"هل للقيم أهمية تَُذك ر؟ الرؤساء والسياسة الخارجيةمن روزفلت إلى ترامب"

Djallel Khechib جلال خشيب |

هل للقيم أهمية تذكر؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من روزفلت إلى ترامب عنوان الكتاب:. المؤلف: جوزيف ناي.Joseph Nye الناشر: مطبعة جامعة أكسفورد. سنة النشر:.2020 عدد الصفحات: 254 صفحة.

"Do Morals Matter? Presidents and Foreign Policy from FDR to Trump"

.Do Morals Matter? Presidents and Foreign Policy from FDR to Trump عنوان الكتاب في لغته:

مدخل: عن السياق الذي يتنزل فيه الكتاب

يعتبر جوزيف ناي Joseph Nye أحد الأعمدة المعاصرة لتيار الليبرالية الحديثة في العلاقات الدولية، صنّف في عام 2008 من استطلاع رأي شمل 2700 باحث في العلاقات الدولية، باعتباره أكثر الباحثين تأثيرًا في السياسة الخارجية الأميركية، وفي عام 2011 صنّفته دورية Foreign Policy (السياسة الخارجية) ضمن قائمة شملت 100 مفكر عالمي من المفكرين الأشد تأثيرًا1. دَرّس في الكثير من الجامعات الأميركية، وشغل سابقًا منصب عميد مدرسة كينيدي للحوكمة في جامعة هارفارد، وهو اليوم أستاذ محاضر فخري فيها. عرف ناي بمقاربته النظرية عن القوة الناعمة 2005()، وله فيها Soft Power: The Means to Success in أربعة عشر كتابًا منها: World Politics (القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة العالمية)؛ The Future of Power)؛ قوى القيادة (The Powers to Lead Presidential Leadership and the Creation)؛ مستقبل القوة (of the American Era (القيادة الرئاسية وخلق العصر الأميركي)؛.) (هل انتهى القرن الأميركي؟ Is the American Century Over? عمل ناي، إلى جانب مساره الأكاديمي المميّز، مستشارًا مساعدًا لشؤون الدفاع والأمن الدولي ورئيس مجلس الاستخبارات القومي ونائب وكيل وزارة الخارجية وغيرها من المناصب الرسمية في إدارة جيمي كارتر 1981-1977() وبيل كلينتون 2001-1993() وباراك أوباما)2017-2009(2، الأمر الذي أتاح له خبرةً مهنية واحتكاكًا مباشرًا بمؤسسات صنع السياسات العليا في الولايات المتحدة وفرصةً للتأثير بطروحاته التنظيرية فيها، ولا سيما في الحقبة التي تلت سقوط الاتحاد السوفياتي، أو ما صار يعرف بالنزعة الأممية الليبرالية، أو كما يسمّيها منتقدوها "تيار The Liberal Internationalism الهيمنة الليبرالية" Hegemoy Leberal The التي امتدّت حتى انتخاب دونالد ترامب 2017() رئيسًا للولايات المتحدة. يأتي كتاب ناي الأخير، هل للقيم أهمية تذكر؟ الرؤساء والسياسة الخارجية من روزفلت إلى ترامب، ثمرة لهذه الخبرة المهنية من جهة، وامتدادًا للطروحات التنظيرية التي دافع عنها وأرسى لها ركائز منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم من جهة أخرى، أي طروحات تيّار "النزعة الأممية الليبرالية" التي يحاجّ دعاتها بأنّها لم تكن وليدة "لحظة الأحادية القطبية" 1991() فحسب، بل هي أيضًا امتداد طبيعي للأسس التي أرستها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مع الرئيس فرانكلين روزفلت 1945-1933()، أو ما عرف آنذاك بالنظام الدولي الليبرالي The Liberal International Order، وتجد لها جذورًا فلسفية ضاربةً في تاريخ الفكر السياسي الغربي منذ أفلاطون إلى إيمانويل كانط إلى جون لوك وآدم سميث، وصولً إلى جوردن بيترسون Peterson B Jordan -1962()، بينما حمل لواءها اليوم في حقل التنظير الخاصّ بالعلاقات الدولية باحثون كثر، مثل روبرت كيوهان Keohane Owen Robert -1941()، وفرانسيس فوكوياما Fukuyama Francis -1952()، وجون آيكينبري

،) -1961(Peter D. Feaver وبيتر فيفر)، -1954(G. John Ikenberry

وهال براندز Brands Hal -1983()، وغيرهم. يؤمن هؤلاء المنظّرون، وع ىى رأسهم جوزيف ناي، بما عرف بينهم ب "نزعة الاستثناء الأميركي" Exceptionalism American، حيث يرون في الولايات المتحدة بلدًا وفكرة، مثلما رأت فرنسا نفسها في عصر الأنوار على حدِّ تعبير الأكاديمي الأميركي - الفرنسي ستانلي هوفمان Hoffmann Stanley 2015-1928()، فأميركا في نظرهم بلدٌ قدّر له أن يكون استثنائيًا وأن تكون قِيَمه فريدةً وعالمية، حتى إن استخدامها القوة كان في أغلبية الأحيان في مصلحة هذا العالم، لهذا يتحدّث ناي في بداية كتابه عن النزعة الأخلاقية الأميركية التي تعتبر نتاجًا من هذا الاستثناء. بناءً على ذلك، يولي المنظّرون الليبراليون في العلاقات الدولية أهميّةً حاسمة للمؤسسات العالمية والإقليمية (الحكومية وغير الحكومية)، لا سيما الاقتصادية منها، منظمات حقوق الإنسان، القيم والمعايير، ويحاجّون بأنّها تؤدي دورًا مركزيًا في تقليل حدّة اللايقين Uncertainty والفوضى Anarchy التي تطبع العلاقات بين الأمم، وما ينجم عنها من مآزق أمنية Security Dilemma وتنامٍ لميزانيات التسلّح وعسكرة السياسات الخارجية للدول ونشوء الأحلاف العسكرية، حيث يوجد انخراط الدول بقوة في مثل هذه المؤسسات، ما يسمّونه اعتمادًا متبادلً متشابكًا بينها Interdependence Complex، يجعل - كلمّا تعمّق بين الدول - من الحرب والنزاع خيارًا لاعقلانيًا مكلفًا لها، هكذا ببساطة تتجنّب الدول كلّ ما من شأنه أن يوتّر علاقاتها البينية ويعظّم في المقابل لديها خيار التعاون والجنوح إلى السلام. سقوط الاتحاد السوفياتي "من دون حرب ك ىرر" في الفترة 1991-1988، وما أعقب ذلك من ثورة عولمية وانتصار للديمقراطيات الليبرالية Democracies Liberal، التي "بانتشارها عبر العالم سيعدم

