القوتين الصلبة والناعمة لتحقيق أهدافها. فهي في حاجة إلى القوى الأخرى (روسيا والصين وفرنسا واليابان وألمانيا) لإدارة العبء المالي للعمليات الدولية المحتملة واقتسامه، وإصلاح النظام الاقتصادي الدولي، أو لإدارة الأزمات التي تسببت بها بنفسها. ومع ذلك، فإن هذه القيود لا تحدّ بالضرورة من زخم قوتها، خصوصًا أن بعض الأزمات (مثل أفغانستان والعراق وغيرهما) لا تشكل تحديات استراتيجية للقوى الأخرى. يشهد العالم اليوم اعتمادًا متبادلً، مع هرمية لقوى غير متجانسة. فالصين، وهي القوة الاقتصادية الثانية، لا تملك حتى الآن المقومات العسكرية والتكنولوجية الكافية لتنافس الولايات المتحدة. أما اليابان وألمانيا فقوتان اقتصاديتان وتكنولوجيتان بقدرات عسكرية محدودة. وروسيا قوة عسكرية، لكن مواردها الأخرى ليست على الوتيرة ذاتها. ونتيجة لذلك، فإن الوضع الدولي ينمّ عن انتثار غير متجانس للقوة، وتضاعفٍ في مراكز السلطة، مع وجود قوة عظمى وحيدة. ولا تنحسر هذه الأخيرة بسبب أفولها هي، بل بسبب صعود الآخرين؛ إذ دائمًا ما يكون أفول إحدى القوى نسبيًا بصفته نتاجًا لصعود أخرى، وليس مطلقًا. لذلك فإن تضييق الفجوة بين الولايات المتحدة والقوى التقليدية والناشئة لا يزال غير كافٍ في الوقت الحاضر ليضع تفوّقها على المحك. وفي ضوء الانتثار المستمر للقوة، يميل الوضع الدولي إلى الابتعاد عن إعادة إنتاج صيغة تقوم على قوة عظمى لا تُضاهى، في مقام أميركا. تغيّ مشهد القوة العالمية. ومن ثمّ، انتقل العالم من صيغة تقوم على قوة عظمى واحدة + عدد من القوى الكبرى، إلى صيغة تقوم على قوة عظمى واحدة + قوة عظمى محتملة ناشئة + عدد من القوى الكبرى. وفي هذه الصيغة الجديدة، من المتوقع أن تبقى الولايات المتحدة القوة العظمى الوحيدة فترةً طويلة، تليها الصين بوصفها قوة عظمى محتملة ناشئة. ومع ذلك، توجِد هذه التركيبة ضغوطًا على أميركا لمواجهة التنازلات المتأصلة في خياراتها الاستراتيجية والحاجة إلى إجراء تعديلات في موقفها العسكري. لكن، ومثلما يشير وولفورث وبروكس "لا يعني الأمر، مع ذلك، أن النظام الدولي القائم على القوة العظمى الوحيدة يقف على عتبة التغيير، أو أن ثمة تحوّلً في دينامياته الأساسية"46؛ إذ تنتج من هذه التركيبة، أيضًا، ضغوطات على الصين التي عليها أن تقْدِم هي الأخرى على تنازلات متأصلة في خياراتها الاستراتيجية، حيث تسعى للتوفيق بين مصالح متناقضة: مواصلة التطور في بيئة سلمية، أم استعادة تايوان بوصفها جزءًا من الوطن؛ العمل من أجل التعايش المتعدد الأقطاب، بما في ذلك مع القوى المجاورة (اليابان والهند وروسيا)، أم التنافس بين القوى على التفوق في منطقة آسيا والهادئ عمومًا وفي شرق آسيا خصوصًا؛ العمل من أجل أمن أفضل ونفوذ إقليميّ أكبر من خلال العمل المتعدد الأطراف، أم الانخراط في لعبة ثنائية القطبية للتحول إلى قوةٍ شبه مساوية للولايات المتحدة، ثم قوةٍ عظمى حقيقية في المستقبل47. تمكّنت الصين من الارتقاء صعودًا وتجاوزت القوى الكبرى الأخرى، ويمكنها اليوم البدء في الاستثمار في القوة العسكرية، لأن قوتها الاقتصادية تمنحها هذه الإمكانية. لكن سلوكها في الوقت الحالي