  1. Joseph S. Nye, Jr., "University Distinguished Service Professor, Harvard Kennedy School," Centre for Technology and Global Affairs Department of Politics and International Relations, University of Oxford, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/3fdsLp0
  2. Joseph Nye, "Harvard University Distinguished Service Professor, Emeritus," Harvard's Kennedy School, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/3kJAjkA

خيار الحرب تقريبًا"، نظرًا إلى أن "الديمقراطيات لا يحارب بعضها بعضًا"، شكّل ظروفًا ساعدت الليبراليين في المحاجّة بطروحاتهم تلك، وعلى الرغم من بعض الاختلافات الفرعية بين هؤلاء المنظّرين، فإنهم تمكّنوا من تشكيل تيّار سائد داخل الولايات المتحدة، هيمن بطروحاته على مؤسسات صنع القرار، لا سيما مؤسسة الخارجية3، موجِّهين سياساتها الكبرى منذ نهاية الحرب الباردة في عام 1991. على الرغم من هذه الهيمنة المعرفية والسياسية لتيار النزعة الأممية الليبرالية داخل الولايات المتحدة، فإنّه لم يسلم من انتقادات حادّة من خصومه، كانت أغلبيتها من خصومه التقليديين، أي الواقعيين الذين بقوا يشكّلون بطروحاتهم المتجدّدة والغزيرة ما يشبه "حكومة الظلّ " الناقدة والمراقِبة الطروحات المسيطرة على أجهزة السلطة والقرار التي تقدّم بدورها بدائل تصل إلى حدّ الاختلاف الجذري لما ينبغي لصنّاع القرار تبنّيه في ما يتعلّق بالسياسة الخارجية الأميركية خصوصًا4، إضافة إلى تفسيراتها الخاصة لطبيعة العلاقات بين الأمم وطريقة سير هذا العالم من الأساس. أتاحت الظروف التي مرّ بها العالم بعد الحرب الباردة شواهد إمبريقيةً داعمةً طروحات الواقعيين الجدد على حساب دعاة الهيمنة الليبرالية، على سبيل المثال لا الحصر، شنّ العراق حربًا على الكويت في عام 1990، ما تطلّب تدخلً أميركيًا وأمميًا واسعًا، وانفجار أزمة البلقان في قلب أوروبا الليبرالية في الفترة 1995-1992، إضافة إلى اشتعال الكثير من النزاعات البينية والإثنية في القرن الأفريقي وغيرها من بقاع العالم، على غرار دخول الصومال في حرب أهلية منذ عام 1991، وما تبعه من تدخّل أميركي بتفويض من الأمم المتحدة في عام 1992، انتهى بكارثة إنسانية، خصوصًا بعد معركة مقديشو في بداية تشرين الأول/ أكتوبر 1993، أو الإبادة الجماعية التي عاشتها رواندا في عام 1994، أو مذبحة سربرنيتشا في البوسنة والهرسك في عام 1995، وكلّها أحداث ونزاعات زادت من حدّة التدخلّات العسكرية للقوى الكبرى تحت مسميات عدّة، مثل التدخّل الإنساني أو مسؤولية الحماية لاحقًا، مثلما حدث في كوسوفو في عام 1999 حينما تدخّل حلف شمال الأطلسي "الناتو" لدحر القوات الصربية بعدما رفضت قياداتها وقف الأعمال الحربية ضدّ الكوسوفيين. كما راجت أطروحة "صدام الحضارات" Civilizations of Clash The بقوة، حيث اتّخذها كثيرون دليلً حاسمً على أنّ التطوّر السياسي للبشرية لم يصل إلى مرحلته النهائية بعد انتصار الليبرالية الغربية. وساهمت تلك الأحداث كلها التي شهدها العالم منذ سقوط جدار برلين في عام 1989، في إنعاش الطروحات النظرية الواقعية من جديد، التي لم تتوان عن دحض الطروحات الليبرالية "المغرقة في الأوهام العولمية" و"وعود المؤسسات الدولية الكاذبة"5. وكلّل هذا الانتعاش بالكتاب الرائد لجون ميرشايمر John Mearsheimer مأساة سياسات القوى، الصادر في عام The Tragedy of Great Power Politics الكبرى 2001، والذي يعدّ بمنزلة "الكتاب المقدّس" لما يسمّى اليوم "الواقعية الكلاسيكية الجديدة" Realism Neoclassical. منذ تلك الفترة، ودعاة هاتين المدرستين منخرطون في نقاشات نظرية وإمبريقية مستمرة حول مواضيع جدلية عدة، على غرار تطوّر النظام الدولي الليبرالي ومستقبله، وصعود الصين، وعودة روسيا، ومستقبل الريادة والهيمنة الأميركية، ومصير الاتحاد الأوروبي والتكاملات الدولية مع حركة "البريكسيت"، ومجالات النفوذ الجديدة، وتنامي النزعات القومية عبر أنحاء العالم كلها، وصعود الدكتاتوريات الناعمة التي تحظى بشعبية واسعة، ومستقبل الديمقراطية الليبرالية مع تنامي الحركات اليمينية والشعبوية المتطرفة في العالم، وعودة الدولة الحامية والمتدخّلة، والابتكارات التكنولوجية العسكرية الجديدة، وحروب الدرونز والروبوتات، والحروب البيولوجية والسيبرناتيكية، وتحدّي المناخ وغيرها6. لذا، في الوقت الذي تعرف النزعة الأممية الليبرالية تراجعًا حادًّا في طروحاتها، يسعى ناي في هذا الكتاب للدفاع عن أحد أهمّ مرتكزاتها، أي القيم الليبرالية، وذلك من خلال توضيح الأهمية الكبرى للقيم

  1. David Klion, "The Blob: Ben Rhodes and the Crisis of Liberal Foreign Policy," The Nation , 17/10/2018, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/35GHKop يمكن الاطلاع أيضًا على ردّ المنظرين الليبراليين على هذا "الادّعاء" المتعلّق بهيمنتهم على
  2. Emma Ashford, "Build a Better Blob: Foreign Policy Is Not a Binary
  3. مؤسسة الخارجية والانفراد بها وتهميش الطروحات المخالفة لهم هناك، في: Hal Brands, Peter Feafer & William Inboden, "In Defense of the Blob: America's Foreign Policy Establishment Is the Solution, Not the Problem," Foreign Affairs , 29/4/2020, accessed on 18/11/2020, at: https://fam.ag/3pKwQpB
  4. Choice Between Trumpism and Discredited Elites," Foreign Affairs , 29/5/2020, accessed on 18/11/2020, at: https://fam.ag/35LmuOc; Stephen Walt, "Why Is the United States So Bad at Foreign Policy?" Foreign Policy , 13/1/2020, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/2UFSXiP; Stephen Walt, "There's No Such Thing as Good Liberal Hegemony," Foreign Policy , 21/4/2020, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/38WBcEf 5  John J. Mearsheimer, "Back to the Future: Instability in Europe after the Cold War," International Security , vol. 15, no. 1 (Summer 1990), pp. 5-56, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/2KnC4HO; John Mearsheimer, "The False Promise of International Institutions," International Security , vol. 19, no. 3 (Winter 1994-1995), pp. 5-49, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/2UD7dJ6 6 للمزيد ينظر: G. John Ikenberry, "The End of Liberal International Order?" International Affairs , vol 94, no. 1 (2018), pp. 7–23, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/35HWhjB; John J. Mearsheimer, "Bound To Fail: The Rise, and Fall of the Liberal International Order," International Security , vol. 43, no. 4 (Spring 2019), pp. 7–50, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/2UIDPkN

في السياسة الخارجية عبر تتبّع أثرها منذ حقبة الرئيس روزفلت إلى إدارة الرئيس ترامب الحالية. الجدير بالذكر، أنّ روّاد المدرستين يصدِرون، في كل عام تقريبًا، كتبًا جديدة تتضارب فيها الرؤى على نحو صار غير قابل للتقريب في ما بينها في الوقت الراهن، كان آخرها كتاب جون ميرشايمر في عام 2019 الوهم الأعظم: الأحلام الليبرالية والحقائق الدولية The Great، Delusion: Liberal Dreams and International Realities وكتاب ستيفن والت Stephen Walt، من جامعة هارفارد، جحيم النوايا الحسنة: نخب السياسة الخارجية الأميركية وانحدار الريادة The Hell of Good Intentions: America's Foreign الأميركية. في المقابل، أعلن Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy الليبرالية المتوحشة وأحد أكبر دعاة "الأممية الليبرالية صاحب كتاب "، جون آيكينبري عن صدور كتابه الجديد في عام 2020 بعنوان عالمٌ آمنٌ للديمقراطية: النزعة الدولية الليبرالية وأزمة النظام العالمي A World Safe for Democracy: Liberal Internationalism هل ويأتي كتاب جوزيف ناي. and the Crises of Global Order للقيم أهمية تذكر؟ ضمن هذا السياق الجدلي الذي يحمل ردودًا ونقاشات ليبرالية حادّة على آخر إصدارات الواقعيين الجدد بخصوص القضايا المستجدة، على رأسها السياسة الخارجية الأميركية.

تقسيم الكتاب

جاء الكتاب في تسعة محاور، مرقّمة من واحد إلى تسعة، بما فيها مقدّمة الكتاب وخاتمته، لكن يمكننا إعادة تقسيمه ثلاثة أقسام أساسية7. يمثّل القسم الأول (الذي يضّ م الفصلين الأول والثاني) مدخلً نظريًا يشرح فيه ناي كلّ ما له علاقة بالقيم في السياسة العالمية والكيفية التي يقترحها لتقويم سلوك الرؤساء والحكم على مدى أخلاقيتها، واضعًا فيه أدوات عملية وسلّمً خاصًّا يمكّنه من إجراء تقويم موضوعي ما أمكن، بينما يعتبر القسم الثاني (الذي يضم الفصول: الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع والثامن) استقصاءً لدرجة وجود هذه القيم في أفكار الرؤساء الأميركيين وسلوكهم وصفاتهم الشخصية والنفسية الموروثة عن الآباء والمكتسبة بفعل النشأة العائلية والمحيط الاجتماعي التعليمي والمهني الذي عاش فيه هؤلاء الرؤساء وتفاعلوا معه، من روزفلت إلى ترامب، وكيف انعكس ذلك على سياساتهم الخارجية والأزمات التي تعاملوا معها في أثناء فترة حكمهم، مسلطًا الضوء على السياقات التي جاءت فيها أبرز القرارات التي اتخذوها في سياستهم الخارجية. ويعدّ هذا القسم بمنزلة "المختبر التاريخي والنفسي" الذي مكّن الباحث من استخلاص مقاربته النظرية الأخلاقية في السياسة الخارجية، التي صاغ معالمها في القسم الأول من الكتاب. بعدها، يأتي القسم الثالث (الذي يضم الفصل التاسع الأخير) ليتضمّن تقويمًا أخلاقيًا شاملً للسياسة الخارجية الأميركية منذ عهد روزفلت إلى إدارة ترامب، وفقًا للأسس التي أرساها في القسم الأول والأمثلة التي فصّل فيها القسم الثاني في حقبة كلّ رئيس، محاولً رصد صعود الأخلاق في سياسة البلد الخارجية وأفولها في سياقات ذلك، وأخيرًا التحدّيات التي تواجهها سياسةٌ خارجية أميركية أكثر أخلاقية في ضوء التغيرات التي تعرفها الولايات المتحدة في الداخل، والتغيرات التي تعيشها البيئة العالمية التي تتفاعل فيها سياستها الخارجية تلك.

مناقشة ونقد: ما الجديد الذي يخبرنا به الكتاب؟

يفتتح ناي كتابه بتسجيل الانطباع السائد لدى بعض معارفه عن موضوع القيم والأخلاق في السياسة الخارجية الأميركية، ففي جلسة عشاء تسأله إحدى صديقاته عمّ كان يفعله في الفترة الأخيرة، ليجيب أنّه انشغل بكتابة كتاب عن الرؤساء، الأخلاق والسياسة الخارجية، وكان في ردّة فعل هذه السيدة تلخيصٌ للكيفية التي ينظر بها كثيرٌ من الأميركيين (وغير الأميركيين) إلى هذا الموضوع: "لا بد من أن يكون الكتاب إذًا صغيرًا جدًّا"، أو ما عبّ عنه صديقٌ آخر في تلك الجلسة على نحو صريح: "لا أعتقد أنّ للأخلاق دورًا كبيرًا." يرى ناي أنّ هذا الاعتقاد صار سائدًا لدى الرأي العام وبين الأوساط السياسية (ص). والعلمية أيضًا IX واستقصاءً لهذا الموضوع، يستشهد ناي مثلً بمسح أجري خلال 15 سنةً كاملة في أبرز ثلاث مجلّ ت أكاديمية أميركية في مجال العلاقات الدولية، لم يسفر المسح إلّ عن وجود أربع مقالات فقط عن هذا الموضوع، نظرًا إلى هذا الاعتقاد السائد الذي (ص عبّ ت عنه محادثة جلسة العشاء تلك IX). إنّه لمن البدهي أن تختار الدول التصرّف وفقًا لما تمليه عليها مصالحها الخاصة، لكنّ المسألة الأهّم هي الكيفية التي يختار عبرها القادة تحديد المصالح الوطنية ومتابعتها في ظلّ ظروف مختلفة. لذا، وخلافًا لهذه الحكمة التقليدية السائدة، يريد ناي من هذا الكتاب أن يوضح الأهمية الكبرى للقيم في السياسة الخارجية من خلال تتبّع أثرها منذ حقبة الرئيس روزفلت إلى إدارة الرئيس ترامب الحالية. لا يعدّ هدفه تفسيريًا فحسب، بقدر ما يحمل كتابه هذا دعوةً/ وصفةً إلى الالتزام بعامل القيم في عالم تسوده الفوضى الدولية والشكّ والمصالح الضيقة، فمن خلال تركيزه على القيم (الليبرالية طبعًا) سيمنح الفلسفة الليبرالية عمرًا أطول باعتبار القيم هي ركيزة هذه الفلسفة المحورية، والأهمّ