  1. Brooks & Wohlforth, p. 46.
  2. Monteiro, Theory of Unipolar Politics , p. 47.
  3. Brooks & Wohlforth, p. 53.
  4. Jean-Pierre Cabestan, "La politique étrangère de la Chine: Une Chine sans ennemis n'est pas forcément une Chine rassurante," Hérodote , no. 125 (2e trim. 2007), p. 23.

يُعدّ مع ذلك جزءًا من عملية إعادة إنتاج القطبية الأحادية وليس زعزعتها، وذلك على الرغم من خطابها عن عالم متعدد الأقطاب. ويمكننا أن نسوق هنا عنصرين توضيحيين لذلك: إدراكًا منها لتأخُّرها، مقارنة بالولايات المتحدة، على الرغم من الطفرة الاقتصادية التي حققتها، تتجنب الصين أيَّ مواجهة قد تنحرف بها عن مسارها الهادف، تحديدًا إلى تدارك هذا التأخُّر؛ ففي الجهود الضرورية للطموح إلى مكانة القوة العظمى، يكون عامل الزمن أساسيًا، ومن هنا تأتي مقاربتها غير العنيفة أو صعودها السلمي48. إضافة إلى ذلك، ترتضي الولايات المتحدة نموَّ الصين – الذي تستفيد منه أيضًا – ولا تهدد أمنها. وقد يُطرح سؤالٌ عما إذا كانت الصين تراهن على العامل الاقتصادي: فبدلً من تكريس جزء من ثروتها لبناء قوة عسكرية، تراهن على أفول قوة الولايات المتحدة تحت تأثير نموّ اقتصادها الخاص. وبعبارة أخرى، تفضل المنافسة الاقتصادية، حيث تمتلك نقاط القوة؛ وهو نوعٌ من التنافس القائم على الاستنزاف يكون من شأنه أن يقوّض القوة العسكرية للولايات المتحدة بسبب أفولها الاقتصادي مع مرور الوقت. في التحليل النهائي، نصل إلى تأكيد أربعة استنتاجات أساسية: أولً، تفسير القطبية الأحادية يتم من خلال سلوك القوى الكبرى أكثر مما يعتمد على سلوك القوة المسيطرة. ثانيًا، سيستمر تفوّق الولايات المتحدة في السنوات المقبلة. ثالثًا، كي تصير الصين قوة عظمى، عليها أولً أن تمتلك القدرات التي تؤهلها للتنافس مع الولايات المتحدة (اللحاق بها اقتصاديًا وعلميًا وتكنولوجيًا وعسكريًا)، ثم أن تُكرّس موارد لهذا التنافس، ما يعني أنْ تتوقف عن الانخراط في إعادة إنتاج القطبية الأحادية. رابعًا، في ضوء انتثار القوة وعدم قابليتها للتحول، من المحتمل أن تكون الولايات المتحدة آخر قوة عظمى بالمعنى الموروث عن الحرب الباردة.

المراجع

العربية

بن عنتر، عبد النور. البعد المتوسطي للأمن الجزائري: الجزائر، أوروبا والحلف الأطلسي. الجزائر: المكتبة العصرية،.2005

الأجنبية

Acharya, Amitav. "Power Shift or Paradigm Shift? China's Rise and Asia's Emerging Security Order." International Studies Quarterly. vol. 58, no. 1 (2014). Battistella, Dario. Un Monde Unidimensionnel. 2 eme éd. Paris: Presses de Sciences Po, 2015. Brooks, Stephen G. & William C. Wohlforth. "The Rise and Fall of the Great Powers in the Twenty First-century: China's Rise and the Fate of America's Global Position." International Security. vol. 40, no. 3 (Winter 2015-2016).