  1. يعبّ التقسيم الوارد في هذه المراجعة عن فهم المراجِع المحاور الكبرى لهذا الكتاب. أمّا تقسيم جوزيف ناي، فجاء في تسعة محاور تتضمّن مقدّمة الكتاب وخاتمته.

أنّه سيعطي النزعة الأممية الليبرالية في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية (أو الهيمنة الليبرالية كما يسميها الخصوم) تأثيرًا أكثر فاعلية في مؤسسات السياسة العليا في الولايات المتحدة ونخبها، ولا سيما في هذه الحقبة التي يقف فيها هذا التيار ودعاته على المحك مع النقد الحاد الموجه إليهم والتحولات الجديدة التي يعرفها عالم اليوم. يستعمل ناي في هذا الكتاب مصطلحَي الأخلاق Ethics والقيم Morals بوصفهما مترادفين، ليعبر بهما عن أحكام الصواب والخطأ، فالأخلاق بالنسبة إليه هي مبادئ أكثر تجريدًا للسلوك الصحيح، في حين تشير القيم عادةً إلى الأحكام الشخصية أكثر، التي قد ترتكز على الأخلاق الرسمية أو الضمير الشخصي. يصعب على أيّ باحث أن يقدّم حكمً موضوعيًا بخصوص مدى أخلاقية السلوك الخارجي أو السياسة الخارجية عمومًا لرئيس من الرؤساء، نظرًا إلى التعقيد الذي تتميّز به عملية صنع السياسة الخارجية وملابساتها الداخلية والخارجية، إضافة إلى تأثير الأحكام الشخصية والميولات السياسية والأيديولوجية لصاحب الحكم والتقويم، لذا يقدّم ناي هنا "وصفة نظرية" تمكّننا من صوغ تقويم أقلّ تحيّزًا وأكثر موضوعية لأيّ سلوك خارجي أو سياسة خارجية، مطبّقًا سلّم التقويم هذا على رؤساء الولايات المتحدة من روزفلت إلى ترامب، لذا، من المهم التأكيد أنّ هذا الكتاب ليس كتابَ تاريخ يستهدف سرد القيم الأخلاقية لدى رؤساء الولايات المتحدة وتتبّع مرجعيتها، بل كتاب يستند إلى مختبر التاريخ، ليبني مقاربةً نظريةً مفسّةً ومرشدةً في آن، عبر استخلاص استنتاجات مجردة وعامة، تحكمها قوانين وضعية تجريبية مثل أيّ مقاربة نظرية وضعية أخرى. يستلزم سلّم تقويمه ضرورة التركيز على ثلاثة أبعاد أساسية مترابطة وإحداث التوازن بينها: النيّات والمحفّزات: وهنا يقيس الرؤية الأخلاقية التي يحظى بها القائد، من خلال محاولة الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل أظهر القائد قِيمً جذّابة؟ وهل حدّدت هذه القيم دوافعه؟ هل للقائد "ذكاءٌ عاطفي"  Intelligence Emotional يمكّنه من تجنّب التناقض الذي يعترض تلك القيم بسبب حاجاته الشخصية؟ بناء على السؤال الأول، يقيس ناي الحكمة متسائلً: هل يحظى القائد ب "ذكاء سياقي" Intelligence Contextual يمكّنه من الموازنة بحكمة بين القيم المتّبعة والمخاطر المفروضة على الآخرين؟ الوسائل، يقيس هنا الضرورة والتناسب ودرجة التمييز بين استخدام القوة والاح اررم الليبرالي للحقوق والمؤسسات عبر محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية: هل استخدم القائد القوّة مراعيًا مدى ضرورة ذلك، نظرًا إلى أهمية التمييز في معاملة المدنيين، ومنتبهًا إلى مدى التناسب أو التكافؤ الحاصل بين المكاسب والأضرار؟ هل حاول القائد احترام المؤسسات واللجوء إليها في الداخل والخارج؟ وإلى أيّ مدى روعيت حقوق الآخرين؟ العواقب/ التبعات: يقيس درجة النجاح المحقّق على المدى البعيد للمصالح الأميركية، الحدّ الأدنى من الضرر الذي يتسبّب فيه الرئيس للآخرين، وكذا خطابه الأخلاقي الصادق، وذلك عبر محاولة الإجابة عن الأسئلة التالية: هل كان القائد وصيًّا ومستأمنًا جيّدًا؟ هل تقدّمت مصالح البلد بعيدة المدى إلى الأمام؟ هل راعى القائد أيضًا مصالح الشعوب الأخرى؟ هل عمل القائد على احترام الحقيقة وبناء الصدقية؟ هل روعيت الحقائق؟ هل حاول القادة إيجاد خطاب قيمي أخلاقي وتوسعته داخل الديار وخارجها؟

أما نتيجة سلّم التقويم بالنسبة إلى كلّ رئيس، فتتأرجح ما بين درجة سيّئ (ص) ومختلط وجيّد لكلّ بعد من هذه الأبعاد الثلاثة 37-36-35. ليؤكّد الكاتب أنّ القيمَ مهمّةٌ في السياسة الخارجية، شرط أن يحكم عليها في (ص) ضوء النيات/ الدوافع، الوسائل والعواقب مجتمعةً 16-15. يؤكّد ناي ضرورة إحداث التوازن بين هذه الأبعاد الثلاثة، فهذا ما يمنحنا تقويمًا موضوعيًا للسلوك السياسي إذا ما كان أخلاقيًا أم لا. بناءً على ذلك، يرى ناي أنّ على الرؤساء الأميركيين إحداث التوازن بين النزعة الليبرالية الويلسونية (المثالية) والنزعة البراغماتية المكيافيلية (الواقعية)، محذّرًا من مغبّة الميل المطلق إلى إحداهما على حساب الأخرى. ويشير إلى عدم القدرة على التملّص من هذه الثنائية، خصوصًا حينما يتعلّق الأمر بتقويم الجمهور سياسة الرئيس. على سبيل المثال، اشتكى الناس في السابق من اهتمام الرئيس كارتر بقضايا حقوق الإنسان، في حين يشتكي عديدون اليوم من إهمال ترامب هذه المسألة، ويعرف التاريخ الأميركي أمثلةً عدة مشابهة: "يمكن أن تحظى باختلافات كبيرة بخصوص مقدار القيم وحقوق الإنسان الذي تريد أن يتضمّنه تعريفك للمصلحة القومية"8، كما يقول ناي.

مع ذلك، يُظهر ناي ميلً إلى تفضيل الرؤساء الذين يلتزمون بقيم الليبرالية، أو بالأحرى تيّار النزعة الأممية الليبرالية المشار إليها آنفًا (الويلسونيون Wilsonianism)، مثل الذين عمل ضمن إداراتهم، لا

  1. Christina Pazzanese, "What Makes for a Moral Foreign Policy? A Conversation with Joseph Nye," The Harvard Gazette , 21/1/2020, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/2HiWi4k

سيما الرئيس أوباما الذي تبنّى في أثناء إدارته مقاربة ناي عن القوة الناعمة والقوة الذكية وسيلةً للنجاح في السياسة الخارجية، لذا، وعلى الرغم من الأخطاء الكارثية التي ارتكبها رؤساء ليبراليون، مثل أوباما أو كلينتون في سياساتهم الخارجية، فإنّ تقويمهم كان إيجابيًا وأعلى مقارنةً بنظرائهم، لذا نجده يمنح في تقويمه هذا درجة أكبر لترومان وكلينتون، ثم أوباما وكارتر، متبوعين بجورج بوش الأب وجيرارد فورد. بعدها يتقارب في التقويم كلٌّ من آيزنهاور وريغان وروزفلت، يليهم جون كينيدي وترامب وبوش الابن وريتشارد نيكسون وليندون جونسون9، من دون أن يخفي الكاتب التحيّز الشخصي الذي يعتريه هذا التقويم. لا يخفي الكاتب تأثّره، وتأثّر كثيرين من القادة الأميركيين الليبراليين منهم (روزفلت وكارتر) والواقعيين (نيكسون) بالرئيس وودرو ويلسون 1921-1913()، فهو بالنسبة إلى المنظّرين والقادة الليبراليين بمنزلة المفكر- القائد الملهم للأفكار - والسلوك المثالي الذي ينبغي أن يضطلع به القادة الأميركيون، ويتجه المنظرون إلى ترسيخ مرتكزاتهم في (ص). طروحاتهم النظرية، على غرار ما يفعله ناي في كتابه 93-5 على سبيل المثال، يشير الكاتب إلى ما قام به ويلسون في عام 1917، عندما أرسل مليونَ جندي أميركي للقتال في أوروبا تعزيزًا للقيم الليبرالية ضدّ النزعات العدوانية والإمبريالية التي تصاعدت في أوروبا آنذاك، على الرغم من سياسة العزلة التي كانت تتبعها الولايات المتحدة آنذاك (مبدأ مونرو.) إضافةً إلى ذلك، كان ويلسون يرى في مبدأ توازن القوى "مبدأ لاأخلاقيًا، على الرغم من إدراكه العميق لفحواه"، فهو في نظره "يقسِّم الأمم إلى قطع كالجبن لتناسب القوى العظمى، مثلما قسِّمت بولندا بين روسيا وبروسيا والنمسا في القرن الثامن عشر"، داعيًا بدلً من ذلك إلى تأسيس عصبة الأمم المرتكِزة على مبدأ الأمن الجماعي ضدّ المعتدين، ما من شأنه أن يكون "أكثر سلمية من الأحلاف التي تتطلّب مراعاةً لمبدأ توازن القوة." ورأى ويلسون الولايات المتحدة في أثناء الحرب العالمية الأولى باعتبارها "قائدة لجميع الأمم في اتجاه مجتمع دولي منظّم، بغية تحقيق أهداف حقّة وعادلة"، لذا، سمّى الولايات المتحدة "جمعيةً" لا حليفًا بالنسبة إلى القوى المنتصرة، وكان ذلك في رأيه "النمط الوحيد لصيغة السلام التي يقبلها الشعب الأميركي على المدى القصير والخيار الأخلاقي للعالم أجمع على المدى البعيد." لذلك، يعدّ هذا الإرث الويلسوني بالنسبة إلى ناي وتقويمه (وبالنسبة إلى المنظرين الليبراليين) بمنزلة الإرث الملهم لمشروع النظام الدولي الليبرالي الذي أرساه عمليًا روزفلت وترومان بعد عام 1945، وتابعه على نحو مريح بعد الحرب الباردة كلٌّ من بوش وكلينتون وأوباما خصوصًا، وهؤلاء هم الرؤساء الذين يميل تقويم ناي إليهم (ص) أكثر من غيرهم  .5 يشير ناي إلى أنّ النيّات الحسنة وحدها ليست كافيةً لإصدار تقويم إيجابي لسلوك خارجي ما، حيث أظهر كلّ من ليندون جونسون 1969-1963() (عند إرساله القوات الأميركية إلى فيتنام في عام 1964)، وجورج بوش الابن 2009-2001() (عند غزوه العراق في عام 2003) نياتٍ حسنة، لكن من دون استخدام وسائل مناسبة لتحقيقها، فأدّى ذلك إلى عواقب سيئة من الناحية الأخلاقية (ص. 15). وهناك من ينسب الفضل إلى نيكسون في إنهائه حرب فيتنام، إلّ أنّه ضحّى بحياة 21 ألف جندي أميركي "لأجل إيجاد فترة فاصلة محترمة ذات سمعة جيّدة، سرعان ما تجاوزها صدى الهزيمة" (ص. 185). كما تعزّز القرارات الجيّدة في السياسة الخارجية التي ينجم عنها (فعلً أو امتناعًا) نتائج وتبعات، قوّة المؤسسات الدولية وحقوق الإنسان العالمية، على غرار استعداد ترومان لقبول مأزق وعقوبة سياسية داخلية في أثناء الحرب الكورية نظرًا إلى امتناعه عن الأخذ بتوصيات الجنرال مكارثي باستخدام السلاح النووي ضدّ الكوريين (ص. 183)، أو سياسات جورج بوش الأب 1993-1989() مع نهاية الحرب الباردة، التي كان لها آثار كوسموبوليتانية إيجابية جدًّا، عزّزت المصالح الأميركية العالمية من دون أن تلحق ضررًا كبيرًا بمصالح (ص) الآخرين وحقوقهم، وفقًا للكاتب.129