Buzan, Barry. "A Leader Without Followers? The United States in World Politics after Bush." Policy Paper. no. 2 (2007).

________. "China In International Society: Is 'Peaceful Rise' Possible?" The Chinese Journal of International Politics. vol. 3, no. 1 (Spring 2010). Cabestan, Jean-Pierre. "La politique étrangère de la Chine: Une Chine sans ennemis n'est pas forcément une Chine rassurante." Hérodote. no. 125 (2e trim. 2007). Devin, Guillaume. "Les Etats-Unis et l'avenir du multilatéralisme." Cultures & Conflits. no. 51 (2003). Dubien, Arnaud (dir). Russie 2016: Regards de l'Observatoire franco-russe. at: https://bit.ly/3n5gaaj Ikenberry, John G., Michael Mastanduno & William C. Wohlforth (eds.). International Relations Theory and the Consequences of Unipolarity. Cambridge: Cambridge University Press, 2012. Johnston, Alastair Iain. "Is China a status quo Power?" International Security. vol. 27, no. 4 (Spring 2003).

  1. هنا يثير صعودها السلمي تساؤلات، مثل هل سيستمر ذلك على المدى الطويل؟ Barry Buzan, "China in International Society: Is 'Peaceful Rise' Possible?" The Chinese Journal of International Politics , vol. 3, no. 1 (Spring 2010), pp. 5-36.

Julienne, Marc. "La puissance maritime et navale de la Chine." Annuaire français des relations internationales. vol. XVII (2016). Kapstein, Ethan B. & Michael Mastanduno (dir.). Unipolar Politics: Realism and State Strategy after the Cold War. New York: Columbia University Press, 1999. Krauthammer, Charles. "The Unipolar Moment." Foreign Affairs. vol. 70, no. 1 (Winter 1990-1991). ________. "The Unipolar Moment Revisited: United States World Dominance." The National Interest. no. 70 (Winter 2002-2003). Layne, Christopher. "The Unipolar Illusion: Why New Great Powers will Rise." International Security. vol. 17, no. 4 (Spring 1993). ________. "The Unipolar Illusion Revisited: The Coming End of the United States' Unipolar Moment." International Security. vol. 31, no. 2 (2006). Lynch, Marc. "Belligerent Minimalism: The Trump Administration and the Middle East." The Washington Quarterly. vol. 39, no. 4 (2016). Macleod, Alex & David Morin (dir.). Diplomaties en guerre: Sept Etats face à la crise irakienne. Montréal: CEPES; Athéna Editions, 2005. Mearsheimer, John J. "China's Unpeaceful Rise." Current History. vol. 105, no. 690 (2006). ________. "The Gathering Storm: China's Challenge to US Power in Asia." The Chinese Journal of International Politics. vol. 3, no. 4 (Winter 2010). Monteiro, Nuno. "Unrest assured: why unipolarity is not peaceful." International Security. vol. 36, no. 3 (Winter

________. Theory of Unipolar Politics. Cambridge: Cambridge University Press, 2014. Mowle, Thomas S. & David H. Sacko. The Unipolar Future: An Unbalanced Future. New York: Palgrave Macmillan, 2007. Nye Jr., Joseph S. "US Power and Strategy after Iraq." Foreign Affairs. vol. 80, no. 4 (2003). Ouellet, Eric et al. (dir). Les Etudes stratégiques au XXIe siècle. Outremont: Athéna Editions, 2013. Pape, Robert A. "Soft Balancing against the United States." International Security. vol. 30, no. 1 (Summer 2005). Tizzard, David Andrew. "American Unipolarity: The Uneven Distribution of Power." Global Politics Review. vol. 3, no. 2 (2017). Weber, Max. Economie et sociétés , tom 1: Les Catégories de la sociologie. Paris: Plon Pocket, 1995.