بين الذكاء السياقي والذكاء العاطفي: أهمية سمات الرؤساء الشخصية والنفسية

إضافةً إلى ما سبق، تتضمّن مقاربة ناي مجموعةً من المفاهيم المفتاحية المساعِدة في تقويم أداء الرؤساء ومدى أخلاقية قراراتهم المتّخذة، لا سيما في أثناء الأزمات، أبرزها مفهوما: الذكاء السياقي Contextual Intelligence and للرؤساء العاطفي والذكاء Intelligence Emotional؛ إذ يجب على القائم بالتقويم أن ينتبه إلى السياق الذي جاءت فيه قرارات الرئيس، لا سيما تلك المثيرة للجدل، ويلحظ مدى استيعاب الرئيس للّحظة التي يمّر بها ويتّخذ (ص) فيها قراراته تلك 186-39. على سبيل المثال، رأى الرئيس هاري ترومان 1963-1945()، الذي ألقى قنبلةً ذريّة على هيروشيما وناكازاكي، أن فعله ذاك كان خيارًا صائبًا (على الرغم من انتصار الولايات المتحدة في الحرب قبيل هذا القرار)، لأنّ العالم لم يكن واعيًا آنذاك بالعواقب الكارثية للأسحلة النووية، ونجده هو نفسه الشخص الذي يرفض لاحقًا استخدام الأسلحة الذريّة في الحرب الكورية لأجل

  1. Francis P. Sempa, "Book Review: Do Morals Matter? Presidents and Foreign Policy from FDR to Trump," New York Journal of Books , 2/1/2020, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/35LhMjH

إنقاذ نفسه من شبح خسارة الحرب، فالخبرة هنا ساهمت في قرار ترومان تجاه كوريا، وجعلت قراره أخلاقيًا في هذا الصدد، في حين لم (ص) يكن قراره تجاه اليابان كذلك 59-58. أمّا بالنسبة إلى الذكاء العاطفي، فيرتبط بشخصية القائد ومدى قدرته على استيعاب نفسية "الأصدقاء والخصوم"، وتؤدي هذه القدرة دورًا مهمًّ في مدى التزامه بالفعل الأخلاقي من عدمه. في هذا الصدد، يبدي الكاتب إعجابًا كبيرًا بشخصية الرئيس جورج بوش الأب الذي أرسى توازنًا جيّدًا بين الفعل الأخلاقي والمصلحة الأميركية حينما كانت واشنطن تعيش لحظة الانتصار المطلق مع سقوط جدار برلين، فلم يتّجه نحو إهانة السوفيات أو إبداء رغبة في الانتقام منهم لحظة انكسارهم، وهذا هو الذكاء العاطفي بالضبط، الذي عبّ عنه بوش في قوله وبطريقة عفوية: "لن أضرب على صدري مفتخرًا، ولن أرقص حول الجدار"، وساعده هذا الذكاء العاطفي لاحقًا في تعبيد الطريق لنجاح قمّة (ص مالطا مع ميخائيل غورباتشوف 127). يولي الكتاب أهميةً كبرى لسمات الرئيس الشخصية والنفسية (التواضع، والغرور، والثقة، والخوف، والحرج، والصبر، والحكمة، وغير ذلك) وللمصادر الأولية التي ساهمت في تكوين هذه السمات، مثل البيئة الأسرية التي نشأ فيها (غنية/ فقيرة)، التعليم الذي تلقاه والجامعة التي درس فيها (مرموقة/ عادية)، والإرث السياسي الذي تحظى به عائلته أو حظِيَ به هو نفسه قبل وصوله إلى البيت الأبيض (تقلّده هو أو والده مثلً مناصب سامية/ مسيرة سياسية متواضعة في ولاية متواضعة)، فلكلّ ذلك تأثيرٌ ما في القرارات التي يتخذها، لا سيما في أثناء الأزمات، ومن هنا يساعدنا أخذ هذه السمات في الحسبان في أثناء التحليل، في تقويم مدى أخلاقية السلوك والقرارات المتخذة. على سبيل المثال، ينحدر جون كينيدي من عائلة ثرية، تلقّى تعليمه في مدارس خاصّة، كما تخرّج في جامعة هارفارد المرموقة، ساعدت ثروة والده وعلاقاته في نجاح مسيرته السياسية، ومنحه ذلك كله ثقةً عاليةً بالنفس ومهارات فريدة وشجاعةً على اتخاذ قرارات حاسمة في ذروة الحرب الباردة أيّام الأزمة الكوبية التي جعلت هارولد ماكميلان 1963-1957() (رئيس الوزراء البريطاني الأسبق) يقول عنه: "لقد حَصّل مكانه في التاريخ من خلال هذا العمل وحده"، في إشارة منه إلى مهارته في إدارة الأزمة استراتيجيًا (ص) وأخلاقيًا على حدّ سواء 79-72. في مقابل ذلك، ينحدر رونالد ريغان 1989-1981() من عائلة متواضعة، ولد في بلدة صغيرة، والده كان معاقرًا الخمر، في حين كانت والدته امرأةً شديدة التدين، درس في مدرسة محافظة متواضعة، ولم يكن طالبًا مميّزًا، مقارنةً بأقرانه، كما لم يصل إلى البيت الأبيض عبر الكونغرس أو أروقة البيت الأبيض، فكانت له مسيرة سياسية متواضعة قبل أن يكون رئيسًا، صنع ذلك كله منه شخصيةً متواضعة، متديّنة، قريبة من عموم الشعب، فكان رجلً ينظر إلى المشكلات الكبرى والمعقدة بطريقة بسيطة، ويرى أنّ لها حلولً مبسّطة، على الرغم من أنّه يتمتّع برؤية عميقة للحياة، لذا كان ينظر مثلً إلى صراع الحرب الباردة على نحو ثنائي ومبسّط (صراع الخير ضدّ الّ)، وهو من أطلق على الاتحاد السوفياتي تسمية "إمبراطورية الشرّ" في عام 1983، وتبنّى سياسةً خارجية مرتكِزة على إيمانه المحافظ بالمثل الأميركية الخيّة التي يجب أن تهزم (ص). الشرّ 117-116 ساهمت سمات كينيدي وجونسون ونيكسون الشخصية في إدامة حرب فيتنام وزيادة الخسائر البشرية وتقويض صورة أميركا الأخلاقية، حيث لم يرد أيٌّ منهم أن يسجله التاريخ بصفته الرئيس الذي "خسر حرب فيتنام" إذا ما اتّخذ قرارًا بإنهاء الحرب، كما كان يخشى كلٌّ منهم أن يهزّ قرارٌ كهذا صورته الشخصية الكاريزماتية (كينيدي) والصلبة (جونسون) والاستراتيجية الحاذقة (ص). (نيكسون) التي كثيرًا ما أبدوها للجمهور 96-95 والكتاب حافل بأمثلة كهذه عند كلّ محطّة رئيس، ولا شكّ في أنّ الرئيس ترامب يعتبر حاليًا مثالً ممتازًا عن دور السمات الشخصية والنفسية (ص) للرئيس في تحديد طبيعة قراراته السياسية 170-168، كما يعتبر في نظر الكاتب مثالً غير محبّذ للقائد الذي لا يكترث لأهمية البعد القيمي والأخلاقي في سياسته الداخلية والخارجية على حدٍ سواء، وما ينجرّ عن ذلك من عواقب وخيمة في الداخل والخارج، على الرغم من إقرار الكاتب بأنّنا في حاجة إلى أن يمرّ وقتٌ أطول حتّى نتمكن من تقديم تقويم أكثر موضوعية لحقبتي أوباما وترامب خصوصًا (ص).180

تحديات مستقبلية: من أجل سياسة خارجية أميركية أكثر أخلاقية

يتضمّن القسم الثالث من الكتاب تقويمًا أخلاقيًا شاملً للسياسة الخارجية الأميركية منذ عهد روزفلت إلى إدارة ترامب، محاولً رصد صعود الأخلاق وتراجعها في سياسة البلد الخارجية وسياقات ذلك (ص. 181-195)، حيث يتساءل الكاتب عن مصير المكانة الأميركية والنظام الدولي الليبرالي بعد مئة سنة من العهد الويلسوني الذي يعتبر مضرب المثل الأعلى في السياسة الأخلاقية بالنسبة إليه، ليقرّ بأنّ كلًّ من هذه المكانة وهذا النظام، يعرف تراجعًا واضحًا؛ إذ يمثّل ترامب "لحظة معاداة للويلسونية" في تاريخ الولايات المتحدة، على حدّ تعبير ناي، مع مقته المؤسسات الدولية متعدّدة الأطراف ومناهضته العولمة والديمقراطية على نحوٍ أضعف القوة الناعمة الأميركية. وكان للويلسونية، كما يحاجّ الكاتب، فرصة انبعاث أخرى قوية في

السياسة الخارجية الأميركية مع لحظة الأحادية القطبية في عام 1990، إلّ أنّها انحرفت وصارت نزعةً إمبريالية خطرة على القيم الليبرالية التي شجعتها10، وبلغ هذا الخطر ذروته مع بوش الابن والمحافظين الجدد أو "الويلسونيين الجدد"، كما يسميهم آخرون، على غرار جون ميرشايمر11؛ إذ بالغ هؤلاء في تعزيز فكرة السلام الديمقراطي وتغيير الأنظمة لإرساء الديمقراطية باستخدام القوة العسكرية واستغلال مبدأ مسؤولية الحماية، كما بدا ذلك في أثناء غزو العراق في عام.2003 كما يناقش الكتاب في عناصره الأخيرة التحدّيات التي تواجهها سياسة خارجية أميركية أكثر أخلاقيةً في ضوء التغيّ ات التي تعرفها الولايات المتحدة في الداخل، والتغيّ ات التي تعيشها البيئة العالمية التي تتفاعل فيها سياستها الخارجية تلك، حيث يرى أنّ رؤساء الولايات المتحدة المقبلين سوف يواجهون نمطين من تحولّات القوة العالمية، من شأنهما أن يشكلّا سياق السياسة الخارجية الأميركية في هذا القرن، أحدهما تحوّلٌ أفقي ومتعلّق بانتعاش آسيا وصعود الصين، والثاني عمودي ومتعلّق بالثورة التكنولوجية والمعلوماتية التي يشهدها (ص). عالم اليوم 196-195 فبعدما يقدّم ناي أرقامًا ومقارناتٍ بين الماضي والحاضر عن الوضع الذي كانت عليه آسيا والصين، خصوصًا، والوضع الذي آلت إليه وما يفرضه ذلك من تحدٍّ جدّي على وضع الريادة الأميركية العالمية، يحاج بأنّ الصين لن تتمكّن من الإحلال مكان الولايات المتحدة على رأس النظام الدولي لأسباب كثيرة مرتبطة أساسًا بالتفوّق الأميركي العسكري والاقتصادي والجيوبوليتيكي على الصين، وسوف تبقى الصين متأخرة عن الولايات المتحدة كثيرًا وفق معيار نصيب الدخل الفردي من الناتج الإجمالي حتّى وإن تجاوزت بكين واشنطن من حيث الحجم الكلّ للاقتصاد، كما يشكل الإنفاق العسكري الأميركي أربعة أضعاف نظيره الصيني، أما عن مؤشّ القوة الناعمة فالولايات المتحدة مصنّفةٌ من الدول الثلاث الأولى، بينما تحتل الصين المرتبة ال 26، إضافةً إلى ذلك، تعدّ المستفيد الأول من النظام الدولي الليبرالي الذي بنته الولايات المتحدة، لذا ليس من المرجّح أن تتجه إلى تقويضه. أمّا بخصوص روسيا، فهي تعاني انحدارًا ديموغرافيًا حادًّا، واعتمادًا ثقيلً على صادرات الطاقة، يمنعها من التحوّل إلى قوة منافسة على غرار الصين، كما تبقى الولايات المتحدة، في نظره، لاعبًا حاسمً في ميزان القوة الآسيوي، وسوف تعمل اليابان والهند وأستراليا (ص) وباقي الدول على موازنة القوة الصينية 204-197. أما التحدّي العمودي، فلا يقلّ جدّيةً عن سابقه، حيث يشهد العالم اليوم انتقالً غير مسبوق للتكنولوجيا من الدولة التي احتكرت كلّ شيء في الماضي، إلى فواعل غير دولتية كسرت كلّ احتكار مركزي وصارت تتحدّى سيطرة الحكومات وتعرّضها لهشاشة أكبر وانكشاف، الأمر الذي يجلب معه تعقيدات جديدةً وغير مألوفة، تجسّد ذلك في ظواهر كثيرة على غرار الإرهاب المعَولَم والشركات الأمنية الخاصّة والجريمة الإلكترونية والهجمات السيبرانية على البنوك والأصول الحساسة للدول والحروب الهجينة، إضافة إلى المخاطر البيولوجية والبيئية والصحية التي صار العبث فيها أكثر إتاحةً من ذي قبل. لن تنفع سياسة العزلة في شيء، كما لن يفيد الموقع الجغرافي المنعزل للولايات المتحدة والمحمي بكتلةِ محيطين كبيرين في إبعاد هذه المخاطر والتحديات الجديدة عنها كما كان يفعل في الماضي، لن يفيد بناء الجدران العازلة مع الجيران في شيء، ولا فرض الرسوم الجمركية على المنافسين أيضًا. لا تعرّض هذه التحديات البنية التحتية للولايات المتحدة للانكشاف والخطر فحسب، بل تشمل حتى حرياتها الديمقراطية أيضًا؛ فعلى سبيل المثال تعرّضت شركة سوني للأفلام SONY لهجمات سيبرانية من كوريا الشمالية بعدما أنتجت فيلمً سخر من القائد الكوري كيم جونغ أون في عام 2015، وفي عام 2016 كانت روسيا قادرةً على التدخّل في الانتخابات الرئاسية الأميركية عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي الأميركية ذاتها، وهكذا تحوّلت هذه الوسائل من وسائل قوة أميركية تعبّ عن انفتاحها وحريتها الليبرالية إلى أسلحة ضدّها. لأجل ذلك تحتّم هذه التحديات المتسارعة على الرؤساء المقبلين ضرورة إيجاد سياسة خارجية جديدة، كما تضعهم أمام خيارات أخلاقية صعبة، مقارنة بسابقيهم، على غرار مدى أخلاقية المراقبة السرية لوسائل التواصل الاجتماعي وما يستتبعها من انتهاك للخصوصيات الفردية في سبيل تتبّع شبكات الإرهاب الإلكتروني وما شابه، أو مدى أخلاقية تفويض تكنولوجيات الذكاء الصناعي في التعامل مع أهداف الحروب، ففي السابق كان في إمكان الإنسان القابع في غرفة المراقبة التقنية-العسكرية تقدير طبيعة الأهداف المراقَبَة في ساحة الحرب، ليقرّر إعطاء الأوامر باستهدافها أم لا، بعد أن يضع في الحسبان اعتبارات إنسانية معيّنة إلى حدّ ما، أما اليوم، فصارت المهمة موكلة إلى تقنيات الذكاء الصناعي والدرونز التي لا تضع أيّ اعتبارات إنسانية في التعامل مع الأهداف المشبوهة في ساحة الحرب، وهذا ما يطرح إشكاليات أخلاقية عدة (ص سوف تواجه القادة المقبلين بقوة.)211-204 إضافة إلى ذلك، يتخوّف ناي من التهديد الآتي من الداخل لوضع الهيمنة الأميركية، أكثر من التهديد الآتي من الخارج، ويعني بذلك، خصوصًا، صعود النزعات القومية والشعبوية داخل الولايات المتحدة على حساب

  1. Joseph S. Nye, Jr, "The Rise and Fall of American Hegemony from Wilson to Trump," International Affairs , vol. 95, no. 1 (January 2019), accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/35HXU0I
  2. John Mearsheimer, "Hans Morgenthau and the Iraq War: Realism Versus Neo-Conservatism," Open Democracy , 19/5/2005, accessed on 18/11/2020, at: https://bit.ly/3pTAVbi

القيم الليبرالية والديمقراطية، وتنامي الاستقطاب السياسي والميل الدوغمائي للقادة والمسؤولين في السياسة الخارجية (ص. 211-215)

خاتمة

يرى ناي أنّ للولايات المتحدة إرثًا متجذّرًا في الإعلاء من أهمية القيم والأخلاق في سياساتها، وهو إرثٌ ساهم الآباء المؤسسون في جعله أساسًا للوضع الاستثنائي الذي تحظى به الولايات المتحدة، ضاربًا لذلك مثلً بالإرث الذي تركه الرئيس ويلسون في تطوير المؤسسات الدولية والقيم الأخلاقية الليبرالية، وهو إرثٌ يبقى في نظره ذا معنى وأهمية اليوم. لذا، على الولايات المتحدة أن تتّجه نحو تعزيز مهمة القيادة العالمية، لا الهيمنة الإمبريالية، مستعينةً بهذا الإرث، كما ينبغي لها (على الرغم من تراجع تفوّقها العالمي)، أن تأخذ زمام القيادة في الكثير من القضايا المعاصرة، مثل التغيّ المناخي والاستقرار المالي العالمي، نظرًا إلى كونها الفاعل الوحيد القادر على تجنيب الجميع الآثار السلبية لهذه القضايا، فهذه قضايا ذات طبيعة أخلاقية عالمية من شأنها أن تعزّز أكثر مكانة الولايات المتحدة ومصالحها القومية على حدّ سواء. غير ذلك، ستبقى "الويلسونية الأخلاقية" الآن معلّقةً ومستقبل النظام الدولي الليبرالي الذي قادته واشنطن منذ عام 1945 يشوبه الشكّ والريبة12.

المراجع

Ashford, Emma. "Build a Better Blob: Foreign Policy Is Not a Binary Choice Between Trumpism and Discredited Elites." Foreign Affairs. 29/5/2020. at: https://fam.ag/35LmuOc Brands, Hal et al. "In Defense of the Blob: America's Foreign Policy Establishment Is the Solution, Not the Problem." Foreign Affairs. 29/5/2020. at: https://fam.ag/3pKwQpB Ikenberry, John. "The End of Liberal International Order?" International Affairs. vol 94, no. 1 (2018). at: https://bit.ly/35HWhjB Klion, David. "The Blob: Ben Rhodes and The Crisis of Liberal Foreign Policy." The Nation. 17/10/2018. at: https://bit.ly/35GHKop Mearsheimer, John J. "Back to The Future: Instability In Europe after The Cold War." International Security. vol. 15, no. 1 (Summer 1990). at: https://bit.ly/2KnC4HO ________. "The False Promise of International Institutions." International Security. vol. 19, no. 3 (Winter 1994-1995). at: https://bit.ly/2UD7dJ6 ________. "Hans Morgenthau and The Iraq War: Realism Versus Neo-Conservatism." Open Democracy. 19/5/2005. at: https://bit.ly/3nGxPVU ________. "Bound to Fail: The Rise, and Fall of the Liberal International Order." International Security. vol. 43, no. 4 (Spring 2019). at: https://bit.ly/2UIDPkN Nye Jr., Joseph S. "The Rise and Fall of American Hegemony from Wilson To Trump." International Affairs. vol. 95, no. 1. (January 2019). at: https://bit.ly/35HXU0I ________. "University Distinguished Service Professor, Harvard Kennedy School." Centre for Technology and Global Affairs Department of Politics and International Relations, University of Oxford. at: https://bit.ly/3fdsLp0 Pazzanese, Christina. "What Makes for a Moral Foreign Policy? A Conversation with Joseph Nye." The Harvard Gazette. 21/1/2020. at: https://bit.ly/2HiWi4k Sempa, Francis P. "Book Review: Do Morals Matter? Presidents and Foreign Policy from FDR to Trump." New York Journal of Books. 2/1/2020. at: https://bit.ly/35LhMjH Walt, Stephen. "Why Is the United States So Bad at Foreign Policy?." Foreign Policy. 13/1/2020. at: https://bit.ly/2UFSXiP ________. "There's No Such Thing as Good Liberal Hegemony." Foreign Policy. 21/4/2020. at: https://bit.ly/38WBcEf